Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكذلك (أزيداً ضربت أخاه، وأزيداً مررت به، وأزيدًا مررت بأخيه)، وقال:
أثعلبةَ الفوارسِ أم رياحاً ... عدلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشابا
وتقول: (أعبد الله كنت مثله، وأزيداً لست مثله) بناء على أن كان وليس فعلان. وهذا لا يجوز عندي، حتى يسمع من العرب. وتقول: (ما أدري أزيداً ما مررت به أم عمراً، وما أبالي أعبد الله لقيت أم أخاه عمراً).
وإن كان العائد على الاسم المقدم قبل الفعل ضمير رفع، فإن الاسم يرتفع كما أن ضميره في موضع رفع. ولا يضمر رافع كما لا يضمر ناصب، إنما يرفعه المتكلم وينصبه إتباعا لكلام العرب، وذلك كقولك (أزيدٌ قام)، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾.
стр. 37
وقولنا انه تارة منصوب على أنه غير مبتدأ، وتارة مرفوع على أنه مبتدأ، فلا منفعة في ذلك. وقال ﵎: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ، أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ فأنتم في موضع رفع، وكذلك (أزيدٌ ضرب أبوه عمراً). وكذلك (أزيدٌ ضُرب) و (أزيدٌ ذُهبَ به)، لأنه في موضع رفع، وكذلك (أزيدٌ مُرّ
بغلامه)، وقال عدي بن زيد في الأمر:
أَرواحٌ مودَّعٌ أم بكورُ ... أنت فانظر لأيِّ ذاك تصيرُ
فإن عاد عليه ضميران احدهما في موضع مرفوع، والآخر في موضع منصوب، أو أحدهما متصل بمرفوع، والآخر متصل بمنصوب، كقولك (أعبد الله ضرب أخوه غلامه) لك في عبد الله الرفعُ والنصبُ، إن رُوعي المرفوع رُفِع وجُعل المنصوب كالأجنبي، وإن رُوعي المنصوب نُصب.
стр. 38
وقال أبو الحسن الأخفش تقول: (أزيداً لم يضربه إلا هو)، لا يكون فيه إلا النصب، وان كانا جميعاً من سببه، لأن المنصوب ها هنا اسم ليس بمنفصل من الفعل وإنما يكون الأول على الذي ليس بمنفصل لأن المنفصل يعمل كعمل سائر الأسماء ويكون هو في مواضعها، وغير المنفصل لا يكون هكذا. وكذلك (أزيد لم يضرب إلا أباه) لأن الفعل زيد، إذا كان مع اسم - يعني ضمير الفاعل الذي في يضرب - غير منفصل، لم يتعدّ إلى زيد، ولم يتعدّ فعل زيد إليه، ألا ترى أنك لا تقول (أزيداً ضرب) وأنت تريد أزيداً ضرب نفسه، ولا (أزيد
стр. 39
ضربه) وأنت تريد أن توقع فعل زيد على الهاء، والهاء لزيد، فلذلك لم يعمل في زيد.
قال المؤلف ﵁: هذا بناء على أن المرفوع يرتفع بفعل مضمر، والمنصوب ينتصب كذلك أيضاً. فإذا قيل (أزيداً لم يضربه إلا هو) فتقدير المحذوف (ألم يضرب زيداً إلا هو)، وهذا جيد، لأن الفاعل مضمر منفصل. ولو رَفَع (زيداً) حملاً على الضمير المنفصل، فقال (أزيد لم يضربه إلا هو) لكان تقدير المحذوف (ألم يضربه إلا زيد)، وهذا لا يجوز، لأن فعل زيد لا يتعلق به ضمير زيد المتصل، لا تقول (ما ضربه إلا زيد) والضمير لزيد، فإن قيل: لمَ لا يكون التقدير (ما ضرب إلا إياه زيد) قيل: لأن معنى المحذوف يكون مخالفاً لمعنى المنفى المذكور، لأن إلا إذا دخلت على الفاعل، كان المعنى أن المفعول لم
يصل إليه فعل أحد، إلا فعل الفاعل، والفاعل يحتمل أن يكون فعلُه وصل إلى غير ذلك المفعول، ويحتمل أنه لم يصل إلا إلى ذلك المفعول، وإذا أدخلت إلا على المفعول نفيت عن الفاعل أن يفعل بغير المفعول، وجائز أن يوقع الفعل بالمفعول غير الفاعل، وجائز أن لا يوقعه إلا ذلك الفاعل. وإذا قلت (أزيد لم يضرب إلا إياه) فالرفع في زيد، لا غير، لأن تقدير المحذوف (ألم يضرب زيد إلا إياه)، وهذا حسن. ولا يجوز النصب في هذه المسألة، كما لا يجوز الرفع في الأول، لأنه لو نَصَب (زيداً) لكان التقدير (ألم يضرب إلا زيداً) لأن ضمير الفاعل في الفعل الظاهر متصل، ولا يجوز ذلك، لا يجوز (ما ضرب إلا زيداً) ولا (ما إلا زيداً
стр. 40
ضرب). ولا يجوز إدخال إلا على ضمير الرفع حتى يقال (ألم يضرب زيداً إلا هو) لأن معنى المحذوف يجب أن يكون كمعنى المنفي المذكور. وهذا ليس كذلك لما تقدم في المسالة الأولى.
وهذا كله بناء على مذهب الإضمار، وما من يرى أن العرب إنما راعت المعاني، وجعلت اختلاف الألفاظ في الغالب دايلاً على اختلاف المعاني. وعدم اتفاقها، فإنه يجيز النصب والرفع في كل واحدة من المسالتين، لأن زيداً فاعلاً ومفعول، فالرفع باعتبار كونه فاعلاً، والنصب باعتبار كونه مفعولاً، ألا ترى انك تقول: (أزيد لم يضرب عمراً إلا هو)، فتحمل على المنفصل و (أزيداً لم يضرب عمراً إلا إياه) حملاً على المنفصل، ولو قلت (أزيداً لم يضرب عمراً إلا هو) لم يجز. وإذا قدرت عاملاً على مذهبهم، لم يكن بد من أن تقول (ألم يضرب عمراً إلا زيد لم يضربه إلا هو)، وهذا من الأدلة البينة على أن العرب لم تُضمر شيئاً.
وتقول (أخواك ظناهما منطلقين) فللأخوين هنا ضميران مرفوع ومنصوب، وهما متصلان، فحملت الأول على المرفوع
стр. 41
من قِبل أن الظاهر يتعدى فعله في هذا الباب إلى مضمره، نحو (ظنهما أخواك منطلقين)، إذا ظنا أنفسهما، ولا يتعدى
فعل المضمر إلى الظاهر، نحو قولك (زيداً ظَنَّ عالماً)، إذا ظنَّ نفسه ولكن يتعدى فعل المضمر إلى المضمر، مثل قولك (أظنني ذاهباً). وهذا بناء أيضاً على أن المرتفع والمنتصب، ارتفاعه وانتصابه بفعل مضمر، وأما على ترك الإضمار، فإن الرفع والنصب جائزان، إلا أن ما لا اختلاف فيه أولى مما فيه خلاف، في هذه المسألة، وفي المسالتين المتقدمتين. والإطالةُ في هذه المسائل - وهي مظنونة غير مستعملة، ولا محتاج إليها - لا تنبغي لمن رأى أن لا ينظر، إلا فيما تمس الحاجة إليه، وحذفُ هذه وأمثالها من صناعة النحو مقوٍّ لها، ومسهَّل، ومع هذا فالخوض في أمثال هذه المسائل التي تفيد نطقاً أولى من الاشتغال بما لا يفيد نطقاً كقولهم: بِمَ نُصِب المفعول: بالفاعل، أم بالفعل، أم بهما!.
وتقول (أأنت عبد الله ضربته) الاختيار عند سيبويه رفعُ عبد الله، لأن حرف الاستفهام قد حال بينه وبين عبد الله قوله (أنت)، لكنك إن شئت أن تنصبه، كما نصبت (زيداً ضربته)، جاز.
стр. 42
وقال أبو الحسن الأخفش وأبو العباس بن يزيد النصب أجود، لأن (أنت) ينبغي أن يرتفع بفعل، إذا كان له فعل في آخر الكلام، وينبغي أن يكون الفعل الذي يرتفع به (أنت) ساقطاً على (عبد الله)، على أصلهم في إضمار الفعل في هذا الباب. واحتجَّ أبو العباس احمد بن ولاد عليهما لسيبويه بان قال: إنما يُرْفَع الاسم الواقع قبل الفعل، وينصب، بإضمار فعل، إذا كان الفعل خبراً عنه، كقولك (أزيداً ضربته) لو رفعته بالابتداء لكان (ضربته) خبراً له، وكذلك (أزيد قام) لو رُفِع (زيد) بالابتداء لكان (قام) خبراً له، وأنت إذا قلت (أأنت عبد الله ضربته)، ورفعت (أنت) بالابتداء، لم يكن (ضربته) خبراً عنه، وإنما خبره الجملة التي هي (عبد الله ضربته)، فهي بمنزلة قولك (أزيد أخوه قائم). وما قاله محتجَّاً عن سيبويه، مردود بما ذكره سيبويه في باب ما جرى في الاستفهام من أسماء الفاعلين والمفعولين مجرى الفعل، قال فيه: (أزيداً أنت ضاربه) إن
(زيداً) يختار فيه النصب، كما يختار في (أزيداً تضربه)، إذا كان اسم الفاعل يراد به الفعل. ولو كان ما قاله ابن ولاد
стр. 43
صحيحاً، لكان (زيد) مرفوعاً، لأنك لو رفعته بالابتداء، لكانت الجملة من المبتدأ والخبر خبره. ولسيبويه أن يقول: إني لم أمنع نصب زيد من أجل هذا، و (أنت) عندي فاعل بفعل مضمر، لكن الفعل المضمر في هذا الباب لا يعمل إلا في معمول واحد. ويلزمه على هذا أن لا يجيز (أزيداً درهماً أعطيته إياه)، على أن ينصب (زيداً ودرهماً)، بفعل مضمر تقديره (أأعطيت زيداً درهماً). ونقول لو جاز هذا لجاز (أزيداً عمراً قائما أعلمته إياه!)، فإنه إذا جاز أن يعمل في اثنين، جاز أن يعمل في ثلاثة.
وإن كان الفعل محضوضاً عليه بألا أو هلا أو لوما أو لولا، لم يكن في الاسم إلا النصب، تقول (هلاَّ زيداً أكرمته)، وكذلك سائرها. وإن كان متعجبَّاً منه فلا يجوز فيه إلا الرفع، وذلك قولك (زيد ما أحسَنَه) و (زيد أحْسِن به).
وإن كان الفعل خبراً فإنه يكون موجباً ومنفيَّا وشرطاً، فإن كان موجباً، وكان الاسم مقدمّاً مبتدأ به، جاز فيه الرفع والنصب، والرفع أحسن، تقول (زيدٌ لقيته، وزيداً لقيته). فإن كان منفيَّاً بما أو لا جاز في الاسم الرفع، والنصب أحسن، قال الشاعر:
فلا ذا جلالٍ هبنَهُ لجلالِهِ ... ولا ذا ضياعٍ هنّ يتركْنَ للفقرِ
стр. 44
وقال آخر:
فلا حسَبَاً فخرْتَ به لتيمٍ ... ولا جدًّا إذا ازدحم الجدود
وكذلك تقول (ما زيداً ضربته)، إذا لم يكن التي تكن يكون بعدها الاسم مرفوعاً، وخبره منصوباً. وان كان الفعل شرطا بدخول (إنْ) عليه كان الاسم منصوباً، وفي رفعه خلاف، وقال الشاعر:
لا تجزعي ان منفساً أهلكتُهُ ... وإذا هلكتُ فعند ذلك فاجزعى
ولا يكون تقديم الاسم على الفعل في شيء من أدوات الجزاء - إلا في إن وحدها - إلا في ضرورة الشعر.
وإن عطفت الجملة التي تقدم فيها الاسم على الفعل، على جملة أخرى، صدرها فعل، كان الاختيار النصب، والرفع جائز، نحو قولك (ضربت زيداً، وعمراً أكرمته) وقال الله ﵎:
стр. 45
﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا، وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾، وقال تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾، وهو في القرآن كثير، وقال الشاعر:
أصبحتُ لا احمل السلاحَ ولا ... املك رأسَ البعير إن نَفَرا
والذئبَ أخشاه إن مررتُ به ... وحدي واخشي الرياحَ والمطرا
عطف (والذئب أخشاه) على قوله (لا أحمل السلاح).
وإن عطفت على جملة من مبتدأ وخبر، والخبر جملة من فعل وفاعل، كقولك (زيد أكرمته، وعبد الله لقيته)، فسيبويه يختار الرفع إن عطفت على جملة المبتدأ وخبره، والنصب، إن عطفت على جملة الفعل، وخالفه غيره في ذلك، وقال: إنه لا يجوز أن يعطف على الجملة من الفعل
стр. 46
والفاعل، لأنها خبر للمبتدأ وموضعها رفع، وما عُطف على الخبر فهو خبر، ولا يصح أن تكون الجملة المعطوفة خبراً، لأنه لا ضمير فيها يعود على المبتدأ. وقول المخالف أظهر، إذ الإعراب إنما هو لتبيين المعاني، ولا نقول في الشيء إذا تقدمه أمران: إنه معطوف على أحدهما دون الآخر، وأنه جائز عطفه على كل واحد منهما، إلا بحسب المعاني، كقولنا (زيد قائم أبوه، وعمرو)، ونقول إن (عمراً) معطوف على (الأب)، ولا يجوز عطفه على (قائم)، لكون (قائم) خبراً عن (زيد)، وليس (عمرو) خبراً عنه إنما عمرو مخبَر عنه بالقيام، ويجوز عطف (عمرو) على (زيد)، ويكون القائمان أبا زيد وأبا عمرو. ولو قيل (زيد شجاع وكريم) كان (كريم) معطوفاً على (شجاع)
لا على (زيد)، لأنه خبر عن (زيد)، كما أن (كريماً) كذلك، فإذا قلنا في قولنا (زيد ضربته، وعمراً أكرمته): إن هذه الجملة الثانية يجوز أن تعطف على المبتدأ أو خبره، ويجوز أن تعطف على الجملة من الفعل والفاعل، والجملتان مختلفتان، إحداهما خبر عن المبتدأ، والثانية ليست كذلك، والكبرى منهما ليس لها عندهم موضع من الإعراب، والصغرى لها موضع من الإعراب، فأي فائدة في أن تخيَّر في العطف عليهما، ألا ترى أنَّا إذا قلنا (زيد أكرمته، وعمرو أهنته إعظاماً له)،
стр. 47
فلا خلاف في أنه يجوز عطف الجملة، التي هي (عمرو أهنته إعظاماً له) على المبتدأ وخبره وهو جملة الفعل الفاعل، فإذا عطفت على الكبرى، لم يكن لها موضع من الإعراب. وإن عطفت على الصغرى كان لها موضع من الإعراب، وجاز أن تحذف الأولى، التي هي (أكرمته) وتُحل الثانية محلها، فتقول (زيد عمرو أهنته إعظاماً له)، والواو تُدخل الثاني فيما دخل فيه الأول، وكل معطوف عليه، فجائز أن يحذف، ويحل المعطوف محله، إلا ما شذ نحو: (وأيُّ فَتَى هيجاءَ وأنت وجارِها). ولا يحمل على الشاذ. وكما انه لا يجوز أن يعطف على الخبر المفرد إلا ما هو خبر، فكذلك الجملة، ولا فرق بينهما في أن كل واحد منهما خبر، ولم يمتنع الخبر المفرد أن لا يعطف عليه إلا ما هو خبر لا من جهة أنه مفرد بل من جهة ما هو خبر.
وقد احتج ابن ولاد لسيبويه فأطال بأمور أكثرها خارج عن المسألة، والذي يقرب من المسالة منها قوله: إن النحويين مجمعون على إجازة قولك (مررت برجل قام أبوه، وقعد عمرو) فقام أبوه جملة في موضع جر، لأنها نعت لرجل، (وقعد عمرو) معطوفة عليها، وليست في موضع جر، لأنك لا تقول (مررت برجل قعد عمرو)، إذ ليس في الجملة الثانية ضمير يعود على رجل، فيكون نعتاً له، وكذلك إذا قلت (زيد يضرب غلامه،
стр. 48
فيغضب عمرو) فيضرب غلامه في موضع رفع،
وقوله (فيغضب عمرو) معطوف عليه، وليس في موضع رفع لأنه لا عائد فيه على المبتدأ. قيل: أما قياس الخبر على النعت، فليس بالبين، لأن حكميها مختلفان. وأيضاً فإن لقائل أن يقول: إن قوله (وقعد عمرو) معطوف على الجملة الكبرى، لا على الصغرى، فإن قال: المعنى على غير ذلك، وذلك: إن المتكلم لم يرد أن يخبر بخبرين، لا رابط بينهما، وإنما أراد أن قيام الأب اقترن بقعود عمرو، ودلت الواو على ذلك، فكأنه قال: كان من أبيه قيام مع قعود عمرو، فصارت الجملة الثانية مرتبطة بالأولى، وصارتا جميعاً في حكم الجملة الواحدة، قيل: إن الواو إنما معناها أن تُدخل الثاني فيما دخل فيه الأول، وقد قال سيبويه: ولو قلت (أزيداً ضربت عمراً وضربت أخاه) يعني والضمير عائد على زيد لم يكن كلاماَ، لأن عمراً ليس فيه من سبب الأول شيء، ولا ملتبساً به، ألا ترى أنك لو قلت (مررت برجل قائم عمرو وقائم أخوه) لم يجز، لأن أحدهما ملتبس بالأول، والآخر ليس ملتبساً به. وإنما منع سيبويه - رحمة الله - من جواز المسألة الأولى، على أن يكون (زيداً) نُصِب بفعل مضمر، دل عليه الفعل الذي يليه، لأنه ليس فيه ضمير على زيد، ولا ينتصب الاسم بفعل مضمر، عند سيبويه، إلا أن يكون المفسر له فعلاً، على الشرط الذي قدمناه. ولو قلت (أزيداً ضربت عمراً) لم يجز، فإن قيل: فقد عاد في الجملة الثانية على (زيد) ضمير،
стр. 49
قيل: الحملة الثانية لا تفسر الضمير الذي نصب (زيداً)، إنما يفسر الضمير ما يلي معموله من الأفعال، فالواو - على هذا - لا تربط الجملة الثانية بالجملة الأولى ربطاً يجعلهما في حكم الجملة الواحدة. ولا فرق بين مذهب سيبويه وبين ما قيل، إلا أن سيبويه يُضمِر الفعل، وحيث يَنصب يَنصب، وحيث يَرفع يرفع، وحيث يختار أحدهما على الآخر يختاره، وإن خالف مذهبُه هذا المذهبَ نبَّه عليه.
وأما قوله (زيد يضرب غلامه، فيغضب عمرو) فظاهر هذا أنَّ يغب معطوف
على يضرب، لكن لما كان الضرب سبباً للغضب، ارتبطت الجملتان، وصارتا بمنزلة الشرط والجزاء، وإن كانتا جملتين فإنهما في حكم الواحدة، ألا ترى انك تقول (زيد أن تكرمه يكرمك عمرو)، وتكتفي بالضمير العائد من الجملة الأولى، ولا خلاف في جواز هذه. وقد خرجت عما أراه وأحضُّ عليه، من الإيجاز والاقتصار، في هذه الصناعة على ما لابد منه. ويكفي في المسالة المختلف فيها أن يقال: إن الرفع والنصب جائزان، والرفع الوجه، والنصب جائز بإجماع منهم، إلا أنه دون الرفع. وسيبويه يقول: إن الرفع أجود على وجه، والنصب على وجه آخر. فإن قيل: لم تُرك الاحتجاج لسيبويه بقول الله ﵎: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ، وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ، وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
стр. 50
فنصب السماء، وإنما يحسن النصب إذا كان العطف على الجملة الفعلية، لا على الجملة المبتدئية، فقد عطف على الخبر، الذي هو يسجدان ما ليس فيه ضمير، يعود غلى المبتدأ.
وللرَّادِّ على سيبويه أن يقول نصب، وعطف على الجملة المبتدئية، وان كان الرفع أحسن على مذاهب النحويين، كما جاءت الآية ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾، والرفع عند سيبويه أوجه، ولا حجة قاطعة لسيبويه في هذا.
ويجري مجرى الأفعال في هذا الباب أسماء الفاعلين والمفعولين والمعدولة عن أسماء الفاعلين للمبالغة نحو فعَّال وفَعول ومفعال تقول (أزيداً أنت ضاربه) و (أزيداً أنت ضرَّابه)، وكذلك (مِضرابه) و (ضَروبه).
وإن جئت بعد الاسم الذي يعود عليه من الفعل ضمير نصب بشرط وجزاء، لم يجز فيه إلا الرفع، نحو (زيدٌ إن تكرمه بكرمك)، وكذلك إن جئت بعده بحرف أو اسم للاستفهام نحو (زيد كَمْ مرة لقيته؟)، وكذلك (عمرو هل رأيته؟) و (زيد مَن ضربه؟) و (عبد الله ما أصابه؟). وكذلك إن كان الفعل في موضع الصفة نحو (أزيد أنت رجل تكرمه)، وقال الشاعر:
стр. 51
أكلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُوْنَهُ ... يَلْقِحُهُ قومٌ وتَنْتِجُوْنَهُ
وقال زيد الخيل:
أفي كلِّ عامٍ مَأْتَمٌ تبعثونَهُ ... على مِحْمَرٍ ثَوَّبْتُمُوه وما رَضَا
تحوونه في موضع الصفة لنَعَم، ونَعَم مبتدأ، وخبره كل عام، وهو على حدِّ حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن كل عام من ظروف الزمان، وظروف الزمان لا تكون أخباراً عن الجثث، إنما تكون أخباراً عن المصادر. ولو رُوي بالنصب لجاز، ويكون الفعل لا موضع له من الإعراب، وكذلك مأتم يجوز فيه النصب، على أن لا يكون الفعل صفة، وقال الشاعر جرير:
أبَحْتَ حِمَى تهامةَ بعد نَجْدٍ ... وما شيءٌ حميتَ بمستباحِ
стр. 52
فحميت في موضع الصفة ولا يجوز نصب (شيء) لفساد المعنى، ودخول الباء على مستباح، وقال الشاعر:
وما ادري أغيَّرهم تَنَاءٍ ... وطولُ العهد أم مالٌ أصابوا
فأصابوا في موضع الصفة، ولا يجوز صرفه إلى غير ذلك، لأن الشاعر جهل الأمر الذي غيَّرهم، ولم يدر أهو البعد وطول العهد، أم مال أصابوه، فمال معطوف على تناء، ويجوز النصب على مذهب قومْ وكذلك إن كان الفعل صلة لموصول، نحو قولنا (أزيد الذي رأيت) لا يكون في زيد إلا الرفع، وليس بمنزلة قولنا (أزيداً العاقلَ ضربته)، لأن ضربته ليس صلة ولا صفة. وكذلك، إن أبدلت منه، أو وكدته. ومثله (زيد أَنْ تكرمه خير من أن تُهينه)، لأن ما ينصب بعد أَنْ فهو من صلتها، وكذلك زيد أنت الضاربه لا يجوز في زيد إلا الرفع، لأن الألف واللام بمعنى الذي، فتجرى مجري الذي.
стр. 53
قد أتيتُ في هذا الباب على ما يُحتاج إليه، ويُستغني به، وزدت توجيهَ الأقوال والاحتجاجَ على سيبويه وله، ليعلم القارئ أني قد وقفت على أقوالهم، وعرفت ما
اثبتُّ، ولم احتج إلى إضمار ما الكلامُ تامٌّ دونه، وإظهاره عيٌّ مخالف لغرض القائل. هذا في كلام الناس، فأما في كلام الله تعالى فحرام. واللهَ اسأله العون والتوفيق، وقد قلت قولا في هذا الباب يليق بما أحضّ عليه، وأدعو إليه، لأني لم ادخل فيه محالاً، ولا ظنَّاً ضعيفاً، ولا فضلاً لا يُحتاج إليه.
فصل
ومما قالوا فيه ما لم يفهم، واضمروا فيه ما يخالف مقصد القائل، أبوابُ نصب الفعل، وقد تكلمت منها على باب الفاء والواو ليستدل بهما على غيرهما ويعلم أن ما أضمروه لا يحتاج إليه في إعطاء القوانين التي يحفظ بها كلام العرب.
الكلام في الفاء: ينتصب بعدها الفعل إذا كانت جوابا لأحد ثمانية أشياء: الأمر، والنهي، والاستفهام، والنفي، والعرض، والتمني، والتحضيض، والدعاء. يقال في الأمر (أعطني فأشكرك). قال أبو النجم:
يا ناقُ سيري عَنَقاً فَسِيحِا ... إلى سُلْمَانَ فَنَسْتَرِيْحَا
стр. 54
ويقال في النهي (لا يعصِ زيد على الله فيعاقبَه)، قال الله تعالى: ﴿لاَ تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾، وقال ﴿وَلاَ تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾، ويقال في النفي (ما يأتيني زيد فأعطيَه)، فيحتمل وجهين: أحدهما ما يأتيني زيد فكيف أعطيه، إي أن الإتيان سبب العطاء، فإذا لم يأت لم يُعط. قال الله تعالى: ﴿لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، ويقال (ما آمن أبو جهل فيدخل الجنة)، وقال الفرزدق:
وما أنت من قيسٍ فَتَنْبَحَ دونها ... ولا من تميمٍ في اللَّهَى والغَلاَصم
والوجه الآخر من قولنا (ما يأتينا زيد فنعطيه)، إي ما يأتينا في
стр. 55
حال إعطاء، إي يأتينا ولا نعطيه، قال الفرزدق:
وما قام منا قائمٌ في نَدِيِّنا ... فينطقَ إلا بالتي هي أعْرَفُ
وقال اللعين المنقري:
وما حلٌ سَعْدِيٌّ غريباً ببلدةٍ ... فَيُنْسَب إلا الزِّبْرِقَانُ له أبُ
وتقول (كأنك لم تأتنا فنحدثَك)، وقال رجل من بني دارم:
كأنك لم تَذْبَحْ لأهلك نَعجةً ... فيُصبحَ مُلقَىً بالفِناء إهَابُها
ويقال في الاستفهام (أتأتينا فنحدثَك). قال الشاعر:
ألم تسأل فتُخبرَكَ الرسومُ ... على فِرْتاجَ والطللُ القديمُ
стр. 56
ويقال في العرْض (ألا تأتينا فنكرمَك). ويقال في التمني (ليت زيداً عندنا فيحدثَنا)، وقد قرئ (ودُّوا لو تُدْهن فيدهنون) وقال مُهَلْهل:
فلو نُشِرَ المقابرُ عن كُلَيبٍ ... فيُخْبَرَ بالذنائب أيُّ زِيرِ
وقال أميَّة بن أبي الصَّلْت:
ألا رسولَ لنا منَّا فيُخبِرَنَا ... ما بُعْدُ غايتنا من رأس مُجْرَانا
ويقال في التحضيض (هلاَّ زرت زيداً فيكرمَك). ويقال في الدعاء (اللهم لا تؤاخذنا بذنوبنا فنهلكَ). وقال الله : ﴿لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾. وقد نصبت العرب بعدها في الواجب، وذلك شاذ لا يقاس عليه،
стр. 57
قال الشعر:
سأتركُ منزلي لبنى تميمٍ ... وألحقُ بالحجاز فأَسْتَرِيْحَا
وقال الأعشى:
وثُمَّتَ لا تجزونني عند ذاكمُ ... ولكن سيجزيني الإلهُ فيُعْقِبَا
وقال طرفة:
لنا هضبةٌ لا ينزل الذُّلُّ وَسْطَها ... ويأوي إليها المستجيرُ فيُعْصَما
وهذه المواضع التي ينصب فيها ما بعد الفاء، منها ما يجوز فيها العطف، ويكون إعراب الفعل الثاني كإعراب الفعل الأول الذي قبل الفاء، ويكون معناه غير مخالف لمعناه. وكلها يجوز فيها القطع من الأول ورفع الفعل على أنه موجب، مثال ذلك (لا يشتم عمرو زيداً فيؤذيه)، إن نُصب
стр. 58
كان المعنى لا يشتم حتى لا يؤذيه، فالشتم من أنواع الأذى، وإن رُفع كان المعنى على القطع أي فهو يؤذيه وإن جزم (يؤذيه) وعطف على قوله (يشتم)، كان المعنى فإن الشتم يؤذيه، أي من شانه أن يفعل ذلك. وقال النابغة:
ولازال قبرٌ بين تُبْنَى وجاسمٍ ... عليه من الوسميِّ جَوْدٌ ووابلُ
فيُنبِتُ حَوْذَاناً وعَوْفاً مُنَوِّراً ... سأُتْبِعُهُ من خيرِ ما قال قائِلُ
فلم يجعل (ينبت) جواباً، ولكنه قطع. ولو نصب لجاز، وقال:
стр. 59
الم تَسْألِ الرَّبْعَ القَوَاَء فيَنْطِقُ ... وهل تَخْبِرَنْككَ اليوم بيداءُ سَمْلَقُ
وتقول (حسبته شتمني فأثِبَ عليه) إذا لم يقع الوثوب، ومعناه لو شتمني لوثبت عليه، وإن كان الوثوب قد وقع فليس إلا الرفع، لأن هذا بمنزلة قولك (ألست قد فعلت، فافعل) وقال بعض الحارثيين:
غير أنَّا لم تأتنا بيقينٍ ... فنُرَجَّى ونكثِرُ التأميلا
أي فنحن نرجَّى.
الكلام في الواو: الواو تنصب ما بعدها في غير الواجب، ومعناها النصب معنى مع، قال الأخطل:
لا تنه عن خلُقٍ وتأتيَ مثله ... عارٌ عليك - إذا فعلتَ - عظيمُ
стр. 60
وتقول: (لا تأكل السمك وتشربَ اللبن) أي لا تجمع بينهما، ولو جزم لنهاه عن الجمع والتفرقة، ولو رفع لنهاه عن أكل السمك وأوجب له شرب اللبن، أي أنت ممن يشرب اللبن. قال جرير:
ولا تَشْتمِ الموْلَى وتبلغْ أذاتهُ ... فإنكَ إنْ تفعلْ تُسَفَّهْ وتَجْهَلِ
نهاه عن الفعلين، وقال الحطيئة:
ألمْ أكُ جارَكُمْ وتكونَ بيني ... وبينكُمُ المودَّةُ والإِخَاءُ
هذا واجب في المعنى، فكان يجب أن لا ينصب، لكن اللفظ لفظ الاستفهام. وقال دريد بن الصَّمَّة:
قتلتُ بعبد الله خَيْرَ لِدَاِتِه ... ذُؤاباً فلم افخر بذاك وأجْزَعَا
أراد إني لم افخر به وأنا جزع، إنما فخرت به غير جزع.
стр. 61
ويقال في النفي (لا يسعني شيء ويعجزَ عنك) أي مع عجزه عنك. وتقول في الأمر (إيتني وآتيك)،
وان أردت الأمر أدخلت اللام، فتقول (ولآتك)، وقال الله : ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، وقرأها بعضهم (ويعلمِ الصابرين) بالجزم. وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،
стр. 62
وإن شئت جعلت (وتكتموا) على العطف، وقال الله تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَُ﴾، قرئ بالرفع والنصب، فالرفع على العطف وعلى القطع، وقال الأعشى:
فقلت أدْعِى وأدْعُوَ إنَّ أَنْدِي ... لصوتٍ أن ينادى داعيانِ
ومن النصب قوله:
لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرُّ عيني ... أَحَبُّ إليَّ من لُبْسِ الشُّفُوفِ
стр. 63
فقوله: وتقرُّ منصوب بإضمار أنْ كأنه قال: للبس وأنْ تقر أي وقرة عيني، وقال الأعشى:
لقد كان في حَوْلٍ ثَواءٍ ثَوَيْتُهُ ... تَقَضَّى لُبَاناتٍ ويسأَمَ سائمُ
على من روى تَقَضَّى على أنه اسم كان. وقال كعب الغنوى:
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي ... ويغضبَُ منه صاحبي بقؤولِ
يجوز في يغضب الرفع والنصب، فالرفع على أن يكون داخلاً في صلة الذي، معطوفاً على قوله: (ليس نافعي)، والنصب عطف على (الشيء)، كما قال (وتقر عيني). وقد رُدَّ على سيبويه في هذا. والأظهر انه بمنزلة قوله (ليس زيد قائماً ويقعدَ عمرو) أي مع قعود عمرو. ويقال (دعني ولا أعودُ)، فهذا أوجب على نفسه أن لا يعودَ فقطع، ومثله في القطع قول قيس بن زهير:
فلا يَدْعُني قومي صريحاً لحرَّةٍ ... لئن كنتُ مقتولا ويَسْلَمُ عامرُ
стр. 64
فصل
ومما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن (زيد) من قولنا (قام زيد) لمَ رُفع؟ فيقال لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول ولِمَ رُفع الفاعل؟ فالصواب أن يقال له: كذا نطقت به العرب. ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر. ولا فرق بين ذلك وبين من عرف أن شيئاً ما حرام بالنص، ولا يُحتاج فيه إلى استنباط علة، لينقل حكمه إلى غيره. فسأل لمَ حُرِّم؟ فإن الجواب على ذلك غير واجب على الفقيه. ولو أجبت السائل عن سؤاله بأن تقول له: للفرق بين الفاعل والمفعول فلم يقنعه، وقال: فلِمَ لم تعكس القضية بنصب الفاعل ورفع المفعول؟ قلنا له: لأن الفاعل قليل لأنه لا يكون للفعل إلا فاعل واحد، والمفعولات كثيرة، فأُعطي الأثقل، الذي هو الرفع، للفاعل، وأُعطي الأخف، الذي هو النصب، للمفعول، لأن الفاعل واحد، والمفعولات كثيرة، ليقلَّ في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون. فلا يزيدنا ذلك علماً بان الفاعل مرفوع، ولو جهلنا ذلك لم يضرنا جهله، إذ قد صح عندنا رفع الفاعل الذي هو مطلوبنا، باستقراء المتواتر، الذي يوقع العلم.
وهذه العلل الثواني على ثلاثة أقسام: قسم مقطوع به، وقسم فيه
стр. 65
إقناع، وقسم مقطوع بفساده. وهذه الأقسام موجودة في كتب النحويين. والرفق بين العلل الأُوَل والعلل الثواني، أن العلل الأُوَل بمعرفتها تحصل لنا المعرفة بالنطق بكلام العرب المدرَك منا بالنظر، والعلل الثواني هي المستغنى عنها في ذلك، ولا تفيدنا إلا أن العرب أمة حكيمة! وذلك في بعض المواضع. فمثال المقطوع به قول القائل: كل ساكنين التقيا في الوصل وليس احدهما حرف لين فإن أحدهما يحرِّك، وسواء كانا من كلمتين، أو كلمة واحدة، مثل قولنا (أكْرِم القوم)، وقال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾، ويقال (مدَّ ويمدُّ ومُدَّ). وآخر الأمر موقوف، مثل (اضربْ) فاجتمعت الدال إلى الدال، والأولى ساكنة، فحركت الثانية لالتقائهما،
فإن كان يمكن النطق بالثانية ساكنة في حال الوصل فعلت. تقول (مرّ يا فتى) فأما (أكرمِ القوم) وأمثاله، فلا يمكن فيه إلا التحريك،
стр. 66
فيقال: لمَ حُرِّكت الميم من أكرِم، وهو أمر، فيقال له: لأنه لقي ساكناً آخر، وهو لام التعريف، وكل ساكنين التقيا بهذه الحال، فإن أحدهما يحرك، فإن قيل: ولم لمْ يتركا ساكنين؟ فالجواب: لأن النطق بهما ساكنين لا يمكن الناطق. فهذه قاطعة وهي ثانية. وكذلك قولهم: كل فعل في أوله إحدى الزوائد الأربع، وما بعدها ساكن، فإنه إذا أُمِر به يحذف الحرف الزائد، وتدخل عليه ألف الوصل، فإن قيل: فلِمَ دخلت عليه ألف الوصل؟ فيقال: لأنه فعل أمر حذف من أوله الحرف الزائد، وكل فعل أمر حذف من أوله الحرف الزائد، فإنه تدخل عليه ألف الوصل، فإن قيل: فلم لمْ يترك أوله كذلك؟ قيل: لأن الابتداء بالساكن لا يمكن. وهي ثانية. وكذلك (ميعاد وميزان) وما أشبههما، يقال: إن الأصل فيها مِوْعاد ومِوْزان. والدليل على ذلك أنهما من وعد ووزن، ففاء الفعل واو، ويقال في جمعهما (مواعيد وموازين) وفي تصغيرهما (مويعيد ومويزين) فأُبدل من الواو ياءٌ لسكونها، وانكسار ما قبلها، وكل واو سكنت وانكسر ما قبلها، فإنها تُبْدَل ياء، فإن قيل: لمَ أُبدل منها ياءٌ، ولم تترك على حالها؟ قيل: لأن ذلك أخف على اللسان،
стр. 67
فهذه علة واضحة أيضاً، ولكن يُسْتَغْنَى عنها.
ومثال غير البين منها قولهم: إن الفعل الذي في أوله إحدى الزوائد الأربع أُعرِب، لشبهه بالاسم، ويُكتفَي في ذلك بأن يقال: كل فعل في أوله إحدى الزوائد الأربع، ولم يتصل به ضمير جماعة النساء، ولا النون الخفيفة، ولا الشديدة، فإنه معرب. فإن قيل: (يضربُ) لمَ أُعرِب؟ قيل: لأنه فعل أوله إحدى الزوائد الأربع، ولم يتصل به ضمير المؤنث، ولا نون خفيفة ولا شديدة، وكل ما هو بهذه الصفة فهو معرب. فإن قيل: لمَ أعربت العرب ما هو بهذه الصفة؟ فقيل: لأنه أشبهَ الاسم،
في انه يصلح - إذا أطلق - للحال والاستقبال، فهو عام، كما أن رجلاً وغيره من النكرات عام. ثم إذا أراد المتكلم إيقاعه على معين، ادخل عليه الألف واللام فأزالا عمومه. وكذلك الذي في أوله الزوائد من الأفعال، إذا أراد المتكلم تخصيصه بأحد الزمانين ادخل السين أو سوف، فهذا عام يخصص بحرف من أوله، وهذا عام يخصَّص بحرف من أوله، فأُعْرب الفعل لهذا الشبه. وأشبهه أيضاً في دخول لام التأكيد عليه، يقال: إن زيداً لقائم و (إن زيداً ليقوم). ويقولون: أعرب الاسم، لأنه على صيغة واحدة، وأحواله مختلفة: يكون فاعلاً، ومفعولاً. ومضافاً إليه، فاحتيج إلى إعرابه إلى بيان هذه الأحوال. والفعل إذا اختلفت معانيه اختلفت صيغه، فاغني ذلك عن إعرابه، ولوا الشبه الذي بينه وبين الاسم ما أُعرب.
стр. 68
قيل: العلة الموجبة لإعراب الاسم هي موجودة في الفعل، وذلك: أنا لو قلنا: (ضرب زيد عمرو. وزيداً عمراً) لم يتميز لنا الفاعل من المفعول، كذلك إذا قلنا: (لا يضربُْ زيد عمراً) لولا الرفع والجزم، ما عرف النفي من النهي. وكذلك إذا قنا (لا تأكل السمك ولا تشربُِْ اللبن) لولا النصب والجزم والرفع لما عرف النهي عنهما مفترقين ومجتمعين، من النهي عن الجمع، ومن النهي عن الأول وأن الفاعل من شأنه أن يشرب اللبن. وكما أن للأسماء أحوالاً مختلفة، فكذلك للأفعال أحوال مختلفة: تكون منفية، وموجبة، ومنهيَّاً عنها، ومأموراً بهاْ وشروطاً، ومشروطة، ومخبَّراً بها، ومستفهماً عنها، فحاجتها إلى الإعراب كحاجة الأسماء. وأيضاً فإن الشيء لا يقاس على الشيء إلا إذا كان حكمه مجهولاً، والشيء المقيس عليه معلومُ الحكم، وكانت العلة الموجبة للحكم في الأصل موجودة في الفرع.
والعرب أمة حكيمة، فكيف تشبه شيء بشيء، وتحكم عليه بحكمه، وعلة حكم الأصل غير موجودة في الفرع. وإذا فعل واحد من النحويين ذلك جُهِّل، ولم يقبل قوله، فلمَ ينسبون إلى العرب ما يُجهَّل به بعضهم بعضاً. وذلك: أنهم لا يقسون
الشيء على الشيء، ويحكمون عليه بحكمه، إلا إذا كانت علة حكم الأصل موجودة في الفرع! وكذلك فعلوا في تشبيه الاسم بالفعل في العمل، وتشبيههم إنِّ وأخواتها بالفعال المتعدية في العمل، وأما تشبيه الأسماء غير المنصرفة بالأفعال فأشبهُ قليلاً، وذلك أنهم يقولون ان الأسماء غير المنصرفة تشيه الأفعال في أنها فروع - كما أن الأفعال فروع بعد الأسماء - فإذا كان في الاسم علتان، أو واحدة تقوم مقام علتين، فإن كل واحدة من العلتين تجعله فرعاً، مُنِع ما منع الفعل، وهو الخفض والتنوين. والعلل المانعة من الصرف: التعريف، والعجمة، والصفة، والتأنيث، والتركيب المزجي، والعدل، والجمع الذي لا نظير له، ويوزن الفعل المختص به أو الغالب فيه، وآلاف والنون الزائدتان المشبهتان ألفَ التأنيث
стр. 69
وما قبلها. وذلك: أن التعريف ثان للتنكير، والأعجميَّ من الأسماء فرع في كلام العرب، والصفةَ بعد الموصوف بها، والتأنيثَ فرع على التذكير، والتركيبَ فرع على المفردات، والمعدولَ فرع بعد المعدول عنه، والجمعَ فرع بعد الواحد، والألف والنون الزائدتين يشبه بهما الاسمُ المذكَّرُ المؤنثَ. وأما وزن الفعل المختص به فبيِّن. والوجه عندهم لسقوط التنوين من الفعل ثقله، وثقله لأن الاسم أكثر استعمالاً منه، والشيءُ إذا عاوده اللسان خفَّ، وإذا قل استعماله ثقل. وهذه الأسماء غيرها أكثر استعمالا منها، فثقلت، فمنعت ما منع الفعل من التنوين وصار الجر تبعاً له. وليس يُحتاج من هذا إلا معرف تلك العلل التي تلازم عدم الانصراف، وأما غير ذلك ففضل، هذا لو كان بيِّناً، فكيف به وهو ما هو في الضعف، لأنه ادعاء أن العرب أرادته، ولا دليل على ذلك، إلا سقوط التنوين، وعدم الخفض. وهذان إنما هما للأفعال، فلولا شبه الأفعال، لما سقط منها ما يسقط من الأفعال!
قيل: نجد في الأسماء ما هو أشد شبهاً بالأفعال من هذه الأسماء التي لا تنصرف،
وهي منصرفة، نحو (أقام إقامة). وما أشبهه، (فإقامة) مؤنث، والفعل مشتق منه، ودال على ما يدل عليه من الحدث، وعامل - على مذهبهم - كالفعل، وهو مؤكِّد له، والمؤكِّد تابع للمؤكَّد، كما أن الصفة بعد الموصوف، ففيه التأنيث، والتأكيد والعمل، ودلالة الاشتقاق، وإن لم تكن فيه التاء نحو قيام ففيه أنه لا يثنَّى، ولا يجمع، كما أن الفعل كذلك.
ومثال ما هو بين الفساد قول محمد بن يزيد المبرد: إن نون ضمير جماعة
стр. 70
المؤنث، إنما حرك، لأن ما قبله ساكن، نحو (ضربْنَ ويضربْنَ) وقال فيما قبلها: إنه أسكن، لئلا تجتمع أربع حركات، لأن الفعل والفاعل كالشيء الواحد. فجعل سكون الحرف الذي قبل النون، من أجل حركة النون، وجعل حركة النون من أجل سكون ما قبلها. فجعل العلة معلولة بما هي علة له، وهذا بين الفساد. ولولا الإطالة لأوردت منه كثيراً. وكان الأعلم ﵀ على بصره بالنحو مولعا بهذه العلل الثواني، ويرى انه إذا استنبط منها شيئاً فقد ظفر بطائل. وكذلك كان صاحبنا الفقيه أبو القاسم السُّهَيْلي على شاكلته ﵀ يولع بها، ويخترعها، ويعتقد ذلك كمالاً في الصنعة وبصَراً بها.
وكما أنا لا نسال عن عين عِظْلِم، وجيم جَعفر، وباء بُرْثُن، لمَ فُتحت هذه، وضُمت هذه، وكُسرت هذه، فكذلك أيضاً لا نسال عن رفع (زيد). فإن قيل: زيد متغير الآخر،
стр. 71
قيل: كذلك عِظْلِم، يقال في تصغيره بالضم، وفي جمعه على فعالِل بالفتح. فإن قيل: للاسم أحوال يرفع فيها، وأحوال ينصب فيها، وأحوال يخفض فيها، قيل: إذا كانت تلك الأحوال معلومة بالعلل الأُوَل، الرفع بكونه فاعلاً أو مبتدأً أو خبراً أو مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله، والنصب بكونه مفعولاً، والخفض بكونه مضافاً إليه، صار الآخِرُ كالحرف الأول الذي يُضَم في حال، ويُفتَح في حال، ويُكسَر في حال، يكسر في حال الأفراد، ويفتح في حال الجمع، ويضم في حال التصغير.
стр. 72
ومما ينبغي أن يسقط من النحو (ابْنِ من كذا مثال كذا) كقولهم (ابن من البيع) مثال (فُعْل)، فيقول قائل: (بوع) أصله بُيْع فيبدل من الياء واواً لانضمام ما قبلها، لأن النطق بها ثقيل، كما قالت العرب: (موقن وموسر) أصل مُوقن: ميْقن، لأنه اسم فاعل، وفعله أيقن، ففاء الفعل منه ياء. كما أن أكرم اسم الفاعل منه اؤه ياء، كما أن اسم أكرم اسم الفاعل منه مكرم، ففاء الفعل وهي الكاف، وهي فاء اسم الفاعل في مكرم، وكذلك كل اسم فاعل صحيح، فاؤه فاء فعله، وعينه عينه، ولامه لامه. وتقول في جمع موسر: (مياسير)، وفي تصغيره (مييسر)، لما زالت علة إبدال الياء واواً، وهي سكونها وانضمام ما قبلها، رجع إلى أصله. ومن قال (بيع) بالكسر كسر الباء، لتصحَّ الياء، كما قالت العرب (بِيض وعِين وغِيد) في جمع (بَيْضاء وعَيْناء وغَيْداء) وكذلك المذكر، لأن فعلاء يجمع على فُعْل (كحمراء وحُمْر وشقراء وشُقْر)، والقياس أن يقال (بُيْض وغُيْد وعُيْن) لكنهم عدلوا إلى الكسر لئلا يبدلوا من الياء واواً. وإما أي الرأيين هو الصواب؟ فلكل واحد من الرأيين حجة. فحجة من أبدل الياء واواً أن بوعاً مفرد، وحَمْلُه على موسر ونظرائه أولى من الحمل على الجمع، وأيضاً فإنا وجدنا الآخر يتبع الأول أكثر
стр. 73
مما يتبع الأولُ الآخر، قالوا ميعاد وميزان، فابدلوا الآخر للأول، ولم يبدلوا الكسرة ضمة ولا فتحة، لتصح الواو. وكذلك الأمر مما فاؤه واو نحو (إِيجل وإيسَق) وكذلك (رياض وثياب) أصلهما رواض وثواب، فأبدل من الواو ياء لانكسار ما قبلها ولشروط أُخر. وكذلك (صام صياماً وقام قياماً) أصلهما: صِوام وقِوام فأبدل من الواو ياء لانكسار ما قبلها. وكذلك (غُزِي ودُعِي)، وكل ما لامه واو إذا بُني لما لم يسم فاعله. وكذلك اسم الفاعل مما لامه واو، يقال (رأيت غازياً)، وكذلك قيل وسيق على اللغة الفصيحة. فهذا كله يتبع فيه الآخِرُ الأول. وحجة من قال (بيع) بالكسر قياسه على بيض، وإبدالُ الضمة كسرة لتصح الياء أولى من رد
الياء إلى الواو، لأن الياء أخف. وهي الغالبة على الواو. وكما يتبع الآخِرُ الأولَ كذلك يتبع الأولُ الآخِرَ، قالوا في تصغير شيخ شَيَيْخ وجاء فيه شِيَيْخ كسرت الشين من أجل الياء.
стр. 74
وقالوا في الأمر الثلاثي المضموم العين بضم ألف الوصل، لانضمام العين نحو (اقْتُلْ وأخرج) وما أشبههما، فلولا ضم العين لكانت الألف مكسورة. ومما يتبع فيه الأول الآخر (امرُءٌ وابنُمٌ)، إلا أن المواضع التي يتبع فيها الآخرُ الأول أكثر في كلام العرب من المواضع من المواضع التي يتبع فيها الأولُ الآخر، ولكن رد الواو إلى الياء أكثر من لرد الياء إلى الواو. (وَكيلَ ويبعَ) أفصح من (كول وبوع). فهذا على ثلاثة أقسام: ما يرد فيه الآخر إلى الأول لا غير، وما يرد فيه الأول إلى الآخر لا غير، وما فيه لغتان: رد الآخر إلى الأول، ورد الأول إلى الآخر، إلا أن رد الأول إلى الآخر أفصح، فترجح بهذا أن قول من يقول (بيع) أظهر. وهذا في مسألة واحدة فكيف إذا أُكثر من هذا الفن، وطال فيه النزاع، وامتدت إليه أطناب القول، مع قلة جَداه وعدم الافتقار إليه. والناس عاجزون عن حفظ اللغة الفصيحة الصحيحة فكيف بهذا المظنون المستغنى عنه!.
ومما يجب أن يسقط من النحو الاختلاف فيما لا يفيد نطقاً، كاختلافهم في علة رفع الفاعل، ونصب المفعول، وسائر ما اختلفوا فيه، من العلل الثواني وغيرها، مما لا يفيد نطقاً، كاختلافهم في رفع المبتدأ، وناصب المفعول، فنصبَه بعضهم بالفعل، وبعضهم بالفاعل، وبعضهم بالفعل والفاعل معاً، وعلى الجملة كل اختلاف فيما لا يفيد نطقاً.
стр. 75
كمل والحمد لله حق حمده، والصلاة على محمد نبيه وعبده، وسلم تسليماً.