أما علاقتها بالتي قبلها ــ أعني (٢٢٠) ــ فهي والله الأعلم ــ أن في آية (٢٢٠) الإذن بمخالطة اليتامى، وتعليلها بقوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: في الدين. وفي هذه ــ أعني آية (٢٢١) ــ النهي عن مناكحة المشركين، والمناكحة تقتضي المخالطة، وعللها بكونهم يدعون إلى النار؛ فالعلاقة كعلاقة أحد الضدين بالآخر، [٢٠/أ] كما في السماء والأرض، والأبيض والأسود، ونحو ذلك.
(٢٢٢) علاقتها بالتي قبلها ظاهرة، ولها نظر إلى الأمور التي اختلف فيها أهل الكتاب، كما تقدم الكلام عليه؛ فإن مخالطة الحائض مما اختلفوا فيه، وشَدَّد فيه اليهود أو شُدِّد عليهم.
(٢٢٣) علاقتها بالتي قبلها ظاهرةٌ، من حيث خصوص قربان النساء، ومن حيث الهداية لما اختلف فيه أهل الكتاب، كما يعلم من سبب النزول.
(٢٢٤) علاقتها بالتي قبلها ظاهرة. فهذه ــ أعني آية (٢٢٤) ــ كالمقدمة للتي بعدها، أي آية (٢٢٥)، وعلاقة هذه بآية (٢٢٣) واضحة.
(٢٢٥ - ٢٣٧) ارتباط الآيات بما قبلها، والارتباط بينها واضح. ولآيات الطلاق نظرٌ إلى ما تقدم من الأحكام التي اختلف فيها أهل الكتاب، فهدى الله الذين آمنوا الصراط المستقيم فيها؛ فإن الطلاق مما اختلفوا فيه.
[٢٠/ب] (٢٣٨ - ٢٣٩) في الآية الثانية صلاة الخوف، وإنما يكون ذلك في الجهاد؛ فلها نظرٌ إلى آية (٢١٨) وما قبلها التي في شأن الجهاد، والأولى كالمقدمة لها.
ثم علاقة الأمر بالصلاة بأحكام النكاح: أولًا: ما يظهر من آخر الآية الثانية: ﴿كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾، كأنه قال: فكما علمكم الله تعالى من
стр. 37
أحكام النكاح ما فيه صلاحكم، ولم تكونوا تعلمون ذلك، وهداكم لما اختلف فيه الذين من قبلكم= فاشكروه، وأعظم الشكر المحافظة على الصلاة.
وفي "الصحيح" (١): "ما تقرَّب إليَّ عبدي بأفضل من أداء ما افترضته عليه".
وفيه (٢): "خير أعمالكم الصلاة".
وثانيًا: أن في آيات الطلاق والنكاح بيان العدل في معاملة النساء، وفي بعضها التخفيف عنهن، وفي بعضها تشديد ما، ولكن الباري يرشدنا إلى العفو.
ثم في آية (٢٣٧): ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وفي (٢٣٩) بيان عفو الله عنا بأن لم يكلِّفنا ما يشقُّ علينا من المحافظة على صفة الصلاة في حال الخوف. وأما آية (٢٣٨) فهي كالمقدمة للتي بعدها، كما مر.
فكأنه تعالى يقول: كما عفوت عنكم فاعفوا أنتم أيضًا، وكما خففت عنكم فخففوا أنتم أيضًا. وبهذا عُلِمَ وجهٌ لتوسيط (٣) هاتين الآيتين بين أحكام الطلاق وما معه ممَّا يتعلق بالأزواج.
[٢١/أ] وهاهنا نكتة لطيفة لتوسيط هاتين الآيتين، مع ما يظهر من بعد المناسبة. وهي الإشارة إلى عظم شأن الصلاة، لأن عادة الناس أن المتكلم
стр. 38
إذا كان في أثناء كلامٍ مهمٍّ، أن يحرص على اتصاله، فلا يقطعه بكلام آخر، ثم يعود، إلا إذا كان ذلك الكلام الآخر أعظم أهمية.
(٢٤٠ - ٢٤٢) من تمام أحكام الأزواج، وقد تقدم وجه توسيط آيتي (٢٣٨ - ٢٣٩). ولهاتين ارتباط بهما أيضًا، من جهة أن في تينك إرشادًا إلى شكر تلك النعمة ــ كما مر ــ وفي هاتين نوع من الشكر، وهو الوصية للأزواج، وتمتيع من طلق منهن. وفي تينك ذكر القتال عند الخوف، وفي هاتين ذكر الوفاة (١).
(٢٤٣ - ٢٥٢) هذه الآيات مرتبطة بآية (٢٣٩)، ثم بالآيات المتقدمة في شأن الجهاد. ولها نظرٌ إلى شأن بني إسرائيل، كما لا يخفى.
وقوله تعالى (٢٥١): ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ تنبيه على حكمة الجهاد. قد علم الله ما سيحدث من طعن بعض الملحدين في الجهاد، وعلم أن منهم [٢١/ب] من لا يؤمن بالأنبياء، فأجابه بما ذكر؛
وأن منهم من يدعي الإيمان بالأنبياء، ويطعن على المسلمين في الأمر بالجهاد، فأجابه بأن الأنبياء الذين يدعي الإيمان بهم كانوا يجاهدون أيضًا.
وأوضح هذا بقوله في آخر آية (٢٥٢): ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: فلا بدع أن تؤمر بمثل ما أُمِروا به.
وكما أن في هذا ردًّا على الطاعنين، ففيه تحريض للنبي ﵌ وأمته على الجهاد، كما لا يخفى.
стр. 39
وعلم أن الطاعنين ربما يقولون: إن الجهاد في شريعة محمد ﵌ أوسع مما كان أمر به الأنبياء الأولون ﵈، فأجابهم تعالى بقوله:
(٢٥٣): ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ .. ﴾ كأنه تعالى يقول: فإن فضلك الله تعالى بشيء، كالرسالة إلى الخلق كافة، والأمر بجهاد جميع الأمم؛ فلا بدع في ذلك، فإنه تعالى كذلك فضَّل بين الأنبياء السابقين في الشرائع والأحكام والآيات.
[٢٢/أ] وعلم أن الطاعنين ربما يقولون: سلمنا ظهور الحكم في مشروعية جهاد الوثنيين، فأي حجة لمشروعية جهاد أتباع الأنبياء السابقين؟
فأجابهم تعالى بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾، فكأنه تعالى يقول: إن المنتسبين إلى الأنبياء، كاليهود والنصارى، قد قاتل بعضهم بعضًا، وحجتهم أن المؤمنين منهم قاتلوا الكافرين منهم أيضًا، فتبين بهذا اعتراف من
يدعي الإيمان منهم بوجوب قتال من كفر منهم. فثبت بذلك صحة قتال محمد ﵌ وأمته لمن ثبت لديهم كفره من أهل الكتاب، وقد ثبت أن كل من لم يؤمن بمحمد ﵌ منهم فهو كافر.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فيه رد على الطاعنين في الجهاد، مع اعترافهم بربوبية الله ؛ فإن اعترافهم بربوبيته تعالى يتضمن اعترافهم بأن اقتتال أهل الكتاب كان بقضائه وقدره، لحكمة يعلمها . وإذا كان كذلك فاستبعادهم أن يأمر بالقتال مع
стр. 40
ظهور ... (١)، كيف وهو سبحانه يفعل ما يريد؟
[٢٢/ب] (٢٥٤) علاقتها بما قبلها ظاهرة؛ لأن ما قبلها في شأن الجهاد، وهي في الإنفاق في الجهاد وإن شملت الإنفاق في غيره.
ولها ارتباط بآخر الآية التي قبلها، أعني قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾؛ فإن هذا كالتمهيد لقوله في آية (٢٥٤): ﴿يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾.
والمراد ــ والله أعلم ــ خلة وشفاعة تخالف ما يريد الله تعالى. دل عليه السياق، وقوله في الآية التي بعدها: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾، وآيات أخرى.
ثم إنّ نفي الخلة والشفاعة (أي: بالقيد المذكور) عامٌّ في حقِّ المؤمنين وغيرهم. أما المؤمنون فالخطاب لهم، وأما غيرهم فنبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وتضمنت هذه الجملة ردًّا على الطاعنين في الجهاد أيضًا، فإنهم يزعمون أنه ظلم، فبين تعالى أن الكافرين هم الظالمون بإلجائهم المسلمين إلى قتالهم.
وتضمنت أيضًا الحض على الإنفاق، وأن البخل بالمال عن سبيل الله هو من شأن الكافرين، فلا ينبغي للمؤمنين.
(٢٥٥) آية الكرسي علاقتها بما قبلها أن في تلك نفي الخلة والشفاعة
стр. 41
التي يرجوها المشركون، كما علمت؛ وفي هذه ــ آية الكرسي ــ البرهان على انقضائها.
[٢٣/أ] وقوله في أولها: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وإن كان المشركون لا يعترفون به، فإنه لم يلتفت إلى إنكارهم؛ لأنه عقبه بالبرهان على ذلك.
وقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية مما يعترف به المشركون، كما نص تعالى عليه في آيات أخرى، وبسطناه في موضعه.
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ مما يعترف به المشركون، كما بينه تعالى بقوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨ - ٨٩].
ولهذا ــ والله أعلم ــ ذكره في آية الكرسي بالاستفهام.
ولعل في هذا إشارة إلى حقِّيِّة جهادهم؛ لأنه ظهر به أنه لا عذر لهم في البقاء على الشرك.
وهذا لا يشمل أهل الكتاب، ولكن قد بيَّن في آيات أخر ما يماثله في حق
أهل الكتاب، بل هو أقوى منه. وذلك قوله تعالى فيما تقدم من هذه السورة: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ... الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ... ﴾ [البقرة: ١٤٤ - ١٤٦].
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الضمير للشفعاء المفهومين مما
стр. 42
سبق، وخصه ابن عباس ثم مقاتل بالملائكة (١)؛ لأمور:
الأول: أن المشركين إنما يرجون شفاعة الملائكة.
الثاني: أن نظائره في القرآن هي في شأن الملائكة؛ كقوله تعالى: [٢٣/ب] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨].
الثالث: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، وهذا دفع لما يتوهم أنه محتاج إلى من يعينه على حفظهما، وإنما يتوهم احتياجه في حفظهما إلى الملائكة.
وقد يكون في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ إشارة إلى معنى يدفع شبهات الطاعنين على الجهاد؛ لأن فيها بيان إحاطة علمه تعالى، وقصور علم ملائكته، فضلًا عن غيرهم.
فكأنه يقول: هَبُوا يا معشر الطاعنين أنكم لم تفهموا حكمة الجهاد وعدله، فذلك لا يدل على عدم الحكمة والعدل فيه؛ لأن علمكم قاصر، وعلم الله تعالى ــ وهو شارع الجهاد ــ محيط. فينبغي لكم أن تنظروا في الأدلة الأخرى القاضية بأن هذا الجهاد من أمر الله تعالى، وتقنعوا بذلك، وإن لم يظهر لكم حكمة الجهاد وعدله في نفسه.
стр. 43
(٢٥٦) ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ... ﴾ قد علمت مما تقدم في الكلام على الآيات المتقدمة، من آية (٢٤٣) إلى هنا، أنها تدور على بيان حكمة الجهاد، ودفع المطاعن التي ربما تورد عليه.
وأيضًا، [٢٤/أ] فهذه قرينة توجب حمل هذه الجملة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ على ما لا ينافي الجهاد، ما دام يمكن حملها على ذلك، ولو بنوعٍ من التجوُّز. هذه هي القاعدة العقلية المطردة في فهم الكلام، ولا ينكرها أحد من العقلاء.
وأيضًا، الكلام بعد هذه الجملة كله مما يؤيد الأمر بالجهاد، كما يأتي إن شاء الله. وهاك تفصيل ذلك:
أولًا: حكمة الجهاد التي تقدمت في آية (٢١٥).
٢ - ما تقدم من كونه كان مشروعًا في الشرائع المتقدمة.
٣ - ما تقدمت الإشارة إليه في آية (٢٥٤).
٤، ٥ - ما تقدمت إليه الإشارة في الكلام على آية الكرسي (٢٥٥).
٦ - قوله تعالى عقب هذه الجملة: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
٧ - قوله تعالى عقب ذلك: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (١) على ما يأتي إيضاحه أيضًا إن شاء الله تعالى.
стр. 44
٨ - قوله تعالى عقب ذلك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] على ما يأتي إيضاحه أيضًا إن شاء الله تعالى.
[٢٤/ب] ٩ - الآيات الآتية في الأمر بالإنفاق، وهي في هذا السياق، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وختام العشرة: ختام هذه السورة: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١) [البقرة: ٢٨٦].
وهناك وجوه أخرى تدل على ما قدمناه، أو على تخصيص الجملة المذكورة، أو نسخها؛ فيترجح دلالتها على المعنى الأول لموافقته بقية الأدلة.
منها: أن نزول سورة البقرة كان عقب الهجرة، وقد نزل بعدها سور وآيات في الأمر بالجهاد، وجاهد النبي ﵌ بنفسه، واستمر حكم الجهاد إلى وفاته ﵌، فإنه عند وفاته كان قد جهز جيشًا مع أسامة بن زيد، ولم يزل يحض على تنفيذه إلى آخر رمق. دع جهاد الصحابة وإجماعهم ــ والأمة من بعدهم ــ على الجهاد.
إذا علمت ما تقدم (٢) فاعلم أن المفسرين متفقون ــ فيما أعلم ــ على أن المعنى: لا إكراه على الدخول في الدين.
واختار الصاوي في "حواشيه على الجلالين" بأن (٣) (في) بمعنى (على)،
стр. 45
كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (١)؛ فالمعنى: لا إكراه على الدين. ولكن من يقول بأن استعمال (في) موضع (على) لا يكون إلا لنكتة يطلب النكتة هنا، ولم أستحضر نكتة.
وعندي أن في الكلام تضمينًا، ضمن الإكراه معنى الإدخال لتؤدي الكلمة المعنيين معًا، ونبه على ذلك بتعدية الإكراه بـ (في) التي يعدى بها الإدخال، فصار المعنى: لا إدخال في الدين بالإكراه. والتضمين كثير في القرآن وغيره.
والمراد بالنفي عندي ظاهر (٢)، أي: لا يمكن الإدخال في الدين بالإكراه.
والمراد بالدين هنا الإيمان، بدليل قوله في السياق: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ... ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ودليل ثانٍ وهو: أن الإيمان هو الذي لا يمكن الإدخال فيه بالإكراه. ودليل ثالث وهو قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
ولك أن تبقي كلمة "الدين" على عمومها الشامل للإيمان والإسلام
стр. 46
والإحسان، كما في حديث جبريل (١). والإيمان هو الأعظم. مع أن الإسلام والإحسان لا يمكن الإدخال فيه بالإكراه؛ لأن تحققه متوقف على الإيمان، فغير المؤمن لا يمكن أن يصلي أو يصوم أو يحج أو يعمل شيئًا من الأعمال الدينية؛ لأنه إذا عمل الأعمال التي تسمى في الظاهر صلاةً لم تكن أعماله تلك صلاة شرعية التي هي من الدين. وهكذا.
وأيضًا، فالأعمال الدينية يتوقف الاعتداد بها من الدين على النية، والنية لا يمكن تحصيلها بالإكراه.
فإن قلت: فما وجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها؟
فالجواب: أن الله لما قدم بيان حكمة الجهاد، وكونه حقًّا من عنده ــ كما تقدم بيانه ــ وبيَّن وضوح الحق وسقوط أعذار الكفار، وأنهم هم الظالمون= كان ذلك مظنة لأن يحمل المسلمين على الغلو في الجهاد حبًّا للحق ورغبة في قبول الناس به، فدفع الله تعالى هذا ببيانه أن الدين لا يحصل بالإكراه.
فدل بذلك على أن الجهاد ليس المقصود منه الإكراه على الدين، وإنما المقصود منه حكم أخرى بيَّن الله تعالى بعضها فيما سبق، وبعضها يفهمه العقلاء، وباقيها يعلمها الله تعالى، كما تقدمت الإشارة إليه في آية الكرسي.
فإذا كان كذلك فعلى المسلمين أن يقتصروا من الجهاد على ما شرعه الله تعالى، ولا يغلوا فيه؛ فإن الغلو إنما يبعثهم عليه الرغبة في دخول الناس
стр. 47
في الدين، ودخول الناس في الدين لا يحصل بالجهاد.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ كأنه ــ والله أعلم ــ جوابٌ عن سؤال مقدر، كأن المسلمين قالوا: فكيف نصنع في حمل الناس على الحق؟ فأجابهم تعالى بذلك، أي: إنه ليس عليكم إلا البلاغ.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ... ﴾ من تتمة الجواب، أي إن من قبل الإيمان برضاه واختياره، فنفسَه نَفَعَ، ومن أبى فنفسه ضرَّ. والله أعلم.
ويمكن بيان الارتباط بأكثر من هذا، ولكن يحتاج إلى إطالة، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
فإن قال قائل: أنا لا أسلِّم أن معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا إكراه على الدين ــ كما قلت ــ وإن اتفق عليه المفسرون، بل الظاهر عندي أن المعنى: ليس في أحكام الدين حكم بالإكراه. أي أعم من أن يكون إكراهًا على الإيمان أو على عملٍ ما من الأعمال مطلقًا.
قلت: السياق يأبى هذا، ولاسيما قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ
بِاللَّهِ﴾، وقوله في آية يونس: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
ومع ذلك، فلا بأس أن نتكلم على هذا المعنى (١)، فأقول: المتبادر إلى
стр. 48
الأذهان أن الإكراه ظلمٌ مذموم؛ فلو قيل لك: إن في إقليم كذا ملكًا يكره الناس، [٢٥/أ] تبادر إلى ذهنك أنه ظالم.
فإذا وافقت على هذا ساغ لنا أن ندعي أن الإكراه الحقيقي هو ما يكون ظلمًا، بدليل التبادر المذكور. فلا يشمل ما يسمى إكراهًا وليس بظلم، كإكراه المريض على الدواء، والصبي على التعليم.
ولو قيل لك ــ بدل المثال المتقدم ــ: إن في بلد كذا ملكًا يكره الأطفال على التعلم، ويكره العامَّة على تعلُّم الصنائع المفيدة، ويكره الرعية على القيام بما تتوقف عليه مصلحة شرف الأمة واستقلالها من النفقات، ويُكره الصالحين للقتال على القتال في الدفاع عن الأمة وشرفها، وأشباه ذلك= لم يتبادر إلى ذهنك من هذه الصفات أن الملك ظالم، بل بالعكس نفهم أن الواصف يصفه بالحكمة والعدل.
فإن سلمت هذا، قلنا: إن الإكراه في الآية المراد به الإكراه الحقيقي، وهو ما يكون ظلمًا.
[٢٥/ب] وإن بقي في نفسك شيء من هذا، فلا بأس أن نفرض أن الإكراه يشمل الضربين حقيقة، ولكن نقول: أريد منه هاهنا الضرب الأول خاصة، بمعونة القرائن والأدلة التي قدمناها، وذلك على سبيل
المجاز، لما كان الضرب الثاني المقصود منه المصلحة والعدل والمنفعة مما يحسِّنه العقل، فكان ينبغي للناس أن يقبلوه برضاهم واختيارهم، ولا يلجئوا المصلح إلى إكراههم عليه. ولذلك صح تخصيص الإكراه بالضرب الأول، وكان الثاني غير معتدٍّ به ولا منظورٍ إليه.
стр. 49
وعليه فالمعنى: وليس في أحكام الدين إكراه يكون ظلمًا. وهذا صحيح، بل ليس فيها ظلمٌ البتة، والحمد لله. وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ الآية يؤيد ذلك (١).