الشاه محمد خدابنده
وهو ابن طهماسب جلس على العرش سنة (٩٨٥هـ)، وكان ضعيف البصر لدرجة العمى، ولكنه كان جبّاراً، فقد قتل أخته (بريخان) لما لها من نفوذ عالي في القصر، كما قتل أخواله، وحتى أطفال أخيه إسماعيل الثاني، وحصل قتال بينه وبين العثمانيين زمن السلطان مراد الثالث، وحاول القزلباشية التلاعب بالحكم ووضع حاكم يناسبهم، ولكن ابنه عباس وكان عمره (١٧) سنة فطن لذلك فجمع جيشاً كبيراً من القبائل وخلع أبوه سنة (٩٥٥هـ/١٥٨٧م) (١).
عهد الشاه عباس الكبير
كان الشاه عباس على صغره رجلاً صاحب دهاء ومكر، وكل شيء يفعله غايته تبرر وسيلته، فقام بقتل مربيه وخير قواده، ومدة حكمه كانت (٤٢سنة)، من سنة (٩٩٦هـ - ١٠٣٨هـ) (١٥٨٧ - ١٦٢٨م)، وكان أول ما قام به معاهدة صلح مع العثمانيين سلّم مدناً كثيرة متنازلاً للعثمانيين. كما شرط عليه إيقاف لعن الخلفاء الراشدين الثلاثة، والذي كان معمولاً به في إيران فقبل. وأبقى ابن أخيه رهينة عند العثمانيين فوافق على كل الشروط (٢).
стр. 37
كان الأوزبكيون السُنة قد استولوا على خراسان وعلى مدينتي مشهد وسبزوار سنة (١٠٠٢هـ)، ولكن مات ملك الأوزبك عبد الله خان وقتل أخوه عبد المؤمن فهاجمهم الشاه عباس في مدينة هراة وطردهم من المنطقة سنة (١٠٠٦هـ).
بعد ذلك اتصل الشاه عباس ببريطانيا لترسل له خبراء أسلحة, ورحبت بريطانيا بذلك فأرسلت له "السير أنطوني شيرلي" وأخوه السير "روبرت سيرلي"، واتفقوا على تكوين جيش جديد من حملة البنادق بدل الرماح والسيوف، كما أدخل المدفعية وبنى مصانع للسلاح، كما إنه كون قبيلة سماها "شاهسون" أي أصدقاء الملك وهو تجمّع على أساس الولاء للملك لا على أساس القربى والنسب (١).
كما إنه ساعد الإنكليز في إضعاف النفوذ الهولندي في الخليج العربي، وإبداله بالنفوذ الإنكليزي، واشتركا معاً بجيوش لتنفيذ هذه المهمة واستمرت حروبهم حتى سنة (١٠٣٤هـ).
أما حروب الشاه عباس ضد العثمانيين فبدأت عندما شعر الشاه بقوته، شرع بإرجاع ما أعطاه لهم في معاهدته مثل مدينة "تبريز" كما إنه حاول احتلال منطقتي "شروان وديار بكر"، ثم توجه أخيراً إلى بغداد (٢).
стр. 38
والشاه عباس كان طائفياً بشكل جلي، وأشنع ما أراد فعله أنه حاول أن يقنع الإيرانيين بالتخلّي عن الذهاب إلى مكة لأداء فريضة الحج والاكتفاء بزيارة قبر الإمام الثامن علي بن موسى الرضا في مدينة مشهد؛ لأن الواجب القومي يحتّم عدم السفر عبر الأراضي العثمانية ودفع رسم العبور، وكان يحث رجال الدين لتعظيم زيارة الرضا، كما إنه تردد مراراً لزيارته ومشى مرة على الأقدام إلى مدينة مشهد ويقال إنه مشى أكثر من (١٣٠٠كم) (١).
كم إنه عامل الأكراد السُنة معاملة سيئة، فقد طلب منهم الدخول في المذهب الشيعي فرفضوا مما أدى بالشاه عباس إلى قتلهم وشردهم إلى بلاد خراسان ليكونوا حاجزاً بينه وبين الأوزبك، وقد قتل في أيام (٧٠ألف كردي)، ورحّل (١٥٠٠٠) عائلة كردية (٢).
وكان يقتل أسرى العثمانيين والأوزبك فإن لم يقتلهم سمّل عيونهم، إلا إذا تخلى عن مذهبه فله حكم آخر. (٣)
وكان أحياناً يمثّل بعلماء السُنة فيقطع آذانهم وأنوفهم وتعطى هذه
стр. 39
الأعضاء لعوام السُنة لأكلها. (١)
وكما كان يحاصر مدناً سنية من أجل تسليمه شخص مطلوب وإلا قتل المدينة كما فعل مع مدينة همدان. (٢)
بينما كان يكرّم النصارى سواء من كانوا من أهل إيران أو رعايا الدول الأوروبية، بل كرم حتى التبشير المسيحي في إيران. وبنى مدينة للأرمن قرب أصفهان، تدعى "جلفا"، وكان يكرم النصارى بشكل غير طبيعي، لذا أقبل تجار أوروبا من كل حدب وصوب إلى إيران، وأصدر قوانين بإعفائهم من الضرائب، ومنع رجال الدين الشيعة من إزعاجهم أو مناقشتهم، وكان يقدّم هدايا لحم الخنزيرإليهم، وأمر جميع أعضاء البلاط باحتساء الخمر مشاركة للمسيحيين حتى ولو في شهر رمضان، وبنى لهم الكنائس، بل كان يشاركهم أعيادهم وسماع مواعظهم، مما شجع بعض القساوسة لدعوته للدخول في الدين النصراني ولكنه اعتذر بلطف. (٣)
стр. 40
أما خلاصة ما فعله في مدينة بغداد، فقد ثار قائد من القواد العثمانيين على والي بغداد يدعى (بكرصوباشي) وسيطر على بغداد ولكنه خاف من بطش العثمانيين، فأرسل إلى الشاه عباس يطلب منه دعمه مقابل أن تكون بغداد تابعة له (١)، رحب الشاه عباس بذلك، حتى يستعيد بغداد ويتمكن من زيارة النجف وكربلاء، وتكون تحت تصرفه.
توجه صوب بغداد وعندما اقترب من بغداد طلب من "بكر صوباشي" مفاتيح بغداد، ولكن بكر رفض تسليمه خوفاً من الغدر به.
واستطاع الشاه عباس دخول بغداد والسيطرة على الموصل وكركوك وسيطر على أغلب العراق وذهب إلى النجف.
ولكن ماذا فعل الشاه عباس ببغداد؟
هتك حرماتها وأستارها، ورمل نساءها، ويتمت الأطفال، وأتلفت الثروات، وخربت الجوامع، وجعلت أرضاً منبسطة، وهدمت المراقد ونهبت, ومنها مرقد أبي حنيفة وعبد القادر الجيلاني. وأما العشائر فنكّل بها وأجرى عليهم عدة مظالم.
والشاه عباس خدع أهل بغداد عندما وعدهم بالأمان كي يسلموا اسلحتهم، وأخذ يقتل ويعذب الآلاف ورفض كثير من أهل بغداد تغيير عقيدتهم وفضلوا الموت على التشيع ولو بالظاهر، وأخذ أطفالهم
стр. 41
والنساء فباعهم كعبيد إلى إيران ولم يعرف لهم خبر، وكان ينوي إبادة أهل السُنة في بغداد، لذا طلب من سادن وخادم كربلاء إعداد قوائم لأهل السُنة والشيعة كي يبيد أهل السُنة، وحول المدارس الدينية إلى اصطبلات وهدم جامع أبي حنيفة وجانع عبد القادر الجيلاني، ثم عين والياً لها وغادرها إلى بلاده، وكان ذلك سنة (١٠٣٣هـ) (١). وفي سنة (١٠٣٨هـ) هلك الشاه عباس.
وولي بعده الشاه صفي الأول سنة (١٠٣٨هـ)، وفي عهده وبالضبط سنة (١٠٤٨هـ) حرر العثمانيون منه مدينة بغداد وكل العراق ولم يستطع الصفويون عمل أي شيء للعراق بعد ذلك، علماً بأن إيران هي البلد الوحيد المجاور للعراق والتي لها أطماع في احتلاله دائماً، واعتداءات إيران على العراق أشهر من أن تذكر.
المستحدثات في عصر الشاه عباس
١ - أقام أعياداً لكل يوم ولادة إمام من الأئمة الاثني عشر ، كما أقام العزاء في ذكرى وفاتهم، وخصص (٨) أيام لعلي بن أبي طالب في رمضان. (٢)
٢ - أبقى وأيد كل ما استحدثه الشاه إسماعيل .
стр. 42
٣ - خصص زيارة الرضا .
٤ - سمى نفسه (كلب عتبة علي)، أو (كلب عتبة الولاية) ، ونقشه على خاتمه. (١)
الدولة الصفوية بعد الشاه عباس
استمرت الدولة الصفوية بعده قرابة (١٠٠) عام) وانتهت سنة ١١٤٨هـ، وكل من حكم من الصفويين كان غير ملتزم بالدين، فكلهم قتل من عائلته ابنه وأخته وابن أخيه، وطرقهم وحشية في التعذيب والقتل العشوائي وشرب الخمور، هذه هي معالم الدولة الشيعية الاثني عشرية الأولى، وكان تغطي على هذه السلوكية بإقامة الشعائر الحسينية لنصرة آل البيت.
وأهم شيء في هذه المرحلة هو أنه أصبح للدولة الصفوية شيخاً للإسلام وهو محمد باقر المجلسي (١٠٣٧ - ١١١١هـ) هذا الرجل الذي ألف أكبر موسوعة شيعية وهي كتاب "بحار الأنوار" جمع فيه كل نقولات الشيعة السابقة وقد طبع, وهو أكثر من مائة مجلد.
ويقول بعض الشيعة المتنورين إنّ هذا الكتاب أساء للتشيع بسبب جمعه الغث والسمين من تراث الشيعة, وحوى روايات تفضح التشيع بأفكار الغلو والتكفير والدموية ,وأصبح مرجعا للطعن بالشيعة, واستغله خطباء المنابر الحسينية لحكاية روايات
стр. 43
الغلو والخرافة (١).
ونحن نخالف الكاتب المعتدل إذ أن التراث الشيعي بقي حكرا على علمائهم ولكن جمعه في كتاب سهّل للعوام الاطلاع على خبايا كانوا لا يتمنون أن تظهر لأنهم استخدموا التقية لكتمانها، فكان هذا الكتاب فاضحا لكل أسرارهم.
الدولة الصفوية في الشرق (أفغانستان)
استولى الصفويون على مدينة قندهار (جنوب أفغانستان) سنة ٩٤٧ هـ ولكن الأوزبك (السنّة) أرجعوها، ثم استولى عليها المغول في الهند سنة ١٠٢١ هـ ثم سلموها إلى الصفويين سنة ١٠٣٨ إلى أن سيطروا على كل بلاد أفغانستان الحالية وعينوا على حكمها رجلا من جورجيا، ولكن الأمير أويس (السني) قام سنة ١١٢٠ هـ بطرد الصفويين من قندهار وبدأ بتحرير جميع بلاد الأفغان من أيديهم، ولكنه مات سنة ١١٢٧ هـ، وعندما كبر ابنه (مير محمود) وبالتعاون مع الأوزبك (السنّة) طردوا الصفويين واستمروا بالزحف على إيران وحطموا الدولة الصفوية، ودخلوا عاصمتهم أصفهان، ولم يبق للصفويين إلا رقعة صغيرة في شمال إيران، وكاد (مير محمود) أن يدحرهم، لولا تعاونهم مع الروس، وفضلوا اقتسام الدولة الصفوية مع الروس، ولا يعطوها لمير محمةد (السني)، وليلاحظ القارئ الكريم كيف
стр. 44
يفضل الشيعة النصارى على المسلمين حتى أيام ضعفهم ووهوهم.
مرض (مير محمود) وبدأ الروس بالسيطرة على بلاد الصفويين، وتراجع (مير محمود) وخلفه عمه (أشرف) وانتهت الدولة الصفوية بظهور (نادر خان) (شيعي لكن عنده نزعة الاعتدال) والذي أنهى الدولة الصفوية فيما بعد، وأدخل حكم الأفشار سنة ١١٤٨ هـ، وجرت في عهد نادر شاة أول محاولة للتقريب بين السنة والشيعة، وإيقاف حملة السب للخلفاء، ونجح نوعا ما، ولكنهم قتلوه سنة ١١٦٠ هـ، وليس هذا موضوع البحث. واستطاع الأفغان المحافظة على سنيتهم/ واليوم لا يشكل الشيعة في أفغانستان سوى ١٠% وهم من قبائل الهزارة، وقليل من القومية الفارسية.
стр. 45
خاتمة مهمة
هذه هي الدولة الصفوية (٩٠٧هـ - ١١٤٨هـ)، قرابة ٢٥٠ سنة، الدولة الشيعية الإمامية الأولى في التاريخ, واقصد الدول الكبيرة وإلا فقد ظهرت قبلها دولة المشعشعين في الأحواز بين سنة (٧٨٣ - ١١١٧هـ) وكذا الدولة السربدارية في خراسان بين سنة (٧٣٨ - ٧٨٢هـ) ودولة السادة المرعشية في مازندران بين سنة (٧٩٥ - ١٠٠١هـ) وكل هذه الدول صغيرة ومحلية أما الدول الكبرى قبل الصفويين مثل: الدولة الفاطمية فهي دولة شيعية إسماعيلية، والبويهية هي دولة زيدية (لكنها تختلف عن زيدية اليمن بل هي زيدية غلاة).
ولم يكتف الصفويين بالتعامل مع الأنكليز والبرتغاليين بل تعاونوا مع الفرنسيين سنة (١٧٠٨م) زمن الشاه حسين الصفوي وارسل الفرنسيين أسطولا وسهلوا إحتلال إيران لمسقط.
ولقد توسعت الدولة الصفوية في إيران وأفغانستان ولكن الأفغان نجحوا في تطهير بلادهم وابقوها سُنية؛ لذلك فإن إيران تكيد لأفغانستان والعراق بشكل خاص.
стр. 46
والدولة الصفوية أول دولة شيعية إمامية، شيّعت إيران بالقوة, فقد كان الشيعة نسبتهم في بلاد إيران تقدر (١٠%)، وأصبحت اليوم (٦٥%) (١)، والسُنة اليوم على كونهم (٣٥%)، فلا قيمة لهم في إيران، بل إن النصارى والأرمن واليهود والزرادشت والبهائيين والذين مجموع نسبتهم (٢%) لهم من الحرية في العبادة والعمل داخل إيران أضعاف ما للسُنة.
وعندما جاءت الثورة الإسلامية في إيران، وهي الدولة
стр. 47
الإمامية الوحيدة في الأرض أعلنت في دستورها المادة (١٢): أن الدين الرسمي هو الإسلام، والمذهب الجعفري هو الاثني عشري، وهذه المادة غير قابلة للتغيير إلى الأبد.
هذا هو التعصب الطائفي، أما التعصب الفارسي فظهر في الدستور عندما اشترطوا أن يكون رئيس الجمهورية "فارسياً".
إن سلوكية الشيعة في كل وقت وزمان سلوك واحد، لأنه ينبثق من مصادر واحدة، فمؤلفاتهم كلها دعوة لتعذيب وتقتيل أهل السُنة (النواصب)، فإذا استضعفوا استعملوا (التقية)، وإذا تمكنوا استعملوا أشد أنواع القتل والتكفير لأهل السُنة، منطلقين من عقدة الاضطهاد التي تولدت وولدت عند أتباعهم، مثلما ولّد اليهود عندهم عقدة المظلومية والاضطهاد، والتي تولد بدورها الحقد الدفين, وحالهم حال العبيد؛ استخذاء تحت سوط الجلاد وتمرد حين يرفع السوط.
لقد تربى الشيعة على هذه العُقد أكثر من (١٣) قرن، وكلهم وإن كان بنسب مختلفة يحمل هذه العُقد، لذلك إذا تمكن الشيعي فعل ما يندى له الجبين، والسُنة لا يصدقون كلّ ذلك لأنهم أحياناً لا يفهمون الدوافع الحقيقية للشيعة.
ما أريد قوله، إن حقد الدولة الصفوية لم يأت على الدولة العثمانية ولا على قومية معينة، بل هي وزعت حقدها على أهل السُنة، سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين أو أفغان أو أوزبك أو أتراك، كلهم مشتركون بجريمة التسنن وهذه جرم يكفي لقتلهم وتعذيبهم:
стр. 48
(وما نقموا منهم إلا أن يومنوا بالله العزيز الحميد) (البروج:٨)، وصدق الله إذ يقول: ﴿إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف:٢٠].
نعم، هذا ما فُعل سابقاً، واليوم يفعل في العراق مع أهل السُنة، يقتل المرء لكونه سُنياً، ولا يضحك عالم أو مثقف أو سياسي على أهل العراق بقوله: إنها فتنة طائفية، فإن قيادات اليوم للعراق أخرجوا معتقدهم الحقيقي الذي وضعته الدولة الصفوية ونفذته، فحذار حذار .. وسيفعل حزب الله في لبنان ما فعل في العراق، وسيفعلون في البحرين والكويت والسعودية ما فعلته القيادات الدينية الشيعية في العراق بالسُنة.
فهذا "حزب الدعوة الإسلامي" في العراق، ألم يقل كثير من كتاب الإخوان المسلمين وغيرهم إنهم تلاميذ الداعية والعالم الشيعي محمد باقر الصدر وأنهم معتدلون خلافاً لغيرهم!
فماذا فعلوا عندما تمكنوا: إبراهيم الجعفري من قياداتهم، وجواد المالكي من قياداتهم، وكلاهما تتلمذ على محمد باقر الصدر، فماذا فعلوا عندما حكموا العراق؟؟
إنّ الناطق باسم (جواد المالكي) علي الدباغ - وهو من حزب الدعوة -يكرر عشرات المرات في الفضائيات: أنّ الشيعة ظلموا (١٤) عشر قرناً، وآن لهم أن
стр. 49
يأخذوا حقهم.
وعندما ذهب وفد جماعة الإخوان لتهنئة الخميني بنجاح ثورته الإسلامية، أخبرهم نائبه أنهم - أي السُنة - حكموا (١٤) قرناً، وآن للشيعة أن يحكموا العالم الإسلامي.
стр. 50
لماذا الدولة الصفوية ؟
ربّ سائل يسأل: حكمت إيران عدة دول مثل القاجارية والبهلوية وغيرها , وكلّها دول شيعية؟ وهل التركيز على إيران كدولة فارسية معادية للعراق, أم المقصود إيران الشيعية؟
والجواب: إن الدولة الصفوية هي التطبيق العملي الأول في التاريخ للأفكار الشيعية والتي كتبت في القرن الرابع للهجرة واستمرت ستة قرون حتى ظهرت الدولة الصفوية, ورغم ظهور دولا شيعية مثل الفاطمية في المغرب ومصر وقبلها البويهية سيطرت على بغداد وابقت الحكام العباسيين شكلا ,وجاءت عدة دول شيعية صغيرة, لكن كل هذه الدول لم تمارس القتل بالملايين والتشريد وحمل الناس على التشيع قسراً, وإدخال أفكار جديدة ,وإحياء أفكارأ متطرفة, وإيجاد أحقاداً طائفية منذ ذلك اليوم إلى يومنا هذا.
والذي ظهر لنا اليوم وبعد أكثر من ٢٠ عاما على ثورة إيران الشيعية وظهر وبوضوح للكل أن هذه الدولة هي إحياء للأفكار الصفوية , بدأ أول الأمر بشكل هادي مخطط , وما أن تمكن حتى تعاون مع الغرب وكشّر عن أنيابه وعاد الفكر الصفوي من جديد,
стр. 51
والذي هو مزيج من أفكار شيعية وأحلام فارسية توسعية, وسيتعب كل مفكر أو مؤرخ - لا يفهم حقيقة الصفويين- أن يفسر الواقع الحالي للأمة, أو يحاول صرف المعاني التاريخية الواضحة إلى تفسيرات لا تمت للحقيقة بصلة.
نصيحة لجميع السُنة في العالم
إن الجهل بعقيدة الشيعة وبدولتهم الصفوية وما فعلت في العالم الإسلامي في وقتها، يشمل أغلب علماء الأمة ودعاتها ومثقفيها وساستها، ولكي تصدق اسأل من شئت: ماذا تعرف عن الدولة الصفوية؟ فلن تجد جواباً إلا القليل
стр. 52
لقد تغافلت معظم الجماعات الإسلامية عن عقيدتنا السُنية التي كتبها علماءنا، هذه العقيدة التي فضحت مسالك الشيعة فلم ينخدع أجدادنا بهم، ولكننا اليوم نتيجة هذا التجاهل لما كتبه الأجداد أصبح غالب الجيل الإسلامي اليوم لا يعرف عن خطر التشيع شيئاً، بدعاوى مختلفة؛ مرة بدعوى شيعة اليوم غير شيعة الأمس، ومرة بأن خطر العدو الصليبي الصهيوني داهم ولا وقت للبحث عن الشيعة وعقائدهم وتاريخهم، ونسوا التحالف الصفوي على أوروبا النصرانية لحرب العثمانيين السُنة. واليوم تتحالف إيران "الشيعية" مع أمريكا لإسقاط أفغانستان والعراق ومن ثم احتلال العراق.
لقد تكرر على ألسنة عامة الشيعة من جيش المهدي وغيرهم: أن اليهود أحسن من السُنة، فمن أين لهؤلاء العوام هذه الأفكار!
اذهبوا إلى حوزات قم والنجف، اذهبوا إلى جنوب لبنان والبحرين والقطيف لتروا ماذا يدرّس الشيعة أتباعهم من الحقد ومكر الليل والنهار، وكيف يدربون على "التقية" في وسائل الإعلام على دعوى "الوحدة الوطنية" و"الوحدة الدينية" و"التقريب" و"نصرة فلسطين".
стр. 53
إيران وحزب الله يرددون ليل نهار أنهم أعداء الشيطان الأكبر "أمريكا"؟! وتحالفوا معهم في إسقاط أفغانستان والعراق. ويزعمون أنهم مؤيدون لأهل فلسطين؟! ولكنهم يقتلونهم في العراق ويغتصبون نساءهم!
يا سبحان الله! هذا كله نتيجة الخلل المنهجي في التربية العقدية للجيل الإسلامي المعاصر.
وتاريخياً جري تزوير وتحريف آخر من قبل المثقفين.
فروجوا أن الدولة الصفوية كان لها خلاف سياسي مع العثمانيين، وكلاهما كان محتل للبلدان العربية (نظرة القوميين)! والقضية ليست دينية ولا مذهبية، بل هي متاجرة باسم الدين.
كل هذه الأفكار المنحرفة ربيت عليها الأجيال المعاصرة وغيبت عنهم الحقيقة.
فالجماعات الإسلامية كلها غيبت عن أصحابها حقيقة الشيعة وما يجري:
стр. 54
فالأخوان المسلمين أغلبهم لا يعرفون عن التشيع إلا القليل، أما عن الدولة الصفوية فلا يعرفون شيء ألبتة.
بل إن مرشد الإخوان في مصر "محمد مهدي عاكف" يشبّه "نصر الله" بصلاح الدين، وما دري أن نصر الله يأنف التشبه بـ "صلاح الدين"، فهم يكرهونه كرهاً أعمى، وقد كتب المفكر الشيعي اللبناني "الأمين" كتاباً في ذم صلاح الدين, وفي مصر كتب متشيع مصري يدعى راسم أحمد النفيس مقالا في جريدة الأهرام يطعن ويهاجم شخصية صلاح الدين.
وحزب التحرير مغرق في تنظيره السياسي وتحليلاته الغريبة والعجيبة، بل إن بعض منظري الحزب في لبنان هم من الشيعة. وهم من أوائل من زار الخميني ونقدوا دستوره لأنه مذهبي وليس إسلامي، ومع كل هذا يقولون أن ما يجري في العراق هو من فعل بريطاني وأمريكي، وأما إيران فلا وألف لا!
ولعلهم في مستقبل الأيام وحين يفرض الواقع نفسه يعلمون الحق، سيما وإن لهم حب للدولة العثمانية دولة الخلافة، فما بالهم لا يقراءون ماذا فعلت دولة الخلافة بالصفويين.
стр. 55
وأما التيارات الصوفية فلا شأن لها في الشيعة بل أصبح همهم الأول حرب الوهابية، ومن الغريب أن محققاً عراقياً في الثمانينات حقق كتاب "الغنية" للشيخ عبد القادر الجيلاني ﵀، فقام بمحو ما كتبه الشيخ عبد القادر في ذم الشيعة، والمحقق صوفي معروف بالعراق!!
وقد أتعبوا أهل السُنة في الثمانينات والتسعينات عندما كان همهم الأول في العراق حرب أهل الشباب الملتزم في العراق بدعوى "الوهابية"، وكانوا يصرحون بأن خطر الوهابية أشد من خطر التشيع!
وقد علموا اليوم من هو أشد خطراً، وأنكى فعلاً عليهم. بل هم اليوم مدخلاً للتشيع في مصر واليمن، وقد حاول إبراهيم الجعفري أن يؤسس تحالفاً مع الطريقة القادرية في العراق ولكنه لم يفلح لوعي السنة في العراق بكل أطيافهم لحيل التشيع، ولله الحمد.
وقد وصل ببعضهم الحال أن تعاون مع الشيعة ضد أهل السنة، كما حصل للسقاف في الأردن عندما كُشفت له علاقات سرية مع علماء قم في إيران. وستكشف الأيام عن علاقات لبعض صوفية اليمن مع حركة الحوثي الشيعية (ولكن المسألة تحتاج إلى دراسة أدق لتكشف أسماء لامعة).
وليعلم الإخوة الصوفية: أن كبار وسادات الصوفية كالشيخ عبد القادر الكيلاني والحكيم الترمذي وغيرهم كانوا من أشد الناس
стр. 56
محاربة للتشيع. ولولا علماء الأكراد السنة (وجلهم صوفية) لأصبح كل الأكراد شيعة، وعلماء الدولة العثمانية جلهم صوفية وكانوا أشد الناس معرفة ومحاربة للتشيع.
والدين في تركيا بعد حكم أتاتورك مدين للبقاء للتيار الصوفي، مثل النورسي وغيره ﵏ جميعا.
وأما جماعة التبليغ فلا شأن لهم بالشيعة ألبتة!
وأما الجماعات السلفية ومع أنهم من أشد الناس وعياً بخطر الشيعة - بفضل الله أولاً، ومن ثم بكتابات شيخ الإسلام وكتابات إحسان إلهي ظهير ومحب الدين الخطيب وغيرهم فلم تعد كل الجماعات لها نفس الوعي السابق.
فبعضهم مشكلته الأولى الإرجاء والتكفير!! وغالوا في تصنيف بعضهم بعضا، وانقسمت دعوتهم طرائق قددا
وبعضهم بعيد عن مشكلة التشيع، حتى أصبحت الدوائر الأمنية في بلادنا أكثر وعياً منهم بخطر الشيعة.
وآخرون منشغلون في التصنيف والمبالغة بالاهتمام بالهدي الظاهر.
стр. 57
ومنهم مختلفون هل يؤيد حزب الله في حربه - الأخيرة - أم لا!
إن على كل الجماعات السُنية سواء كانوا من الأخوان والتحريرية، والتبليغية، والصوفية، والسلفية وغيرها من الجماعات أن يعوا أن التشيع الصفوي الإيراني لا يفرق بينهم، فكلهم يحملون وزر السُنية (النواصب)! رضوا بذلك أم أبوا، وإن كان الشيعةَ اليوم- بذكاء - يركزون على السلفية ويوحون أن عداء الشيعة مع الوهابية فحسب ليوهموا أن عداءهم ليس للسنة، ولكن انكشفَ هذا بتهجمهم على الشيخ القرضاوي حين نقدهم بلطف في مؤتمر الحوار الأخير في قطر.
وليعيدوا قراءة التاريخ بعامة، وليعيدوا قراءة تاريخ الدولة العثمانية، وليعيدوا قراءة عقائد علمائهم من أي مسلك كانوا، سواء كانوا: (أشعرية، صوفية، ماتريدية، سلفية .. ) عن حكم الشريعة بالشيعة.
علماً بأن أهل السنة لم يكونوا في يوم ما طائفيين وعاش الشيعة في كنف السنة بأمان، عندما حكم السنة قديما كل الحضارة (لأن كل الحضارة الإسلامية هي حضارة سنية) كانوا أهل عدل حتى مع جميع الفرق الإسلامية وغير الإسلامية، ومع جميع الأديان، وحتى في العصور الشي غاب فيها العدل الإسلامي، لم يقتلوا ويمثلوا ويهجّروا الآخرين كما فعلت الشيعة في عهد الصفويين، واليوم علمت الاُمة ما يفعلونه في العراق وما تريد إيران الشيعية فعله بالعالم الإسلامي. وليس نفودهم في إيران والعراق فحسب ،
• فها هم اليوم في لبنان يثيرون الفوضى
стр. 58
ويتعاونون مع النصارى لتفكيك لبنان والأخبار منتشرة ببداية عملية شراء كبيرة من قِبَل الشيعة لمساكن وأرضي سنية ودرزية ونصرانية في جميع أنحاء لبنان لتغييو الديمغرافية اللبنانية.
• وما يفعله شيعة البحرين - بعد فوزهم بالانتخابات - حتى بعثوا وفدً أسريا إلى لبنان للتعلم على طرق الإضراب العام تمهيدا لخلق توترات في البحرين
• وفي سوريا استغلوا الحكم العلوي، وبدأ التشيع واضحا في مناطق سوريا ، وشرعوا بتشييع العلويين (النصيرية) أولا، لأن الشيعة كانوا يفتون بكفر العلويين - وأوقف ذلك الخميني لأغراض سياسية- واذهب إلى منطقة زينب في دمشق لترى الوجود العراقي والإيراني واللبناني.
• ومحاولاتهم في مصر واضحة، ووكذا الأردن والمغرب العربي وإفريقيا واضحة أقلقت حتى الدوائر الأمنية في هذه الدول. وكيف تعاونوا مع الفرنسيين في جزر القُمر لفوز رجل شيعي لحكم البلاد.
• وحجم استثمارهم المالي في الإمارات - البحرين - عمان، واضح ، فهل من مدكر أو معتبر!
стр. 59
الخاتمة
وفى الختام ننبه كل المفكرين والمتدينين والمثقفين والساسة وصناع القرار ألا يخدعوا بالتركيز على التشيع السياسي أكثر من الفكرى، فالتشيع العقدي الفكري هو الأخطر وهو القنطرة للتشيع السياسي، ذلك أن الفكر الشيعي هو فِكرٌ مسيس اقتحامي يسعى لتقويض حكم أهل السنة. كما أن في هذا دافعا للشيعة العرب أُن يعوا أن هناك خطرا فارسيا صفويا سيحطم حتى التشيع نفسه، ويولد أحقادًا سنية تجاههم لا يستطيعون تحمل تبعاتها. ولعل الغربيين كانوا أوعى من أبناء جلدتنا
عندما قال المستشرق فيرناندو النمساوي: "لولا الصفويين في إيران لكنا اليوم في بلجيكا وفرنسا نقرأ القرآن كالجزائريين"
والله هو الهادي إلى سواء السبيل، أسأل الله أن يكون هذا البحث، وهذا التوضيح دافعاً لجميع المسلمين لتدارك هذا الخطر،
أسأل الله القبول، والله من وراء القصد