فقال: ما اسمك؟ فقلت: علي بن الحسين، ففرض لي (١) ".
وكذلك عم الحسين والأخ الأكبر لعلي ﵁، عقيل بن أبي طالب كان يفد على معاوية ﵄ ويأخذ منه الهدايا والهبات ومرة "أعطاه مائة ألف درهم (٢) ".
وقد أقر بذلك ابن أبي الحديد الشيعي حيث كتب:
ومعاوية أول رجل في الأرض وهب ألف ألف، وابنه يزيد أول من ضاعفه، كان يجيز الحسن والحسين بن علي في كل عام لكل واحد منهما بألف ألف درهم وكذلك كان يجيز عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر (٣) ".
وكذلك أبو مخنف الغالي:
وكان معاوية يبعث إليه (أي إلى الحسين) في كل سنة ألف ألف دينار سوى الهدايا من كل صنف (٤) ".
كما كانوا يصلون خلف الحكام وأمراء معاوية، وقد ذكر جعفر بن محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين " أن الحسن والحسين كانا يصليان خلف مروان ولا يعيدانها، ويعتدان بها (٥) ".
وكان مروان أميراً آنذاك على المدينة كما أن أبان بن عثمان أمير المدينة من قبل عبد الملك بن مروان الأموي قدم إلى الصلاة من قبل علي بن محمد بن علي المشهور بمحمد بن الحنفية حيث قال له أبو هاشم بن محمد بن علي:
نحن نعلم أن الإمام أولى بالصلاة ولولا ذاك ما قدمناك
стр. 37
فتقدم فصلى عليه (١) ".
كما صلى على ابن أخي علي عبد الله بن جعفر الطيار (٢) ".
وكما صلى أبوه على جدهم عم النبي ﷺ وعم علي ﵁ ن علي عباس بن عبد المطلب:
توفي العباس في يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان ودفن بالبقيع (٣) ".
هذا ومثل هذا لكثير.
وبعد هذا العصر تطور التشيع وتغيرت الشيعة، وتأثر وتأثروا من أفكار يهودية ومجوسية ونصراني، وبعقائد مدخولة مدسوسة، نقمة على الحكام ومخدوعين بالتزويرات اليهودية والدسائس المجوسية، ومتأثرين من الذين تظاهروا بالإسلام تستراً على مكايدهم الخبيثة وتدابيرهم الهدامة، ومن الاختلاط بالفرس والبابليين، ومن الموالي الكارهين للعرب، الحاكمين عليهم والفاتحين بلادهم، والآخذين زمام أمورهم.
والذي تولى كبر هذه العقائد والأفكار كان عبد الله بن سبأ مبعوث اليهود المتستر وراء اسم الإسلام، والمؤجج نار الفتنة، والنافخ فيها ضد أمير المؤمنين وخليفة المسلمين المنتخب بالاتفاق، صاحب رسول الله ﷺ وزوج ابنتيه
وابن عمته، الجواد الكريم، السخي ذي النورين عثمان بن عفان ﵁، كما سنتحدث عنه في الباب الآتي مفصلاً وبالأدلة والبراهين إن شاء الله تعالى
ولا شك أن كثيراً من أتباعه ـ أي عبد الله بن سبأ ـ السبئيين
стр. 38
والمجوس واليهود والمنافقين دخلوا في معسكر علي ﵁ تحت ستار شيعة علي، كما دخل بعض منهم في معسكر معاوية ﵁ ولكنهم لم يكونوا لا من شيعة ولا من شيعة معاوية، بل هم كانوا كتلة مستقلة وفئة باغية، لها أفكارها وعقائدها، ولها أغراضها وأهدافها، وهم الذين كانوا يسعون بالفساد ويضرمون نار الحرب كلما أراد الطرفان لصلح والاتحاد بينهما، ومنهم نشأت فتنة الخوارج الذين كفروا علياً وعثمان ومعاوية معاً، لأنه لم يكن همهم إسقاط خلافة عثمان ولا تحريض الناس عليه، بل كان كل ما يقصدون هو القضاء على دولة الإسلام وسد باب فتوحاتهم وغزواتهم، ولذلك عندما نجحوا بإيقاع الفتنة بين المسلمين وتأليبهم على خليفة رسول الله الراشد الثالث وتفريق كلمة المؤمنين والتشتيت بينهم، تألبوا على عليّ كما تألبوا عليه وهذا مما لا ينكره إلا مكابر أو مجادل بلا حق وعلم وبصيرة.
ومما لا شك فيه أن الشيعة الأولى المخلصين كانوا من هؤلاء براء، كما كان إمامهم وقائدهم يتبرأ منهم ويطردهم ويقتلهم. نعم ولكن الشيعة ـ أي شيعة علي كان يغلب عليهم التخاذل والتكاسل والجبن وعدم الاستقامة والعزيمة والنجدة والجلد والمروءة عكس ما كانوا عليه شيعة عثمان أو شيعة معاوية ﵄، كما كان يغلب عليهم عدم الوفاء والإخلاص والأمانة والصدق عكس مخالفيهم، وعلى ذلك كان علي ﵁ يشكو منهم ويواجه الصعاب والمتاعب مع شجاعته النادرة وجرأته المشهورة وإقدامه المعروف وتفوقه على الأقران، ولأجل ذلك كان يقول لهم:
يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أركم ولم أعرفكم معرفة ـ والله ـ جرت ندما
стр. 39
وأعقبت [سقما]، قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحا، وشحنتم صدري غيضا، وجرعتموني نغب التهام أنفاسا، وأفسدتم علي رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت قريش: إن ابن أبي طالب لا علم له بالحرب.
لله أبوهم وهل أحد منهم أشد لها مراسا، وأقدم فيها مقاما مني لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، وها أنا ذا قد ذرفت على الستين، ولكن لا رأي لمن لا يطاع (١) ".
ويقول مقارناً بينهم وبين شيعة معاوية:
أما والذي نفسي بيده، ليظهرن هؤلاء القوم عليكم، ليس لأنهم أولى بالحق منكم ولكن لإسراعهم إلى باطل صاحبهم، وإبطائكم عن حقي. ولقد أصبحت الأمم تخاف ظلم رعاتها، وأصبحت أخف ظلم رعيتي، استنفرتكم للجهاد فلم تنفروا، وأسمعتكم
فلم تسمعوا، ودعوتكم سرا وجهرا فلم تستجيبوا، ونصحت لكم فلم تقبلوا: أشهود كغياب وعبيد كأرباب، أتلو عليكم الحكم فتنفرون منها، وأعظكم بالموعظة البالغة فتفرقون عنها، وأحثكم على جهاد أهل البغي فما آتي على آخر قولي حتى أراكم متفرقين أيادي سبا، ترجعون إلى مجالسكم، وتتخادعون عن مواعظكم، أقومكم غدوة وترجعون إلى عشية، كظهر الحنين، عجز المقوم وأعضل المقوم.
أيها القوم الشاهدة بأبدانهم، الغائبة عنهم عقولهم المختلفة أهواءهم، المبتلى بهم أمراؤهم، صاحبكم يطيع الله وأنتم تعصونه، وصاحب أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه. لوددت والله أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني رجلا منهم.
стр. 40
يا أهل الكوفة منيت بكم بثلاث واثنتين، صم ذوو أسماع، وبكم ذوو كلام، وعمى ذوو أبصار، لا أحرار صدق عند اللقاء ولا إخوان ثقة عند البلاء، تربت أيديكم يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها، كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر، والله لكأني بكم فيما أخالكم أن لو حمس الوغى، وحمي الضراب قد انفرجتم عن ابن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها (١) ".
وأكبر دليل على خذلان الشيعة علياً أن أخاه الحقيقي وكبير شيعته وابن أبيه عقيل بن أبي طالب تركه والتحق بمعاوية ﵁ وحارب تحت لوائه ضده كما أقر بذلك مؤرخ شيعي كبير:
إن عقيلاً فارق أخاه علياً في أيام خلافته وهرب إلى معاوية وشهد صفين معه (٢) ".
وأما ما فعلوه بالحسن وبعده بالحسين فهذه ودائع في التاريخ لا يمكن التستر عليها، ولو سردنا كل ذلك لطال بنا الكلام.
وأما عدم أمانتهم و [عدم] صدقهم وصفائهم فقد أقر بذلك جعفر بن الباقر الملقب بـ[الصادق] حيث ذكر أمامه أحد تلامذته عبد الله بن يعفور قال:
قلت لأبي عبد الله ﵇: إني أخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. قال: فاستوى أبو عبد الله ﵇ جالساً فأقبل علي كالغضبان، ثم قال: لا دين لمن دان الله بولاية إمام ليس من الله ولا عتب على من دان بولاية إمام من الله ٢ ".
стр. 41
فهذا كل ما أردنا أن نثبته في هذا الباب. وأما النقاط على الحروف فسنضعها في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
стр. 42
الباب الثاني
التشيع والسبأية
إن الشيعة الأولى مع ما كان فيهم من التخاذل عن الحق والتكاسل عن مناصرة قائدهم علي ﵁ وجبنهم وغدرهم وخيانتهم وحبهم الدنيا وما فيها وإيثار الحياة على الموت في سبيل الحق كما وصفهم علي ﵁ مخاطباً إياهم:
وإني والله لأظن أن هؤلاء القوم سيدالون منكم باجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وبمعصيتكم إمامكم في الحق، وطاعتهم إمامهم في الباطل، وبأدائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم، فلو ائتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته (١) ".
كانوا مع ذلك كله لا يختلفون عن الآخرين في العقائد والأفكار كإنكار القرآن والاعتقاد بتحريفه وتغييره، وإنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام، كما لم يكونوا مكفرين لأصحاب رسول الله ﷺ ومنكرين فضلهم، وبخاصة الخلفاء الراشدون الثلاثة، أبو بكر وعمر وعثمان، وأزواج النبي صلوات الله عليه وسلامه عليه أمهات المؤمنين ولم [يكن لهم] مذهباً خاصاً غير مذهب المسلمين، العامة ولا عبادات وشعائر وطقوسا مخصوصة، فكانوا يصلون بصلواتهم وخلفهم، ويحجون بحججهم وتحت إمرتهم، كما كانوا يصاهرونهم، يزوجونهم ويتزوجون منهم قبل الحروب وبعدها، وقبل الحوادث الأليمة وبعدها كما بيناه سابقاً وكما سنبينه مفصلاً إن شاء الله، إلا من تأثر بالأفكار المدخولة والدسائس
стр. 43
اليهودية والأفكار غير الإسلامية من السبئيين المتظاهرين بالإسلام، والمتسترين به، وخرج بذلك عن الجادة المستقيمة، وعن جماعة علي وشيعته، كالسبئيين والخوارج وغيرها من الفرق المنحرفة الضالة الباغية الذين ليس لهم علاقة لا بعلي ولا بأولاده، وهو والطيبون من أولاده منهم براء، وقد اخترعوا في الدين وباسم الدين ما لم ينزل به القرآن ولم يتكلم به رسول الله ﷺ .
فكان الأولون على ذل ولم ينقل عن واحد منهم خلاف هذا ولكنهم بعد ذلك بزمان وخصوصاً بعد شهادة الحسين ﵁ تمسكوا بنفس الأفكار التي كانت تحملها السبئية وبث سمومها اليهودية والمجوسية وغيرها من الفرق الباطلة الهدامة المعاندة للأمة الإسلامية، فاعتنقوها وعلى قدر الإغراق والتمسك والاعتصام بهذه الأفكار زادوا في الضلالات والسفاهات، وافترقوا بفرق، فمنهم من غالى وجازف وتجاوز جميع الحدود، فسموا المغالين، ومنهم من توسط لا في الحق ولكنه في الأخذ عن الباطل فسموا المتوسطين، ومنهم من أخذ أشياء يسيرة واغترف غرفة أو غرفتين ولم ينزل في قعرها ولم يسبح في وسطها فسموا المعتدلين والمنصفين، ولكن كل هؤلاء يجمعهم التلمذة على اليهودية الأثيمة والتشبث بأذيال عبد الله بن سبأ، ابن سوداء اليهودي الخبيث الماكر، فكل أخذ بقدره واكتفى بحظه، اللهم إلا من تبرأ منهم علناً وجهراً ومن أفكارهم، فرفضوه على تبرئه الكامل (١)، وكانت هذه الأفكار والآراء التي دست بين المسلمين وخصوصا بين الموالين لعلي (٢) وأولاده بعد مؤامرة دبرت واحكم نسيجها من قبل يهود اليمن باشتراك الآخرين على يد عبد الله بن سبأ، تتكون من تفريق كلمة المسلمين
стр. 44
وتشتيت شملهم وإيقاع الفتن وسل السيوف بينهم وإفساد الدين على
المسلمين ونشر الإباحية والإلحاد، ولقصد تبديل الشريعة السماوية وتغييرها وتعطيلها، وعلى ذلك قال الإسفراييني (١) بعد ذكر جميع فرق الشيعة.
وأعلم أن جميع من ذكرناهم من فرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة ويدعون أن القرآن قد غير عما كان ووقع فيه الزيادة والنقصان من قبل الصحابة ويزعمون أنه لا اعتماد على القرآن الأول ولا على شيء من الأخبار المروية عن المصطفى ﷺ ، ويزعمون أنه قد كان في القرآن النص على إمامة علي فأسقطه الصحابة عنه. ويزعمون أنه لا اعتماد على الشريعة التي في أيدي المسلمين، وينتظرون إماماً يسمونه المهدي يخرج ويعلمهم الشريعة وليسوا في الحال على شيء من الدين، وليس مقصودهم من هذا الكلام تحقيق الكلام في الإمامة، ولكن مقصودهم إسقاط كلمة تكليف الشريعة عن أنفسهم، حتى يتوسعوا في استحلال المحرمات الشريعة، ويعتذر عند العوام بما يعدونه من تحريف الشريعة، وتغيير القرآن من عند الصحابة، ولا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شيء من الدين (٢) ".
هذا وبما أننا ذكرنا ونريد أن نذكر ونثبت أن تطور التشيع الأول وتغيير الشيعة الأولى لم يكن إلا لإدخال الأفكار اليهودية والمجوسية، والمتمثلة في عبد الله بن سبأ أو السبئية واعتناق الشيعة لها واعتقادها، فلا بد لنا أن نذكر عبد الله بن سبأ وجماعته السبئيين ومساعيهم لنشر الفتنة والفساد وبث سموم المعتقدات غير الإسلامية في نفوس الضعفاء والجهلة
стр. 45
من الناس لأن الكلام إلا على الكلام حولهم وحولها أي السبئيين وأفكارهم.
عبد الله بن سبا والسبئية
إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً من أهل صنعاء. أمه سوداء " وقد كان عبد الله بن سبأ هذا يهودياً في قلبه حفيظة على الدين الجديد الذي أزال ما كان اليهود يتمتعون به من الهيمنة والسلطان على عرب المدينة والحجاز عامة، فأسلم في أيام عثمان، ثم تنقل في بلاد الحجاز، ثم ذهب إلى البصرة، ثم إلى الكوفة، ثم إلى الشام، وهو يحاول في كل بلد ينزل بها أن يضل ضعاف الأحلام، ولكنه لم يستطع السبيل إلى ذلك، فأتى مصر فأقام بين أهلها، وما فتئ يلفتهم/ عن أصول دينهم، ويزيد لهم بما يزخرفه من القول حتى وجد مرتعاً خصيباً، وكان مما قاله لهم: إني لأعجب كيف تصدقون أن عيسى بن مريم يرجع إلى هذه الدنيا وتكذبون أن محمداً يرجع إليها؟. وما زال بهم حتى انقادوا إلى القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، فكان هو أول من وضع لأهل هذه الملة القول بالرجعة وقبلوا ذلك منه، إنه قد كان لكل
نبي وصي، وأن علي بن أبي طالب هو وصي محمد ﷺ ! وليس في الناس من هو أظلم ممن احتجر وصية رسول الله ولم يجزها، بل هو يتعدى ذلك فيثب على الوصي ويقتسره على حقه، وإن عثمان قد أخذ حق على وظلمة، فانهضوا في هذا الأمر، وليكن سبيلكم إلى إعادة الحق لأهله الطعن على أمرائكم وإظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنكم تستميلون بذلك قلوب الناس، واتخذ لهذه الدعوة وأنصار بثهم في الأمصار، وما زال يكاتبهم ويكاتبونه حتى نفذ قضاء الله، وكان الضحية الأولى لهذه المؤامرة ذلك الخليفة الذي قتل مظلوماً، وبين يديه كتاب الله واعتدى على منزله وحرمه، وكان قضاء الله قدراً مقدورا (١) ".
стр. 46
ولقد ذكره أقدم المؤرخين الطبري عنه بقوله:" كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فاعتمر فيهم فقال لهم فيما يقول لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمد يرجع وقد قال الله ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها ثم قال لهم بعد ذلك أنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال محمد خاتم الأنبياء وعلى خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصي رسول الله ﷺ وتناول أمر الأمة ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه وابدءوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يصنعون فيقرأه أولئك في أمصارهم وهؤلاء في أمصارهم حتى تناولوا بذلك المدينة وأوسعوا الأرض إذاعة يريدون غير ما يظهرون ويسرون غير ما يبدون فيقول أهل كل مصر إنا لفي عافية مما فيه الناس وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان قالوا فأتوا عثمان فقالوا يا أمير المؤمنين أيأتيك عن الناس
стр. 47
الذي يأتينا قال لا والله ما جاءني إلا السلامة قالوا فإنا قد أتانا وأخبروه بالذي أسقطوا إليهم قال فانتم شركائي وشهود المؤمنين فأشيروا علي قالوا نشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم فدعا محمد بن مسلمة فأرسله إلى الكوفة وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة وأرسل عمار بن ياسر إلى مصر وأرسل عبد الله بن عمر إلى الشام وفرق رجالاً سواهم فرجعوا جميعاً قبل عمار فقالوا أيها الناس ما أنكرنا شيئاً ولا أنكره أعلام المسلمين ولا عوامهم وقالوا جميعاً الأمر أم المسلمين إلا أن
أمرائهم يقسطون بينهم ويقومون عليهم واستبطأ الناس عماراً حتى ظنوا أنه قد اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب من عبد الله بن سعد بن أبي سرح يخبرهم أن عمار قد استماله قوم مصر وقد انقطعوا إليه منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر (١) ".
وبمثل ذلك قال ابن كثير وابن الأثير (٢).
وقال ابن خلدون في تاريخه عنه:
" إن عبد الله بن سبأ يعرف بابن السوداء كان يهودياً فهاجر أيام عثمان فلم يحسن إسلامه، فأخرج من البصرة فلحق بالكوفة ثم بالشام وأخرجوه فلحق بمصر، وكان يكثر الطعن على عثمان ويدعو في السر إلى أهل البيت .... وكان يحرض الناس على القيام في ذلك والطعن على الأمراء فاستمال الناس بذلك في الأمصار وكاتب به بعضهم بعضاً، وكان معه خالد بن ملجم وسودان بن حمران وكنانة بن بشر، فثبطوا عماراً عن المسير إلى المدينة، (وكان مما أنكروه على عثمان) إخراج أبي ذر من
стр. 48
الشام ومن المدينة إلى الربذة، وكان الذي دعا إلى ذلك شدة الورع من أبي ذر وحمله الناس على شدائد الأمور والزهد في الدنيا، وأنه لا ينبغي لأحد أن يكون عنده أكثر من قوت يومه، ويأخذ بالظاهر في ذم الادخار بكنز الذهب والفضة، وكان بن سبأ يأتيه فيغريه بمعاوية ويعيب قوله: المال مال الله، ويوهم أن في ذلك احتجانه للمال وصرفه على المسلمين حتى عاتب أبو ذر معاوية، فاستعتب له وقال: سأقول: مال المسلمين، واتى ابن سبأ إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت بمثل ذلك، فدفعوه، وجاء به عبادة إلى معاوية وقال: هذا الذي بعث عليك أبا ذر (١) ".
وقد ذكره الحافظ ابن حجر عن [ابن] عساكر في تاريخه:
" كان أصله من اليمن، وكان يهودياً فأظهر الإسلام وطاف بلاد المسلمين ليلفتهم عن طاعة الأئمة ويدخل بينهم الشر، ودخل دمشق لذلك (٢) ".
ومثل ذلك قال الإسفراييني:
" إن ابن سوداء كان رجلاً يهودياً ن وكان قد تستر بالإسلام، أراد أن يفسد الدين على المسلمين (٣) ".
وأما سعيه للفتنة والفساد فلقد ورد طرف من أخباره فيما ذكرناه وكما ذكره الطبري مفصلاً في تاريخه أنه كان يوماً في البصرة ويوماً في الكوفة ويوماً في مصر كما ذكر عن حكيم بن جبلة.
لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاث سنين بلغه أنه في عبد القيس رجلاً نازلاً على حكيم بن جبلة وكان حكيم بن جبلة رجلاً لصاً إذا قفل الجيش خنس عنهم، فسعى في أرض فارس يغير على أهل الذمة
стр. 49
ويتنكر لهم ويفسد في الأرض ويصيب ما شاء ن ثم يرجع فشكاه أهل الذمة وأهل القبلة إلى عثمان، فكتب إلى عبد الله بن عامر أن احبسه ومن كان مثله فلا يخرجن من البصرة حتى تأنسوا منه رشدا، فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرج منها، فلما قدم ابن السوداء نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرح لهم ابن السوداء ولم يصرح فقبلوا منه واستعظموه، وأرسل إليه ابن عامر فسأله من أنت؟. فأخبر أنه رجل من أهل الكتاب رغب في الإسلام ورغب في جوارك، فقال: ما يبلغني ذلك، فاخرج عني فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقر بمصر وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ويختلف الرجال بينهم (١) ".
ثم كان في مصر، ومن مصر جاء مع قتلة عثمان إلى المدينة.
خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي وكنانة بن بشر الليثي وسودان بن حمران السكوني وقتيرة بن فلان السكوني وعلى القوم جميعاً الغافقي بن حرب العكي، ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب وإنما خرجوا ومعهم ابن سوداء (٢) ".
ولقد كتب أحمد أمين المصري عنه:
" إن ابن السوداء أتى إلى أبي الدرداء وعبادة بن الصامت فلم يسمعا قوله وأخذه عبادة إلى معاوية وقال له: هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر، ونحن نعلم أن ابن السوداء هذا لقب به عبد الله بن سبأ، وكان يهودياً من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان وأنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبث في البلاد عقائد كثيرة: في الحجاز والبصرة
стр. 50
- والكوفة والشام ومصر، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن (١) ".
وكتب أيضاً:
" وهو الذي حرك أبا ذر الغفاري لدعوة الاشتراكية وهو الذي كان من أكبر من ألب على عثمان في الأمصار .... والذي يؤخذ من تاريخه أنه وضع تعاليم لهدم
الإسلام وألف جمعية سرية لبث تعاليمه واتخذ الإسلام ستاراً يستر به نواياه، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته، فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فاخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله أناس من أهلها " (٢).
وقبل أن نستطرد في الأسباب التي جعلوها وسيلة لتفريق كلمة المسلمين وتشتيت شملهم وتمزيق كلمتهم والتآمر على أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، صاحب رسول الله ﷺ وصهره ذي النورين عثمان بن عفان ﵁ نريد أن نذكر العقائد اليهودية التي نفث سمومها هذا الخبيث، الملعون على لسان علي ﵁ وأتقنها القوم، وفرعت عليه الفروع، وعليها وبها افترقت فرقهم وذهب كل فريق منهم إلى ما يهوونه ويشتهونه.
الأفكار اليهودية المدسوسة
ولقد أخبرنا عن أفكار ابن السوداء هذا، والتي حملها من اليهود المبغضين لرسول الله ﷺ الصادق الأمين وأمته أشد البغض وما جاء به عن الله ﵎، الناقمين عليه وعليهم، والمكايدين والماكرين له ولهم، من أول يوم دخلوا يثرب وحولوها إلى المدينة، وقضوا على يهود قينقاع وبني النضير
стр. 51
وبني المصطلق ويهود خيبر وغيرهم، يخبرنا عن كل ذلك أقدم مؤرخ شيعي، وأول من كتب في الفرق من القوم ألا وهو النوبختي أبو محمد الحسن بن موسى من أعلام الشيعة في القرن الثالث للهجرة فقال:
" السبئية: أصحاب عبد الله بن سبأ وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وقال: إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا، فأقربه، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه: يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك؟. فصيره إلى المدائن.
وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم وولى علياً ﵇ وكان يقول وهو علي يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال بعد إسلامه في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة إن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعى علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (١) ".
ويذكر أبو عمرو بن عبد العزيز الكشي من علماء القرن الرابع للشيعة في أقدم كتاب شيعي في الرجال عديدا من الروايات عن عبد الله بن سبأ وعقائده وأفكاره نثبت بعضاً منها هاهنا:
" حدثني محمد بن قولويه. قال: حدثني سعد بن عبد الله. قال حدثنا يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى عن علي بن مهزيار عن فضالة
стр. 52
بن أيوب الأزدي عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: لعن الله عبد الله بن سبأ إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين ﵇، وكان والله أمير المؤمنين ﵇ عبداً لله طائعاً، الويل لمن كذب علينا، وأن قوماً يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم ".
وبهذا الإسناد عن يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه والحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي حمزة الثمالي قال: قال علي بن الحسين ـ صلوات الله عليهما: لعن الله من كذب علينا إني ذكرت عبد الله بن سبأ فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمراً عظيماً ماله لعنه الله، كان علي ﵇ والله عبداً صالحاً أخا رسول الله ﷺ ، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله صلى الله عليه وآله، وما نال رسول الله صلى الله عليه وآله الكرامة من الله إلا بطاعته لله.
وبهذا الإسناد: عن محمد بن خالد الطيالسي عن ابن أبي نجران عن عبد الله [بن سنان] قال: قال أبو عبد الله ﵇ إنا أهل بيت صديقون لا نخلوا من كذاب يكذب علينا ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس، كان رسول الله صلى الله عليه وآله أصدق الناس لهجة وأصدق البرية كلها وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين ﵇ أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله الكذب عبد الله بن سبأ.
وذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون (وصي موسى بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله في علي ﵇ مثل ذلك، وكان أول من أشهر بالقول
стр. 53
بفرض إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخاليفه وكفرهم فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية (١) ".
وقال الحلي الشيعي الحسن بن علي في كتابه الرجالي المشهور:
" عبد الله بن سبأ رجع إلى الكفر وأظهر الغلو، كان يدعي النبوة وأن علياً ﵇ هو الله، فاستتابه ﵇ ثلاثة أيام فلم يرجع، فأحرقه في النار في جملة سبعين رجلاً ادعوا فيه ذلك (٢) ".
ومثل ذلك القول قام إمام متأخري الشيعة في الرجال المامقاني كتابه تنقيح المقال (٣) "
وذكر مؤرخ شيعي إيراني في تاريخه بالفارسية:
إن عبد الله بن سبأ توجه إلى مصر حينما علم أن مخالفيه (أي عثمان بن عفان) كثيرون هناك، فتظاهر بالعلم والتقوى، حتى افتتن الناس به، وبعد رسوخه فيهم بدا يروج مذهبه ومسلكه، وإن لكل نبي وصياً وخليفة، فوصى رسول الله وخليفته ليس إلا علياً، المتحلي بالعلم والفتوى، والمتزين بالكرم والشجاعة، والمتصف بالأمانة والتقى، وقال: إن الأمة ظلمت علياً، وغصبت حقه، حق الخلافة والولاية، ويلزم الآن على الجميع مناصرته ومعاضدته وخلع طاعة عثمان وبيعته، فتأثر كثير من المصريين بأقواله وآرائه، وخرجوا على الخليفة عثمان (٤) ".
ومثل ذلك قال الرجالي الشيعي الإسترا آبادي:
إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين "ع" هو الله تعالى، فبلغ أمير المؤمنين ذلك فدعاه وسأله، فأقر، وقال: نعم أنت هو. فقال له أمير المؤمنين قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا
стр. 54
وتب ثكلتك أمك، فأبى، فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار (١) ".
ولكن ابن أبي الحديد الشيعي الغالي المعتزلي شارح النهج يخالف ذلك بأن علياً أحرقه فإنه يرى أن القول بتأليه علي لم يظهره عبد الله بن سبأ إلا بعد وفاة علي ﵁ فأظهره واتبعه قوم فسموا السبئية (٢) ".
ويؤيده في ذلك من السنة عبد القادر البغدادي ولكنه يضيف إلى ذلك أن علياً لم يحرقه خوفاً من شماتة أهل الشام حيث يذكر ابن سبأ والسبئية:
السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي ﵁ وزعم أن كان نبياً، ثم غلا فيه حتى زعم أنه إله، ودعا إلى ذلك قوماً من غواة الكوفة،
ورفع خبرهم إلى علي ﵁ فأمر بإحراق قوم منهم في حفرتين، حتى قال بعض الشعراء في ذلك:
لترم بي الحوادث حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين
ثم إن علياً ﵁ خاف من إحراق الباقين منهم شماتة أهل الشام، وخاف اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى سباط المدائن، فلما قتل علي ﵁ زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن علياً، وإنما كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن علياً صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم ﵇ وقال: كما كذبت اليهود والنصارى في دعواها قتل عيسى كذلك كذبت النواصب والخوارج في دعواها قتل علي، وإنما رأت اليهود والنصارى شخصاً مصلوباً شبهوه بعيسى، كذلك القائلون بقتل علي رأوا قتيلا يشبه علياً فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء، وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه
стр. 55
وزعم بعض السبئية أن علياً في السحاب وأن الردع صوته والبرق صوته، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: عليك السلام يا أمير المؤمنين.
وقد روى عن عامر بن شراحيل الشعبي أن ابن سبأ قيل له: إن علياً قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الأرض بحذافيرها.
وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر إنما هو علي دون غيره، وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي قصيدة بريء فيها من الخوارج والروافض والقدرية منها هذه الأبيات:
برئت من الخوارج لست منهم من الغزال منهم وابن باب
ولكني أحب بكل قلبي ... وأعلم أن ذاك من الصواب
رسول الله والصديق حبا ... به أرجو غداً حسن الثواب
وقد ذكر الشعبي أن عبد الله بن السوداء وكان يعين السبئية على قولها، وكان ابن السوداء في الأصل يهودياً من أهل الحيرة فأظهر الإسلام، وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة، فذكر لهم أنه وجد في التوارة أن لكل نبي وصياً، وأن علياً ﵁ وصي محمد ﷺ وأنه خير الأوصياء كما أن محمداً خير الأنبياء، فلما سمع ذلك منه شيعة علي قالوا لعلي: إنه مجيبك، فرفع علي قدره، وأجلسه تحت درجة منبره. ثم بلغه فيه فهم بقتله، فنهاه ابن عباس عن ذلك وقال له: إن قتلته اختلف عليك أصحابك، وأنت عازم على العود إلى قتال أهل الشام، وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلما خشي من قتله ومن قتل ابن سبأ الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن فافتتن بهما الرعاع بعد قتل علي ـ
﵁ وقال لهم ابن السوداء: والله
стр. 56
لينبعن لعلي في مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عسلاً والأخرى سمناً، ويغترف منهما شيعته.
وقال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود، وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى ﵇ فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الأهواء في الكفر ودلس ضلالته في تأويلاته (١) ".
وذكر هذه وعقائده وجماعته من الشيعة كل من سعد القمي المتوفى ٣٠١هـ (٢) ".
والطوسي شيخ الطائفة (٣) والتستري في قاموس الرجال (٤) وعباس القمي في تحفة الأحباب (٥) والخوانساري في روضات الجنات (٦) والأصبهاني في ناسخ التواريخ وصاحب روضة الصفا في تاريخه (٧) ".
كما ذكر عقائده علماء من السنة كالبغدادي في الفرق بين الفرق كما مر آنفاً.
وبمثل هذا قال الإسفراييني في كتابه التبصير (٨) والرازي في اعتقادات فرق المسلمين والمشركين (٩) وابن حزم في الفصل وغيرهم.
وقال الشهرستاني تحت عنوان السبئية:
السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي ﵇:
стр. 57
أنت أنت يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن، وزعموا أنه كان يهودياً فأسلم، وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون وصي موسى مثل ما قال في علي ﵇ وهو أول من أظهر بالفرض بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، وزعموا أن علياً حي لم يقتل وفيه الجزء الإلهي، ولا يجوز أن يستولى عليه، وهو الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وإنه سينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورا، وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵇ (١) ".
وقال ابن عساكر في تاريخه عن جابر قال:
لما بويع علي ﵁ خطب الناس فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: أنت دابة الأرض، فقال له: اتق الله، فقال له: أنت الملك، فقال اتق الله، فقال له: أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق، فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: دعه وانفه إلى سابط المدائن (٢) ".
وذكر الآلوسي نقلاً عن ابن الحكيم الدهلوي:
السبئية: وهم عبارة عن الذين يسبون الصحابة، إلا قليلاً منهم كسلمان الفارسي وأبي ذر والمقداد وعمار بن ياسر ﵃ وينسبونهم ـ وحاشاهم ـ إلى الكفر والنفاق، ويتبرأون منهم، ومنهم من يزعم والعياذ بالله تعالى ارتداد جميع من حضر غدير خم يوم قال ﵊:" من كنت مولاه فعلي مولاه ". الحديث، ولم يف بمقتضاه من بيعة الأمير كرم الله وجهه بعد وفاته ﵊، بل بايع غيره، وهذه الفرقة حدثت في عهد الأمير رضي الله تعالى عنه
стр. 58
بإغراء عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني (١) ".
وأخيراً ننقل ما كتبه أحمد أمين عنه وعن جماعته:
انتشرت الجماعة السرية في آخر عهد عثمان تدعو إلى خلعه وتولية غيره، ومن هذه الجمعيات من كانت تدعو إلى علي، ومن أشهر الدعاة له عبد الله بن سبأ ـ وكان من يهود اليمن فأسلم ـ فقد تنقل في البصرة والكوفة والشام ومصر يقول: إنه كان لكل نبي وصي، وعلي وصي محمد، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ووثب على وصيه، وكان من أكبر الذين ألبوا على عثمان حتى قتل (٢) ".
" وأنه وضع تعاليم لهدم الإسلام، وألف جمعية سرية لبث تعاليمه، واتخذا الإسلام ستاراً يستر به نياته، نزل البصرة بعد أن أسلم ونشر فيها دعوته فطرده واليها، ثم أتى الكوفة فأخرج منها، ثم جاء مصر فالتف حوله ناس من أهلها، وأشهر تعاليمه: الوصاية والرجعة. فأما الوصاية فقد أبناها قبل، وكان قوله فيها أساس تأليب أهل مصر على عثمان، بدعوى أن عثمان أخذ الخلافة من علي بغير حق، وأيد رأيه بما نسب إلى عثمان من مثالب، وأما الرجعة فقد بدأ قوله بأن محمداً يرجع، وكان مما قاله: العجب ممن يصدق أن عيسى يرجع، ويكذب أن محمداً يرجع، ثم نراه تحول ـ ولا ندري لأي سبب ـ إلى القول بأن علياً يرجع. وقال ابن حزم: إن ابن سبأ قال ـ لما قتل علي ـ لو أتيتموني بدماغه ألف مرة ما صدقناه موته، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وفكرة الرجعة هذه أخذها ابن سبأ من اليهودية، فعندهم أن النبي الياس ﵇ صعد إلى السماء،
وسيعود فيعيد الدين والقانون، ووجدت الفكرة في
стр. 59
النصرانية أيضاً في عصورها الأولى (١) ".
فهذا هو عبد الله بن سبأ وهذه دعوته وأفكاره وعقائده، وهذه هي الأفكار التي حملها من اليهودية والمجوسية وغيرها بخطة مدبرة ومؤامرة محكمة من قبل أعداء الله وأعداء رسوله ﷺ والإسلام وأعداء الأمة وقادتها وأبطالها لبث سمومها بين المسلمين باسم الإسلام. وسوف نرى ونحقق كيف اعتنق الشيعة هذه الأفكار وتمسكوا بهذه العقائد، وكيف تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى وتسربت فيهم نفس الأفكار التي كان يرد عليها ويعارضها علي ﵁ وكيف توغل في الشيعة من كان يطاردهم ويتبرأ منهم ويؤدبهم ويقتلهم علي، ويلعنهم أبناءه وأولاده.
وقبل أن نضع النقاط على الحروف نريد أن نذكر أن بعض الرجال من مواليد القرن الرابع عشر من الهجرة ـ وأخص الشيعة منهم ـ أنكروا وجود هذا اليهودي الماكر، ولكن إنكارهم لا يستند إلى دليل وبرهان، وإنكارهم هذا ليس إلا كإنكار الشمس وهي طالعة، لأنه لم يذكر ابن السوداء هذا واحد ولا اثنان من المخاصمين والمعاندين، بل ذكر كل من ألف في الفرق والرجال، في التاريخ وفي السير كما أثبتناه من أئمة الشيعة في الفرق والرجال والتاريخ والنقد غير السنة ومن رجال السنة، وقد بحثنا هذه القضية بتحليل منطقي وواقعي وبغربلة الدعاوى التي أطلقت في هذا المضمار في كتاب: "الشيعة وأهل البيت " ولكن نقولها هاهنا كلمة قصيرة ألا وهي: هل يوجد واحد قبل القرن الرابع عشر وحتى من الشيعة من أنكر وجود هذا الرجل؟
ثم وماذا عن الكتب التي تتحدث عن هذا الرجل من كتب الفرق
стр. 60
والملل والرجال والتاريخ وهي متفقة لفظاً ومعنى تقريباً في ذكره وأوصافه ونعوته وعقائده وأفكاره؟
ثم ولماذا الخوف من الفضيحة والعار؟ وإن كان هناك عار فلماذا التستر.
وهل لا يجر هذا الإنكار إلى أن ينكر شخص وجود علي ومعاوية ووقوع الحوادث إن كان هناك مجرد إنكار؟. وما أعدله ما قاله عالم شيعي معاصر قريب ـ مع تعصبه ـ وهو يذكر الغلو وتاريخه، فيقول: إنه بعد تولية أمير المؤمنين على منصب الخلافة ظهر في أيامه قوم وأرادوا إخراجها من قالب " الموالاة والتمسك " إلى قالب التأليه لعلي (ع) " ولما بلغه عنهم ذلك أنكره أشد الإنكار. وحرق بالنار جماعة ممن غلا فيه ".
والظاهر أن عبد الله بن سبأ لم يكن (وقتئذ) على هذه المقالة الغالية ولا شمله الإحراق، وهذا ما يراه ابن أبي الحديد بقوله: استترت هذه المقالة سنة أو نحوها ثم ظهر عبد الله بن سبأ بعد وفاة علي أمير المؤمنين (ع) فأظهرها واتبعه قوم فسموا السبئية.
ويوافقه الشهرستاني بقوله: وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي ﵇ " ولكن الاسترا بادي يخالفهما بما رواه من أن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة ويزعم أن أمير المؤمنين (ع) هو الله تعالى. فبلغ أمير المؤمنين: قد سخر منك الشيطان، فارجع عن هذا وتب ثكلتك أمك. فأبى فحبسه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار " ولا يبعد أن يكون الأرجح ما قاله ابن أبي الحديد من أن ابن سبأ لم يشمله الإحراق وأنه أظهر تلك المقالة بعد وفاة أمير المؤمنين (ع). ووافقه الشهرستاني على ذلك وأن قال قلبه: " إن ابن سبأ قال لعلي ـ عليه السلام
стр. 61
أنت، أنت، يعني أنت الإله، فنفاه إلى المدائن " ولا ينافي هذا القول قوله الآخر إذ من المحتمل قريباً أن يكون ابن سبأ قد قال لعلي (أنت، أنت) لكنه قد أخفاه في حياة علي (ع) أيام منفاه وبعدها إلى أن توفي علي (ع) فأظهره بعد ذلك بسنة أو بأقل.
وعلى كل حال فإن الرجل ـ أي ابن سبأ ـ كان في عالم الوجود وأظهر الغلو. وإن شك بضعهم في وجوده وجعله شخصاً خيالياً شخصته الأغراض الشخصية، أما نحن بحسب الاستقراء الأخير فلا نشك بوجوده وغلوه ..... نعم غلا ابن سبأ في دينه وتسربت بدعته هذه إلى أفكار جماعة غير قليلة، قد سميت باسمه. وأخذت بعد ذلك بالتطور السريع حتى تجاوزت عن القول بإلهية فرد من المخلوقين إلى القول بإلهية اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو أكثر من أهل البيت ﵈ (١).
وقد أقر بوجوده من أعلام الشيعة المتأخرين المظفري في كتابه تاريخ الشيعة (٢).
وكذلك كبير القوم السيد محسن الأمين في موسوعته (٣).
وغيرهم الكثيرون، الكثيرون.
فهذا هو عبد الله بن سبأ، وهذه العقائد التي حملها إلى المسلمين وإلى الشيعة بالذات بتعبير صحيح ودقيق، لأنهم هم كانوا الحقل الصالح لبذر هذه البذور، ومنهم [من] كان يتوقع أن يجد آذانا صاغية وقلوباً واعية، وباسم قائدهم كان يتوقع إثارة الضغائن والأحقاد.
стр. 62
وفعلاً استطاع جذب الكثير منهم إليه وإلى معتقداته خصوصاً بعد ما كان مظفراً منصوراً في إتاحة حكم الإمام المظلوم عثمان بن عفان له اختلاق قصص باطلة وأساطير كاذبة (١) وتكوينه جمعية سرية تعتقد في علي ﵁ وصابة النبي ﷺ ووراثته، وإيجاد رجال يقدسونه ويؤلهونه ويصفونه بأوصاف ونعوت هي لله خاصة، فدخل هؤلاء كلهم تحت رايته في شيعة علي ﵁ واندمجوا معهم، وبدأوا ينفثون السموم إلى رفاقهم ومصاحبيهم ومجالسيهم، فتأثر من تأثر وكتم من كتم وظهر من ظهر، فنكل الإمام علي بن أبي طالب ﵁ بمن اكتشف وأظهر عقيدته الأصلية الخافية وعذبهم أشد العذاب، وطرد بعضاً منهم وقتل البعض الآخرين سيفاً وحرقاً، وأعلن في ملأ من الناس أنه ليس إلا عبد الله طائعاً، وأن من يكتشف أنه من السبئيين يعمل به ما عمل بالمحرقين، ومن وجده متأثراً منهم وعلم أنه يفضله على الشيخين أو يتكلم فيهم فيجلده حد المفتري كما روى زيد بن وهب أن سويد بن غفلة.
دخل على علي في إمارته فقال: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك منهم، عبد الله بن سبأ، وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال علي: مالي ولهذا الخبيث الأسود، ثم قال: معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن، وقال: لا يساكنني في بلدة أبدا، ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما بطوله وفي آخره: ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد
стр. 63
المفتري (١) ".
وذكر الهمداني المعتزلي المتوفى ٤١٥هـ هذه الرواية أيضاً ولكن فيها من الفوائد ما ليست في غيرها، فنريد أن نثبتها هاهنا، فإنه يقول: وكان ابن سبأ هذا يقول لأصحابه: إن أمير المؤمنين قال لي: إنه يدخل دمشق ويهدم مسجدهم حجراً، حجراً، ويظهر على أهل الأرض ويكشف أسرارا ويعرفهم أنه ربهم، وليس لهذا كأبي بكر وعمر وعثمان.
ولقد أتى أمير المؤمنين ﵁ سويد بن غفلة، وكان من خاصته وكبار أصحابه، فقال له: يا أمير المؤمنين، مررت بنفر من الشيعة يتناولون أبا بكر وعمر بغير الذي هما من الأمة له أهل، ويرون أنك تضمر لهما على مثل ما أعلنوا، فقال: أعوذ بالله أعوذ بالله مرتين، أن أضمر لهما إلا الذي أتمنى المضي عليه، لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل، أخوا رسول الله ﷺ وصاحباه ووزيراه ـ رحمة الله عليهما ـ ثم نهض دامع العينين يبكي، قابضاً على لحيته، وهي بيضاء، حتى اجتمع الناس. ثم قام فتشهد بخطبة موجزة بليغة،
ثم قال: ما بال أقوام يذكرون سيدي قريش وأبوي المسلمين بما أنا عليه متنزه، ومما قالوا برئ، وعلى ما قالوا معاقب، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا يحبهما إلا مؤمن تقي، ولا يبغضهما إلا فاجر رديء، صحبا رسول الله ﷺ على الصدق والوفاء يأمران وينهيان، ويقضيان ويعاقبان فما يجاوزان فيما يصنعان رأي رسول الله ﷺ ، وكان لا يرى مثل رأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما أحداً، مضى رسول الله ﷺ وهو عنهما راض، ومضيا والمؤمنين عنهما راضون، أمر رسول الله ﷺ أبا بكر على صلاة
стр. 64
المؤمنين فصلى بهم تلك الأيام في حياة رسول الله ﷺ فلما قبض الله نبيه ﵇ واختار له ما عنده، مضى مفقودا ﷺ ، ولاه المؤمنين ذلك، وفوضوا إليه الزكاة لأنهما مقرونتان، ثم أعطوه البيعة طائعين غير مكرهين، أنا أول من سن له ذلك من بني عبد المطلب وهو لذلك كاره، يود لو أن بعضنا كفاه، فكان والله خير من بقي رأفة، وأرحمه رحمة، وأيبسه ورعاً، وأقدمه سلماً وإسلاما، شبهه رسول الله ﷺ بميكائيل رأفة ورحمة، وبإبراهيم عفواً ووقارا، فسار فينا سيرة رسول الله ﷺ ، حتى قبضه الله على ذلك، ثم ولى الأمر بعده عمر، واستأمر في ذلك المسلمين، فمنهم من رضي منهم ومنهم من كره، فلم يفارق الدنيا حتى رضي به من كان كرهه، وأقام الأمر على منهاج النبي ﷺ ، يتبع أثرهما كاتباع الفصيل أثر أمه، وكان والله رفيقاً رحيماً لضعفاء المسلمين، وبالمؤمنين عوناً وناصراً على الظالمين، لا تأخذه في الله لومة لائم، ضرب الله بالحق على لسانه، وجعل الصدق من شانه، حتى إن كنا لنظن أن ملكاً ينطق على لسانه، أعز الله بإسلامه الإسلام وجعل هجرته للدين قواماً، ألقى الله له في قلوب المؤمنين المحبة وفي قلوب المشركين المنافقين الرهبة، شبهه رسول الله ﷺ بجبريل فظاً غليظاً على الأعداء، وبنوح حنقاً مغتاضاً على الكفار، والضراء على طاعة الله آثر عنده من السراء على معصية الله فمن لكم بمثلهما ـ رحمة الله عليهما ـ ورزقنا المضي على سبيلهما، فإنه لا يبلغ مبلغهما إلا بالحب لهما ن واتباع آثارهما، فمن أحبني فليحبهما ن ومن لم يحبهما فقد أبغضني وأنا منه بريء، ولو كنت تقدمت إليكم في أمرهما لعاقبت على هذا اشد العقوبة، فمن أوتيت به بعد هذا اليوم فإن عليه ما على المفتري، ألا وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، ثم الله أعلم بالخير أين هو، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي
стр. 65
ولكم (١) ".
وأورد هذه الخطبة كثير من الشيعة والسنة، ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي الشيعي من همه البطش بمن يتكلم في أبي بكر وعمر كما مر.
فكتم السبئيون أمرهم وبدأوا يعملون في السر والخفاء وتقنعوا بقناع التقية (٢) "
وهكذا حاول واستطاع علي ﵁ الحفاظ على شيعته، وحال بينهم وبين العقائد اليهودية المجوسية ولكنه لم يكد يقضي عليه ويستشهد بيد ابن ملجم المرادي الخارجي حتى ظهرت السبئية بكل قوة، وعبد الله بن سبأ بكل صراحة، حتى قال لمن نعاه بشهادته:
كذبت عدو الله لو جئتنا ـ والله ـ بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلاً ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الأرض، ثم مضوا من يومهم حتى أناخوا بباب علي، فاستأذنوه عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه وولده: سبحان الله، ما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد؟ قالوا: إنا نعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته وبرهانه، وإنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الدثار الثقيل ويلمع في ظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام (٣) ".
стр. 66
وادعت هذه الفئة الخبيثة وهذه الفرقة المارقة عن الدين وعلى رأسهم عبد الله بن سبأ أن علي بن أبي طالب ﵁ هو الذي لقنهم هذه التعاليم، وهم لم يتلقوا هذه الأفكار إلا منه كما أشار إلى ذلك الكثيرون من المؤرخين وأئمة الرجال والفرق. ويؤيد ذلك ما ذكره النوبختي أن عبد الله بن سبأ كان يقول في حياة علي ﵁ أن علياً هو الذي أمره باللعن والطعن على أبي بكر وعمر ﵄ (١).
فانخدع به كثير من الشيعة ومالوا إليه وإلى أقواله والعقائد التي اخترعها واختلقها، وبذلك تطور التشيع الأول وتغيرت الشيعة الأولى، فصار التشيع مذهباً دينياً بعد أن كان سياسياً محضاً، وصارت الشيعة حزباً دينيا بعد أن كانوا حزباً سياسياً خالصاً.
ولقد قال بهذا القول المستشرق الألماني "ولهوزن" أيضاً حيث يذكر الشيعة الأولى بأنهم تمكنوا أولاً في العراق.
ولم يكونوا في الأصل فرقة دينية، بل تعبيراً عن الرأي السياسي في هذا الإقليم كله. فكان جميع سكان العراق، خصوصاً أهل الكوفة، خصوصاً القبائل ورؤساء القبائل، ولا يلاحظ بينهم إلا درجات في التشيع. لقد كان علي في نظرهم رمزاً لسيادة بلدهم المفقود. ومن هنا نشأ تمجيد شخصه وآل بيته، تمجيداً لم يرتح له أثناء حياته، على أنه ما لبث أن تكونت في أحضان مذهب سري عبادة حقيقية لشخصه (٢) ".
وهذا هو القول الحق لأن علياً ﵁ لم ينقل في الصحيح عنه أنه كان يعد نفسه أو أهل بيته مختلفين عن أبي بكر وعمر
стр. 67
وعثمان، بل كان يفضلهم عليه وعلى أولاده، وكان ينتهج منهجهم ويسلك سبيلهم، وكان يعد خلافته امتداداً لخلافتهم كما ذكر ذلك في خطبته المشهورة المنقولة عنه أنه قال مخاطباً معاوية في كتاب له إليه:
إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار والغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.
ولعمري، يا معاوية، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ الناس من دم عثمان، ولتعلمن أني كنت في عزلة عنه إلا أن تتجنى فتجن ما بدا لك. والسلام (١) ".
وعلى ذلك قال ولهوزن:
كان القدماء من أنصار علي يعدونه في مرتبة مساوية لسائر الخلفاء الراشدين. فكان يسلك مع أبي بكر وعمر وكذلك مع عثمان ـ طالما كان عادلاً في خلافته ـ في سلك واحد، وكان يوضع في مقابل الأمويين المغتصبين للخلافة بوصفه استمراراً للخلافة الشرعية. وحقه في الخلافة ناشئ عن أنه كان من أفاضل الصحابة وأنهم وضعوه في القمة وتلقى البيعة من أهل المدينة، ولم ينشأ هذا الحق ـ أو على الأقل لم ينشأ مباشرة ـ عن كونه من آل بيت الرسول (٢) ".
وهذه الحقيقة الثابتة الناصعة لا ينكرها إلا لجاهل أو المتجاهل المكابر المعاند.
ثم ولم يجد التشيع هذا والسبئيون طريقاً للتقدم أمامهم إلا
стр. 68
لضعف الحسين بن علي ﵁ في لم الأمور وجمعها أو السيطرة الكاملة على جماعة أبيه، والمؤامرات الكامنة وراء الأستار من قبل اليهودية وانظمام المجوسية، إليها لاندحارها أمام زحف الإسلام والجيوش الإسلامية الظافرة المنصورة، وتكالب الموالي الفرس ضد العرب المسلمين الهازمين قوتهم وشوكتهم، والمدمرين حضارتهم، وأيضاً تكاتف المنتفعين الآخرين ومن أبناء الأمم المدحورة الأخرى الذين كانوا يتحينون الفرص المواتية للانتفاضة ضد الفاتحين والحكام الباعثين البعوث، والمرسلين العساكر، والمجندين الجنود للقضاء على بقيتهم الباقية وعلى الوثنيات والشركيات، وظلم الظلمة وغلبة الطغاة المستبدين.
فلم يجد الحسن ﵁ وعن أبيه ـ قوة كافية لردع هؤلاء والحيلولة بينهم وبين تسرب أفكارهم إلى شيعته وشيعة أبيه المخلصين، خصوصا بعدما تسرب في قلوب شيعته الوهن والضعف، وازداد جبنهم وتخاذلهم، فكثر الكذب باسم أهل البيت، وفشت العقائد المدسوسة كما أقر بذلك الشيعي المشهور السيد محسن الأمين في موسوعته نقلاً عن واحد من أئمته أنه قال:
" قال السيد علي خان في كتاب الدرجات الرفيعة في طبقات الإمامية من الشيعة: روى عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر ﵉ أنه قال لبعض أصحابه: يا فلان ما لقينا من ظلم قريش إيانا وتظاهرهم علينا وما لقي شيعتنا ومحبونا من الناس أن رسول الله (ص) قبض وقد أخبر أنا أولى الناس بالناس، فمالأت علينا قريش حتى أخرجت قريش الأمر عن معدنه واحتجت على الأنصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت فنكثت بيعتنا
стр. 69
ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود حتى قتل، فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به وأسلم ووثب عليه أهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه وانتهب عسكره وعوجلت خلاخل أمهات أولاده، فوادع معاوية وحقن دمه ودم أهل بيته وهم وقليل حق قليل، ثم بايع الحسين أهل العراق عشرون ألفاً غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في أعناقهم فقتلوه ن ثم لم نزل أهل البيت نستذل ونستضام ونقصى ونمتهن ونحرم، نقتل ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أولياءنا، ووجد الكذابون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء في كل بلدة، فحدثوهم بالأحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا إلى الناس (١) ".
فكذب الكذابون ووضعوا أقوالاً وروايات مختلقة ومخترعة لترويج باطلهم ونشر ضلالاتهم، وعليّ وأولاده الطيبون منها براء، وعلى رأس الوضاعين الدجالين والسعاة السبئيون وقائدهم عبد الله بن سبأ، فنجح ونجحوا أيما نجاح حيث استطاعوا وبعد مدة طويلة وحوادث عديدة أن يفتنوا كثيراً من الناس وأن يخدعوهم ويخرجوهم عن الإسلام الصحيح الصريح، عن دين الله إلى المذهب الأجنبي الغريب، أن يخرجوهم عن العقائد الإسلامية الساذجة البسيطة، الخالية من شوائب الشرك والوثنية، وعن وحدانية الله ، وعن الحرية والجهاد والديمقراطية! والعدل وعن كرامة الإنسان بعدم التفريق بينه وبين الآخر في الحسب والنسب والجاه والحكومة والرئاسة، نعم أخرجهم عن هذا كله وألزمهم العقائد الفلسفية الكلامية المعقدة المأخوذة عن التفلسف اليهودي والوثنية المجوسية والغوامض المسيحية، وإلى الإشراك بالله
стр. 70
والعبودية والاستغلال والتفرقة بين بني آدم بالحسب والنسب والجاه والحكم والرئاسة، وأن شخصاً أفضل لأنه ولد في بيئة فلانية، وليس له شرف سواه، وأن فلاناً أرذل لأنه لم يولد في تلك الأسرة الأرستقراطية ولو حاز جميع أوصاف الشرف والمكرمة وغير ذلك من السخافات والترهات، فصار
السبئيون أصلاً لكل فرقة خرجت عن الشيعة، وصارت أفكار ابن السوداء عقائد لجميع تلك الفرق، فافترقوا حسب اختلافهم بالأخذ عنهم وعنها، فمن أخذها بحذافيرها سمي بذلك ومن أخذ بعضها وترك بعضاً منها سمي بأولئك، ومن أخذ الأكثر وترك القليل سمي بهذا الاسم، وهكذا ولكنها ولا واحدة منها سلكت مسلكاً غير مسلكهم، ولا انتهجت غير منهجهم، ولا مشت غير ممشاهم، وسوف ترى كل ذلك بعينيك وتشاهدها بنفسك بكتب موثوقة معتمدة وبالأدلة والبراهين كما سنبينه في باب الفرق في الباب المستقل من هذا الكتاب حول فرق الشيعة.
وعلى ذلك قال الحكيم الدهلوي عند بحثه عن فرق الشيعة وبعد ذكر الصحابة.
стр. 71
وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض وأسلافهم ومسلمو الثبوت عندهم فإنهم وضعوا بناء دينهم وأيمانهم في تلك الطبقة على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن الأمير ـ كرم الله تعالى وجهه ـ بواسطة هؤلاء الرجال. وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك المنافقين في هذا الباب، وقالوا إنهم قبل وقوع التحكيم كانوا مغلوبين لكثرة الشيعة الأولى في عسكر الأمير وتغلبهم ولما وقع التحكيم وحصل اليأس من انتظام أمور الخلافة وكادت المدة المعينة للخلافة تتم وتنقرض وتخلفها نوبة العضوض رجع الشيعة الأولى من دومة الجندل التي كانت محل التحكيم إلى أوطانهم لحصول اليأس من نصرة الدين وشرعوا بتأييده بترويج أحكام الشريعة والإرشاد ورواية الأحاديث وتفسير القرآن المجيد كما أن الأمير ـ كرم الله تعالى وجهه ـ دخل الكوفة واشتغل بمثل هذه الأمور، ولم يبق في ركاب الأمير إذ ذاك من الشيعة الأولى إلا القليل ممن كانت له دار في الكوفة فلما رأت هاتيك الفرقة الضالة المجال في إظهار ضلالتهم أظهروا ما كانوا يخفونه من إساءة الأدب في حق الأمير وسب أصحابه وأتباعه الأحياء منهم والأموات، ومع هذا كان لهم طمع في المناصب أيضاً لأن العراق وخراسان وفارس والبلاد الأخر الواقعة في تلك الأطراف كانت باقية بعد في تصرف الأمير وحكومته، والأمير ـ كرم الله تعالى وجهه ـ عاملهم كما عاملوه كما وقع ذلك لموسى ﵇ مع اليهود ولنبينا محمد ﵊ مع المنافقين (١) ".
وقد أقر بذلك النوبختي حيث كتب:
" فلما قتل علي ﵇ افترقت [الناس] التي تثبت على إمامته
стр. 72
فصاروا فرقاً ثلاثا: فرقة منهم قالت إن علياً لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً، وهي أول فرقة قالت في الإسلام بالوقف بعد النبي صلى الله عليه وآله من هذه الأمة، وأول من قال بالغلو، وهذه الفرقة تسمى السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ، وكان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم وقال: إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به، فأمر بقتله
فصاح الناس إليه يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك فصيره إلى المدائن، وحكى جماعة من أهل العلم من أصحاب علي ﵇ أن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ﵇ وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون بعد موسى ﵇ بهذه المقالة، فقال في إسلامه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله في علي ﵇ بمثل ذلك، وهو أول من شهر القول بفرض إمامة علي ﵇ وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه، فمن هناك قال من خالف الشيعة أن أصل الرفض مأخوذ من اليهودية ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: كذبت، لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض (١) ".
ومثل ذلك ذكره الكشي وغيره ممن تقدم ذكرهم.
وقصداً أعدنا هذه العبارة لما لها من علاقة مباشرة بالموضوع، ولما لها أهمية كبيرة في فهم التشيع والشيعة، ولنعيد إلى ذهن القارئ ما لعله قد غاب عنه.
стр. 73
فكان هذا أول حدث عقائدي في التشيع وتغيير جذري غير منهج الشيعة في الفكر والرأي عبر القرون، ومن هنا بدأت تتزعم اليهودية وتترأس أفكار التشيع والشيعة كما أقر بذلك النوبختي وبعده الكشي وقبله سعد القمي وغيرهم الكثيرون، الكثيرون، وإليه ذهب كل من حقق ودقق وغربل التاريخ من المسلمين وغير المسلمين من المؤرخين والرجاليين وأصحاب المقالات في الفرق والعقائد من السنة والشيعة والمستشرقين من اليهود والنصارى وغيرهم فيقول ولهوزن وهو يذكر السبئية:
ومنشأ السبئية يرجع إلى زمان علي والحسن وتنسب إلى عبد الله بن سبأ. وكما يتضح من اسمه الغريب، فإنه أيضاً يمنياً، والواقع أنه من العاصمة صنعاء. ويقال أيضاً أنه كان يهودياً. وهذا يقود إلى القول بأصل يهودي لفرقة السبئية. والمسلمون يطلقون (اليهودي) على ما ليس في الواقع كذلك. بيد أنه يلوح أن مذهب الشيعة، الذي ينسب إلى عبد الله بن سبأ أنه مؤسسه، إنما يرجع إلى اليهود أقرب من أن يرجع إلى الإيرانيين (١) ".
وسوف نتكلم عن السبئية وعقائدها التي سلحهم بها اليهود وغيرهم في باب آخر حيث نضطر إلى إعادة القول عن السبئية هناك، وقبل أن نأتي إلى آخر القول نريد أن نذكر هاهنا أن جماعة من الشيعة الأولى لا زالوا على عقائدهم الأصلية والتي ليس بينهما وبين عقائد المسلمين الأولين أي فرق إلى أن حصلت التغييرات الأخرى وعلى رأس هؤلاء كان أولاد علي ﵁ من الحسن والحسين
ومحمد وأبي بكر وعمر وعثمان والعباس وغيرهم من أبناء عليّ وبقية الهاشميين.
стр. 74
من أبناء العباس وعقيل وجعفر وطالب وغيرهم من أبناء عمومة الحسنين وأبناء أعمام أبيهم.
وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا الباب، ومن ثم ننتقل إلى باب آخر. وهو يشتمل على التهم الباطلة والإيرادات الواهية والمطاعن المختلفة التي اخترعها السبئيون للقضاء على دولة الإسلام وأميرها خليفة المسلمين عثمان بن عفان ﵁ لأنه خلف بعد الشيعة الأولى خلف تبنوا هذه الأفكار وتركوا سبيل عليّ وأهل بيته، فسلطوا ألسنتهم وأقلامهم تبعاً لسلفهم غير الصالح على ذلك الإمام المظلوم الذي قتل ظلماً وبغياً وجوراً، كما أن له علاقة بالموضوع حيث إن قتلته أو من ساعد قاتليه على قتله هم الذين أيدوا السبئية، ومنهم تكونت وبآرائهم اعتنقوا وبأفكارهم تضللوا وانحرفوا عن جادة الحق والهدى، والضغائن، وثبت التفرقة والانشقاق، وتثير الآلام وتقشر الجراحات وتحيي الأوجاع، وبهذا نمشي أيضاً مع مجرى التاريخ وثمراته ونتائجه وبالله التوفيق ونسأله العدل في القول، والإصابة في الحق، وهو لي القبول.
стр. 75
الباب الثالث
الشيعة ومطاعنهم على ذي النورين ﵁
والسبأية وفتنهم أيامه
قبل أن نتكلم في هذا الموضوع نريد أن نكشف الحجاب عن بعض الحقائق الواقعة التي طالما خفيت على كثير من الناس وحتى على الخاصة منهم. ومنها أن الشيعة عامة جعلوا الكذب شعار لهم وأصبغوا عليه صبغة دينية باسم التقية حيث قالوا:
لا إيمان لمن لا تقية له (١) ".
ونسبوا هذه الرواية إلى محمد الباقر زوراً وبهتاناً.
حتى اشتكى منهم ومن أكاذيبهم الكثيرة والجريئة، عليُ وأهل بيته الذين يعدونهم أئمة لهم، اشتكوا منهم كثيرا لهذا، فقد ذكر الكشي كبيرهم في الرجال عن ابن سنان:
قال أبو عبد الله (ع) إنا أهل بيت صادقون لا نخلو من كذاب يكذب علينا، فيسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس. كان رسول الله ﷺ أصدق البرية لهجة وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين (ع) أصدق من برأ الله من بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه عبد الله بن سبأ لعنه الله، وكان أبو عبد الله الحسين بن علي (ع) قد ابتلي بالمختار. ثم ذكر أبو عبد الله الحارث الشامي وبنان، فقال: كانا يكذبان على عليّ بن الحسين (ع)، ثم ذكر المغيرة بن سعيد وبزيغا والسري وأبا الخطاب ومعمراً وبشار الأشعري وحمزة اليزيدي وصائد النهدي فقال: