← История

История · id 37473

التيجان في ملوك حمير

عبد الملك بن هشام

Полный текст (489 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عليه. فما من عزيز إلا أرسل الله عليه أقوى منه يسلبه قواه وأذله بعد عزه ولا يد استطالت فبطشت إلا حال الله بينها وبين ذلك بيد أبطش منها وأجهل وما من متكبر إلا أديل عليه بمتكبر ولا من أمة إلا انتقم الله منها بأمة، فلما رأينا ذلك كففنا بعضنا عن بعض البغي والعدوان والجهل والتسافه والحسد والتواكل فأصبحنا وأمسينا أخواناً وليس فينا ظالم ولا مظلوم فلما لم يجر بيننا ظلم كفانا الله بغي غيرنا من الناس واطمأنت بنا الدار وطاب لنا القرار. قال: فما بالكم بين أنهار وأنتم في خلاء وقفار ليست لكم إلا عمارة يسيرة؟ قالوا له: اجتزينا بالقوت ويسير المعاش. قال لهم: أحسنتم في جميع أحوالكم خلا عمارة الأرض أعمروها لعقبكم فإن العقب إذا لم يجد متعة يتمسك بها من معاشه تطاول بها إلى ما في يده غيره فحمل نفسه على الهلكة فأما لا دنيا ولا آخرة وأما دنيا أن ظهر عليه عدوه كان بلا دنيا ولا آخرة وإن ظفر فدنيا بلا آخرة، ولكن ذللوا الأرض للحرث واغرسوا الأشجار واستخدموا الأنهار فإنها حياة النسل والبهائم والأنعام فإن لكل دين فترة ولكل فترة كفرة ولكل كفرة سكرة واحذروا التبديل فإن لكل أمة تبديلاً وتكذيباً. ثم مضى إلى أرض سمرقند فوجد فيها الزط والكرد والصغد فقتل منهم من قتل وأجاب من أجاب، ثم أخذ أرض مرو فوجد فيها الخزر وفرغان والديلم وجميع هؤلاء القبائل من بني يافث فقتل منهم من كفر وآمن من آمن ثم مضى إلى أرض هراة فوجد فيها الخوز والإفرنج فأجابوه فغلب عليهم وقتل الجبابرة وأهل العتو في الأرض، ثم سار على البر إلى

стр. 107

أرض الصين فلقي السند، وهم من بني حام بن نوح فقاتلهم فغلب عليهم وقتل من قتل، ثم دخل أرض الهند - والهند أخوة السند - من بني حام بن نوح فقاتلهم فغلب عليهم وعلى جميع أرض الصين، ثم رجع إلى أرض بابل فغلب عليها وعلى من بها من قبائل بني نوح حتى أجابوا، ثم سار يريد أرض تهامة والحج بمكة، فلما صار من رمل العراق بموضع يقال له حنوقراقر من ارض برقة رحرحان رأى في الأسباب إنه يموت بالحنو ويكون فيه قبره ومنه محشره وكان رآه أيضاً حين امتنعت من طلوعه عليها الصخرة البيضاء - فلما رأى الموت وأيقن به ونعيت عليه إليه نفسه أعلم بذلك الخضر فقال له الخضر: يا ذا القرنين انقضى الأمل وحان الأجل وبقي العمل فحكم عليك اليأس لما تقحم عليك الممات فنزل الرضا وغاب عنك القضاء، وقد وعدك الله وعداً والله متم وعده - عصم دعاته في الدنيا من المكاره وحرمهم في الآخرة على النار، فقال ذو القرنين الصعب بن ذي مراثد الحميري: لما رأيت من المنون وعيداً ... قوضت رحلك سحرة تجريداً مثل لنفسك ملحداً أخدوداً ... واحذر لنفسك موقفاً مشهودا وبدت لك الأسباب عن آياتها ... لما بدرت وجردت تجردا إن اليقين يزيد لحظاً صادقاً ... وترى من الأمر الخفي وعيدا قد حقق السبب الخبير بأمره ... لما آتاك يصدق الموعودا ودعاك إذ حان الرحيل ولم تجد ... لما دعاك عن الرحيل محيدا ولقد رجوت بأن تقال فلم تجد ... عند الرجاء من السنين مزيدا ولت سنوك وغاب عنك مقامها ... وأرى لعمرك فقدها موجودا

стр. 108

ليس الذي ولى وإن أملته ... مما تحب إلى المنى مردودا أني يلوم أخو النهي أيامه ... سفهاً ويكثر عندها التفنيدا أسفاً لمن جارى الزمان ولم يزل ... بظبي المنية نحره مقصودا أين الذي يخشة وينسى عمره ... يوماً على بعد المدى معدودا لابد أن يلقي المنون وإن نأت ... تأبدت أيامه تأبيدا ولقد رأى من حكمها فيما مضى ... عبرا مشين معجلاً ووئيدا كم جددت من ذي السقام واخلقت ... بعد الغضارة والنعيم جديدا كم الفت من شاسعين وشتت ... بعد الإقامة والجميع عديدا من كان في حقب الدهور مخلد ... أو كان في جمع العبيد عتيدا تستعبر الأيام منه جدة ... بعد النعيم ولو غدا جلمودا يهتكن عنقة والثبير ووائلا ... وتحط بعد علوه عبودا لا يطمئن إلى الزمان وريبه ... من كان لم يعهد خلودا فايأس فلا يبقى وإن طال المدى ... من كان فوق أديمها مولودا ألوى بحمير والمقعقع بعده ... وأباد عاداً قبله وثمودا يا صعب حقاً كل شيء هالك ... إلا الإله الواحد المعبودا هتكت خطوب الدهر عزك هتكه ... أمسى حسامك دونها مغمودا أخذ الزمان من الشبيبة فرصة ... فأرى الزمان وعصره محمودا عمرت ألفاً بعد ألف قبلها ... في العالمين وقد دعيت وحيدا يا سائلين عن الزمان وسيره ... مذ كنت منه مضغة موؤدا أعطيت ما لم يعط قبلي قائم ... وجمعت جمعاً كالدبا محشودا وجلبت أهل الأرض من آفاقها ... ألفت أملاً كابها وجنودا

стр. 109

عج النساء لدى الحجون بمكة ... لما رأين حريمها مقصودا فنحرت فيها ألف ألف ضحوة ... ودعوت قولاً بالمقام سديدا فلقد أخم اللحم فيها برهة ... وحنذت لما أن أضل قصيدا وقصدت آفاق الغروب بقدرة ... فوجدت نحساً عندها وسعودا فهديت منها مرمناً ذا همة ... وفسرت منها كافراً وجحودا ما أن ارم لما أجاب مخافة ... حتى يظل عن الصراط لدودا ورأيت عين الشمس عند سقوطها ... ووردت أمواج المحيط ورودا وبلغت أعلام المشارق كلها ... أبقى لمن أبقى بهن حدودا فوطئت يأجوجا ومأجوجا بها ... وبنيت قطراً دونها وحديدا فجعلت عن سربيهما مندوحة ... والفج عن دفيهما معقودا وولجت في الظلمات حتى جبتها ... خوفاً وكان رتاجها محدودا ولقيت تحت الشمس قوماً خلتهم ... تحت الظلام خنازرا وقرودا وعلى بني حام غدوت بسطوة ... بالصين حتى بددوا تبديدا فلقد كشفت الناس عن أسبابهم ... وبولت منهم طارفاً وتليدا ولقيت منهم أنوكاو ولبيبا ... ورأيت منهم عاجزاً وجليدا يوماً يشب من الحروب خمودها ... يوماً وتطفى للحروب وقودا وعلوت في الدنيا بعزة قادر ... أكدت فيها للبقاء تأكيدا حاولت أن أعطي الخلود وارتقي ... في الخافقين إلى السماء صعودا فأبى لي الله الذي أملته ... أمسى المنى دون الرضا مردودا فالحنو للصعب المعبهل منهل ... يمسي به أمداً له ممدودا

стр. 110

سيموت من تنسى المنية يومه ... وتنال بنت الدهر منه بعيدا سلَّ المفاصل والنفوس رهائن ... تزجي البوارق فوقهن رعودا من ذاك يدري الاين من أرواحهم ... أو ما تراهم راقبين خمودا حالان لا تلقى النفوس سواهما ... فيها شقياً خاسراً وسعيدا قال أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن وهب بن منبه قال: لما نزل الصعب بن ذي مراثد بالحنو حنو قراقر من أرض العراق، مرض ثماني ليال ثم مات ثم غاب الخضر، فلم يظهر إلى أحد بعده إلا إلى موسى بن عمر أن النبي ﷺ وعلى جميع النبيين ودفن ذو القرنين بحنوقراقر، فقال النعمان بن الأسود ابن المعترف بن عمرو بن يعفر بن سكسك المقعقع الحميري يرثى ذا القرنين الحميري: بحنو قراقر أمسى رهيناً ... أخو الأيام والدهر الهجان لئن أمست وجوه الدهر سودا ... جلين بذاك للملك اليماني لقد صحب الردى ألفين عاما ... ولاقاه الحمام على ثمان إذا جاوزت من شرفات جو ... وسرت بايك برقة رحرحان وجاوزت العقيق بأرض هند ... إلى الصوبات والنخل الدواني وهناك الصعب ذو القرنين ثاو ... ببطن تنوفة الحنوين عانى فمن صحب الزمان بغير صعب ... لقد صحب الزمان بلا أمان هو الوزر الذي يلجأ إليه ... بنو الأيام من أنس وجان لقد جاز الخلود إلى مداه ... وسار كما جرى فرساً رهان ألم تر أن حنو الرمل أمسى ... لملك الدهر والدنيا مغان فقل للنازلين بكل أرض ... لكم امن على بعد وآن

стр. 111

وقال المحمود بن زيد بن غالب بن المنتاب بن زيد بن عملاق يرثى ذا القرنين بن الحارث ذي مراثد الملك الحميري: اسمع ذا القرنين لما علا ... عن المغاني النبأة الشامله فيا لها من نبأة لم تكن ... مصروفة عنه ولا حائله بخدعها عن نفسه ساعة ... فيا لها من خدعة قاتله فأصبح الصعب ذليلاً لما ... صبحه من صيلم نازله لم يجهل الموت ولكنه ... قد جهلت أيامه الجاهلة لم يدفع الموت الذي جاءه ... بسكسك العز ولا عامله سألوا على الدنيا كمثل الدبا ... ونفسه بينهم سائله لم يصرفوا عنه سهام الردى ... لما أتته الرمية القاتله فأصبح الحنو له منزلا ... أخرس لا يبني به سائله قد قدم المرء له عدة ... مستنصراً زاداً بلا راحله قال أبو محمد: حدثنا أسد عن أبي إدريس عن وهب عن عبد الله بن عباس إنه سئل عن ذي القرنين ممن كان؟ قال: هو من حمير وهو الصعب ابن ذي مراثد. هو الذي مكن الله له في الأرض وآتاه من كل شيء سبباً، فبلغ قرني الشمس وداس الأرض وبنى السد على يأجوج ومأجوج، فقيل له: فالاسكندر الرومي؟ قال: كان الاسكندر الرومي رجلاً صالحاً حكيماً بنى على بحر افريقس منارتين واحدة بأرض بابليون وأخرى في غروبها بأرض أرمينية، وإنما سمي بحر المغرب بأفريقس لأنه عظيم من عظماء التبابعة أكثروا الآثار عليه في المغرب من المصانع والمدن والآبار.

стр. 112

قال: وسئل كعب عن ذي القرنين فقال: الصحيح عندنا من علوم أحبارنا وأسلافنا إنه من حمير وانه الصعب بن ذي مراثد والاسكندر رجل من بني يونان بن عيص بن يقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ورجاله أدركوا عيسى بن مريم صلوات الله عليه منهم جالينوس وارسطاطاليس ودانيال وجالينوس وارسطاطاليس من الروم من بني يونان ودانيال من بني إسرائيل نبي من أنبياء الله. قال كعب: لم تكن الروم تروم ذلك، ولا لها قوة ذلك. والذي بعث محمداً بالحق، ما حمير في أهل الدنيا ألا ما لأنف في الوجه أو قال: بين العينين ولقد قال، رسول الله ﵌: أوحى الله إلي ﴿إني بعثتك أمياً وجعلت لك ما تحت قدميك وشددت ظهرك بمن خلفك من اليمن وجعلت لك ما بين يديك غنيمة العراق والشام والمغرب أما إنه ليزيدن الهدى فيهم وينقص من كل أمة﴾. فلا أدري قوله ليزيدن الهدى فيهم عنه أو رفعه عن رسول الله ﵌. قال أبو محمد: رفع الحديث إلى عبد الله بن عمرو بن العاص إنه قال: كان ذو القرنين من حمير من أعظم تبابعتهم، وهو الصعب بن ذي مراثد الحميري. قال أبو محمد: عن أسد بن موسى عن أبي إدريس عن وهب قال: دخل عبد الله بن عباس بمكة على معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص بعد وفاة علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - ومعاوية وعمرو يقرآن سورة (الحمد لله) الكهف فقرأ معهم حتى قرءوا ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ فقرأ معاوية وعمرو وجدها تغرب في عين حامية من الحرارة وقرأ

стр. 113

عبد الله حمئة من الحمأة، فقالا: يا بن عباس قرأت في عين حمئة من الحمأة وقرأنا نحن حامية من الحرارة ولنا صحبة برسول الله ﵌ كما هي لك ونحن اثنان وأنت واحد فعليك البيان أو فارجع إلى قراءتنا. قال لهما: نعم فخرج من عندهما فلقي كعب الأحبار فقال كعب: مالك ي أبا محمد أراك حثيثاً مشغولاً؟ قال له عبد الله: نعم يا كعب الأحبار دخلت على معاوية وعمرو وهما يقرآن (الحمد لله الكهف) فقرءا ﴿وجدها تغرب في عين حامية﴾ وقرأت أنا ﴿وجدها تغرب في عين حمئة﴾ من الحمأة - فقال له: صدقت يا عبد الله والذي بعث محمداً بالحق نبياً ما أنزل الله على موسى ابن عمران في التوراة إلا حمئة، قال له عبد الله: صدق الله ورسوله. ولكنهما طلبا شاهداً من كلام العرب، ثم مضى عبد الله بن عباس فلقيه نافع بن الأزرق فقال له: مالك يا ابن عباس؟ فقال له: كما قال لكعب وادعا عليه قصة القوم، فقال له: فأين أنت من قول تبع تبان أبي كرب في قوله حين غزا المدينة ومكة ورفع الجزية التي كانت بنو حنذف يؤدونها إلى جرهم وطسم وجديس واليهود. قال له عبد الله بن عباس: ما الذي قال تبع أبو كرب؟ قال نافع قال تبع أبو كرب هذه الأبيات: نحن ملوك ذو العلا والسؤدد ... نحن الحماة بنو الهمام الأمجد سميت أسعد والسعود طوالع ... لابد أن ترقى النحوس لأسعد أفبعد وائل والمقعقع بعده ... ترجو الخلود وأنت غير مخلد أودى بيعفر والمعاقر فانقضى ... ملك تضعضع للزمان الأنكد يعلو على الدنيا بعزة قادر ... يعلو العلو إلى المحل الأبعد نحن النجوم فلا نرام بهيضة ... منا المقاول في الزمان الأوحد

стр. 114

قدت الجياد إلى المشارق غازياً ... أضحت قلاع الروم قسراً في يدي فقتلتهم قتل الجهول سفاهة ... وتركتهم ترك الشقيق المسعد ما بال عيني لا تنام كأنما ... كحلت مآقيها بسم الأسود حنقاً على سبطين حلا يثربا ... أولا لهم بعقاب يوم مفسد فنزلت منزل عرصة في خيمة ... بين العقيق إلى بقيع الغرقد حتى آتاني من قريظة عالم ... من خير حبر في اليهود مسود قالوا ازدجر عن قرية محجوبة ... لنبي مكة من لؤي أحمد فعفوت عنها عفو راج ربه ... وتركتها لعقاب يوم سرمد وتركته لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الحميم الموقد ولقد تركت بها لمؤمن قومنا ... نفراً أولى حسب وبأس أيد ومضيت قصداً نحو مكة عائداً ... وتركت ترك مؤدب ومسدد قوماً إلى البيت العتيق صلاتهم ... أكرم بقوم ركع أو سجد قوم يكون محمد من نسلهم ... إن الكريم إلى الأكارم يهتدي فدفعت عنهم جزية يعطونها ... في الدهر من حكم الزمان الأربد ورفعت من أحيا قريش عصبة ... وفككت عنها غل كل مقيد ووهبتهم أموالهم وسلاحهم ... والسيف فوق رؤوسهم لم يغمد لما أتوا يستنصرون أجبتهم ... بجواب لا وكل ولا متبلد والأمر مسدود الحجاب متى يحك ... في قلب ذي عزم يغر أو ينجد وهززت سيفي في وجوه معاشر ... طلباً لحق فيهم لم يردد غضباً لما فعل اليهود بخنذف ... يرمون جرهم في الوريط الأوهد حلوا حماهم يعلمون حجازهم ... بيض الكنائس بالعبيد الحسد

стр. 115

لأقسمت صدقاً لا أرى بشراً بها ... يأوي إلى طلح هناك منضد ولقد آتاني من هذيل أعبد ... يستعجلون بشؤم يوم أنكد قالوا بمكة بيت مال داثر ... ومعالق من لؤلؤ وزبرجد فأردت أمراً حال ربي دونه ... والله يمنع من خراب المسجد لما أرادوني بمكر جبتهم ... من عيشة الدنيا بحد مهند فرددت ما أملوه مني فيهم ... وتركتهم مثلاً لأهل المشهد فالحمد لله الذي صرف الردى ... عنا فلولا منه لم نهتد بيت يطاف به وينحر حوله ... جزر لدى حرم وركن أسود في رأس جلمدة شديد أسرها ... مما يشبهها سواد الأثمد بيت به يوفي الحجيج نذورهم ... ويودعون طوافه للموعد وأقام ذو القرنين فيها حجه ... خوفاً يطوف على اللظى المتوقد إذ كان ذو القرنين جدي مسلما ... فمتى تراه له المقاول تسجد طاف المشارق والمغارب عالماً ... يبغي علوماً من كريم مرشد ورأى مسير الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد فلقد أذل الصعب صعب زمانه ... وأناط قوة عزه بالفرقد حكم الأمور وأحكمت أيامه ... تجري إلى أجل ولما يقصد لم يدفع المقدور عنه قوة ... عند المنون ولا ائتلاف المحتد من ذا يحيد عن الردى وسهامه ... تقضي على أوتاده وكأن قد قطع الزواخر لجة عن لجة ... وعلا المهامة فدفداً عن فدفد فهدى القبائل أمة عن أمة ... وأبار قتلا مفسداً عن مفسد كم من عمي القلب أضحى مبصراً ... وعميد قوم سيد لم يهتد

стр. 116

جريا بأمر غاب عنا حكمه ... نحس على فصل القضاء واسعد فلرب مسعود أزاح عقاله ... ولرب غاو منهم لم يرشد والله أجرى ذي الأمور بعلمه ... جعل المنية للأنام بمرصد قال: فروى عبد الله بن عباس الشعر عن نافع بن الأزرق، ثم دخل على معاوية وعلى عمرو فأتى به كما سمعه من نافع بن الأزرق، فقال له معاوية وعمرو: علمنا أن مقرأك أقرب إلا أنا طلبنا منك سبباً تأتي بهذا الشاهد عليه، ثم عطف على عبد الله بن عباس فقال له: يا أبا محمد هل تدري شكر تبع فيما فعل بقومك وما كشف عنهم؟ قال له عبد الله: به جعله الله خيراً منك. قال لنبيه محمد ﵌ في قومك (أهم خير أم قوم تبع)؟ قال معاوية: يا ابن عباس فما الخلب والثأط والحرمد؟ قال: الخلب الحمأة، والثأط ما تحتها من الطين، والحرمد ما تحته من الحصى والحجر. ولقد أتت العرب بالشواهد في أشعارها وخطبها بذي القرنين الصعب ابن ذي مراثد. قال امرؤ القيس بن حجر المقصور بن الحارث آكل المرار الكندي يذكر ذا القرنين الصعب بن ذي مراثد. ألم يحزنك أن الدهر غول ... ختور العهد يلتهم الرجالا أزال من المصادر ذا رياش ... وقد ملك السهولة والجبالا وفيه يقول قيس بن ساعدة الأيادي: - وكان قيس بن ساعدة أحكم

стр. 117

العرب في زمانه وأخطبهم - حدثنا زياد البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي قال: أتى وفد أياد البيضاء إلى رسول الله ﷺ فلما اسلموا قال لهم رسول الله ﷺ : هل فيكم قيس بن ساعدة؟ قالوا له: مات يا رسول الله في العام الأول. قال رسول الله ﷺ : لقد شهدته بعكاظ وهو على جمل أحمر وهو يخطب الناس ويقول: معشر الناس اجتمعوا واسمعوا وعوا، أما بعد فإنه من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا نجوم تمور ولا تهور، وبحور تفور ولا تغور، وسقف مرفوع ومهاد موضوع، ومولود يولد وحي يفقد، أقسم قيس قسماً بالله وما رفع ليطلبن من الأمر لخطا وإن كان في بعض الأمر رضا أن في بعضه لسخطا وإن بلغت لقد قصرت. أن وراء هذا لعجبا - أقسم بالله أن لله ديناً هو أرضى من ديننا هذا الذي نحن عليه - مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون - يموتون ولا يحيون ارضوا بالمقام فأقاموا لم تركوا كلا ليبعثن وقال أبياتاً لا أحفظها - وكان ﷺ لا يروي الشعر ولا يقوله فقال له رجل من الوفد - أنا أحفظها يا رسول الله - قال له - قل - فقال له الأيادي قال يا رسول الله هذه الأبيات: في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً ... للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها ... تمضي الأكابر والأصاغر ولا يرجع الماضي ولا ... يبقى من الباقين غابر فعلمت أني لا محا ... لة حيث صار القوم صائر

стр. 118

ثم قال رجل من الوفد - لقد شهدته قبل موته بعام يا رسول الله وهو على جمل وهو يخطب الناس ويقول: هيهات هيهات - أيها الناس كذب الكاذب وصدق الصادق وقد أفلا فاعتدلا ولا بد من موقف يشهد الشاهد ويحكم الحاكم - أين إحسان المحسنين وإساءة المسيئين - كلا لتجدن كل نفس سعيها - أيها الناس هيهات والله هيهات كذب الأحياء الأموات يسكنون منازلهم فلا يعتبرون ويرون مضاجعهم فلا يتعظون ويأكلون تراثهم فلا يحزنون - ويعلمون ما يعلمون وهم آمنون - أما بعد فإن كل آكل مأكول وكل وراث موروث وكل ساكن ظاعن وكل آمن خائف اليوم يوم وغد يوم فغد سالب واليوم مسلوب والغالب خير من المغلوب - أيها الناس هل أتاكم ما لم يأت آباءكم الأولين أم أخذتم عهداً من السنين أم عندكم من ذلك اليقين - أم أصبحتم من ذلك آمنين - بل والله أصبحتم في غفلة لاعبين - أين الصعب ذو القرنين جمع الثقلين وأداخ الخافقين وعمر ألفين لم تكن الدنيا عنده إلا كلحظة عين من لم يتعظ اتعظ بها - أيها الناس أين الآباء والأمهات والأخوة والأخوات والأبناء والبنات - أما ترون آيات بعد آيات وأمواتاً في إثر أموات إلا وإن علم الغيب باطن ونبأ الخلق ظاهر اضمحلت الأشخاص فذهبت العظام رفاتاً - كلا ليصلحن كل عامل كلا بل هو الله إله واحد - ليس بمولود ولا والد أسكنهم التراب وإليه المآب. أما بعد فإن الحي حكم بالموت أيها الأشهاد أين ثمود وعاد وأين الآباء والأجداد - أين الظالم والمظلوم - أين الحس الذي لم يسكن وأين الوعيد الذي لم ينتقم وأين الوعد الذي لم يتم - هل تعلمون أين ذهب أبرهة ذو المنار وعمرو ذو الأذعار - أن تردون ما صار إليه عبادة الفتاح وأذيتة الصباح وجذيمة الوضاح - عزوا فقهروا ونهوا وأمورا وبنو المصانع

стр. 119

والآبار وجدولوا الأنهار وغرسوا الأشجار واستخدموا الليل والنهار فكانا مطاياهم إلى دار القرار - أرسلوا مالهم وانتظروا ما يرجع به سؤالهم - ارتقبوا فلم يرقبوا - هجمت الآجال دون الآمال ألا وإن كل شيء إلى زوال وأنشأ يقول: قد كنت أسمع بالزمان ولا أرى ... أن الزمان يطيق نتف جناحي فأراه أسرع في حتى أصبحت ... بيضا متون عوارضي وصفاحي وأنا الكبير بسنه في قومه ... هيهات كم راوحت من أرواح صافحت ذا جدن وأدرك مولدي ... عمرو بن شمر يتقي بالراح والقيل ذو يزن رأيت مجليه ... بالقصر بين مرامر الصفاح فتك الزمان بملك حمير فتكة ... يسعى بكل مساً وكل صباح أودى أبو كرب وعمر وقبله ... وأبار ملك أذيتة الصباح وأباد افريقيس بعد مقامه ... بالمغرب المستغرق الفياح والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً ... بالحنو بين ملاعب الأرواح وغدا بأبرهة المنار فأصبحت ... أيامه مسلوبة الإصباح أخنى على صيفي بحادث صرفه ... مستأثراً بجذيمة الوضاح أم أين علكدة الهمام وملكه ... أم أين عز عبادة الفتاح والعبد والهدهاد صارا عبرة ... طارا عن الدنيا بغير جناح لا تمش في شك الظنون أما ترى ... أيامه مشهورة الإيضاح لا تأمنن مكر الزمان فإنه ... أودى الزمان بشمر الصباح

стр. 120

من بعد ملك الصين أصبح هالكاً ... أكرم به من هالك محتاح برك الزمان على ابن هاتك عرشه ... وعلى المقعقع حل بالاتراح شخصت على بعد النوى أشخاصهم ... فرآهم الأوهاج بالأشباح أفبعد أملاك مضوا من حمير ... أرجو الفرح ولات حين فلاح من ذا يصافق كفه كف الردى ... يشرى البقاء عن بيعة الأرباح قال أبو محمد: وفيه يقول الأعشى بني ضبيعة بن قيس بن ثعلبة: والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً ... بالحنو في جدث أشم مقيما في شعر له قال أبو محمد: ومما ذكرت العرب به ذا القرنين في أشعارها قول ربيع ابن ضبع بن وهب بن بغيض بن مالك بن سعد بن عدي بن فزارة بن ذبيان وكان معمراً (عمر مائتي عام) وكان أحكم العرب في زمانه وأشعرهم وأخطبهم وشهد يوم الهباءة وهو ابن مائة عام وكان من انجد فارس في حرب داحس وهو القائل في يوم شبيم وأمر شبيم: ظلمتم يا بني فزارة والظلم عاقبته وخيمة، فداووا الظلم بالرفق أو فأنتم شاة الذئب وغرض الرامي. وقال لحمل لن بدر عند هزيمتهم: يا حمل هل تعلم ما لا أعمله ... سديت عزلاً لا تطيق للحمه والظلم للظالم حتماً يلجمه ... ألا ترى قيساً تأطت أسهمه يقتل ذا الظلم ومن لايظلمه وكان أنجد فارس يوم الهباءة حبس خلف بني فزارة حتى بلغوا

стр. 121

حريمهم، وهو القائل يوم الهباءة لما حبس خلف بني فزارة حتى أثخن جراحاً فقال: رأيت موتين علينا نزلا ... موتي وموت الغر من قومي الملا بذلت روحاً دونهم معجلا ... كيما ألاقي الموت منها منهلا قال أبو محمد: لما كبر وخرف وأدرك الإسلام فقال قوم: أسلم وقال قوم: لم يسلم منعه قومه ذلك، قال أبو محمد: جمع بينه وبين بنيه فقال لهم: ألا أبلغ بني بني ربيع ... فأشرار البنين لهم فداء بأني قد كبرت ودق عظمي ... فلا يشغلكم عني النساء وإن كنانتي لانت بقسر ... واني لا أسر ولا أساء إذا جاء الشتاء فدثروني ... فإن الشيخ يهرمه الشتاء وإن دفع الهواجر كل قر ... فسربال خفيف أو رداء ثم قال: يا بني اجمعوا لي بني ذوبيان، ثم قال: يا بني فزارة بن ذبيان من أعزكم؟ قالوا: أنت يا أبا سالم. قال: إن لكم أن تدوسوا أعزكم عليكم بأرجلكم، فذلك ارفع لقدرة عندكم. يا بني ذبيان آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالحلم فأنه بحسن المعاشرة والجود فإنه يزرع المودة. وآمركم بحفظ بعضكم بعضاً يهابكم الناس الأباعد، وآمركم بالعلم فإنه زين ومحبة في قلوب العالم. وأنهاكم عن: السفه فإنه باب الندم ومنزل الذل وأنهاكم عن البخل فإنه سلم السب، وأنهاكم عن التخاذل فإنه آفة العز، وأنهاكم عن الجهل فإنه رزية ومهلكة واسألوا عما جهلتم فإن

стр. 122

في السؤال هدى وفي الصمت على الجهل عمى ولا تستصغروا من لا تعرفونه ولا تحسدوا من لا تدركونه ولا تحمدوا غير كريم ولا تبخلوا على شريف ولا تفضلوا على غير محتاج فيذهب فضلكم هباء ولا تمنعوا السائل فإن منعه مقت ولا غبية فإنها قرض مردود ولاسيما أنها تعقب. يا بني ذبيان: اجعلوا قبري علماً فاني قدمت في الناس خيراً فانه شأن وذكر حسن وتركت للبنين فخراً، ولو قدمت سيئاً أمرتكم أن تخفوه فانه علم السب أحفظوا قولي فانه مقامي ورائي فيكم، وانشأ يقول: لقد عزفت نفسي عن اللهو جمه ... وإن نهلت من لهوها ثم علت رأيت قروناً بعد قرن تقدمت ... فلم يبق إلا ذكرها حين ولت ألا أين ذو القرنين أين جموعه ... لقد كثرت أسبابه ثم قلت خرفت وأفنتني السنون التي خلت ... فقد سئمت نفسي الحياة وملت تجاوزت في يوم الهباة هنيدة ... وألفيت عوداً حين ما حين حلت فكم مشهداً وردت نفسي وطيسه ... أجشمها مكروهه حين كلت وكم غمرة ماجت بأمواج غمرة ... تجرعتها بالصبر حتى تجلت وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي على الأمر ذلت هي النفس ما منيتها تاق شوقها ... وإلا فنفس أويست فتسلت وقال أيضاً الربيع بن ضبع: ألا يا لقومي قد تبدد أخواتي ... نداماي في شرب الخمور وأخداني وأنسى قليلاً ثم آتى سبيلهم ... فتبلى عظامي يال سعد وذبيان وأبلى ويبقى منطقي بعد ميتي ... وكل امرئ إلا أحاديثه فاني

стр. 123

سيدركني ما أدراك المرء تبعاً ... ويغتالني ما اغتال أنسر لقمان أحار مجير النمل من عز ملكه ... وأنزل سيف البأس من رأس غمدان والوى بذي القرنين بعد بلوغه ... مطالع قرن الشمس بالأنس والجان أنا بين يومين فأمس الذي مضى ... وصرف غد لا بد بالحتم يلقاني ألم تر الدهر يا قوم طالب ... وإن لم أكن يوماً لأوتاره جاني سيأخذ ما أعطى وإن كان محسناً ... وما كان من شرح الشبيبة أولاني وقال أيضاً الربيع بن ضبع: قل للذي راح عن أخيه وقد ... أودعه حين ودع الحجرا هل أبصرت عينه له أثراً ... أو سمعت أذنه له خبرا أين همام الجديل إذا مرا ... وأين رب السدير إذ قدرا أين بنو هود النبي ومن ... شمر عن راحتيه وابتكرا والصعب لما عتت أرومته ... وخان ريب الزمان فادكرا لم يدفع الموت بالجنود ولا ... رد بأسباب علمه القدرا فاز على الدهر ينحني فرمى ... فوق جناحي ومفرفي شررا لا تعجبني يا أميم من صفتي ... فقبل ما كنت أخسف القمرا أصبو بهند وزنيب أمماً ... ونسوة كن قبلها دررا لما رماني الزمان عن عوض ... وقامرتني خطوبه قمرا أصح عني الشباب قد حسرا ... أن ينأ عني فقد ثوى عصرا ودعنا قبل أن نودعه ... لما قضى من جماعنا الوطرا أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير أن نفرا والذئب أخشاه أن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمطرا من بعد ما قوة أسر بها ... أصبحت شيخاً أعالج الكبرا

стр. 124

ها أنا ذا آمل الخلود وقد ... أدرك عقلي ومولدي حجرا وقال أيضاً الربيع بن ضبع: طال الثواء عن السنين أميما ... ألقى عذاباً للزمان أليما أنسيت أم لم انس أم عاهدته ... فوجدته بعد السفاه حليما لابد أن ألقى المنون وإن نأت ... عني الخطوب وصرفه المحتوما هلا ذكرت له العرنجج حميرا ... ملك الملوك على القليب مقيما والصعب ذو القرنين عمر ملكه ... ألفين أمسى بعد ذاك رميما ونبت به أسبابه حتى رأى ... وجه الزمان بما يسوء نسيما امن الأمور أخو الدهور فهل رأى ... ذا مرة من قبله معصوما طال الزمان وطال عني غيبه ... ما زال من قبلي الزمان قديما ألوى بشمر والمقعقع بعده ... وأباد سعداً بعده وتميما لما حشون حشا علي لطيفة ... واستحسن القيصوم والتنوما وفيه يقول الربيع بن ضبع بسوق عكاظ عند صلح عبس وذبيان. قال أبو محمد: لما همت عبس بصلح ذبيان قان بأمر الصلح بينهم عوف ابن حارثة بن أبي حارثة وحصن بن حذيفة وكان عوف بن مرة بن سعد بن ذبيان وكان حصن عن فرازة بن ذبيان وقام هرم بن سنان بن أبي حارثة المري عن بني عبس. قال: لما آتى بنو عبس بدية بني ذبيان، وأتى بنو ذبيان بدية عبس، وقع على حصين بن ضمضم المري عشرة أبكار وكان بخيلاً أكولاً لحماً، وكان فارس بن ذبيان فأدركه البخل فأراد نقض

стр. 125

الصلح وقال: والله يا بني عبس لا نصالحكم إلا الصلح المخزية جدع الأنوف والأذنين، فقال الربيع بن زياد: الحريم ولج الغريم وطال الشر وغدر الدهر. فغضب عنترة وقال: يا حصين الحرب خير لي والصلح خير لك. فدونك أضعفنا حقاً خسره الله فأرسلها مثلاً، قال حصين: أيها الغراب جار بك الخطاب اسكت يا بني عبد شمس، قال له عروة بن الورد العبسي وكان رأس الصعاليك وأجسرهم: يا حصين شهدتك وأباك وأخاك وأنتم تسألون العرب بسوق عكاظ سنة المسبغة؟ قال حصين: كف أيها الصعلوك الشاعر، فقال عروة ارتجالاً: أرى الناس في الآفاق جما وإنني ... على كل فج خائف الشعب واحد لي الذئب ندمان ولي الليث صاحب ... تثور إذا أحدر النعام الشوارد أطيل الطوى حتى إذا برح الخفا ... طعمت يسيراً والتجمل رائد وما بي أملاق ولكن تكرما ... أشيد ما شاد الكرام الأماجد ولست كمن يمسي بطيناً وانه ... يبيت خميصاً جاره وهو راقد أنيل نوالي الأقربين وانه ... ليدرك معروفي الأقاصي الأباعد أفرق جسمي في جسوم كثيرة ... واحسوا قراح الماء والماء بارد وقال الربيع بن ضبع: يا حصين تعرضت للسب، وقال الربيع: دار الصديق إذا استشاط تغيظاً ... والغيظ يخرج كامن الأحقاد ولربما كان التعصب باحثاً ... لمثالب الآباء والأجداد وقال عروة بن الورد يهجو حصين بن ضمضم: لن يكن فارس الهياج هجيناً ... إن شداد لم تلده العبيد

стр. 126

هل يجور الخطاب ليث عرين ... ولنار الخطوب فيه وقود إن خير العشير من جمع الشم ... ل وعاد بما تساد الصيد ويك أمر الإله في كل حين ... وقضاء بكل يوم جديد أين طسم ورائس وجديس ... ثم عاد من قبلها وثمود لم أبيت الرشاد من سلم عبس ... وآتانا من دون ذاك الوعيد أنت أوعدت للحروب وعيدا ... ذاك وعد يأتي بك الموعود ما عاقك العشار عن السل ... م وطعم الحروب مر شديد صدك البخل عن حريمك حتى ... جئت بالشؤم والبخيل صدود هل تخوفت ما مضى من سؤال ... وزمان الردى عليك يعود إن من عضت الكلاب عصاه ... ثم أثرى حقيق ألا يجود فجعل بنو عبس وبنو أمرهم أبي حكم الربيع بن ضبع. فقام الربيع بعكاظ بين عبس وذبيان خطيباً فقال: أيها الناس أصاب الاياس وأخطأ القياس، وبين الحق والباطل التباس أيها الناس من عبر غير وكل عثار جبار وكل فائت مطول: يا بني ذبيان الخير والشر على اللسان والنجاة في البيان. يا بني ذبيان: داروا الحروب فإنها تذل، يا بني ذبيان: طلب الثأر ضالة الأشرار ومزالق الأعمار وهلاك الأخيار، أخوكم عبس عدوكم أمس فطلاب أمس الذاهب هلاك غد المقبل هلا سألتم عن الأحقاد طسم وجديس وعاد. اعلموا أن كل ذاكر لناس وكل مقيم ظاعن وكل ثابت زائل وبين الأموات موت الأحياء والسرعة إلى الآجل ذهاب العاجل والذل غنيمة الظالم وقال: على حرج يا عبس أضحى أخوكم ... وبت على أمر بغير جناح حذار حروب الأقربين وانه ... ليأتي افتلاتاً وجه كل صباح

стр. 127

أخاك أخاك إن من لا أخا له ... كساع إلى الهيجاء بغير سلاح وإن ابن عم المرء فاعلم جناحه ... وهل ينهض البارئ بغير جناح لنا عظة في الذاهبين وعبرة ... تفيد ذوي الألباب أمر صلاح ألم تعلموا ما حاول الصعب مدة ... وما صبح الساعي وآل رزاح فهل بعد ذي القرنين ملك مخلد ... وهل بعد ذي الملكين يوم فلاح تريش له الأطيار عند غدوه ... وتجنح أن اومى لها برواح فاصطلحوا على حكمه. قال أبو محمد: قال أبو مخنف عن كميل بن زياد النخعي إنه لما سار عمر بن الخطاب إلى الشام في خلافته سار بعلي بن أبي طالب من المدينة إلى الشام، فلما بلغ إلى الشام وعبر وادي الأردنين قال: قاتل الله الربيع بن ضبع حيث يقول: وكم غمرة ماجت بأمواج غمرة ... تجرعتها بالصبر حتى تجلت وكانت على الأيام نفسي عزيزة ... فلما رأت عزمي على الأمر ذلت هي النفس ما منيتها تاق شوقها ... وإلا فنفس أويست فتسلت فزاد علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - عليه بيتاً فقال: وما جزت وادي الأردنين تطرباً ... ولكن أموراً وكلت بي فحلت وفيه يقول طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن وائل بن قاسط بن هنب بن بن افصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان، حيث يقول: وكيف يرجى المرء دهراً مخلداً ... وأيامه عما قليل تحاسبه

стр. 128

ألم تر لقمان بن عاد تتابعت ... عليه نسور ثم غابت كواكبه وللصعب أسباب تجلت خطوبها ... أقام زماناً ثم بادت مطالبه إذا الصعب ذو القرنين أزجى لواءه ... إلى ملك ساسان فقامت نوادبه يسير بوجه الحتف والعيش جمعه ... وتمضي على وجه البلاد كتائبه وقال أوس بن حجر السعدي: حنانيك يا أوس بن حجر فانه ... سيفقد من جاري الأمور ويهلك وتجري الليالي بانتقاص وفرقة ... وإن سبيل الصعب لا شك يسلك ملك أبرهة قال أبو محمد عبد الملك بن هشام: لما مات ذو القرنين الصعب بن ذي مراثد، ولي الملك ابنه أبرهة ذو المنار سماه الصعب على اسم إبراهيم الخليل ﷺ ، وإنما سمي أبرهة باللسان الحبشي وتفسيره وجه أبيض. قال أبو محمد: كان أبرهة أبيض وسيماً جميلاً، فلما دفن أبرهة أباه ذا القرنين الصعب بن ذي مراثد بالحنو حنوقراقر في رمل العراق ورجع بعساكره، ظهرت لهم الزمردة بعد موت ذي القرنين وهي صنف من الحيات تسكن الرمل قصيرة لها رأسان في طرفيها وما أكلت بهذا الرأس ألقته برأسها الآخر وهي لا تظهر إلا في النهار وتعمى في الليل لأن جميع حيوان الأرض لا يستطيعها يسري سمها في الأبدان كسير البرق في الهواء تفر منها الثعابين والشجعان والأفاعي، فلما كثرت على عساكره الزمردة ذات الرأسين أضرت بعساكره ضراً شديداً، فكان يعرس نهاراً ويسير ليلاً فكانت تضل العساكر في الليل بعضها عن بعض فأمرهم أن يوقدوا النيران على رؤوس الجبال ليهتدوا بها. وهو أول منار جعل في الدنيا

стр. 129

فسمي أبرهة ذا المنار، فسار أبرهة حتى نزل بالمشلل، وكان أجمل الناس وجهاً فرأته امرأة من الجن فعشقته فهجمت عليه ليلاً إلى فراشه. قال له: أيها الملك إني عشقتك وليس لي منك بد وأنا حنيفية على دين إبراهيم: وأنا لا أرضى بالزنا ولا أدين به فاختر من أربع خلال أي خصال واحدة إن شئت قتلتك وإن شئت أعميتك وإن شئت أبرصتك وإلا فتزوجني. قال لها العاقل إذا خير اختار أنا أختار منك العافية يا عيوف فذهبت مثلا فأتته بنفر من الجن فيهم الرابع أبو هافز وجه إياها قال له الرابع: أيها الملك منزلي وادي الجن بالمشلل من أرض جو وهي أرض اليمامة اليوم وإن الأنس ينزلون وادي الجن من أرض الجو فتتعرى نساءهن إلى رجالنا ويتعرى رجالهم إلى نسائنا. قال له أبرهة: أنا أبدر إليهم وأمنعهم من أن ينزلوا بوادي الجن وهم لا ينزلونه ما عشت فمن نزله أحرقوه بالنار، فكان حرماً عند العرب حتى أتى رهط من بني حلوان بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير فنزلوه فبينما هم نائمون في جوف الليل إذ سمعوا دوياً وهينمة ناداهم مناد: إنما هذا محرم الرابع وحمى أبرهة وأتتهم نار عظيمة فأكلت أموالهم وأكلت أناساً وولوا هاربين فسمي ذلك الموضع الحرقانة فهو اسمه إلى اليوم. حدثنا أبو مالك عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي: أن عمر بن الخطاب دخل مسجد رسول الله ﵌ ذات يوم فوقف بين يديه رجل كالنخلة السحوق فقال له عمر: من أنت؟ قاتل له الرجل: أنا حارق، قال له عمر: ابن من؟ قال له: ابن شهاب. قال له عمر: وأين مسكنك؟

стр. 130

قال له الرجل: بالحرقانة حرقانة الجو، فقال له عمر: ويحك أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فرجع الرجل إلى الحرقانة فأصاب قومه قد أقبلت عليهم نار ليلاً فاحترقوا، وكان عمر أعيف العرب في الجهالية وأزجرها ولقد حكم بالقيافة. قال أبو محمد: ولن العيوف ابنة الرابع ولدت لأبرهة ولدين ذا الأشرار وعمراً ذا الاذعار، وفي العيوف يقول طرفة بن العبد بعد الزمان ويقال إنه للرابع الجني حيث يقول: لابنة الجني بالجو طلل ... حله الرابع حيناً وارتحل حرم الجن على الإنس فمن ... شاء بعد الملك والرابع الحل حل منه ذو منار أهله ... فتولى الجمع عنه واحتمل كل ما حل عليه راشد ... أوقدت نار عليه فاشتعل كم به من ذات دل حسن ... وقوام ووسام ومقل وجواد وهمام حازم ... عاقه عنهم زماناً ونزل قال أبو محمد: ثم أن إبرهة ذا المنار جمع الجموع العظيمة وسار يريد المغرب أرض بابليون فأرسل إليه حلوان امرئ القيس بن عملاق بن عمرو بن امرئ القيس بن عمرو بن بابليون بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان بن هود النبي ﷺ وعمرو بن بابليون هو فرعون إبراهيم بمصر - فسار أبرهة يريد حلوان بن امرئ القيس إلى مصر أرض بابليون، وقد رجعا إليه الحبشة وبنو ماريع بن كنعان، فسار أبرهة بجموع عظيمة حتى بلغ مأرب ثم سار حتى بلغ الأحقاف حتى بلغ نهر الحفيف. فأصابوا بنهر الحفيف نصل سهم قد رشق في شق من صخر في صخرة منيعة وقد عفن القدح، فذهب وبقي النصل فأخذوه فوجدوا بجانب منه مكتوب

стр. 131

بخط من ذهب: لقلبك من بين الخليط سواد ... وحلت بموماة العراق سعاد نأى النوم عن طرف المشوق فهل له ... بطرف الذي يهوى عليه سهاد ألا هل إلى أبيات سمح بذي اللوى ... لوى الرمل يوماً فاعلمن معاد بلاد بها كنا وكنا نحبها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد وفي الجانب الآخر مكتوب: ألا حبذا العيش السنين التي خلت ... وأيامنا دهر الملوك المقاول خرجنا لنبني الملك للناس بعدنا ... ونتبع آثار القرون الأوائل على عهد ذي القرنين والمرء حازم ... يموت ويخلى للأمور النوازل رأى سبباً والله بالغيب اعلم ... فقام ولم يرقب مقالة قائل فقرءوا تاريخ السهم فأصابوا مكتوباً فيه بالمسند لذلك السهم ألف عام مذ سقط في ذلك المكان، فسار أبرهة بجموعه حتى دخل مكة فنذر وأقام حجه، ثم أخذ على الشام يريد أرض بابليون مصر وحمل ابنه العبد في السفن إلى أرض الحبشة فبلغ ذلك الحبشة فولوا منهزمين ولحق أبرهة بحلوان فتبع الحبشة على النيل وأمر حلوان أن يتبع بني ماريع بن كنعان إلى البحر المحيط من أرض المغرب، وسار أبرهة في طلب الحبشة وإن العبد بن أبرهة مضى على وجهه في أرض الحبشة فقتل وسبى حتى تضلل ولم يدر أين يسير وغرق في المخالب، فكاد يهلك ويهلك من معه، وكان العبد بن العيوف الجنية، فطلع على جبل من جبال أرض الحبشة في الليل، فقال: يا معاشر الجن أنا العبد بن العيوف بنت الرابع فأعطوني منكم دليلاً كيلا أضل فسمع

стр. 132

صوتاً وهو يقول: خذ الجانب الغربي مسلماً ... على النيل تحدوك المناهل يا عبد وخذ لبنى حام من الأمر صعبه ... إذا ما بدت للناس أوجهها الربد وعند حراج الأمر لو وبعده ... مقالة ليت لا يهولنك البعد فانك تلقى أمة ليس مثلها ... على الأرض أقواماً جدودهم مكد يكون مجال عنده الموت نازل ... ويدخل فيه النحس إذ ذاك والسعد فرجع إلى الموضع الذي أمره فأصاب النيل، فسار عليه شهراً حتى فرغ النيل وانقطع عنه وذهب عنه أشهراً حتى لقي قوماً سوداً قصاراً بيض العيون ليست لهم أعناق وجوههم على الصدور، فقاتلهم فغلب عليهم وأسر منهم أمماً وأصاب مالاً كثيراً وأصاب إذ جاءهم الذهب يدخر كما يدخر البر فغنم مالاً كثيراً وسبى أمماً من الحبشة، وقدم اليمن وقد عبر بحر النجاة ونزل بحرم مكة فجعل العرب يختلفون إلى الأسرى من الحبشة ويتعجبون من خلق أمم مختلفة، وإن أبرهة ذا المنار قفل من أرض الحبشة راجعاً، فأخذ على ساحل البحر حتى وصل إلى أرض بابليون، ثم أخذ على الشام وبلغ الدرب فلقيته هدايا الروم وأهل أرمينية، ثم سار حتى بلغ مكة فلقيه ابنه العبد بسبايا الحبشة. فرأى قوماً قصاراً فأمر بهم أن يمضي بهم إلى أرض البحرين وعمان يخدمون المراكب فيزعمون أن النوتيين الذين، ثم كانوا بعمان والبحرين من بقايا سبايا الحبشة الذين سبى العبد بن أبرهة، ثم

стр. 133

رجع أبرهة إلى غمدان وهو دار مملكة التبابعة، فكان ملك أبرهة ثلاثمائة سنة وستين عاماً، ثم مات فرثاه المحموم بن زيد بن غالب بن السياب بن عمرو بن ذي أنس بن قدم بن الصوأر بن سكسك فقال: أزفت خطوبك يا ابن هاتك عرشه ... لم تدر حتى صبحتك بذالكا عاصيت ذا إذ لم يكن لك عاجل ... وأطعت ذاك إلى مدى إذ لا لكا فلقد بلغت من البلاد مبالغاً ... يا ذا المنار وضعضعت لجلالكا قدت الجنود إلى الجنود سريعة ... وحملت منها على السفين كذالكا سرت الجيوش فأمعنت في سيرها ... ما تهتدي إلا بنور جمالكا حتى وطئت جميع حيث تغلبت ... أسباط حام بهلالكا أوغلت عبداً فاستقر به النوى ... حتى تشرد حالهم عن حالكا فسقيتهم سجلاً بكل مهند ... حتى أبرت حرامهم بحلالكا فآتاك بالنسناس خلق وجوههم ... فوق الصدور وليس مثل رجالكا زالت لك الشم الشوامخ هيبة ... لما قصدت إلى الوغى بنزالكا قالت لك الأرضون سمعاً وطاعة ... لم تستطع أن تصطبر لقتالكا قد قصرت همم الزمان عن التي ... كانت لمن جر الكتائب سالكا أنا هديت وأنت هاد للتي ... لما سعيت لمنتهى آجالكا من ذا يجاري من سموك خطة ... هيهات من يهدي لحسن فعالكا خضع الملوك لوجه ملكك هيبة ... لم ينج من حتم المنية ذالكا ملك العبد بن أبرهة قال أبو محمد عبد الملك: عن محمد بن السائب الكلبي: لما مات أبرهة

стр. 134

ذو المنار ولي الملك بعده ابنه العبد بن أبرهة وهو ذو الأشرار، وإنما له ذو الأشرار لأن الحبشة هم الأشرار وكان العبد هو الذي غلب على جميع أرض الحبشة وسباهم أمماً وسقاهم في الأغلال إلى مكة، وهو أول من رأت العرب في زمانه داء الكلب. وداء الكلب داء يعرو الدماغ فيسكن من حركته فلا يبرأ حتى يسقى الخمر بدم من دماء بني مذحج، قال عبد الله ابن حزم الأزدي: وجوه بني زبيد إن تجلت ... إلى الأبصار تخطف كالبروق إذا نطقوا يزينوه لعدل ... وإن صمتوا على علم حقيق وإن فخروا آتوك بعز بأس ... وبالأفعال والحسب العتيق دماؤهم على الأشفار أشهى ... إلى الكلبي من المسك الفتيق وقال حصين بن الحمام المري لبني العنقاء حين أعطاهم ابنه ديا رهينة فأبوا: خذوا ديا بما أحدثت فيكم ... فليس بكم على دأب غلاء فلستم من بني عمرو بن عمرو ... ملوك والملوك لهم نماء ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو دماء القوم للكلبي شفاء زعم إنه من بني زبيد وذلك أن بني مرة بن سعد بن ذبيان يزعمون أنهم من بني زبيد وأما عبد الله بن حزم في قوله: دماؤهم على الأشفار أشهى ... إلى الكلبي من المسك الفتيق أراد أن دماءهم أطيب من المسك الذي يبري الدماغ عن داء الكلب وذلك أن النتن إذا خامر الدماغ أفسد طبيعته وأضعف قواه.

стр. 135

قال عبد الملك: وولي أمر الملك العبد بن أبرهة بن الصعب فغزا الملوك ودانت له العرب والعجم وخضعت له الملوك فأقام في الملك ستين عاماً، ثم سقط من الفالج، فلم يغز بنفسه وكان يرسل الجيوش فدخل عليه الوهن في ملكه، ثم عدا عليه الفالج فمات وكان ملكه ستين عاماً. ملك عمرو بن أبرهة وولي الملك أخوه عمرو بن أبرهة وهو عمرو ذو الاذعار وأمه العيوف بنت الرابع الجنية، وقد ابى من هذا عامة الناس وزعموا إنه لا يظهر الجن للأنس وأنه لا يتناسل جنسان مختلفان ولا ينسل أنسي من جنية ولا جنى من أنسية وإن هذا باطل وأتى بهذا الحديث علماء والله اعلم أي ذلك كان. قال أبو محمد: لما ولي عمرو ذو الاذعار الملك قهر الناس بالملك وذعرهم بالجور فلا يرفق لقريب ولا بعيد وأسرف على العرب بالسلطان وشرد الناس ووسم من سخط عليه بالنار من أبناء الملوك وبدل على الناس السيرة التي كانوا عليها يعرفون. فذعر الناس من خوفه ذعراً شديداً وبه سمي عمرو ذو الاذعار وأنه كان يزني ببنات الملوك من حمير، فيؤتى بهن أبكاراً وغير أبكار فكن يشربن معه الخمر وكان ينادمهن على الخمر ويصيب منهن حاجته، فلما فعل ذلك بحمير كرهوا أيامه وأبغضوا دولته وكان شرحبيل بن عمرو بن غالب بن السياب بن عمرو بن زيد بن سكسك بن وائل بن حمير بن سبأ نازلاً بمأرب في قصر بينون ولم يكن بني مثله ومثل قصر غمدان وسلحين باليمن، فجمع شرحبيل حمير وقبائل بني قحطان ممن كان بمأرب، ثم قام فيهم خطيباً، فقال: يا بني قحطان

стр. 136

النساء هن الحمى فدون الحمى سفك الدماء هل جزعتم يسمكم بالنار فالنار ولا العار. والصبر صبركم وصبر كفر. فقد صبرتم على ما لا يصبر عليه أحد. أغضبوا الله ولا عراضكم قبل أن تخذلوا ويسلط عليكم النقم وتسلبوا النعم وتلبسوا الذلة فلم كسبتم الأنساب واعتدتم اللامات فتنافست فيكم الأحساب إذ لا تدفعون عن الحريم وتكشفون الضيم. قد شكت الأرحام وضجت إلى الله من الآثام، فلما عزة وسلامة أو ذلة وندامة وناصر الله منصور أما والله لئن لم تغضبوا لله ولا نفسكم لأضعن سيفي هذا على صدري فأخرجه من ظهري، فالموت عن مثلكم حياة والذهاب عنكم نجاة فقدموه فيكم وملكوه. ملك شرحبيل فولى الملك بمأرب شرحبيل بن عمرو بن غالب فرجع الملك في نجلته، الأولى نجلة يعفر بن سكسك، فجمع القبائل من قحطان وأجابته حمير للذي أراد الله من انقطاع دولة ذي الاذعار، وبلغ خبر شرحبيل بن عمرو إلى عمرو ذي الأذعار فجمع جنوده وزحف إليه وزحف إليه شرحبيل بن عمرو فالتقوا بالعالية فاقتتلوا قتالا شديداً ثم افترقا ومات بينهما خلق كثير. ثم رجع عمرو ذو الاذعار إلى غمدان، ورجع شرحبيل إلى بينون فأقام شرحبيل في الملك سنة ثم مات. ملك الهدهاد ابنه وولى ابنه الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو وهو الهدهاد أبو بلقيس الملكة

стр. 137

باليمن، وكان الهدهاد بن شرحبيل رجلاً شجاعاً حازماً. قال أبو محمد، حدثنا ابن لهيعة عن مكحول عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إنه لما ولي الهدهاد بن شرحبيل، زحف إليه عمرو ذو الاذعار وبرز إليه الهدهاد والتقوا بموضع معروف باليمن فتحاربوا أياماً فلما فصل العسكران، وبرز بعضهما إلى بعض، خرج الهدهاد على ناقة في زي أعرابي حتى وصل إلى عساكر عمرو ذي الاذعار، فطاف به وتدبر عساكره، ثم سمع لغطهم وما يتوعدون به عمراً ذا الاذعار من الخذلان واسترق ما يريدون له فزاده ذلك عزماً إلى لقاء عمرو، فانصرف الهدهاد يريد عساكره، فسار حتى بلغ إلى شرف العالية في يوم قائظ أجرهد فيه الصخور، والتهبت الهواجر وقال الضب: فنظر إلى شجاع أسود عظيم هارب وفي طلبه رقيق أبيض فأدركه فاقتتلا حتى لغبا، ثم افترقا، ثم أقبل الشجاع الأبيض إلى الهدهاد فتشبث مع ذراع ناقته حتى بلغ رأسه إلى كتفها ففتح فمه كالمستغيث، ثم عطف في طلب الأسود فأدركه فاقتتلا طويلاً فلغبا فافترقا، وأقبل الأبيض إلى الهدهاد كما فعل أولاً كالمستغيث فصب الهدهاد الماء في فيه حتى روي، ثم أقبل على الأسود وأخذه، فلم يزل الأبيض حتى قتل الأسود، ثم مضى على وجهه حتى غاب عنه، ومضى الهدهاد إلى شعب عظيم فاختفى فيه، فبينما هو مستتر بشجر أراك إذ سمع كلاماً فراغه سيفه فأقبل إليه نفر جان حسان الوجوه عليهم زي حسن فدنوا منه فقالوا: عم صباحاً يا هدهاد. لا بأس عليك وجلسوا وجلس

стр. 138

فقالوا له: أتدري من نحن؟ قال: لا. قالوا: نحن من الجن ولك عندنا يد عظيمة. قال: وما هي؟ قالوا له: هذا الفتى أخونا من أبناء ملوكنا هرب له علام أسود فطلبه فأدركه بين يديك فكان ما رأيت وفعلت فنظر الهدهاد إلى شاب أبيض أكحل في وجهه آثار خداش. قال له: أنت هو! قال: نعم، قالوا له: ما جزاؤك عندنا يا هدهاد إلا أخته نزوجها منك وهي رواحة بنت سكن. فزوجوه إياها وقالوا له: لها عليك شرط لا تسألها عن شيء تفعله مما تستنكر منها فإن سألتها فهو فراقها قال: نعم، قالوا له ارجع إلى قصرك بينون فإنها تأتيك ليلة كذا ارجع فلا تقم لأن عمر ذا الاذعار ورجع إلى غمدان بعد انصرافك عنه، فرجع الهدهاد وفرق عساكره، ولحقه الخبر أن عمراً رجع فجلس في الليلة التي أمروه أن يجلس فيها مرتقباً حتى أحس ثقلاً في القصر وهرب جميع من معه في القصر من ثقل الذي أحسوه ووحشة داخلت قلوبهم حتى أتوا بها إليه فأدخلوها عليه وأولدها ولداً ذكراً، فلما شب وصار ابن سنة، فبينما هو يناعيه اذ أقبلت كلبة من باب المجلس فأخذت برجب الطفل وجرته حتى ذهبت به عنه فغاب فنظر إلى رواحة فسكتت وسكت، ثم ولدت أنثى، فلما صارت بذلك السن أتت الكلبة فجرت برجلها وهو ينظر فسكت وغابت عنه، ثم ولدت ذكراً، فلما بلغ سن أخيه وأخته أتت الكلبة وفعلت ما فعلت أولاً قال لها: يا رواحة، قالت له: كيف؟ قال لها: أكف ما نال هؤلاء الأطفال؟ قالت له: فارقتك يا هدهاد اعلم إنه لم يجر منهم أحد بل هو محمولون وتلك درة تحملهم وتربيهم حتى يبلغوا خمس سنين فيأتوك

стр. 139

أنقياء. فأما ابنك الأول فقد مات أحسن الله عزاءك فيه وأما الآخر فإنه يأتيك وليس يعيش بعد أبي وهو يموت، وأنا ابنتك فإنها تأتيك وتعيش لك. ثم ذهبت عنه بعدها ووجد في الفراش ابنه وبنته بلقيس، فمات الصبي وعاشت بلقيس، وقد رد هذا الحديث عامة من العلماء ويقبله عامة من العلماء، والله أعلم أي ذلك كان. فأقام الهدهاد في الملك عشرين سنة فلما حضرته الوفاة أحضر جميع وجوه حمير وأبناء ملوكهم وأهل المشورة من بني قحطان فقال: يا بني قحطان أما أنكم تعلمون فضل رأي بلقيس علي فإنها لا تخطئ ما تشير به عليكم كيف تجدون بركة رأيها؟ قالوا: نعم قال: وإنها أعقل النساء والرجال، قالوا: نعم قال: فاني استخلفها عليكم، فقال له رجل منهم: أيها الملك تدع أفاضل قومك وأهل ملتك وتستخلف علينا امرأة وإن كانت بالمكان الذي هي منك ومنا؟ قال: يا معاشر حمير إني رأيت الرجال وعجمت أهل الفضل وسبرتهم وشهدت من أدركت من ملوكها فلا والذي أحلف به ما رأيت مثل بلقيس رأياً وعلماً وحلماً مع أن أمها من الجن واني أرجو أن تظهر لكم عامة أمور الجن مما تنتفعون به وعقبكم ما كانت الدنيا فاقبلوا رأيي فإنها مع اختياري فيها مؤدبة لغيرها من أهل بيتها واني كنت سميت الملك لمالك بن عمرو بن يعفر بن حمير بن عمي وهو غلام له حزم وعقل فإذا بلغ فله الملك أما في حياتها وأما بعد موتها. قالوا: سمعنا وأطعنا أيها الملك انظر لنا. فمات الهدهاد بن شرحبيل وولي ال ملك بلقيس . ملك بلقيس فلما وليت بلقيس الملك ازدرى قومها بمكانها لما كانت امرأة وأنفوا

стр. 140

من أن يلي امرأة وبلغ ذلك عمراً ذا الاذعار، فجمع الجيوش ونهض إلى بلقيس، فلم تكن لها طاقة فهربت مكتتمة بأخيها عمرو بن الهدهاد، وهما في زي أعرابيين حتى أتت جعفر بن قرط الأسدي وهو جعفر بن قرط بن الهميسع بن مالك بن عمرو بن أسد بن هزان بن يعفر بن سكسك ابن وائل بن حمير بن سبأ. وكان جعفر بن قرط عمر ثلاثمائة عام، وكان أنجد فارس في زمانه، وكان في ثورة من قومه أسد بن هزان، وكان قومه هزان لهم أرض جو وهي اليمامة، وكان هزان أطول الناس أجساماً وأعناقاً وكانوا يعرفون في العرب حيث ساروا - وفيهم قال الشاعر: لقد كان في فتيان قومك منكح ... وفتيان هزان الطوال الغرانق والغرانق: الطوال الأعناق - ومنه قيل للغرنوق غرنوق لطول عنقه فسارت بلقيس حتى نزلت على جعفر بن قرط وهو في حصنه علعال على نهر الخفيف من أرض الأحقاف، ونهر الحفيف هو الذي أظهر النبي هود ﷺ لعاد بن لاوذ بن ارم الآية الباهرة حين هلكت عاد بالريح العقيم فأخر من بقي من هزان باليمامة كان بقي من طسم وجديس ورائش بن لاوذ بن أرم، وهلك طسم وجديس وبقي سعدانة بن هزان بعدهم وبعد قومه هزان باليمامة وكان أطول الناس جسماً وعمراً فأقعد من الكبر وهو الذي هجم عليه عبيد بن عبد العزى الربعي إلى اليمامة فأصابه جالساً وهو يأكل تمراً من نخلة سحوق وهو يقول: تقاصري آكل جناك قاعداً ... إني أرى حملك ينمي صاعداً فهجم عليه عبيد بالقناة ليطعنه، فقال له سعدانة: لا تفعل يا عبيد قال له عبيد: ومن أنبأك بي؟ قال له: السلف يقولون بالعلم الأول آخر

стр. 141

من يبقى من هزان ين يعفر باليمامة أرض جور رجل يسمى سعدانة وأول من يهجم عليه يجاوره فيها رجل من بني ربيعة بن نزار يسمى عبيداً، ولكن يا عبيد أجاورك قال له عبيد: لك سؤالك يا سعدانة، وأنشأ يقول: إن الليالي أسرعت في نقضي ... أكلن بعضي وتركن بعضي حنين طولي وطوين عرضي ... أقعدنني من بعد طول نهضي تركنني ملكاً لأهل الأرض ... أليس ذا يا زمني من قرضي هواك تركي وهواي يمضي فأجاره عبيد حتى مات، وتمثل هذه الأبيات هزان بعد سعدانة العمري بعد هذا الزمان. قال أبو محمد: وإن بلقيس أتت بن قرط الأسدي ثم الهزاني، فقالت له: أنا بلقيس بنت الهدهاد وهذا أخي عمرو أتيتك به هاربة مطيعة فأجرني وأخي. قال: هلم يا بنية أمنعك مما أمنع منه نفسي وبناتي فادخلي إلى بنات عمك آمنة. فأجارها جعفر بن قرط وأخاها عمراً وعمرو ذو الاذعار يطلبها وأخاها فلا يجد لهما حساً. وكان جعل على نفسه جعفر ابن قرط في كل عام عمرة يحج إلى مكة فيحرم بمكة شهر رجب ثم يرجع إلى حصنه علعال وجعل على نفسه بعد رجوعه عن العمرة يجاور قبر هود النبي ﷺ شهر المحرم كله حتى ينسلخ، فكان يفعل ذلك كل عام، ثم يرجع إلى حصنه علعال، فكان بين حصنه علعال وبين قبر النبي هود ﷺ مسيرة يوم وهي مسافة وقد أخلى جعفر

стр. 142

بن قرط تلك المسافة من الناس فلا ينزلها أحد - كانت له حمى وكان جعفر ابن قرط رحل إلى قبر هود بالعيال والولد وكان غيوراً أنفاً لا يصحبه في ظعنه ولد أدرك الحلم ولا ابن عم، فرحل بأهله وولده الأصاغر وسارت معه بلقيس وأخوها عمرو طفل لا يعلم بهما أحد من الناس، فسار يريد قبر النبي هود ﷺ فأخذ على شاطئ نهر الحفيف بين النخل يأكل تمرها ويعلفه الخف والحافر وانه إذا نزل بالأحقاف بجوار قبر هود اتبعته السباع فيقاتلهم ويقتل من لقيه منهم، ثم يخرج إليه تنين عظيم فيقاتله حتى يولى من بين يديه ويقول لأهله: لا تجزعوا فانه لص شيطان وانه كان رجل بمأرب تحت السد يقال له عمرو بن عباد بن مهرس بن عفار بن أود الله بن سعد العشيرة. وكان صعلوكاً لا يقر به قرار ويطلب المبارزة في كل قبيل من العرب وفي كل أوب، وتبعه على ذلك شريك بن عمرو ابن هلال بن أود الله وتبلن بن ثور بن أسلم بن زبيد، وكانا صعلوكين فاتكين جسورين على كل هول فتبعه عمرو بن عباد فسار بهما يطلبون الأموال وغيره القبائل لا يصطلي بنارهم ولا يسلم من لقيهم، فبينما هم كذلك سائرين إلى أن رمت بهم الأرض نهر الحفيف اثر ظعن جعفر ابن قرط فمشوا على الرسم واقتصوا الأثر حتى تراءى لهم جعفر يمشي كالشبح خلف ظعائنه فجدوا في طلبه حتى أدركوه وبينهما نهر الحفيف - وهو نهر ينهال فيه الرمل فيبتلع من سقط فيه - فطلبوا سرحة للنهر يعبرون منها اليه، فلما دنوا منه ووقفوا في عدوة النهر قريباً منه رأوا شيخاً جالساً في سرجه كالنخلة ولحيته سقطت على عرف فرسه، فانحرف عليهم

стр. 143

بوجه كالمجن وقد بلغت ركبتاه حذاء أذني الفرس فقال لهم: من أنتم وما شأنكم؟ قال له عمرو بن عباد: أنا عمرو بن عباد الأزدي وهذا شريك ابن عمرو الأزدي وهذا تبان بن نور الزبيدي لم ندع في العرب مثلنا بأساً ولا نجده، فاسلم الظعائن وانج بنفسك. قال له تبان بن ثور: يا عمرو لا طاقة لنا بالشيخ اذهب عنه ودعه فلسنا من جيله ولا من خلقه، قال له عمرو بن عباد: دع عنك الجزع قوة الشباب تغلب صلابة الهرم. قال عمرو بن عباد للشيخ: ما اسمك يا شيخ ومن أنت؟ قال له: أنا جعفر بن قرط الأزدي، قال له عمرو: وهل لك في المبارزة؟ قال له جعفر: لو رمت غير هذا ما وجدته اللقيا الحمى قد عرف الحق أهله، فأنشأ عمرو ابن عباد يقول: زم المطى قليلاً ... فلست تبقى مقيلا حرمت أهلي ومالي ... وخنت فيه الخليلا تذوق عيناي بردا ... حتى أراك قتيلا يكون أهلك أهلي ... إذا أرأيت الأصيلا جدوا الرحيل فإني ... أبحث خيلاً فخيلا والدهر طوع تمني ... إذ ليس دهري طويلا قل للزمان يميني ... ما شئت قيلاً فقيلا فقال جعفر بن قوط: قد كنت عني غنياً ... فعش سليماً مليا ما أنت والقول في ذا ... تراه فخراً سنيا

стр. 144

فحسبك الآن مني ... إن كنت قرماً كميا فما أراك خؤنا ... ولا أراك وفيا فهم يسايرونه حتى أصابوا سرحة عبروا عليها ورأوا الظعائن ليس فيها رجل غيره، قالوا له: سلم الظعائن وانج بنفسك وحملوا عليه فثبت لهم فطعنوه فألقى إليهم الجن فلم يعمل سلاحهم فيه شيئاً وحمل عليهم فولوا، وثبت له عمرو بن عباد فطعنه جعفر فعقر فرسه ثم عطف على صاحبيه فعبرا النهر وعلما إنه لا طاقة لهما بجعفر، ووقفا لينظرا ما يصير إليه أمر عمرو بن عباد، فرجع الشيخ إلى عمرو فقال له: الق سلاحك واستأسر وإلا قتلتك، فألقى سلاحه ونزل إليه الشيخ فكتفه وشد وثاقه إلى نخلة وتبان وشريك ينظران فقال تبان لشريك: إلينا يريد فانج بنا، ثم عبر إليهما من السرحة التي عبروا إليه منها فعطفا إليه في السرحة قبل أن يعبرها فطعناه فألقى تبان الزبيدي عن نفسه فطعنه شريك بن عمرو فأصاب صدره فنشب سنان قناته في يلب جعفر فأخذ جعفر القناة من صدره فكسر السنان وجرحه جرحاً خفيفاً، فلما نظر شريك إلى سنانه كسر ولى فأدركه جعفر فعقر فرسه ولم يرد قتلهم إلا أسرهم لأن الأسر أشهر ذكراً في العرب وهو مال. فإن أطلق منّ وإن أخذ المال استغنى ثم قال: استأسر يا شريك فإنه لا ملجأ لك من نهر الحفيف ومعاطشه، فجلس شريك بن عمرو على لوى رمل وجد جعفر في طلب تبان وكانت فرس تبان كلت لأنها جائلة الليل والنهار فأدركه جعفر وفرس تبان توضع يديها فأدركه جعفر فطعنه تبان فشك جعفر درع تبان وضربه على الكشح فأخرجها من صدره ولم تعمل قناة تبان شيئاً في يلب جعفر، ثم عطف عليه ثانية فعقر فرسه وقال

стр. 145

له تبان: لم عقرت فرسي يا جعفر وهي لك مال زيادة في الفداء؟ قال له جعفر: إني قاتلك، قال له تبان: ولم؟ قال له جعفر: الجرح يقتلك، قال له تبان: ليست بجائفة فإنها سكلت في الكشح سلكاً فنزل إليه جعفر فحشى جرحه رملاً ثم ساقه بين يديه فأصاب شريكاً جالساً على حبل رمل فساقهما بين يديه حتى بلغ بهما إلى عمرو بن عباد فحل وثاقه وساقهم بين يديه، فلما بلغ قبر هود ﵇ نزل ونصب بهم قبة بعيداً من الحي، ولم يزل تبان يتعاهد جرحه حتى برأ، ثم قال لهم: هاتوا الفداء؟ قالوا له: يا أبا عامر خذ منا ما رأيت؟ قال: ادفعوا إلى الجميع أموالكم حتى لا يبقى لكم سبد ولا لبد، قالوا: أو بالطف يا بن ملك الملوك؟ قال: هو ما قلت لكم قالوا: وليس من ذلك بد! قال: نعم، قالوا: يا أبا عامر جميع أموالنا نأتيك بها. قال: أقم أنت يا عمرو وأنت يا شريك رهينة واذهب يا تبان سق لي الأموال. فلما عبر تبان نهر الحفيف وعلم منهم العزم على ذلك ركض في طلب تبان، فلما رآه تبان جزع وظن منه الغدر فقال له بعد الأمن والرضا بالفداء: يا أبا عامر قال له جعفر: ارجع الذي رأيت أحسن من الذي رأيتم. قال له تبان: يا أبا عامر ملك الملوك أنتم وجه الدنيا وشم العرب لم يضعكم الله مذ رفعكم، فمضى به حتى رده إلى صاحبيه. قال له: يا أبا عامر الوفاء أشبه بك والجهل أشبه بنا. قال لهم: أني لم أعط نفسي منكم فداء ولا طمعت فيه ولكن كان مني سؤال الفداء ابتلاء لكم واختباراً إذ سألتكم جميع أموالكم فلم تبخلوا بها عن أعراضكم وأنفسكم وجعلتم أموالكم دونها فأحمدت لكم ذلك وجعلت العفو مني مكافأتكم وعلمت أن لأنفسكم منكم وفاء ولو بخلتم عن أعراضكم وأنفسكم
следующие страницы →