← Тафсир

Тафсир · id 37458

فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

Полный текст (12 043 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

(فإما نذهبن بك) بالموت قبل أن ننزل بهم العذاب، وقيل: المعنى نخرجنك من مكة (فإنا منهم منتقمون) إما في الدنيا أو في الآخرة، قال علي كرم الله وجهه: ذهب الله بنبيه ﷺ وبقيت نقمته في عدوه

стр. 8892

(أو نرينك الذي وعدناهم) من العذاب قبل موتك (فإنا عليكم مقتدرون) متى شئنا عذبناهم. قال كثير من المفسرين قد أراه ذلك يوم بدر وبه قال ابن عباس وقال الحسن وقتادة: هي في أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي ﷺ من الفتن، وقد كان بعد النبي ﷺ فتنة شديدة فأكرم الله نبيه ﷺ وذهب به فلم يره في أمته شيئاًً من ذلك والأول أولى.

стр. 8893

(فاستمسك بالذي أوحي إليك) من القرآن وإن كذب به من كذب (إنك على صراط مستقيم) أي طريق واضح تعليل للإستمساك أو للأمر به (وأنه) أي وإن القرآن (لذكر لك ولقومك) أي شرف لك ولقريش إذ نزل عليك وأنت منهم بلغتك ولغتهم، ومثله قوله: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) وقيل بيان لك ولأمتك فيما لكم حاجة، وقيل تذكره تذكرون بها أمر الدين وتعملون به، وعن علي وابن عباس قالا: " كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن الملك بعدك أمسك فلم يجبهم بشيء لأنه لا يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت

стр. 8894

(وإنه لذكر لك ولقومك) فكان إذا سئل بعد قال لقريش فلا يجيبوه حتى قبلته الأنصار على ذلك ". وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " أخرجه الشيخان، وعن معاوية قال سمعت رسول الله ﷺ يقول " إن هذا الأمر في

стр. 8895

قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه، ما أقاموا الدين " أخرجه البخاري. (وسوف تسألون) عما جعله الله لكم من الشرف، كذا قال الزجاج والكلبي وغيرهما، وقيل يسألون عما يلزمهم من القيام بما فيه والعمل به وعن تعظيمهم له، وشكرهم لهذه النعمة يوم القيامة.

стр. 8896

(واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن) أي غيره (آلهة يعبدون) قال الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد أن جبريل قال ذلك للنبي ﷺ لما أسرى به فالمراد سؤال الأنبياء في ذلك الوقت عند ملاقاته لهم، وبه قال جماعة من السلف. وقال المبرد والزجاج وجماعة من العلماء إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا وبه قال ابن عباس ومجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن، وفائدة إيقاع السؤال على الرسل مع أن المراد أممهم التنبيه على أن المسؤول عنه عين ما نطقت به ألسنة الرسل، لا ما تقوله علماؤهم من تلقاء أنفسهم، وعلى الأول هي مكية، وعلى الثاني مدنية. ومعنى الآية على القولين سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل؟ وهل سوغ ذلك لأحد منهم؟ والمقصود تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من الشرائع. وقيل ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه فحصاً ونظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها. ولما أعلم الله سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوه وذكر اتفاق الأنبياء على التوحيد، أتبعه بذكر قصة موسى وفرعون، وبيان ما نزل بفرعون وقومه من النقمة فقال:

стр. 8897

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)

стр. 8898

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا) التسع التي تقدم بيانها (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) أي القبط (فقال إني رسول رب العالمين) أرسلني إليكم ما أجابوه به عند قوله هذا محذوف دل عليه قوله

стр. 8899

(فلما جاءهم بآياتنا) وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية (إذا هم منها يضحكون) استهزاء وسخرية وجواب لما هو إذا الفجائية لأن التقدير فاجأوا وقت ضحكهم.

стр. 8900

(وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) أي كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها وأعظم قدراً مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها وقيل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس هما أخوان كل واحد منهما أكبر من الآخر وقيل المعنى إن الأولى تقتضي علماً والثانية تقتضي علماً فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح ومعنى الأخوة بين الآيات أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها

стр. 8901

على صحة نبوة موسى كما يقال هذه صاحبة هذه أي هما قرينتان في المعنى وقيل المعنى أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظن الظان أنها أكبر من سائر الآيات. (وأخذناهم) بسبب تكذيبهم بتلك الآيات (بالعذاب) أي بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، كما قال تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) الآية، ثم بين سبحانه أن العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء رجوعهم، فقال: (لعلهم يرجعون) أي لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان، ولما عاينوا ما جاءهم به من الآيات البينات، والدلالات الواضحات، ظنوا أن ذلك من قبيل السحر.

стр. 8902

(وقالوا يا أيها الساحر) وكانوا يسمون العلماء سحرة، ويوقرون السحرة ويعظمونهم، ولم يكن السحر صفة ذم عندهم، قال الزجاج: خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، أو نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم، وفرط حماقتهم، والأظهر أن النداء كان باسمه العلم، كما في الأعراف في قوله: قالوا: يا موسى. (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) لكن حكى الله سبحانه هنا كلامهم لا بعبارتهم، بل على وفق ما أضمرته قلوبهم من اعتقادهم أنه ساحر، لاقتضاء مقام التسلية ذلك فإن قريشاً سموه ساحراً، وسموا ما أتى به سحراً، أفاده الكرخي، والمعنى: ادع الله به، أخبرتنا من عهده إليك أنا إذا آمنا كشف عنا العذاب الذي نزل بنا (إننا لمهتدون) أي فنحن مهتدون فيما يستقبل من الزمان ومؤمنون بما جئت به.

стр. 8903

(فلما كشفنا عنهم العذاب) في الكلام حذف، والتقدير فدعا موسى ربه، فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم العذاب (إذا هم ينكثون) فاجأوا نكثهم للعهد الذي جعلوه على أنفسهم من الاهتداء، والنكث النقض وكانوا ينقضونه في كل مرة من مرات العذاب.

стр. 8904

(ونادى فرعون) افتخاراً (في قومه) قيل: لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إلى موسى فجمعهم ونادى بصوته فيما بينهم، أو أمر منادياً ينادي بقوله: (قال يا قوم أليس لي ملك مصر) لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني فيه مخالف. (وهذه الأنهار تجري من تحتي) أي والحال أن الأنهار تجري من تحت قصري، والمراد هنا أنهار النيل، وقال قتادة: المعنى تجري بين يدي وفي بساتيني، قال الحسن: تجري بأمري أي تجري تحت أمري وقال الضحاك: أراد بالأنهار القواد والرؤساء والجبابرة، وأنهم يسيرون تحت لوائه، وقيل: أراد بالأنهار الأموال، والأول أولى. (أفلا تبصرون) ذلك وتستدلون به على قوة ملكي وعظم قدري، وضعف موسى عن مقاومتي، وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي، فولاها الخصيب، وكان خادمه على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها، فلما شارفها قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال (أليس لي ملك مصر) والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثنى عنانه.

стр. 8905

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)

стр. 8906

(أم أنا خير) أم هي المنقطعة المقدرة ببل، التي للإضراب دون الهمزة التي للإنكار أي بل أنا خير، قال أبو عبيدة أم بمعنى: بل، والمعنى قال فرعون لقومه بل أنا خير، وقال الفراء: إن شئت جعلتها من الإستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله - وقيل: هي زائدة، وحكى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون أم زائدة، والمعنى أنا خير من هذا، وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون؟ ثم ابتدأ فقال: أنا خير، وروي عن الخليل وسيبويه نحو قول الأخفش، ويؤيد هذا أن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي وقفا على أم على تقدير أم تبصرون فحذف لدلالة الأول عليه، وعلى هذا فتكون أم متصلة لا منقطعة والأول أولى، وحكى الفراء أن بعض القراء قرأ أما أنا خير؟ أي ألست خيراً؟ (من هذا الذي هو مهين) أي ضعيف حقير ممتهن في نفسه، لا عز له لأنه يتعاطى أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهراً وينفذ بها أمراً (ولا يكاد يبين) الكلام لما في لسانه من العقدة، وقد تقدم بيانه في سورة طه، قال ابن عباس في الآية: كانت بموسى لثغة في

стр. 8907

لسانه، واللثغة بالضم أن تصير الراء غيناً أو لاماً أو السين ثاء، وقد لثغ من باب طرب فهو ألثغ، وقيل المعنى لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد به أنه لا قدرة له على الكلام، والأول أولى.

стр. 8908

(فلولا ألقي عليه) من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة (أسورة) جمع سوار، وبها قرأ حفص، وقرأ الجمهور أساور جمع أسورة، وقال أبو عمرو بن العلاء واحد الأساورة والأساور والأساوير أسوار، وهي لغة في سوار، وقرأ أبيّ أساور، وابن مسعود أساوير، قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلاً سوروه بسوارين، وطوقوه بطوق ذهب، علامة لسيادته، أرادوا بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه، أي فهلا حلي بأسورة (من ذهب) إن كان عظيماً مقدماً سيداً. (أو جاء معه الملائكة مقترنين) أي هلا جاء معه الملائكة متتابعين متقارنين إن كان صادقاً يعينونه على أمره، ويشهدون له بالنبوة، ويمشون معه، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بد أن يكونوا على هيئة الجبابرة، ومحفوفين بالملائكة

стр. 8909

(فاستخف قومه) أي حملهم على خفة الجهل والسفه، بقوله وكيده، واستفزهم بالقول، واستزلهم وعمل فيهم كلامه، وقيل: طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع، قال ابن الأعرابي المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، فقال استخفه الفرح، أي أزعجه، استخفه أي حمله، ومنه (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون)، وقد استخف بقومه وقهرهم حتى اتبعوه وعزروه وقيل استخف قومه أي وجدهم خفاف العقول، فصيغة الاستفعال للوجدان، وفي نسبته إلى القوم تجوز. (فأطاعوه) فيما أمرهم به وقبلوا قوله وكذبوا موسى (إنهم كانوا قوماً فاسقين) أي خارجين عن طاعة الله.

стр. 8910

(فلما آسفونا) أي اغضبونا قاله المفسرون، والأسف الغضب وقيل أشد الغضب، وقيل السخط، وقيل، المعنى أغضبوا رسلنا قال ابن عباس فلما أسخطونا وأغضبونا أي بالإفراط في الفساد والعصيان (انتقمنا منهم) ثم بين العذاب الذي وقع به الانتقام فقال (فأغرقناهم أجمعين) في البحر وإنما أهلكوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به وهو الماء في قوله (وهذه الأنهار تجري من تحتي) ففيه إشارة إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله به وقد استضعف اللعينُ موسى وعابه بالفقر والضعف، فسلطه الله تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استضعف أحد شيئاًً إلا غلبه، أفاده القشيري. أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن عقبة ابن عامر أن رسول الله ﷺ " قال إذا رأيت الله يعطى العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له وقرأ (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين) وعن طاوس بن شهاب قال كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجاءة فقال تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر (فلما آسفونا انتقمنا منهم).

стр. 8911

(فجعلناهم سلفاً) أي قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار، في استحقاق العذاب، لأجل الاعتبار بهم، قرأ الجمهور سلفاً بفتح السين واللام جمع سالف كخدم وخادم، ورصد وراصد، وحرس وحارس، يقال سلف يسلف إذا تقدم ومضى، قال الفراء والزجاج جعلناهم متقدمين سابقين، ليتعظ بهم الآخرون اللاحقون، وقرىء سلفاً بضم السين واللام، قال الفراء هو جمع سليف نحو سرر وسرير، وقال أبو حاتم هو جمع سلف نحو خشب وخشب، وقرىء بضم السين وفتح اللام جمع سلفة، وهم الفرقة المتقدمة نحو غرف وغرفة، كذا قال النضر بن شميل، وقال ابن عباس سلفاً أهواء مختلفة.

стр. 8912

(ومثلاً للآخرين) أي عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال، وتسير سير الأقوال، ولما قال سبحانه (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا ما يريد محمد ﷺ إلا أن نتخذه إلهاً، كما اتخذ النصارى عيسى بن مريم فأنزل الله

стр. 8913

(ولما ضرب ابن مريم مثلاً) كذا قال قتادة ومجاهد. وقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري مع النبي ﷺ لما نزل قوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قال ابن الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة أليست النصارى يعبدون المسيح؟ واليهود عزيراً؟ وبنو مليح الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا به، وضحكوا وارتفعت أصواتهم، فأنزل الله (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) ونزلت هذه الآية المذكورة هنا، وقد مضى هذا في سورة الأنبياء، ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعري مندفع من أصله، وباطل برمته فإن الله سبحانه قال: (إنكم وما تعبدون) ولم يقل: ومن تعبدون، حتى يدخل في ذلك العقلاء كالمسيح وعزير والملائكة، قال الشهاب: ابن الزبعري هو عبد الله الصحابي المشهور، وهذه القصة على تقدير صحتها كانت قبل إسلامه. (إذا قومك) يا محمد ﷺ (منه) أي من ذلك المثل المضروب (يصدون) أي يضجون ويصيحون، فرحاً بذلك المثل المضروب، والمراد بقومه هنا كفار قريش، إذ ظنوا أنه ألزم وأفحم النبي ﷺ به، وهو إنما سكت انتظاراً للوحي. قرأ الجمهور: يصدون بكسر الصاد، وقرىء بضمها، وهما سبعيتان قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش: هما لغتان ومعناهما يضجون،

стр. 8914

قال الجوهري: صد يصد صديداً أي ضج، وقيل: إنه بالضم للإعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب، قال أبو عبيدة: لو كانت من الصدود عن الحق يقال: إذا قومك عنه يصدون، عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لقريش: " إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير، قالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً؟ وعبداً من عباد الله صالحاً؟ وقد عبدته النصارى، فإن كنت صادقاً فإنه كآلهتهم، فأنزل الله: ولما ضرب ابن مريم مثلاً " الآية، قلت: وما يصدون؟ قال: يضجون.

стр. 8915

(وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ) عندك (أَمْ هُوَ) أي المسيح، قال السدي وابن زيد: خاصموه وقالوا إن كان كل من عبد غير الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة، وقال قتادة يعنون محمداً ﷺ ، أي أآلهتنا خير أم محمد ﷺ ؟ ويقوي هذا قراءة ابن مسعود أآلهتنا خير أم هذا. (ما ضربوه لك إلا جدلاً) أي ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك لا لطلب الحق حتى يرجعوا له عند ظهوره وبيانه، على أن جدلاً منتصب على العلة، أو مجادلين على أنه مصدر في موضع الحال وقرىء جدالاً. (بل هم قوم خصمون) أي شديدو الخصومة، كثيرو اللدد، عظيمو الجدل، وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل "، ثم تلا هذه الآية، وقد ورد في ذم الجدل بالباطل أحاديث كثيرة، ثم بيّن سبحانه أن عيسى ليس برب، وإنما هو عبد من عباده اختصه بنبوته فقال:

стр. 8916

إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)

стр. 8917

(إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) بما أكرمناه به من النبوة، وأنعمنا عليه برفعة المنزلة والذكر (وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) أي آية وعبرة لهم، يعرفون به قدرة الله سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، وكل مريض بإذن الله، فمن أين يدخل في قوله (إنكم وما تعبدون)؟. أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال إن المشركين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا أرأيت من يعبد من دون الله أين هم؟ قال في النار، قالوا الشمس والقمر قال والشمس والقمر قالوا فعيسى ابن مريم؟ قال: قال الله (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل).

стр. 8918

(ولو نشاء لجعلنا منكبم ملائكة في الأرض يخلفون) الخطاب لقريش، أي لو نشاء لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة مكرمين يعمرونها، ويعبدوننا، فهذا تهديد وتخويف لقريش، قال السمين في (من) هذه أقوال أحدها أنها بمعنى بدل أي لجعلنا بدلكم، ومنه قوله تعالى (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي بدلها، والثاني وهو المشهور أنها ابتدائية وتأويل الآية عليه لولدنا منكم يا رجال ملائكة في الأرض يخلفونكم كما تخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى دون ذكر، ذكره الزمخشري، والثالث أنها تبعيضية قال أبو البقاء وقيل المعنى لحولنا بعضكم ملائكة، وقال ابن عطية لجعلنا بدلاً منكم، ومقصود الآية

стр. 8919

أنا لو نشاء لأسكنّا الملائكة الأرض، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا.

стр. 8920

(وإنه لعلم للساعة) قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة إن المراد المسيح، وأن خروجه أي نزوله مما يعلم به قيام الساعة، أي قربها لكونه شرطاً من أشراطها لأن الله سبحانه ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة، وقال الحسن وسعيد بن جبير المراد القرآن لأنه يدل على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها وأحوالها، وقيل المعنى أن حدوث المسيح من غير أب وإحياءه للموتى دليل على صحة البعث، وقيل الضمير لمحمد ﷺ والأول أولى. قال ابن عباس " أي خروج عيسى ابن مريم ﵇ قبل يوم القيامة " (١)، وأخرجه الحاكم وابن مردويه عنه مرفوعاً، وعن أبي هريرة نحوه أخرجه عبد بن حميد قرأ الجمهور لعلم بصيغة المصدر، جعل المسيح علماً للساعة مبالغة، لما يحصل من العلم بحصولها عند نزوله، وقرأ جماعة من الصحابة بفتح العين واللام، أي خروجه علم من أعلامها، وشرط من شروطها، وقرىء للعلم بلامين مع فتح العين واللام أي للعلامة التي يعرف بها قيام الساعة. (فلا تمترن بها) أي فلا تشكن في وقوعها، ولا تكذبن بها، فإنها كائنة لا محالة (واتبعون) قرأ الجمهور بحذف الياء وصلاً ووقفاً، وقرىء بإثباتها وصلاً ووقفاً وقرىء بحذفها في الوصل دون الوقف أي اتبعوني فيما آمركم به من التوحيد وبطلان الشرك، وفرائض الله التي فرضها عليكم (هذا) أي الذي آمركم به وأدعوكم إليه (صراط مستقيم) أي طريق قيم، موصل إلى الحق.

стр. 8921

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)

стр. 8922

(ولا يصدنكم الشيطان) أي لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعي أو من الإيمان بالساعة، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه رسله وكتبه، ثم علل نهيهم عن أن يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال: (إنه لكم عدو مبين) أي مظهر لعدواته لكم غير متحاش عن ذلك ولا متكتم به كما يدل على ذلك ما وقع بينه وبين آدم، وما ألزم به نفسه من إغراء جميع بني آدم إلا عباد الله المخلصين.

стр. 8923

(ولما جاء عيسى) إلى بني إسرائيل (بالبينات) أي بالمعجزات الواضحة، والشرائع النيرة، قال قتادة البينات ههنا الإنجيل (قال قد جئتكم بالحكمة) أي النبوة وقيل: الإنجيل، وقيل ما يرغب في الجميل ويكف عن القبيح. (و) جئتكم (لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) من أحكام التوارة، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حتى جعلت كأنها كلام برأسه والبعض هو أمر الدين قال قتادة يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، قال الزجاج: الذي جاء به عيسى

стр. 8924

في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه فبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه. وقيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وقال أبو عبيدة إن بعض هنا بمعنى كل كما في قوله (يصبكم بعض الذي يعدكم) وقال مقاتل هو كقوله (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرماً في التوراة كلحم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت ثم أمرهم بالتقوى والطاعة فقال: (فاتقوا الله) أي اتقوا معاصيه (وأطيعون) فيما آمركم به من التوحيد والشرائع وأبلغه عنه

стр. 8925

(إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه) هذا بيان لما أمرهم بأن يطيعوه فيه (هذا) أي عبادة الله وحده والعمل بشرائعه (صراط مستقيم) وهذا تمام كلام عيسى ﵇ أو استئناف من الله يدل على ما هو المقتضى للطاعة في ذلك.

стр. 8926

(فاختلف الأحزاب من بينهم) قال مجاهد والسدي الأحزاب هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقال الكلبي ومقاتل هم فرق النصارى اختلفوا في أمر عيسى، قال قتادة المعنى أنهم اختلفوا فيما بينهم، وقيل اختلفوا من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى والأحزاب هي الفرق المتحزبة قيل هم اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية، وهذا مبني على أنه بعث لجميع بني إسرائيل فتحزبوا في أمره، وقيل المراد بالأحزاب الذين تحزبوا على النبي ﷺ وكذبوه وهم المرادون بقوله:

стр. 8927

(هل ينظرون إلا الساعة) والأول أولى. (فويل للذين ظلموا) من هؤلاء المختلفين وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا بشرائعه، وقالوا في عيسى ما كفروا به (من عذاب يوم أليم) أي أليم عذابه وهو يوم القيامة.

стр. 8928

(هل ينظرون) أي هل يترقب وينتظر هؤلاء الأحزاب أو الكفار (إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) أي فجأة (وهم لا يشعرون) أي لا يفطنون بذلك لاشتغالهم بأمر دنياهم وإنكارهم لها، كقوله تأخذهم وهم يخصمون.

стр. 8929

(الأخلاء) في الدنيا أي المتحابون فيها (يومئذ) أي يوم تأتيهم الساعة (بعضهم لبعض عدو) أي يعادي بعضهم بعضاً لأنه، قد انقطعت بينهم العلائق واشتغل كل واحد منهم بنفسه ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسباباً للعذاب، فصاروا أعداء ثم استثنى المتقين فقال (إلا المتقين) فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأنهم وجدوا تلك الخلة التي كانت بينهم من أسباب الخير والثواب فبقيت خلتهم على حالها. عن علي بن أبي طالب في الآية " قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران توفي أحد المؤمنين فبشر بالجنة فذكر خليله فقال: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم لا تضله بعدي حتى تريه ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً ولبكيت قليلاً، ثم يموت الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل، وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، وينبئني أني غير ملاقيك اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت علي فيموت الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل لصاحبه. بئس الأخ وبئس الصاحب، وبئس الخليل "، أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وحميد بن زنجويه في ترغيبه وابن جرير والبيهقي وابن مردويه وابن أبي حاتم.

стр. 8930

يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)
следующие страницы →