(ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) قرأ الجمهور بضم الحاء وسكون السين وقرىء بفتحهما، وقرىء إحساناً. وقد تقدم في سورة العنكبوت (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) من غير اختلاف بين القراء، وقد تقدم في سورة الأنعام وسورة بني إسرائيل (وبالوالدين إحساناً) فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء هنا، وعلى جميعها فانتصابه على المصدرية، أي وصيناه أن يحسن إليهما حسناً أو إحساناً، وقيل يتضمن وصينا معنى ألزمنا، وقيل على أنه مفعول له والحسن خلاف القبح، والإحسان خلاف الإساءة والتوصية الأمر.
стр. 9137
(حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً) تعليل للتوصية المذكورة، واقتصر في التعليل على الأم لأن حقها أعظم ولذلك كان لها ثلثا البر قاله الخطيب، قرأ الجمهور كرهاً بضم الكاف في الموضعين، وقرىء بفتحها، قال الكسائي وهما لغتان بمعنى واحد، قال أبو حاتم الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيدة الفتح، وقال لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلا التي في سورة البقرة (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وقيل: إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره، وإنما ذكر سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، والمعنى أنها حملته ذات كره ووضعته ذات كره، ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال:
(وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) أي عدتهما هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع أي يفطم عنه؛ وقد استدل بهذه الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع سنتان أي مدة الرضاع الكامل في قوله: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع، وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب. ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك.
قرأ الجمهور فصاله بالألف، وقرىء فصله بفتح الفاء وسكون الصاد والفصل والفصال بمعنى كالفطم والفطام والقطف والقطاف، عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: " إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر، فأنكر الناس ذلك فقلت لعمر لم تظلم؟ قال كيف؟ قلت اقرأ (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) كم الحول؟ قال: سنة، قلت: كم السنة؟ قال اثنا عشر شهراً، قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان، ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدم ما شاء فاستراح عمر إلى قوله "، وعنه أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهراً وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من
стр. 9138
الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً وإذا وضعت لستة أشهر فحولان كاملان لأن الله يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهراً.
(حتى إذا بلغ أشده) أي بلغ استحكام قوته وعقله، وغاية شبابه واستوائه، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول: واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل، ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته ولبه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بد من تقدير جملة تكون حتى غاية لها، أي عاش واستمرت حياته، وقيل: بلغ عمره ثماني عشرة سنة. وقيل: الأشد الحلم، قاله الشعبي وابن زيد، وقال الحسن: وهو بلوغ الأربعين والأول أولى لقوله: (وبلغ أربعين سنة) فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد، قال المفسرون: لم يبعث الله نبياً قط إلا بعد أربعين سنة إلا ابني الخالة.
(قال رب أوزعني) أي ألهمني ورغبني ووفقني، قال الجوهري: استوزعت الله فأوزعني أي استلهمته فألهمني (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي) أي ألهمني شكر ما أنعمت علي من الهداية (وعلى والدي) من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً وقيل أنعمت عليَّ بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة (وأن أعمل) عملاً (صالحا ترضاه) مني.
(وأصلح لي في ذريتي) أي اجعل ذريتي صالحين راسخين في الصلاح، متمكنين منه، وعدي بفي لتضمنه معنى اللطف أو هو نزل منزلة اللازم، ثم عدي ليفيد سريان الصلاح فيم، وإلا فالإصلاح متعد كما في قوله تعالى: (وأصلحنا له زوجه) وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات (إني تبت إليك) من ذنوبي (وإني من المسلمين) أي المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك.
(أولئك) إشارة إلى الإنسان المذكور والجمع لأنه يراد به الجنس (الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) من أعمال الخير في الدنيا. والمراد بالأحسن الحسن كقوله: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) فالقبول ليس قصراً على أفضل عباداتهم وأحسنها، بل يعم كل طاعاتهم فاضلها ومفضولها، والقبول هو الرضا بالعمل والإتابة عليه، وقيل: إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به ما يثاب العبد عليه من الأعمال، لا ما لا يثاب عليه، كالمباح فإنه حسن، وليس بأحسن.
(ونتجاوز عن سيئاتهم) فلا نعاقبهم عليها، قرأ الجمهور: يتقبل ويتجاوز على بناء الفعلين للمفعول، وقرىء بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز الغفران، وأصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه.
(في أصحاب الجنة) أي أنهم كائنون في عدادهم، منتظمون في سلكهم، فالجار والمجرور في مجال النصب على الحال، كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي كائناً في جملتهم، وقيل: إن في بمعنى مع، أي: مع أصحاب
стр. 9141
الجنة، وقيل: إنهما خبر مبتدأ محذوف أي هم في أصحاب الجنة.
(وعد الصدق) مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة، لأن قوله (أولئك الذين نتقبل عنهم) في معنى الوعد بالتقبل، والتجاوز، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي ووعدهم الله وعد الصدق.
(الذي كانوا يوعدون) به على ألسن الرسل في الدنيا، عن ابن عباس قال: " أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعاً وإخوانه وولده كلهم "، ونزلت فيه أيضاًً: (فأما من أعطى واتقى) آخر السورة ".
وقال النسفي: قيل: نزلت في أبي بكر الصديق في أبيه أبي قحافة، وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي ﷺ وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
ولما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله عليه وعلى والديه، ذكر من قال لهما قولاً يدل على التضجر منهما، عند دعوتهما له إلى الإيمان فقال:
стр. 9142
(والذي قال لوالديه أفٍ لكما) الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول، ولهذا أخبر عنه بالجمع، وأف كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شيء يرد عليه، قرىء أف بكسر الفاء مع التنوين، وقرىء بفتحها من غير تنوين وقرىء بكسرها من غير تنوين فالقراآت ثلاثة سبعية والهمزة في الكل مضمومة وقد مضى بيان الكلام على هذا في سورة بني إسرائيل واللام في لكما لبيان المؤفف له كما في قوله: (هيت لك).
وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز
стр. 9143
استعمله معاوية بن أبي سفيان فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية عليه ما عليه لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاًً، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه. فقال مروان إن هذا أنزل فيه (والذي قال لوالديه أف لكما)، فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئاًً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري ".
وعن محمد بن زياد قال لما بايع معاوية لابنه قال مروان سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقال عبد الرحمن سنة هرقل وقيصر، فقال مروان هذا الذي قال الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما الآية فبلغ ذلك عائشة كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله ﷺ لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان من لعنه الله " أخرجه النسائي، وعبد بن حميد وابن المنذر، والحاكم وصححه.
وعن ابن عباس في الآية قال هذا ابن لأبي بكر، ونحوه عن السدي، ولا يصح هذا، ويرده ما سيأتي من قوله تعالى:
стр. 9144
(أولئك الذين حق عليهم القول في أمم)، والصحيح أنه ليس المراد من الآية شخصاً معيناً، بل المراد كل شخص كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الصحيح والإيمان بالبعث، فأبى وأنكر وقيل نزلت في كل كافر عاق لوالديه.
(أتعدانني)؟ بنونين مخففتين وفتح ياءه أهل المدينة ومكة، وأسكنها الباقون، وقرىء بإدغام إحدى النونين في الأخرى. وقرىء بفتح النون الأولى فراراً من توالي مثلين مكسورين (أن أخرج) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، والمعنى أتعدانني أن أبعث بعد الموت، وهذا هو الموعود به.
(وقد خلت القرون من قبلي) أي والحال أن قد مضت القرون فماتوا
стр. 9145
ولم يبعث منهم أحد (وهما يستغيثان الله) له، ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان واستغاث يتعدى بنفسه تارة وبالباء أخرى، يقال استغاث الله واستغاث به.
وقال الرازي معناه يستغيثان بالله من كفره فلما حذف الجار وصل الفعل وقيل الاستغاثة الدعاء فلا حاجة إلى الباء، وزعم ابن مالك أنه يتعدى بنفسه فقط، وعاب قول النحاة مستغاث به، قلت لكنه لم يرد في القرآن إلا متعدياً بنفسه (إذ تستغيثون ربكم) (فاستغاثه الذي من شيعته) (وإن يستغيثوا يغاثوا) قال الفراء يقال أجاب الله دعاءه وغواثه.
(ويلك) أي: يقولان له ويلك. وليس المراد به الدعاء عليه بل الحث له على الإيمان ولهذا قالا له (آمن) بالبعث واعترف وصدق (إن وعد الله حق) قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف أو التعليل، وقرىء بفتحهما أي آمن بأن وعد الله حق لا خلف فيه، وهو من جملة مقولهما.
(فيقول) عند ذلك مكذباً لما قالاه (ما هذا) الذي تقولانه من البعث (إلا أساطير الأولين) أي: أحاديثهم وأباطيلهم التي يسطرونها في الكتب من غير أن تكون في حقيقة.
(أولئك) القائلون هذه المقالات هم (الذين حق عليهم القول) أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) كما يفيده قوله:
(في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس) وجملة (إنهم كانوا خاسرين) تعليل لما قبلها، وهذا يدفع كون سبب النزول عبد الرحمن ابن أبي بكر، وأنه الذي قال لوالديه ما قال. فإنه من أفاضل المؤمنين، وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب.
(ولكل) أي لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار من الجن والإنس (درجات مما عملوا) أي مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم قال ابن زيد درجات أهل النار تذهب سفلاً، ودرجات أهل الجنة تذهب علواً، ومراتب أهل النار يقال لها دركات بالكاف، كما في الحديث لا درجات، والجواب أن ذلك على جهة التغليب أو المراد المراتب مطلقاً.
(وليوفيهم أعمالهم) أي جزاء أعمالهم، ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات، قرأ الجمهور بالنون، وقرىء بالتحتية، واختار أبو عبيدة الأولى، وأبو حاتم الثانية (وهم لا يظلمون) أي لا يزاد مسيء ولا ينقص محسن، بل يوفي كل فريق ما يستحقه من خير وشر والجملة حالية مؤكدة، أو مستأنفة مقررة لما قبلها.
стр. 9148
(ويوم يعرض الذين كفروا على النار) أي اذكر لهم يا محمد يوم ينكشف الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل معنى يعرضون يعذبون من قولهم عرضه على السيف وعرض الشخص على النار أشد في إهانته من عرض النار عليه إذ عرضه عليها يفيد أنه كالحطب المخلوق للاحتراق، وقيل: في الكلام قلب والمعنى تعرض النار عليهم.
стр. 9149
(أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) أي يقال لهم ذلك، قرأ الجمهور: أذهبتم بهمزة واحدة، وقرىء بهمزتين محققتين، ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ، قال الفراء والزجاج: العرب توبخ بالإستفهام وبغيره، فالتوبيخ كائن على القراءتين، قال الكلبي: المراد بالطيبات اللذات وما كانوا فيه من المعايش والمعنى أن كل ما قدر لكم من اللذات والطيبات فقد ذهبتم به وأخذتموه وتمتعتم به فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم منها شيء، وقيل: المعنى أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة، مأخوذة من قولهم: ذهب أطيباه أي شبابه وقوته، قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضاًً، قلت: القول الأول أظهر، والثاني فيه بعد.
(واستمتعتم بها) أي بالطيبات، والمعنى: أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه، ولم يبالوا بالذنب تكذيباً منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب.
(فاليوم تجزون عذاب الهون) أي العذاب الذي فيه ذلكم، وخزي عليكم، قال مجاهد وقتادة الهون الهوان بلغة قريش (بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) أي بسبب تكبركم عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده.
(وبما كنتم تفسقون) أي تخرجون عن طاعة الله وتعملون بمعاصيه، فجعل السبب في عذابهم أمرين: التكبر عن اتباع الحق، والعمل بمعاصي الله سبحانه، وهذا شأن الكفرة فإنهم جمعوا بينهما، قيل لما وبخ الله تعالى الكافرين بالتمتع بالطيبات آثر النبي ﷺ وأصحابه والصالحون من بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة وفي الباب أخبار وآثار تدل على ذم التمتع.
стр. 9150
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)
(واذكر) يا محمد لقومك (أخا عاد) هو هود بن عبد الله بن رباح كان أخاهم في النسب لا في الدين (إذ أنذر قومه) أي وقت إنذاره إياهم (بالأحقاف) هي ديار عاد جمع حقف وهو الرمل العظيم المستطيل المعوج قاله الخليل وغيره، وكانوا قهروا أهل الأرض بقوتهم والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يذكر لقومه قصتهم ليتعظوا ويخافوا ويعتبروا بها، وقيل أمره أن يتذكر في نفسه قصتهم مع هود ليقتدى به ويهون عليه تكذيب قومه له.
قال عطاء الأحقاف رمال بلاد الشحر والشحر قريب من عدن وفي القاموس الشحر كمنع فتح الفم وساحل البحر بين عمان وعدن، وقال مقاتل: هي باليمن في حضرموت. وقال ابن زيد: هي رمال مبسوطة مستطيلة مشرفة على البحر كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالاً؛ وقيل: الأحقاف ما استدار من الرمل. وقال ابن عباس: الأحقاف جبل بالشام، وقيل: واد بين عمان ومهرة وإليه تنسب الإبل المهرية وقيل: كانوا من قبيلة إرم.
(وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده، كذا قال الفراء وغيره والمعنى أعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذورون نحو إنذاره، فالذين قبله أربعة آدم وشيث وإدريس ونوح، والذين بعده كصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحق وكذا سائر أنبياء بني إسرائيل (أن) أي بأن قال: (لا تعبدوا إلا الله) وحده (إني أخاف عليكم) تعليل لما قبله (عذاب يوم عظيم) أي هائل بسبب شرككم، قاله القاضي، وفيه إشارة إلى أن عظيم مجاز عن هائل لأنه يلزم العظم.
(قَالُوا) أي جواباً لإنذاره (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا) أي لتصرفنا عن عبادتها، وقيل: لتزيلنا، وقيل لتمنعنا، والمعنى متقارب (فأتنا بما تعدنا) من عذاب يوم عظيم (إن كنت من الصادقين) في وعدك لنا به
стр. 9153
(قال إنما العلم) بوقت مجيئه (عند الله) لا عندي ولا مدخل لي فيه فاستعجل به.
(وأبلغكم) أي وأما أنا فإنما وظيفتي التبليغ (ما أرسلت به) إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار لا الإتيان بالعذاب إذ ليس من مقدوري بل هو من مقدورات الله تعالى: (ولكني أراكم قوماً تجهلون) حيث بقيتم مصرين على كفركم، ولم تهتدوا بما جئتكم به بل اقترحتم عليّ ما ليس من وظائف الرسل.
стр. 9154
(فلما رأوه) الضمير يرجع إلى ما في قوله: (بما تعدنا) وقال المبرد
стр. 9155
والزجاج يعود إلى غير مذكور وبينه قوله (عارضاً) فيعود إلى السحاب أي فلما رأوا السحاب عارضاً، فعارضاً نصب على التكرير بمعنى التفسير وسمي السحاب عارضاً لأنه يبدو في عرض السماء، قال ابن عباس: العارض السحاب وبه قال الجوهري، وزاد يعترض في الأفق ومنه قوله: (هذا عارض ممطرنا)، وانتصاب عارضاً على الحال أو التمييز.
(مستقبل أوديتهم) أي متوجهاً نحوها سائراً إليها، قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المعتب فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا.
و (قالوا هذا عارض ممطرنا) أي غيم فيه مطر وقوله مستقبل أوديتهم صفة لعارض لأن إضافته لفظية لا معنوية فصح وصف النكرة به وهكذا ممطرنا، فلما قالوا ذلك أجاب عليهم هوداً القائل هو الله: (بل هو ما استعجلتم به) من العذاب حيث قلتم: فائتنا بما تعدنا.
(ريح فيها عذاب أليم) الريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه
стр. 9156
(تدمر كل شيء بأمر ربها) صفة ثانية لريح أي تهلك كل شيء مرت به من نفوس عاد وأموالها، والتدمير الإهلاك وكذا الدماء، وقرىء يدمر بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم ورفع كل على الفاعلية من دمر دماراً ومعنى بأمر ربها أن ذلك بقضائه وقدره.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه قلت يا رسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال: يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا ".
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت: " كان
стр. 9157
رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه فسألته فقال لا أدري لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا ".
(فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) بعد خراب أموالهم وذهاب أنفسهم قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب لمحمد ﷺ أو لكل من يصلح للرؤية، ونصف مساكنهم وقرىء بالتحتية مبنياً للمفعول ورفع مساكنهم، قال سيبويه معناه لا يرى أشخاصهم إلا مساكنهم وقال الكسائي والزجاج معناها لا يرى شيء إلا مساكنهم فهي محمولة على المعنى، كما تقول ما قام إلا هند أي ما قام أحد إلا هند، وفي الكلام حذف، والتقدير فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا الخ.
قال ابن عباس في الآية: " أول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثل الريش، دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوماً لهم أنين ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر فهو قوله فأصبحوا الآية " وعنه قال ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا (كذلك) الجزاء (نجزي القوم المجرمين) قد تقدم تفسير هذه القصة في سورة الأعراف.
стр. 9158
(ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) قال المبرد (ما) في قوله: فيما بمنزلة الذي، وإن بمنزلة ما النافية وتقديره ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من كثرة المال وطول العمر وقوة الأبدان، وقيل إن زائدة أي ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وبه قال القتيبي، والأول أولى، لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش وأمثالهم، مال ابن عباس يقول لم نمكنكم، وعنه قال: عاد
стр. 9159
مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت فيه هذه الأمة وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً، وأطول أعماراً.
(وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة) أي أنهم أعرضوا عن قبول الحجة والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواس وآلات الفهم التي بها تدرك الأدلة ولهذا قال:
(فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء) أي فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك، حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد واعتقاد صحة الوعد والوعيد، ووحد السمع لأنه لا يدرك به إلا الصوت وما يتبعه بخلاف البصر حيث يدرك به أشياء كثيرة بعضها بالذات وبعضها بالواسطة، والفؤاد يعم إدراكه كل شيء قاله الكرخي، وقد قدمنا من الكلام على إفراد السمع وجمع البصر ما يغني عن الإعادة و (من) في من شيء زائدة والتقدير فما أغنى عنهم شيئاًً من الإغناء ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع.
(إذ كانوا يجحدون بآيات الله) أي لأنهم كانوا جاحدين (وحاق بهم ما كانو به يستهزئون) أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، حيث قالوا فائتنا بما تعدنا
стр. 9160
(ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) الخطاب لأهل مكة، والمراد بالقرى قرى قوم ثمود، وهي الحجر وسدوم قرى قوم لوط بالشام ونحوهما مما كان مجاوراً لبلاد الحجاز وكانت أخبارهم متواترة عندهم (وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون) أي بينا الحجج ونوعناها لكي يرجعوا عن كفرهم فلم يرجعوا ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر فقال:
(فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً) أي فهلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم.
قال الكسائي: القربان كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة ونسيكة، والجمع قرابين كالرهبان والرهابين، وأحد مفعولي اتخذوا ضمير محذوف راجع إلى الموصول، والثاني آلهة وقرباناً حال، ولا يصح أن يكون قرباناً مفعولآ ثانياً وآلهة بدلاً منه الفاسد المعنى، وقيل يصح ذلك ولا يفسد المعنى ورجحه ابن عطية وأبو البقاء وأبو حيان، وأنكر أن يكون في المعنى فساد على هذا الوجه.
(بل ضلوا عنهم) أي غابوا عن نصرهم ولم يحضروا عند الحاجة إليهم بالكلية، وقيل: بل هلكوا وقيل الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار أي تركوا الأصنام وتبرؤا منها والأول أولى.
(وذلك إفكهم) أي ذلك الضلال والضياع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وزعمهم أنها تقربهم إلى الله قرأ الجمهور إفكهم بكسر الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكاً أي كذبهم، وقرىء أفك بفتح الهمزة والفاء والكاف على أنه فعل أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد وقرىء بفتح الهمزة وتشديد الفاء أي صيرهم آفكين، قال أبو حاتم يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم، وقرىء بالمد وكسر الفاء بمعنى صارفهم.
(وما كانوا يفترون) معطوف على إفكهم أي وأثر إفترائهم أو أثر
стр. 9163
الذي كانوا يفترونه والمعنى وذلك إفكهم أي كذبهم الذي يقولون: أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم وما كانوا يكذبون أنها آلهة ولما بين سبحانه أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر بين أيضاًً أن في الجن كذلك فقال:
стр. 9164
(وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن) أي اذكر إذ وجهنا إليك نفراً منهم وبعثناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك والنفر دون العشرة (يستمعون القرآن) صفة ثانية لنفر أو حال، لأن النكرة قد تخصصت بالصفة الأولى.
عن ابن مسعود قال: هبطوا يعني الجن على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله: وإذ صرفنا إلى قوله ضلال مبين ".
وعن الزبير قال: إذ صرفنا إليك نفراً من الجن بنخلة ورسول الله ﷺ يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبداً وكانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلاً إلى قومهم " وعنه قال " أتوه ببطن نخلة "، وعنه قال: " صرفت الجن إلى رسول الله ﷺ مرتين وكانوا أشراف الجن بنصيبين، وهي قرية من اليمن وجنها أشرف الجن وسادتهم "، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن قال آذنته بهم الشجرة (١).
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحب رسول الله ﷺ منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل؟ قال فبتنا
стр. 9165
بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه فقال إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ".
وأخرج أحمد عنه قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة الجن وقد روي نحو هذا من طرق والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعتا منه ﷺ مع الجن حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر في الأخرى وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجن بعد هذا وفدت على رسول الله ﷺ مرة بعد مرة وأخذوا عنه الشرائع وذكر سليمان الجمل في سبب هذه الواقعة قولين من الخطيب والخازن لا حاجة بنا إلى ذكرهما فإنهما ليسا من التفسير في شيء.
(فلما حضروه) أي حضروا القرآن عند تلاوته وقيل حضروا النبي ﷺ ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة والأول أولى (قالوا أنصتوا) أي اسكتوا أمر بعضهم بعضاً لأجل أن يسمعوا.
(فَلَمَّا قُضِيَ) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول أي فرغ من تلاوته وقرىء مبنياً لفاعل أي فرغ النبي ﷺ من تلاوته والأولى تؤيد أن الضمير في حضروه القرآن والثانية تؤيد أنه للنبي ﷺ .
(وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) أي انصرفوا قاصدين إلى من وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذرين لهم وانتصاب منذرين على الحال المقدرة أي مقدرين الإنذار وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي ﷺ وكانوا يهوداً وقد أسلموا والجن لهم ملل مثل الإنس ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع قاله الخازن.
(قالوا يا قومنا) في الكلام حذف والتقدير فوصلوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا (إنا سمعنا كتاباً) أي قرآناً (أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه) أي لما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها.
(يهدي إلى الحق) أي: إلى الدين الحق أي العقائد الصحيحة (وإلى طريق مستقيم) أي إلى طريق الله القويم أي الشرائع الفرعية والأحكام الدينية، قال مقاتل لم يبعث الله نبياً إلى الجن والإنس قبل محمد ﷺ .
стр. 9168
(يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) يعنون محمداً ﷺ أو القرآن (يغفر لكم) جواب الأمر (من ذنوبكم) أي بعضها، وهو ما عدا حق العباد لأنه لا يغفر إلا برضاء أصحابه، وقيل: إن من هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى وقيل هي زائدة والأول أولى.
(ويجركم من عذاب أليم) وهو عذاب النار، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس فيه الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي، وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة والأول أولى، وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى، وعلى القول الثاني فقال القائلون به إنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم كونوا تراباً كما يقال للبهائم، والأول أرجح، وقد قال الله تعالى في مخاطبة الجن والإنس:
стр. 9169
(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فامتن الله سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة ولا ينافي هذا الاقتصار ههنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار، وهو مقام عدل فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة، وهو مقام فضل، ومما يؤيد هذا أيضاًً ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة وجزاء من عمل الصالحات الجنة وجزاء من قال لا إله إلا الله الجنة وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة.
وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسولاً منهم؟ أم لا؟ وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس كما في قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى) وقال (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) وقال سبحانه في إبراهيم الخليل (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريته وأما قوله سبحانه في سورة الأنعام (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) فقيل المراد من مجموع الجنسين ما صدق عليه أحدهما وهم الإنس كقوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) أي من أحدهما.
стр. 9170
(ومن) شرطية (لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض) أي: لا يفوت الله ولا يسبقه ولا يقدر على الهرب منه لأنه وإن هرب كل مهرب فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها وفي هذا ترهيب شديد.
(وليس له من دونه أولياء) أي أنصار يمنعونه من عذاب الله بين سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة نجاته بواسطة غيره (أولئك) أي: من لا يجب داعي الله.
(في ضلال مبين) أي ظاهر واضح، وهذا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن. وقد اجتمع ههنا همزتان مضمومتان من كلمتين وليس لهما نظير في القرآن غير هذا، ثم ذكر سبحانه دليلاً على البعث فقال:
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؟ الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السموات والأرض ابتداء (ولم يعي) مجزوم بحذف الألف، قرأ الجمهور بسكون العين وفتح الياء مضارع عي، وقرىء بكسر العين وسكون الباء.
(يخلقهن) أي: لم يتعب ولم ينصب ولم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه، يقال عي بالأمر وعيي إذا لم يهتد لوجهه، قال الشهاب: عدم العي مجاز عن عدم الانقطاع والنقص، يعني: أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد.
(بقادر على أن يحيي الموتى) قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كما في قوله (وكفى الله شهيداً) قال الكسائي والفراء والزجاج: العرب تدخل الباء مع الجحد والاستفهام فتقول: ما أظنك بقائم، والجار والمجرور في محل رفع على أنهما خبر لأن، وقرأ جماعة يقدر على صيغة المضارع، واختار أبو عبيدة الأولى وأبو حاتم الثانية.
(بلى إنه على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء تعليل لما أفادته بلى من تعاليل الخاص بالعام، ولما أثبت البعث ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال فقال
стр. 9173
(ويوم يعرض الذين كفروا على النار) أي يقال ذلك اليوم للذين كفروا.
стр. 9174
(أليس هذا بالحق) وهذه الجملة هي المحكية بالقول والإشارة بهذا إلى ما هو مشاهد لهم يوم عرضهم على النار، وفي الاكتفاء بمجرد الإشارة من التهويل للمشار إليه والتفخيم لشأنه ما لا يخفى، كأنه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدل عليه.
(قالوا بلى وربنا) اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، وأكدوا هذا الاعتراف بالقسم لأن المشاهدة هي حق اليقين الذي لا يمكن جحده ولا إنكاره ولأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقية ما هم فيه (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) أي بسبب كفركم بهذا في الدنيا وإنكاركم له، وفي هذا الأمر لهم بذوق العذاب توبيخ بالغ وتهكم عظيم، ولما قرر سبحانه الأدلة على النبوة والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال:
стр. 9175
(فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) إصبر أو ثق بحكم الله، والثبات من غير بث ولا استكراه قاله القشيري، والفاء جواب شرط محذوف أي إذا عرفت ذلك وقامت عليه البراهين ولم ينجح في الكافرين فاصبر كما صبر أرباب الثبات والحزم وأولو الجد والصبر فإنك منهم.
قال مجاهد: أولو العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وهم أصحاب الشرائع، وبه قال ابن عباس. وقال أبو العالية: هم نوح وهود وإبراهيم، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم. وقال السدي هم ستة: إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد ﷺ وقيل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى. وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم يونس.
وقال الشعبي والكلبي: هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة؛ وقيل هم نجباء الرسل المذكورين في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإسماعيل وإلياس واليسع ويونس