← История

История · id 37473

التيجان في ملوك حمير

عبد الملك بن هشام

Полный текст (489 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قال وهب: فحج هود وقحطان ابنه ولحق بهم بمكة يعرب بن قحطان وحج معه يعرب بن قحطان والبيت مهدوم، فإذا مر بموضع الحجر الأسود وهو مدفون أومأ إليه واستلم فقضى حجه. فقال يعرب: أتأمرني يا رسول الله أبنيه قال له: لا قد أخر الله أمره يبنيه ويبني معه النبي بعده وتعينه الملائكة وذلك قول الله ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾ (وقال﴾ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾. قال وهب: نبي معه إسماعيل. قال وهب: ثم أن رأس عاد وهو عاد بن رقيم بن عابر بن عوص بن ارم قال لرقيم: أنت مشئوم ورأيك نكد دعوتنا إلى حرب يعرب ولم يردونا بسوء فلما قتل عاد أدرك الجزع فلبست الذل وإن ملك عاد عاد بن رقيم دعاه إلى حرب يعرب وأنشأ يقول: ألا يا عاد ويحكم فسيروا ... إلى العلياء واحتملوا برشد لقد ظفرت بنو قحطان منا ... بيوم طالع من غير سعد لقد نزلوا البلاد فأوطنوها ... وكانوا في المحافل غير جند ولينوا في مداهنة لهود ... فقد صرتم إلى ذل وجهد وداروه ومن يهوى هواه ... ليرضى من سجيتكم بود وفي غب النفوس يكون غلا ... دفينا في الصدور له بحقد

стр. 37

فأجابوه إلى المسير وخرجوا إلى حربه ويعرب بمكة ومعه وجوه بني قحطان وحملة أمورهم فلما برزت عاد أنشأ يقول عاد بن رقيم: يا قوم أجيبوا صوت ذا المنادي ... سيروا إليهم غير ما أرواد إني أنا عاد الطويل النادي ... وسام جدي غير جد هادي سيروا إلى أرض بذي اطواد ... بنهد أرض في ثرى الثماد اذ يعرب سار على الجياد ... يظهر قفر أو ببطن وادي قد شد من قبل على الآساد ... حتى سبا وعاث في البلاد قوموا ليشهد خافق الفؤاد ... ويلق منا صولة الأعادي يرمي إلينا مرسن القياد وبلغ بنو قحطان خروج عاد بقومه فعادوا إليهم فخرجوا والتقوا ببارق فاقتتلوا قتالاً شديداً ونال بعضهم من بعض فكان بينهم قتل عظيم وبلغ ذلك يعرب بمكة فأمره هود بالانصراف إلى اليمن، فلما جاءهم يعرب تهيأ للزحف إلى عاد وإن الله أمر هود بالمسير إلى اليمن لينذر عاداً ويدعوهم إلى طاعة الله تعالى. فسار هود حتى نزل بجوار الأحقاف بموضع يقال له الهنيبق وأمر يعرب فكف عما كان عليه من حرب عاد ودعا عاداً إلى الله تعالى ووعدهم الجنة إن هم أطاعوا الله وخوفهم بالنار إن هم لجوا وتمادوا على ما هم عليه من الكفر فقالوا له: صف لنا هذه الجنة التي وعدتنا؟ فقال

стр. 38

لهم: هي جنة بناؤها بطون العقيان وطينها لجين وفيها حور العين أبكار والفواكه الدائمة التي لا تنقطع والأنهار من كل الأشربة تجري بين القصور تحتها والغرف المبنية من الياقوت على أعمدة اللؤلؤ والزمرد والزبرجد وقيعانها من فتيت المسك والكافور والزعفران. قالوا: فصف لنا النار؟ قال لهم: هي سوداء مظلمة مدلهمة وهي طبقات الهاوية والحجيم ولظاً وجهنم والسعير وأوديتها موبق والزمهرير وطعامها الزقوم من أكله سالت عيناه وأحرق حشاه وشرابها الغسلين يتساقط منها لحم الوجوه قبل أن يصل إلى أفواه الشاربين مع مقاربة الزبانية المعذبين. فقالوا وهذا هود قد وصف لنا ولكن أرسلوا إليه وفداً من أهل الرياسة والشرف والعقول يسألونه أن يريهم الجنة ويريهم النار؟ فأجمع أمرهم على ذلك فأرسلوا ألف رجل وفداً. فقال لهم ملكهم عاد بن رقيم: اسألوه أن يريكم هذه الجنة وسموها على اسم جدكم أرم بن سام بن نوح فيكون اسم جدكم موجوداً مذكوراً أبداً ويكون له به فضيلة على الخلق أجمعين وينسى اسم جدهم ارفخشد فيكون لكم علواً ولهم ضعة إلى آخر الدهر. فبعثوا منهم رجلاً من أهل الشرف والرياسة والمنطق يقال له البعيث بن وقاد بن خضرم بن هاد بن عاد بن عوص بن أرم بن سام بن نوح، فوفد البعيث على هود مع ألف رجل فقال له: يا هود أنت وعدتنا بالجنة ووصفتها لنا وأوعدتنا بالنار ووصفتها لنا في الآخرة وخير

стр. 39

هذه الدنيا قد رأيناه فلسنا تاركين الحاضر للغائب بقول قائل صادق أو كاذب فنحن من قولك في شك أو تبين ما قلت من جنة أو نار وإلا فأنت كاذب وإنا رأينا حور الدنيا وفواكه الدنيا، ثم وصفت لنا ما هو أحسن من هذا فحقيق على من كان له لب أن يرغب فيما وصفت ثم رأينا نار الدنيا محرقة فزعمت أن تلك النار أشد إحراقاً وظلماً فحقيق لمن خوفته بها أن يخافها فاخرج لنا مدينة نسكنها ونسميها على اسم أبينا أرم بن سام بن نوح تكون لنا فضيلة إلى آخر الأبد واخرج لنا ناراً نتعظ بها ونزداد فيما دعوتنا إليه رغبة وتخرج لنا حيث نريد - وهم يسألونه ذلك على وجه الاستهزاء به وأنه لا يقدر على ذلك - فقال لهم هود: سألتم أمراً وهو يسير عليه ولكن أخشى عليكم أن لا تقوموا لله بوفاء العهود وإنما يقول له كن فيكون فإن عصيتم الآية قال: لما يهلككم كن فيكون فاذهب يا بعيث مع أصحابك فخذوا عهودهم لله ثم أعلموهم أن هم أعطاهم الله سوء لهم أن كذبوا أن الله يهلكهم بمثلة تكون عبرة للعابرين فرجع البعيث والذين معه فقال للملك ولعاد البعيث: لقد جئتكم من عنج هود بقصة ... وما عنده قول إلى الحق يتبع دعاكم لأمر ليس فيه حقيقة ... وما فيه شيء للجماعة ينفع دعاكم لآمال غرور بعيدة ... وترك الذي يهوى ألذ وأنفع كتمت له في النفس مني جوابه ... وظني به يا عاد يخدع واني مشير فيكم بنصيحة ... وإن أصبحت عاد تطيع وتسمع فإن تقبلوا رأي تنالوا سعادة ... خذوه برشد في الذي قال أو دعوا

стр. 40

ذروني أقل من قبل يبدأ قائل ... فاني له إن قلت بالفلج أطمع قال له عاد: ما رأيك يا بعيث؟ قال له: نسير إلى هود فنسأله أن يخرج لنا هذه المدينة في الحفيف. وهو واد يسيل ويخرج من بين جبال وجرز وعود شعث والحفيف نهر يسير ليلاً ونهاراً بالرمل يتيهأ بالرياح العواصف. فخرج من عاد ثلاثة آلاف وفدا إلى هود، فاتوا هوداً فقالوا له: يا هود اخرج لنا هذه المدينة على عهد الله علينا وعلى قومنا أن نؤمن وأخرجها لنا بنهر الحفيف؟ فسار معهم حتى وقفوا على الحفيف. فقال لهم هود: اذهبوا عني إلى نجاد الأحقاف فإذا هب لكم نسيم المسك أقبلتم إلي. فذهبوا وناجى هود ربه فأخرجها الله لهم قصور الياقوت على أعمدة اللؤلؤ والزمرد والدر والزبر جد وقصوراً مبنية بلبن اللجين والعقيان وقيعانها بالمسك والكافور والزعفران. فلما رأوا ذلك عشيت أبصارهم وخشعت قلوبهم وداخل قلوبهم منها رعب ورقي إليهم منها نور كشعاع الشمس. فقال لهم هود: هذه التي اسمها أرم على أسم أبيكم فإن آمنتم كان لكم بها فضيلة على الخلق إلى يوم القيامة وإن رغبتم فإن الله قوي عزيز يهلككم كما أهلك من قبلكم ممن كان أشد منكم عتواً في الأرض، فأنا أعلم أنكم لم تؤمنوا ولن يراها أحد من خلق الله إلا رجل من أمة محمد ﵌. قال وهب بن منبه: رآها تميم الداري زمان عمر بن الخطاب، ثم هموا بدخولها فعميت أبصارهم واقشعرت جلودهم فولوا مدبرين، فقال لهم ميسعان بن عفير: ويحكم آمنوا فإنها آية من الله، فقالوا: أن هوداً

стр. 41

لساحر من سحرة أرض بابل، قال لهم ميسعان: آمنت بما جاء به هود، ثم ساروا ومعهم ميسعان يعظهم حتى بلغوا موضعاً يقال له لكنة المعتال فأنزل الله عليهم ناراً بريح صرصر عاتية فأحرقتهم وخلص ميسعان فلذلك الموضع يسمى الحرقانهة إلى اليوم فانطلق ميسعان سالماً حتى أتى عاداً ليلاً أول رقده فاستوى على شرف من رمل ونادى بأعلى صوته وهو يقول شعراً: قد منحت القوم رشداً ناصحاً ... فأبى لي النصح من قد وفدوا آمنوا بالله وارضوا بالذي ... قال هود يال قوم اعبدوا بعد أن ساروا وسألوا آية ... فرضوها بعد عقد عقدوا جعلوا الآية فيهم نسبا ... كانتساب الأب لما وردوا ثم قالوا إنما هم أرم ... وهي بحر عليها وكدوا فرضي هود بما قالوا معا ... فسني المسك ولاح العمد قد رضوها فرأوها نسبا ... واليها بعد عاد قصدوا ثم خانوا بعد صلح ورضي ... وعهود لنبي عهدوا إنما مهرج شؤم وبه ... عن هوى هود لعمري عمدوا حلت النار لهم فاحترقوا ... وكذا النار عليهم تقدُ أوقد النار عليهم خيرهم ... ما نجا غيري منهم أحد ويل عاد يا ويل لهم ... قدموا شيئاً فها هم وجدوا

стр. 42

ومهرج هو الذي أمرهم أن لا يؤمنوا لهود، وأنها لما سمعت عاد ميسعان ثاروا عليه في جوف الليل فقص عليهم ما كان من شأنهم فصاروا إليه يداً واحدة وقالوا له: يا ميسعان لقد دلنا شعرك على هوجك ولقد أعميت على وفدنا بالهوى. ولميسعان منعة بأخوته وولده وقومه فكرهوا أن يسرعوا إليه بسوء حتى يعذروا إلى قومه، فلما أعذروا إليهم قال له قومه: يا ميسعان ما حملك على خلاف جماعة قوم عاد؟ قال لهم ميسعان: لقد أوضحت لهم المنهاج أنرت لهم السراج لئلا يجهلوا الحق لاشتباه الفتنة وتخليط العمى أني رأيت آية باهرة للعقول أقام الله علينا بها حجة ثم صدرنا إلى قومنا منذرين لهم فرجعوا عنه إلى جماعة يعتذرون عنه فكفت عنه عاد فقال لهم هجال بن رفيدة: يا معشر عاد عليكم بهود فلاينوه حتى يسكن جأشكم فإن مصيبتكم بما حل في وفدكم عظيمة. قال لهم ميسعان: يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به ثم سيروا إليه في الهنيبق نستبدل ما هو خير بما هو أدنى. قالوا له: لا حاجة لنا بقولك يا ميسعان فأنشأ ميسعان يقول شعراً: إلى جزع الهنيبق عاد سيري ... توفي الأمن والرأي المبينا وتبدو لي الحرون وحقف رمل ... وتترك بارقاً أبداً حزينا وترتحلي إلى بلد كريم ... وتتخذي المصانع والعيونا من الماء المعين وكل غرس ... بها ترضونه عنباً وتينا وتتخذون فاكهة وزرعا ... وماء في جعافره معينا ترون برأيكم فيها بحزم ... إذا ما كان رأيكم مبينا وإن عاداً عملت مهداً فاسداً للماء غرسوا تحته الجنات فكانت عجيبة بها

стр. 43

من جميع الفواكه والزرع، وأقاموا على ملاينتهم لهود حولين كاملين يرجو إيمانهم وهم من ذلك في حيرة ويعرب معتزل لحربهم فأرسل إلى هود أن عادا قد مردت وأصرت فأذن لي في حربهم فأرسل إليه هود أن أمر الله أعظم من حربك فكف. قال وهب: وإن الله ﵎ رفع عن عاد الغيث عامين العامين اللذين هادنوا فيها هوداً فهلكت زروعهم وأسرع الهلاك في جناتهم وهلكت أنعامهم وأسرع الهلاك في أموالهم فأتوا إلى ملكهم عاد فشكوا إليه ما نزل بهم فقال: استسقوا فقصدوا إلى شيخ لهم يقال له قيل بن عنز كان طلق اللسان خطيباً فقدموه وخرجوا خلفه فأنشأ أبو الهجال يقول: ألا يا قيل ويحك قم فهنيم ... لعل الله يسقينا غماما فيسقي أرض عاد أن عادا ... قد أمسوا ما يبينون الكلاما فما ترجو بها غرساً وزرعاً ... ولا الشيخ الكبير ولا الغلاما ثم أن عاداً أرسلت إلى هود فشكت إليه ما نزل بها من القحط، فقال لهم هو دان: الله يرسل عليكم ثلاث سحابات: سحابة صفراء وسحابة حمراء وسحابة سوداء ويخيركم في إحداهن فاختاروا لأنفسكم ما شئتم؟ فرجعوا إلى قومهم فأعلموهم بقول هود. ثم أن الله أرسل ثلاث سحابات: سحابة صفراء وسحابة حمراء وسحابة سوداء فأقامت عليهم ثلاثة أيام معلقة من جهة المغرب فأرسلوا إلى هود: أنا قد اخترنا السوداء ولا حاجة لنا في الصفراء والحمراء. قال لهم: إن الله يرسلها عليكم واضمحلت الصفراء وذهبت ثم تبعتها الحمراء ثم أرسل الله عليهم ريحاً صرصراً أحمت الشجر

стр. 44

ولونت الزرع، وكان درب العرب في الغربي من اليمن وكان في الدرب ثلاثة فجوج فنفحت عليهم من الفج الأوسط من الدرب فذلك الفج يسمى إلى اليوم فج العقيم وكان في طاعة عاد خمس مائة رجل طوال الأجسام - كما ذكر الله - فخرج منهم ثلاث مائة رجل إلى الفج يريدون يبنون الفج لدفع الريح وتعسكر الباقون إلى هود لئلا من خلفهم وبينهم وبينه ثلاثة أيام، وبينهم وبين يعرب شهران، وإن عاد بن رقيم ملكهم انتصب إلى هود بعاد وتكفل الطوال بالفج فجعلوا إذا وضعوا حجراً قلبته الريح، فقالوا: اجعلوا رجالاً منكم يردون الريح عن البناء حيث يثبت، فقدموا الخلخال وكان أطول عاد جسماً وأشدهم بطشاً، وخرج إليه هازل بن غسان فأمسك عنهم الريح وأسسوا بنيانهن إلى آخر النهار فعصفت الريح وصرصرت فأخذت رأس الخلخال وهازل فنزعت رؤوسهما بقلوبهما وأكبادهما وحشاً أجوافهما فرمت بهما وألقت أجسامهما وبقي الأساس على حاله لما أراد الله من هلاكهم وكان ذلك يوم الأحد ثم أرسل الله الريح يوم الاثنين أول النهار لينة لما أراد الله من هلاكهم ويجعلهم مثلاً للأولين والآخرين وعبرة للعابرين فلما غدوا الفج قلبت الريح الحجر فأخرجوا شداد بن حمام والأمنع بن اصبغ إلى آخر نهارهم فهبت الريح وصرصرت ثم أخذت رؤوسهما فنزعتهما بالأحشاء وألقت بأجسامهما ثم قام يوم الثلاثاء سجار بن الهيعقان

стр. 45

ومبدع بن قفال فنزل بهم مثل ما نزل بأولئك، ثم قام يوم الأربعاء يافث بن شرعب وسلاب بن الهيلجان فمثل ذلك، ثم قام يوم الخميس شرس ين عقاب وسجيل بن واغل فمثل ذلك، ثم قام يوم الجمعة تبان بن واقد وميدعان بن السبل فمثل ذلك، ثم قام يوم السبت سرحان بن عنبل وعامر ابن سالف فمثل ذلك، ثم قام يوم الأحد الرفصان بن هزيم فمثل ذلك، وخلفه الهندوان بن العميل فمثل ذلك، فاشتدت الريح وصرصرت لتمام سبع ليال وثمانية أيام فعصفت الريح وصرصرت فلم تدع منهم أحداً وهدمت الجبال وخددت الأرض وحطمت الشجر وأخذت الحجر كما قال الله ﵎: ﴿وفي عاد أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم﴾ فأخرجتهم من الكهوف والقنون فكانوا كما قال الله ﴿وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر عاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما﴾، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل ترى لهم من باقية)، فلم يبق منهم إلا ميسعان بن عفير وبنوه الذين آمنوا معه وإنهم لعلى الدنيا إلى اليوم ولم يبق من الكافرين أحد فقال في ذلك ميسعان: ألم تر الريح العقيم إلا يدا ... والعارض العراض فيها الأسودا تمطر بالنار وتهمي باردي ... تخدد الأرض وتذري الجلمدا

стр. 46

أرسلها صرا عليهم سرمدا ... أضحت بها عاد رمادا أرمدا فلم تدع في الأرض منهم أحداً ... إلا هشيماً بالمنايا والردا قال وهب: وإن الله أنزل على هود أربع صحف، ثم أن الله ﵎ قبض هوداً ودفن بالأحقاف بموضع منه يقال له الهنيبق بجوار الحفيف فإن نهر الحفيف أخرج الله فيه الماء المعين وغرست فيه الثمار من يوم أخرج الله فيه آية هود. قال وهب: عن ابن عباس: أن هود النبي عليه صلى الله وسلم أرى عاداً الآيتين الجنة فأما النار فرأوها في وادي برهوت وزعم أن ببرهوت عيناً من عيون جهنم، وإن جهنم في أرض المغرب يسكن عليها شرار خلق الله وهم الحبشة. قال وهب: وأراهم الجنة بنهر الحفيف - قال: وصار أمر هود إلى وصيه ابنه (قحطان). فقام قحطان بأمر الله وهو خليفة هود وانه تغلب بأذربيجان الاسكنان بن جاموس بن جلهم بن شاد بن عجلجان بن يافث بن نوح على جميع الألسن ببابل بعد هود طسم وعملاق فهربت بنو عملاق إلى بيت مكة إلى جوار قحطان ولحقت بهم رائش وتبعتهم طسم وجديس فنزلوا اليمامة ورحلت ثمود ونزلوا بمأرب من أرض اليمن وشكوا إلى قحطان ما نزل بهم من الاسكنان بن جاموس فجمع قحطان أهل اللسان العربي وزحف إلى بابل يريد الاسكنان بأذربيجان وانتصب له الاسكنان في بني يافث فلقيه قحطان فهزمه وقتل الاسكنان وفضت جموعه من بني يافث إلى أرض أرمينية وإلى ما خلفها من الأرض وما والاها وهربت القوط

стр. 47

والسكس والإفرنج وهم بنو عرجان بن يافث ولحق بهم أخوتهم الصقالب بنو عرجان بن يافث. قال وهب: وكان قد تملك بيت المقدس وملك الشام ونمرود بن كنعان ابن ماريع بن كنعان بن حام بن نوح وأنه زحف إلى بيت المقدس وقحطان بسمرقند، فلم يكن لبني عملاق به طاقة فأجابوه ودافعه رائش بن لاوذ ابن سام بن نوح فقتلهما فمن بقي من رائش صاروا في إخوانهم عملاق في آخر الدهر. فأول قبيل انقطع عن الدنيا من ولد ارم بن سام عاد ورائش وبلغ قحطان خبر نمرود بن كنعان فأقبل إليه بجموعه فلم يستطع بنو حام مدافعة بني سام ومن لف إليهم من بني يافث فهربت النوبة والفرار إلى المغرب فنزلت النوبة والفراور بجوار القوط من بني يافث ولكنهم تقربوا إلى المغرب وكان القوط قبل ذلك باليمن فتبعتهم عاد إلى الشام وهربوا من قحطان إلى المغرب وإن قحطان لما نزلوا على بني كنعان ببيت المقدس وخذلهم إخوانهم من بني حام ورحلوا عنهم القوط فنزلوا على النيل أخذ نمروداً أسيراً فقتله وصلبه ببيت المقدس وكان النمرود بن كنعان أول قتيل صلب. ثم حج قحطان ورجع إلى اليمن فعاش مدة طويلة ثم مات بمأرب، وولي أمره ابنه يعرب بن قحطان، وكان ولي الملك من ولد قحطان لصلبه عشرة إلا أنهم من تحت ملك أخيهم يعرب بن قحطان وهم: جرهم بن قحطان وعاد بن قحطان وناعم بن قحطان وحضرموت بن قحطان وظالم بن قحطان وغاشم بن قحطان وأيمن بن قحطان وقطان بن قحطان والسلف بن قحطان وهميسع بن قحطان. فولي جرهم بن قحطان أمر مكة فنتملك أمر من كان بها، وولي عاد بن قحطان أرض بابل، وولي حضرموت بن قحطان أرض الحبشة، وولي ناعم بن قحطان عمان.

стр. 48

وولي أيمن بن قحطان الجزيرة، فلم يكن من هؤلاء من لم ينل الملك، ويعرب يملكهم ذلك، وعاش يعرب مدة طويلة ثم مات فولي (يشجب بن يعرب) بعد أبيه وكان سقيماً فدام به السقم حيناً ثم مات ولم يعمر في الملك. فلما مات يشجب ادعى كل رجل شريف من بني عابر الملك وأراد أن يتمنع ومرج أمر الناس فقام (عبد شمس بن يشجب) فجمع بني قحطان وبني هود فملكوه على أنفسهم. قال وهب: فلما ملك عبد شمس قال: يا بني قحطان إنكم ألا تقاتلوا الناس قاتلوكم وألا تغزوهم ولم يغز قوم قط في عقر دارهم إلا ركبتهم الذلة، فاغزوا الناس قبل أن يغزوكم وقاتلوهم قبل ان يقاتلوكم واعلموا أن الصبر فوز والعمل مجد والأمل منهل فمن صبر أدرك ومن فعل فاز فلتطب أنفسكم لغزو الأمم يعز غابركم، ففي الصبر النجاة وفي الجزع الدرك، ولا تغشكم الدعة فيطول داءكم والرأي اليوم لا غد وهو رزق مطلوب فواجد ومحروم فاعتمدوا العزم وكل ما هو كائن كائن وكل جميع بائن والدهر صرفان صرف رخاء وصرف بلاء والدهر يومان يوم لك ويوم عليك فإن أدر يوم من يوميك فلا تقنط من الرجاء في يوم معقب، وإن الناس رجلان رجل لك ورجل عليك والزمان دول له حين ينصر وحين يغدر - والناس مجتهدون فمن لقي رشداً كان محموداً ومن لقي غياً كان مذموماً ورأى الناس منتظرين كل محتال لثواقب الدهر غير محتال للموت والتجارب علم والعزم عون وكل هذا الناس ينو الدنيا صحبوا أقدارها خيراً وشراً راجين خائفين ليس أحد آخذاً منها عهداً ولا آمناً غدراً قاصدين أجداداً حتمت وأقداراً قسمت حتمها غير نائم وقسمها من لا يلومه لائم فقد

стр. 49

يسعى المرء إلى الميقات يوم فيه فراق الدنيا أو بلوغ العليا والدنيا صاحبة الغالب وعدوة المغلوب والصبر باب العز والجزع بابا الذل ليس جمع خيراً من جمع ولكن جد خير من جد ولرب حيلة أزكى من قوة وكيد أسرع عياناً من جيش والأمل الخالب ولقدر الغالب والمرء الحازم من كيس دهره خالس) محملاً في بادله اقتصاده في دوله قدر ولم ينظر وبلى يخذل حذر من دهره ما لم ينزل به شرف همته بمحل النجم لم يرض من الزمان بأيسر خطة فلا تصحبوا التواني فإنه شر صاحب ولا ترضوا بالمنى فإنه مراتع العاجزين ولا تقروا على ضيم فإنه مصارع الأذلاء فقوموا قبل أن تمنعوا القيام. قال وهب: فأجابوه فسار إلى أرض بابل فافتتحها وقتل من كان بها من البوار حتى بلغ أرض أرمينية وافتتح أرض بني يافث، ثم أراد أن يعبر نهر الأردن يريد الشام فلم يستطع ذلك، فقيل له: إياها الملك ليس لك مجاز غير الرجوع في طريقك فبنى قنطرة سنجة وهي من أوابد الدنيا وجاز عليها إلى الشام، والشام اسم أعجمي من لغة حام وهو طيب تفسيره بالعربي فأخذ الشام إلى الدرب ولم يكن خلف الدرب أحد ثم نهض إلى المغرب فبلغ النيل فنزل عليه فدعا أهل مشورته، ثم قال: لهم إني رأيت أن أبني مصراً بين هذين البحرين يكون صلة بين المشرق والمغرب فإنه يلجأ إليه أهل المشرق والمغرب، قالوا له: نعم الرأي أيها الملك. فبنى المدينة وسميت مصر - كما قال لهم - وبنو حام بالمغرب سكنوا براري مصر فوصل إلى قمونية والقوط من ولد يافث بقمونية.

стр. 50

قال وهب: وإن عبد شمس كل من قتل من الأمم سبى ذراريهم وعيالاتهم، ولذلك سمى سبأ، وإن سبأ ولي على مصر ابنه بابليون وإليه تنسب مصر لملكه عليها ثم انصرف سبأ عبد شمس يريد مكة فسار بالعساكر على الشام وأوصى ابنه بابليون وأنشأ يقول: ألا قل لبابليون والقول حكمة ... ملكت زمام الشرق والغرب فأجمل وخذ لبني حام من الأمر وسطه ... فإن صدفوا يوماً عن الحق فاقتل وإن جنحوا بالقول للرفق طاعة ... يريدون وجه الحق والعدل فاعدل ولا تظهرن الرأي في الناس يجتروا ... عليك به واجعله ضربة فيصل ولا تأخذن المال من غير وجهه ... فإنك أن تأخذه بالرفق تسهل ولا تتلفن المال في غير حقه ... وإن جاء ما لابد منه فابذل وداو ذوي الأحقاد بالسيف إنه ... متى يلق منك السيف ذو الحقد يعقل وخذ لذوي الإحسان ليناً وشدة ... ولا تك جباراً عليهم وأمهل وكن لسؤال الناس غيثاً ورحمة ... ومن يك ذا عرف من الناس يسأل وإياك والسفر الغريب فانه ... سيثني بما توليه في كل منهل قال وهب: ورجع سبأ إلى اليمن فبنى السد الذي ذكر الله في كتابه وهو سد فيه سبعون نهراً ويقبل إليه السيل من مسيرة ثلاثة أشهر وإن سبأ لما أسس قواعد السد لم يتم له بناؤه حتى نزل به الموت وكان عمره خمسمائة عام وسبعين عاماًُ وكان ملكه خمسمائة عام فدعا بحمير وكهلان ابنيه. وكان لسبأ عدد عظيم من ولده غير إنه لم يكن له من ينقل ملكه إليه إلا إلى حمير وكهلان، وانه لما مات سبأ صار الملك بعده إلى ابنه (حمير) وقال ابنه حمير يرثي أباه سبأ وهب أول مرثية في العرب فأنشأ يقول:

стр. 51

عجبت ليومك ماذا فعل ... وسلطان عزك كيف انتقل فأسلمت ملكك لا طائعاً ... وسلمت للأمر لما نزل فيومك يوم وجيع العزاء ... ورزؤك في الدهر رزء جلل فلا تبعدن فكل امرئ ... سيدركه بالمنون الأجل لأن صحبتك بنات الزمان ... وبدت يد الدهر أوجه الأمل لقد كنت بالملك ذا قوة ... لك الدهر بالعزعان وجل بلغت من الملك أعلى المنى ... نقلت وعزك لم ينتقل فطحطحت في الشرق آفاقه ... وجبت من الغرب حرب الدول جريت مع الدهر إطلاقه ... فنلت من الملك ما لم ينل وحملت عزمك ثقل الأمور ... فقام بها جازماً واستقل فأبقيت ملكك بالخافقات ... وليس لرأيك فيها زلل له قدم بمحل العلا ... فزلت بك النعل عنه فزل فسام لك العيش عيب الهوى ... شربت بذلك نهلا وعل صحبت الدهور فأفنيتها ... وما شاء سيفك فيها فعل بنيت قصوراً كمثل الجبال ... ذهبت لم يبق إلا الظلل وجردت للدهر سيف الفنا ... تطاير عن جانبيه القلل نعمنا بأيامك الصالحات ... شبنا بسجلك وبلا وطل تؤمل في الدهر أقصى المنى ... ولم ندر بالأمر حتى نزل فزالت لفقدك شم الجبال ... ولم يك حزنك فيها هبل كأن الذي قد مضى لم يكن ... وفقدك بعد الفناء لم يزل وللدهر صرف يريد الردى ... فصرح عن قيل ما لم يقل نهار وليل به مسرعان ... فهذا مقيم وهذا رحل يسومان بالخسف ما يبديان ... أطاعا لما شاء فينا لال

стр. 52

فيا عبد شمس بلغت المدى ... وشيدت مجداً فلم يمتثل وشيدت ذخراً لدار البقاء ... فلما أفلت إليها أفل فلم يبق من ذاك إلا التقى ... وذاك لعمري أبقى العمل فأحكمت من هود المحكمات ... وآمنت من قبله بالرسل وأحرمت فأهللت حتى إذا ... أناف الهلال بها واستهل رحلت وزادك خير التقى ... وقوضت * * عن حرميها بحل ملك حمير قال وهب: وولي حمير بن سبأ فجمع الملك الجيوش وسار يطأ الأمم ويدوس الأرضين، وأمعن في المشرق حتى أبعد يأجوج ومأجوج إلى مطلع الشمس وبقي قبائل ومن ولد يافث تحت يده، وهم: الترك والزط والكرد والصعد والخزر والقذر والذيلم وفرغان. ثم قفل نحو المغرب كما فعل أبوه سبأ، فسار حتى نزل بمكة فآتاه قبائل من اليمن من بني هود يشكون إليه ثمود بن عابر بن ارم وما نزل بهم منه من الخسف والظلم وآتاه رسول أخيه بابليون من مصر يستدعيه لنصرته على بني حام، وذلك لما بلغ بني حام موت سبأ بن يشجب، عتوا على بابليون بمصر وكان بالشام قبائل من ولد كنعان ابن حام، وهم: بنو ماريع بن كنعان، وكان نزول الحبشة بني كوش بن حام على النيل إلى برية الرمل، فتداعوا على مصر يريدون خرابها فرجع حمير إلى اليمن وأخرج ثموداً من اليمن فأنزل أبة من أرض الحجاز فعمروها

стр. 53

من آيلة إلى ذات الاصاد إلى أطراف جبل نجد وذات الاصاد نهر من أنهار الحجاز وهو يجري في صفا أملس يرده الحافر ولا يرده الخف تزلق فيه فقطعت فيه ثمود الصخر لطرق الإبل لمراعيها ونحتوا في جباله البيوت سترة من حر الشمس في الحجاز. قال الله تعالى: ﴿وثمود الذين جابوا الصخر بالواد﴾ وقال: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين﴾. وفي ذات الاصاد كان السبق بيت قيس بن زهير العبسي وحذيفة بن بدر الفزاري وفيه حبس فرس زهير داحس فقال في ذلك قيس شعراً: كما لاقيت من حمل بن بدر ... وأخوته على ذات الاصاد هم فخروا على بغير فخر ... وردوا دون غايته جوادي وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له بداهية نآد فأنى الصقر منطلق كريم ... وسوف أريك من طعن الطراد أقاتل ما أقاتل ثم آوى ... إلى جار كجار أبي دواد مقيماً وسط عكرمة بن قيس ... وهوب للطرائف والتلاد كفاني ما أخاف أبو بلال ... ربيعة فانتهت عني الأعادي قال وهب: ونزل حمير بدمشق فقاتل بني ماريع حتى غليهم وأجرى عليهم الخراج، ثم مضى إلى الحبشة فلقيهم بالقيس والبهشة فهزمهم على النيل فتبعهم حتى بلغ بهم إلى البحر المحيط من المغرب فأذعنوا وأجرى عليهم إتاوة يؤدونها كل عام. فدرب الحبشة في غربي الأرض سبعة أشهر في سبعة أشهر، ثم رجع عنهم على النيل إلى مصر فتزود من مصر، ثم مضى في المغرب حتى بلغ إلى البحر المحيط ثم أجرى على القبط الخراج.

стр. 54

قال وهب: ولما توجه حمير إلى المغرب أقام في المغرب مائة عام يبني المدن ويتخذ المصانع، فمات بعده أخوه بابليون بمصر، وولي أمر المغرب امرؤ القيس بن بابليون وتكبرت عليه ثمود وطغوا على بني كنعان بالشام وعلى جميع من جاورهم، فأرسل إليهم صالح نبياً وهو صالح بن عويم بن ساهر بن هميسع بن همر بن عميل بن عابر فدعاهم إلى الله فعصوه وسألت أن يخرج لهم آية؟ - كما سألت عاد هوداً - فقال لهم صالح: ما هذه الآية يا قوم؟ قالوا له: اخرج لنا من هذه الصخرة ناقة. فدعا الله فأخرج لهم، فكانت تشرب الماء من نهر الاصاد ذات يوماً وهم يشربون يوماً، فأبوا أن يؤمنوا بعد الآية، ثم ائتمروا بها ليعقروها فمشى إليها قدار سالف فعقرها فأرسل الله عليهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين. قال وهب: وإن حمير قفل من أرض المغرب راجعاً وكان يكتب بالمسند في جميع سلاحه من الحديد. وفي الأجيال إذا مر عليها فأكثر من ذلك فرأى في منامه كأن آتياً آتاه فقال له: اتق الله يا حمير. قال له: ومالي؟ قال: تكتب هذا الخط المسند الكريم على الله على الحديد والحجر والعود يدرس وتعلوه النجاسات والله كرمه واصطفاه وأدخره للفرقان يأتي به محمد ﵌ في آخر الزمان فصنه وأحفظه فإن الله ﵎ اصطفاه للقرآن أكرم الكتب إلى الله واللسان العربي سيد الألسن وللجنة خير خلق الله ولمحمد خير البشر ولكن استخدم هذا الخط أنت وولدك فإن لكم به على الخلق فضيلة إلى مبعث محمد ﵌ ومر بنيك من بعدك بحفظ هذا الخط، ثم ارتفع. فلما أصبح دعا بنيه فقال: يا بني إنه كان من

стр. 55

أمري ما كذا وكذا، قالوا له: هل رأيت شيئاً؟ قال: لا. قال له وائل ابنه: سترى يا أبت أن الله كريم لا يمنعك شيئاً إلا جعل لك منه عوضاً. فلما نام الليلة الثانية آتاه آت فقال له: اقرأ يا حمير! قال له: وما أقرأ فنظر إلى جبينه فإذا عليه خط مكتوب قال له حمير: اقرن هذا بخط أبيك المسند من الأول إلى آخره هذا الخط فقرأ حمير وردده حتى فهمه. فلما أصبح دعا بنيه وكتبه وهو هذا. ثم قال له: يا حمير استخدم هذا ولا تستخدم المسند فإنه وديعة عندكم إلى وقته وإنما قيل له المسند أسند إلى هود عن جبريل. قال وهب: وإن حمير ملك الأرض ومن عليها حتى لم يبق منها مكان كما ملكها أبوه سبأ وكان عمر حمير أربع مائة عام وخمسة وأربعين عاماً أقام في الملك أربع مائة عام، فلما جاوز مائة قال: ملكت من عدد السنين هنيدة ... ذا الملك عمرك زينة الأيام وأرى السباب يميل في لهو الصبي ... ومع الشباب غواية الأيام فلما بلغ مائتين قال: سأميت عن مائتين ملكاً باذخاً ... والعمر لا يبقى مع الأعوام قالوا لحمير مدة محجوبة ... والغيب لا يخفى على العلاَّم فلما بلغ ثلاثمائة قال: لما ركبت من المأين ثلاثة ... كان الذي أمضيت كالأحلام والعمر يدأب والمشيب كلاهما ... يتسابقان إلى محل حمام

стр. 56

فلما بلغ أربع مائة قال: بدلت من ذي أربع ملكتها ... عوضاً من الأيام بالأسقام هيهات ما حكم الخلود وقد أبى ... من أن أخلد حاكم الحكام فلما بلغ أربع مائة سنة وخمساً وأربعين سنة واتاه وقته وأيقن بالموت، دعا بنيه ثم قال لهم: يا بني لم تصحبوني على عهد أن لا أموت بل كنتم تنتظرونه في صباحاً وانتظره فيكم مساء فقد حل ما كنتم تنتظرون وقد أزف الوقت الذي ترقبون وأمري لك يا وائل، ثم أنشأ يقول: يا من رأى صرف الزمان مصوراً ... يغدو على الآباء والأعمام غدر الزمان بعهد ملكك فانقضى ... وبعبد شمس قبل ذاك وسام راميت دهرك بالمنى وخطوبه ... بالغدر دانية إليك روامي أزف الزمان على زمانك بغتة ... فغدوت مرتحلا بغير مرام يبكون أن مروا عليك قلما ... يغني البكاء على صوى الأعلام ولانت بعد حلوله مستيقظ ... من ضنك فاقرة لفضل مقام فلما مات حمير صار أمره وملكه إلى ابنه. وائل بن حمير ونزل قصر غمدان، وكان يعرب أسسه وجعل يبني فيه ثم غزا البيت فأصلح ما كان حوله من القبائل وأمر بنقش الخط الحميري في قصر غمدان، وقال في نقش الخط الحميري عمرو بن معد يكرب.

стр. 57

ورثنا حصوناً شتت الدهر أهلها ... أولي العز قدماً والحلوم الرواجح كأن خطوطها فوقها حميرية ... تهاويل وشي في متون الصفائح قال وهب: وكان يقال لحمير العرنجج، والعرنجج: العتيق، وكانت علته التي مات منها الغم، فقال: يا بني إني لأجد ثقل الثرى وغم الضريح ولكن اجعلوا لي نفقاً في هذا الجبل، جبل عنفر، ثم أجلسوني فيه ففعل به ذلك ابنه وائل بن حمير، فحمير أول من جعل في مغارة، وإن وائلاً جعل مع حمير في تلك المغارة جميع لأمته غيره وأنفة أن لا يلبسها بعده أحد من الناس وكتب في لوح من رخام هذا الشعر وعلقه فوق رأسه: عبر العرنجج مدة من دهره ... بعد الإقامة والأسى لمن يعبر واراش دهر لا تطيش سهامه ... ورمى فأثبت في العلا من حمير قبر الندى والجود عند محله ... والشخص باد فيهم لم يُقبر ماتت لميتته المعالي جملة ... والعز أصبح ثاوياً في عنفر ملك وائل بن حمير قال وهب: وإن الله لما أراد في سابق علمه إنه لما ولي الملك وائل بن حمير نافسه أخوه مالك بن حمير ودافعه حيناً، فتغلب على أطراف اليمن ملوك عدة وعلى أرض بابل حسان بن حراش بن عمل بن عابر وعلى الشام ملوك أخر. فلم يزل وائل يحارب أخاه ملكاً حتى مات مالك وولي أمره بعده

стр. 58

قضاعة بن مالك، ومات بعده أخوه وائل بن حمير، وولي بعده السكسك ابن وائل. ملك السكسك بن وائل كان السكسك حازماً جلداً وكان له مقعقع العمد وكان إذا غلب على من ناوأه هدم بناءه وغير آثاره بالنار وهو أول من حرق بالنار وخرب المدن فسمي مقعقع العمد. وإن سكسكاً زاحف قضاعة بن مالك فغلب عليه وصار إليه ملكه. فجمع الملك، فلما اجتمع لسكسك الملك كله باليمن أنشأ يقول: سأركب قطعاً للقرين وإن أبي ... لي العزم في هذا الشقيق المجرب واقطع حبل الوصل بالسيف كارهاً ... وأركب أمراً للردى ليس يركب أألبس ثوب الذل والموت دونه ... أم اقطع قوماً قربهم لي مشغب عصيت به قول النصيح وإنما ... ألاقي لفقد الملك من ذاك أعجب سألقي المنايا السود بالبيض ضحوة ... وأقرع وجه الدهر والدهر مغضب وأبذل نفسي للمكاره طائعاً ... إذا ما جبان القوم بالسيف يغصب إذا الموت عند الجمع كالصاب طعمه ... يطيب لها عند الهياج ويعذب إذا البيض من قاني الدماء كأنها ... عليها خطوط الحميرية تكتب قال وهب: فغلب على الشام فلقيه عمرو بن امرئ القيس بن بابليون ابن سبأ من أرض مصر بالرملة يهديه فقبل منه هداياه وأقره على مصر والمغرب ورجع إلى غزو أرض بابل يريد نمرود بن ماش، فلما نزل بحنو قراقر من أرض العراق اعتل فمات فحملوه ورجعوا به قافلين إلى اليمن وافترق ملك اليمن على ملوك شتى، وولي ابنه يعفر بن السكسك بعده في مكانه وافترق أمر اليمن للذي أراد الله وإن نمرود بن ماش جمع جموعاً

стр. 59

ليقاتل بها السكسك بن وائل، فلما مات السكسك رجع جمعه إلى اليمن زاده ذلك جرأة واستكباراً في الأرض فطغى ونمرود بن ماش أول أعجمي متوج. ملك يعفر بن السكسك قال وهب: ولما ولي يعفر بن السكسك زاحف ملوكاً من أهل اليمن كان عمره يسيراً فمات ومرج آمر حمير وافترقوا على ملوك شتى. قال وهب: وكان يعفر بن السكسك رجلاً سقيماً لم يكن يلي لزحوف بنفسه فكان يدخل عليه في عمالاته النقص ولم يكن له ولد فلما انقضت مدته وحان وقته وأيقن الموت أخذ تاجه وهو تاج جده وائل لن حمير فقال لقومه: يا قوم هذا تاجكم فخذوه فأخذ قومه التاج ووضعوه على بطن امرأة يعفر وهي مثقلة وملكوا ما في بطنها فولدت غلاماً فسموه النعمان فكان النعمان ملكاً في بطن أمه. قال وهب: كانت أم وائل ومالك وعوف بني حمير مالكة ابنة عميم ابن زهران بن يشجب بن يعرب، وكان وائب بن حمير حين ولي الملك يعد أبيه حمير ولي أخويه مالكاً وعوفاً فنافساه في الملك، فغلب على مالك أخيه فعزله وأذعن له عوف فأقره على عمان والبحرين، فعظم أمره وشأنه بعد أخيه وائل حتى ولي السكسك بن وائل الملك فدان له عوف. ومات النعمان فولي أمره باران بن عوف بن حمير، فلما هلك السكسك بن وائل بن حمير وولي بعده ابنه يعفر بن سكسك نابذه باران العداوة وراجعه وأخذ الهنبيق

стр. 60

والأحقاف، وكان يعفر رجلاً سقيماً ولم يكن يغزو فانتقص ملكه وعظم ملك باران بن عوف بن حمير، ثم مات فولي الأمر بعده ابنه عامر ذو رياش فزحف إلى غمدان وأخذه وأخذ صنعاء وما والاها فغيب نفسه النعمان بن يعفر بن سكسك في مغارة في جبل عنفر ومعه أمه نائلة بنت مالك بن الحاف ابن قضاعة بن مالك بن حمير. عامر ذو رياش أول الاذواء ولم يكن تبعا، قال وهب: فطلب عامر ذو رياش النعمان بن يعفر فلم يقدر عليه ولم يجد له مكاناً فجمع كل منجم كان بأرض اليمن وكل عائف وزاجر فقال لهم: ما الذي طلبت وقد فرقهم فجعل أهل النجم ناحية وأهل العيافة ناحية وأهل الزجر ناحية فنظروا فلم يجدوا شيئاً غاب عنهم أمره إلى أن قام إليه عائف فقال له: أيها الملك إن الذي تسال عنه امرأة وصبي. قال له الملك: لله درك من أين قلت ذلك. قال له العائف: أما ترى الجنازة التي مروا علي بها سألتهم عنها فقيل: إنها رجل فنظرت فإذا يده على صدره كأنه يقول: أنا الرجل والذي تسأل عنه صبي وامرأة ثم رجع إلى مكانه فنظر إلى صبي يقفوا أثر الميت والجنازة باكياً فرجع إلى الملك فقال: إنه صبي باك حقق ذلك العلم، ثم رجع فنظر إلى الصبي يتبع الجنازة حتى أدخلت مغارة ودخل الصبي في أثرها. فرجع إلى الملك فقال له: إن الذي تسأل عنه صبي حي غيب في مغارة في هذا الجبل فأمر العساكر فطافت بالجبل يتجسسون المغارات في

стр. 61

الجبل ويقفون الآثار حتى دخلوا المغارة التي فيها النعمان وأمه فأخذوهما وأتوا بهما إلى عامر ذي رياش فأخذهما ورجع فنزل قصر غمدان ولم يكن ينزل قصر غمدان إلا الملك الأعظم ولا ينزله إلا من استحق عندهم اسم تبع من ملوك حمير وحبس النعمان وأمه عنده في قصر غمدان، فلم يزل النعمان محبوساً فماتت أمه وشب الصبي واحتلم. فبينما النعمان ليلة من ذلك الزمان مع الحرس الذين كانوا يحرسونه وكانوا عشرة وفيهم رجل يقال له همدان بن الوليد بن عاد الأصغر بن قحطان، وكان يخدم السكسك جد النعمان، وكان يرق له سراً وكان أغلط الحرس في العلان فبينما النعمان في الحرس جالس إذ طلع القمر وقد خسف فبكى النعمان لما رأى القمر خاسفاً وقالوا له: مال الذي يبكيك؟ قال: أبكاني تقلب الدهر بأهله لن ينجو من غدر هذه الدنيا وعثراتها شيء في الأرض ولا في السماء. فلما كان في الليلة الثانية طلع القمر مشرقاً زاهراً فضحك النعمان فقالوا له: ما الذي أضحكك؟ قال لهم: لعل الذي أبكى يضحك، ثم قال لهم: أرى هذا الدهر يقيل واحداً عثرته فيدرك أمله وآخر يمضي عليه فيستريح وأنا كما ترون لا يمضي علي فأستريح ولا يقيلني عثرتي فأبلغ أملي، وكان همدان بن الوليد رجلاً عاقلاً قد استمال إليه الحرس بعقله ولطفه يصرفهم كيف ساء، فقال لهم: إن في الكلام راحة تريدون أن أجيب عنكم النعمان؟ قالوا: نعم. فقال همدان: يا نعمان لعل أملك أقرب من أجلك، ثم نظر همدان إلى من حوله وتصحف وجوههم ليرى من يرضى قوله ومن يسخطه، فقالوا له: رضينا قولك يا همدان - فنظر النعمان إلى القمر في الليلة الثالثة وهو مشرق زاهر فأنشأ يقول: اربد وجهك بعد حشن ضيائه ... وخسفت بعد النور والإشراق هل كان هذا الشأن منك سجية ... أم خان عهدك غادر الميثاق

стр. 62

واراك بعد محلة مذمومة ... أمسيت مشرقاً على الآفاق علَّ الذي أنشأ سناك بقدرة ... من بعد مهلكة يريح وثاقي إن الزمان بصرفه متقلب ... بين الورى كتقلب الأخلاق قال وهب: وإن همدان قال للذين معه ويلكم أن ذا رياش نكد جبار لن يرحم قريباً ولا بعيداً ولن تروا معه راحة ولكن قدموا في النعمان يداً فإن أدرك أمله ووفى لكم أفدتم وإن لم يكن هذا كنتم قد وفيتم لسلفه فأجابوه فقال لهم: يأتي كل رجل منكم غدا بجديدة ففعلوا ووضع النقب في وسط المجلس حتى خرجوا من خارج القصر وكان ذلك وقت رجوع ذي رياش إلى عمان خالفه إليها مالك بن الحاف بن قضاعة فأخرجوا النعمان من ذلك السرداب ليلاً وإن النعمان كان يرسل في وجوه بني وائل بن حمير وبني مالك ابن حمير وسائر بني قحطان، فأجابوه إلى القيام على ذي رياش. فجمع حمير ثم سار يريد ذا رياش وإن إذ رياش لقي مالك بن الحاف فهزمه ذو رياش - ومر مالك على وجهه يريد أرض برهوت قال طلبة لحق بأرض الحبشة ولما بلغ ذا رياش ومن معه من أهل صنعاء وأهل العالية والهنبيق خروج النعمان بن يعفر في ديارهم وطوع الناس له فارقوا عسكر ذي رياش هاربين إلى ديارهم وذراريهم، ثم خرج عنه من كان معه من بني وائل بن حمير وهم: أعد حمير وتبعهم مالك بن حمير، فلما رأى ذو رياش أن جمعه قد افترق أكثره عنه وصار إلى النعمان جميع من معه، سار يريد حرم مكة عائذاً به. وسار النعمان في أثره فلقيه بالمشلل فقاتله فهزمه النعمان وأخذه أسيراً. وسار النعمان إلى مكة فأوفى نذره ورجع إلى غمدان بذي رياش أسيراً ثم أن

стр. 63

النعمان دعا همدان فقال له: هذا الملك لك ولأصحابك فما رأيك في ذي رياش؟ قال له همدان: حبس بحبس لا عدوان فقبل منه وأحسن إليه وإلى أصحابه وأنشأ يقول: إذا أنت عافرت الأمور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين الأقاول فأما حمام النفس تلقاه عاجلاً ... وأما تراث الملك عن ملك وائل فهل يدفع النعمان أمراً يريده ... وهل يتقي شر الذي غير نازل إذا لم يكن بد من الموت حتمة ... فما تغن عني خافقات الجحافل إذا لم يكن للمرء بد من التي ... تبذ الأماني عاجلاً أو بآجل ويصبح في الأهلين يوماً جنازة ... ويلحق حتماً بالقرون الأوائل علام يداري الدهر والدهر جائر ... ويرضى بظلم من يد المتطاول ولكن نباني الملك في درج العلا ... كنجم اعوجاج من فنا الملك وائل يفوز سعيداً أو يلاقي منية ... ويمسي على الدنيا بعيد المناهل فما المرء للأيام تخلق نفسه ... وهل كانت إلا حيضة للقوابل ألا أيها الراضي بأيسر خطة ... صبرت على خسف من الذل نازل قيامك في الدنيا حياة لأهلها ... وصبرك عنها * غير طائل إذا لم يكن للمرء عزم يزينه ... ولب يرى عيب القوي المخاتل له سطوة تكسو العزيز مذلة ... وتهدي حتوفاً للنساء الحوامل له علل تعلو النجوم وسطوة ... تصم فيخشى طرقها كل جاهل وللموت خير من لباسك ذلة ... تجاذب مأسوراً صليل السلاسل محلاً يراه الزائرون شماتة ... هواناً لمقدام العشيرة باسل

стр. 64

ملك المعافر بن يعفر قال وهب: كانت حمير إذا لقي بعضها بعضاً يقولون: ما حال اليتيم يريدون بذلك النعمان بن يعفر فيقول بعضهم لبعض: أصبح اليتيم معافراً للملك وذلك لبيت قاله وهو: إذا أنت عافرت الأمور بقدرة ... بلغت معالي الأقدمين المقاول قال وهب: فسمى بذلك المعافر بن يعفر بن سكسك بن وائل بن حمير. قال وهب: وإن المعافر بن يعفر سار يريد أرض بابا ولم يكن للتبابعة ملك أرض بابل هي من الأرض وينبوع الناس فسار النعمان وهو المعافر راجعاً وسار بذي رياش معه لئلا يفتق عليه من بعده فتقاً، فسار النعمان حتى أخذا أرض بابل توجه يريد خراسان حتى بلغ صحراء بر فنظر عامر ذو رياش إلى أفعى رقشاء قد خرجت إليه من تحت فرشه فمد يده فأخذ ذنبها والحرس ينظرون إليه فحركه فعركه حتى حميت وتلمظت وهم لا يدرون ما يريد ثم نصب ذراعيه ولدغته فمات مكانه وأعلموا بذلك النعمان فقال: سابقته في ميدان الموت فسبقني، أما والله لو كنت أصبت مثل هذا لأرحت نفسي منه به واروه، ثم مضى يأخذ البلدان ويتأدى إليه الخراج حتى أتى الفرات فعبره إلى أرمينية فأخذها وقتل من عانده من ملوكها ووجد فيها لوكاً شتى. ثم مضى فعبر قنطرة سنجة إلى أرض الشام فأباح من وجد فيها من الملوك، ثم قفل إلى البلد الحرام راجعاً فنزل بمكة فأصاب بها نفيلة بن مضاض الجرهمي وجرهم من قحطان وكان بها ملكاً بعد موت نابت بن إسماعيل فقدم بالبيت قدار بن إسماعيل وأمر نفيل بن مضاض بقصد مكة ورجع

стр. 65

إلى غمدان ومات بها فكان عمره في الملك ثلاثمائة سنة. قال وهب: وإن النعمان وهو المعافر بن يعفر مات فقال لبنيه وقومه: لا تضجعوني فينضجع ملككم ولكن ادفنوني قائماً فلا يزال ملككم قائماً. قال أبو محمد: قال أسد بن موسى عن أبي إدريس إن في خلافة سليمان ابن عبد الملك بن مروان فتحت مغارة في اليمن فأصابوا فيها جوهراً كثيراً وذهباً وسلاحاً ووجدوا فيها مالاً جسيماً ووجدوا فيها سارية من رخام قائمة ختم رأسها بالرصاص فاعلم بذلك سليمان بن عبد الملك فأمر بقلع ذلك الرصاص فأصابوا في السارية شيخاً واقفاً وعلى رأسه لوح من ذهب فيه بالحميرية: أنا المعافر بن يعفر بن مضر ... نسبي إلى ذي يمن مقر أسمو بحر مضري حر ... من فتن بالبائع المحفز باسق فرع وصميم سر قال أبو محمد: لقيت الليث بن سعد وهو من أهل مصر وولاة المعافر، وذلك أن عمرو بن العاص افتتح بعسكر معافر في سبعين ألفاً لم يكن معهم أحد غيرهم خلا كلب في ألف رجل وبهرة في ألف رجل ومهرة في ألف رجل فزعم الليث أن الشعر منحول وذلك فعل بني أمية ينتصرون بهم لمضر. قال وهب: حدثني كعب الأحبار قال سمعت أهل الكتب الأول والأخبار المتقدمون يقولون أن حمير في الأرض كالسراج المضيء في الليلة وإن الناس ليريدون هكذا وخفض يده ويريد الله بهم هذا: ورفع يده.

стр. 66

ملك شداد بن عاد قال وهب: ثم استجمع أمر حمير وبني قحطان على شداد بن عاد ملطاط بن جشم بن عبد شمس بن وائل بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان. قال وهب: لما ولي (شداد بن عاد) الملك جمع الجنود وكان امرءاً حازماً فسار يدوس الأرض وبلغ أرمينية الكبرى فقتل فيها كل ثائر بها ثم عبر الفرات إلى المشرق فبلغ أقصاها لا أحد يقف له إلا هلك، ثم مضى على ساحل سمرقند إلى أرض التبت، ثم عطف على أرمينية فأمعن، ثم جاز إلى الشام وبلغ إلى المغرب فأكثر الآثار في المغرب حتى بلغ البحر المحيط يبني المدن ويتخذ المصانع فأقام في المغرب مائتي عام، ثم قفل إلى المشرق فأنف أن يدخل غمدان ومضى إلى مأرب فبنى به القصر العتيق الذي يسميه بعض الرواة (ارم بن العماد) فلم يدع باليمن دراً ولا جوهراً ولا عقيقاً ولا جزعاً ولا بأرض بابل وأرسل في الآفاق بجمع ذلك جواهر الدنيا من الذهب والفضة والحديد والقصدير والنحاس والرصاص، فبنى فيه وزخرفه ورصعه بجميع ذلك الجواهر وجعل أرضه رخاماً أبيض وأحمر وغير ذلك من الألوان وجعل تحتها أسراباً فاض إليها ماء السد فكان قصراً لم يبن في الدنيا مثله ثم مات شداد بن عاد بعد أن عمر خمسمائة عام فنقبت له مغارة في جبل شمام ودفن بها وجعل فيها جميع أمواله. قصة المغارة التي فيها شداد بن عاد والصعاليك الثلاثة حين دخلوها وما جرى عليهم

стр. 67

قال وهب: قال أبو محمد عبد الملك بن هشام، حدثنا زياد بن عبد الملك البكائي عن محمد بن إسحاق المطلبي عن عبيد بن شرية الجرهمي قال: حدثنا شيخ من أهل اليمن بصنعاء عام الردة وكان معمراً عالماً بملوك حمير وأمورها قال لنا: كان باليمن رجل من عاد بن قحطان وهو عاد الأصغر وأما عاد الأكبر فلم يبق منهم أحد. قال الله تعالى: ﴿فهل ترى لهم من باقية﴾ وإن هذا الرجل العادي كان يقال له الهميسع بن بكر وكان جسوراً لا يهاب أمراً وكان يعرف بذلك، وكانت الصعاليك تقصده من آفاق الأرض، وكان أكثر طلبه المغارات يطلبها في جبال اليمن وعمان والبحرين وأنه آتاه رجل فاتك من عبس وآخر من خزاعة وكانا صعلوكين جسورين فقالا له: يا هميسع احملنا من أمرك على ما تريده فانا نبلغ مرادك، فمضى معهما الهمسيع حتى أتى بهما جبلاً وعليه غابة فيها ثعابين لا ترام الهميسع أمام الصعلوكين قد أتى الجبل مراراً وحده وكان إذا عاين الثعابين يجزع فيرجع فلما آتاه الصعلوكان جسر بهما وقال: الق رأسك بين اثنين ولو غم إلى الأذنين ثم أخذ سيفه وزناده ومشاعله وزاده وسار بهما حتى وصل إلى الجبل ولم يزل يترايا لهم الثعابين وتهرب حتى بلغ باب كهف عظيم وكأن الجبال على أكتافهم عظماً وثقلاً، ودخلت قلوبهم وحشة عظيمة وسمعوا من داخل الكهف دوياً عظيماً وخيمنة وعلى بابا الكهف نقش بالحميري فقالا له: اقرأ يا ميسع فقرأه فإذا هو مكتوب هذين البيتين: لا يدخل البيت إلا ذو مخاطرة ... أو جاهل بدخول الكهف مغرور إن الذي عنده الآجال حاضرة ... موكل بالذي يغشاه مأمور فغاب الخوف والجزع على الخزاعي في أول أمره ثم أن الجزع أيضاً على العبسي فاستدرك نفسه العبسي وثبت فقال الخزاعي: يا هميسع قد عاش في الدنيا كثير ممن لم تبلغ نفسه هذا المبلغ - ثم ولى العبسي عن صاحبه

стр. 68

هارباً. فقال الهميسع: نمضي في هذا الكهف أم لا؟ فقال له: نعم. فسارا في الكهف حيناً، فإذا حيات يصفرن عن يمين وشمال ورياح تجري عليهما من داخل الكهف، وسمعا دوياً من داخل الكهف، فقال العبسي: لقد حملت نفسك على مكروه يا هميسع أعلى يقين أنت من هذا الكهف؟ فقال له الهميسع: ما تيقنت إلا ما رأته عيني، والرجاء فقال له: افعلي شك أنت هارش الثعابين وأبيع مهجتي ببخس يا هميسع لقد بعت نفسك من دهرك أبخس ثمن وهميسع في ذلك لا يلوي إلى كلامه وهو يسير داخل الكهف حتى وقف به على بابا آخر أعظم من الباب الأول وأهول وأشد وحشة وزاد عليهم الدوى والحسيس والهينمة وعلى ذلك الباب بالخط الحميري. فقال له العبسي: اقرأ يا ميسع! فقرأه فإذا هو: انظر لرحلك لا يساق فإنه ... حتم الحمام إلى العرين يساق يا ساكني جبلي شمام لعله ... يوفي بما أجنبتما الميثاق قوموا إلى الإنسي أن محله ... يدعو إلى يوم الفراق فراق قال: فولى العبسي هارباً عنه وناداه الهميسع فلم يلتفت إليه، وولى وهو يوقل: قاتل الله أخا عاد ما أجسره! قال: فهم الهميسع أن يفر ثم حمل نفسه على الأصعب ومضى حتى بلغ إلى باب هو أعظم هولاً وأشد وحشة وعليه نقش بالقلم الحميري فقرأه الهميسع فإذا فيه مكتوب: قد كان فيما قد مضى واعظ ... لنفسك البينة المسمعه إن جهل الجاهل ما قد آتى ... وكان حيناً قلبه في دعه فدخل الباب الثالث فسمع دوياً عظيماً كالرعد وهده عظيماً، فبينما

стр. 69

هو كذلك إذ برز إليه تنين أحمر العينين فاتح فاه فلما رآه الهمسيع رجع هارباً إلى خلفه، فسكن حس التيني فوقف العادي وقال في نفسه: قدر رآني ولو كان حيواناً لم يدعني وما هو إلا طلسم فرجع له ثانية حتى ظهر له، فسار نحوه فسمع له دوياً عظيماً فهرب فأقبل يسمع الدوى فإذا هو في رجوع التنين كما قاله في إدباره فعلم إنه طلسم فأخذ حذره من صدمته وأقبل يمشي قليلاً قليلا ويخفف وطأ قدميه حتى وضع قدمه في موضع فتحرك التنين ودوى، فأخذ قدوماً كان معه فحفر على الموضع حتى ظهرت له سلاسل على بكرات. فأجنه الليل فأسرع الخروج من الكهف وجمع حطباً من الغيضة وأضرمها ناراً وبات عند بابا الكهف، فلما غشيه ظلام الليل سمع بكاء وحنيناً داخل الكهف فلم يزل ينظر ويرتقب وينظر حتى نظر إلى نار عظيمة خارجة إليه من داخل الكهف، فلما رآها لم يبرح من موضعه حتى غشيته فصبر لها فلم تؤلم فيه شيئاً ثم أتته أخرى ثانية أكبر من الأولى فصبر لها كذلك، فلما مالت عنه أخذ مقياس النيران التي أضرمها وأقبل يضرب بها حيطان الكهف يميناً وشمالاً حتى سمع نداء من داخل الكهف يهتف: يا هميسع لا حاجة لنا في دخولك. فأقام حتى أصبح فدخل باب الكهف إلى أن وصل إلى البابا الذي رأى فيه التنين، ثم حفر على بقية حد التنين حتى قلعه وسقط التنين، فسار إليه فقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان حمراوان لا قيمة لهما، وسار حتى انتهى إلى بابا هو أعظم هولا وأشد وحشة فلما هم أن يفتحه سمع دوياً عظيماً وبدا له أسد عظيم فرجع أيضاً إلى خلفه فرجع عنه الأسد بدوي عظيم فحفر على موضع حركته كما صنع بالتنين حتى أبطل حركته وقلع عينيه فإذا هما ياقوتتان حمراوان لا قيمة لهما، ثم دخل الباب فإذا هو بدار عظيمة وفيها بيت في وسطه سرير من ذهب شيخ على رأسه لوح

стр. 70

من ذهب معلق وسقف البيت مرصع بأصناف اليواقيت وعلى رأسه في الحائط لوح من ذهب فيه مكتوب (أنا شداد بن عاد عشت خمس مائة عام وافتضضت فيها ألف بكر وقتلت ألف مبارز وركبت ألف جواد من عتاق الخيل) وتحته مكتوب: من ذاك يا شداد عاد أصبحت ... آماله مهزومة الأقدام يا من رآني إنني لك عبرة ... من بعد ملك الدهر والأعوام فكأنني ضيف ترحل مسرعاً ... وكأنني حلم من الأحلام احذر تصاريف الزمان وريبه ... لا تأمنن حوادث الأيام هلا يضرك من كلامي مرة ... يا ساكن الغيضات والآجام قال ثم ملت إلى الركن الذي عن يمينه فإذا هو سرير من ذهب وعليه جاريتان فوق رأسهما في الحائط لوح من ذهب أو قال من عاج فيه مكتوب (أنا حية وهذه لبة بنت شداد بن عاد أتت إلينا أزمان فيها الطارف والتليد على عبيدنا صاعاً من بربصاع من در فلم نجده - فمن رآنا فلا يثق بالزمان وليكن على بيان فإنه يحدث العز والهوان) - قال فأخذ الهميسع الألواح وما بالبيت من در وجوهر وياقوت وخرج. ملك لقمان بن عاد قال وهب: فلما مات شداد بن عاد صار الأمر إلى أخيه لقمان بن عاد وكان أعطى الله لقمان ما لم يعط غيره من الناس في زمانه أعطاه حاسة مائة رجل وكان طويلاً لا يقاربه أهل زمانه.

стр. 71

قال وهب: قال ابن عباس كان لقمان بن عاد بن الملطاط بن السكسك ابن وائل بن حمير نبياً غير مرسل. قال أبو محمد: لقيت عامة من العلماء يقولون أن لقمان وذا القرنين ودانيال أنبياء غير مرسلين وعامة يقولون عباد صالحين والله أعلم بذلك. قال وهب: لقمان بن عاد هو الذي سمته حمير الرايش لأنه كان متواضعاً لله لم يكن متوجاً. قال وهب: وكان لقمان بن عاد يدعو قبل كل صلاة ويقول: أللهم يا رب البحار الخضر ... والأرض ذات النبت بعد القطر أسألك عمرا فوق كل عمر فنودي قد أجيبت دعوتك وأعطيت سؤالك ولا سبيل إلى الخلود واختر إن شئت بقاء سبع بقرات عفر في جبل وعر ولا يمسهن ذغروان شئت بقاء سبع نوايات من تمر - مستودعات في صخر لا يمسهن ندى ولا قطر وإن شئت بقاء سبعة نسور كلما هلك نسر عقب بعده نسر. قال: فكان ذلك إنه اختار سبعة نسور. قال وهب: فيذكر إنه عاش ألفي سنة وأربعمائة سنة وهو صاحب لبد. قال وهب: وكان لقمان يأخذ فرخ النسر من وكره فيربيه حتى يموت وهو يطير مع النسور ويرجع إليه. قال وهب: وأعطى لقمان سؤله وأخوه شداد في ملكه وعاش معه

стр. 72

دهراً طويلاً وهو يدعو إلى الله، فلما مات شداد صار إليه الأمر فكان الناس يأتونه من أقاصي الأرض وأدانيها. قال وهب: وإن عاد الأصغر بن قحطان كانوا أهل غدر ومكر وختر لا يأمن فيهم ابن السبيل ولا يطمئن فيهم جار ولا ينزل فيهم غريب ولا يثق بهم معاهد، وكان فيهم قبيل يقال لهم: بنو كركر بن عاد بن قحطان فعاشوا بأقصى اليمن فحاربهم جميع قبائل عاد وأعانهم عليهم وناصرهم بنو غنم بن قحطان وبنو غانم بن قحطان وبنو ظالم بن قحطان فغلبوا بني كركر. فإنما رأى بنو كركر بن عاد ما صاروا إليه من الذل بعد العز ومن الضر والجهد بعد النعمة شكوا ضر ما نزل بهم إلى سيدهم وصاحب أمرهم السميدع بن زهير فقال لهم: يا بني كركر كنتم أهل غدر ومكر لا يثق بكم قريب ولا بعيد ولا يأمنكم بغيض ولا حبيب أقرضتم الدهر قرضاً فرده إليكم فلم ترضوه. قالوا له: قد علمنا أنا فتحنا على أنفسنا بابا الموت فدلنا على باب الحياة؟ قال لهم: أما ها هنا فلا ولكن سيروا بنا إلى هذا الملك الحميري لقمان بن عاد فإن عنده رشداً وسداداً وصلاحاً للعباد يدعو إلى الله وإلى أبواب البر ومن دعا إلى الله أمن من الأذية واطمأن من لجأ إليه وطاب له وجه أمره ورضي عاقبته. قالوا له: لك الأمر فخذ بنا حيث شئت، قال لهم: يا بني كركر قدمتوني إلى أمر جليل وإن الله لا يرضى من أفعالكم شيئاً وأنه رأى ما فعلتموه منكراً فغيره، وأنشأ يقول: من أضمر المكر وأبدى الغدرا ... يلقي مدى الأيام ضراً مر لم يدر ما سر وما قد ضرا ... يعذل فيما قد لقيه الدهرا ورحل بهم إلى لقمان بن عاد وقال: سيروا بني كركر في البلاد ... أني أرى الدهر إلى فساد

стр. 73

قد قام من حمير ذو الرشاد ... لقمانها فقد هداه الهادي يدعو لها النادي وأهل النادي ... من حمير السادة في العباد فغير المنكر بالسداد ... يا حبذا من رائد مرتاد دعو بني كركر كل عاد ... إلى مقام الفصل والميعاد فسار بهم السميدع إلى لقمان، وإن لقمان عرض عليهم الإيمان فآمنوا كلهم، فأنزلهم أرض العالية وتزوج منهم امرأة وهي سوداء بنت أمامة - وكانت جميلة - وكان لقمان غيوراً فأخذها فجعلها في كهف عظيم في رأس صخرة عالية لا يطيق أحد يطلع إليها إلا هو لطوله وتمامه، وكان يعبد الله في ذلك الكهف وكان له عيد يصلي بالناس فيه كل عام بالرجال والنساء فصلى ببني كركر وقد اجتمع النساء والرجال فبصر هميسع بن السميدع بن زهر إلى امرأة لقمان فهويها فقال: (معشر عاد والله إن لم تحتالوا لي حيلة أدرك فيها سوداء امرأة لقمان لأقتتلن لقمان ثم تأتي على آخركم حمير)، وكان جسوراً فتاكاً وعلموا أنهم إن لم يفعلوا ذلك يفعل ما قال، فاجمع أمر بني كركر على أن يحتالوا كيف يجمعون بينهما ولا يعلم كيف يجمعون بينهما ولا يعلم لقمان فقال رجل منهم - يقال له عامر بن مالك: أسأتم الجوار ونقضتم العهد فما أشبه أول أمركم بالآخر لا أمان بعد مكر ولا عذر بعد غدر ولا نقض بعد أصر، أطعتم غوياً عاهراً وعصيتم ناهياً آمراً أطعتم شيطانكم فكأني بكم وقد رمتكم العرب عن قوس واحدة فأحسن لقمان جواركم فكيف تخونونه في حريمه. فلم يلتفتوا إلى ما قال ومضوا فيما هم فيه من الحرام فقال عامر: أفي كل عام سنة تحدثونها ... ورأي على غير الطريقة تعبروا

стр. 74

وإن لعاد سنة من حياضها ... سنحيا عليها ما حيينا ونقبر وللموت خير من طريق تسبنا ... بهاجرهم فيما تسب وحمير قال: فضربه الهميسع بن السميدع بن زهير فقال: يا بني كركر أراد دماركم فاقتلوه فقتلوه ثم إنهم أتوا لقمان فقالوا له: إنا خشينا الحرب فيما بيننا، ولكن إن رأيت أن تحبس سلاحنا عندك في هذا الكهف فإن تنازعنا لم يكن لنا سلاح نسفك به دماً ولا نقطع به رحماً. قال: افعلوا فأخذوا السلاح فجعلوا في وسطه الهمسيع بن السميدع وستروه به من كل جانب وأعطوه لقمان فطلع به الكهف، فلما خرج لقمان تكلم همسيع إلى سوداء امرأة لقمان وقال لها: أنا همسيع بن السميدع، وأخرجته ونال منها وأطعمته وسقته ثم ردته في السلاح، فلم تزل تعمل معه إلى أن رقد معها على سرير لقمان ثم تنخم ورمى النخامة إلى سمك الكهف وقد التصقت النخامة في سمك الكهف ثم أن لقمان أتى وقد أعيا فألقى بنفسه على سريره ثم رمى بصره إلى سمك الكهف فرأى النخامة فقال لامرأته: من بصق هذه البصقة؟ قالت: أنا. قال: ابصقي فبصقت فلم تدرك. ثم قالت له: أنا جالسة حين بصقتها، قال لها: اجلسي فجلست فبصقت فلم تدرك، قالت له: واقفة كنت، قال لها: قفي، فوقفت وبصقت فلم تدرك، فقال لها: من السلاح أتيت - ثم بادر إلى السلاح ففتحه واستخرج همسيع. فدعا بحمير فقال لهم: ما رأيكم في بني كركر؟ قالوا له: يا لقمان انف بني كركر بن عاد من أرض حمير فإنهم أهل غدر ومكر لا يزرعون فينا إلا الغدر ويحملونا الأحقاد ويورثونا الضغائن. فقال لقمان لعاد: اخرجوا من جواري. ثم طلع على الجبل وشد سوداء امرأته مع همسيع في السلاح الذي كان همسيع فيه، ثم رماهما من أعلى الجبل، ثم رماهما بالحجر ثم رماهما جميع من كان معه، فأول من رجم في الحد حد الزنا

стр. 75

لقمان فقتلهما، ثم أخرج بني كركر من جواره. فقالوا له: يا لقمان إن أنت لم تشيعنا نتخطف في الأرض فسار معهم لقمان ليمنعهم من قبائل حمير، فبينما هو يسير إذ سمع رجلاً يقول لامرأة منهم: يا رجيم أين زوجك قالت له: يرعى غنمه وهذا عشي النهار وهو وقت إيابه إلينا ولكن خذ ما تريد قبل أن يأتيك فزنى بها ولقمان يسمعهما ويراهما فهما كذلك إذ سمعت ثغاء الشاء فقالت له: هذه غنمنا. قال لها: خذي لي حيلة فأخذته فأدخلته تابوتاً لها وأقفلت عليه ثم أتى زوجها إلى حيه ثم أنهم رحلوا ليلاً فقالت له: إن حيلتي وجميع شأني في هذا التابوت فأحمله فحمله قال، وساروا ومعهم لقمان فهم يسيرون اذ ضيق البول على الذي في التابوت فبال فلما سال على رأس زوجها، قال لها: ما هذا الذي سال على رأسي من هذا التابوت؟ قال له: في التابوت اداوة الماء. قال لها: إنه مالح، ورمى التابوت عن رأسه فانكسر وثار الرجل هارباً يسعى في سند الجبل فثار في أثره زوج المرأة فأدركه وأخذه وجاء يدفعه يريد به لقمان وتعاوره من كان معه حتى أتى به لقمان فقال: يا لقمان إن هذا من شأنه كذا وكذا، فلما أصبح أمرهم لقمان بالنزول ونزلوا ثم قال: جيئوني بالرجل المأخوذ وبالمرأة فأتي بهما فأنكرا قول الرجل. فقال لهما لقمان: قد رأيتكما وسمعت كلامكما وعلمت كل ما فعلتما، قال له بنو كركر: الأمر لك يا لقمان احكم فيهما. قال لهم: حملوها ما حملت زوجها فأخذ الرجل فحمله في التابوت وشده بالحبال على رأسها، ثم قال لهم: دعوها تجول حتى تموت ويموت. فلم تزل تجول به حتى ماتت ومات على رأسها. وإن رجلاً أتى لقمان قال له: يا لقمان إن سارقاً يأتي رحلي فيدخل يده في خرق الخيمة ويسرق ما أصابت يده من الخيمة، فقال له لقمان: احرسه
следующие страницы →