← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

(لتنذر) يجوز أن يتعلق بتنزيل أو بفعل مضمر يدل عليه لمن المرسلين أي أرسلناك لتنذر (قوماً) أي العرب وغيرهم. (ما أنذر) ما: هي النافية أي لم تنذر (آباؤهم) ويجوز أن تكون ما موصولة أو موصوفة أي: لتنذر قوماً الذي أنذر آباؤهم، أو لتنذرهم عذاباً أنذره آباؤهم، أو مصدرية أي إنذار آبائهم، وعلى القول بأنها نافية المعنى ما أنذر آباؤهم برسول من أنفسهم، ويجوز أن يراد ما أنذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة، وإلا فآباؤهم الأبعدون قد أنذروا بإسماعيل وبعيسى ومن قبلهما. (فهم غافلون) أي فهم بسبب ذلك غافلون أو فهم غافلون عما أنذرنا به آباءهم، قال أبو السعود: الضمير للفريقين أي فهم جميعاً غافلون وقد ذهب أكثر أهل التفسير إلى أن المعنى على النفي، وهو الظاهر من النظم القرآني لترتيب فهم غافلون على ما قبله.

стр. 7737

(لقد حق القول) اللام هي الموطئة للقسم، أي والله لقد ثبت وتحقق ووجب القول أي: الحكم والقضاء الأزلي أو العذاب (على أكثرهم) أي أكثر أهل مكة أو أكثر الكفار على الإطلاق أو أكثر كفار العرب، وهم من مات على الكفر وأصر عليه طول حياته، فيتفرع قوله: (فهم لا يؤمنون) على ما قبله بهذا الاعتبار، أي لأن الله سبحانه قد علم منهم الإصرار على ما هم فيه من الكفر والموت عليه، وقيل: المراد

стр. 7738

بالقول المذكور هنا قوله سبحانه: (فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك)، وقيل نزلت هذه الآية في أبي جهل وصاحبيه المخزوميين وجملة

стр. 7739

(إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً) تقرير لما قبلها مثلت حالهم بحال الذين غلت أعناقهم. (فهي) أي الأغلال منتهية (إلى الأذقان) جمع ذقن. وهو أسفل اللحيين لأن الغل يجمع اليد إلى العنق فلا يقدرون عند ذلك على الالتفات، ولا يتمكنون من عطفها لأن طوق الغل الذي في عنق المغلول يكون في ملتقى طرفيه تحت الذقن، حلقة فيها رأس العمود، خارجاً من الحلقة إلى الذقن، فلا يخليه يطأطىء رأسه فلا يزال مقمحاً وهو معنى قوله: (فهم مقمحون) أي رافعون رؤوسهم غاضون أبصارهم، قال الفراء والزجاج: المقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه ومعنى الإقماح: رفع الرأس وغض البصر، يقال: أقمح البعير رأسه وقمح: إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء. قال الأزهري: أراد الله أن أيديهم لما غلت عند أعناقهم رفعت الأغلال إلى أذقانهم ورؤوسهم صعداء فهم مرفوعو الرؤوس برفع الأغلال إياها، وقال قتادة: معنى مقمحون مغلولون والأول أولى. وقال أبو عبيدة: قمح البعير إذا رفع رأسه عن الحوض ولم يشرب، وعنه أيضاًً: هو مثل ضربه الله لهم في امتناعهم عن الهدى كامتناع المغلول، كما يقال: فلان حمار أي لا يبصر الهدى، قال الفراء: هذا ضرب مثل أي حبسناهم عن الإنفاق في سبيل الله، وهو كقوله: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) وبه قال الضحاك. وقيل: الآية إشارة إلى ما يفعل بقوم في النار من وضع الأغلال في أعناقهم كما قال تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم) وقرأ ابن عباس: (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً) قال الزجاج أي في أيديهم، قال النحاس: وهذه القراءة تفسير، ولا يقرأ بما خالف المصحف، قال: وفي الكلام حذف على

стр. 7740

قراءة الجماعة أي: إنا جعلنا في أعناقهم وفي أيديهم أغلالاً فهي إلى الأذقان. فلفظ (هي) كناية عن الأيدي لا عن الأعناق والعرب تحذف مثل هذا ونظير (سرابيل تقيكم الحر) أي وسرابيل تقيكم البرد لأن ما وقى من الحر وقى من البرد لأن الغل إذا كان في العنق فلا بد أن يكون في اليد، ولا سيما وقد قال الله: (فهي إلى الأذقان) فقد علم أنه يراد به الأيدي فهم مقمحون، أي رافعو رؤوسهم لا يستطيعون الإطراق لأن من غلت يداه إلى ذقنه ارتفع رأسه. وروي عن ابن عباس أنه قرأ (إنا جعلنا في أيديهم أغلالاً) وعن ابن مسعود أنه قرأ (إنا جعلنا في أيمانهم أغلالاً) كما روي سابقاً عن ابن عباس، وعنه قال: الأغلال ما بين الصدر إلى الذقن فهم مقمحون كما تقمح الدابة باللجام (١).

стр. 7741

(وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً) أي منعناهم عن الإيمان بموانع فهم لا يستطيعون الخروج من الكفر إلى الإيمان كالمضروب أمامه وخلفه بالأسداد، والسد: بضم السين وفتحها لغتان. قال الضحاك: سداً أي الدنيا وسداً أي الآخرة، قيل: بالعكس (فأغشيناهم) بالغين المعجمة أي غطينا أبصارهم على حذف مضاف، وقرىء: بالعين المهملة من العشا، وهو ضعف البصر، ومنه: (ومن يعش عن ذكر الرحمن) فهم بسبب ذلك. (لا يبصرون) أي لا يقدرون على إبصار شيء، قال الفراء: فألبسنا أبصارهم غشاوة أي عمى، فهم لا يبصرون سبيل الهدى، وكذا قال قتادة إن المعنى لا يبصرون الهدى، وقال السدي: لا يبصرون محمداً ﵌ حين ائتمروا على قتله. وعن ابن عباس قال: في السد كانوا يمرون على النبي ﵌ فلا يرونه، وعنه أيضاًً قال: " اجتمعت قريش بباب النبي صلى

стр. 7742

الله عليه وسلم ينتظرون خروجه ليؤذوه فشق ذلك عليه، فأتاه جبريل بسورة يس وأمره بالخروج عليهم، فأخذ كفاً من تراب وخرج وهو يقرؤها ويذر التراب على رؤوسهم، فما رأوه حتى جاز فجعل أحدهم يلمس رأسه فيجد التراب، وجاء بعضهم فقال: ما يجلسكم؟ قالوا ننتظر محمداً فقال: لقد رأيته داخل المسجد، قال: قوموا فقد سحركم " (١). قال الضحاك في الآية أي عموا عن البعث، وعموا عن قبول الشرائع في الدنيا، قال تعالى: (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ)، قال البيضاوي، هذا تمثيل آخر بمن أحاط بهم سدان فغطيا أبصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في أنهم محبوسون في مطمورة الجهالة، ممنوعون عن النظر في الآيات والدلائل.

стр. 7743

(وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) أي إنذارك إياهم وعدمه سواء، وهذا بيان لشأنهم بطريق التوبيخ بعد بيانه بطريق التمثيل، وجملة: (لا يؤمنون) مستأنفة مبينة لما قبلها من الاستواء أو حال مؤكدة أو بدل منه. وروي أن عمر بن عبد العزيز قرأ هذه الآية على غيلان القدري. فقال: كأني لم أقرأها أشهدك أني تائب عن قولي في القدر. فقال عمر: " اللهم إن صدق فتب عليه، وإن كذب فسلط عليه من لا يرحمه "، فأخذه هشام ابن عبد الملك من عنده فقطع يديه ورجليه وصلبه على باب دمشق. وعن ابن عباس في الآية قال: " كان النبي ﷺ يقرأ في المسجد فجهر بالقراءة حتى تأذى به ناس من قريش حتى قاموا ليأخذوه وإذا أيديهم مجموعة بأعناقهم، وإذا هم عمي لا يبصرون، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: ننشدك الله والرحم يا محمد، قال: ولم يكن بطن من بطون قريش إلا وللنبي ﷺ فيهم قرابة، فدعا النبي ﷺ حتى ذهب ذلك عنهم، فنزلت: " يس إلى قوله: لا يؤمنون "، قال: فلم يؤمن من ذلك النفر أحد وفي الباب روايات في سبب نزول ذلك هذه الرواية أحسنها وأقربها إلى الصحة.

стр. 7744

إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) وقال الزجاج في الآية: أي من أضله الله هذا الإضلال لم ينفعه الإنذار، وإنما ينفع الإنذار من ذكر في قوله:

стр. 7745

(إنما تنذر من اتبع الذكر) أي القرآن (وخشى الرحمن بالغيب) أي في الدنيا. (فبشره) الفاء لترتيب البشارة أو الأمر بها على ما قبلها من اتباع الذكر والخشية أي بشر هذا الذي اتبع الذكر (بمغفرة) عظيمة (وأجر كريم) أي حسن، وهو الجنة، ثم أخبر سبحانه بإحيائه الموتى فقال:

стр. 7746

(إنا نحن نحيي الموتى) أي نبعثهم بعد الموت، وقال الحسن والضحاك: أي نحييهم بالإيمان بعد الجهل، والأول أولى، وهو بيان لشأن عظيم، ينطوي على الإنذار والتبشير انطواء إجمالياً ثم توعدهم بكتب آثارهم فقال: (ونكتب) في صحف الملائكة. (ما قدموا) أي أسلفوا من الأعمال الصالحة والطالحة (وآثارهم) أي ما أبقوه من الحسنات التي لا ينقطع نفعها بعد الموت كمن سن سنة حسنة كعلم علموه أو كتاب صنفوه، أو حبس حبسوه، أو بناء بنوه من مسجد أو رباط، أو قنطرة، أو نحو ذلك، أو السيئات التي تبقى بعد موت فاعلها، كمن سن سُنة سيئة كوظيفة وظفها بعض الظلام على المسلمين وسكة أحدثها فيها تخسيرهم، وشيء أحدث فيه صد عن ذكر الله من ألحان وملاهٍ ونحو ذلك (١). قال مجاهد وابن

стр. 7747

زيد: نظيره قوله: (علمت نفس ما قدمت وأخرت)، وقوله (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)، وقيل: المراد بالآية آثار المشائين إلى المساجد، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين، قال النحاس: وهو أولى ما قيل في الآية لأنها نزلت في ذلك، ويجاب عنه بأن الاعتبار بعموم الآية لا بخصوص سببها، وعمومها يقتضي كتب جميع آثار الخير والشر، والإحياء هو المعتبر والكتابة مؤكدة معظمة لأمره، فلهذا قدم الإحياء. وقرى: نكتب على البناء للفاعل وللمفعول. عن أبي سعيد الخدري قال: " كان بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد فأنزل الله (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فدعاهم رسول الله ﷺ فقال: " إنه يكتب آثارهم ثم قرأ عليهم الآية فتركوا " أخرجه الترمذي وحسنه، والبزار والحاكم وصححه، وغيرهم. وفي صحيح مسلم وغيره من حديث جابر قال: " إن بني سلمة أرادوا أن يبيعوا ديارهم ويتحولوا قريباً من المسجد فقال لهم رسول الله ﷺ يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم " (١). (وكل شيء) من أعمال العباد وغيرها كائناً ما كان، وقرأ الجمهور بنصب كل على الاشتغال، وقرىء بالرفع على الابتداء (أحصيناه في إمام) أي كتاب مقتدى به (مبين) موضح لكل شيء، قال مجاهد وقتادة وابن زيد: أراد اللوح المحفوظ، وقالت فرقه: أراد صحائف الأعمال.

стр. 7748

(واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية) قد تقدم الكلام على نظير هذا في البقرة والنمل، والمعنى اضرب لأجلهم مثلاً أو اضرب لأجل نفسك أصحاب القرية مثلاً، أي مثلهم عند نفسك بأصحاب القرية؛ فعلى الأول: لما قال

стр. 7749

تعالى: (إنك لمن المرسلين) وقال: (لتنذر قوماً) قال قل لهم: ما أنا بدعاً من الرسل، فإن قبلي بقليل جاء أصحاب القرية المرسلون وأنذروهم بما أنذرتكم وذكروا التوحيد وخوفوا بالقيامة وبشروا بنعيم دار المقامة، وعلى الثاني لما قال: إن الإنذار لا ينفع من أضله الله: وكتب عليه أنه لا يؤمن قال للنبي ﷺ : اضرب لنفسك ولقومك مثلاً، أي مثل لهم عند نفسك مثلاً بأصحاب القرية، حيث جاءهم ثلاثة رسل ولم يؤمنوا وصبر الرسل على الإيذاء وأنت جئت إليهم واحداً، وقومك أكثر من قوم الثلاثة فإنهم جاؤوا إلى أهل قرية وأنت بعثتك إلى الناس كافة: والمعنى: واضرب لهم مثلاً مثل أصحاب القرية، أي اذكر لهم قصة عجيبة قصة أصحاب القرية فترك المثل وأقيم أصحاب القرية مقامه في الإعراب. وقيل لا حاجة إلى الإضمار، بل العنى اجعل أصحاب القرية لهم مثلاً على أن يكون مثلاً. وأصحاب القرية مفعولين لـ (اضرب) أو يكون أصحاب القرية بدلاً من (مثلاً) وقد قدمنا الكلام على المفعول الأول من هذين المفعولين؛ هل هو (مثلاً) و (أصحاب القرية) وقد قيل: إن ضرب المثل يستعمل تارة في تطبيق حالة غريبة بحالة أخرى مثلها، كما في قوله: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط) ويستعمل أخرى في ذكر حالة غريبة وبيانها للناس من غير قصد إلى تطبيقها بنظيرة لها كما في قوله: (وضربنا لكم الأمثال) أي بينا لكم أحوالاً بديعة غريبة هي في الغرابة كالأمثال. فقوله سبحانه هنا (واضرب لهم مثلاً) يصح اعتبار الأمرين فيه. قال القرطبي: هذه القرية هي انطاكية في قول جميع المفسرين، وبه قال ابن عباس وبريدة، وهي ذات أعين وسور عظيم من صخر داخله خمسة أجبل، دورها اثني عشر ميلاً، والعواصم بلاد قصبتها انطاكية، وهي بأرض الروم. (إذ جاءها المرسلون) بدل اشتمال من أصحاب القرية، والمرسلون

стр. 7750

هم أصحاب عيسى بعثهم إلى أهل انطاكية للدعاء إلى الله وكانوا عبدة أوثان، وإنما أضاف سبحانه الإرسال إلى نفسه في قوله:

стр. 7751

(إذ أرسلنا إليهم اثنين) لأن عيسى أرسلهم بأمر الله سبحانه ويجوز أن يكون أرسلهم الله بعد رفع عيسى إلى السماء من غير واسطة (فكذبوهما) في الرسالة، وقيل ضربوهما وسجنوهما، وقيل: واسم الاثنين: يوحنا وشمعون، وقيل: أسماء الثلاثة صادق ومصدوق وشلوم، قاله ابن جرير وغيره. وقيل: شمعان ويوحنا وبولس، وقال وهب: اسمهما يحيى وبولس، وقال كعب: صادق وصدوق. (فعززنا بثالث) قرىء بتشديد الزاي وتخفيفها. قال الجوهري: فعززنا يخفف ويشدد أي قوينا وشددنا فالقراءتان على هذا بمعنى، وقيل: التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا، ومنه (وعزني في الخطاب)، والتشديد بمعنى قوَّينا وكثرنا، قيل: وهذا الثالث هو شمعون، وقيل غيره - وعن ابن عباس قال: " كان بين موسى بن عمران وبين عيسى بن مريم ألف سنة وتسعمائة سنة، ولم تكن بينهما فترة وإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى والنبي ﷺ خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء. وهو قوله: (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث) والذي عزز به شمعون، وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة سنة وأربعاً وثلاثين سنة (١) أخرجه ابن سعد وابن عساكر. (فقالوا إنا إليكم مرسلون) أي قال الثلاثة جميعاً؛ وجاؤوا بكلامهم هذا مؤكداً لسبق التكذيب للاثنين والتكذيب بهما تكذيب للثالث لأنهم أرسلوا جميعاً بشيء واحد وهو الدعاء إلى الله ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: ما قال هؤلاء الرسل بعد التعزيز لهم بثالث؟ وكذلك جملة:

стр. 7752

قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)

стр. 7753

(قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) فإنها مستأنفة، كأنه قيل: فما قال لهم أهل أنطاكية؟ فقيل: (قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا) أي مشاركون لنا في البشرية فليس لكم مزية علينا تختصون بها، والخطاب للثلاثة، ثم صرحوا بجحود إنزال الكتب السماوية فقالوا: (وما أنزل الرحمن من شيء) مما تدعونه أنتم ويدعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل وأتباعهم (إن أنتم إلا تكذبون) في دعوى ما تدعون من ذلك.

стр. 7754

(قالوا) أي فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد تأكيداً بليغاً لتكرر الإنكار من أهل أنطاكية، وهو قولهم: (ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون) فأكدوا الجواب بالقسم الذي يفهم من قولهم ربنا يعلم وبإن وباللام. قال الزمخشري: ووجه التكرار أن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار انتهى، وهذا مخالف لما في المفتاح من أنهم أكدوا في المرة الأولى لأن تكذيب الاثنين تكذيب للثالث لاتحاد المقالة، فلما بالغوا في تكذيبهم زادوا التأكيد، وما ذهب إليه الزمخشري نظراً إلى أن مجموع الثلاثة لم يسبق منهم إخبار ولا تكذيب لهم في المرة الأولى، فالتأكيد فيها للاعتناء والاهتمام بالخبر. انتهى، قاله الشهاب.

стр. 7755

(وما علينا إلا البلاغ المبين) أي ما يجب علينا من جهة ربنا إلا تبليغ رسالته على وجه الظهور والوضوح بالأدلة الواضحة. وهي إبراء الأكمه والأبرص والمريض، وإحياء الميت، وليس علينا غير ذلك، وهذه جملة

стр. 7756

مستأنفة كالتي قبلها، وكذلك جملة:

стр. 7757

(قالوا إنا تطيرنا بكم) فإنها مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر، أي إنا تشاءمنا بكم لانقطاع المطر عنا بسببكم. لم يجدوا جواباً يجيبون به على الرسل إلا هذا الجواب، المبني على الجهل، المنبىء عن الغباوة العظيمة وعدم وجود حجة يدفعون الرسل بها، وعادة الجهال أن يتيمنوا بكل شيء مالوا إليه وقبلته طباعهم، ويتشاءموا بما نفروا عنه وكرهوه، فإن أصابهم بلاء أو نعمة قالوا بشؤم هذا وبركة هذا. قال مقاتل: حبس عنهم المطر ثلاث سنين فقالوا: هذا بشؤمكم. قيل: إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين، وقيل: إنما تطيروا لما بلغهم من أن كل نبي إذا دعا قومه فلم يجيبوه كان عاقبتهم الهلاك، وأصل التطير التفاؤل بالطير، فإنهم كانوا يزعمون أن الطائر السانح سبب للخير، والبارح سبب للشر، ثم استعمل في كل ما يتشاءم به. وفي المختار: وطائر الإنسان عمله الذي قلده، والطير أيضاًً الاسم من التطير ومنه قولهم: لا طير إلا طير الله وتطير من الشيء وبالشيء والاسم الطيرة بوزن عنبة، وهو ما يتشاءم به من الفأل الرديء. وفي الحديث: " أنه كان يحب الفأل ويكره الطيرة "، وقوله تعالى: (قالوا اطيرنا بك) أصله تطيرنا فأدغم، ثم رجعوا إلى التجبر والتكبر لما ضاقت صدورهم، وأعيتهم العلل فقالوا: (لئن لم تنتهوا) اللام للقسم، أي والله لئن لم تتركوا هذه الدعوى وتعرضوا عن هذه المقالة: (لنرجمنكم) بالحجارة، قال الفراء: عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل، وقال قتادة: هو على بابه من الرجم بالحجارة. (وليمسنَّكم منا عذاب أليم) أي شديد فظيع، وقيل: معناه التحريق بالنار أو القتل، وقيل: الشتم، وقيل: هو التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع

стр. 7758

خاص، وهذا هو الظاهر لكنهم حنثوا في هذا القسم لأنهم لم يتمكنوا من بره لإهلاك الله لهم. ثم أجاب عليهم الرسل دفعاً لما زعموه من التطير بهم و

стр. 7759

(قالوا طائركم معكم) أي شؤمكم معكم من جهة أنفسكم لازم في أعناقكم، وليس هو من شؤمنا. قال الفراء: طائركم أي رزقكم وقدركم وعملكم، وبه قال قتادة، وقرأ الجمهور: طائركم اسم فاعل. أي ما طار لكم من الخير والشر، وقرأ الحسن: اطيركم أي تطيركم. (أئن ذكرتم) قرىء بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف بينهم في التسهيل والتخفيف وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه، وقرىء بهمزتين مفتوحتين وقرىء أين على صيغة الظرف. واختلف سيبويه ويونس إذا اجتمع استفهام وشرط أيهما يجاب؟ فذهب سيبويه إلى أنه يجاب بالاستفهام، وذهب يونس إلى أنه يجاب بالشرط، وعلى القولين فالجواب هنا محذوف، أي أئن ذكرتم ووعظتم وخوفتم فتطيرتم لدلالة ما تقدم عليه وقرىء: أن ذكرتم بهمزة مفتوحة أي لأن ذكرتم، والقراآت كلها سبعية، ثم أضربوا عما يقتضيه الاستفهام والشرط من كون التذكير سبباً للشؤم أو مصححاً للتوعد فقالوا: (بل أنتم قوم مسرفون) أي ليس الأمر كذلك، بل أنتم قوم عادتكم الإسراف في المعصية، فمن ثم أتاكم الشؤم من قبلكم. لا من قبل رسل الله وتذكيرهم، أو بل أنتم مسرفون في تطيركم، قاله قتادة. وقال يحيى بن سلام مسرفون في كفركم، وقال ابن بحر: السرف هنا الفساد، والإسراف في الأصل مجاوزة الحد في مخالفة الحق، أي متجاوزون الحد بشرككم، وهذا لا ينافي كون أهل أنطاكية أول المؤمنين برسل عيسى، فإن الملك وقومه آمنوا وهلاك قاتلي حبيب لا يستلزم هلاك أهل أنطاكية.

стр. 7760

وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)

стр. 7761

(وجاء من أقصى المدينة) وهي القرية السابق ذكرها وعبر عنها هنا بالمدينة إشارة لكبرها واتساعها (رجل يسعى) هو حبيب بن مري وكان نجاراً، وقيل: إسكافاً، وقيل قصاراً، وقال مجاهد ومقاتل: هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان ينحت الأصنام، وقال وهب: كان يعمل الحرير. وقال قتادة: كان يعبد الله في غار فلما سمع بخبر الرسل جاء يسعى، أي يشتد عدواً. وقال ابن عباس: اسم صاحب يس حبيب وكان الجذام قد أسرع فيه قال القرطبي: وهو ممن آمن بالنبي ﷺ وبينهما ستمائة سنة كما آمن به تبع الأكبر وورقة بن نوفل وغيرهما، ولم يؤمن أحد بنبي غير نبينا، ﷺ إلا بعد ظهوره وأما نبينا فآمن به قبل ظهوره كثير، انتهى. وفيه من البعد والضعف ما لا يخفى ويدفعه قوله سبحانه: (قال يا قوم اتبعوا المرسلين) أي رسل عيسى ﵇، ولم يذكر نبينا ﷺ ولا دلت الآية عليه والجملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال لهم عند مجيئه؟ فقيل: قال إلخ، أي اتبعوا هؤلاء الذين أرسلوا إليكم فإنهم جاؤوا بحق، ثم أكد ذلك وكرره فقال:

стр. 7762

(اتبعوا من لا يسألكم) بدل من المرسلين بإعادة العامل أو تابع له (أجراً) على ما جاؤوكم به من الهدى (وهم) أي الرسل (مهتدون) ولو

стр. 7763

كانوا متهمين بعدم الصدق لسألوكم المال، فاهتدوا أنتم أيضاًً تبعاً لهم، ثم أبرز الكلام في معرض النصيحة لنفسه، وهو يريد مناصحة قومه فقال:

стр. 7764

(وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي) أي أَيُّ مانع من جانبي يمنعني من عبادة الذي خلقني، ثم رجع إلى خطابهم لبيان أنه ما أراد نفسه بل أرادهم بكلامه فقال: (وإليه ترجعون) أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم لأن الفطرة أثر النعمة وكانت عليه أظهر والرجوع فيه معنى الزجر، فكان بهم أليق، ولذلك لم يقل: إليه أرجع، وفيه مبالغة في التهديد وهذه الطريقة أحسن من ادعاء الالتفات ثم عاد إلى المساق الأول وهو التلطف في الإرشاد والنصيحة لقصد التأكيد ومزيد الإيضاح فقال:

стр. 7765

(أأتخذ من دونه) أي غيره (آلهة) فجعل الإنكار متوجهاً إلى نفسه، وهم المرادون به أي لا أتخذ من دون الله آلهة وأعبدها، وأترك عبادة من يستحقها وهو الذي فطرني. ثم بين حال هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله سبحانه إنكاراً عليهم وبياناً لضلال عقولهم وقصور إدراكهم فقال: (إن يردن الرحمن بضر) أي بسوء ومكروه شرط وجوابه (لا تغن عني شفاعتهم شيئاًً) من النفع كائناً ما كان أي لا شفاعة لها فتغني عني (ولا ينقذون) من ذلك الضر الذي أرادني الرحمن به وهذه الجملة صفة لآلهة أو مستأنفة لبيان حالها في عدم النفع والدفع.

стр. 7766

(إني إذاً) أي إني إذاً اتخذت من دونه آلهة وعبدت غير الله (لفي ضلال مبين) ظاهر واضح لأن إيثار ما لا ينفع ولا يدفع ضراً بوجه ما على الخالق المقتدر على النفع والضر وإشراكه به ضلال بيِّن لا يخفى على عاقل، وهذا تعريض بهم كما سبق، والضلال الخسران.

стр. 7767

إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩) ثم صرح بإيمانه تصريحاً لا يبقى بعده شك فقال:

стр. 7768

(إني آمنت بربكم فاسمعون) وكسر النون، وهي نون الوقاية، وهي اللغة العالية وقرىء بفتحها، وهي غلط. قال المفسرون: أراد القوم قتله فأقبل هو على المرسلين فقال: إني آمنت بربكم أيها الرسل فاسمعوا إيماني، واشهدوا لي به. وقيل: إنه خاطب بهذا الكلام قومه لما أرادوا قتله تصلباً في الدين، وتشدداً في الحق وعدم المبالاة بالقتل، فلما قال هذا القول وصرح بالإيمان وثبوا عليه فقتلوه، وقيل وطؤوه بأرجلهم. وقال الحسن: حرقوه حرقاً وعلقوه في سور المدينة، وقبره في سور أنطاكية حكاه الثعلبي. وقيل: حفروا له حفيرة وألقوه فيها، وقيل: إنهم لم يقتلوه بل رفعه الله إلى السماء وهو في الجنة، وبه قال الحسن. وقال السدي: رموه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي، حتى قتلوه. وقيل نشروه بالمنشار حتى خرج من بين رجليه، فوالله ما خرجت روحه إلا في الجنة فدخلها فذلك قوله تعالى:

стр. 7769

(قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ) أي قيل له ذلك عند موته تكريماً له بدخولها بعد قتله كما هي سنة الله في شهداء عباده ولم يذكر لفظ (له) في نظم الآية لأن الغرض بيان القول دون المقول له فإنه معلوم، وعلى قول من قال إنه رفع إلى السماء ولم يقتل يكون المعنى: إنهم أرادوا قتله فنجاه الله من القتل وقيل له: ادخل الجنة وفيه دليل على أن الجنة مخلوقة الآن، وعليه فالأمر أمر تكوين لا أمر امتثال على حد قوله: أن يقول له كن فيكون، فالمعنى أدخله الله الجنة سريعاً

стр. 7770

فلما دخلها ورأى نعيمها وشاهدها. (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، أي فماذا قال بعد أن قيل له: ادخل الجنة فدخلها؟ فقال يا ليت قومي .. الخ. وهم الذين قتلوه فنصحهم حياً وميتاً. قال ابن أبي ليلى: سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن أبي طالب، وهو أفضلهم، ومؤمن آل فرعون، وصاحب يس وهم الصديقون. ذكره الزمخشري و (ما) في

стр. 7771

(بما) هي المصدرية، وقيل موصولة أي بالذي غفر لي ربي، والباء صلة يعلمون، والعائد محذوف، أي غفره لي ربي، واستضعف هذا لأنه لا معنى لتمنيه أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة وليس المراد إلا التمني منه بأن يعلم قومه بغفران ربه له، وإليه أشار في التقرير، وقال الفراء: إنها استفهامية جاءت على الأصل بمعنى التعجب. والباء صلة غفر كأنه قال بأي شيء غفر لي ربي يريد به المهاجرة عن دينهم، والمصابرة على أذيتهم، قال الكسائي: لو صح هذا لقال: بم من غير ألف، ويجاب عنه بأنه قد ورد في لغة العرب إثباتها وإن كان مكثوراً بالنسبة إلى حذفها وفي معنى تمنيه قولان: أحدهما أنه تمنى أن يعلموا بحاله ليعلموا حسن مآله وحميد عاقبته إرغاماً لهم، وقيل: إنه تمنى أن يعلموا بذلك ليؤمنوا مثل إيمانه فيصيروا إلى مثل حاله، ولما وقع ما وقع منهم مع حبيب النجار غضب الله له وعجل لهم النقمة، وأهلكهم بالصيحة فقال:

стр. 7772

(وما أنزلنا على قومه من بعده) أي على قوم حبيب النجار من بعد قتلهم له أو من بعد رفع الله له إلى السموات على الاختلاف السابق. (من جند من السماء) لإهلاكهم وللانتقام منهم، أي لم نحتج إلى إرسال جنود من السماء لإهلاكهم كما وقع ذلك للنبي ﷺ : " يوم بدر من إرسال الملائكة لنصرته وحرب أعدائه " (١)، وذلك لأن الله

стр. 7773

أجرى هلاك كل قوم على بعض الوجوه دون بعض لحكمة اقتضت ذلك، وعن ابن مسعود في الآية قال: يقول ما كابدناهم بالجموع، أي الأمر أيسر علينا من ذلك. (وما كنا منزلين) أي وما صح في قضائنا وحكمتنا أن ننزل لإهلاكهم جنداً لسبق قضائنا وقدرنا بأن إهلاكهم بالصيحة لا بإنزال الجند، وقال قتادة ومجاهد والحسن: أي ما أنزلنا عليهم من رسالة من السمماء ولا نبي بعد قتله، وروي عن الحسن أنه قال: هم الملائكة النازلون بالوحي على الأنبياء والظاهر أن معنى النظم القرآني تحقير شأنهم، وتصغير أمرهم، أي ليسوا بأحقاء بأن ننزل لإهلاكهم جنداً من السماء، بل أهلكناهم بصيحة واحدة كما يفيده قوله:

стр. 7774

(إن كانت) أي العقوبة أو النقمة أو الأخذة. (إلا صيحة واحدة) صاح بها جبريل فأهلكهم قرىء: صيحة بالنصب على أن كان ناقصة، واسمها ضمير يعود إلى ما يفهم من السياق كما قدمنا، وقرىء برفعها على أن كان تامة، أي وقع وحدث، وأنكرها أبو حاتم وكثير من النحويين بسبب التأنيث في قوله: إن كانت، وقيل: غير ذلك. وقرأ ابن مسعود إن كانت إلا زقية واحدة والزقية الصيحة، قال النحاس: وهذا مخالف للمصحف، وأيضاًً فإن اللغة المعروفة زقا يزقو إذا صاح ومنه المثل: أثقل من الزواقي فكان يجب على هذا أن يكون زقوة، ويجاب عنه بما ذكره الجوهري. قال: الزقو والزقى مصدر، وقد زقا الصدى يزق زقاً أي صاح، وكل صائح زاق، والزقية الصيحة. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب المدينة ثم صاح بهم صيحة فإذا هم ميتون لا يسمع لهم حس كالنار إذا طفئت، وهو معنى قوله: (فإذا هم خامدون) ميتون شبههم بالنار إذا طفئت لأن الحياة كالنار الساطعة في الحركة، والالتهاب. والموت: كخمودها.

стр. 7775

يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢) وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)
следующие страницы →