Полный текст (334 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
(وَحَمَلْنَاهُمُ عَلَى حَزْنِ ثَهْلاَ ... نَ شِلاَلاً، وَدُمِّىَ الأنْسَاءُ)
الحزن: ما غلظ من الأرض، شبَّه ما أصابهم وما حملوهم عليه من القتل بشدة هذا الحزن، وهذا مثل قول الأخطل:
لَقَدْ حَمَلَتْ قَيْسُ بْنُ عَيْلاَنَ حَرْبَنَا ... عَلَى يَابِسِ السِّيسَاءِ مُحْدَوْدِبِ الظَّهْرِ
وهذا قول الأصمعي، وقال أبو مالك: معناه حملناهم على حزن ثهلان بعينه، يقول: جرحناهم فركبوا حزن ثهلان على خشونته، وشلالا: معناه هرابا، وقد دُميت من الجراح أنساؤهم، و (شلالا) كأنه شاللناهم شلالا.
(وَفَعَلْنَا بِهِمْ كَمَا عَلِمَ الل ... هُ وَمَا أن لِلْحَائِنِينَ دِماءُ)
أي فعلنا بهم فعلا عظيما شديدا. وقوله (ما أن للحائنين دماء) أي من عصى فقد حان أجله ويُهدر دمه، ولا يطالب به.
(ثُمَّ حُجْراً أَعْنِي ابْنَ أُمِّ قَطَامٍ ... وَلَهُ فَارِسِيَّة خَضْرَاءُ)
حُجرا: منصوب لأنه معطوف على الهاء والميم في قوله (فرددناهم) وعطف الظاهر على المضمر المنصوب جيد، لأنه يتصل وينفصل، فصار المعنى: ثم رددنا حجرا، وأجرى قطام بالإعراب لما اضطر رده إلى أصل الأسماء؛ وسبيل قطام في لغة أهل الحجاز إذا كانت اسما لمؤنث أن تكون مكسورة بغير
стр. 282
تنوين وكان حقها أن تكون ساكنة، والعلى فيها عند أبي العباس إنها زادت على ما لا ينصرف علة فبُنبت، لأنه ليس بعد ترك الصرف إلا البناء، والعلل التي فيها أنها مؤنثة معرفة معدولة، فوجب أن تُبنى، وكسرت لالتقاء الساكنين، واختير لها الكسر لأربع جهات: إحداها أن حق كل ساكنين يلتقيان أن يحرك أحدهما إلى الكسر، وأيضا فإن الكسر من علامة المؤنث في قولك: قمت، وكلمتك، إذا خاطبت امرأة، وأيضا فإن فَعَال يعدل في الأمر في قولك (تَرَاكِ) أي اترك، فقد وجب الكسر كما وجب للأمر في قولك (اصرب الرجل، وأيضا فإنه لما عدل فكان حقه أن لا ينصرف أعطى حركة ليست فيما لا ينصرف، فإن سميت به مذكرا كان بمنزلة ما لا ينصرف. يقول: الآية الثانية التي صنعنا بحُجر - وكان حجر غزا امرأ القيس أبا المنذر بن ماء السماء بجمع من كندة كثير، وكانت بكر
بن وائل مع امرئ القيس، فخرجت بكر بن وائل فردَّته وقتلت جنوده - وقوله: (وله فارسية) أي معه كتيبة خضراء من كثرة السلاح، فارسية: أي سلاحها من عمل فارس.
стр. 283
(أَسَدٌ فِي اللِّقَاءِ وَرْدٌ هَمُوسٌ ... وَرَبِيعٌ أن شَنَّعَتْ غَبْرَاءُ)
ويروى (إن شنعت شهباءُ) وهي السنة الشديدة، والغبراء: السنة القليلة المطر، وشنعت: جاءت بأمر شنيع، ويروى (أسد في السلاح) يعني حُجرا، أي هو أسد، والهموس: الخفي الوطء، وقوله (وربيع) تقديره ذو ربيع، والربيع: الخصب.
(فَرَدَدْنَاهُمُ بِطَعْنٍ كَمَا تُنْ ... هَزُ عَنْ جَمَّةِ الطَّوِىِّ الدِّلاَءُ)
ويروى (جبهناهم) أي تلقينا جباههم بطعن كما تنهز - أي كما تحرك - الدلاء لتمتلئ، ويروى (في جمة الطوى) وجمةُ البئر: الذي قد جمَّ فلم يُستق منه، وقال أبو مالك: جمة الماء: الموضع الذي يبلغه الماء من البئر، ولم يبلغ أكثر منه، فترى ذلك الموضع مستديرا كأنه إكليل، والعلوي: البئر المطوية.
(وَفَكَكْنَا غُلَّ امْرِئِ القَيْسِ عَنْهُ ... بَعْدَ مَا طَالَ حَبْسُهُ وَالعَنَاءُ)
يعني امرأ القيس بن المنذر بن ماء السماء، وهو أخو عمرو بن هند لأبيه، وكانت غسان أسرته يوم قُتل المنذر أبوه، فأغارت بكر بن وائل مع عمرو بن هند على بعض بوادي الشام، فقتلوا ملكا لغسان، واستنقذوا
стр. 284
امرأ القيس، وأخذ عمرو ابنة ذلك الملك، وهي ميسون التي ذكرها الحارث.
(وَأَقَدْنَاهُ رَبَّ غَسَّانَ بِالمُنْ ... ذِرِ كَرْهاً، إِذْ لاتُكَالُ الدِّمَاءُ)
رب غسان: هو الملك الذي تقدم ذكره أبو ميسون، ويروى (وما تُكال الدماء) أي ذهبت هدرا.
(وَفَدَيْنَاهُمُ بِتِسْعَةِ أَمْلاَ ... كٍ كِرَامٍ أَسْلاَبُهُمْ أَغْلاَءُ)
ويروى (بتسعة أملاك ندامى) وكان المنذر بن ماء السماء بعث خيلا من بكر بن
وائل في طلب بني حُجر آكل المرار حين قُتل حُجر، فطفرت بهم بكر، وقد كانوا دنوا من بلاد اليمن، فأتى بهم المنذر بن ماء السماء، فأمر بذبحهم وهو بالحيرة، فذبحوا عند منازل بني مرينا، وكانوا ينزلون بالحيرة وهم قوم من العباد، وفي ذلك يقول امرؤ القيس بن حُجر:
أَلاَ يَا عَيْنُ بَكِّى لِي شَنِينَا ... وَبَكِّى للِمُلُوكِ الذّاهِبِينَا
مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ عَمْروٍ ... يُسَاقُونَ العَشِيَّةَ يُقْتَلُونَا
(وَمَعَ الجَوْنِ جَوْنِ آلِ بَنِي الأَوْ ... سِ عَنُودٌ كَأَنّهَا دَفْوَاءُ)
الجون: ملك من ملوك كندة، وهو ابن عم قيس بن معد يكرب
стр. 285
وكان غزا بني بكر في كتيبة خشناء، فقاتلته بنو بكر وهزمته، وأخذوا ابنه، وجاءوا به إلى المنذر، والعنود هنا: الكتيبة كأنها تعند في سيرها، والدفواء: المنحنية، يصف كثرتها، يقال: وعل أدفى، وأروية دفواء، إذا كان قرنهما يذهب نحو ذنبهما، (ومر يتدافى) إذا مر يتحادب، والدفواء: العُقاب، والدفواء: المائلة، وجعل الكتيبة دفواء من بغيها، يقول: كما ينقض العُقاب على الصيد كذلك تميل هذه الكتيبة من بغيها، وبنو الأوس من كندة.
(مَا جَزِعْنَا تَحْتَ العَجَاجَةِ إِذْ وَلّ ... تْ بِأَقْفَائِهَا وَحَرَّ الصِّلاَءُ)
ويروى (إذ جاءوا جميعا وإذ تلظى الصلاء) يقول: لم نجزع حين لقينا الجون وهو في جمع كثير، وقوله (إذ ولت بأقفائها) معناه بأعجازها (وحر الصلاء) أي وقدت النار، شبَّه شدة الحرب بوقود النار.
(وَوَلَدْنَا عَمْرَو بْنَ أُمِّ أُنَاسٍ ... مِنْ قَرِيبٍ لَمَّ أَتَانَا الحِبَاءُ)
يريد عمرو بن حُجر الكندي، وكان جد الملك عمرو بن هند، وهند هي بنت عمرو بن حُجر آكل المُرار، وكانت أم عمرو بن حُجر أم أناس بنت
стр. 286
ذهل بن شيبان بن ثعلبة، وعمرو بن أم أناس هذا هو جد امرئ القيس الشاعر، وقوله (من قريب)
معناه النسب بيننا وبينه قريب ليس بالمتباعد؛ إذ أمه بنت ذُهل بن شيبان، وهي جدة أم عمرو بن المنذر، وقوله: (لما أتانا الحباء) يقول: حين أتانا حباء الملك عمرو بن حُجر لما خطب إلينا ورآنا أهلا لمصاهرته.
(مِثْلُهَا يُخْرِجُ النَّصِيحَةَ لِلْقَوْ ... مِ فَلاَةٌ مِنْ دُونِهَا أَفْلاَءُ)
أي مثل هذه القرابة بيننا وبينك أيها الملك يُخرج نصيحتنا لك، ثم قال: (فلاة من دونها أفلاء) معناه نصيحة كثيرة واسعة مثل الفلاة التي دونها أفلاء كثيرة، فالأفلاء على هذه الرواية: جمع فلا، وفلا: جمع فلاة، ويروى (فلاء من دونها أفلاء) أي يتولد من النصيحة مثل الفلاء، وهو جمع فلو، والفلو يُخدع بالشيء بعد الشيء حتى يسكن ثم يُفلى عن أمه، أي يُفطم، ويروى فلاةٌ وفلاةً بالرفع والنصب، فمن نصب فعلى الحال كأنه قال: مثل فلاة واسعة، ومن رفع فعلى إضمار مبتدأ، كأنه قال: هي فلاة من دونها أفلاء.
هذا آخر القصائد السبع، وما بعدها المزيد عليها
قصيدة الأعشى ميمون بن قيس
وقال الأعشى أبو بصير، واسمه ميمون بن قيس بن جندل بن شراحيل ابن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عُكابة بن صعب بن علىّ ابن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن افصى بن دُعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان:
стр. 287
(وَدِّعْ هُرَيْرَةَ أن الرَّكْبَ مُرُتَحِلُ ... وَهَلْ تُطِيقُ وَدَاعاً أَيُّهَا الرَّجُلُ؟)
قال أبو عبيدة: هريرة قينة كانت لرجل من آل عمرو بن مرثد، أهداها إلى قيس بن حسان بن ثعلبة بن عمرو بن مرثد، فولدت له خُليدا، وقد قال في قصيدته:
جَهْلاً بأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلَ مَنْ تَصِلُ
والركب لا يستعمل إلا للإبل، وقوله: (وهل تُطيق وداعا) أي إنك تفزع أن ودَّعتها.
(غَرَّاءُ فَرْعَاءُ مَصْقُولٌ عَوَارِضُهَا ... تَمْشِي الهُوَيْنَا كمَن يَمْشِي الوَجِى الوَحِلُ)
قال الأصمعي: الغراء البيضاء الواسعة الجبين، وروى عنه إنه قال: الغراء
стр. 288
البيضاء النقية العرض، والفرعاء: الطويلة الفرع أي الشعر، وقوله: (مصقول عوارضها) أي نقية العوارض، وقال أبو عمرو الشيباني: العوارض الرباعيات والأنياب، وقوله: (تمشى الهوينا) على رسلها، والوجى: الذي يشتكي حافره ولم يحف، وهو مع ذلك وحل؛ فهو أشد عليه، وغراء: مرفوع لأنه خبر مبتدأ، ويجوز نصبه بمعنى أعنى، وعوارضها: مرفوعة على أنها اسم ما لم يسم فاعله، وقال (مصقول) على معنى الجمع كما قرئ (لاَ يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِنْ بَعْدُ) والهوينا: في موضع نصب على المصدر، وفيها زيادة على معنى المصدر؛ لأنك إذا قلت (هو يمشي الحوينا) ففيه معنى هو يمشي المشي المترسل.
(كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِنْ بَيْتِ جَارَتِهَا ... مَرُّ السَّحَابَةِ، لاَ رَيْثٌ، وَلاَ عَجَلُ)
المشية: الحالة، وقوله (مرَّ السحابة) أي تهاديها كمر السحابة، وهذا مما توصف
به النساء، والرَّيث: البُطء، والعجل: العجلة.
(تَسْمَعُ للحَلْيِ وَسْوَاساً إذا انْصَرَفَتْ ... كَمَا اسْتَعَانَ بِريحٍ عِشْرِقُ زَجِلُ)
الحلي: واحد يؤدي عن جماعة، ويقال في جمعه حلي والوسواس: جرس الحلي، وقوله (إذا انصرفت) يريد إذا انقلبت إلى فراشها، وقول (كما استعان بربح عشرق زجل) مجاز وإنما المعنى كعشرق ضربته الريح، فشبَّه صوت
стр. 289
الحلي بصوته، قال الأصمعي: العشرق: شُجيرة مقدار ذراع لها أكمام فيها حب صغار، غا جفت فمرت بها الريح تحرَّك الحب، فشبه صوت الحلي بخشخشته على الحصى.
(لَيْسَتْ كَمَنْ يَكْرَهُ الجِيرَانُ طَلْعَتَهَا ... وَلاَ تَرَاهَا لِسِرِّ الجَارِ تَخْتَتِلُ)
تختتل وتختل واحد، أي لا تفعل ذلك لتسمع السر.
(يَكَادُ يَصْرَعُهَا لَوْلاَ تَشَدُّدُهَا ... إذا تَقُومُ إلى جَارَاتِهَا الكَسَلُ)
يقول: لولا إنها تشددت إذا قامت لسقطت، و (إذا) في موضع نصب، والعامل فيه (يصرعها).
وروى أبو عبيدة:
(إذا تُلاَعِبُ قِرْناً سَاعَةً فَتَرَتْ ... وَارْتَجَّ مِنْهَا ذَنُوبُ المَتْنِ وَالكَفَلُ)
ذنوب المتن: العجيزة والمعاجر.
(صِفْرُ الوِشَاح، وَمِلْءُ الدِّرْعِ، بَهْكَنَةٌ ... إذا تَأَتَّى يَكَادُ الخَصْرُ يَنْخَزِلُ)
صِفرُ الوشاح: يعني إنها خميصة البطن دقيقة الخصر؛ فوشاحها يقلق عنها لذلك، فهي تملأ الدرع لأنها ضخمة، والبهكنة: الكبيرة الخلق وتأتي:
стр. 290
ترفق، من قولك (هو يتأتى للأمر) وقيل: تأتي تهيأ للقيام، والأصل تتأتى، فحذف إحدى التاءين، و (ينخزل) يتثنى، وقيل: ينقطع، ويقال (خزل عنه حقه) إذا قطعه.
(نِعْمَ الضّجِيعُ غَدَاةَ الدّجْنِ يَصْرَعُهَا ... لِلَذّةِ المَرْءِ، لاَ جَافٍ، وَلاَ تَفِلُ)
الدجن: إلباس الغيم السماء، وقيل: معنى (للذة المرء) كناية عن الوطء، ويروى (تصرعه) وقوله (لا جاف) أي لا غليظ، والتفل: المنتن الرائحة، وقيل: هو الذي لا يتطيب.
(هِرْكَوْلَةٌ فُنُقٌ دُرْمٌ مَرَافِقُهَا ... كَأَنَّ أَخْمَصَهَا بالشّوْكِ مُنْتَعِلُ)
الهركولة: الضخمة الوركين الحسنة الخلق، وقيل: الحسنة المشي والفنق: الفتية من النساء والإبل الحسنة الخلق، وواحد الدُّرم أدرم، والمؤنثة درماء، أي ليس لمرفقيها حجم، وجمع فقال (مرافق) لأن التثنية جمع، والأخمص: باطن القدم، وقوله (كأن أخمصها بالشوك منتعل) معناه إنها متقاربة الخطو، وقيل: لأنها ضخمة فكأنها تطأ على شوك لثقل المشي عليها.
(إذا تَقُومُ يَضُوعُ المِسْكُ أَصْوِرَةً ... وَالزَّنْبِقُ الوَرْدُ مِنْ أَرْدَانِهَا شَمِلُ)
стр. 291
ويروى (آونة والعنبر الورد) ويضوع: تذهب ريحه كذا وكذا والآونة: جمع أوان، وقال الأصمعي: أصورة تارات وقال أبو عبيدة: أجود الزنبق ما كان يضرب إلى الحمرة؛ فلذلك قال (والزنبق الورد) وأردان: جمع رَدْن ورُدْن، وهي أطراف الأكمام، وشمل: أي طيبُها يشمل، يقال: شمِل يشكل فهو شملٌ وشامل.
(مَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الحَزْنِ مُعْشِبَةٌ ... خَضْرَاءُ جَادَ عَلَيْهَا مُسْبِلٌ هَطِلُ)
رباض الحزن: أحسن من رياض الخفوض.
(يُضَاحِكُ الشَّمْسَ مِنْهَا كَوْكَبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزّرٌ بِعَمِيمِ النَّبْتِ مُكْتَهِلُ)
قوله (يضاحك الشمس) أي يدور معها حيثما دارت، وكوكب كل شيء: معظمه، والمراد هنا الزهر ومؤزَّر: مُفعَّل من الإزار، والشرق: الريَّان الممتلئ ماء، والعميم: التام السن، ومكتهل: قد انتهى في التمام، و (اكتهل الرجل)
стр. 292
إذا انتهى شبابه.
(يَوْماً بِأَطْيَبَ مِنْهَا نَشْرَ رَائِحَةٍ، ... وَلاَ بِأَحْسَنَ مِنْهَا إِذْ دَنَا الأُصُلُ)
النشر: الرائحة الطيبة، ونشر: منصوب على البيان وإن كان مضافا؛ لأن المضاف إلى النكرة نكرة، ولا يجوز خفضه لأن نصبه وقع لفرق بين معنيين، وذلك أنك تقول: هذا الرجل أفره عبدا في الناس، وتقول: هذا العبد أفره عبد في الناس؛ فالمعنى أفره العبيد. والأصل: جمع أصيل، والأصيل: من العصر إلى العشاء، وإنما خص هذا الوقت لأن النبت يكون فيه أحسن ما يكون؛ لتباعد الشمس والفيء عنه.
(عُلِّقْتُهَا عَرَضاً، وَعُلِّقَتْ رَجُلاً ... غَيْرِي، وَعُلِّقَ أُخْرَى غَيْرَهَا الرَّجُلُ)
يقال: عرض له أمر، إذا أتاه على غير تعمُّد وعرضا: منصوب على البيان، كقولك: مات هزلا، وقتلته عمدا.
(وَعُلِّقَتْهُ فَتَاةٌ مَا يُحَاوِلُهَا ... وَمِنْ بَنِي عَمِّهَا مَيْتٌ بِهَا وَهِلُ)
ويروى (خبل) ما يُحاولها: ما يريدها ولا يطلبها، وهذا التفسير على هذه الرواية، وروى ابن حبيب:
стр. 293
وَعُلِّقَتْهُ فَتَاةٌ مَا يُحَاوِلُهَا ... مِنْ أَهْلِهَا مَيِّتٌ يَهْذِي بِهَا وَهِلُ
ومعنى (ما يحاولها) على هذه الرواية ما يقدر عليها ولا يصل إليها، ومعنى (ومن بني عمها ميت) أي رجل ميت، والوهل: الذاهب العقل، كلما ذكر غيرها رجع إلى ذكرها لفتنته بها.
(وَعُلِّقَتْنِي أُخَيْرَى مَا تُلاَئِمُنِي ... فَاجْتَمَعَ الحُبُّ حُبٌّ كُلُّهُ تَبِلُ)
علقتني: معناه أحبَّتني، أي أحبتني ولم أحبها، والتي أحبها لا أصل إليها، وتلائمني: توافقني، وتبل: كأنه أصيب بتبل، أي بذحل، وحب: مرفوع بدل من الحب، ويجوز أن يكون مرفوعا بمعنى كله حب تبل، ويجوز نصبه في الحال، كما تقول: جاء زيد رجلا صالحا، ويروى (فاجتمع الحب حبي كله تبل).
(فَكُلُّنَا مُغْرَمٌ يَهْذِي بِصَاحِبِهِ ... نَاءِ ودَانٍ وَمَخْبُولٌ وَمُخْتَبَلُ)
المُغرم: المُولع، والغرام: الهلاك، ومنه: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً) ويروى (فكلُّنا هائم) والنائي: البعيد، ومنه (النُّؤُى) لأنه حاجز يُبعد السيل وروى الأصمعي (ومحبُول ومُحتبل) بالحاء، وقال: من رواه بالخاء معجمة فقد أخطأ، وإنما هو من الحبالة وهو الشَّرك الذي يُصطاد به، أي كُلنا مُوثق عند صاحبه، وقال أبو عبيدة: محبول ومحتبل - بكسر الباء - أي مصيد وصائد.
(صَدَّتْ هُرَيْرَةُ عَنَّا مَا تُكَلِّمُنَا ... جَهْلاً بِأُمِّ خُلَيْدٍ حَبْلَ مَنْ تَصِلُ)
روى أبو عبيدة (صدَّت خليدة عنَّا) قال: هي هريرة، وهي أم خُليد، وقوله
стр. 294
(حبل من تصل) استفهام، وفيه من التعجب، أي حبل من تصل إذا لم تصلنا ونحن نودُّها.
(أَأن رَأَتْ رَجُلاً أَعْشَى أَضَرَّبِهِ ... رَيْبُ المَنُونِ، وَدَهْرٌ مُفْنِدٌ خَبلُ)
ويروى (مفسد) قال الأصمعي: الأعشى الذي لا يُبْصِر بالليل، والأجهر: الذي لا يبصر بالنهار، والمنُون: المنية، سميت منُونا لأنها تنقص الأشياء، وقيل في قول الله : (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) معناه غير منقوص، وقال الأصمعي: هو واحد لا جمع له، ويذهب إلى إنه مذكر، وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له، والمُفند: من الفند، وهو الفساد، ويقال (فنده) إذا سفهه، ومنه (لَوْلاَ أن تُفَنِّدُونِ) وخبل: من الخبال، وهو الفساد، وقوله (أإنْ رأَت) أن في موضع نصب، والمعنى أَمن أن رأت رجُلا، ثم حذف من، ولك أن تحقق الهمزتين (أأن) ولك أن تخفف الثانية فتقول: أإن، وقال بعض النحويين: إذا خففتها جئت بها ساكنة، وهذا خطأ، لأن النون ساكنة، فلو كانت الهمزة ساكنة لالتقى ساكنان.
(قَالَتْ هُرَيْرَة لَمَّا جِئْتُ زَائِرَهَا: ... وَيْليِ عَلَيْكَ، وَوَيْلي مِنْكَ يَا رَجُلُ)
زائرها: منصوب على الحال، يقدَّر فيه الانفصال، كأنه قال: زائرا لها، وقوله (يا رجل) بمعنى يا أيها الرجل، ويجوز في غير هذا الشعر النصب على إنه نكرة، إلا
أن الرفع أجود.
(إِمَّا تَرَيْنَا حُفَاةً لاَ نِعَالَ لَنَا ... إِنَّا كَذَلِكِ مَا نَحْفَى وَنَنْتَعِلُ)
أي أن ترينا نتبذل مرة ونتنَّعم أخرى فكذلك سبيلُنا، وقيل: المعنى أن
стр. 295
ترينا نستغني مرة ونفتقر مرة، وقيل: المعنى أن ترينا نميل إلى النساء مرة ونتركهن أخرى، وحذف الفاء لعلم السامع، والتقدير: فإنا كذلك نحفى وننتعل، و (ما) زائدة للتوكيد.
(وَقَدٍْ أُخَالِسُ رَبَّ البَيْتِ غَفْلَتَهُ ... وَقَدْ يُحَاذِرُ مِنِّي، ثُمَّ مَا يَئِلُ)
ويروى (وقد أراقب) وقوله (غفلته) بدل من قوله: ربَّ البيت بدل الاشتمال، ويئل: ينجو.
(وَقَدْ أَقُودُ الصِّبَا يَوْماً فَيَتْبَعُنِي ... وَقَدْ يُصَاحِبْنِي ذُو الشِّرَّةِ الغَزِلُ)
الغزل: الذي يحبُّ الغزل، ويروى (ذو الشارة) والشارة: الهيأة الحسناء.
(وَقَدْ غَدَوْتُ إلى الحَانُوتِ يَتْبَعُنِي ... شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شِوَلُ)
ويروى (شَاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَمِلُ) وروى أبو عبيدة (شول) على وزن فُعل، والحانوت: بيت الخمَّار، ويذكر ويؤنث، والشاوي: الذي يشوى، والمشل: الجيد السَّوق للإبل، وهو الخفيف، وكذلك الشّلُولُ، والشُّلشُل مثل القلقل وهو المتحرك، وشول وهو الذي يحمي الشيء، يقال: شُلْتُ به وأشلته، وقيل: هو من قولهم (فلان يشُول في حاجته) أي يعني بها ويتحرك فيها، ومن روى شُولُ فهو بمعناه إلا إنه للتكثير كقوله:
стр. 296
قَدْ لَفّهَا اللَّيْلُ بِسَوَّاقٍ حُطَمْ
والنشول: الذي ينشل اللحم من القدر برفق، والشمل: الطيب النفس والرائحة.
(فِي فِتْيَةٍ كَسيُوُفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ... أن هَالِكٌ كلُّ مَنْ يَحْفى وَيَنْتَعِلُ)
ويروى (أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل) و (الأجل) ويقال في جمع فتى: فتية، وفُتو، وفُتِى، وفِتِى، وفتيان، يقول: هم في صرامتهم كالسيوف، و (أن) في
موضع نصب.
(نَازَعْتُهُمْ قُضُبَ الرَّيْحَانِ مُتًّكِئاً ... وَقَهْوَةً مُزَّةً رَاوُوقُهَا خَضِلُ)
أي نازعتهم حُسن الأحاديث وظريفها، وهذا قول الأصمعي، وقال غيره: يعني الريحان، أي يُحيى بعضهم بعضا. ويروى (مُرتفقا) وهو بمعنى متكئ، والمُزة والمُزاء: التي فيها مزازة. والروواق: إناء الخمر، وقيل: الراووق والناجود ما يخرج من ثقب الدَّنِّ، والخضل: الدائم الندى، والمعروف أن الراووق من الكرابيس يُروَّق فيه الخمر.
(لاَ يَسْتَفِيقُونَ مِنْهَا وَهْيَ رَاهِنَةٌ ... إلاّ بِهَاتِ، وَإِنَ عَلُّوا، وَإِنْ نَهِلُوا)
стр. 297
لا يستفيقون: أي شربهم دائم ليس لهم وقت معلوم يشربون فيه، والراهنة: الدائمة، وقيل: المُعدة، وراهية: ساكنة، وقيل: راهنة وراهية بمعنى. وقوله (إلا بهات) أي بقولهم هات، أي إذا أبطأ عليهم الساقي قالوا: هات.
(يَسْعَى بِهَا ذُو زُجَاجَاتٍ لَهُ نَطَفٌ ... مُقَلّصٌ أَسْفَلَ السِّرْبَالِ مُعْتَمِلُ)
النطف: القرطة، وقيل: اللؤلؤ العظام ومُقلص: مشمر، ويجوز نصب مقلص على الحال من المضمر الذي في له، والرفع أجود، والسربال: القميص، ومعتمل: دائب نشيط، وكذلك عمل، وقيل: نَطَف: تُبَان، بلغة اليمن، جلد أحمر.
(وَمُسْتَجِيبٍ تَخَالُ الصَّنْجَ يُسْمِعُهُ ... إذا تُرَجِّعُ فِيهِ القَيْنَةُ الفُضُلُ)
المُستجيب: العُود، أي إنه يُجيب الصنج، وقال أبو عمرو: يعني بالمستجيب العُود، شبه صوته بصوت الصنج فكأن الصنج دعاه فأجابه، والفُضُل: التي في ثياب فضلتها أي مباذلها، والقينة عند العرب: الأمة مغنية كانت أو غير مغنية.
(وَالسَّاحِبَاتِ ذُيُولَ الرَّيْطِ آوِنَةً ... وَالرَّافِلاَتِ عَلَى أَعْجَازِهَا العِجَلُ)
ويروى (ذُيُول الخز) آونة: جمع أوان، وهر الحين، والرافلات: النساء اللواتي يرفلن ثيابهن، أي يجررنها، وقوله: (على أعجازها العجل) ذهب أبو عبيدة
стр. 298
إلى
إنه شبَّه أعجازهن لضخمها بالعجل، وهي جمع عجلة، وهي مزادة كالإداوة وقال الأصمعي: أراد إنهن يخدمنه معهن العجل فيهن الخمر، والساحبات: في موضع نصب على إضمار فعل، لأن قبله فعلا، فلذلك اختير النصب فيه، ويكون الرفع بمعنى: وعندنا الساحبات.
(مِنْ كُلِّ ذَلِكَ يَوْمٌ قَدْ لَهَوْتُ بِهِ ... وَفِي التَّجَارِبِ طُولُ اللَّهْوِ وَالغَزَلُ)
ويروى (يوما) على الظرف، ويروى (طول اللهو والشغل) يقول: لهوت في تجاربي وغازلت.
(وَبلْدَةٍ مِثْلِ ظَهْرِ التُّرْسِ مُوحِشَةٍ ... للِجِنِّ بِاللّيْل فِي حَافَاتِهَا زَجَلُ)
(لاَ يَتَنَمَّى لَهَا بِالقَيْظِ يَرْكَبُهَا ... إِلاَّ الّذِينَ لَهُمْ فِيمَا أَتَوْا مَهَلُ)
(لا يتنمى لها) أي لا يسمو إلى ركوبها إلا الذين لهم فيما أوتوا مهل وعُدة، يصف شدتها، والمهل: التقدم في الأمر والهداية قبل ركوبها.
(جَاوَزْتُهَا بِطَلِيحٍ جَسْرَةٍ سُرُحٍ ... فِي مِرْفَقَيْهَا إذا اسَتَعْرَضْتَهَا فَتَلُ)
الطليح: المُعيية، والفعل طَلَحَ يَطلحُ طَلْحاً وطَلَحاً، والقياس إسكان اللام، وفتحها أكثر، والسُّرُح: السَّهلة السير، والفتلُ: تباعد مرفقيها عن جنبيها.
стр. 299
(بَلْ هَلْ تَرَى عَارِضاً قَدْ بِتُّ أَرْمُقُهُ ... كَأَنَّمَا البَرْقُ فِي حَافَاتِهِ شُعَلُ)
ويروى (أرقبه) و (يا من رأى عارضا) والعارض: السحابة تكون ناحية السماء، وقيل: السحاب المعترض
(لَهُ رِدَافٌ وَجَوْزٌ مُفْأَمٌ عَمِلٌ ... مُنَطَّقٌ بِسِجَالِ المَاءِ مُتَّصِلُ)
رداف: أي سحاب قد ردفه من خلفه، وجوز كل شيء: وسطه، والمُفأم: العظيم الواسع، وعمل: دائم البرق، ومُنطق: أي قد أحاط به فصار بمنزلة المنطقة، وقوله (متصل) أي ليس فيه خلل.
(لَمْ يُلْهِنِي اللهْوُ عَنْهُ حِينَ أَرْقُبُهُ ... وَلاَ اللّذَاذَةُ مِنْ كَأْسِ، وَلاَ شُغُلُ)
ويروى (ولا كسل) ويروى (ولا ثقل).
(فَقُلْتُ للِشّرْبِ فِي دُرْنَا وَقَدْ ثَمِلُوا: ... شِيُموا، وَكَيْفِ يَشِمُ الشّارِبُ الثَّمِلُ؟)
دُرنا: كانت بابا من أبواب فارس، وهي دون الحيرة بمراحل، وكان فيها أبو ثُبيت الذي ذكره، وقيل: دُرنا باليمامة، وشيموا: انظروا إلى البرق وقدَّروا أين صوبه، والثمل: السكران.
(قَالُوا: نُمَارٌ فَبَطْنُ الخَالِ جَادَهُمَا ... فَالعَسْجَدِيَّةُ فالأبْلاَءُ فالرِّجَلُ)
ويروى (فالأبواء) وهذه كلها مواضع، والرِّجل: مسايل الماء، واحدها رجلة.
стр. 300
(فالسَّفْحُ يَجْرِي، فَخِنْزِيرٌ، فَبُرْقَتُهُ ... حَتى تَدَافَعَ مِنْهُ الرَّبْوُ فالحُبَلُ)
ويروى (فالسفح أسفل خنزير)، والربو: ما نشز من الأرض، والحُبل: جبل، أو بلد.
(حَتَّى تَحَمَّلَ مِنْهُ المَاَء تَكْلِفَةً ... رَوْضُ القَطَا فَكَثِيبُ الغَيِنَةِ السَّهِلُ)
ويروى (حتى تضمَّن عنه الماء) يقول: تحمل روض القطا ما لا يطيق إلا على مشقة لكثرته، والغنية: الأرض الشجراء، وتكلفة: في موضع الحال.
(يَسْقِي دِيَاراً لهَا قَدْ أَصْبَحَتْ غَرَضاً ... زُوراً تَجَانَفَ عَنْهَا القَوْدُ وَالرَّسَلُ)
قوله (غرضا) أي غرضا للأمطار، ويروى (عزبا) أي عوازب، وزورا: ازورت عن الناس، والقود: الخيل: والرّ َسَل: الإبل، والرَّسَلُ: القرط، وهو القطيع من الغنم، يريد انهم أعزاء لا يغزون؛ فقد تجانف عنها الخيل والإبل.
(أَبْلِغْ يَزِيدَ بَنِي شَيْبَانَ مَأْلُكَةً ... أَبَا ثُبَيْتٍ، أَمَا تَنْفَكُّ تَأْتَكِلُ؟)
المأْلُكَة والمأْلَكَة: الرسالة، والايتكال: الفساد والسعي بالشر، وقالوا:
стр. 301
تأتكل: تحتكُّ من الغيظ.
(أَلَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أَثْلَتِنَا ... وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الإبِلُ)
أَثلتنا: أصلنا وعزُّنا، كما تقول (مجدٌ مُؤثل) قديم له أصل، والتأثل: اتخاذ أصل
المال.
(كَنَاطِحٍ صَخْرَةً يَوْماً لِيَفْلِقَهَا ... فَلَمْ يَضِرْهَا، وَأَوْهى قَرْنَهُ الوَعِلُ)
المعنى: أنك تكلف نفسك ما لا تصل إليه ويرجع ضرره عليك، والوعل: الأيل، والأنثى أروية.
(تُغْرِي بِنَا رَهْطَ مَسْعُودٍ وَإِخْوَتَهُِ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ فَتُرْدِى، ثُمَّ تَعْتَزِلُ)
أي تضرب بيننا وبينهم، كأنه قال: تلصق بيننا وبينهم العداوة من الغراء، وتُردى: تهلك.
(لاَ أَعْرِفَنَّكَ أن جَدَّتْ عَدَاوَتُنَا ... وَالتُمِسَ النَّصْرُ مِنْكُمْ عَوْضُ تُحْتَمَلُ)
عوضُ: اسم للدهر، ويروى عوضَ - بفتح الضاد - مثل حيثُ وحيث، يقول: لا أعرفنك أن التُمس النصر منك دهرك، واحتمل القوم: احتملتهم
стр. 302
الحمية والحرب، أي أُغضبوا، ويروى (واحتملوا) أي ذهبوا من الحمية أو الغيظ، وتحتمل: أي تذهب وتخلى قومك
(تُلْزِمُ أَرْمَاحَ ذِي الجَدَّيْنِ سَوْرَتَنَا ... عِنْدَ اللِّقَاءِ فَتُرْدِيهِمْ وَتَعْتَزِلُ)
ويروى:
تُلْحِمُ أَبْنَاَء ذِي الجَدَّيْنِ أن غَضِبُوا ... أَرْمَاحَنَا، ثُمَّ تَلْقَاهُمْ وَتَعْتَزِلُ
تلحم: أي تجعلهم لُحمة، أي تطعمهم إياها، وذو الجدين: قيس بن مسعود بن قبس بن خالد ذي الجدين، وإنما قيل لقيس بن مسعود (ذو الجدين) لأن جده قبس بن خالد أسر أسيرا له فداء كثير، فقال رجل: إنه لذو جد في الأسر، فقال آخر: إنه لذو جدين؛ فصار يُعرف بهذا، والسورة: الغضب، ويروى (شوكتنا) وهو السلاح.
(لاَ تَقْعُدَنَّ وَقَدْ أَكَّلْتَهَا حَطَباً ... تَعُوذُ مِنْ شَرِّهَا يَوْماً، وَتَبْتَهِلُ)
أأَكلتها: أجَّجْتها، وتبتهل: تدعو إلى الله [وتسأله الوقاية] من شرها.
(سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ عَنَّا فَقَدْ عَلِمُوا ... أن سَوْفَ يَأَتِيكَ مِنْ أَنْبَائِنَا شَكَلُ)
شكل: أي أزواج، خبر ثم خبر، وشكل: اختلاف، و (أنْ) هذه التي تعمل في الأسماء خُففت، و (سوف) عوض، والمعنى إنه سوف يأتيك، ولا يجوز إلا هذا مع سوف والسين. ويروى (من أيامنا شكل) أي من أيامنا المتقدمات وما فيها من الحروب.
(وَاسْأَلْ قُشَيْراً وَعَبْدَ اللهِ كُلّهُمُ ... وَاسْأَلْ رَبِبعَةَ عَنَّا كَيْفَ نَفْتَعِلُ)
стр. 303
(إنّا نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى نُقَتِّلَهُمْ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَإِنْ جَارُوا وَإِنْ جَهِلُوا)
ويروى (وهم جاروا وهم جهلوا) ويروى (أنّا) بفتح الهمزة على البدل من قوله (فقد علموا أن سوف) والكسر أجود على الابتداء والقطع مما قبله، ويروى (ثُمَّت نقتلهم) و (ثمة نغلبهم) فمن روى (ثمت نقتِّلهم) أنَّث ثم لأنها كلمة، وجعل تأنيثها بمنزلة التأنيث الذي يلحق الأفعال ومن قال (ثمة نغلبهم) فهو على تأنيث الكلمة إلا إنه ألحق التأنيث هاء في الوقف كما يفعل بالأسماء.
(قَدْ كَانَ فِي آلِ كَهْفٍ أن هُمُ احْتَرَبُوا ... وَالجَاشِرِيّةِ مَا تَسْعَى وَتَنْتَضِلُ)
ويروى (إن هُمُ قعدوا)، وآل كهف: من بني سعد بن مالك ابن ضبيعة، يقول: أن قعدوا هم فلم يطلبوا بثأرهم فقد كان فيهم من يسعى وينتضل لهم، والجاشرية: امرأة من إياد، وقيل: هي بنت كعب بن مامة، يقول: قد كان لهم من يسعى لهم فما دُخُولك بينهم ولست منهم؟
(إنِّي لَعَمْرُ الّذِي حَطّتْ مَنَاسِمُهَا ... تَخْدِي، وَسِيقَ إليه البَاقِرُ الغُيُلُ)
هذه رواية أبي عمرو، وروى أبو عبيدة:
له وسِيقَ إليه البَاقِرُ العَثَلُ
حطت، قيل: معناه أسرعت، قال الأصمعي: لا معنى لحطت هاهنا، وإنما يقال حطت إذا اعتمدت في زمامها، وقال: الرواية (خطت) أي سفت التراب يمناسمها، والمناسم: أطراف أخفاقها، وتخدى: تسير سيرا شديدا فيه اضطراب لشدته،
والباقر: البقر، والغُيُل: جمع غيل، وهو الكثير،
стр. 304
وقيل: هو جمع غيُول، والعَثَل والعَثِل: الجماعة، يقال: عَثَل له من ماله، أي أكثر.
(لَئِنْ قَتَلْتُمْ عَمِيداً لَمْ يَكُنْ صَدَداً ... لَنَقْتُلَنْ مِثْلَهُ مِنْكُمْ فَنَمْتَثِلُ)
الصَّدَد: المقارب، فنمتثل: أي نقتل الأمثل فالأمثل، وأماثل القوم: خيارهم.
(لَئِنْ مُنِيتَ بِنَا عَنْ غِبِّ مَعْرَكَةٍ ... لاَ تُلْفِنَا عَنْ دِمَاءِ القَوْمِ نَنْتَفِلُ)
مُنيت: ابتليت، والانتفال: الجُحُود، أي لم ننتفل من قتلنا من قومك ولم نجحد.
(لاَ تَنْتَهُونَ وَلَنْ يَنْهَى ذَوِي شَطَطٍ ... كَالطَّعْنِ يَهْلِكُ فِيهِ الزَّيْتُ وَالفُتُلُ)
ويروى (أتنتهون) و (هل تنتهون) الشطط: الجور، والفعل منه أشط، ويهلك فيه الزيت: أي يذهب فيه لسعته، المعنى لا ينهى أصحاب الجور مثل طعن جائف يغيب فيه الزيت والفتل.
(حَتَّى يَظَلَّ عَمِيدُ القَوْمِ مُرْتَفِقاً ... يَدْفَعُ بِالرَّاحِ عَنْهُ نِسْوَةٌ عُجُلُ)
العُجُل: جمع عجول، وهي الثكلى، أي حتى يظل سيد الحي يدفع
стр. 305
عنه النساء بأكفهن لئلا يُقتل؛ لأن من يدفع عنه من الرجال قد قُتل، وقيل: المعنى يدفعن لئلا يُوطأ بعد القتل.
(أَصَابَهُ هُنْدُوَانِيٌّ فَأَقْصَدَهُ ... أو ذَابِلٌ مِنْ رِمَاحِ الخَطِّ مُعْتَدِلُ)
(كَلاًّ زَعَمْتُمْ بِأَنَّا لاَ نُقَاتِلُكُمْ ... إِنَّا ِلأَمْثَالِكُمْ يَا قَوْمَنَا قُتُلُ)
كلاَّ: ردع وزجر، وقد يكون رداً لكلام، وفيه معنى الردع أيضا، وقُتُل: جمع قَتُول.
(نَحْنُ الفَوَارِسُ يَوْمَ الحِنْوِ ضَاحِيَةُ ... جَنْبَيْ فُطَيْمَةَ لاَ مِيلٌ وَلاَ عُزُلُ)
ضاحية: علانية، قال أبو عمرو وابن حبيب: فُطيمة هي فاطمة بنت حبيب بن ثعلبة، والميل: جمع أميل، وهو الذي لا يثبت في الحرب، والأصل فيه أن يكون على فُعْل، مثل أَبيض وبِيض، والعُزُلُ: يجوز أن يكون جمع أعزل، ثم اضطر
فضم الزاي لأن قبلها ضمة، ويجوز أن يكون بني الاسم على فعيل، ثم جمعه على فُعُل كما تقول: رَغِيف ورُغُف، والدليل على صحة هذا القول أن ابن السكيت
стр. 306
حكى (رجال عُزلان) فهذا كما تقول: رَغِيف ورُغْفان، و (الأعزل) قيل: هو الذي لا رُمْحَ معه، وقال أبو عبيدة: هو الذي لا سلاح معه، وإن كان معه عصا لم يقل له أعزل، ويقال: (معزال) على التكثير.
(قَالُوا: الطِّرَادَُ، فَقُلْنَا: تِلْكَ عَادَتُنَا ... أو تَنْزِلُونَ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نَزُلَ)
يقول: أن طاردتم بالرماح فتلك عادتُنا، وإن نزلتم تجالدون بالسيوف نزلنا.
(قَدْ نَخْضِبُ العَيْرَ فِي مَكْنُونِ فَائِلِهِ ... وَقَدْ يَشِيطُ عَلَى أَرْمَاحِنَا البَطَل)
الفائل: عرق يجري من الجوف إلى الفخذ، ومكنون الفائل: الدم، وقال أبو عمرو: المكنون خُربة في الفخذ، والفائل: لحم الخُربة، والخُرْبة والخرابة: دائرة في الفخذ لا عظم عليها، وقال أبو عبيدة: الفائل عِرْق في الفخذ ليس حواليه عظم، وإذا كان في الساق قيل له: النسا، ويشيط: يهلك، وقيل: يرتفع، وأصله في كل شيء الظهور.
قصيدة النابغة الذبياني
وقال النابغة الذبياني، ويكنى أبا ثمامة، وأبا أُمامة - بابنتيه - واسمه
стр. 307
زياد بن عمرو بن معاوية بن ضباب بن جابر بن يربوع بن غيظ بن مُرَّة بن عوف ابن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ابن مُضر بن نزار بن معد بن عدنان:
(يَا دَارَ مَيَّةَ بِالعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ ... أَقْوَتْ، وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَبَدِ)
العلياء: مكان مرتفع من الأرض، قال ابن السكيت: قال (بالعلياء) فجاء بالياء لأنه بناها على عليت، والسند: سند الوادي في الجبل، وهو ارتفاعه حيث يسند فيه أي يصعد، وأقوت: خلت من أهلها، والسالف: الماضي، والأبد: الدهر.
(وَقَفْتُ فِيهَا أَصِيلاً كَيْ أُسَائِلَهَا ... عَيَّتْ جَوَاباً وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ)
ويروى: (وقفت فيها طويلا كي أسائلها) ويروى (أصيلانا) و (أصيلالا) فمن روى أصيلا أراد عشيا، ومن روى طويلا جاز أن يكون معناه وقوفا طويلا، ويجوز أن يكون معناه وقتا طويلا، ومن روى (أُصيلانا) ففيه قولان؛
стр. 308
أحدهما: إنه تصغير أُصلان، وأُصلان: جمع أصيل، كما يقال: زَغِيف ورُغْفَان؛ والقول الآخر: إنه بمنزلة قولهم على الله التُّكلان، وبمنزلة قولهم غُفْران، وهذا القول الصحيح، والأول خطأ؛ لأن أُصلاناً لا يجوز أن يصغر، إلا أن يُرد إلى أقل العدد، وهو حكم كل جمع كثير، وقوله (عيت) يقال: عييت بالأمر؛ إذا لم تعرف وجهه، وقوله (جوابا) منصوب على المصدر، أي عيت أن تجيب، (وما بها من أحد) ومِنْ: زائدة.
(إِلاَّ أَوَارِىَّ لأْياً مَا أُبَيِّنُهَا ... وَالنُّؤْىَُ كَالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ)
ويروى (إلاّ أَوَارِيُّ) والنصب أجود، والأواريّ والأواخيّ واحد، وهي التي تحبس بها الخيل، والَّلأْي: البُطْء، يقال: الْتَأَتْ عليه حَاجَتُه، والمعنى بَعْدَ بطء أسْتَبِينها، والنؤى: حاجز من تراب يعمل حول البيت والخيمة، لئلا يصل إليها الماء، وأصل
الظُّلم وضع الشيء في غير موضعه، فالمظلومة: الأرض التي قد حفر فيها في غير موضع الحفر، والجلد: الأرض الغليظة الصلبة من غير حجارة، وإنما قصد إلى الجلد لأن الحفر فيها يصعب، فيكون ذلك أشبه شيء بالنؤى.
(رَدَّتْ عَلَيْهِ أَقَاصِيهِ وَلَبَّدَهُ ... ضَرْبُ الوَلِيدَةِ بِالمِسْحَاةِ فِي الثَّأَدِ)
стр. 309
ويروى (رُدَّت عليه أقاصيه) وهذه الرواية أجود؛ لأنه إذا قال (رُدَّت عليه أقاصيه) فأقاصيه في موضع رفع، فأسكن الياء؛ لأن الضمة فيها ثقيلة، وإذا روى ردت فأقاصيه في موضع نصب، والفتحة لا تستثقل، فكان يجب أن تفتح الياء، إلا إنه يجوز إسكانها في الضرورة، لأنه يسكن في الرفع والخفض، فأجرى النصب مجراهما، وأيضا فإنه إذا روى (رَدَّت) فقد أضمر ما لم يجر ذكره، أراد رَدَّت عليه الأمة، إلا أن هذا جائز كثير إذا عُرف معناه، وأقاصيه: ما شَذَّ منه، ولبده: سكنه، أي سكنه حفر الوليدة، والثأد: الموضع الندى التراب.
(خَلَّتْ سَبِيلَ أَتِىٍّ كَانَ يَحْبِسُهُ ... وَرَفَّعَتْهُ إلى السِّجْفَيْنِ فَالنَّضَدِ)
الأتى: النهر الصغير، أي خلت الأمة سبيل الماء في الأتي تحفرها، ورفعته: ليس يريد به علت، وإنما معناه قدَّمته وبلغت به، كما تقول: ارتفع القوم إلى السلطان، والسجفان: ستران رقيقان يكونان في مُقدَّم البيت، والنضد: ما نُضد من متاع البيت.
(أضْحَتْ خَلاَءً، وَأَضْحَى أَهْلُهَا احْتَمَلُوا ... أَخْنَى عَلَيْهَا الذِي أَخْنَى عَلَى لُبَدِ)
قوله (وأضحى أهلها احتملوا) أراد قد احتملوا، و (اخنى) فيه قولان؛ أحدهما: أن المعنى أتى عليها، والقول الآخر - وهو الجيد -: أن المعنى أفسد؛ لأن الخنا الفساد والنقصان.
(فَعَدِّ عَمَّا تَرَى إِذْ لاَ ارْتِجَاعَ لَهُ ... وَانْمِ القُتُودَ عَلَى عَيْرَانَةٍ أُجُدِ)
стр. 310
فعدِّ عمَّا ترى: أي جُزه وانصرف عنه، إذ كان لا رجوع له، يعني ما ترى من
خراب الدور، والقتود: خشب الرحل، وهو للجمع الكثير، وفي القليل أقتاد، وحكى بعض أهل اللغة أن الواحد قتد، والعيرانة: المشبهة بالعير لصلابة خُفها وشدته، والأجد: التي عظم فقارها، وقالوا: هي الموثقة الخلق.
(مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النَّحْضِ بَازِلُهَا ... لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ القَعْوِ بَالمَسَدِ)
مقذوفة: أي مرمية باللحم، والدَّخيس والدِّخاس: الذي قد دخل بعضه في بعض من كثرته، والنحض: اللحم، وهو جمع نحضة، والبازل: الكبير، والصريف: الصياح، والصريف من الإناث من شدة الإعياء، ومن الذكور من النشاط، والقعو: ما يضم البكرة إذا كان خشبا، فإذا كان حديدا فهو خُطَّاف، ويروى (له صَرِيفٌ صَرِيفُ القعو) على البدل، والنصب أجود.
(كَأَنَّ رَحْلِي وَقَدْ زَالَ النَّهَارُ بِنَا ... بِذِي الجَلِيلِ عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ)
زال النهار بنا: معناه انتصف، و (بنا) بمعنى علينا، والجليل: الثُّمام، أي بموضع فيه ثُمام، والمُستأنس: الناظر بعينه، ومنه (إني آنست نارا) أي أبصرت، ومنه قيل (إنسان) لأنه مرئي، ويروى (على مُستوجس) وهو الذي قد أوجس في نفسه الفزع فهو ينظر.
(مِنْ وَحْشٍ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكَارِعُهُ ... طَاوِى المَصِيرِ كَسَيفِ الصَّيْقَلِ الفَرَدِ)
стр. 311
خَصَّ وحش وجرة لأنها فلاة، يقال: أن فيها ستين ميلا، والوحش يكثر بها، ويقال: إنها قليلة الشرب فيها، والموشي: الذي فيه ألوان مختلفة، وقوله (طاوى المصير) أي ضامره، والمصير: المعا، وجمعه مصران، وجمع مصران مصارين، وقوله (كسيف الصيقل) أي هو يلمع، وقوله (الفرد) أي ليس له نظير.
(سَرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الجَوْزَاءِ سَارِيَةٌ ... تُزجِى الشَّمَالُ عَلَيْهِ جَامِدَ البَرَدِ)
قوله (سرت عليه من الجوزاء سارية) كمعنى قولهم (مطرنا بنوء كذا)، وتُزجي: تسوق، وجامد البرد: ما صلب منه.
(فَارْتَاعَ مِنْ صَوْتِ كَلاّبٍ، فَبَاتَ لَهُ ... طَوْعُ الشَوَامِتِ مِنْ خَوْفٍ وَمِنْ صَرَدِ)
ارتاع: فزع، وقوله (له) الهاء في له عائدة على الكلاب، وإن شئت على الصوت، قال الأصمعي: المعنى فبات له [ما] أطاع شوامته من الخوف، وقال أبو عبيدة: المعنى فبات له ما يُسر الشوامت، ويروى (طوع الشوامت) ومن يروى هذه الرواية فالشوامت عنده القوائم، يقال: للقوائم: شوامت، الواحدة شامتة، أي فبات يطوع للشوامت، أي ينقاد لها أي فبات قائما.
(فَبَثَّهُنَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَمَرَّ بِهِ ... صُمْعُ الكُعُوبِ بَرِيئَاتٌ مِنَ الحَرَدِ)
بثهن: فرقهن، والصُّمع: الضوامر، الواحدة صمعاء، واستمر به: أي استمرت به
стр. 312
قوائمه، والكعوب: جمع كعب وهو المفصل من العظام، وكل مفصل من العظام كعب عند العرب، وأصل الحرد استرخاء عصب في يد البعير من شدة العقال، وربما كان خلقة، وإذا كان به نفض يديه وضرب بهما الأرض ضربا شديدا.
(فَهَابَ ضُمْرَانُ مِنْهُ حَيْثُ يُوزِعُهُ ... طَعْنُ المُعَارِكِ عِنْدَ المُحْجَرِ النَّجُدِ)
وروى الأصمعي (وكان ضمران منه) ومن رفع (طعن المعارك) رفعه بقوله يُوزعه، وضمران: اسم كلب ويوزعه: يغريه، وقوله (منه) أي من الثور.
(شَكَّ الفَرِيصَةَ بالمِدْرَى فأَنْفَذَهَا ... شَكَّ المُبَيْطِرِ إِذْ يَشْفِي مِنَ العَضَدِ)
الفريصة: المضغة التي تُرعد من الدابة عند البيطار، ويريد بالمدرى قرن الثور: أي شك فريصة الكلب بقرنه، والعضد: داء يأخذ في العضد، يقال: عضد يعضد عضدا.
(كَأَنَّهُ خَارِجاُ مِنْ جَنْبِ صَفْحَتِهِ ... سَفُّودُ شَرْبٍ نَسُوهُ عِنْدَ مُفْتَأَدِ)
الهاء من (كأنه) تعود على المدرى، وخارجا: حال، والخبر سَفُّود شرب، والمُفتأد: المشتوى.
стр. 313
(فَظَلَّ يَعْجُمُ أَعْلَى الرَّوْقِ مُنْقَبِضاً ... فِي حَالِكِ اللَّوْنِ صَدْقٍ غَيْرِ ذِي أَوَدِ)
يعجُم: يمضغ، والروق: القرن، والحالك: الشديد السواد، والصَّدق: الصلب، والأود: العوج.
(لمَّا رَأَى وَاشِقٌ إِقْعَاصَ صَاحِبِهِ ... وَلاَ سَبِيلَ إلى عَقْلٍ وَلاَ قَوَدِ)
واشق: اسم كلب، والإقعاص: الموت الوحي، وأصله من القُعاص، وهو داء يأخذ الغنم لا يُلبثها حتى تموت.
(قَالَتْ لَهُ النَّفْسُ: إِنِّي لاَ أَرَى طَمَعاً ... وَإِنَّ مَوْلاَكَ لَمْ يَسْلَمْ وَلَمْ يَصِدِ)
المولى: الناصر، وقوله: (قالت له النفس) تمثيل، أي حدَّثته نفسه بهذا.
(فَتِلْكَ تُبْلِغُنِي النُّعْمَانَ؛ أن لَهُ ... فَضْلاً عَلَى النَّاسِ فِي الأدْنَى وَفِي البَعَدَ)
فتلك: يعني ناقته التي شبَّهها بهذا الثور، و (البعد) قيل: إنه مصدر يستوي فيه لفظ الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقيل: إنه جمع باعد كما يقال خادم وخدم، ومعنى (في الأدنى وفي البعد) كمعنى القريب والبعيد، ومن روى (البُعُد) فهو جمع بعيد.
(وَلاَ أَرَى فَاعِلاً فِي النَّاسِ يُشْبِهُهُ ... وَمَا أُحَاشِي مِنَ الأقْوَامِ مِنْ أَحَدِ)
المعنى: ولا أرى فاعلا يفعل الخير يشبهه، ومعنى (وما أحاشي) وما أستثنى، كما تقول: حاشى فلانا، وإن شئت خفضت، إلا أن النصب أجود؛ لأنه قد اشتق منه فعل، وحذف منه كما يحذف من الفعل، قال الله : (قُلْنَ حَاشَ للهِ) و (من) زائدة في قوله (من أحد).
стр. 314
(إِلاَّ سُلَيْمَانَ إِذْ قَالَ اْلإلهُ لَهُ: ... قُمْ في البرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عَنْ الفَنَدِ)
(إلا سليمان) في موضع نصب على البدل من موضع أحد، وإن شئت على الاستثناء، ويروى (إذ قال المليك له) ويروى (فازجرها على الفند)، والحد: المنع، والفند: الخطأ.
(وَخَيِّسِ الجِنّ؛ إنِّي قَدْ أَذِنْتُ لَهُمْ ... يَبْنُونَ تَدْمُرَ بالصُّفَّاحِ وَالعُمُدِ)
خيِّس: أي ذلل، والصفاح: جمع صُفاحة، وهي حجارة رقاق عراض.
(فَمَنْ أَطَاعَ فَأَعْقَبْهُ بطَاعَتِهِ ... كمَا أَطَاعَكَ، وَادْلُلْهُ عَلَى الرَّشَدِ)
(وَمَنْ عَصَاكَ فَعَاقِبْهُ مُعَاقَبَةً ... تَنْهَى الظَّلُومَ، وَلاَ تَقْعُدْ عَلَى ضَمَدِ)
الضمد: الحقد، يقال: ضمد يضمد ضمدا فهو ضمد.
(إِلاَّ لِمِثْلِكَ أو مَنْ أَنْتَ سَابِقُهُ ... سَبْقَ الجَوَادِ إذا اسْتَوْلَى عَلَى الأمَدِ)
قوله (أو من أنت سابقه) أي لمثلك في حالك أو لمن فضلك عليه كفضل السابق على المُصلي أي ليس بينك وبينه في الفضل والشرف إلا يسير، استولى
стр. 315
عليه: إذا غلب عليه، والأمد: الغاية.
(وَاحْكُمْ كَحُكْمِ فَتَاةِ الحَي إِذْ نَظَرَتْ ... إلى حَمَامٍ سِرَاعٍ وَارِدِ الثَّمَدِ)
أي كن حكيما كفتاة الحي إذ أصابت وجعلت الشيء في موضعه، وهي لم تحكم بشيء، إنما قالت قولا فأصابت فيه، ومعناه كُن في أمري حكيما، ولا تقبل ممن سعى بي، والثمد: الماء القليل.
(قَالَتْ: أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامَُ لَنَا ... إلى حَمَامَتِنَا، وَنِصْفُهُ فَقَدِ)
يروى (الخمامَ) و (الحمامُ) وكذلك نصفَه ونصفُه، فإذا نصبته تكون ما زائدة، وإذا رفعته تكون كافة لليت عن العمل، ويصير ما بعدها مبتدأ وخبرا، كما تقول: إنما زيدٌ منطلق، وقَدِ: بمعنى حسب.
(يَحُفُّهُ جَانِباً نِيقٍ وَتُتْبِعُهُ ... مِثْلِ الزُّجَاجَةِ لَمْ تُكْحَلْ مِنْ الرَّمَدٍ)
يحفُّه: يكون في ناحيته، والنِّيق: أعلى الجبل، قال الأصمعي: إذا كان الحمام بين
стр. 316
جانبي نيق كان أشد لعدده؛ لأنه يتكاثف ويكون بعضه فوق بعض، وإذا كان في موضع واسع كان أسهل لعدده، ووصف أنها قد أسرعت، قال أبو عبيدة: وهي عين اليمامة، وزرقاء اليمامة، وقوله (مثل الزجاجة) يعني عينها، ولم تكحل من الرمد: أي لم ترمد فتكحل.
(فَحَسَّبُوهُ فأَلْفَوْهُ كمَا حَسَبَتْ ... تِسْعاً وَتِسْعِينَ لَمْ تَنْقُصْ وَلَمْ تَزِدِ)
ويروى (كما زعمت) وألفوه: وجدوه، وكان الحمام الذي رأته ستة وستين، ولها حمامة في بيتها، فلما عدَّت الحمام الذي رأته قالت:
لَيْتَ الحَمَامَ لِيَهْ ... إلى حَمَامَتِيَهْ
وَنِصْفَهُ قَدِيَهْ ... تمَّ الحَمَامُ مِيَهْ
وقولها (إلى حمامتيه) أي مع حمامتيه؛ فيكون سبعة وستين، ونصف ما رأته ثلاثة وثلاثون، فيكون مائة كما قالت.
(فَكَمًّلَتْ مِائَةً فِيهَا حَمَامَتُهَا ... وَأَسْرَعَتْ حِسْبَةً فِي ذَلَكَ العَدَدِ)
قال الأصمعي: الحسبة: الجهة التي يحسب منها، وهي مثل اللبسة والجلسة، فقال: أسرعت أخذا في تلك الجهة، ويقال: ما أسرع حسبته، أي حسابه، والحسبة: المرة الواحدة.
(أَعْطَى لِفَارِهَةٍ حُلْوٍ تَوَابِعُهَا ... مِنَ المَوَاهِبِ لاَ تُعْطَى عَلَى نَكَدِ)
стр. 317
أي لا أرى فاعلا في الناس يشبهه أعطى لفارهة، ويروى (على حسد) ويروى (حلوٌ توابعها) على الابتداء والخبر، والمبتدأ والخبر في موضع جر.
(الوَاهِبُ المِائَةَِ الأبْكَارَِ زَيَّنَهَا ... سَعْدَانُ تُوضِحَ فِي أَوْبَارِهَا اللِّبَدِ)
ويروى (المائة الجرجور) والجرجور: الضخام، ويكون للواحد والجمع على لفظ واحد، والسَّعدان: نبت تسمن عليه الإبل وتغزر ألبانها ويطيب لحمها، وتُوضح: اسم موضع، ومن روى (يوضح) بالياء فإنه يذهب إلى أن معناه يبين، وهو فعل، واللبد: ما تلبَّد من الوبر، الواحدة لبدة، ويروى (في الأوبار ذي اللبد).
(وَالسَّاحِبَاتِ ذُيُولَ المِرْطِ فَنَّقَهَا ... بَرْدُ الهَوَاجِر كَالغِزْلاَنِ بالجَرَدْ)
ويروى (الراكضات) وعنى بالساحبات الجواري، وفنقها: طيب عيشها، أي لا تسير في شدة الحر، ويروى (أنقها) أي أعطاها ما يعجبها، والجرد: الموضع الذي
لا ينبت.
(وَالخَيْلَ تَمْزَعُ غَرْباً فِي أَعِنَّتِهَا ... كَالطَّيْرِ تَنْجُو مِنَ الشُّؤْبُوبُ ذِي البَرَدِ)
ويروى (تنزع) وتمزع: تمر مرا سريعا، ويروى (رهوا) والرهو: الساكن، وغرباً: أي حدة، والشؤبؤب: السحاب العظيم القطر القليل العرض،
стр. 318
الواحدة شُؤبوبة، قيل، ولا يقال لها شؤبوبة حتى يكون فيها برد.
(وَالأُدْمَ قَدْ خُيِّسَتْ فُتْلاً مَرَافِقُهَا ... مَشْدُودَةً بِرِحَالِ الحِيرَةِ الجُدُدِ)
الأدم: النوق، وخُيِّست: ذُلّلت، ويقال: جُدُد وجُدَد، والضم أجود لأنه الأصل، ولئلا يُشكل بجمع جُدَّة، ومن قال جُدَد في جمع جَديد أبدل من الضمة فتحة لخفة الفتحة.
(فَلاَ لَعَمْرُ الَّذِي قَدْ زُرْتُهُ حِجَجاً ... وَمَا هُرِيقَ عَلَى الأنْصَابِ مِنْ جَسَدِ)
هُريق وأريق واحد، والأنصاب: حجارة كانت الجاهلية تنصبها وتذبح عندها، والجسد هنا: الدم، والجسد والجساد: صبغ.
(وَالمُؤْمِنِ العَائِذَاتِ الطَّيْرَ يَمْسَحُهَا ... رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغَيْلِ وَالسَّنَدِ)
العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير، وروى أبو عبيدة (بين الغيل والسَّعَدِ) بكسر الغين وقال: هما أجمتان كانتا بين مكة ومنى، وأنكر الأصمعي هذه الرواية، وقال: إنما الغِيل بكسر الغين الغيضة، والغَيْل بفتح الغين: الماء، وإنما يعني النابغة ما كان يخرج من أبي قُبيس.
(مَا أن أَتَيْتُ بِشْيءِ أَنْتَ تَكْرَهُهُ ... إذا فَلاَ رَفَعَتْ سَوْطِي إلى يَدِي)
(إنْ) هنا توكيد إلا أنها تكف (ما) عن العمل، كما أن (ما) تكف أن عن العمل في قولك: إنما زيد منطلق، ومعنى (فلا رفعت سوطي إلى يدي) أي شلَّتْ.
(إذا فَعَاقَبَنِي رَبِّي مُعَاقَبَةً ... قَرَّتْ بِهَا عَيْنُ مَنْ بَأْتِيكَ بِالحَسَدِ)
стр. 319
(هذَا لأبْرَأَ مِنْ قَوْلٍ قُذِفْتُ بِهِ ... طَارَتْ نَوَافِذُهُ حَرًّا عَلَى كَبِدِي)
(النوافذ) تمثيل، من قولهم: جُرح نافذ، أي قالوا قولا صار حره على كبدي
وشقيتُ بهم.
(مَهْلاً فِدَاءٌ لَكَ الأقْوَامُ كُلُّهُمُ ... وَمَا أُثَمِّرُ مِنْ مَالٍ وَمِنْ وَلَدِ)
أثمر: اجمع، ويروى (فداء) على المصدر، والمعنى الأقوام كلهم يفدونك فداء، ويروى (فداء) بمعنى ليفدك، فبناه كما بنى الأمر نحو دَرَاكِ وتَرَاكِ لأنه بمعنى أدرك واترك.
(لاَ تَقْذِفَنَّي بِرُكْنٍ لاَ كِفَاَء لَهُ ... وَلَوْ تَأَثّفَكَ الأعْدَاءُ بِالرَّفَدِ)
الكِفَاء: المثل، وثأثفك الأعداء: احتوشوك فصاروا منك موضع الأثافي من القدر، ومعنى (بالرفد) أي يتعاونون علىَّ ويسعون بي عندك.
(فمَا الفُرَاتُ إذا جَاشَتْ غَوَارِبُهُ ... تَرْمِي أَوَاذِيُّهُ العَبْرَيْنِ بِالزَّبَدِ)
جاشت: فارت، والغوارب: ما علا منه، الواحد غارب، والأواذي: الأمواج،
стр. 320
والعبران: الشطان.
(يَمُدُّهُ كُلُّ وادٍ مُزْبِدٍ لَجِبٍ ... فِيهِ حُطَامٌ مِنَ اليَنْبُوتِ وَالخَضَدِ)
ويروى (كل واد مترع) ويروى (فيه ركام) والمترع: المملوء، واللجب: ذو الصوت، والرُّكام: المتكاثف، والينبوت: ضرب من النبت، والخضد: ما ثنى وكسر من النبت.
(يَظَلُّ مِنْ خَوْفِهِ المَلاَحُ مُعْتَصِماً ... بالخَيْزُارَنَةِ بَعْدَ الأيْنِ وَالنَّجَدِ)
وروى أبو عبيدة (بالخيسفوجة من جهد ومن رعد) والخيزرانة: كل ما ثُنى، والنجد: العرق من الكرب، وقالوا: أراد بالخيزرانة المردى و (الخيسفوجة) قيل: هو السكان والأين: الإعياء.
(يَوْماً بِأجْوَدَ مِنْهُ سَيْبَ نَافِلَةٍ ... وَلاَ يَحُولُ عَطَاءُ اليَوْمِ دُونَ غَدِ)
السَّيب: العطاء، والنافلة: الزيادة، ومعنى (ولا يجول عطاء اليوم دون غد) أن أعطى اليوم لم يمنعه ذلك أن يُعطى في الغد، وأضاف إلى الظرف على السعة؛
لأنه ليس حق الظروف أن يضاف إليها، ويروى (يوما بأطيب منه).
следующие страницы →