← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

(أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ)؟ أي لمجزيون بأعمالها ومحاسبون بها بعد أن صرنا تراباً وعظاماً، وقيل: معنى مدينون مسوسون يقال: دانه إذا ساسه، وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة والثالثة بكسر الألف من غير الاستفهام ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين، وابن عامر الأولى والثالثة

стр. 7982

بهمزتين، والثانية بكسر الألف من غير استفهام والباقون بالاستفهام في جميعها ثم اختلفوا، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعده ساكنة خفيفة، وأبو عمرو مطولة وعاصم وحمزة بهمزتين.

стр. 7983

(قال هل أنتم مطلعون)؟ القائل هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا، أي هل أنتم يا إخواني مطلعون إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة؟ كيف منزلته في النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا. قال ابن الأعرابي: والاستفهام هو بمعنى الأمر، أي اطلعوا، وقيل القائل هو الله سبحانه، وقيل: الملائكة والأول أولى، قرأ الجمهور: مطلعون بتشديد الطاء مفتوحة، وبفتح النون فاطلع ماضياً مبنياً للفاعل من الطلوع، وقرأ ابن عباس ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو: بسكون الطاء وفتح النون فاطلع بقطع الهمزة مضمومة وكسر اللام ماضياً مبنياً للمفعول، وقرىء: مطلعون بتخفيف الطاء وكسر النون: فاطلع مبنياً للمفعول، وأنكرها أبو حاتم وغيره، قال النحاس: هي لحن، لأنه لا يجوز الجمع بين النون والإضافة، ولو كان مضافاً لقال: هل أنتم مطلعي، وإن كان سيبويه والفراء قد حكيا مثله، ولكنه شاذ خارج عن كلام العرب.

стр. 7984

(فاطلع فرآه في سواء الجحيم) أي فاطلع ذلك المؤمن على النار؛ الذي صار يحدث أصحابه في الجنة بما قال له قرينه في الدنيا، فرأى قرينه في وسط الجحيم، وقال الزجاج: سواء كل شيء وسطه، قال النحاس: فاطلع فيه قولان: أحدهما أن يكون فعلاً مستقبلاً أي فاطلع أي أنا، والثاني أن يكون فعلاً ماضياً أي المؤمن، قال ابن مسعود في الآية: اطلع ثم التفت إلى أصحابه فقال: لقد رأيت جماجم القوم تغلي، قال ابن عباس: " إن في الجنة كوى ينظر منها أهلها إلى النار "، جمع كوة وهي الثقب في الحائط وهي بفتح الكاف وضمها وفي الجمع وجهان كسرها وضمها لكن مع الكسر يصبح المد والقصر، ومع الضم يتعين القصر.

стр. 7985

قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)

стр. 7986

(قَالَ) ذلك الذي من أهل الجنة لما اطلع على قرينه ورآه في النار (تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ) أي لتهلكني بالإغواء، وفيه معنى التعجب، قال الكسائي: الردى الهلاك. قال المبرد: لو قيل (لتردين) لتوقعني في النار لكان جائزاً قال مقاتل: المعنى والله لقد كدت أن تغويني، فأنزل منزلتك والمعنى متقارب فمن أغوى إنساناً فقد أهلكه.

стр. 7987

(ولولا نعمة ربي) أي رحمته وإنعامه علي بالإسلام وهدايتي إلى الحق وعصمتي عن الضلال (لكنت) معك في النار (من المحضرين) قال الماوردي: ولا يستعمل أحضر إلا في الشر. ولما تمم كلامه مع ذلك القرين الذي هو في النار عاد إلى مخاطبة جلسائه من أهل الجنة فقال:

стр. 7988

(أفما نحن بميتين) الهمزة للاستفهام التقريري وفيها معنى التعجب، والفاء للعطف على محذوف كما في نظائره أي: أنحن مخلدون منعمون؟ فما نحن بميتين، وقرأ زيد بن علي بمائتين. قال ابن عباس: في الآية قول الله لأهل الجنة (كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون) قال: هنيئاً أي لا تموتون فيها، فعند ذلك قالوا: أفما نحن بميتين إلى قوله الفوز العظيم، وقيل: هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت، وقيل: من قولهم توبيخاً للكفار لما كانوا ينكرونه من البعث وإنه ليس

стр. 7989

إلا الموت في الدنيا والأول أولى.

стр. 7990

(إلا موتتنا الأولى) التي كانت في الدنيا، وقوله: هذا كان على طريقة الابتهاج والسرور بما أنعم الله عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع، وأنهم مخلدون لا يموتون أبداً، والاستثناء مفرغ، وقيل: منقطع بمعنى لكن (وما نحن بمعذبين) كما يعذب الكفار ثم قال: مشيراً إلى ما هم فيه من النعيم

стр. 7991

(إن هذا) الأمر العظيم والنعيم المقيم والخلود الدائم الذي نحن فيه (لهو الفوز العظيم) الذي لا يقادر قدره، ولا يمكن الإحاطة بوصفه.

стр. 7992

(لمثل) أي لنيل مثل (هذا) العطاء والفضل العظيم (فليعمل العاملون) فإن هذه هي التجارة الرابحة لا العمل للدنيا الزائلة، وحظوظها المشوبة بالآلام السريعة الانصرام، فإنها صفقة خاسرة، نعيمها منقطع، وخيرها زائل، وصاحبها عن قريب منها راحل، وهذا من تمام كلامه وقيل: إن هذا من قول الله سبحانه قاله ابن عباس وقيل من قول الملائكة والأول أولى. وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال: " كنت أمشي مع رسول الله ﵌ يده في يدي، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر، ثم جثا على ركبتيه فجعل يبكي حتى بل الثرى ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون " وأخرج ابن مردويه عن أنس قال: " دخلت مع النبي ﵌ على مريض يجود بنفسه فقال: لمثل هذا فليعمل العاملون ".

стр. 7993

(أذلك)؟ الذي ذكره من نعيم الجنة وهو مبتدأ وخبره (خير) و (نزلاً) تمييز والنزل في أصل اللغة الفضل والريع فاستعير للحاصل من الشيء والرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه، والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره، والمعنى: قل يا محمد لقومك على سبيل التوبيخ والتبكيت والتهكم: أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير نزلاً.

стр. 7994

(أم شجرة الزقوم)؟ أي التي حاصلها الألم والغم، قال الزجاج: المعنى أذلك خير في باب الإنزال التي يبقون بها نزلاً أم نزل أهل النار؟ وهو الزقوم وهو ما يكره تناوله، قال الواحدي: وهو شيء مر كريه يكره أهل النار على تناوله فهم يتزقمونه فهي على هذا مشتقة من التزقم؛ وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها؛ واختلف فيها: هل هي من شجر الدنيا التي تعرفها العرب؟ أم لا؟ على قولين أحدهما: أنها معروفة من شجر الدنيا، فقال قطرب: إنها شجرة مرة كريهة الرائحة تكون بتهامة من أخبث الشجر، وقال غيره: بل هو كل نبات قاتل، وقيل: شجرة مسمومة متى مست جسد أحد تورم فمات والإضافة من إضافة المسمى إلى الاسم. القول الثاني: أنها غير معروفة في شجر الدنيا، وقيل: إنه قال ابن الزبعري لصناديد قريش: إن محمداً يخوفنا بالزقوم وهي بلسان بربر الزبد والتمر، وقيل: هي بلغة أهل اليمن، قال قتادة: لما ذكر الله هذه الشجرة افتتن بها الظلمة فقالوا كيف تكون في النار شجرة؟ فأنزل الله تعالى:

стр. 7995

(إنا جعلناها فتنة للظالمين) قال الزجاج: أي حين افتتنوا بها وكذبوا بوجودها، ولم يعلموا أن من يقدر على خلق حيوان وهو السمندل يعيش في النار؛ ويتلذذ بها يقدر على خلق الشجر في النار وحفظه منها، وقيل: معنى جعلها فتنة لهم أنها محنة لهم لكونهم يعذبون بها؛ والمراد بالظالمين هنا الكفار أو أهل المعاصي الموجبة للنار، ثم بين سبحانه أوصاف هذه الشجرة رداً على منكريها فقال:

стр. 7996

(إنها شجرة تخرج) أي تنبت (في أصل الجحيم) أي في قعرها وأسفلها قال الحسن: أصلها في قعر جهنم وأغصانها ترفع إلى دركاتها. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: مر أبو جهل برسول الله ﵌ وهو جالس فلما بعد قال رسول الله ﵌ (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى)؛ فلما سمع أبو جهل قال: من

стр. 7997

توعد يا محمد؟ قال إياك، قال بم توعدني، قال أوعدك بالعزيز الكريم فقال: أبو جهل أليس أنا العزيز الكريم؟ فأنزل الله: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم إلى قوله ذق إنك أنت العزيز الكريم) فلما بلغ أبا جهل ما نزل فيه جمع أصحابه فأخرج إليهم زبداً وتمراً فقال: تزقموا من هذا فوالله ما يتوعدكم محمد إلا بهذا فأنزل الله: (إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم) الآية؛ وعنه قال: لو أن قطرة من زقوم جهنم أنزلت إلى الأرض لأفسدت على الناس معايشهم، ثم قال الله تعالى:

стр. 7998

(طلعها) الطلع حقيقة اسم لثمر النخل أول بروزه، فإطلاقه على ثمر هذه الشجرة مجاز بالاستعارة، والمعنى ثمرها وما تحمله (كأنه) في تناهي قبحه وهوله وشناعة منظره (رؤوس الشياطين) فشبه المحسوس بالمتخيل؛ وإن كان غير مرئي للدلالة على أنه غاية في القبح كما يقولون في تشبيه من يستقبحونه كأنه شيطان، وفي تشبيه من يستحسنونه كأنه ملك كما في قوله تعالى: (ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم). قال الزجاج والفراء: الشياطين حيات هائلة لها رؤوس وأطراف، وهي من أقبح الحيات وأخبثها وأخفها جسماً، وقيل: إن رؤوس الشياطين اسم لنبت قبيح معروف باليمن يقال له الأستن، ويقال له الشيطان، قال النحاس: وليس ذلك معروفاً عند العرب، وقيل: هو شجر خشن منتن مر منكر الصورة يسمى ثمره رؤوس الشياطين، وقيل: هو شجر يقال له الصرم فعلى هذا قد خوطب العرب بما تعرفه وهذه الشجرة موجودة، فالكلام حقيقة وقيل: إنه خاطبهم بما ألفوه من الاستعارات.

стр. 7999

(فإنهم لآكلون) لشدة جوعهم أو لقهرهم على الأكل (منها) أي من الشجرة أو من طلعها، والتأنيث لاكتساب الطلع والتأنيث من إضافته إلى الشجرة (فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ) وذلك أنهم يكرهون على أكلها حتى تمتلىء بطونهم فهذا طعامهم وفاكهتهم بدل رزق أهل الجنة.

стр. 8000

ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)

стр. 8001

(ثم إن لهم عليها) أي على الشجرة بعد الأكل منها (لشوباً من حميم) الشوب الخلط، قال الفراء: يقال شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبها شوباً وشيابة، وقال ابن عباس: شوباً مزجاً أي يخالط طعامهم ويشاب بالحميم وهو الماء الحار، فأخبر الله سبحانه أنه يشاب لهم طعامهم من تلك الشجرة بالماء الحار ليكون أفظع لعذابهم وأشنع لحالهم كما في قوله: (وسقوا ماء حميماً فقطع أمعاءهم) (١) قرأ الجمهور: بفتح الشين وهو مصدر وقرأ شيبان النحوي بالضم، قال الزجاج: المفتوح مصدر والمضموم اسم بمعنى المشوب كالنقض بمعنى المنقوض.

стр. 8002

(ثم إن مرجعهم) بعد شرب الحميم وأكل الزقوم (لإلى الجحيم) وذلك أنهم يوردون الحميم لشربه وهو خارج الجحيم كما تورد الإبل ثم يردون إلى الجحيم كما في قوله سبحانه: (يطوفون بينها وبين حميم آن) وهذا قول الأقل والجمهور على أنه داخلها وأنهم لا يخرجون أصلاً، وقيل: إن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها. قال أبو عبيدة: ثم بمعنى الواو، وقرأ ابن مسعود. ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم وعنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء ويقيل هؤلاء أهل الجنة وأهل النار، وقرأ: أن مقيلهم لإلى الجحيم.

стр. 8003

(إنهم ألفوا) أي وجدوا (آباءهم ضالين) تعليل لاستحقاقهم ما تقدم ذكره، أي صادفوهم كذلك فاقتدوا بهم تقليداً وضلالة، لا لحجة أصلاً قال أبو السعود: أي بتقليد آبائهم في الدين من غير أن يكون لهم أو لآبائهم شيء يتمسك به أصلاً.

стр. 8004

(فهم على آثارهم يهرعون) أي من غير أن يتدبروا أنهم على الحق أو لا، مع ظهور كونهم على الباطل بأدنى تأمل والإهراع الإسراع الشديد، وقال الفراء: الإسراع برعدة، وقال أبو عبيدة: يهرعون يستحثون من خلفهم، يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها، وقال المفضل: يزعجون من شدة الإسراع، قال الزجاج: هرع وأهرع إذا استحث وأزعج، والمعنى يتبعون آباءهم في سرعة كأنهم يزعجون إلى اتباع آبائهم وذلك في الدنيا.

стр. 8005

(ولقد ضل قبلهم) أي قبل هؤلاء المذكورين (أكثر الأولين) من الأمم الماضية بالتقليد، ورفض الدليل وترك النظر وإيثار التأويل

стр. 8006

(ولقد أرسلنا فيهم منذرين) أي أرسلنا في هؤلاء الأولين رسلاً أنذروهم العذاب وحذروهم عواقب التقليد، وبينوا لهم الحق فلم ينجع ذلك فيهم، وكذلك لا ينجع في مقلدة هذا الزمان فما أشبه الليلة بالبارحة.

стр. 8007

(فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) أي الذين أنذرتهم الرسل فإنهم صاروا إلى النار، قال مقاتل: يقول كان عاقبتهم العذاب، يحذر كفار مكة، والخطاب للنبي ﵌ أو لكل من يتأتى منه التمكن من مشاهدة آثارهم، ثم استثنى عباده المؤمنين فقال:

стр. 8008

(إلا عباد الله المخلصين) أي إلا من أخلصهم الله بتوفيقهم إلى الإيمان والتوحيد، وإيثار الدليل، وترك التقليد، وقرىء: المخلصين بكسر اللام أي الذين أخلصوا لله طاعتهم ولم يشوبوها بشيء يغيرها. ولما ذكر سبحانه أنه أرسل في الأمم الماضية منذرين ذكر تفصيل بعض ما أجمله فيما سبق فقال:

стр. 8009

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨) سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)

стр. 8010

(ولقد نادانا نوح) اللام هي الموطئة للقسم، والمراد أن نوحاً دعا ربه على قومه لما عصوه فأجاب الله دعاءه وأهلك قومه بالطوفان، فالنداء هنا هو نداء الدعاء لله، والاستغاثة به، كقوله: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وقوله: (إني مغلوب فانتصر)، وحاصل ما يأتي من القصص سبع: قصة نوح، وقصة إبراهيم، وقصة إسماعيل، وقصة موسى وهارون، وقصة إلياس، ولوط ويونس (فلنعم المجيبون) له نحن أي دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه، والواو للتعظيم.

стр. 8011

(ونجيناه وأهله) المراد بأهله أهل دينه، وهم من آمن معه وكانوا ثمانين أو زوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم الثلاث (من الكرب العظيم) هو الغرق وقيل تكذيب قومه له وما يصدر إليه منهم من أنواع الأذى.

стр. 8012

(وجعلنا ذريته هم الباقين) وحدهم دون غيرهم كما يشعر به ضمير الفصل وذلك لأن الله أهلك الكفرة بدعائه، ولم يبق منهم باقية، ومن كان معه في السفينة من المؤمنين ماتوا كما قيل ولم يبق إلا أولاده قال سعيد بن المسيب: كان ولد نوح ثلاثة والناس كلهم من ولد نوح فسام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب السند

стр. 8013

والهند والنوب والزنج والحبشة والقبط والبربر وغيرهم ويافث أبو الصقالب والترك والخزر ويأجوج ومأجوج وغيرهم وقيل: إنه كان لمن مع نوح ذرية كما يدل عليه قوله: (ذرية من حملنا مع نوح) وقوله: (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ) فيكون على هذا معنى الآية: ذريته وذرية من معه دون ذرية من كفر، فإن الله أغرقهم فلم يبق لهم ذرية والأول أولى. وأخرج الترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب عن النبي ﵌ في الآية قال: " حام وسام ويافث " (١) وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن سمرة أن النبي ﵌ قال: " سام أبو العرب وحام أبو الحبش ويافث أبو الروم " والحديثان هما من سماع الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال معروف وقد قيل: إنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة فقط، وما عداه فبواسطة قال ابن عبد البر. وقد روي عن عمران بن حصين عن النبي ﵌ مثله. وأخرج البزار وابن أبي حاتم والخطيب في تالي التلخيص عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: " ولد نوح ثلاثة سام وحام ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد يافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم، وولد حام القبط والبربر والسودان " وهو من حديث إسماعيل بن عياش عن يحيى بن سعيد عن سعيد ابن المسيب عنه. قلت: في الآية دليل على أن الطوفان عم كل البلاد، وشمل جميع العباد، ولم يبق أحد من الناس سوى من كان معه في السفينة، والفرس

стр. 8014

وسائر المجوس والكلدانيون أهل بابل والهند وأهل الصين وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان، وأقر به بعض الفرس لكنهم قالوا لم يسكن الطوفان بسوى الشام والمغرب، ولم يعم العمران كله، ولا أغرق إلا بعض الناس، ولم يتجاوز عقبة حلوان، ولا بلغ إلى ممالك المشرق، قالوا: ووقع في زمان طهمورث، وأن أهل المغرب لما أنذر حكماؤهم بالطوفان اتخذوا المباني العظيمة كالهرمين بمصر ونحوهما ليدخلوا فيها عند حدوثه، ولما بلغ طهمورث الإنذار بالطوفان قبل كونه بمائة وإحدى وثلاثين سنة أمر باختيار مواضع في مملكته صحيحة الهواء والتربة، فوجد ذلك بأصبهان فأمر بتجليد العلوم ودفنها فيها في أسلم المواضع، ويشهد لهذا ما وجد بعد الثلثمائة من سني الهجرة في حي من مدينة أصفهان من التلال التي انشقت عن بيوت مملوءة أعدالاً عدة كثيرة قد ملئت من لحاء الشجر التي تلبس بها القسي، وتسمى التور مكتوبة بكتابة لم يدر أحد ما هي، ذكره المقريزي في الخطط، وقال بعض محققي الهنود: إن سري كشن الهندي قد أخبر قبل وفاته بسبعة أيام أن بلدة دواركا ستغرق عن قريب وأشار إلى حصول الطوفان بأرض الهند، والحق ما دلت عليه هذه الآية وغيرها من عموم الغرق للعمران، وشمول الطوفان لجميع الأرض ونوع الإنسان، ولا يلتفت إلى قول من أنكره أو أوله أو خصه ببعض الأمكنة دون بعضها فإنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

стр. 8015

(وتركنا عليه في الآخرين) يعني في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من أمم وقال ابن عباس: يقول، يذكر بخير، والمتروك هذا هو قوله:

стр. 8016

(سلام على نوح) أي تركنا هذا الكلام بعينه، والسلام هو الثناء الحسن، أي يثنون عليه ثناء حسناً، ويدعون له ويترحمون عليه. قال الزجاج: تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة، وذلك الذكر هو قوله: (سلام على نوح) قال الكسائي في ارتفاع سلام وجهان: أحدهما: وتركنا عليه في الآخرين يقال سلام. والثاني: أن يكون المعنى وأبقينا عليه، وتمّ الكلام، ثم ابتدأ فقال:

стр. 8017

سلام على نوح أي سلامة له من أن يذكر بسوء في الآخرين، قال المبرد: أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية يعني يسلمون عليه تسليماً، ويدعون له، وهو من الكلام المحكي كقوله (سورة أنزلناها)، وقيل: إنه ضمن تركنا معنى قلنا. قال الكسائي: وفي قراءة ابن مسعود سلاماً منصوب بتركنا أي تركنا عليه ثناء حسنا وقيل: المراد بالآخرين أمة محمد ﵌. (في العالمين) أي سلام ثابت أو مستمر أو مستقر على نوح في العالمين من الملائكة، والجن والإنس، وهذا يدل على عدم اختصاص ذلك بأمة محمد ﵌ كما قيل:

стр. 8018

(إنا كذلك نجزي المحسنين) هذه الجملة تعليل لما قبلها من التكرمة لنوح بإجابة دعائه وبقاء الثناء من الله عليه، وبقاء ذريته أي إنا كذلك نجزي من كان محسناً في أقواله وأفعاله، راسخاً في الإحسان معروفاً به، والكاف في كذلك نعت مصدر محذوف أي جزاء كذلك الجزاء.

стр. 8019

(إنه من عبادنا المؤمنين) هذا بيان لكونه من المحسنين وتعليل له بأنه كان عبداً مؤمناً مخلصاً لله وذلك إجلال لشأن الإيمان وشرفه وترغيب في تحصيله والثبات عليه، والازدياد منه. كما قال في مدح إبراهيم: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) وفيه من الدلالة على جلالة قدرهما ما لا يخفى، فلا يقال: كيف مدح الرسول بذلك؟ مع أن مرتبتهم فوق مرتبة المؤمنين.

стр. 8020

(ثم أغرقنا الآخرين) أي الكفرة الذين لم يؤمنوا بالله ولا صدقوا نوحاً معطوف على نجيناه، والترتيب حقيقي لأن نجاتهم بركوب السفينة حصلت قبل غرق الباقين، والشهاب فهم أنه معطوف على قوله: (وجعلنا ذريته) فجعل الترتيب إخبارياً لأن إغراق الآخرين كان قبل جعل ذريته باقين، ثم ذكر سبحانه قصة إبراهيم وبين أنه ممن شايع نوحاً فقال:
следующие страницы →