(لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) جملة مستأنفة والمقاليد واحدها مقليد ومقلاد، أو لا واحد له من لفظه كأساطير، ويقال أيضاً أقليد وأقاليد أو الكلمة أصلها فارسية على ما قيل إنه جمع إقليد معرب إكليد والكلام من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبرها هو الذي يملك مفاتيحها، فهو كناية عن شدة التمكن والتصرف في كل شيء مخزون في السموات أو في الأرض، والحمل على الظاهر أولى، وهي هنا مفاتيح الرزق والرحمة. قاله مقاتل وقتادة وغيرهما، قال ابن عباس أي مفاتيحها، وقال الليث المقلاد الخزانة.
ومعنى الآية له خزائن السموات والأرض، وبه قال الضحاك والسدي، وقيل: خزائن السموات المطر، وخزائن الأرض النبات وقيل: هي عبارة عن قدرته سبحانه وحفظة لها، والأول أولى: قال الجوهري: الإقليد المفتاح ثم قال: والجمع المقاليد، وقيل هي لا إله إلا الله والله آكبر، وسبحان الله
стр. 8437
وبحمده، واستغفر الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأخرج أبو يعلى ويوسف القاضي في سننه وأبو الحسن القطان وابن السني وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان ابن عفان قال:
سألت رسول الله ﷺ عن قول الله (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فقال لي: يا عثمان لقد سألتني عن مسألة لم يسألني عنها أحد قبلك، مقاليد السموات والأرض لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وأستغفر الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر والظاهر والباطن يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير "، ثم ذكر فضل هذه الكلمات وله طرق عن عثمان. وقيل غير ذلك، والمعنى على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد، وهي مفاتيح خير السموات والأرض، من تكلم بها أصابه.
(والذين كفروا بآيات الله) أي بالقرآن وسائر الآيات الدالة على الله سبحانه وتوحيده (أولئك هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران لأنهم صاروا بهذا الكفر إلى النار متصل بقوله: (وينجي الله) الخ أي معطوف عليه وما بينهما اعتراض، وإن كان المعطوف جملة اسمية، والمعطوف عليه جملة فعلية فهذا لا يمنع صحة العطف، غايته أنه خال عن حسنه.
стр. 8438
(قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) الاستفهام للإِنكار التوبيخي، والفاء للعطف على مقدر كنظائره، والأصل أفتأمروني؟ أي بعد مشاهدة الآيات الدالة على انفراده وتوحيده أن أعبد غير الله، قاله الكسائي وغيره، وقيل: أفتلزموني عبادة غير الله؟ أو أعبد غير الله؟ أمره الله سبحانه أن يقول هذا للكفار لمَّا دعوه إلى ما هم عليه من عبادة الأصنام وقالوا: هو دين آبائك.
وعن ابن عباس أن قريشاً دعت رسول الله ﷺ أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوجوه ما أراد من النساء، ويطأون
стр. 8439
عقبه فقالوا له: هذا لك يا محمد وتكف عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، قال: حتى أنظر ما يأتيني من ربي، فجاء بالوحي: (قل يا أيها الكافرون) إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه (قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي) إلى قوله: (مِنَ الْخَاسِرِينَ) (١).
стр. 8440
(ولقد) هذه اللام دالة على قسم مقدر أي والله لقد (أوحي إليك وإلى الذين من قبلك) من الرسل (لئن) جواب القسم وهذه اللام أيضاًً دالة على قسم مقدر أي والله لئن (أشركت) يا محمد فرضاً (ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين) وكل من هاتين اللامين واقعة في جواب القسم الثاني، والثاني وجوابه جواب الأول، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه، وهذا الكلام من باب التعريض لغير الرسل، لأن الله سبحانه قد عصمهم عن الشرك، ووجه إيراده على هذا الوجه التحذير والإنذار للعباد من الشرك، لأنه إذا كان موجباً لإِحباط عمل الأنبياء على الفرض والتقدير، فهو محبط لعمل غيرهم من أممهم بطريق الأولى.
قيل وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير ولقد أوحي إليك لئن أشركت الخ وأوحى إلى الذين من قبلك كذلك، قال مقاتل أي أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف، ثم قال: لئن أشركت يا محمد ليحبطن عملك، وهو خطاب للنبي ﷺ خاصة.
وقيل إفراد الخطاب في لئن أشركت، باعتبار كل واحد من الأنبياء كأنه قيل أوحي إليك وإلى كل واحد من الأنبياء هذا الكلام، لئن أشركت، وهذه الآية مقيدة بالموت على الشرك كما في الآية الأخرى.
(ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وقيل هذا خاص بالأنبياء لأن الشرك منهم أعظم ذنباً من الشرك من غيرهم والأول أولى، ثم أمر الله سبحانه رسوله ﷺ بتوحيده فقال:
(بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ) وفي هذا رد على المشركين حيث أمروه بعبادة الأصنام ووجه الرد ما يفيده التقديم من القصر، قال الزجاج، لفظ اسم الله منصوب بأعبد قال ولا اختلاف في هذا بين البصريين والكوفيين، وقال الفراء هو منصوب بإضمار فعل، وعن الكسائي مثله، والأول أولى.
قال الزجاج: والفاء في فاعبد للمجازاة، وقال الأخفش زائدة قال عطاء ومقاتل. معنى فاعبد وَحِّد لأن عبادته لا تصح إلا بتوحيده (وكن من الشاكرين) لإنعامه عليك بما هداك إليه من التوحيد والدعاء إلى دينه، واختصك به من الرسالة.
стр. 8443
(وما قدروا الله حق قدره) أي ما عرفوه حق معرفته، وقال المبرد أي ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، من قولك فلان عظيم القدر. وإنما وصفهم بهذا لأنهم عبدوا غير الله، وأمروا رسوله بأن يكون مثلهم في الشرك، وقرىء قدروا بالتشديد.
(والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) القبضة في اللغة ما قبضت عليه بجميع كفك فأخبر سبحانه عن عظيم قدرته بأن الأرض كلها مع عظمتها وكثافتها في مقدوره، كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه كما يقولون هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه.
стр. 8444
والمراد بالأرض الأرضون السبع، يشهد لذلك قوله (جميعاً) وقوله الآتي (وَالسَّمَاوَاتُ) لأن هذا التأكيد لا يحسن إدخاله إلا على الجمع، ولأن الموضع موضع تعظيم، فهو مقتض للمبالغة، والمعنى الأرضون جميعاً ذوات قبضته يقبضهن قبضة واحدة، وقدم الأرض على السموات لمباشرتهم بها ومعرفتهم بحقيقتها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: " جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال يا محمد إنا نجد أن الله يحمل السموات يوم القيامة على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يهزهن فيقول أنا الملك فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) " وإنما خص يوم القيامة بالذكر -وإن كانت قدرته عامة وشاملة لدار الدنيا أيضاً- لأن الدعاوي تنقطع في ذلك اليوم، كما قال. (والأمر يومئذ لله) وقال (مالك يوم الدين) ولذلك قال في الحديث " ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض؟ ".
(والسموات مطويات بيمينه) ذكر اليمين للمبالغة في كمال القدرة كما يطوي الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه، والطي ضد النشر واليمين في كلام العرب قد يكون بمعنى القدرة والملك. قال الأخفش بيمينه يقول في قدرته نحو قوله (أو ما ملكت أيمانكم) أي ما كانت لكم قدرة عليه، وليس الملك لليمين دون الشمال وسائر الجسد، ومنه قوله سبحانه (لأخذنا منه باليمين) أي بالقوة والقدرة، وليس يريد به طياً بعلاج وانتصاب، وإنما المراد بذلك الفناء والذهاب، يقال قد انطوى عنا ما كنا فيه، وجاءنا غيره،
стр. 8445
وانطوى عنا، وهو بمعنى المضي والذهاب قال الخازن اليمين ليس عندنا بمعنى الجارحة، وإنما هي صفة جاء بها التوقيف فنحن نطلقها على ما جاءت ولا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب؛ والأخبار المأثورة الصحيحة؛ وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، قال سفيان بن عيينة كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه اهـ.
ومعنى الآية ما عظموه حق تعظيمه، والحال أنه متصف بهذه الصفة الدالة على كمال القدرة، والمقصود الإشارة إلى أن المتولي لإبقاء السموات والأرض في هذه الدار هو المتولي لتخريبهما يوم القيامة، وذلك يدل على قدرته التامة على الإِيجاد والإعدام، وأنه غني على الإطلاق فإنه إذا حاول تخريب الأرض يقبضها ويزيلها وتخريب السموات يجمعها كالسجل المطوي.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض " (١)؟
وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول " يطوي الله السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون أين ملوك الأرض "، أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث وآثار تقتضي حمل الآية على ظاهرها من دون تكلف لتأويل، ولا تعسف بقال وقيل، ثم نزه سبحانه نفسه فقال:
(سبحانه وتعالى عما يشركون) به من المعبودات التي يجعلونها شركاء له مع هذه القدرة العظيمة - والحكمة الباهرة.
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) هذه هي النفخة الأولى، والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وقد تقدم غير مرة، وقد قيل: إنه يكون معه جبريل لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : " إن صاحبي الصور بأيديهما أو في أيديهما قرنان يلاحظان النظر حتى يؤمران " أخرجه ابن ماجة، وفي أبي داود عنه قال: " ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور وقال: عن يمينه جبريل، وعن يساره ميكائيل، ذكره القرطبي.
ومعنى صعق زالت عقولهم، فخروا مغشياً عليهم، وقيل: ماتوا: قال الواحدي: قال المفسرون: مات من الفزع وشدة الصوت أهل السموات والأرض، قرأ الجمهور الصور بسكون الواو وقرىء بفتحها جمع صورة:
(إلا من شاء الله) والاستثناء متصل والمستثنى جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل: رضوان وحملة العرش وخزنة الجنة والحور العين والنار، وقياد: الباري تعالى وحده قاله الحسن وفيه نظر من حيث قوله من في السموات ومن في الأرض. فإنه لا يتحيزه فعلى هذا يتعين أن يكون منقطعاً وقيل الزبانية وقيل عقارب أهل النار وحياتها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: " قال رجل من اليهود بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، فرفع رجل من
стр. 8448
الأنصار يده فلطمه وقال أتقول هذا وفينا رسول الله ﷺ فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: " قال الله ونفخ في الصور إلى قوله: ينظرون فأكون أول من يرفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أرفع رأسه قبلي! أو كان ممن استثنى الله ".
وعنه عن النبي ﷺ في قوله: " إلا من شاء الله " قال: " هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة " الحديث أخرجه أبو يعلى والدارقطني في الأفراد وابن المنذر والحاكم وصححه ابن مردويه والبيهقي في البعث وأخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد من قول أبي هريرة.
وعن أنس أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله (إلا من شاء الله) " فقال جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل وحملة العرش " أخرجه الفريابي وابن جرير وأبو نصر السجزي في الابانة، وابن مردويه.
وأخرج ابن المنذر عن جابر قال هو موسى لأنه كان صعق قبل، وههنا إشكال أورده بعض السلف وهو أن نص القرآن يدل على أن هذا الاستثناء بعد نفخة الصعق وهي النفخة الأولى التي مات فيها من بقي على وجه الأرض والحديث المتقدم يدل على أنها نفخة البعث. وما قيل إنه يحتمل أن موسى ممن لم يمت من الأنبياء باطل لصحة موته، وقال القاضي عياض يحتمل أن تكون هذه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق الأرض والسموات فتتوافق الآيات والأحاديث.
قال القرطبي: ويرده ما مر في الحديث من أخذ موسى بقائمة العرش، فإنه إنما هو عند نفخة البعث، وأيضاً تكون النفخات أربعاً ولم ينقله الثقات قال الشهاب: فمن حمل الصعق على غشى يكون من نفخة بعد نفخة البعث للإرهاب والإرعاب فكلامه مردود بما عرفت، ومن الغريب أن بعضهم جعلها
стр. 8449
بحديث أبي هريرة خمساً، وقد سمعنا بمن زاد في الطنبور نغمة، ولم نسمع بمن زاد في الصور نفخة.
قال القرطبي: والذي يزيح الإشكال ما قاله بعض مشايخنا أن الموت ليس بعدم محض بالنسبة إلى الأنبياء والشهداء فإنهم موجودون أحياء، وإن لم نرهم، فإذا نفخت نفخة الصعق صعق كل من في السموات والأرض وصعق غير الأنبياء موت وصعقهم غشي، فإذا كانت نفخة البعث حيى من مات، وأفاق من غشي عليه، ولذا وقع في الصحيحين فأكون أول من يفيق، والأحاديث الواردة في كيفية نفخ الصور كثيرة، وقد ذكر سليمان الجمل في هذا المقام عن ابن الوردي وغيره ما جاء في صورة الصور وهيئته وتعداد نفخاته، ولا تعلق له بالتفسير.
(ثم نفخ فيه) نفخة (أخرى فإذا هم) يعني الخلق كلهم (قيام) على أرجلهم (ينظرون) ما يقال لهم، أو ينتظرون ذلك، والاستثناء ملاحظ في هذا أيضاًً لأن من لم يمت كالحور فلا يقال له ذلك، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ما بين النفختين أربعون: قالوا أربعون يوماً؟ قال أبو هريرة أبيت، قالوا أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قالوا أربعون سنة؟ قال: أبيت، ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " (١) أخرجه الشيخان.
ودلت الآية على أن النفخة اثنتان الأولى للموت، والثانية للبعث، والجمهور على أنها ثلاث، الأولى للفزع كما قال: ونفخ في الصور ففزع، والثانية للموت، والثالثة للإِعادة.
(وأشرقت الأرض) الإشراق الإِضاءة، يقال: أشرقت الشمس إذا أضاءت، وشرقت إذا طلعت، وأراد بالأرض عرصات القيامة، أي الأرض الجديدة التي يوجدها الله في ذلك الوقت، ليحشر الناس عليها، وليس المراد بها أرض الدنيا.
(بنور ربها) أي بعدل ربها قاله الحسن وغيره، وقال الضحاك: بحكم ربها. والمعنى أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وما قضى به من الحق فيهم، فالعدل نور، والظلم ظلمات. وقيل: ذلك حين يتجلى الرب ﵎ لفصل القضاء بين خلقه، فما يضارون في نوره كما لا يضارون في الشمس في يوم الصحو.
وقيل: إن الله سبحانه يخلق نوراً يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي، فإن الله سبحانه هو (نور السموات والأرض) قرأ الجمهور: أشرقت مبنياً للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول.
стр. 8452
(ووضع الكتاب) قيل: هو اللوح المحفوظ، وقال قتادة يعني الكتب والصحف التي فيها أعمال بني آدم، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وكذا قال مقاتل: وقيل هو من وضع المحاسب كتاب المحاسبة بين يديه، أي وضع الكتاب للحساب (وجىء بالنبيين) إلى الموقف فسئلوا عما أجابتهم به أممهم.
(والشهداء) الذين يشهدون على الأمم من أمة محمد ﷺ ، كما في قوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) وقيل المراد بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله، فيشهدون يوم القيامة لمن ذب عن دين الله. قاله السدي وقيل هم الحفظة كما قال تعالى: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد) قاله ابن زيد قال ابن عباس النبيون الرسل والشهداء الذين يشهدون لهم بالبلاغ ليس فيهم طعان ولا لعان يشهدون بتبليغ الرسالة وتكذيب الأمم إياهم.
ولما بين سبحانه أنه يوصل لكل ذي حق حقه عبر عن هذا المعنى بأربع عبارات أولاها قوله (وقضى بينهم بالحق) أي قضى بين العباد بالعدل والصدق، والثانية (وهم لا يظلمون) أي والحال أنهم لا ينقصون من ثوابهم ولا يزاد على ما يستحقونه من عقابهم ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل، والثالثة
стр. 8453
(ووفيت كل نفس ما عملت)، من خير وشر أي جزاءه والرابعة (وهو أعلم بما يفعلون) في الدنيا لا يحتاج إلى كاتب ولا حاسب ولا شاهد، لأنه عالم بمقادير أفعالهم وبكيفياتها. فامتنع دخول الخطأ عليه، قاله الكرخي، وقال القرطبي ومع ذلك فتشهد الكتب والشهود وإلزاماً للحجة انتهى. يعني إنما وضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء لتكميل الحجة وقطع المعذرة.
ثم ذكر سبحانه تفصيل ما ذكره من توفية كل نفس ما كسبت فقال:
стр. 8454
(وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) أي سيق الكافرون سوقاً عنيفاً إلى النار
стр. 8455
حال كونهم جماعات متفرقة بعضها يتلو بعضاً، قال أبو عبيدة والأخفش زمراً جماعات متفرقة بعضها إثر بعض، واحدتها زمرة واشتقاقه من الزمر، وهو الصوت، إذ الجماعة لا تخلو عنه غالباً (حتى) هي التي تحكي الجمل بعدها (إذا جاؤوها فتحت أبوابها) أي أبواب النار ليدخلوها، وهي سبعة أبواب. وكانت قبل ذلك مغلقة. وقد مضى بيان ذلك في سورة الحجر.
(وقال لهم خزنتها) جمع خازن نحو سدنة وسادن: (ألم يأتكم رسل منكم) أي من أنفسكم ومن جنسكم (يتلون عليكم آيات ربكم) التي أنزلها عليكم (وينذرونكم لقاء يومكم هذا)؟ أي يخوفونكم لقاء هذا اليوم الذي صرتم فيه، والمراد به وقت الشدة لا يوم القيامة جميعه، قال الزمخشري: وقد جاء استعمال اليوم والأيام مستفيضاً في أوقات الشدة، قالوا لهم هذا القول تقريعاً وتوبيخاً، فأجابوا بالاعتراف، ولم يقدروا على الجدل الذي كانوا يتعللون به في الدنيا، لانكشاف الأمر وظهوره ولهذا (قالوا بلى) أي قد أتتنا الرسل بآيات الله وأنذرونا بما سنلقاه.
(ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) وهي (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) جيء بالظاهر مقام المضمر لبيان سبب استحقاقهم العذاب وهو كفرهم، فلما اعترفوا هذا الاعتراف
стр. 8456
(قيل) لهم من قبل الملائكة الموكلين لعذابهم.
(ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) التي قد فتحت لكم لتدخلوها (خَالِدِينَ) أي مقدرين الخلود (فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) جهنم، واللام فيه للجنس، وجيء بالظاهر لبيان سبب كفرهم الذي استحقوا به العذاب، وقد تقدم تحقيق المثوى في غير موضع، ولما ذكر فيما تقدم حال الذين كفروا وسوقهم إلى جهنم زمراً ذكر هنا حال المتقين، وسوقهم إلى الجنة فقال:
(وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً) أي ساقتهم الملائكة سوق إعزاز وتشريف وتكريم، والمراد بذلك السوق إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان، كما يفعل بمن يكرم من الوافدين على بعض الملوك والمراد بالسوق المتقدم طردهم إلى العذاب بالهوان كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس أو القتل، فشتان ما بين السوقين.
وهذا من بدائع أنواع البديع، وهو أن يأتي بكلمة في حق الكفار فتدل على هوانهم وعقابهم، ويأتى بتلك الكلمة بعينها وهيئتها في حق المؤمنين فتدل على إكرامهم بحسن ثوابهم، فسبحان من أنزله معجز المباني، متمكن المعاني، عذب الموارد والمثاني قيل الكلام على حذف مضاف، أي: سيقت مراكبهم إذ لا يذهب بهم إلا راكبين وقد سبق معنى الزمر أي جماعات أهل الصلاة على حدة، وأهل الصوم كذلك إلى غير ذلك.
(حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها) جواب إذا محذوف، قال المبرد: تقديره سعدوا وفتحت، وقال الزجاج: القول عندي أن الجواب محذوف على تقدير حتى إذا جاؤها كانت هذه الأشياء التي ذكرت دخلوها فالجواب دخلوها وحذف لأن في الكلام دليلاً عليه. وقال الأخفش والكوفيون: الجواب فتحت والواو زائدة وهو خطأ عند البصريين لأن الواو من حروف المعاني فلا تزاد.
стр. 8459
وقيل إن زيادة الواو دليل على أن الأبواب فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله والتقدير حتى إذا جاءوها وأبوابها مفتحة بدليل قوله (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) وحذفت الواو في قصة أهل النار لأنهم وقفوا على النار، وفتحت بعد وقوفهم إذلالاً وترويعاً. ذكر معناه النحاس منسوباً إلى بعض أهل العلم قال: ولا أعلم أنه سبقه إليه أحد، وعلى هذا القول تكون الواو واو الحال بتقدير قد، أي: جاؤوها وقد فتحت لهم الأبواب. وقيل: إنها واو الثمانية، وذلك أن من عادة العرب أنهم كانوا يقولون في العدد خمسة ستة سبعة وثمانية، وقد مضى القول في هذا في سورة براءة مستوفى، وفي سورة الكهف أيضاًً.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ " أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة " (١) وأخرج الشيخان وغيرهما عن سهل بن سعد أن رسول الله ﵌ قال: " في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى باب الريان، لا يدخله إلا الصائمون "، وقد ورد في كون أبواب الجنة ثمانية أحاديث في الصحيحين وغيرهما، وكتابنا (مثير ساكن الغرام، إلى روضات دار السلام) هو أحسن ما جمع في أحوال الجنة فليرجع إليه وليعول عليه، ثم أخبر سبحانه أن خزنة الجنة يسلمون على المؤمنين فقال:
(وقال لهم خزنتها سلام عليكم) أي سلامة لكم من كل آفة، لا يعتريكم بعده مكروه (طبتم) وطهرتم في الدنيا، فلم تتدنسوا بالشرك والمعاصي. قال مجاهد طبتم بطاعة الله، وقيل بالعمل الصالح، والمعنى واحد وقيل طاب لكم المقام وقيل طابت حالكم وحسنت وجعل دخول الجنة مسبباً عن الطيب والطهارة لأنها دار الطيبين، ومثوى الطاهرين، وقد طهرها الله من كل دنس وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها، موصوف
стр. 8460
بصفتها.
قال مقاتل إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فتقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم، حتى إذا هذبوا وطيبوا قال لهم رضوان وأصحابه سلام عليكم الآية، وقد أخرج البخاري حديث القنطرة هذا في جامعه من حديث أبي سعيد الخدري وهو طويل جداً (فادخلوها) أي الجنة (خالدين) أي مقدرين الخلود.
стр. 8461
(وقالوا) أي فعند ذلك قال أهل الجنة (الحمد لله الذي صدقنا وعده) بالبعث والثواب بالجنة في قوله: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) (وأورثنا الأرض) أي أرض الجنة قاله قتادة وأبو العالية، كأنها صارت من غيرهم إليهم، فملكوها وتصرفوا فيها تصرف الوارث فيما يرثه، ففي الكلام تجوز. وقيل: إنهم ورثوا الأرض التي كانت لأهل النار لو كانوا مؤمنين، قاله أكثر المفسرين، وقيل: إنها أرض الدنيا وفي الكلام تقديم وتأخير.
(نتبوأ من الجنة حيث نشاء) أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء حيث نشاء فلا يختار أحد مكان غيره، وقيل: يتخير كل واحد من أمة محمد ﷺ وأين ينزل تكرمة له، وإن كان لا يختار إلا ما قسم له، وأما بقية الأمم فيدخلون بعد أمة محمد ﷺ ، فينزلون فيما فضل عنهم، وفي الكرخي الجنة نوعان: الجنات الجسمانية، وهي لا تحتمل المشاركة، والجنات الروحانية، وحصولها لواحد لا يمنع من حصولها لآخرين (فنعم أجر العاملين) في الدنيا أي الجنة وهذا من تمام قول أهل الجنة، وقيل هو من قول الله سبحانه.
стр. 8462
(وترى) يا محمد (الملائكة حافين) أي محيطين ومحدقين قائمين بجميع ما عليهم من الحقوق (من حول العرش) أي جوانبه التي يمكن الحفوف بها فيسمع لحفوفهم صوت التسبيح والتمجيد والتقديس، وإدخال
стр. 8463
(من) يفهم أنهم مع كثرتهم إلى حد لا يحصيه إلا الله لا يملأون حوله، وهذا أولى من قول البيضاوي: إن (من) مزيدة، وبه قال الأخفش: أو للابتداء أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله.
والمعنى أن الرائي يراهم بهذه الصفة في ذلك اليوم، والحافين جمع حاف قاله الأخفش، وهو المحدق بالشيء من حففت بالشيء إذا أحطت به، وهو مأخوذ من الحفاف وهو الجانب، وقال الفراء وتبعه الزمخشري لا واحد له من لفظه إذ لا يقع لهم هذا الاسم إلا مجتمعين.
(يسبحون بحمد ربهم) أي حال كونهم مسبحين لله متلبسين بحمده أي يقولون سبحان الله وبحمده وقيل معنى يسبحون يصلون حول العرش شكراً لربهم، وهذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وذلك يشعر بأن ثوابهم هو عين ذلك التسبيح، وأفهم أن منتهى درجات العليين ولذاتهم الاستغراق في صفاته تعالى، اللهم أرزقنا.
(وقضي بينهم) أي بين جميع العباد والخلائق (بالحق) أي بالعدل بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار، وقيل بين النبيين الذين جيء بهم مع الشهداء، وبين أممهم، وقيل بين الملائكة بإقامتهم في منازلهم على حسب درجاتهم والأول أولى.
(وقيل الحمد لله رب العالمين) القائلون هم المؤمنون، حمدوا الله على قضائه بينهم وبين أهل النار بالحق كما قال: (وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين)، وقيل القائلون هم الملائكة حمدوا الله تعالى على عدله في الحكم وقضائه بين عباده بالحق، وبدأ سبحانه هذه الآية بالحمد، وختمها بالحمد، للتنبيه على تحميده في بداية كل أمر ونهايته، والحمد الأول على صدق الوعد وإيراث الجنة، وهذا على القضاء بالحق، فلا تكرار فيه، وروي من حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قرأ على المنبر آخر الزمر فتحرك المنبر مرتين.
стр. 8464
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سورة غافر
وهي سورة المؤمن وتسمى سورة الطول وهي خمس وثمانون آية
وقيل اثنتان وثمانون آية قاله القرطبي، وهي مكيّة في قول عطاء وجابر وعكرمة، قال الحسن إلا قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) لأن الصلوات نزلت بالمدينة وقال ابن عباس وقتادة إلا آيتين نزلتا بالمدينة وهما (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ) والتي بعدها، وكذا نص عليه السيوطي في الإتقان، وفي لب الأصول في أسباب النزول، قال ابن عباس أنزلت حم المؤمن بمكة، وعن سمرة بن جندب قال نزلت الحواميم جميعاً بمكة.
وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن الله أعطاني السبع الحواميم مكان التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي، وقال ابن عباس إن لكل شيء لباباً، وإن لباب القرآن حم، قال ابن مسعود الحواميم ديباج القرآن، وعنه قال: " إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن " (١).
وعن سعد بن إبراهيم الحواميم تسمى العرائس، رواه الدارمي في مسنده، وقال الجوهري آل حم سور في القرآن، فأما قول العامة الحواميم فليس من كلام العرب، وبه قال الحريري في درة الغواص قال أبو عبيدة الحواميم على غير قياس، والأولى أن تجمع بذوات حم انتهى، فتلخص من مجموع هذه الأخبار أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى ال حم، وتسمى ذوات حم فلها جموع ثلاثة خلافاً لمن أنكر الأول منها.
وأخرج البيهقي في الشعب عن خليل بن مرة أن رسول الله ﷺ قال " الحواميم سبع وأبواب النار سبع يجيء كل حم منا يقف على باب من هذه الأبواب، يقول اللهم لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني ".
حم) قرأ الجمهور بفتح الحاء مشبعاً (١) ، وقرىء بإمالته إمالة محضة، وبإمالته بين بين وقرأ الجمهور بسكون الميم كسائر الحروف المقطعة وقرأ الزهري بضمها على أنها خبر مبتدأ مضمر أو مبتدأ والخبر ما بعده وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بفتحها، وهي تحتمل وجهين أحدهما أنها منصوبة بفعل مقدر، أي اقرأ حم، وإنما منعت من الصرف للعلمية والتأنيث، أو للعلمية وشبه العجمة وذلك إنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل بخلاف الأعجمية، نحو قابيل وهابيل والثاني أنها حركة بناء تخفيفاً كأين وكيف، وقرأ ابن أبي إسحق وأبو السماك بكسرها لالتقاء الساكنين. أو بتقدير القسم وقرأ الجمهور بوصل الحاء بالميم، وقرأ أبو جعفر بقطعها.
وقد اختلف في معناه فقيل: هو اسم من أسماء الله قاله أبو أمامة، وقيل اسم من أسماء القرآن قاله قتادة، وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى، وجعلاه بمعنى حم أي وقع وقضى، وقيل: مفاتيح خزائنه، وقيل: اسم الله الأعظم، وقيل بدء أسماء الله تعالى كحميد وحليم وحكيم وحنان، وكمالك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ومؤمن ومهيمن، وقيل معناه حم أمر الله أي قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه؛ وهذا كله تكلف لا موجب له؛ وتعسف لا ملجىء إليه، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة وأمثالها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معناه، كما قدمنا تحقيقه في فاتحة سورة البقرة.
стр. 8467
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وأبو داود وغيرهم، عن المهلب ابن أبي صفرة قال: حدثني من سمع النبي ﷺ يقول ليلة الخندق " إن أتيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون "، وعن البراء بن عازب أن رسول الله ﷺ قال: " إنكم تلقون عدوكم فليكن شعاركم حم لا ينصرون " أخرجه النسائي والحاكم وابن أبي شيبة.
стр. 8468
(تنزيل الكتاب) هو خبر لحم على تقدير أنه مبتدأ أو خبر لمبتدأ مضمر أي هذا تنزيل أو هو مبتدأ وخبره (من الله) قال الرازي: المراد بالتنزيل المنزل، والمعنى أن القرآن منزل من عند الله ليس بكذب عليه (العزيز) المنيع بسلطانه الغالب، القاهر في ملكه (العليم) الكثير العلم بخلقه، وما يقولونه ويفعلونه، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين.
стр. 8469
(غافر الذنب) أي ذنب المؤمنين، وعن ابن عمر قال: ساتر الذنب لمن يقول: لا إله إلا الله (وقابل التوب) أي توبة الراجعين أو عمن يقول: لا إله إلا الله. والتوب والثوب والأوب أخوات في معنى الرجوع مصادر، وقال الأخفش: التوب جمع توبة، كدوم ودومة، وإدخال الواو في هذا الوصف لإفادة الجمع للمذنب التائب بين قبول توبته ومحو حوبته قاله العمادي أو لتغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد قاله البيضاوي.
(شديد العقاب) أي مشدودة لمن لا يقول: لا إله إلا الله، أو على المخالفين والكافرين، وقيل: قابل التوب لأوليائه، وشديد العقاب لأعدائه وقيل قابل التوب من الشرك وشديد العقاب لمن لا يوحده (ذي الطول) أي ذي الفضل على العارفين، أو الغني عن كل العالمين وأصل الطول الإنعام والتفضل أي ذي الإنعام على عباده والتفضل عليهم، وقال مجاهد وابن عباس: ذي الغنى والسعة، ومنه قوله:
стр. 8470
(ومن لم يستطع منكم طولاً) أي غنى وسعة، وقال عكرمة: ذي المن قال الجوهري والطول بالفتح لمن يقال: منه طال عليه ويطول عليه إذا امتن عليه. وقال محمد بن كعب: ذي التفضل قال الماوردي والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق، والله سبحانه موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة، وقال السمين: فيها ثلاثة أوجه أحدها أنها كلها صفات للجلالة، الثاني أن الكل أبدال، لأن اضافتها غير محضة الثالث أن غافر وقابل نعتان، وشديد العقاب بدل انتهى.
ثم ذكر ما يدل على توحيده، وأنه الحقيق بالعبادة فقال: (لا إله إلا هو) استئناف أو حال لازمة، وقال أبو البقاء: صفة قال ابن عادل: وهذا على ظاهره فاسد، لأن الجملة لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب لأنه لم يتعرف عنده بالإضافة (إليه) لا إلى غير (المصير) أي مصير من يقول لا إله إلا الله فيدخل الجنة ومصير من لا يقول لا إله إلا الله فيدخل النار، وذلك في اليوم الآخر، قال الكرخي حال من الجملة قبله.
أخرج أبو عبيدة وابن سعد ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ " من قرأ حم المؤمن إلى: إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح " (١)
ثم لما ذكر الله سبحانه أن القرآن كتاب الله أنزله ليهتدى به في الدين. ذكر أحوال من يجادل فيه لقصد إبطاله فقال:
(مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ما يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها بالطعن فيها إلا الكفار، والمراد الجدال بالباطل، القصد إلى دحض الحق، كما في قوله وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأما الجدال لاستيضاح الحق وإيضاح الملتبس، وحل المشكل وتكذيبها، وكشف المعضل، واستنباط المعاني، ورد أهل الزيغ بها، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون، وأفضل ما يجاهد في سبيله المجاهدون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب فقال:
(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).
فتلخص أن الجدال نوعان، جدال في تقرير الحق؛ وجدال في تقرير الباطل؛ أما الأول فهو حرفة الأنبياء ﵈، ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم نوح (يا نوح قد جادلتنا) وأما الثاني فهو مذموم، وهو المراد بهذه الآية، فجدالهم في آيات الله هو قولهم مرة هذا سحر، ومرة شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة (أساطير الأولين) ومرة (إنما يعلمه بشر) وأشباه هذا قاله الكرخي. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود عن أبي
стр. 8473
هريرة قال: قال رسول الله ﷺ " إن جدالاً في القرآن كفر "، وعنه قال قال رسول الله ﷺ " المراء في القرآن كفر " (١)، أخرجه أبو داود وغيره.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال " هاجرت إلى رسول الله ﷺ يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب " (٢)، أخرجه مسلم، قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن هذه الآية، وقوله (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد).
ولما حكم سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر نهى رسوله ﷺ عن أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية فقال:
(فلا يغررك تقلبهم في البلاد) أي فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة النافقة في البلاد، كالشام واليمن، وما يحصلونه من المكاسب والأرباح، وما يجمعونه من الأموال سالمين غانمين، فإنهم معاقبون عما قليل، وإن أمهلوا لا يهملون، قال الزجاج: لا يغررك سلامتهم بعد كفرهم، فإن عاقبتهم الهلاك وهذا تسلية له ﷺ ووعيد لهم، والفاء لترتيب النهي، أو وجوب الانتهاء على ما قبلها، من التسجيل عليهم بالكفر، الذي لا شيء أمقت منه عند الله، ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة قرأ الجمهور: لا يغررك بفك الإدغام وقرىء بالإدغام، وهو جواب لشرط مقدر، أي إذا تقرر عندك أن المجادلين في آيات الله كفار فلا يغررك الخ، ثم بين حال من كان قبلهم، وأن هؤلاء سلكوا سبيل أولئك في التكذيب فقال:
стр. 8474
(كذبت قبلهم) أي قبل أهل مكة (قوم نوح والأحزاب من
стр. 8475
بعدهم) أي وكذبت الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل من بعد قوم نوح، كعاد وثمود وغيرهما (وهمت كل أمة) من تلك الأمم المكذبة (برسولهم) الذي أرسل إليهم (ليأخذوه) أي ليتمكنوا منه فيحبسوه ويعذبوه، ويصيبوا منه ما أرادوا. وقال قتادة والسدى ليقتلوه، والأخذ قد يرد بمعنى الإهلاك كقوله: (فأخذتهم فكيف كان نكير) والعرب تسمي الأسير الأخيذ والأخذ بمعنى الأسر.
(وجادلوا) أي خاصموا رسولهم (بالباطل) من القول (ليدحضوا) أي ليزيلوا (به الحق) ومنه مكان دحض أي مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل داحض لأنه يزلق ويزول فلا يستقر، قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان (فأخذتهم) أي فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل (فكيف كان عقاب) الذي عاقبتهم به وحذف ياء المتكلم اجتزاء بالكسرة عنها وصلاً ووقفاً لأنها رأس آية.