سادسًا: وقد ذكر بعض المؤرخين أن رئيس الشرطة في أيامه عبد الله بن قنفذ من بني تيم" (١) ".
فهذه هي المناصب الستة العليا في الدولة لم يكن واحد منها من بني أمية أو أقارب عثمان ﵁ وعن باقي الصحابة أجمعين.
سابعًا: وأما عمال الولايات وولاتها فلم يكن مع كثرتهم إلا الثلاثة من بني أمية، وواحد من هؤلاء الثلاثة لم يولّه عثمان على ولايته، بل كان قد ولّى من قبل أبي بكر
ثم أثبته على تلك الولاية عمر مع كثرة عزله العمال والولاة ألا وهو معاوية بن أبي سفيان ﵄ كما ذكر مؤرخ شيعي معاوية من عمال عمر" (٢) ".
ولم يكن أبو بكر ولاّه على تلك الولاية إلا نائبًا لأخيه يزيد بن أبي سفيان ﵄ رسول الله ﷺ على تيماء " (٣) "كما استعمل أباهم، أبا سفيان ﵁ على نجران " (٤) ".
ولم يبق إلا الاثنان: عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وعبد الله بن عامر بن كريز.
والجدير بالذكر أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيضًا ليس من بني أمية، بل هو من بني عامر ولكن المرضعة التي أرضعت عثمان ﵁ كان أم عبد الله هذا، فهذه حقيقة القرابة كلها.
ثم فهل كان تولية عبد الله بن عامر بن كريز وأضف إليه عبد الله بن سعد من بين العمال الكثيرين فيها مأخذًا ومطعنًا في سيدنا عثمان بن عفان ﵁؟.
стр. 107
فهل من المحرّم شرعًا أن يولى الخليفة والأمير أحدًا من أقاربه يستأهله فقط لأنه من أقاربه أو قبيلته وعشيرته. فهل ورد بذلك الكتاب أم السنة، وهل صرح بذلك أحد من الصحابة وأهل البيت وحتى عليّ وأولاده؟.
وهل هذا من المطاعن؟.
فإن كان هذا طعنًا فوقوعه في عليّ بن أبي طالب ﵁ أحق وأولى حيث ولّى أيام خلافته فثم بن عباس على مكة وعبد الله بن عباس على اليمن " (١) "وولّى عبد الله بن عباس على البصرة وولّى ربيبه محمد بن أبي بكر على مصر" (٢) ".
وولّى صهره وابن أخته جعد بن الهبيرة على خراسان، كما كان على عساكره محمد بن الحنفية" (٣) "
وقد ناب عنه في الحج سنة ٣٦هـ عبد الله بن عباس، وسنة ٣٧هـ فثم بن العباس، وسنة ٣٨هـ عبيد الله بن العباس " (٤) ".
ثم من أين لقوم أن يعترضوا على عثمان لتوليته أقاربه وهو لم يولّ كما أثبتناه - وهم لم يجعلوا عليًّا ﵁ وصى رسول الله إلا لقرابته منه، ولم يجعلوا الإمامة في أولاده إلا لأنهم من أولاده.
وعار عليك إذا فعلت عظيم
ثم ولولا أن يطول بنا الحديث لأثبتنا أن عمل عثمان ﵁ كان أقرب لسنة رسول الله ﷺ ممن جاء بعده، ولم يعترض على عمله
стр. 108
وعماله أحد من أصحاب رسول الله ولا عليّ والهاشميون الآخرون غيره، ولا أهل الأمصار والولايات الذين أمّر عيهم هؤلاء العمال كما هو ثابت في التاريخ.
فهذا كل ما يدندن حوله القوم من السبئيين إلى شيعة عصرنا الحاضر. وهذه هي الحقيقة وهذه هي الحقائق، وهذه هي التهمة الكبيرة والمطعن الأكبر الذي استعمله السبئيون قديمًا، ويستعمله الشيعة حديثًا.
وأخيرًا ننقل هاهنا ما ذكره الذهبي في (المنتقى) جوابًا على هؤلاء:
إنّ نوّاب عليٍّ قد خانوه وعصوه أكثر مما خان عمال عثمان له وعصوه وذهب بعضهم إلى معاوية. وقد ولَّى علي ﵁ زياد بن أبي سفيان أبا عبيد الله بن زياد قاتل الحسين وولَّى الأشتر، وولى محمد بن أبي بكر، ومعاويةُ خيرٌ من هؤلاء كلهم. ومن العجب أن الشيعة ينكرون على عثمان ما يدعون أن عليًّا كان أبلغ فيه من عثمان، فيقولون إن عثمان ولى أقاربه من بني أمية وعليّ ولَّى أقاربه من قبل أبيه وأمه كعبد الله وعبيد الله ابني عمه العباس وقُثَم بن العباس وثُمامة ابن العباس. وولى على مصر ربيبه محمد بن أبي بكر الذي رباه في حجره وولد أخته أم هانئ ثم إن الإمامية تدَّعي أن عليًّا نص على أولاده في الخلافة ... ومن المعلوم أنه إن كان تولية الأولاد أقرب إلى الإنكار من تولية بني العم ... وإذا ادُّعي لعلي العصمة ونحوها مما يقطع عنه ألسنة الطاعنين كان ما يُدَّعى لعثمان من الاجتهاد الذي يقطع ألسنة الطاعنين أقرب إلى المعقول والمنقول. وأما عثمان فله أسوة في استعمال بني أمية بالنبي ﷺ فقد استعمل عتّابَ بن أسيد الأموي على مكة، وأبا سفيان
стр. 109
على نجران، واستعمل خالد بن سعيد بن العاص، حتى إنه استعمل الوليد بن عقبة ...
فيقول عثمان: "أنا لم أستعمل إلا من استعمله النبي ﷺ ومن جنسهم ومن قبيلتهم، وكذلك أبو بكر وعمر بعده، فقد ولّى أبو بكر يزيد بن أبي سفيان بن حرب في فتوح الشام، وأقرَّه عمر، ثم ولّى عمى بعده، أخاه معاوية. وهذا النقل عن النبي ﷺ في استعمال هؤلاء ثابت مشهور عنه، بل متواتر عند أهل العلم، فكان الاحتجاج على جواز الاستعمال من بني أمية بالنص الثابت عن النبي ﷺ أظهرَ عند كل عاقل من عوى كون الخلافة في واحد معين من بني هاشم بالنص، لأن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالنقل، وذاك صدق
باتفاق أهل العلم بالنقل. وأما بنو هاشم فلم يستعمل النبي ﷺ منهم إلا عليًّا على اليمن وجعفر على غزوة مؤتة مع مولاه زيد وابن رواحة" (١) ".
وأما توليته الوليد بن عقبة على الكوفة فليس فيه شيء، لأن الوليد كان من أعيان قريش:
وكان من رجال قريش ظرفًا وحلمًا وشجاعة وأدبًا، وكان شاعرًا شريفًا " (٢) "ثم رسول الله ﷺ نفسه أمّره على صدقات بني المصطلق:
أسلم يوم الفتح وبعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق" (٣) ".
وأما سعيد بن العاص فنثبت هاهنا ما ذكره الخطيب محب الدين على هامش (المنتقى من منهاج السنة):
стр. 110
"كان سعيد بن العاص في الذروة العليا من فصحاء قريش، وندبه عثمان عند كتابة القرآن فأقيمت عربية القرآن على لسانه، لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله ﷺ وبلغ من صدق إيمانه أن قال له عمر يومًا أنا لم أقتل أباك، وإنما قتلت خالي العاص بن هشام فقال له سعيد: ولو قتلته لكنتَ على الحق وكان على الباطل. وسعيد بن العاص هو فاتح طبرستان وغزا جرجان وكان في عسكره حذيفة وغيره من كبار الصحابة. وحسبه شرفًا ما رواه عبد الله بن عمر بن الخطاب أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ ببردة فقال: إني نذرت أن أعطي هذه البردة لأكرم العرب، فقال لها ﷺ : أعطيها لهذا الغلام. وهو واقف. " (١) " فإن لم تكن إقامة القرآن على لسان سعيد بن العاص مفخرة عند الرافضة فشهادة النبي ﷺ له بأنه أكرم العرب من أعظم مفاخر الدنيا والدين، إلا أن له عيبًا وهو أنه أحد الذين أخرجوا إيران من المجوسية إلى الإسلام بتسجيل التاريخ له أنه فاتح طبرستان وقائد كبار الصحابة في غزو جرجان. وأحاديثه في صحيح مسلم وسنن النسائي وجامع الترمذي. ولكن الرافضة لا تعبأ بصحيح مسلم ولا بجميع دواوين السنة المحمدية مادامت مكتفية بأكاذيب كتابهم الذي يسمونه الكافي. ومن مفاخر سعيد بن العاص التي يموت الرافضة بسببها كمدًا وحنقًا ما أخرجه الطبراني من طريق محمد بن قانع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: رأيت رسول الله ﷺ عاد سعيد بن العاص، فرأيته يكمده بخرقة. وأراد بعضهم أن يصرف هذه المنقبة إلى جد سعيد بن العاص - وهو أيضًا يسمى سعيد بن العاص - لكن ذلك لا يمكن أن يكون إلا في مكة قبل الهجرة وجد
سعيد بن العاص مشرك، فإن صحّ أن
стр. 111
النبي ﷺ فعل ذلك بجد سعيد بن العاص الأموي وهو مشرك فيكون ذلك من باب المودة في القربى لأنهما من بني عبد المناف، وسبُّ الرافضة للأمويين من بني عبد المناف في جاهليتهم وإسلامهم ينافي ما كان يحتج إليه النبي ﷺ من أسباب المودة في القربى التي تقدم الكلام عليها لمناسبة ما كان النبي ﷺ يبادل به أبا سفيان في الجاهلية من أسباب هذه المودة العائلية. وعلى ذكر حديث البردة التي نذرت إحدى الصحابيات أن تعطيها لأكرم العرب فأمرها النبي ﷺ أن تعطيها لسعيد بن العاص وكان غلامًا بعد، فإن هذا الحديث من أعلام النبوة، وقد اكتشف النبي ﷺ بنور الوحي الإلهي أن سعيدًا سيكون أكرم العرب، روى ابن أبي خيثمة من طريق يحيى بن سعيد قال: قدم محمد بن عقيل بن أبي طالب على أبيه فقال له: من أشرف الناس؟ قال: أنا وابن أمي، وحسبك بسعيد بن العاص وقال معاوية: كريم قريش سعيد بن العاص. وكان مشهورًا بالكرم والبر، حتى كان إذا سأله السائل وليس عنده ما يعطيه كتب له بما يريد أن يعطيه مسطورًا، فلما مات كان عليه ثمانون ألف دينار فوفاها عنه ولده عمرو الأشدق .... وهذا هو الأموي الذي يعير الرافضيُّ أمير المؤمنين عثمان بأنه ولاه الكوفة، مات سعيد بن العاص في قصره بالعقيق سنة ٥٣" (١) "ونضيف إلى ذلك أنه كان يهدي عليًّا ﵁ وكان يقبل منه كما ذكره ابن سعد في طبقاته:
إن سعيد بن العاص قدم المدينة وافدًا إلى عثمان، فبعث إلى وجوه المهاجرين والأنصار بصلات، وإلى علي بن أبي طالب فقبل منه" (٢)
стр. 112
"فإن كان كما يذكره السبئيون والشيعة فكيف يقبل منه صلات وهدايا؟. وأكثر من ذلك أن سعيد بن أبي العاص هذا:
"خطب أم كلثوم بنت علي من فاطمة التي كانت زوجة عمر بن الخطاب فأجابت إلى ذلك" (١) ".
فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير.
فانظر إلى شهامة عمال عثمان وكرم البيت الأموي كما يذكره الذهبي وغيره:
"خطب سعيد بن العاص أم كلثوم بنت علي بعد عمر، وبعث لها بمائة ألف، فدخل عليها أخوها الحسين وقال: لا تزوجيه، فقال الحسن: أنا أزوّجه واتعدوا لذلك، فحضروا فقال سعيد: وأين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: سأكفيك، قال: فلعل أبا عبد الله
كره هذا، قال: نعم، قال: لا أدخل في شيء يكرهه ورجع ولم يأخذ من المال شيئًا" (٢) ".
وأما عبد الله بن عامر عامل عثمان على العراق فيكفيه شرفًا أنه:
أتى به النبي ﷺ وهو صغير، فقال: يشبهنا وجعل يتفل عليه ويعوذه، وجعل عبد الله يبتلع ريق رسول الله ﷺ إنه المستقى، فكان لا يعالج أرضًا إلا ظهر له الماء ... فكان كما قال رسول الله ﷺ " (٣) "
وزاد ابن سعد أن رسول الله ﷺ قال:
"هذا ابننا وهو أشبهكم بنا" (٤) "
لأن جدته كانت عمة رسول الله ﷺ وهي أم حكيم بنت عبد المطلب
стр. 113
بن هاشم " (١) "
وكان سخيًّا شجاعًا، وصولاً لقرابته ولقومه، محببًا فيهم، رحيمًا " (٢) ".
وولاه بلاد فارس وكان عمره خمسًا وعشرين سنة، فافتتح خراسان كلها وأطراف فارس وسجستان وكرمان وزابلستان " (٣) "
كما أرسل العساكر إلى كل من قومس ونسّا وابرشهر وجام وطوس واسفرائين وسرخس ومرو وبوشنج وزرنج" (٤) "وهو الذي قتل كسرى في ولايته " (٥) ".
وأرسل العساكر إلى الكاريان والفيشجان وناشب وبهراة وبيهق وطخارستان وجوزجان والفاريان والطالقان وبلخ وخوارزم وبادغيس وأصبهان وحلوان " (٦) ".
وافتتحت هذه البلدان كلها تحت إشرافه وبأيدي عساكره " (٧) "وهو أول من اتخذ الحياض بعرفة، وأجرى إليه العين وسقى الناس الماء، فذاك جار إلى اليوم " (٨) "
وعلى ذلك قال شيخ الإسلام:
"إن عبد الله بن عامر له من الحسنات والمحبة في قلوب الناس ما لا ينكر" (٩) "
стр. 114
وأنى للشيعة من أولهم إلى أخرهم أن يكون لهم وال مثله في الجهاد والغزوات وفي الفتوحات وتقديم الهبات والصلات والبر بالناس وعمل الخيرات.
وأما مروان الذي طالما كثر الكلام حوله فتفصل فيه القول بعض التفصيل لأنه هو كان محور المطاعن ومركز التجريح، ولا زال من قبل السبئية ومن فرق الشيعة كلها.
فإن أكثر ما روي عنه من المطاعن والتهم من قبيل شتمه وسبابه لعليّ، وأخذه خمس أفريقيا، ونفى والده وطرده هو معه، وكتابته الكتاب المزعوم لقتل محمد بن أبي بكر وغيرها من الروايات لم ترو إلا من طريق الواقدي ومحمد بن السائب الكلبي وابنه هشام أو أبي مخنف لوط بن يحيى، وقد ذكرنا أحوال جميع هؤلاء الرواة بأنهم من بقايا السبئيين ومن الشيعة مع الانقطاع في رواياتهم ومروياتهم لأنهم يروون ممن لم يسمعوا عنه ولم يلتقوا به، وعلى ذلك لا يلتفت إلى ما ورد بطرقهم وتفردوا بنقلها مثل الطبري وابن سعد فإنهم لم يروا إلا من الواقدي. وأما البلاذري في (أنساب الأشراف) فلم يروا إلا من هشام الكلبي وابن مخنف. وأما البقية من المؤرخين فلم يأخذوا إلا من هؤلاء. ولأجل ذلك قال القاضي أبو بكر بن العربي وابن حجر الهيتمي وابن تيمية والذهبي وغيرهم:
إن أكثر الأخبار في ذلك مختلقة ولم يصح منه شيء " (١) "وبذلك صرح علماء الحديث تحت ذكر الروايات الموضوعة أن أكثر ما ورد في هذه الروايات من ذم معاوية وعمرو بن العاص وبني أمية وكذلك من ذم الوليد و مروان بن الحكم فهي موضوعة مكذوبة اختلقها الكذابون الدجالون من الشيعة الذين جعلوا دينهم الكذب، وجعلوا
стр. 115
الكذب من أقدس المقدسات عندهم " (١) ".
كما صرح بذلك الملا علي القاري في كتابه (الموضوعات) " (٢) " وانظر أيضًا الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة " (٣) " والمنار المنيف في الصحيح والسقيم لابن القيم وغيرهم.
هذا قسم من المطاعن. وأما القسم الآخر فردّ عليه المؤرخون أنفسهم، كما ردّوا على الكتب المزوّرة التي نسبت إلى مروان بأنه هو الذي كتبها وختم عليها عثمان لأن الختم كان عنده فقالوا إن هذا كب على الصحابة:
"إنما كتبت مزورة عليهم كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير كتبًا مزوّرة عليهم" (٤) ".
وذكر ابن خلدون:
فانصرفوا قليلاً ثم رجعوا وقد لبسوا بكتاب مدلس يزعمون أنهم لقوه في يد حامله إلى عامل مصر بأن يقتلهم، وحلف عثمان على ذلك، فقالوا مكنّا من مروان فإنه كاتبك فحلف مروان فقال: ليس في الحكم أكثر من هذا" (٥) "
وقبل ذلك قد أعلن باختلاق هذه الكتب علي بن أبي طالب ﵁ دراية وفراسة منه كما نقلنا كلامه في بداية الأمر بأنه قال:
"كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقي أهل مصر وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا، هذا والله أمر أبرم بالمدينة، قالوا: فضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا" (٦) ".
стр. 116
هذا من ناحية الرواية. وأما دراية فهل يعقل أن شخصًا كهذا يكون كاتبًا لسيدنا عثمان بن عفان ﵁ ولا يعترض عليه أحد من كبار الصحابة بما فيهم علي بن أبي طالب حامل راية رسول الله يوم خيبر، وسعد بن أبي وقاص أحد العشرة المبشرة وفاتح إيران، والزبير ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه، وطلحة الذي وقى رسول الله ﷺ من سهام مشركي مكة وصار له كالترس، وغيرهم من أعيان الصحابة وأكابرهم؟ ولا يصدر هذا الكلام الذي يخترعونه ويختلقونه من أعيان الصحابة وأكابرهم.
ثم وهل يمكن أن يشفع له الحسن والحسين ﵄ إلى أبيهما أن يطلق سراحه يوم كان أسيرًا عنده؟ كما ذكره الشيعة أنفسهم، قالوا:
"أخذ مروان بن الحكم أسيرًا فاستشفع له الحسن والحسين ﵉ إلى أمير المؤمنين عيه السلام فكلم فيه فخلّى سبيله" (١) "
وهؤلاء الثلاثة أي علي وابناه الحسن والحسين معصومون عند الشيعة حسب زعمهم، وعند السبئيين كان عليّ هو هو - أي الله - فالإله يقبل الشفاعة ويطلق السراح لشخص يكون متصفًا بتلك الأوصاف التي وصفه بها القوم كذبًا ومينًا؟.
وأكثر من ذلك. نعم أكثر من ذلك قد ذكر كبير القوم المجلسي حديثًا في كتابه عن موسى بن جعفر عن جعفر أنه قال:
"كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان بن الحكم فقالوا: لأحدهما (أي لموسى أو جعفر): ما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى
стр. 117
البيت؟ فقال: والله لا، ما كان يزيد على صلاة" (١) ".
ومثل ذلك ذكره ابن كثير في تاريخه" (٢) ".
كما ذكر الإمام البخاري في تاريخه عن شرحبيل بن سعد قال:
"رأيت الحسن والحسين يصليان خلف مروان" (٣) ".
هل بعد هذا شك لشاك بأن هذه التهم كانت كلها باطلة ومختلقة، لا صحة لها على الإطلاق، ولو كان فيها شيء من الصحة لما كانت معاملة علي وأهل بيته له مثل ما ذكر في كتب الشيعة أنفسهم.
هذا ولقد ذكر المؤرخون كثيرًا من الوقائع التي تنبئ وتثبت صراحة عكس ما ذكره السبئيون وما يعيده الشيعة في مختلف الأدوار. ومنها ما ذكروه أن علي بن الحسين الملقب بزين العابدين - وهو الإمام المعصوم الرابع عند القوم - استقرض من مروان ستة آلاف دينار ومائة ألف درهم، فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه عبد الملك أن لا يسترجع من علي بن الحسين شيئًا مما كان أقرضه " (٤) ".
ثم إن ابنة علي ﵁ ألا وهي رملة زوّجت من ابن مروان هذا، كما ذكر هذا الزواج عديد من النسابين:
"كان رملة بنت علي عند أبي الهياج - الهاشمي - واسمه عبد الله بن سفيان بن أبي الحارث بن عبد المطلب ولدت له وقد انقرض ولد سفيان بن الحارث، ثم خلف عليها معاوية بن مروان بن الحكم" (٥) ".
وكذلك زينب بنت الحسن المثنى كانت متزوجة من حفيد مروان وليد بن عبد الملك، وكانت زينب هذه نجيبة الطرفين حيث أنها حسنية
стр. 118
من قبل أب وحسينية من قبل الأم، فإن أمها كانت فاطمة بنت الحسين بن علي.
ولقد ذكر هذا الزواج أيضًا عديد من أصحاب الأنساب:
"وكانت زينب بنت الحسن بن الحسن بن علي عند الوليد بن عبد الملك بن مروان وهو خليفة" (١) ".
وكذلك تزوج الوليد بن عبد الملك هاشمية علوية أخرى نجيبة الطرفين. ألا وهي نفيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب سبط الرسول، وأم نفيسة كانت لبابة بنت عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. وقد ذكر هذا الزواج نسابة شيعي مشهور كما ذكرنا من قبل:
"وكان لزيد ابنة أمها نفيسة خرجت إلى الوليد بن عبد الملك بن مروان، فولدت منه" (٢) ".
وهناك مصاهرات أخرى ذكرها أصحاب الأنساب.
فهذه هي شهادات التاريخ وشهادات الشيعة أنفسهم بأن الفاطميات والعلويات تزوجن من أبناء مروان وأحفاده، فإن كان مروان كما يصفه الواصفون، وكما يكذب عليه الكذابون فكيف كان هذا؟ وما الجواب عنه؟.
والجواب يعلمه المنصفون لأول وهلة أنه لم يكن هناك شيء إلا ما اختلقه السبئيون أبناء اليهود ومن سلك مسلكهم، وإلا فهل يعقل من أولاد عليّ ﵁ بأنهم يزوّجون بناتهم من أبناء مروان وأحفاده إن كان مروان كما قيل عنه وكما يقال؟.
وأما اتهام السبئيين ومن خلفهم بأن عثمان كان يؤثر أهله بالأموال
стр. 119
الكثيرة من بيت المال فلا يثبت في ذلك شيء لأن عثمان ردّ على السبئيين يوم ذاك كما نقلنا مقدمًا أنه قال:
"وأما إعطاءهم فإني أعطيهم من مالي ولا أستحل أموال المسلمين لنفسي ولا لأحد من الناس، ولقد كنت أعطي العطية الثمينة الرغيبة من صلب مالي أزمان رسول الله ﷺ أفحين أتيت على أسنان أهل بيتي وفني عمري وودعت الذي لي في أهلي" (١) ".
وقد أقر المخالفون لعثمان حينما قال لهم:
"وإني قد ولّيت وإني أكثر العرب شاة وبعيرًا ومالاً، فمالي اليوم شاة ولا بعير غير البعيرين لحجي، أكذلك؟ قالوا: اللهم نعم" (٢) ".
ثم كل ما ورد بعد هذا ليس إلا من اختلاق السبئية الذين تعودوا على تكرار الكذب والإصرار عليه ليورثوا الضغائن والأحقاد ضد رحماء رسول الله وأصهاره وضد رفاق رسول الله وتلامذته وأحبائه.
والجدير بالذكر أن رواة هذه الأشياء هم نفس الرواة الذين ينقلون الأكاذيب في أصحاب رسول الله ﷺ يفخمونها ويكبرونها، بل ويختلقونها ويخترعونها من الواقدي الرافضي، ولوط بن يحيى أبي مخنف الشيعي، لا عن واحد من الثقات ومن رواة السنة، ولقد قدمنا الكلام في هؤلاء في بداية البحث، فلا التفات إلى رواياتهم الكاذبة الموضوعة ولا اعتبار بها.
فلم يأت عثمان بمنكر. لا في أول الأمر ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر، وكل ما سمعت من خبر باطل إياك أن تلتفت إليه.
ومثل ذلك قال أمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري عن الحسن بن علي أنه قال:
стр. 120
"عمل أمير المؤمنين عثمان ثنتي عشرة سنة لا ينكرون من إمارته شيئًا حتى جاء فسقة فداهن والله في أمره أهل المدينة" (١) ".
وبذلك شهد محمد بن مسلمة وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر أنه لم يكن هناك شيء، بل كان ما كان هو مؤامرة دبّرها عبد الله بن سبأ بمؤامرة خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر وغيرهم " (٢) ".
وجمعوا حولهم قومًا لأحقاد اعتقدوها ممن طلب أمرًا فلم يصل إليه، وحسد حساد أظهر داؤها، وحمله على ذلك قلة دين وضعف يقين، وإيثار العاجلة على الآجلة " (٣) ".
"والجدير بالذكر أن سودان بن حمران وخالد بن ملجم كانا من الذين نظر إليهم عمر بن الخطاب في إمرته فأعرض عنهم ثم أعرض ثم عرض حتى قيل: مالك ولهؤلاء؟ فقال: إني عنهم لمتردد، وما مرّ بي قوم من العرب أكره إلي منهم" (٤) ".
وأما ضربه ابن مسعود وعمارًا ونفيه أبا ذر إلى الربذة فلم يثبت شيء منه، كلها أباطيل وأكاذيب، اللهم إلا أنه اختلف مع ابن مسعود على حمله الناس على مصحف واحد حيث إن ابن مسعود كان يعارضه، والأمة قاطبة وعلى رأسهم أصحاب رسول الله كانوا مع عثمان، ولا زال مصحفه هو متداولاً بين الناس. فلم ينقل عن الثقات أنه ضرب ابن مسعود حتى مات، ولم يذكره السبئيون فيما ذكروا من تهمهم على عثمان.
وأما قضية عمار فقد كان كل ما فيه كما ذكره المؤرخون أنه كان بينه
стр. 121
وبين عباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف فأدبهما عثمان بالضرب ولم يكن بينهم شيء، ولأجل ذلك أرسل أمير المؤمنين عثمان عمارًا فيمن أرسل لاستخبار أحوال المسلمين واكتشاف أمورهم كما مرّ ذلك مقدمًا" (١) ".
نعم استغل السبئيون وجوده في مصر والتفوا حوله وأثاروا حفيظته ليستميلوه إليهم، فلما وصل المدينة عاتبه عثمان على ممالأته السبئيين وقال له:
"يا أبا اليقظان قذفت ابن أبي لهب قذفك ... وغضبت على أن أخذت لك بحقك وله بحقه، اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة، اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي" (٢) ".
وأما أمر أبي ذر فنذكر لبيان الحقيقة عبارة من تاريخ ابن خلدون حيث يذكر مطعن السبئيين على سيدنا عثمان لقلب حكم المسلمين ويذكر حقيقة هذا الطعن بقوله:
وكان مما أنكروه على عثمان إخراج أبي ذر من الشام ومن المدينة إلى الربذة وكان الذي دعا إلى ذلك شدّة الورع من أبي ذر وجعل الناس على شدائد الأمور والزهد في الدنيا وأنه لا ينبغي لأحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة وكان ابن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله المال مال الله ويوهم أنّ في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عتب أبو ذر معاوية فاستعتب له وقال سأقول مال المسلمين، وأتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك فدفعوه وجاء به عبادة إلى معاوية وقال هذا الذي بعث عليك أبا ذر ولما كثر ذلك على معاوية شكاه إلى عثمان
стр. 122
فاستقدمه وقال له ما لأهل الشام يشكون منك؟ فأخبره، فقال يا أبا ذر لا يمكن حمل الناس على الزهد وإنما عليّ أن أقضي بينهم بحكم الله وأرغبهم في الاقتصاد، فقال أبو ذر لا نرضى من الأغنياء حتى يبذلوا المعروف ويحسنوا للجيران والإخوان ويصلوا القرابة، فقال له كعب الأحبار من أدّى الفريضة فقد قضى ما عليه فضربه أبو ذر فشجه، وقال يا ابن اليهودية ما أنت وهذا! فاستوهب عثمان من كعب شجته فوهبه، ثم استأذن أبو ذر عثمان في الخروج من المدينة وقال إنّ رسول الله ﷺ أمرني
بالخروج منها إذا بلغ البناء سلعًا، فأذن له ونزل بالربذة وبنى بها مسجدًا وأقطعه عثمان صرمة من الإبل وأعطاه مملوكين وأجرى عليه رزقًا وكان يتعاهد المدينة فعدّ أولئك الرهط خروج أبي ذر فيما ينقمونه على عثمان" (١) ".
وقد ثبت بذلك أشياء منها:
أولاً: أن أبا ذر ﵁ لشدة ورعه وزهده وسذاجته انطلى عليه أكاذيب عبد الله بن سبأ، وهو الذي كان يحرضه.
ثانيًا: كان ﵁ يقول بأقوال ويدعوا الناس إلى آراء لم يأخذ بها أحد من الصحابة ولم يعمل بها أحد من حكام المسلمين وحتى عليّ لم يعمل بها في إمرته.
ثالثًا: كان معاملة عثمان معه معاملة الرفق والرفيق.
رابعًا: شدة أبي ذر بآرائه وأفكاره، وضربه كعب الأحبار وجرحه إياه.
خامسًا: شفاعة عثمان إلى كعب الأحبار لعدم الاقتصاص منه وطلبه العفو والسمح.
стр. 123
سادسًا: استيذان أبي ذر عثمان في الخروج من المدينة امتثالاً بقول رسول الله.
سابعًا: نزوله الربذة برضاه، لا نفيًا ولا طردًا من عثمان.
ثامنًا: لم يكن الربذة خلاء ولا صحراء كما يصورها الأعداء، بل كان فيها عمران حتى بني بها مسجدًا.
تاسعًا: إقطاع عثمان إياه صرمة من الإبل وإعطاؤه إياه مملوكين للخدمة، وإجراء الأرزاق عليه.
عاشرًا: لم يكن منفيًّا ومطرودًا حيث كان يتعاهد المدينة.
فتلك عشرة كاملة
والجدير بالذكر أن الربذة لم تكن بعيدة من المدينة لأن بنيهما ثلاثة أميال فقط، وقال ياقوت: وكانت في أحسن منزل في طريق المدينة" (١) ".
وعلى ذلك قال أبو بكر ابن العربي:
"وأما نفيه أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل" (٢) ".
ونقل الذهبي عن الحسن البصري أنه قال:
"معاذ الله أن يكون أخرجه عثمان" (٣) ".
ومثل هذا روي عن زوجة أبي ذر أنها قالت:
"والله ما سير عثمان أبا ذر إلى ربذة" (٤) ".
وأما عدم أخذه القصاص من عبيد الله بن عمر على قتله هرمزان فالغريب أن الشيعة يقولون بهذا القول، الذي يدعون موالاة علي ﵁
стр. 124
ومشايعته، وأنّى لهم تلك وهم أنفسهم يذمون كل من طالب عليها قصاص عثمان ممن قتله؟.
ثانيًا: ولقد ثبت أن الهرمزان كان واحدًا ممن دبروا اغتيال الفاروق الأعظم ﵁ وقتله، وهاهو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄ يذكر غداة طعن عمر:
مررت بأبي لؤلؤة عشي أمس، ومعه جفينة والهرمزان وهم نجيّ، فلما رهقتهم ثاروا وسقط منهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فانظروا بأي شيء قتل وقد تخلل أهل المسجد وخرج في طلبه رجل بني تميم، فرجع إليهم التميمي وقد كان ألظّ بأبي لؤلؤة منصرفه عن عمر حتى أخذه فقتله وجاء بالخنجر الذي وصفه عبد الرحمن" (١) ".
ثالثًا: إن القمازبان بن الهرمزان عفى عنه وغفر له قتل أبيه، وهاهو النص كما رواه أبو المنصور أنه قال:
سمعت القماذبان يحدث عن قتل أبيه قال: كانت العجم بالمدينة يستروح بعضها إلى بعض، فمرّ فيروز بأبي ومعه خنجر له رأسان فتناوله منه وقال: ما تصنع بهذا في هذه البلاد؟. فقال: ابس به، فرآه رجل. فلما أصيب عمر قال: رأيت هذا مع الهرمزان دفعه إلى فيروز، فأقبل عبيد الله فقتله، فلما ولّى عثمان دعاني فأمكنني منه، ثم قال: يا بني هذا قاتل أبيك وأنت أولى به وما في الأرض أحد إلا معي إلا أنهم يطلبون إلي فيه، فقلت لهم: إلى قتله؟ قالوا: نعم، وسبوا عبيد الله، فقلت: أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا وسبّوه، فتركته لله ولهم، فاحتملوني. فوالله ما بلغت المنزل إلا على رؤوس الرجال وأكفهم " (٢) ".
стр. 125
رابعًا: أن عثمان دفع ديته من ماله:
قال عثمان: أنا وليّه وقد جعلتها دية واحتملتها في مالي " (١) ".
أو بعد هذا مجال لقائل أن يقول، وطاعن أن يطعن؟.
وأما قضية الأذان الثاني في الجمعة فلم يكن مما اعترضه عليه السبئيون، وهذا من زيادات أسلافهم، وعلى ذلك نقول لهم: هل عليّ أزال هذا الأذان حينما تولّي الخلافة؟.
والثابت أنه لم يزل طيلة خلافته، فلماذا سكت على هذا المنكر إن كان منكرًا؟. ولم الطعن على عثمان دون عليّ إن كان هذا من المطاعن؟.
وبذلك قال الذهبي:
وأما زيادات الأذان الثاني يوم الجمعة فعليّ ممن وافق على ذلك في خلافته ولم يزله وإبطال هذا كان أهون عليه من عزل معاوية وغيره من قتالهم. فإن قيل إن الناس لا يوافقونه على إزالة الأذان قلنا: فهذا دليل على أن الناس وافقوا عثمان على الاستحباب حتى مثل عمار وسهل بن حنيف والسابقين. وإن اختلفوا فهي من مسائل الاجتهاد " (٢) ".
هذا ما قاله السبئية وطعنوا له على عثمان المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذي النورين ﵁ حتى ألّبوا الناس عليه وقتلوه خدعة ومكرًا، غدرًا وطغيانًا، بعدما أراد علي وسبطا رسول الله الحسن والحسين وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وعبد الله بن الزبير الدفاع عنه والمقاتلة دونه، وغيرهم الكثيرون حتى جاءه زيد بن ثابت الأنصاري فقال له: إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله مرتين، فقال له عثمان: لا حاجة لي في ذلك،
стр. 126
كفّوا" (١) ".
وقد ذكر ذلك ابن أبي الحديد الشيعي المعتزلي:
ومانعهم الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة ومروان وسعيد بن العاص وجماعة معهم من أبناء الأنصار، فزجرهم عثمان وقال: أنتم في حل من نصرتي فأبوا" (٢) ".
وأيضًا نهى عليّ أهل مصر وغيرهم عن قتل عثمان قبل قتله مرارًا، نابذهم بيده وبلسانه وبأولاده " (٣) ": وقد ذكر ذلك المؤرخ الشيعي المسعودي ببعض التفصيل وقد
ذكرناه من قبل، ونعيد عبارته في آخر الكلام لأن فيه تذكرة لمن يتذكره وإن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد:
فلما بلغ عليًّا أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمدًا، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بمن ذكرنا، فصدُّوهم عن الدار، فرمى من وصفنا بالسهام، واشتبك القوم، وجرح الحسن، وشج قنبر، وجرح محمد بن طلحة، فخشي القوم أن يتعصب بنو هاشم وبنو أمية، فتركوا القوم في القتال على الباب، ومضى نفر منهم إلى دار قوم من الأنصار فتسوروا عليها، وكان ممن وصل إليه محمد بن أبي بكر ورجلان آخران، وعند عثمان زوجته، وأهلُه ومواليه مشاغيل بالقتال، فأخذ محمد بن أبي بكر بلحيته، فقال: يا محمد، والله لو رآك أبوك لساءه مكانك فتراخت يده،
стр. 127
وخرج عن الدار، ودخل رجلان فوجداه فقتلاه وكان المصحف بين يديه يقرأ فيه، فصعدت امرأته فصرخت وقالت: قد قتل أمير المؤمنين، فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما من بني أمية، فوجدوه قد فاضت نفسه ﵁، فبكوا، فبلغ ذلك عليًّا وطلحة والزبير وسعدًا وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فاسترجع القوم، ودخل عليّ الدار، وهو كالواله الحزين، وقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟. ولَطَمَ الحسن وضرب صدر الحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير" (١) " فهل لهم أن ينتهوا؟.
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ونختم هذا الباب على حديث رواه البخاري:
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فضربه برجله فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان " صحيح البخاري ".
وعلى حديث آخر رواه البخاري ومسلم أيضًا:
عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائط من حيطان المدينة، فجاء رجل فاستفتح. فقال النبي ﷺ : افتح له وبشّره بالجنة، ففتحت له فإذا أبو بكر فبشرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحمد الله، ثم جاء رجل فاستفتح فقال النبي ﷺ : افتح له وبشّره بالجنة ففتحت له فإذا عمر فأخبرته بما قال النبي ﷺ فحمد الله، ثم استفتح رجل فقال لي: افتح له وبشّره بالجنة على بلوى تصيبه. فإذا
стр. 128
عثمان فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمد الله، ثم قال: الله المستعان "متفق عليه".
وأخيرًا ما رواه الترمذي وابن ماجة عن مرة بن كعب قال:
سمعت رسول الله ﷺ ذكر الفتن فقرّبهما، فمر رجل مقنع في ثوب فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه فإذا هو عثمان بن عفان، قال: فأقبلت عليه بوجهه - أي النبي ﷺ فقلت: هذا؟. فقال: نعم
"رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: هذا حديث صحيح".
فهذا هو عثمان بن عفان ﵁ على لسان رسول الله ﷺ ، وهذا هو شأنه، وهذا هو ما فعله السبئيون والمخدوعون بهم، وهذه هي المطاعن المزوّرة التي اخترعوها لقلب نظام الحكم الإسلامي الراشد " (١) " ولبثّ سموم الفتنة بين المسلمين وتزحزحهم عن العقائد الإسلامية الصحيحة وردّهم بالمرحلة الأولى بقتل أمير المؤمنين وخليفة المسلمين والتفريق بين الجماعة الواحدة والأمة المرحومة، ثم تخطوا بعد ذلك بخطوة أخرى ألا وهي الإيقاع بين المسلمين وإشعال نيران الحرب بينهم وإثارة الفتن والبغضاء، ثم إبعادهم عن العقائد الإسلامية الصحيحة وإدخالهم في العقائد اليهودية المدسوسة والفكر اللاإسلامي، وفعلاً نجحوا في المرحلة الثانية أيضًا ألا وهي إيقاع الفتن بين المسلمين والهرج والمرج حتى ينفلتوا عن الجهاد في سبيل الله ويرجعوا لضرب بعضهم بعضًا، وينحصر القتال فيما بينهم ويدور بين فئاتهم وأحزابهم
стр. 129
بعدما كانت تدور رحاها على ثغور الكفر وبلاد الشرك والوثنيات. وسنلخص القول في الباب القادم ما حصل فعلاً بأن الرقاع الإسلامية التي اتسعت في عهد عثمان امتدادًا لاتساع الفاروق والصديق انحصرت على ما كانت عليه في عهد علي ﵁، وبدأ علي ﵁ يشكو ويقول متأسفًا:
(أوصيكم عباد الله بتقوى الله، فإنها خير ما تواصى به العباد وخير عواقب الأمور عند الله، وقد فتح باب الحرب بينكم وبين أهل القبلة) " (١) ".
فبدل أن يتوجه المسلمون إلى أعداء الله وأعداء رسوله وأعداء هذه الأمة بدأت سيوفهم تتفلل فيما بينهم. وهذا ما كانت تريده اليهودية البغيضة وهذا ما حصل كما نحن بصدد بيانه وذكره.
стр. 130
الباب الرابع
تطوّر التشيع الأول والشيعة الأولى
ودَور السبأية بعد مقتل عثمان ﵁ وأيام علي ﵁
لم يكن قصدنا من كتابة هذا الكتاب أن نسرد وقائع تاريخية حدثت، بل ما قصدنا هو سرد تاريخ السبئية وما قاموا بها من شنائع واقترفوا من الجرائم والمآثم وارتكبوا من الفضائح والوقاحات ولكنه لما كنا نحتاج لسرد تاريخ هذه الفئة الباغية التي أسست في الإسلام عقائد خاصة، وكوّنت فرقًا مخصوصة، اضطررنا لسرد بعض الحوادث التاريخية التي حدثت وللسبئية فيها دخل كبير بل لم تكن لتقع لولا دسائسها ومؤامراتها، وليكون لنا بتوفيق الله وتقديره وتيسيره في هذه الحوادث والوقائع كتاب مستقل ومنزه عن الخرافات والسخافات، وخال من القصص والأساطير، ومجرد عن الأكاذيب والأباطيل التي طالما استعملها أعداء الإسلام وأعداء أمة محمد ﷺ للنيل من أسلافها وأكابرها. وما ذلك على الله بعزيز.
ويكون بحثنا مقتصرًا على الحوادث التي تتعلق بموضوعنا فقط، ونتجنب وقائع أخرى لعدم علاقتها بموضوعنا علاقة مباشرة قاصدين الاختصار دون الإطناب والتطويل، فنقول:
لما قتل الإمام المظلوم عثمان بن عفان ﵁ بقيت المدينة خمسة أيام لا أمير لها. أو أميرها واحد من قتلة عثمان هو الغافقي
стр. 131
بن حرب وحوله السبئيون وقتلة عثمان، وأهواؤهم مختلفة فيمن يجعلونه خليفة بعد عثمان أمير المؤمنين، اللهم إلا السبئية منهم فإنهم لم ينادوا إلا باسم عليّ ﵁ ولم يتستروا إلا وراءه وهو منهم بريء، ولقد مرّ مقدّمًا أن عبد الله بن سبأ اليهودي الماكر الخبيث الذي كان وراء كل هذه المؤامرات كان مع المصريين، فاختلفت آراء البغاة والطغاة والأوباش السفلة " (١) "، فقوم يريدون طلحة، وقوم يريدون الزبير، وقوم يريدون عليًّا، وكل واحد منهم يأبى وينكر لما يعرف منهم الخبث والطغيان والاشتراك في مؤامرة مدبرة لهدم كيان الإسلام والقضاء على الدولة الإسلامية، المترامية الأطراف، التي لم تتسع رقعتها إلا في عصر عثمان الذهبي، والعصر الذي يندر مثيله في تاريخ الإسلام في كثرة الغزوات والفتوحات، ثم ييئسون من هؤلاء
الثلاثة ويذهبون إلى سعد بن أبي وقاص فاتح إيران. ومن ثم إلى ابن الخليفة الفاروق الأعظم عبد الله بن عمر، فلم يكن جوابهما إلا ما أجاب بهم الثلاثة من العشرة المبشّرة. وإليك ما ذكره أقدم المؤرخين الطبري ووافقه عليه كل من ابن كثير وابن الأثير وابن خلدون وغيرهم:
حدثنا محمد بن عبد الله وطلحة بن الأعلم وأبو حارثة وأبو عثمان قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان ﵁ خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، فلا يجدونه. يأتي المصريون عليًّا فيختبئ منهم ويلوذ بحيطان المدينة، فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن مقالتهم مرة بعد مرة، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه فأرسلوا إليه حيث هو رسلاً فتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم مرة بعد مرة وكانوا
стр. 132
مجتمعين على قتل عثمان، مختلفين فيمن يهوون، فلما لم يجدوا ممالئًا ولا مجيبًا جمعهم الشر على أول من أجابهم وقالوا: لا نولي أحدًا من هؤلاء الثلاثة، فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع فأقدم نبايعك، فبعث إليهم أني وابن عمر خرجنا منها فلا حاجة لي فيها على حال، وتمثل:
لا تخلطن خبيثات بطيبة ... واخلع ثيابك منها وانج عريانا
ثم أنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا والله لا أتعرض له فالتمسوا غيري، فبقوا حيارى لا يدرون ما يصنعون والأمر أمرهم " (١) ".
ولم تكن حيرتهم إلا لمعرفتهم أنه لو قام قائم دون مشورتهم وبغير رأي منهم لحكّم فيهم السيف وأخذ منهم القصاص للإمام المظلوم وخليفة رسول الله وزوج ابنتيه وابن بنت عمته، القائم بالحق، ذي الجود والحياء عثمان بن عفان ﵁ ولقد صرح بذلك ابن كثير في روايته التي ساقها أن القوم لما يئسوا من الجميع وحاروا في أمرهم قالوا:
"إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بعد قتل عثمان بغير إمرة اختلف الناس في إمرتهم ولم نسلم" (٢) ".
ثم جاءوا إلى أهل المدينة وجمعوهم:
"فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائطه، ووجدوا بني أمية قد هربوا إلا من لم يطق الهرب، وهرب الوليد وسعيد إلى مكة في أول من خرج وتبعهم
مروان وتتابع على ذلك من تتابع، فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى وأنتم تعقدون
стр. 133
الإمامة وأمركم عابر على الأمة فانظروا رجلاً تنصبونه ونحن لكم تبع ... فقد أجلناكم يومين فوالله لئن لم تفرغوا لنقتلن غدًا عليًّا وطلحة والزبير وأناسًا كثيرًا، فغشي الناس عليًّا فقالوا: نبايعك فقد ترى ما نزل بالإسلام وما ابتلينا به من ذي القرب" (١) "فردّ عليهم علي ﵁ بقول: - وقد نقل هذا القول في أقدس كتاب شيعي حسب زعم القوم ألا وهو نهج البلاغة -:
"دعوني والتمسوا غيري، فإنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان، لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن الآفاق قد أغامت، والمحجة قد تنكرت، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم، ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن ولّيتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير لكم مني أميراً " (٢)، (٣) ".
وذكر ذلك من مؤرخين السنة الطبري في تاريخه " (٤).
стр. 134
"وابن الأثير في الكامل" (١) ". ولكنهم أكرهوه على ذلك وأجبروه:
وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس - من بايعه -" (٢) ".
كما ذكر علي ﵁ ذلك أيضًا فيما ينقله الشيعة عنه في رسالته التي أرسلها إلى أهل مصر أو خطبة ألقاها:
حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني لتبايعوني، فأبيت عليكم، وأمسكت يدي فنازعتموني ودافعتموني، وبسطتم يدي فكففتها، ومددتموها فقبضتها، وازدحمتم عليّ حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعضكم أو أنكم قاتليّ. فقلتم: بايعنا لا نجد
غيرك، ولا نرضى إلا بك، بايعنا لا نفترق ولا تختلف كلمتنا. فبايعتكم ودعوت الناس إلى بيعتي، فمن بايع طوعًا قبلته، ومن أبى لم أكرهه وتركته" (٣) ".
ومثل ذلك نقل الشريف الرضي في (نهج البلاغة) تحت عنوان أمر البيعة " (٤) "
فبايعه من بايعه ولم يبايعه من لم ير الجوّ والوقت مناسبًا. وممن امتنع عن بيعته من كبار الصحابة كما ذكر المؤرخين:
" ثم بايعه الناس وجاءوا بسعد فقال لعليّ حتى يبايعك الناس، فقال: أخلوه. وجاءوا بابن عمر فقال كذلك، فقال: ائتني بكفيل قال: لا أجده، فقال الأشتر: دعني أقتله، فقال: دعني أنا كفيله، وبايعت الأنصار وتأخر منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن خالد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد
стр. 135
بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة، وسلمة بن سلامة بن وقش. وتأخر من المهاجرين عبد الله بن سلام، وصهيب بن سنان، وأسامة بن زيد، وقدامة بن مظعون، والمغيرة بن شعبة. وأما النعمان بن بشير فأخذ أصابع نائلة امرأة عثمان وقميصه الذي قتل فيه ولحق بالشام صريخًا" (١) "وأما طلحة فقال:
بايعت والسيف فوق رأسي " (٢) ".
وقال الزبير:
"جاءني لص من لصوص عبد القيس فبايعت واللجة في عنقي" (٣) "وفي رواية: "جاء القوم بطلحة فقالوا: بايع فقال: إني أبايع كرهًا ... ثم جيء بالزبير فقال مثل ذلك" (٤) ".
وقال قوم: إنما بايعا على شرط إقامة الحدود في قتلة عثمان " (٥) ".
وقيل: إنه قد بايع طلحة ولم يبايع الزبير ولا سلمة بن سلامة ولا أسامة بن زيد " (٦) ".
والمدائني نقل عن الزهري:
هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا عليًّا " (٧) ".
فهكذا انعقدت البيعة للإمام علي ﵁ واستتر السبئيون والمخدوعون بهم من قتلة عثمان وراء المبايعين لعليّ ﵁
стр. 136
واختلفوا خلف المشايعين له وأحاطوه من كل جانب كما ذكر الطبري أن عليًّا ﵁ لما خطب بخطبته الأولى بعد بيعته ثم أراد الذهاب إلى بيته قالت السبئية:
خذها إليك واحذرًا أبا الحسن ... إنما نمرُّ الأمر إمرار الرسن
صَوْلَةَ أقوامٍ كأسداد السُّفُن ... بِمَشْرَفيّاتٍ كغُدرانِ اللبن
ونَطعُنُ المُلكَ بِلَينٍ كالشَّطَن ... حتى يُمَرَّنَ على غيرِ عَنن
فقال علي وذكر تركهم العسكر والكينونة على عدة ما مُنُّوا حين غمزوهم ورجعوا إليهم فلم يستطيعوا أن يمتنعوا حتى:
إني عجزتُ عجزةً لا أعتذر ... سوف أكيسُ بعدها وأستمر
أرفَعُ من ذَيليَ ما كنتُ أجُر ... وأجمَعُ الأمرَ الشّتيتَ المنتشر
إن لم يُشاغبني العَجولُ المُنتَصِر ... أو يترُكوني والسلاحُ يُبْتَدَر
"واجتمع إلى علي بعدما دخل طلحة والزبير في عدة من الصحابة فقالوا يا علي إنا قد اشترطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم، هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم وثابت إليهم أعرابكم وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا والله لا أرى إلا رأيًا ترونه إن شاء الله، إن هذا الأمر أمر جاهلية وإن لهؤلاء القوم مادة وذلك إن الشيطان لم يشرع شريعة قط فيبرح الأرض من أخذ بها أبدًا إن اليأس من هذا الأمر إن حرك على أمور فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ما لا ترون وفرقة لا ترى هذا ولا هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ
الحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا، واشتد على قريش وحال بينهم وبين الخروج على حالها وإنما
стр. 137
هيجه على ذلك هرب بني أمية، وتفرق القوم وبعضهم يقول: والله لئن ازداد الأمر لا قدرنا على انتصار من هؤلاء الأشرار لتركوا هذا إلى ما قال عليّ أمثل، وبعضهم يقول: نقضي الذي علينا ولا نؤخره، ووالله أن عليًّا لمستغن برأيه وأمره عنا" (١) ".
ولأجل ذلك منعه ابن عمه عبد الله بن عباس عن أخذ البيعة، كما منعه ابنه الحسن من قبل عن بقائه في المدينة والسبئيون يفعلون ما يفعلون ويعملون ما يعملون:
فقال ابن عباس: "أطعني وادخل دارك، والحق بمالك بينبع، وأغلق بابك عليك، فإن العرب تجول جولة وتضطرب ولا تجد غيرك، فإنك والله لأن نهضت مع هؤلاء اليوم ليحملنك الناس دم عثمان غدًا، فأبى عليّ" (٢) ".
وأما منع الحسن إياه عن بقائه في المدينة يوم استولت السبئية فذكرها المؤرخون " (٣) " أيضًا.
وبدأ السبئيون يتقوون ويجمعون حولهم الموالي والأعراب إلى أن فحل أمرهم، فأراد علي ﵁ أن يضعف قوتهم ويكسر شوكتهم بالحيلولة بين السبئية والعبيد والأعراب والتفريق بينهم، فنادى في الناس:
"برئت الذمة من عبد لم يرجع إلى مواليه، فتذامرت السبائية والأعراب وقالوا: لنا غدًا مثلها" (٤) ".
وفي اليوم الثالث من بيعته خرج عليّ على الناس فقال:
стр. 138
"يا أيها الناس أخرجوا عنكم الأعراب، وقال: يا معشر الأعراب الحقوا بمياهكم، فأبت السبئية وأتاهم الأعراب" (١) ".
ولما رأى الناس وفي مقدمتهم رؤوس الصحابة وأكابرهم أن السبئية يزدادون يومًا فيومًا في غلوائهم وطغيانهم، وأيديهم متلطخة بدم الإمام المظلوم، وهم زيادة على ذلك يريدون أن يلفّوا حولهم أوباشًا من الناس والفسقة والفجرة، كما أنهم بدءوا يبثون العقائد الأجنبية بينهم، طالبوا عليًّا ﵁ أن يقتص منهم لعثمان بأن يحكّم فيهم بالسيف، ولكن أمير المؤمن عليًّا هاب من نفوذهم، وخاف من سلطتهم، فماطل الصحابة وطلب منهم المهلة لازدياد نفوذ السبئية وقوتهم، فلقد ذكر
المؤرخون ألفاظًا عديدة منه ﵁ تبريرًا لقصوره عن أخذ الثأر وإقامة الحد، فقد ذكر الحافظ ابن كثير في تاريخه:
"ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة ﵃ وطلبوا منه إقامة الحد والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يواليه على إمرة الكوفة ليأتي له بالجنود، وطلب منه طلحة أن يواليه إمرة البصرة ليأتي له منه بالجنود ليقضي على شوكة هؤلاء الخوارج وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان ﵁ فقال لهما: مهلاً عليَّ حتى أنظر في هذا الأمر" (٢) ".
وعبارة الطبري:
يا عليّ إنا قد شرطنا إقامة الحدود وإن هؤلاء القوم قد اشتركوا في دم هذا الرجل وأحلوا بأنفسهم، فقال لهم: يا إخوتاه إني لست أجهل ما
стр. 139
تعلمون ولكني كيف يملكوننا ولا نملكهم. هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم، وهم خلالكم يسومونكم ما شاءوا، فهل ترون موضعًا لقدرة على شيء مما تريدون" (١) ".
وأما ابن الأثير فنقل عنه أنه قال:
كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم " (٢) ".
وأما ابن خلدون فذكر أنه قال في جوابهم:
لا قدرة لي على شيء مما تريدون حتى يهدأ الناس وننظر الأمور فتؤخذ الحقوق" (٣) ".
فافترقوا عنه وأكثر بعضهم المقالة في قتلة عثمان " (٤) ".
стр. 140
وهذا الذي جعل الزبير وطلحة يقنطان من اقتصاص الإمام المظلوم عثمان ﵁ ويخرجان من المدينة، وهناك التقيا أم المؤمنين عائشة ﵂ ومن طرف آخر بدأت الرسائل تتبادل بين علي ومعاوية ﵄ لأن عليًّا عزل معاوية ﵄ عن الشام وأمّر عبد الله بن عباس ﵄ فقال ابن عباس:
"ما هذا برأي، معاوية رجل من بني أمية وهو ابن عم عثمان وهو عامل الشام ولست آمن أن يضرب عنقي لعثمان" (١) ".
فاعتذر إليه وأعفاه منها. وبينا هم في ذلك بدأت السبئية يشتغلون ويثيرون الفتن والقلاقل ويسعون فسادًا، ويثيرون الأحقاد والضغائن، وينفخون في الرماد، ويحاولون إسعار الحرب بين المسلمين، ويحرضون شيعة عليّ ضد كل من يطالب بثأر عثمان وقصاصه، وخاصة معاوية ﵁ الذي بدأ يمتنع من الخضوع لخلافة عليّ ﵁ والتسليم بإمارته بدعوى أن بيعة علي لم تنعقد، لأنه لم يحصل الشورى ولم يبايعه أهل الحل والعقل، ولم ينتخبه إلا رجال معدودون من المهاجرين والأنصار ومن أهل المدينة. وفوق ذلك كله قتلة عثمان والسبئية التجئوا في معسكره واكتنفوا بكنفه.
ولقد أشرنا إلى تلك الأمور كلها في الباب الأول بثبت من عبارات التاريخ والمؤرخين. فبينا هم كذلك في الجواب وجواب الجواب إذ جاءه
стр. 141
رسول معاوية ﵁ فقال: آمن أنا؟ قال علي ﵁:
"نعم إن الرسول لا يقتل، فقال: إني تركت قومًا لا يرضون إلا بالقود، ثم بّلغ الرسالة، فاستأذن بالخروج، فقال له علي: اخرج، قال: وإني آمن؟. قال: وأنت آمن" (١) ".
فاشتغل السبئية لزيادة التوتر والحدة وإخراج الحرب من الكلام إلى السيوف، وإليك النص ما ذكره المؤرخون:
"وصاحت السبئية: هذا الكلب رسول الكلاب، اقتلوه، فنادى: يا لمضر، يا لقيس الخيل والنبل، إني أحلف بالله جل اسمه ليردنها عليكم أربعة آلاف خصيّ فانظروا كم الفحولة والركاب وتعاووا عليه ومنعته مضر وجعلوا يقولون له: اسكت، فيقول: لا والله لا يفلح هؤلاء أبدًا فلقد أتاهم ما يوعدون، فيقولون له: اسكت، فيقول: لقد حل بهم ما يحذرون انتهت والله أعمالهم وذهبت ريحهم، فوالله ما أمسوا حتى عرف الذل فيهم" (٢) ".
وهذه العبارة وهذه الألفاظ الصادرة عن السبئية تدل وتنبئ صريحًا عما كانوا يسعون لأجله، فبدءوا ينشرون الأراجيف ويشيعون الأكاذيب حتى يستل سيوف المسلمين ما بينهم ويقع الاصطدام ويحصل الحرب ويشتغلون بها ويضرب بعضهم رقاب بعض، وينسى هؤلاء ويعرض عنهم وعن فعلتهم، ويكثر الشقاق والاختلاف، ويزداد الابتعاد ويمتد بينهم الجدال والقتال. هذا كل ما كانوا يقصدونه، وهذا كل ما يرجونه.
ولما سمعوا باجتماع طلحة والزبير ﵄ مع أم
стр. 142
المؤمنين عائشة ﵂ في مكة بدءوا يحرضون شيعة عليّ ﵁ وعليًّا نفسه على محاربة أهل الشام، قبل أن يعظم الأمر ويستفحل الخطر، فأمر علي ﵁ الناس بالمسير إلى أهل الشام، فتثاقل أهل المدينة، كما أن ابنه الحسن سبط رسول الله ﷺ منعه عن ذلك قائلاً:
"يا أبتِ دع هذا فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم فلم يقبل منه ذلك بل صمم على القتال ورتّب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية" (١) "
كما منعه عن ذلك زياد بن حنظلة التميمي:
وكان منقطعًا إلى علي، فجلس إليه ساعة ثم قال له علي: يا زياد تيسّر، فقال لأي شيء؟. فقال: لغزو الشام، فقال زياد: الأناة والرفق أمثل، وقال:
ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
"فخرج زياد والناس ينتظرونه فقالوا: ما وراءك؟. فقال: السيف يا قوم، فعرفوا ما هو فاعل" (٢) ".
ولم يخرج إلى الشام حتى جاءه خبر خروج أم المؤمنين وطلحة والزبير إلى البصرة يطالبون بدم عثمان، فبادر إليهم بناس من المدينة ليمنع أولئك من دخولها:
"فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، واستجاب له بعضهم، قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غير ستة نفر من البدريين، ليس لهم سابع. وقال غيره أربعة. وذكر ابن جرير وغيره قال: كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان، وأبو قتادة الأنصاري، وزياد
стр. 143
بن حنظلة، وخزيمة بن ثابت. قالوا: ليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان ﵁ وسار علي من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس وعلى مكة قثم بن عباس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين، وخرج علي من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل، وقد لقي عبد الله بن سلام ﵁ عليًّا وهو بالزبدة، فأخذ بعنان فرسه وقال: يا أمير المؤمنين! لا تخرج منها، فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدًا، فسبَّه بعض الناس، فقال علي: دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي ﷺ وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدًا بمضيعة لا ناصر لك، فقال له علي: إنك لا تزال تحن على حنين الجارية، ما الذي نهيتني عنه فعصيتك؟ فقال: ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها، فيقول قائل أو يتحدث متحدث؟ ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله؟ فقال له علي: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار فكرهت أن يضيع هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد مني أن أكون كالضبع التي يحاط بها، ويقال ليست هاهنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنظر فيما يلزمني في هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه؟. فكف عني يا بني، ولما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الأمر الذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، فرغبت إليكم وفرغت لما
стр. 144
حدث، فكونوا لدين الله أعوانًا وأنصارًا، وانهضوا إلينا فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخوانا، فمضيا، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب" (١) ".
فاجتمع الناس حول الفريقين من المدينة ومكة والكوفة والبصرة، كما اعتزل أكثر أصحاب النبي الموجودون، الأحياء منهم آنذاك عن الطرفين، فنزلت أم المؤمنين مع من كان معها بالبصرة ونزل علي ﵄ بذي قار، ثم دعا علي ﵁ القعقاع بن عمرو وبعثه رسولاً إلى طلحة والزبير بالبصرة
يدعوهما إلى الألفة والجماعة ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين. فقال:
"أي أماه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بنيَّ! الإصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضروا عندها، فحضروا فقالا القعقاع: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: ونحن كذلك قال: فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ وعلى أي شيء يكون؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن، ولئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركًا للقرآن، فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه - يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان
стр. 145
مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها - وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخّر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقًا من ربيعة ومضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع. فقالت له عائشة أم المؤمنين: فماذا تقول أنت؟. قال: أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير وتباشير رحمة، وإدراك الثأر، وإن أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر واثتنافه كانت علامة شر وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تعرضونا للبلاء فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم، وأيم الله إني لأقول قولي هذا وأدعوكم إليه، وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي قد حدث أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبت وأحسنت فارجع، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر، قال: فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه، وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام علي في الناس خطيبًا فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة، وأن الله جمعهم بعد نبيه ﷺ على الخليفة أبي بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان ثم حدث هذا الحدث الذي جرى على الأمة، أقوام طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وعلى الفضيلة التي منّ الله بها، وأرادوا ردّ الإسلام على