قد تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح قال عبد المؤمن: سألت الحسن ابن الفضل لم قطع حم من عسق؟ ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها بين سور أولها حم، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكان حم مبتدأ وعسق خبره ولأنهما عدتا آيتين وعدت أخواتهما مثل كهيعص، والمر والمص آية واحدة وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في المعنى واحد من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام، ذكره الجرجاني.
وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في حم فقيل: معناها حم أي قضى ما هو كائن ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر، وقيل إن ح حلمه، وم مجده وع علمه، وس سناؤه وق قدرته، أقسم الله بها، وقيل: هما اسمان للسورة وقيل: اسم واحد لها، وقيل غير ذلك مما هو متكلف ومتعسف لم يدل عليه دليل، ولا جاءت به حجة ولا شبهة، وقد ذكرنا قبل هذا ما روى في ذلك مما لا أصل له، والحق ما قدمناه لك في فاتحة سورة البقرة.
стр. 8718
(كذلك) كلام، مستأنف غير متعلق بما قبله، أي مثل ذلك الإيحاء الذي أوحى إلى سائر الرسل من كتب الله المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد، والنبوة والبعث، وهذا هو وجه المشابهة (يُوحِي إِلَيْكَ) يا محمد في هذه السورة وقيل: إن حم عسق أوحيت إلى من قبله من الأنبياء فتكون الإشارة بقوله: كذلك إليها والأول أولى.
(وإلى الذين من قبلك) أي إلى الرسل (الله) كأنه قيل من يوحى فقال الله (العزيز) في ملكه الغالب بقهره (الحكيم) بصنعه المصيب في قوله وفعله.
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ذكر سبحانه لنفسه هذا الوصف وهو ملك جميع ما فيهما لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته (وهو العلي) ذاته وشأنه على خلقه (العظيم) الكبير مكانه وبرهانه.
стр. 8721
(تكاد السموات يتفطرن من فوقهن) قرأ الجمهور تكاد بالفوقية وكذلك تتفطرن قرؤوه بالفوقية مع تشديد الطاء وقرأ نافع والكسائي وابن وثاب يكاد يتفطرن بالتحتية فيهما، وقرأ أبو عمرو والمفضل وأبو بكر وأبو عبيد ينفطرن بالنون من الإنفطار كقوله تعالى (إذا السماء انفطرت) والتفطر التشقق، قال الضحاك والسدي: يتفطرن يتشققن من عظمة الله وجلاله، وقيل: المعنى يكاد كل واحدة منها ينفطر فوق التي تليها من قول المشركين اتخذ الله ولداً، وقيل: معنى من فوقهن من فوق الأرضين والأول أولى.
وقيل: يتشققن لكثرة ما على السموات من الملائكة، وقيل: يكدن يتفطرن من علو شأن الله وعظمته، ويدل عليه مجيئه بعد قوله (العلي العظيم) ومن لابتداء الغاية يبتدىء التفطر من جهة الفوق، وقال الأخفش الصغير إن
стр. 8722
الضمير يعود إلى جماعات الكفار، أي من فوقهم وهو بعيد جداً ووجه تخصيص جهة الفوق أنها أقرب إلى الآيات العظيمة، والمصنوعات الباهرة أو على طريق المبالغة كان كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت أثرت في جهة الفوق، فتأثيرها في جهة التحت بالأولى.
(والملائكة يسبحون بحمد ربهم) كلام مستأنف أي ينزهونه عما لا يليق به ولا يجوز عليه متلبسين بحمده وقيل: إن التسبيح موضوع موضع التعجب، أي يتعجبون من جرأة المشركين على الله، وقيل؛ المعنى يصلون بأمر ربهم قاله السدي.
(ويستغفرون) أي يشفعون (لمن في الأرض) من عباد الله المؤمنين، كما في قوله: (ويستغفرون للذين آمنوا) ويطلبون هدايتهم، وقيل الاستغفار منهم بمعنى السعي فيما يستدعي المغفرة لهم وتأخير عقوبتهم طمعاً في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، فتكون الآية عامة كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين، وإن كانوا داخلين فيها دخولاً أولياً، وإليه ذهب البيضاوي بل ولو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع لعم الحيوان بل الجماد.
قال الضحاك لمن في الأرض من المؤمنين. وقال السدي: بيانه في سورة المؤمن (ويستغفرون للذين آمنوا) وعلى هذا يكون المراد بالملائكة هنا حملة العرش، وقيل جميع الملائكة وهو الظاهر من قول الكلبي وقيل هو منسوخ بقوله (ويستغفرون للذين آمنوا) وقال المهدوي والصحيح أنه ليس بمنسوخ لأنه خبر وهو خاص بالمؤمنين.
وقال أبو الحسن بن الحصار إن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض قال الماوردي وفي استغفارهم لهم قولان أحدهما من الذنوب والخطايا، وهو ظاهر قول مقاتل، والثاني أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم، قاله الكلبي وهو الأظهر، لأن
стр. 8723
من في الأرض يعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل الكافر وقال مطرف وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الشياطين.
(ألا إن الله هو الغفور الرحيم) أي كثير المغفرة والرحمة لأهل طاعته وأوليائه أو الجميع عباده، فإن تأخير عقوبة الكفار والعصاة نوع من أنواع مغفرته ورحمته
стр. 8724
(والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي أصناماً يعبدونها وجعلوا له شركاء وأنداداً.
(الله حفيظ عليهم) أي يحفظ أعمالهم لا يغيب عنه منها شيء ليجازيهم بها (وما أنت عليهم بوكيل) أي لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بهم، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ. قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
стр. 8725
(وكذلك) الإيحاء البديع المبين المفهم (أوحينا إليك) أي أنزلنا عليك (قرآناً عربياً) بلسان قومك لا لبس فيه عليك ولا على قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه (لتنذر أم القرى) أي مكة والمراد أهلها (ومن حولها) من الناس والمفعول الثاني محذوف، أي لتنذرهم العذاب.
(وتنذر يوم الجمع) أي بيوم الجمع وهو يوم القيامة لأنه مجمع الخلائق، وقيل: المراد جمع الأرواح بالأجساد، وقيل: جمع الظالم والمظلوم، وقيل جمع العامل والعمل.
(لا ريب فيه) أي لا شك فيه والجملة معترضة مقررة لما قبلها، أو حال من يوم الجمع (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) قرأ الجمهور برفع فريق في الموضعين إما على أنه مبتدأ وخبره الجار المجرور، وساغ الابتداء بالنكرة لأن المقام مقام تفضيل أو على أن الخبر مقدر قبله، أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير، أو أنه خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير عائد إلى المجموعين، المدلول عليهم بذكر الجمع، أي هم فريق في الجنة وفريق في
стр. 8726
السعير وقرىء فريقاً بالنصب في الموضعين على الحال من جملة محذوفة، أي افترقوا حال كونهم كذلك، وأجاز الفراء والكسائي النصب على تقدير لتنذر فريقاً.
وقد أخرج الترمذي وصححه، وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: " خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله؟ إن كان أمر قد فرغ منه، فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل.
قال رسول الله صلى عليه وآله وسلم بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير ".
قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح غريب، وروى ابن جرير طرفاً منه عن ابن عمرو " موقوفاً عليه "، قال ابن جرير وهذا الموقوف أشبه بالصواب، قلت بل المرفوع أشبه بالصواب، فقد رفعه الثقة ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ويقوي الرفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء قال. " خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتاب ينظر فيه قالوا انظروا إليه كيف هو أمي لا يقرأ؟ قال فعلمها رسول الله ﷺ فقال هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء قبائلهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، وقال (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) فرغ ربكم من أعمال العباد ".
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) قال الضحاك أهل دين واحد إما على هدى وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) أي في الدين الحق وهو الإسلام (والظالمون) أي المشركون (ما لهم من ولي) يدفع عنهم العذاب (ولا نصير) ينصرهم في ذلك المقام.
ومثل هذا قوله (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) وقوله (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) وهذا مقابل لقوله (يدخل من يشاء في رحمته)، فكان مقتضى الظاهر أن يقال ويدخل من يشاء في غضبه لكن عدل عنه إلى ما ذكر للمبالغة في الوعيد، فإن نفي من يتولاهم وينصرهم أدل على أن كونهم في العذاب أمر معلوم مفروغ منه، أفاده الكرخي.
وقال الشوكاني ﵀: وههنا مخاصمات بين المتمذهبين المحامين على
стр. 8729
ما درج عليه أسلافهم، فذبوا عليه من بعدهم. وليس بنا إلى ذكر شيء من ذلك فائدة، كما هو عادتنا في تفسيرنا هذا فهو تفسير سلفي يمشي مع الحق ويدور مع مدلولات النظم الشريف، وإنما يعرف ذلك من رسخ قدمه، وتبرأ من التعصب قلبه ولحمه ودمه.
стр. 8730
(أم اتخذوا من دونه أولياء) مستأنفة مقررة لما قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين ولياً ونصيراً، وأم هذه هي المنقطعة المقدرة ببل المفيدة للانتقال وبالهمزة المفيدة للإنكار، أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها (فالله هو الولي) أي هو الحقيق بأن يتخذوه ولياً فإنه الخالق الرازق الضار النافع، والفاء لمجرد العطف، قاله الكرخي. وغرضه بهذا الرد على الزمخشري في قوله: إنها جواب شرط مقدر أي إن أرادوا أن يتخذوا ولياً في الحقيقة فالله هو الولي الحق، قال أبو حيان لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه.
(وَهُوَ) أي ومن شأنه أنه (يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي يقدر على كل مقدور فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية وإفراده بالعبادة.
стр. 8731
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) هذا عام في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ويتميز فريق الجنة وفريق النار، قال الكلبي وما اختلفتم فيه من شيء أي من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضى فيه، وزاد البيضاوي أو أمر الدنيا، ولم يذكر الدنيا في الكشاف وذكره المحلي، وقال من الدين وغيره، والغير كالخصومات في الدنيا، والأول أولى إذ لا يلزم أن تكون بينهم وبين الكفرة: ولا يقال في مثله التحاكم إلى الله أفاده الشهاب.
وقال مقاتل إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن به بعضهم، فنزلت
стр. 8732
هذه الآية، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وممكن أن يقال إن معنى حكمه إلى الله أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين أنه مردود إلى كتاب الله، ومثله قوله:
(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وقد حكم سبحانه بأن الدين هو الإسلام، وأن القرآن حق، وأن المؤمنين في الجنة والكافرين في النار ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقاً إلا في الدار الآخرة وعدهم الله بذلك يوم القيامة، وقيل: تحاكموا فيه إلى رسول الله ﵌ لأن حكمه حكم الله، ولا تؤثروا حكومة غيره على حكومته.
(ذلكم) مبتدأ أي الحاكم العظيم الشأن بهذا الحكم (الله) خبر أول (ربي) خبر ثان (عليه توكلت) خبر ثالث، أي اعتمدت عليه في جميع أموري لا على غيره، وفوضته في كل شؤوني (وإليه) لا إلى غيره (أنيب) أي أرجع في كل شيء يعرض لي، وهذا خبر رابع.
стр. 8733
(فاطر السموات والأرض) الفاطر الخالق المبدع، وقد تقدم تحقيقه وهذا خبر خامس أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي لأن الإضافة محضة ويكون عليه توكلت وإليه أنيب معترضاً بين الصفة والموصوف، وقرأ زيد بن علي فاطر بالجر على أنه نعت للإسم الشريف في قوله إلى الله وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في عليه أو إليه وأجاز الكسائي النصب على النداء وأجازه غيره على المدح.
(جعل لكم من أنفسكم أزواجاً) خبر سادس أي خلق لكم من جنسكم نساء، أو المراد حواء لكونها خلقت من ضلع آدم، وقال مجاهد نسلاً بعد نسل (ومن الأنعام أزواجاً) أي خلق لها من جنسها إناثاً أو وخلق لكم من الأنعام أصنافاً من المذكور والإناث، وهي الثمانية التي ذكرها في الأنعام.
(يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي يبثكم من الذرء وهو البث أو يخلقكم وينشئكم
стр. 8734
والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام إلا أنه غلب عليه العقلاء، قال الزمخشري وهي من الأحكام ذات العلتين، قال الشيخ وهو اصطلاح غريب، والمعنى أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا، وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل، أو للمخلوق، وقيل راجع إلى ما ذكر من التدبير، وقال الفراء والزجاج وابن كيسان معنى يذرؤكم فيه يكثركم به أي يكثركم بجعلكم أزواجاً لأن ذلك سبب النسل، وقال ابن قتيبة: يذرؤكم فيه أي في الزوج وقيل في البطن وقيل في الرحم.
(ليس كمثله شيء) خبر سابع والمراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية فإنه إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى، كقولهم: مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وقيل: إن الكاف زائدة للتوكيد لأنه تعالى لا مثل له، وهو المشهور عند المعربين، وقيل: إن مثل زائدة قاله ثعلب وغيره، كما في قوله (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) أي بما آمنتم به، وهذا ليس بجيد، بل الأول أولى.
فإن الكناية باب مسلوك للعرب ومهيج مألوف لهم قال ابن قتيبة العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي أنا لا يقال لي، وقيل: المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل والمثل الصفة كقوله مثل الجنة، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره وهو محمل سهل.
قال الراغب: المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، ولهذا لما أراد الله نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر قال تعالى.
(ليس كمثله شيء) وقال أبو البقاء مرجحاً لزيادة الكاف إنها لو لم
стр. 8735
تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال، إذ يكون المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض، لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو مع أن إثبات المثل لله سبحانه محال، وهذا تقرير حسن، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرناه من كون الكلام خارجاً مخرج الكناية.
ومن فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها، وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله (وهو السميع البصير) فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للمثل، قد اشتمل على برد اليقين، وشفاء الصدور، وانثلاج القلوب فاقدر يا طالب الحق قدر هذه الحجة النيرة، والبرهان القوي، فإنك تحطم بها كثيراً من البدع، وتهشم بها رؤوساً من الضلالة، وترغم بها آناف طوائف من القاصرين المتكلفين، والمتكلمين المتأولين، ولا سيما إذا ضممت إليه قول الله سبحانه (ولا يحيطون به علماً) فإنك حينئذ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام وعلم أصول الدين.
ودع عنك نهياً صيح في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل
وهو السميع الخ خبر ثامن وقوله:
стр. 8736
(له مقاليد السموات والأرض) خبر تاسع جمع مقلاد أو مقليد أو قليد، وهو المفتاح جمع على خلاف القياس أي مفاتيحهما أو خزائنهما، والمراد المطر والنبات وغيرهما كالجواهر المستخرجة من الأرض، قال النحاس: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن وقد تقدم تحقيقه في سورة الزمر.
ثم لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليدهما ذكر بعده البسط والقبض فقال (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) خبر عاشر أي يوسعه لمن يشاء كالروم والفرس ويضيقه على من يشاء كالعرب (إنه بكل شيء) من الأشياء (عليم) فلا تخفي عليه خافية، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع ومعصية العاصي فهو يجازي كُلاًّ بما يستحقه من خير وشر.
(شرع لكم) أي بين وأوضح وسن وأظهر طريقاً واضحاً، وهو خبر حادي عشر (من الدين) أي ديناً تطابقت على صحته الأنبياء، والخطاب لأمة محمد ﷺ (ما وصى به نوحاً) من التوحيد ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت عليها الكتب، وإنما خص نوحاً لأنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع، والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد ديناً واحداً، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال في حديث الشفاعة المشهور الكبير:
" ولكن ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " وهذا صحيح لا إشكال فيه كما أن آدم أول رسول نبىء بغير إشكال إلا أن آدم لم يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان شرعه تنبيهاً على بعض الأمور واقتصاراً على ضرورات المعاش، وأخذاً بوظائف الحياة والبقاء واستمر إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء ﵈ واحداً بعد واحد وشريعة
стр. 8739
اثر شريعة حتى ختمها بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد ﷺ .
(والذي أوحينا إليك) من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك والتعبير عنه عند نسبته إلى النبي ﷺ بالذي هو أصل الموصلات لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وخص ما شرعه لنبينا محمد ﷺ بالإيحاء مع كون ما قبله وما بعده مذكوراً بالتوصية، للتصريح برسالته، القامع لإنكار الكفرة، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه، وهو السر في تقدمه على ما بعده مع تقدمه عليه زماناً وتقديم توصية نوح للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً وتوجبه الخطاب إليه ﷺ بطريق التلوين للتشريف والتنبيه، على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه ﵊.
(وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) مما تطابقت عليه الشرائع وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة؛ وأولو العزم، ولميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في موسى، والنصارى في عيسى، وكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله فشيث وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم، ومن بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل، ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال:
(أن أقيموا الدين) أي توحيد الله، والإيمان به وطاعة رسله، وقبول شرائعه والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه، والتشمير له، وقال السدي: أي اعملوا به وقيل: المراد سائر ما يكون المرء بإقامته مسلماً ولم ترد به الشرائع فإنها مختلفة، قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) قال مجاهد: لم يبعث الله نبياً إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وقال
стр. 8740
قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام.
قال القرطبي: الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع هي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق، كيفما تصورت، والإعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً، وملة واحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى: أن أقيموا الدين الخ.
ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين نهاهم عن الإختلاف فيه فقال: (ولا تتفرقوا فيه) أي لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسوله، وقبول شرائعه فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس هذا من فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف.
قال القرطبي في الآية أي اجعلوه دائماً قائماً مستمراً محفوظاً مستقراً، من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث، (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه).
واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم والله أعلم.
قال قتادة في الآية: ألا تعلمون أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة وقال على الجماعة رحمة والفرقة عذاب. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شق على المشركين فقال:
(كبر) أي عظم وشق (على المشركين ما تدعوهم إليه) من التوحيد ورفض الأوثان، قال قتادة اشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها، ويظفرها كل من ناوأها، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص
стр. 8741
المشركين بالذكر كما لا يخفي ثم خص أولياءه فقال:
(الله يجتبي إليه) استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة، والاجتباء الاختيار، والمعنى يختار لتوحيده والدخول في دينه، افتعال من الجباية وهي الجمع على طريق الاصطفاء، واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه (من يشاء) من عباده، قال قتادة: يخلص لنفسه من يشاء.
(ويهدي إليه من ينيب) أي يوفق لدينه ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ذكر ما وقع من التفرق والاختلاف فقال:
стр. 8742
(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي ما تفرقوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة متوعد عليها، أو العلم بمبعث الرسول أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما، فلم يلتفتوا إليها، وفعلوا ذلك التفرق، قيل: المراد قريش وهم الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وهو محمد ﷺ بغياً منهم عليه.
وقد كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم بقوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير) الآية، وبقوله (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) وقيل المراد أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم. وقيل: اليهود والنصارى خاصة كما في قوله (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة).
(بغياً بينهم) أي بغياً من بعضهم على بعض، طلباً للرياسة فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا والجاه والحمية (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي تأخير العقوبة (إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة كما في قوله (بل الساعة موعدهم) وقيل: إلى الأجل الذي قضاه الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر والذل والقهر (لقضي
стр. 8743
بينهم) أي لوقع القضاء بينهم بإنزال العقوبة بهم معجلة، وقيل يقضي بين من آمن منهم ومن كفر بنزول العذاب بالكافرين ونجاة المؤمنين.
(وإن الذين أورثوا الكتاب) أي التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى الذي كانوا في عهده ﷺ (من بعدهم) أي من بعد من قبلهم من اليهود والنصارى المختلفين في الحق.
وقال مجاهد: معنى من بعدهم من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى وقيل، المراد كفار المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم ووصفهم بأنهم (لفي شك منه) أي من القرآن أو من محمد ﷺ ، وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم أي مطلق التردد.
وقال القرطبي: لفي شك من الذي أوصى به الأنبياء (مريب) موقع في الريبة وهي قلق النفس واضطرابها ولذلك لم يؤمنوا.
стр. 8744
(فلذلك) أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك أو الكتاب، أو العلم الذي أوتيته، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع (فادع) إلى الله وإلى توحيده وإلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية أو الإتباع لما أوتيته، وعلى هذا اللام في موضع إلى لإفادة الصلة والتعليل، قال الفراء والزجاج: المعنى فإلى ذلك فادع، كما تقول: دعوت إلى فلان ولفلان وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) (فلذلك فادع).
(واستقم) على ما دعوت إليه فسر الراغب الإستقامة بلزوم المنهج المستقيم، فلا حاجة إلى تأويلها بالدوام على الإستقامة، قال قتادة: استقم على أمر الله، وقال سفيان: استقم على القرآن، وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة (كما أمرت) بذلك من جهة الله تعالى.
стр. 8745
(ولا تتبع أهواءهم) الباطلة وتعصباتهم الزائفة في ترك التوحيد، ولا تنظر إلى خلاف من خالفك في دين الله (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في أصول الدين، وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض لهم.
(وأمرت لأعدل بينكم) في أحكام الله إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه الله، أو بنقصان منه، وأبلغ إليكم ما أمرني الله بتبليغه كما هو واللام لام كي، أي أمرت بذلك الذي أمرت به لكي أعدل بينكم، وقيل: هي زائدة، والمعنى أمرت أن أعدل وقيل: بمعنى الباء وأن المصدرية مقدرة أي بأن أعدل والأول أولى.
قال أبو العالية: أمرت لأسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول، والظاهر أن الآية عامة في كل شيء، والمعنى أمرت لأعدل بينكم في كل شيء.
(الله ربنا وربكم) أي إلهنا وإلهكم، وخالقنا وخالقكم (لنا أعمالنا) أي ثوابها وعقابها خاص بنا (ولكم أعمالكم) أي ثوابها وعقابها خاص بكم، فكل يجازى بعمله (لا حجة) أي لا خصومة (بيننا وبينكم) لأن الحق قد ظهر ووضح، ولم يبق للمحاجة مجال، وليس في الآية إلا ما يدل على المتاركة في المقاولة، والمحاجة لا مطلقاً حتى تكون منسوخة، وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة مجاراة لهم على زعمهم الباطل، قال ابن عباس ومجاهد: الخطاب لليهود وقيل للكفار على العموم.
(الله يجمع بيننا) في المحشر لفصل القضاء (وإليه المصير) أي المرجع يوم القيامة، فيجازي كُلاًّ بعمله، وهذا منسوخ بآية السيف وقيل ليست بمنسوخة لأن البراهين قد ظهرت والحجج قد قامت فلم يبق إلا العناد وبعد العناد لا حجة ولا جدال.
(والذين يحاجون في الله) أو يخاصمون في دين الله (من بعد ما استجيب) أي استجاب الناس (له) أي لدين الله ودخلوا فيه، وقيل: الضمير راجع إلى الله، وقيل: إلى محمد ﷺ المعلوم من السياق الدال عليه الفعل، والأول أولى.
قال مجاهد؛ من بعد ما أسلم الناس، قال: وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود، وقال قتادة هم اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون (أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً) فنزلت هذه الآية.
وفال ابن عباس: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى، من بعد ما استجابوا لله، وقال: هم قوم من أهل الضلالة وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية، وعن عكرمة قال لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجاً فأخرجوا من بين أظهرنا فنزلت هذه الآية.
стр. 8748
والموصول مبتدأ وخبره الجملة بعده وهي (حجتهم داحضة عند ربهم) أي لإثبات لها كالشيء الذي يزول عن موضعه يقال دحضت حجته دحوضاً بطلت، وبابه خضع، والإدحاض الإزلاق، ومكان دحض أي زلق، ودحضت رجله أي زلقت وبابه قطع وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة.
(وعليهم غضب) عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل (ولهم عذاب شديد) في الآخرة.
стр. 8749
(الله الذي أنزل الكتاب) المراد به الجنس فيشمل جميع الكتب المنزلة على الرسل، وقيل المراد به القرآن خاصة (بالحق) متعلق بمحذوف أي متلبساً بالحق وهو الصدق (والميزان) أي العدل كذا قال أكثر المفسرين قالوا وسمى العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق، فالميزان متجوز به عنه إستعمالاً للسبب في السبب وقيل الميزان ما بين في الكتب المنزلة مما يجب على كل إنسان أن يعمل به، وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب.
وقال قتادة: الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه وإنزال العدل هو الأمر والتكليف به، وقيل: إنه الميزان على نفسه أنزله الله من السماء في زمن نوح ﵇، وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس، كما في قوله (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، وقيل: هو محمد ﷺ يقضي بينكم بكتاب الله وقال مجاهد: هو الذي يوزن به.
(وما يدريك لعل الساعة قريب) أي أَيُّ شيء يجعلك دارياً بها، عالماً بوقتها، لعلها شيء قريب، أو قريب مجيئها، أو ذات قرب أو إتيانها قريب وقال (قريب) ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي.
قال الزجاج: المعنى لعل البعث أو لعل مجىء الساعة قريب وقال
стр. 8750
الكسائي قريب نعت ينعت به المؤنث والمذكر كما في قوله: إن رحمة الله قريب من المحسنين، وقال الكرخي: ولا يقال: إن (قريب) يستوي فيه المؤنث والمذكر لأن فعيلاً هنا بمعنى فاعل، ولا يستوي فيه ما ذكر والاستفهام إنكاري أي لا سبب يوصلك للعمل بقربها إلا الوحي الذي ينزل عليك قيل إن النبي ﷺ " ذكر الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا متى تقوم تكذيباً لها فأنزل الله هذه الآية، " ويدل على هذا قوله:
стр. 8751
(يستعجل بها الذين لا يؤمنون) استعجال استهزاء منهم بها وتكذيباً بمجيئها، فلا يشفقون منها (والذين آمنوا مشفقون منها) أي خائفون وجلون من مجيئها، أي فلا يستعجلونها، ففي الآية احتباك حيث ذكر الاستعجال أولاً، وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق ثانياً وحذف الاستعجال. قال مقاتل لأنهم لا يدرون ما يهجمون عليه وقال الزجاج لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون.
(ويعلمون أنها الحق) أي أنها آتية لا ريب فيها، وكائنة لا محالة ومثل هذا قوله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) ثم بين ضلال الممارين فيها فقال:
(ألا إن الذين يمارون في الساعة) أي يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة من المماراة، وهي المخاصمة والمجادلة أو من المرية وهي الشك والريبة (لفي ضلال بعيد) عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي هي مشاهدة لهم، منصوبة لأعينهم، مفهومة لعقولهم ولو تفكروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء قادر على الإعادة، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها، والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء والبعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه.
стр. 8752
(الله لطيف بعباده) أي كثير اللطف بهم، بالغ الرأفة لهم، قال مقاتل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم، قال عكرمة:
стр. 8753
بار بهم وقال السدي: رفيق بهم وقيل: حفى بهم. وقال القرطبي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل: في إيصال المنافع وصرف البلاء، وقيل لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، وقيل اللطيف من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو يعفو عمن يهفو، أو يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلفه الطاعة دون الطاقة.
وقال الجنيد: لطف بأوليائه فعرفوه ولولا لطفه بأعدائه ما جحدوه وقال جعفر الصادق: يلطف بهم في الرزق من وجهين، أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات، الثاني أنه لم يدفع إليك مرة واحدة فتبذره.
وقال الحسين بن الفضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره. وقيل: اللطيف الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله (١)، وقيل هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل هو الذي أوقد للعلماء من الكتاب والسنة سراجاً، وجعل لهم الصراط المستقيم والدين القيم منهاجاً، وأنزل لهم من سحائب بره ومَنهِ ولطفه وكرمه وإحسانه ماء ثجاجاً وقيل غير ذلك.
وحاصل المعنى أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا وهو معنى قوله (يرزق من يشاء) منهم كيف يشاء فيوسع على هذا ويضيق على هذا، وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض، كما قال ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، وكان هذا لطفاً بالعباد ليمتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني. وقيل ما يشاء من أنواع الرزق فهو -وإن كان يرزق كل ذي روح- لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق، قلة وكثرة وجنساً ونوعاً لحكمة يعلمها هو.
(وهو القوي) العظيم القوة الباهر القدرة (العزيز) الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء.
(من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) الحرث في اللغة الكسب يقال: هو يحرث لعياله ويحترث، أي يكتسب، ومنه سمي الرجل حارثاً ومعنى أصل الحرث إلقاء البذر في الأرض، فأطلق على ثمرات الأعمال وفوائدها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذر، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور، والمعنى من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة يضاعف الله له تلك الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، وقيل: معناه يزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخير له.
(ومن كان يريد حرث الدنيا) أي من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الدنيا وهو متاعها، وما يرزق الله به عباده منها، مؤثراً لها على الآخرة (نؤته منها) ما قضت به مشيئتنا، وقسم له في قضائنا، ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه.