← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

وأما خوف أولئك من مكره فحق، فإنه يخافون أن يخذلهم بذنوبهم وخطاياهم، فيصيروا إلى الشقاء. فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمة ربهم. أما قوله سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]. فهذا إنما هو في حق الكفار والفجار، ومعناه: فلا يعصي ويأمن مقابلة الله له على مكر السيئات بمكره به إلا القوم الخاسرون. والذي يخافه العارفون بالله من مكره أن يؤخر عنهم عذاب الذنوب، فيحصل لهم نوع اغترار، فيأنسوا بالذنوب، فيأتيهم العذاب على غرة وفترة قبل التوبة. أو أن يغفلوا عنه، وينسوا ذكره، فيتخلى عنهم، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، فيكون مكره بهم تخليه عنهم. أو أن يعلم سبحانه من ذنوبهم، ما لا يعلمون من نفوسهم، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون. أو يبتليهم ويمتحنهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنوا به وذلك مكر. هذا خطر الجهل بأسماء الله وصفاته، يولد مثل هذه الطامات، والقول على الله بلا علم، وظن الناس بربهم غير الحق. فماذا ينتظر هؤلاء من العقوبة؟ ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٤٤)﴾ [الأنعام: ١٤٤]. وأما الجهل بدين الله وشرعه، فقد نشأ بسببه من البدع والمخالفات ما عمَّ وطمَّ، وبلغ السهل والجبل. والناس متفاوتون في ذلك، فمن الناس من يعبد الله مخلصاً لكن على جهل، ومنهم من ابتدع في الدين عبادات لم يشرعها الله ورسوله، فصارت عبادات يتقرب بها الجاهلون إلى الله، ويدافعون عنها، ويعادون من أنكرها عليهم،

стр. 1122

ويدعون الناس إليها، وينسبونها لله ورسوله فبأي شيء يفرح الشيطان بأكثر من هذا؟. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾ [الشورى: ٢١]. وأما الجهل بقضائه وقدره، فقد نشأ بسببه نسبة ما لا يليق به إليه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فالجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم، والعارف إنما يشكو إلى الله وحده. وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نفسه لا من الناس، فهو يشكو من موجبات تسليط الناس عليه كما قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩]. فالمراتب ثلاث: أخسها أن تشكو الله إلى خلقه .. وأعلاها أن تشكو نفسك إليه .. وأوسطها أن تشكو خلقه إليه. والجاهلية ليست فترة من الزمن محدودة في ثنايا التاريخ .. وليست المقابل لما يسمى بالعلم والحضارة. وإنما حقيقة الجاهلية: هي رفض الاهتداء بهدي الله .. ورفض الحكم بما أنزل الله .. ورفض العمل بشرع الله. فالجاهلية في الحقيقة هي التي تستنكر هدى الله .. وتستحب العمى على الهدى .. وتزعم أن ما هي فيه هو الخير المحض .. وأن ما تدعى إليه من الهدى هو الضرر والخسران كما قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾ [فصلت: ١٧]. وزوال هذه الجاهلية يكون بالإيمان، والأعمال الصالحة، وبذل الجهد لإعلاء

стр. 1123

كلمة الله. ولما جاء الإسلام ذهب الكفر، ولما جاء الحق زهق الباطل. وذهاب الإسلام يكون على يد أربعة أصناف من الناس: صنف لا يعملون بما يعلمون .. وصنف يعملون بما لا يعلمون. وهذان الصنفان فتنة لكل مفتون، فالأول العالم الفاجر، والثاني العابد الجاهل، والناس إنما يقتدون بعلمائهم وعبادهم، فإذا كان العلماء فجرة، والعباد جهلة، عمت المصيبة بهما، وعظمت الفتنة على العامة والخاصة، فليحذر العبد من هؤلاء، ولا يخالف قوله فعله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢]. والصنف الثالث: الذين لا علم لهم ولا عمل، وإنما هم كالأنعام السائمة كما قال الله عنهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. والصنف الرابع: الذين يمنعون الناس من العلم والعمل، ويثبطونهم عنهما، وهؤلاء هم نواب إبليس في الأرض، وهم أضر على الناس من شياطين الجن. وهؤلاء كالسباع الضارية، ومَنْ قبلهم كالأنعام السائمة. والله حكيم عليم، يستعمل من يشاء في سخطه، كما يستعمل من يحب في طاعته، والله أعلم بمن يصلح لهذا، ويصلح لهذا. والله أعطاك السمع والبصر والعقل .. وعرفك الخير والشر .. وبين لك ما ينفعك وما يضرك، وأرسل إليك رسوله، وأنزل عليك كتابه، ويسره للذكر والفهم والعمل .. وأعانك بمدد من جنده الكرام يحفظونك ويثبتونك، ويحاربون عدوك. أمرك الله بشكره لا لحاجته إليه، بل لتنال به المزيد من فضله. وأمرك بذكره، ليذكرك بإحسانه إليك، وأمرك بالسؤال ليعطيك، بل أعطاك أجلَّ العطايا بلا سؤال.

стр. 1124

فكيف ينسى الإنسان ربه، ويكفر بنعمه، ويسأل غيره، ويشكو مَنْ رَحِمَهُ إلى من لا يرحمه، ويتظلم ممن لا يظلمه، ويدعو من يعاديه ويظلمه. ألا ما أجهل الإنسان بربه .. وما أظلمه لنفسه ولغيره. إنْ أنعم الله عليه بالصحة والعافية، والمال والجاه، استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلبه ذلك ظل ساخطاً على ربه وهو شاكيه، لا يصلح له على عافية ولا على ابتلاء. العافية والمال تلقيه إلى مساخطه، والبلاء يدفعه إلى كفرانه وجحود نعمته، وشكايته إلى خلقه. عجيب أمر هذا الإنسان؟ .. وغريب منه الإعراض والكفران؟. دعاه الله إلى بابه فما وقف عليه، ثم فتح له فما عرج عليه، أرسل إليه رسوله يدعوه إلى دار كرامته فعصاه، وقال: لا أبيع ناجزاً بغائب، ولا أترك ما أراه لشيء سمعت به. ومع هذا الجحود والإعراض لم يؤيسه من رحمته، بل قال: متى جئتني قبلتك، ومتى استغفرتني غفرت لك، رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق عقوبتي: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦]. إن الإنسان بالعلم والإيمان تحصل له الطمأنينة والسكينة، والانقياد والتسليم، وطاعة الله ورسوله. وبسبب الجهل والكفر تحصل له الوحشة والاضطراب، والرياء والاستكبار، ومعصية الله ورسوله، والاعتراض على أسماء الله وصفاته، والاعتراض على شرعه وقدره. وقلَّ من يسلم من هذا، فكل نفس بسبب الجهل معترضة على قدر الله وقسمه وأفعاله إلا نفساً اطمأنت إليه، وعرفته حق المعرفة، فأناخت ببابه. ألا ما أعظم الجهل بالرَّب والدين والشرع.

стр. 1125

ماذا يملك الإنسان من أمره إذا كانت ناصيته بيد الله، ونفسه بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه يقلبه كيف يشاء، وحياته وموته بيده، وسعادته وشقاوته بيده، وعافيته ومرضه بيده، وغناه وفقره بيده؟. وحركاته وسكناته، وأقواله وأفعاله بإذن الله ومشيئته؟ إن وكله الله إلى نفسه وكله إلى عجز وضيعة، وتفريط وخطيئة. وإن وكله إلى غيره وكله إلى من لا يملك له ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. وإن تخلى عنه استولى عليه عدوه، وجعله أسيراً له، فهو لا غنى له عنه طرفة عين، ومع ذلك فهو لجهله متخلف عنه، معرض عنه، يتبغض إليه بمعصيته مع حاجته إليه. نسي ذكره، واتخذه وراءه ظهرياً مع أنه إليه مرجعه، وبين يديه موقفه، وفوق هذا رافق عدوه، واستجاب لأوامره: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وقد ذم الله أهل الجهل في كتابه، وشبههم بالأنعام، بل وصفهم بأنهم أضل سبيلاً كما قال سبحانه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. وأخبر سبحانه بأن الجهال شر الدواب عند الله، على اختلاف أصنافها من الحمير والسباع، والكلاب والحشرات، وسائر الدواب والأنعام. فالجهال شر منهم، وليس على دين الرسل أضر من الجهال، بل هم أعداؤه على الحقيقة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال: ٢٢]. فهؤلاء الجهال صمٌّ عن استماع الحق .. بكْمٌ عن النطق به .. لا يعقلون ما ينفعهم .. ولا يؤثرونه على ما يضرهم .. فهم شر من جميع الدواب .. لأن الله أعطاهم أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في

стр. 1126

معاصيه، وحرموا بذلك أنفسهم وغيرهم خيراً كثيراً، فكانوا شر البرية، ولو أطاعوا الله وآمنوا به لكانوا من خير البرية. وأخبر سبحانه عن عقوبته لأعدائه بأن منعهم علم كتابه ومعرفته وفقهه فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥، ٤٦]. وأثنى على عباده المؤمنين بالإعراض عنهم وتركهم فقال سبحانه: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ [القصص: ٥٥]. ومن أعظم الجهال بالله الذين قالوا اتخذ الله ولداً، قالها اليهود في العزير، وقالها النصارى في عيسى. وقالها المشركون في الملائكة. وأي حاجة بالغني القوي الذي له ملك السموات والأرض أن يتخذ ولداً؟ أيعينه الولد في تدبير الملك؟ أم يخلفه على خلقه؟ فأيُّ جهل بعظمة الخالق فوق هذا؟ ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ [البقرة: ١١٦]. إن الله أرسل الأنبياء والرسل ليجمعوا الناس على الدين، فجمعوهم عليه فتحابوا، ولو جمعوهم على الدنيا لتقاتلوا عليها. والجاهلية في أي مكان .. وفي أي زمان .. تجمع الناس وتجعل الرابطة بينهم. أحياناً الدم والنسب .. وأحياناً الأرض والوطن .. وأحياناً القوم والعشيرة .. وأحياناً الحرفة والطبقة .. وأحياناً المصالح المشتركة. وكل هذه تصورات جاهلية تخالف مخالفة أصيلة دين الله ، وتطل بوجهها الكالح الخادع، وتفسد حياة الناس، وتغير فطرتهم. ويعيش الناس في ظلها في عذاب وعناء، وشدة وفساد، وكل ذلك مما يشترك

стр. 1127

فيه الإنسان مع البهائم، بل مع الكلاب والحمير. لقد كان الكفار في مكة، وما زالوا في كل مكان وزمان يتخذون الأوثان والأصنام لينالوا بها النصر، بينما كانوا هم الذين يقومون بحماية تلك الآلهة أن يعتدي عليها معتد، أو يصيبها بسوء، فكانوا هم جنودها وحماتها المعدين لنصرتها: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ [يس: ٧٤، ٧٥]. فأي سخف وأي جهل انحدر إليه البشر فوق هذا؟ وأعظم ما يلهي الناس عن الله والدار الآخرة هو طلب التكاثر في الأموال والأولاد، والتمرغ في الشهوات، والتفاخر بذلك كما قال سبحانه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر: ١، ٢]. والتكاثر والتفاخر في كل شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال .. ومن الناس من يلهيه التكاثر بالأولاد .. ومنهم من يلهيه التكاثر بالعلم أو بالجاه، فيجمعه تكاثراً وتفاخراً. ومن جمع العلم تكاثراً وتفاخراً فهو أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها، وكاثر بأسبابها. والنعيم التام: هو في الدين الحق علماً وعملاً، فأهله هم أصحاب النعيم الكامل، والشقاء التام: هو في الباطل علماً وعملاً، وأهله هم أصحاب الضلال والشقاء في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]. ولكن الإنسان قد يسمع ويرى ما يصيب كثيراً من أهل الإيمان في الدنيا من المصائب .. وما ينال كثيراً من الكفار والفجار والظلمة في الدنيا من الرياسة والأموال وغيرها.

стр. 1128

فيعتقد لجهله أن النعيم في الدنيا لا يكون إلا للكفار والفجار، وأن المؤمنين حظهم من النعيم في الدنيا قليل. وكذلك قد يعتقد أن العزة والنصرة في الدنيا قد تستقر للكفار والمنافقين على المؤمنين، فإذا سمع في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. وقوله : ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ [الصافات: ١٧٣]. ونحو هذه الآيات، حمل ذلك على أن حصوله في الدار الآخرة فقط، وقال: أما الدنيا فإننا نرى الكفار والمنافقين يغلبون فيها ويظهرون، والقرآن لا يرد بخلاف الحس. ويعتمد على هذا الظن، إذا أديل عليه عدو من جنس الكفار والمنافقين، أو الفجرة الظالمين، وهو عند نفسه من أهل الإيمان والتقوى، ويرى صاحب الباطل قد علا على صاحب الحق. فإذا ذكر بما وعده الله تعالى من حسن العاقبة للمتقين والمؤمنين، قال هذا في الآخرة. وإذا قيل له كيف يفعل الله تعالى هذا بأوليائه وأحبائه وأهل الحق؟. فإن كان ممن لا يعلل أفعال الله بالحكم والمصالح قال: يفعل الله في ملكه ما يشاء، ويحكم ما يريد: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وإن كان ممن يعلل الأفعال قال: فعل بهم هذا ليعرضهم بالصبر عليه لثواب الآخرة، وعلو الدرجات، وتوفية الأجر بغير حساب. ولكل أحد مع نفسه في هذا المقام مباحث وأجوبة بحسب حاصله وبضاعته، من المعرفة بالله تعالى وأسمائه وصفاته وحكمته، والجهل بذلك. والقلوب تغلي كالقدور بما فيها من حلو ومر، وطيب وخبيث، وحق وباطل. وكثير من الناس لجهله يصدر منهم من التظلم للرب تعالى واتهامه، ما لا يصدر إلا من عدو، ويظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية.

стр. 1129

وهذه الأقوال والظنون الكاذبة سببها أمران: أحدهما: حسن ظن العبد بنفسه وبدينه، واعتقاده أنه قائم بما يجب لله عليه، واعتقاده في خصمه وعدوه خلاف ذلك، وأن نفسه أولى بالله ورسوله ودينه منه. الثاني: اعتقاده أن الله سبحانه قد لا يؤيد صاحب الدين الحق وينصره، وقد لا يجعل له العاقبة في الدنيا، بل يعيش عمره مظلوماً مقهوراً، مع قيامه بما أمره الله به ظاهراً وباطناً. فهو عند نفسه قائم بحقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وهو تحت أهل الظلم والفجور والعدوان. فلله كم فسد بهذا الاغترار من عابد جاهل .. ومتدين لا بصيرة له .. ومنتسب إلى العلم لا معرفة له؟. ومعلوم أن العبد وإن آمن بالآخرة، فإنه طالب في الدنيا لما لا بدَّ له منه، من جلب نفع، ودفع ضر، بهما قوام معيشته. فإذا اعتقد أن الدين الحق، واتباع الهدى، والاستقامة على التوحيد، ومتابعة السنة، ينافي ذلك، وأنه يعادي جميع أهل الأرض، ويتعرض لما لا يقدر عليه من البلاء، لزم من ذلك إعراضه عن الرغبة في كمال دينه وتجرده لله ورسوله. فيعرض قلبه عن حال السابقين المقربين .. بل قد يدخل مع الظالمين .. بل مع المنافقين. وذلك أنه إذا اعتقد أن الدين الكامل لا يحصل إلا بفساد دنياه، من حصول ضرر لا يحتمله، وفوات منفعة لا بدَّ له منها، لم يقدم على احتمال هذا الضرر، ولا تفويت تلك المنفعة. فسبحان الله كم صدَّت هذه الفتنة الكثير من الخلق عن القيام بحقيقة الدين؟ وأصل ذلك ناشئ من جهله بحقيقة الدين، وجهله بحقيقة النعيم، الذي هو غاية مطلوب النفوس وكمالها، وبه ابتهاجها والتذاذها.

стр. 1130

فيتولد من بين هذين الجهلين إعراضه عن القيام بحقيقة الدين، وعن طلب حقيقة النعيم. وكمال العبد أن يكون عارفاً بالنعيم الذي يطلبه، وبالعمل الذي يوصله إليه، مع إرادة جازمة لذلك العمل، ومحبة صادقة لذلك النعيم. والعبد إذا اعتقد أنه قائم بالدين الحق ظاهراً وباطناً، فهذا من جهله بالدين الحق، وما لله عليه، وما هو المراد منه. فهو جاهل بحق الله عليه، جاهل بما معه من الدين قدراً ونوعاً وصفة. وإذا اعتقد أن صاحب الحق لا ينصره الله تعالى في الدنيا والآخرة، بل قد تكون العاقبة في الدنيا للكفار والمنافقين على المؤمنين. فهذا من جهله بوعد الله ووعيده، وما أعده الله لأهل طاعته، وما أعده لأهل معصيته. فأما المقام الأول، فإن العبد كثيراً ما يترك واجبات لا يعلم بها، فيكون مقصراً في العلم، وكثيراً ما يتركها بعد العلم بها وبوجوبها، إما كسلاً وإما تهاوناً، وإما لنوع تأويل باطل أو تقليد، أو لظنه أنه مشتغل بما هو أوجب منها، أو لغير ذلك من الأسباب. فواجبات القلوب أشد وجوباً من واجبات الأبدان، وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات. فترى بعض الناس يتحرج من ترك فرض أو واجب من واجبات البدن، وقد ترك ما هو أهم من واجبات القلوب وأفرضها من التقوى والتوكل، والخشية والإنابة، والخوف والرجاء، ونحو ذلك. ويتحرج من فعل أدنى المحرمات الظاهرة، وقد ارتكب من محرمات القلوب كالنفاق والرياء، والحسد والكيد، ونحو ذلك مما هو أشد تحريماً، وأعظم إثماً. بل ما أكثر من يتعبد لله بترك ما أوجب الله عليه، فيتخلى وينقطع عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مع قدرته عليه، ويزعم أنه متقرب إلى الله بذلك

стр. 1131

مجتمع على ربه. فهذا من أمقت الخلق إلى الله تعالى، وأبغضهم له، مع ظنه أنه من خواص أوليائه وأصفيائه. والله إنما ضمن نصر دينه وحزبه وأوليائه القائمين بدينه علماً وعملاً، لم يضمن نصر الباطل، ولو اعتقد صاحبه أنه محق. وكذلك العزة والعلو إنما هو لأهل الإيمان الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وهو علم وعمل وحال. فللعبد من العلو بحسب ما معه من الإيمان: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران: ١٢٩]. وله من العزة بحسب ما معه من الإيمان وحقائقه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨]. فإذا فات العبد حظ من العلو والعزة، ففي مقابلة ما فاته من حقائق الإيمان، علماً وعملاً، ظاهراً وباطناً. وكذلك الدفع عن العبد بحسب إيمانه، فإذا ضعف الدفع عنه، فهو من نقص إيمانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾ [الحج: ٣٨]. وكذلك الكفاية والحسب هي بقدر الإيمان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]. فكفاية الله لهم بحسب اتباعهم لرسوله وانقيادهم له، وطاعتهم له، فما نقص من الإيمان عاد بنقصان ذلك كله. وكذلك النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد. ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما ذلك

стр. 1132

بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم، وهو من نقص إيمانه. وبهذا يزول الإشكال الذي يورده كثير من الناس على قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١]. فانتفاء السبيل عن أهل الإيمان الكامل .. فإذا ضعف الإيمان صار لعدوهم من السبيل بحسب ما نقص من إيمانهم .. فهم جعلوا لهم عليهم السبيل بما تركوا من طاعة الله تعالى. فالمؤمن عزيز عالٍ، مؤيد منصور، مكفي مدفوع عنه بالذات أين كان، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، إذا قام بحقيقة الإيمان وواجباته، ظاهراً وباطناً: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ [محمد: ٣٥]. فهذا الضمان إنما هو بإيمانهم وأعمالهم التي هي جند من جنود الله، يحفظهم الله بها، ويعزهم بها، وينصرهم بها. وأما المقام الثاني الذي وقع فيه الغلط واللبس، فكثير من الناس لجهله يظن أن أهل الدين الحق في الدنيا يكونون أذلاء مقهورين مغلوبين دائماً، بخلاف من فارقهم إلى سبيل أخرى، وطاعة أخرى، فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده. وهذا سببه الجهل، وسوء الفهم لكتاب الله، فإنه سبحانه بين في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ [غافر: ٥١]. وما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدوه عليه، فذلك بسبب ذنوبه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. وفوق هذا لا بدَّ أن نعلم أن ما يصيب المؤمنين من الشرور والأذى والمحن دون ما يصيب الكفار، وكذلك ما يصيب الأبرار في هذه الدنيا دون ما يصيب الفجار والفساق والظلمة بكثير، والواقع شاهد بذلك. وما يصيب المؤمنين في الله تعالى مقرون بالرضا والاحتساب، فإن فاتهم

стр. 1133

الرضا، فمعولهم على الصبر والاحتساب، وذلك يخفف عنهم ثقل البلاء ومؤنته. فإنهم كلما شاهدوا العوض، هان عليهم تحمل المشاق، بخلاف الكفار فلا رضا عندهم ولا احتساب: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]. والمحبة كلما تمكنت في القلب ورسخت فيه، كان أذى المحب في رضا محبوبه مستحلى غير مسخوط، فما الظن بمحبة المحبوب الأعلى الذي ابتلاؤه لحبيبه رحمة منه له، وإحسان إليه، ورفعة له. وما يصيب الكافر والفاجر والمنافق من العزِّ والنصر والجاه دون ما يحصل للمؤمنين بكثير، بل باطن ذلك ذل وهوان، وأبى الله إلا أن يذل من عصاه. وابتلاء المؤمن كالدواء له، يستخرج منه الأدواء التي لو بقيت فيه أهلكته، أو نقصت ثوابه، وأنزلت درجته، فيستخرج الابتلاء منه تلك الأدواء ويستعد به لتمام الأجر، وعلو المنزلة كما قال النبي ﷺ : «عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» أخرجه مسلم (١). وأشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على وجه الأرض وليس عليه خطيئة. وما يصيب المؤمن في هذه الدار من إدالة عدوه عليه، وغلبته له، وأذاه في بعض الأحيان، أمر لازم لا بدَّ منه، وهو كالحر الشديد، والبرد الشديد، والأمراض والهموم والغموم. فهذا أمر لازم للطبيعة والنشأة الإنسانية في هذه الدار، حتى للأطفال والبهائم، لما اقتضته حكمة أحكم الحاكمين.

стр. 1134

فلو تجرد الخير في هذا العالم عن الشر، والنفع عن الضر، واللذة عن الألم، لكان ذلك عالماً غير هذا، ونشأة أخرى غير هذه، ولفاتت الحكمة التي مزج لأجلها بين الخير والشر. وفي ابتلاء المؤمنين بغلبة عدوهم لهم حكم عظيمة: منها استخراج عبوديتهم لله وذلهم له، وافتقارهم إليه، وسؤالهم نصرهم على أعدائهم، ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لبطروا وأشروا، ولو كانوا دائماً مغلوبين مقهورين، لما قامت للدين قائمة، ولا قامت للحق دولة. فاقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن صرفهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلبوا تضرعوا إلى ربهم وأنابوا إليه، وإذا غَلبوا أقاموا دينه وشعائره، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وجاهدوا عدوه، ونصروا أولياءه. ولو كانوا دائماً منصورين غالبين لدخل معهم من ليس قصده الدين، ولو كانوا مغلوبين مقهورين لم يدخل معهم أحد. ولكي يتميز من يريد الله ورسوله، ومن يريد الجاه والدنيا، جعل الله لهم الدولة تارة .. وعليهم تارة: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران: ١٤٠، ١٤١]. والله سبحانه حكيم عليم، يحب من عباده تكميل عبوديتهم على السراء والضراء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم. فلكل حالة عبودية خاصة لا تحصل إلا بها، ولا يستقيم القلب بدونها، كما لا تستقيم الأبدان إلا بالحر والبرد، والراحة والتعب، والري والعطش، والشبع والجوع. فامتحانهم بإدالة عدوهم عليهم يمحصهم ويخلصهم ويهذبهم. والله سبحانه إنما خلق السموات والأرض، وخلق الحياة والموت، وزيَّن الأرض بما عليها، لابتلاء عباده وامتحانهم، ليعلم من يريده ممن يريد الدنيا

стр. 1135

وزينتها، وليعلم الصادق من الكاذب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢، ٣]. فلا بدَّ من حصول الألم والمحنة لكل نفس آمنت أو كفرت، لكن المؤمن قد يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً، ثم تكون له عاقبة الدنيا والآخرة. والكافر والمنافق والفاجر قد تحصل له اللذة والنعيم ابتداء، ثم يصير إلى الألم والحسرة، فلا يطمع أحد أن يخلص من المحنة والألم البتة. والإنسان لا بدَّ له أن يعيش مع الناس، ولا ينفك عن موافقتهم أو مخالفتهم، وفي الموافقة ألم وعذاب إذا كانت على باطل، وفي المخالفة ألم وعذاب إذا لم يوافق أهواءهم. والكافر كالأعمى الذي يتردى في حفرة، لا بدَّ من رحمته والأخذ بيده قبل أن يسقط، ولو تركناه حتى يسقط نكون ظالمين. فكذلك الكافر لو تركناه على كفره حتى يموت يدخل النار، فلا بدَّ من رحمته ودعوته والأخذ بيده، والإحسان إليه، حتى يدخل نور الإيمان في قلبه. ولكن أكثر المسلمين اليوم بسبب جهلهم وغفلتهم تركوا العاصي ومعصيته، فكيف بالكافر، وحُرموا الحزن على العاصي، ثم حرموا الحزن على الكفار، فقل نزول الهداية بسبب ترك الدعوة، والفكر في هداية البشرية، وتحول الفكر من الإيمان والأعمال الصالحة، إلى الفكر في زيادة الأموال وتملك الأشياء. وهذا كله من جهل الإنسان بربه، وكفره بنعمه، فإن الإنسان كفور للنعم، إلا من هدى الله، فمَنَّ عليه بالعقل السليم، واهتدى إلى الصراط المستقيم، فإنه يعلم أن الخالق البارئ المصور، العزيز الرحيم، الغني الكريم، الذي يكشف الشدائد، وينجي من الأهوال، هو الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، وتخلص له سائر الأعمال في العسر واليسر، وفي الشدة والرخاء. لقد أكرم الله بني آدم بجميع وجوه الإكرام.

стр. 1136

فكرمهم بالعلم والعقل، والسمع والبصر، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب. وجعل سبحانه منهم الأولياء والأصفياء، والصديقين والشهداء، وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة والباطنة. وحملهم سبحانه في البر على الإبل والخيل، والبغال والحمير، والمراكب البرية والجوية. وحملهم سبحانه في البحر على السفن والمراكب. ورزقهم سبحانه من الطيبات من المآكل والمشارب، والملابس والمناكح فما من طيب تتعلق به حوائجهم إلا وقد أكرمهم الله به، ويسره لهم غاية التيسير. وفضلهم على كثير من خلقه، بما خصهم به من المناقب، وفضلهم به من الفضائل التي ليست لغيرهم من أنواع المخلوقات كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠]. أفلا يقوم الناس بشكر من أولى النعم، وحباهم بها، ودفع عنهم النقم؟. ألا ما أجهل البشر حين تحجبهم النعم عن المنعم فيشتغلوا بها عن عبادة ربهم، بل ربما استعانوا بها على معصيته؟ إن كل من كان في هذه الدنيا أعمى عن الحق فلم يقبله ولم ينقد له، بل اتبع الشر والضلال فهو في الآخرة أعمى عن سلوك طريق الجنة، كما لم يسلكه في الدنيا، وأضل سبيلاً: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ [الإسراء: ٧٢]. وضلال البشر ضربان: الأول: ضلال في العلوم النظرية الاعتقادية كالجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله ووحدانيته. وهذه يعبر عنه بالضلال البعيد كما قال سبحانه: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢].

стр. 1137

الثاني: ضلال في العلوم العملية كالجهل بالأحكام الشرعية كالعبادات والمعاملات كالصلاة والصيام، والبيوع والحدود ونحوها. يا من أكثر عمره قد مضى في الجهل والغفلة، أما تخاف مصرعاً تحت الثرى، وحساباً بين الورى؟ ألا ما أخطر الجهل والتعصب إذا اجتمعا على العبد؟ نعوذ بالله من جهل بلا علم، ومن سفه بلا حلم، ومن دنيا بلا دين، ومن جزم بلا علم.

стр. 1138

٣ - خطر الكفر قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ [البقرة: ١٦١]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]. كان الناس أمة واحدة على فطرة التوحيد التي فطر الله الناس عليها، ثم جاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فبعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، ليردوهم إلى فطرة التوحيد، وليحكموا بينهم بكتاب الله الذي يشتمل على الأخبار الصادقة، والأوامر العادلة كما قال سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة:: ٢١٣]. وبعد بعثة الرسل كان الناس ثلاث طوائف: الطائفة الأولى: أهل الإيمان والصدق، الذين استقر الإيمان في قلوبهم، وظهرت آثاره على جوارحهم، وهؤلاء خير الناس كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧)﴾ [البينة: ٧]. الطائفة الثانية: أهل الكفر والشرك، الذين استقر الكفر والشرك في قلوبهم، وظهرت آثاره على جوارحهم، فهؤلاء أخسر الخلق وأضلهم وأشرهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦]. الطائفة الثالثة: أهل النفاق، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، وهؤلاء أشر الطوائف عند الله، وعذابهم من أشد العذاب يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ

стр. 1139

وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٤٥، ١٤٦]. وكما أن للإيمان أركاناً، فكذلك للكفر أركان. وأركان الكفر أربعة وهي: الكبر .. والحسد .. والغضب .. والشهوة. فالكبر يمنع الإنسان من الانقياد للحق .. والحسد يمنعه من قبول النصيحة وبذلها .. والغضب يمنعه من العدل .. والشهوة تمنعه من التفرغ للعبادة. فإذا انهدم ركن الكبر سهل عليه الانقياد، وإذا انهدم ركن الحسد سهل عليه قبول النصح وبذله، وإذا انهدم ركن الغضب سهل عليه العدل والتواضع، وإذا انهدم ركن الشهوة سهل عليه الصبر والعفاف والعبادة. ومنشأ هذه الأربعة من أمرين: جهل العبد بربه .. وجهله بنفسه. والكفر بالله أقسام: أحدها: كفر صادر عن جهل وضلال وتقليد الأسلاف، وهو كفر أكثر الأتباع والعوام الذين يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٣]. الثاني: كفر جحود وعناد وقصد مخالفة الحق، ككفر اليهود والنصارى، وزعماء قريش بنبوة محمد ﷺ . وغالب ما يقع هذا النوع فيمن له رئاسة علمية في قومه كالأحبار والرهبان .. أوله رئاسة سلطانية كفرعون وكسرى وقيصر .. أوله تجارة وأموال في قومه كقارون وأبي بن خلف. فيخاف هذا على ماله، وهذا على سلطانه، وهذا على مكانته، فيؤثر الكفر على الإيمان عمداً. الثالث: كفر إعراض محض، فلا ينظر فيما جاء به الرسول، ولا يحبه ولا يبغضه، ولا يواليه ولا يعاديه، بل هو معرض عنه إلى غيره.

стр. 1140

وموانع الإيمان كثيرة: فقد يعرف الإنسان الحق، ويلتذ به ويحبه، لكن يمنعه مانع من قبوله، إما لضعف المعرفة .. أو لعدم الأهلية وإن كانت المعرفة تامة كالأرض الصلبة لا تنتفع بالماء، فكذلك القلب الحجري لا يقبل التزكية ولا تؤثر فيه النصائح، كما لا تنبت الأرض الصلبة، ولو أصابها كل مطر. والسبب الثالث: قيام مانع من حسد أو كبر، وذلك مانع إبليس من الانقياد للأمر، وهذان داء الأولين والآخرين إلا من عصم الله، وهما اللذان منعا اليهود والمنافقين وزعماء قريش من الإيمان، حملهم الكبر والحسد على الكفر بالله ورسوله. والسبب الرابع: مانع الرياسة والملك، وإن لم يكن بصاحبه حسد أو كبر، لكن يمنعه من الانقياد الضن بالملك والرياسة، كحال هرقل وأضرابه من ملوك الكفار. وهو داء فرعون وقومه الذين قالوا: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧]. والسبب الخامس: مانع الشهوة والمال، وهو الذي منع كثيراً من الناس من الإيمان، خوفاً من بطلان مآكلهم وأموالهم التي تصير إليهم من قومهم الكفار. وكذلك الرغبة في الشهوات من الخمر والزنا، فتتفق قوة داعي الشهوة والمال، وضعف داعي الإيمان، فيجيب داعي الشهوة والمال. السبب السادس: محبة الأهل والأقارب والعشيرة، فيرى أنه إذا اتبع الحق وخالفهم أبعدوه وطردوه عنهم، وأخرجوه من بين أظهرهم، فيبقى على كفره بينهم. السبب السابع: محبة الدار والوطن، وإن لم يكن له بها عشيرة ولا أقارب، ولكن يرى أن في الإسلام خروجه عن داره ووطنه إلى دار الغربة، فيضن بداره ووطنه عن الإسلام.

стр. 1141

السبب الثامن: من رأى أن في الإسلام، ومتابعة الرسول، إزراءً وطعناً منه على آبائه وأجداده، وذماً لهم. وهذا هو الذي منع أبا طالب وأمثاله عن الإسلام، لئلا يسفه عقول وأحلام آبائه وأجداده، حتى قال عند موته لما عرض عليه الرسول ﷺ الإسلام: هو على ملة عبد المطلب، مع يقينه بصحة نبوة محمد ﷺ وصدقه. السبب التاسع: متابعة من يعاديه من الناس للرسول ﷺ ، وسبقه إلى الدخول في الإسلام، وعلو شأنه فيه، فيحمله ذلك على معاداة الحق وأهله، كما جرى لليهود مع الأنصار، فلما أسلم الأنصار، وكانوا أعداء اليهود، حملتهم معاداتهم لهم على البقاء على كفرهم ويهوديتهم. السبب العاشر: مانع الإلف والعادة والمنشأ، وهذا السبب أغلب على الأمم، فدين العوايد هو الغالب على أكثر الناس، فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثابتة، وعن دار إلى دار أخرى. فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله، خصوصاً خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ . كيف غيروا عوائد الأمم الباطلة، وطريقة حياتهم المعوجة، ونقلوهم إلى الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق العالية، وبذلوا كل ما يقدرون عليه من أجل إعلاء كلمة الله. وكل من كفر بالله واستكبر عن عبادة الله لا بدَّ أن يعبد غيره، فالإنسان حساس يتحرك بالإرادة، وكل إرادة لا بدَّ لها من مراد تنتهي إليه، فلا بدَّ لكل عبد من مراد محبوب هو منتهى حبه وإرادته. فمن لم يكن الله معبوده، ومنتهى حبه وإرادته، فلا بدَّ أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله. إما المال .. وإما الجاه .. وإما الصور .. وإما ما يتخذه إلهاً من دون الله كالشمس والقمر .. والكواكب والأوثان .. وقبور الأنبياء والصالحين .. أو من الملائكة

стр. 1142

والأنبياء الذين يتخذهم أرباباً من دون الله كما قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١]. وكلما كان العبد أعظم استكباراً عن عبادة الله كان أعظم إشراكاً بالله، لأنه كلما استكبر عن عبادة الله، ازداد فقره وحاجته إلى المراد المحبوب الذي هو مقصود القلب، ولن يستغني القلب عن جميع المخلوقات، إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه. وكلما قويت عبودية العبد لله أبرأه الله من الكبر والكفر والشرك. والكبر غالب على اليهود .. والشرك غالب على النصارى. واليهود كثيراً ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به، حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل، ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه. والنصارى كثيراً ما يعدلون المخلوق بالخالق، حتى جعلوا في المخلوقات من نعوت الربوبية، وصفات الإلهية، ويجوزون له ما لا يصلح إلا للخالق سبحانه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. وكلما كان في القلب حب لغير الله، كانت فيه عبوديته لغير الله بحسب ذلك، ولا يجوز لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين بذنب، ولا يخرجه من الإسلام بعمل، إلا إذا تضمن ترك ما أمر الله به كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت فإنه يكفر به. وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة المتواترة كالصلاة والزكاة

стр. 1143

ونحوهما. وعدم تحريم المحرمات الظاهرة المتواترة كالشرك والفواحش، والظلم والقتل ونحو ذلك. والإنسان لا يقطع علاقته بالله، ولا يبتعد عنه، إلا إذا تغلبت عليه الأهواء واللذات، فيقبل عليها ويبتعد عن ربه، ويشتغل بها عن طاعة الله وعبادته. وسبب هذا الضلالة والجهالة التي قادته إلى الكفر والذل والهوان، فإن الله أكرم الإنسان فخلقه بيده، وأسجد له ملائكته، ونفخ فيه من روحه، وسخر له ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليه نعمه الظاهرة والباطنة. وجعله أشرف المخلوقات، ليتذوق حلاوة الإيمان، ولذة مناجاة الله، وسماع كلامه، والابتهاج بذكره. فكيف يذل نفسه الكريمة فيتخذ حجراً أو صنماً أو معبوداً غير الله، ويفقد شعوره بعظمته ومكانته؟. وكيف يذل نفسه لنظيره، أو لما هو أدنى من نوعه، ذل عبودية وعبادة؟ وقد يذل نفسه لعضو من أعضائه، فيكون عبداً له، كمن يصرف كل قواه الفكرية في نيل شهوة بطنه ليأكل ما حل وحرم، أو فرجه لينكح ما حل وحرم، أو أذنه ليسمع ما حل وحرم، أو عينه فيرى ما حرم الله، أو لسانه فيتكلم بما يغضب الله. فيكون الإنسان بذلك من أذل العبيد وأحقرهم، لأن تلك الأعضاء خلقها الله لتخدمه وتنفعه، لا لتسخره وتستعبده. وسبب هذا كله جهالته، فإن كمال الإنسان بقهر ملذاته الحسية بإرادته، والإقبال على كمالاته الروحية وإخضاعها لأوامر الله . والطاغوت: مأخوذ من الطغيان الذي هو مجاوزة الحد. ويطلق الطاغوت على كل ما صرف عن عبادة الله وطاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه. فالشيطان طاغوت .. لصرفه الناس عن عبادة خالقهم، وإغوائه لهم حتى عبدوا

стр. 1144

غير الله، وسفكوا الدماء، وأحلوا الحرام، وحرموا الحلال. والأوثان والأصنام، والقباب والأشجار التي تعبد من دون الله، كلها طواغيت .. لأنها صرفت عن عبادة الله تعالى بعبادة الناس لها. والحاكم بغير ما أنزل الله طاغوت .. لأنه نصب نفسه منصب الإله المشرع، فبدل أن يحكم بما أنزل الله، تجاوز ذلك وأصبح يحكم بهواه، وتجاوز حده من عبد لله ينفذ أحكام الله إلى مشرع يحكم بما يريد. وقد أمرنا الله أن نؤمن بالله ونعبده، ونكفر بالطاغوت ونجتنبه أياً كان شكله ومنزلته: سواء كان إنساً أو جناً، أو حجراً أو شجراً، أو وهماً أو خيالاً، أو هوى أو شهوة، أو مالاً أو جاهاً، أو وظيفة أو غيرها كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. فكل ما صرف القلوب عن طاعة الله إلى طاعة غيره فهو طاغوت. وكل ما تنعم به الكافرون من النعم، وكل ما تركوه من واجبات الدين كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها، وكل ما اقترفوه من الآثام والمحرمات، فهذا كله يحاسب عليه الكفار يوم القيامة. لكنهم إذا أسلموا لا يجب عليهم قضاء الواجبات، لأنهم كفار، سواء كانت الرسالة بلغتهم أم لم تبلغهم، وسواء كان كفرهم جحوداً أو عناداً أو استكباراً أو جهلاً. وإذا أسلم الكفار فإن الله يغفر لهم ما سلف من الذنوب كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾ [الأنفال: ٣٨]. وكما أن الإيمان له شعب، فكذلك الكفر له شعب كالكذب والشك، والسخرية والكبر، والنفاق والظلم، والحسد والبغي ونحو ذلك. فكفار مكة لما دعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام عارضوه بشعب الكفر والشرك.

стр. 1145

فكذبوا بوحي الله فقالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. وشككوا في وحدانية الله فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]. وأنكروا لقاء الله يوم القيامة فقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣]. وسخروا من رسول الله ﷺ فقالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ [الفرقان: ٤١]. واقترحوا أن يكون مع الرسول ﷺ ملك كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ [الفرقان: ٧]. وقالوا لو أنزل هذا القرآن على ذي سلطان ومال لاتبعناه: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ [الزخرف: ٣١]. وقالوا لرسول الله ﷺ لو اتبعناك فمن يحمينا من الناس؟ ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧]. إلى آخر ما قالوا من الكذب والبهتان، والتهكم، والسخرية، والعناد والجحود، وما فعلوه برسول الله من السب والأذى. والله يأمره بالصبر والحلم عليهم كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠)﴾ [المزمل: ١٠]. ويأمره بالثبات على الدين، ولزوم عبادة الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩]. ومن أقبل على الله وطلب هداه، شرح الله صدره للإسلام، وملأ قلبه بالإيمان، واستعمل جوارحه في طاعته وعبادته.

стр. 1146

ومن أعرض عن الهدى فلم يسمعه ولم يطلبه ولم يقبله، شقى في الدنيا والآخرة، واستعمل الشيطان فكره وقلبه وجوارحه في معصية الله، وسخطه وغضبه: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ [النساء: ٣٨]. وأمهات الذنوب والمعاصي تنحصر في أربع صفات: الأولى: صفات ربوبية .. ومنها يحدث الكبر والفخر، وحب المدح والثناء، والعز وطلب الاستعلاء ونحو ذلك. الثانية: صفات شيطانية .. ومنها يتشعب الحسد والبغي .. والحيل والخداع .. والمكر والنفاق .. والغش والفساد والإفساد. الثالثة: صفات سبعية .. ومنها يتشعب الغضب والحقد، والتهجم على الناس بالقتل والضرب، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، والظلم والقهر. الرابعة: صفات بهيمية .. ومنها يتشعب الشره، والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، فيتشعب من ذلك الزنا والفواحش، والسرقة وأخذ الحطام لأجل الشهوة ونحو ذلك، وهذه أكثر ذنوب الخلق، لعجز أكثرهم عما قبلها. وهذه الصفات التي يتمرغ فيها الكفار لها تدرج في الفطرة. فالصفة البهيمية هي التي تغلب أولاً .. ثم تتلوها الصفة السبعية ثانياً .. فإذا اجتمعت هاتان استعملتا العقل في الصفات الشيطانية من المكر والخداع والحيل. ثم تغلب الصفات الربوبية فيحدث الكبر والفخر، وحب المدح، وحب العلو. ثم تتفجر الذنوب من هذه المنابع إلى الجوارح، فتفسد بقية المملكة. فبعضها في القلب كالكفر والبدع والنفاق .. وبعضها في العين والأذن واللسان .. وبعضها في البطن والفرج .. وبعضها في الأيدي والأرجل. وهذه الذنوب منها ما يتعلق بالنفس .. ومنها فيما بين العبد والرب .. ومنها فيما بين العبد والخلق: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].

стр. 1147

وبسبب ترك الدعوة إلى الله يزداد الكفر والشرك والبدع، ويكثر الخراب والفساد، وقد حرمنا الحزن على الكفار، ثم حرمنا الحزن على العصاة، ثم انتقلت إلينا صفات الكفار، ثم قام فينا من يدعو إليها، ويحمل الناس عليها، وذلك كله بسبب ترك الدعوة. والكفار يعيشون في الدنيا عيشة البهائم، ويقضون أوقاتهم كالأنعام على حد سواء، ليس عليهم أمر ولا نهي، ولا حلال ولا حرام، ولا صلاة ولا صيام. بل هم أضل من الأنعام، لأنهم لم يستعملوا ما وهبهم الله من العقول والأسماع والأبصار فيما خلقت له من عبادة الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩]. وإذا كان الناس يعيشون على الهوى لا على الهدى فكم تكون المصائب؟ وكم يكون الاضطراب في العالم؟ .. وكم تفسد الحياة والأحياء؟. فالهدى يوحد الحركات في العالم .. والهوى يحدث التصادم في العالم. وإذا كان لكل إنسان هوى خاص فكم تكون الأهواء في العالم؟ وكيف تستقيم الحياة وكل يريد تحقيق هواه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. والله ﵎ خلق الخلق ليعبدوه .. وركب فيهم العقول ليعرفوه .. وأسبغ عليهم نعمه ليشكروه .. وأرسل إليهم الرسول ليطيعوه .. وأنزل عليهم الكتاب ليتبعوه .. فمتى يعرف الناس قدر هذه النعم؟ .. ومتى يدركون قيمة هذا التكريم لهم من ربهم؟ .. ومتى يشكرون من أنعم عليهم بجزيل النعم؟ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾ [لقمان: ١٢]. والكفر موجب للعذاب والشقاء والخلود في النار يوم القيامة، وبحسب غلظ

стр. 1148

الكفر يكون غلظ العذاب يوم القيامة. وغلظ الكفر الموجب للعذاب له ثلاث مراتب: الأولى: من حيث العقيدة الكافرة في نفسها كمن جحد رب العالمين بالكلية، وعطل العالم عن الرب الخالق المدبر له، فلم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر كفرعون وهامان وقارون. وهؤلاء هم الدهرية الذين جحدوا وجود الرب: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤]. الثانية: تغلظه بالعناد والضلال عمداً على بصيرة، مثل من شهد قلبه أن الرسول حق، لما رآه من آيات صدقه، وكفر عناداً وبغياً كقوم ثمود، وقوم فرعون، وكفر أبي جهل وزعماء قريش ونحوهم. الثالثة: من سعى في إطفاء نور الله، وصد عباده عن دينه، بما تصل إليه قدرته. فهؤلاء أشد الكفار عذاباً يوم القيامة، وعذابهم بحسب غلظ كفرهم، فمنهم من يجتمع في حقه الجهات الثلاث، أو اثنتان، أو واحدة، فليس عذاب هؤلاء كعذاب من هو دونهم في الكفر: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨]. فمن دون هؤلاء في الكفر ممن هو ملبوس عليه لجهله، والمؤمنون منه في سلامة فلا ينالهم منه أذى، ولم يتغلظ كفره كتغلظ أولئك، بل هو مقر بالله ووحدانيته وملائكته، وجنس الكتب والرسل واليوم الآخر، وإن شارك أولئك في كفرهم بالرسول، فقد زادوا عليه أنواعاً من الكفر. فكُفر أبي طالب ليس ككفر أبي جهل وأمثاله ممن آذوا الرسول والمؤمنين وحاربوهم، وعذاب أبي طالب أخف من عذاب أبي جهل وأمثاله. قال النبي ﷺ : «أهْوَنُ أهْلِ النَّارِ عَذَابًا أبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا

стр. 1149

دِمَاغُهُ» أخرجه مسلم (١). فالمؤمنون في الجنة متفاوتون في الدرجات، والكفار في النار متفاوتون في الدركات، كل حسب عمله ينعم أو يعذب، ويكرم أو يهان. وأهل الكفر والشرك هم أصحاب الظلمات، المنغمسون في الجهل، بحيث أحاط بهم من كل وجه، فهم بمنزلة الأنعام، بل هم أضل سبيلاً: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢]. وأعمالهم كلها ظلم وظلمات وهباء، فلا يقبل منها شيء في الآخرة كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣]. وما عملوه من خير في الدنيا يجازون به في الدنيا من صحة في الأبدان، ونماء في الأموال، ورغد في العيش، حتى يلاقوا ربهم يوم القيامة وليس لهم حسنة واحدة يجزون بها. والكافر ظالم، والمشرك ظالم، ومن كان ظالماً يعيش في الظلمات في الدنيا والآخرة: ظلمة الكفر .. وظلمة الشرك .. وظلمة الجهل .. وظلمة الشك والريب .. وظلمة الإعراض عن الحق الذي جاء به محمد ﷺ ، ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١]. فأنى يكون لهذا الظالم الذي يعيش في الظلمات نوراً بدون نور الإيمان؟ وكيف تكون حاله إذا فقد النور في الدنيا والآخرة؟ ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فكل معرض عما بعث الله به محمداً ﷺ من الهدى ودين الحق يتقلب في بحور

стр. 1150

الهم والغم والظلمات، وإن كان فيما يرى الناس سعيداً. فقلبه مظلم .. ووجهه مظلم .. وكلامه مظلم .. وعمله مظلم .. وفكره مظلم .. وحياته مظلمة .. ومصيره إلى الظلمة. ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧]. فتلاطم أمواج الشبه والباطل في صدور الكفار كتلاطم أمواج البحار. وقد شبه الله أكثر الناس بالأنعام، والجامع بين النوعين التساوي في عدم قبول الهدى والانقياد له. وجعل الأكثرين أضل سبيلاً من الأنعام، لأن البهيمة يهديها سائقها فتهتدي وتتبع الطريق، فلا تحيد عنها يميناً ولا شمالاً، والأكثرون يدعونهم الرسل، ويهدونهم السبيل، فلا يستجيبون ولا يهتدون، ولا يفرقون بين ما يضرهم وبين ما ينفعهم. والأنعام تفرق بين ما يضرها من النبات والطريق فتجتنبه، وبين ما ينفعها فتؤثره: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤]. والله لم يخلق للأنعام قلوباً تعقل بها، ولا ألسنة تنطق بها، وأعطى ذلك لهؤلاء، ثم لم ينتفعوا بما جعل الله لهم من القلوب والعقول والألسنة والأسماع والأبصار. فهم أضل من البهائم، فمن لا يهتدي إلى الرشد، وإلى الطريق مع الدليل، أضل وأسوأ حالاً ممن لا يهتدي حيث لا دليل معه. والمؤمن حي، والكافر ميت، والميت لا يخاطب بأحكام الله الشرعية، ولا يطلب منه العمل بها، فإن القلب إذا مات لم يعد فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة للحق، وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحس بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما.

стр. 1151

فإذا دخل الإيمان في قلبه دبت فيه الحياة، وصار حياً يعرف الحق ويقبله ويحبه، ويعمل به، ويؤثره على غيره كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والله ﷻ فعال لما يريد، يمحو ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب. والختم والطبع، والغشاوة والقفل، عقوبات عاجلة للكفار في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦، ٧]. ويمكن للعبد أن يفعل الأسباب التي يكشف الله بسببها عنه الطبع والختم، وفتح ذلك القفل يفتحه الذي بيده مفاتيح كل شيء. فأسباب الفتح مقدورة للعبد، وإن كان فتح القفل، وفك الختم، غير مقدور له، كما أن شرب الدواء مقدور له، وزوال العلة، وحصول العافية، غير مقدور له. فإذا استحكم به المرض لم يكن له عذر في ترك ما يستطيع من أسباب الشفاء، وإن كان الشفاء غير مقدور له. فالعبد إذا عرف الهدى فلم يحبه، ولم يرض به، وآثر عليه الضلال، مع تكرر تعريفه بما يضره وما ينفعه، فقد سدَّ على نفسه باب الهدى بالكلية، ولو أنه في هذه الحال تعرض وافتقر إلى من بيده نفعه وهداه، وعلم أنه ليس إليه هدى نفسه، وأنه إن لم يهده الله فهو ضال، وسأل الله أن يقبل بقلبه، وأن يقيه شر نفسه، وفقه الله وهداه كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وقال النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه ﵎: «قال: يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا

стр. 1152

مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ» أخرجه مسلم (١). ولو أن المطبوع على قلبه، المختوم عليه، كره ذلك الضلال، ورغب إلى الله في فك ذلك عنه، وفعل مقدوره، لكان هداه أقرب شيء إليه. لكن إذا استحكم الطبع والختم، حال بينه وبين كراهة ذلك، وسؤال الرب فكه، وفتح قلبه. والرين الذي غطى الله به قلوب الكفار هو عين كسبهم وأعمالهم كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤]. فغلظ الكفر سببه سوء الكسب والعمل، وكلما زاد زاد الرين الذي يمنع من قبول الحق ومعرفته ومحبته والعمل به. والطبع والختم والغشاوة عقوبات لم يفعلها الله بعبده من أول وهلة حين أمره بالإيمان، ودعاه إليه. وإنما عاقبه الله بها بعد تكرار الدعوة منه للكفار، وتكرار الإعراض منهم، والمبالغة في الكفر والعناد، فحينئذ يطبع الله على قلوبهم، ويختم عليها فلا تقبل الهدى بعد ذلك. والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع، بل كان منهم اختياراً، فلما تكرر منهم صار طبيعة وسجية. وليس هذا حكماً يعم جميع الكفار، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كفاراً قبل ذلك، ولم يختم على أسماعهم وقلوبهم. فهذه الآيات في حق أقوام مخصوصين معاندين من الكفار، فعل الله بهم ذلك عقوبة منه لهم في الدنيا، بهذا النوع من العقوبة العاجلة، كما عاقب بعضهم بالمسخ قردة وخنازير، وبعضهم بالطمس على أعينهم، وبعضهم بخسف ديارهم.

стр. 1153

فهو سبحانه يعاقب بالطمس على القلوب، كما يعاقب بالطمس على الأعين. وهو سبحانه قد يعاقب بالضلال عن الحق عقوبة دائمة مستمرة، وقد يعاقب به إلى وقت، ثم يعافي عبده ويهديه، كما يعاقب بالعذاب كذلك. وكيف يكفر العبد بربه وهو الذي خلقه، ووهبه الحياة، ثم يميته، ثم يحييه، ثم يعود إليه؟ فكما ذرأهم في الأرض إليه يحشرون، فيجازي كلاً بعمله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ [البقرة: ٢٨]. أفيليق بالناس أن يكفروا بربهم وهم تحت تصرفه وتدبيره، ويتقلبون في نعمه؟. وهل هذا إلا جهل عظيم، وسفه وحماقة، وإنكار للجميل والإحسان؟ فاللائق بأهل العقول أن يؤمنوا بالله ويتقوه ويشكروه، ويخافوا عذابه، ويرجوا ثوابه. وكيف يكفر بالله من خلق الله له ما في الأرض جميعاً، وجعله خليفة في الأرض، مالكاً لما فيها؟. إنه الكائن الأعلى في هذا الملك العريض من بين المخلوقات فكيف لا يطيع ربه الذي خلقه ورزقه، وملكه وسوده؟: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]. إن الكفر بالله في مواجهة هذه الدلائل والآلاء العظام كفر قبيح بشع، مجرد من أي حجة أو برهان. والقلب الذي يذوق الإسلام ويعرفه، لا يمكن أن يرتد عنه ارتداداً حقيقياً أبداً، إلا إذا فسد فساداً لا صلاح له. ومن يرتد عن الإسلام بعد ما ذاقه وعرفه، فارتد تحت مطارق الأذى والفتنة، فمصيره عند الله: حبوط عمله في الدنيا والآخرة، ولزوم العذاب في النار خلوداً: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ

стр. 1154

مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. ولا زال أعداء هذا الدين من الكفار والمشركين، واليهود والنصارى، والمجوس والمنافقين يكيدون له ويحاربون أهله، ويشككون في حقائقه، وينهون عنه وينأون عنه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧]. لقد كفر الكفار بآيات الله، ولبسوا الحق بالباطل، وضلوا وأضلوا، ومكروا بالمسلمين وكادوا لهم، ودسوا في التراث الإسلامي ما لا سبيل إلى كشفه إلا بجهد القرون، وما سلم شيء من التراث الإسلامي إلا كتاب الله ، الذي تكفل بحفظه إلى يوم الدين، فسلم من التحريف والتبديل، ومن الزيادة والنقصان. ودسوا في التفسير والحديث والتاريخ الإسلامي بما يندى له الجبين، ودسوا ولبسوا وجندوا من الرجال والنساء بالمئات والألوف من الكفار الذين كانوا دسيسة خبيثة على التراث والمجتمع الإسلامي. والعشرات من الشخصيات المدسوسة على الأمة المسلمة في صورة أبطال مصنوعين على أيدي الصهيونية الماكرة، والصليبية الحاقدة، ليؤدوا لأعداء الإسلام من الخدمات والخيانات والغدر والفساد ما لا يملك هؤلاء الأعداء أن يؤدوه ظاهرين. وما يزال هذا الكيد قائماً ومطرداً يركض في كل مكان، تراه العيون وتبصره في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل مجتمع، وفي كل دولة ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]. ورغبة الكفار إخراج المسلمين من النور إلى الظلمات، ومن الإيمان إلى الكفر:

стр. 1155

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ [النساء: ٨٩]. ولكن الله حفظ دينه، وما تزال مثابة الأمان والنجاة من كيدهم هي اللياذ بهذا الكتاب المحفوظ، والعودة إليه، والعمل بما فيه فهو الحق، ومن قام به فالله معه: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠، ٤١]. ألا ما أخطر كيد الكفار؟، وما أشد لسعته، خاصة مع غفلة المسلمين وتفرقهم وتناحرهم فيما بينهم مما سبب فشلهم: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾ [الأنفال: ٤٦]. وقوى الكفار منتشرة في أنحاء العالم، ولهذه القوى الماكرة اليوم في أنحاء العالم الإسلامي جيش جرار من المنافقين، في صورة علماء ودعاة، وفلاسفة ودكاترة، وباحثين وفنانين، وصحفيين وأطباء، وغيرهم، يحملون أسماء إسلامية، لأنهم انحدروا من سلالة مسلمة. وهذا الجيش المنظم من المنافقين موجه لخلخلة العقيدة في النفوس بشتى الأساليب، وتوهين العقيدة والشريعة في الأمة على حد سواء، وتمجيد حياة الأعداء، والتزين بزيهم، ونقل أجساد أهل الشهوات إلى ديارهم، وجلب طلاب المسلمين إلى مدارسهم ليحملوا أفكارهم، وينفذوا رغباتهم في أجسادهم وجسد الأمة الكبير، ويسعون لإطلاق الشهوات من عقالها، وسحق قواعد الأخلاق، لتخر الأمة في الوحل الذي ينثرونه في الأرض نثراً: ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠]. إنهم يريدون تحويل العالم الإسلامي إلى قطيع من الأنعام التي لا تعرف إلا قضاء شهواتها، ولا تبالي بما وراء ذلك: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ

стр. 1156

عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ [البقرة: ٢١٧]. ويتعاون شياطين الإنس والجن معاً، فيقفون بالعداوة والأذى للأنبياء وأتباعهم، ويوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول، ليخدعوهم به، ويغروهم بحرب الرسل، وما جاءوا به من الهدى. وقدر الله أن تصغي إلى هذا الزخرف أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة، ويرضوه، ويقترفوا ما يقترفونه من العداوة للحق وأهله، ومن الضلال والفساد في الأرض، وقد شاء الله ذلك كله لحكم يعلمها سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (١١٣)﴾ [الأنعام: ١١٢، ١١٣]. وهؤلاء الأعداء من شياطين الإنس والجن لا يفعلون شيئاً من هذا كله، ولا يقدرون على شيء من عداء الأنبياء وأتباعهم وإيذائهم بقدرة ذاتية فيهم، إنما هم وأهل السموات والأرض في قبضة الله وتحت قهره. لكنه سبحانه يبتلي بهؤلاء عباده المؤمنين لأمر يريده من تمحيص هؤلاء الأنبياء وأتباعهم، وتطهير قلوبهم، وامتحان صبرهم على الحق الذي هم عليه أمناء، فإذا اجتازوا الامتحان بقوة، كف الله عنهم الابتلاء، وكف عنهم هؤلاء الأعداء، وعجز هؤلاء الأعداء أن يمدوا إليهم أيديهم بالأذى وراء ما قدر الله، وآب أعداء الله بالضعف والخذلان، وبأوزارهم كاملة يحملونها على ظهورهم. وكل هذا الكيد محاط بمشيئة الله وقدره، وما يضر هؤلاء أحداً من أولياء الله بشيء إلا بما أراد الله في حدود الابتلاء: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾ [الفتح: ٢٤]. ألا ما أخطر الكفر والشرك والتعطيل والإلحاد.

стр. 1157

ولما كان أحب الأشياء إلى الله حمده ومدحه والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر به، وهو شر من الشرك، فالمعطل أشر من المشرك. فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه، والتشريك بينه وبين غيره في الملك. فالمعطلون هم أعداء الرسل بالذات، بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به لما أشرك به كما قال سبحانه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧]. أي فما ظنكم به أن يجازيكم وقد عبدتم معه غيره؟ وما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟ أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟ أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرفه بها كالملوك؟ أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟. أم ظننتم أنه قاس فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟ أم هو ذليل فيحتاج إلى أولياء يتكثر بهم من قلة، ويتعزز بهم من ذلة؟ أم يحتاج إلى الولد فيتخذ صاحبة يكون الولد منها ومنه؟ تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً: ﴿سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس: ٦٨]. فما أسوأ هذا الظن بالله، وما أخسر من ظن به ظن السوء، ونسب إليه ما لا يليق به وبجلاله وعظمته وكبريائه: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصلت: ٢٣]. ألا ما أخطر الجهل على الإنسان، وما أشنع الكفر والشرك بالله، وما أقبح

стр. 1158

الكذب على الله ورسوله. لقد قال الكفار: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥]. ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾ [الإسراء: ٤٩]. ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان: ٧، ٨]. فهل فوق هذا من جهل بالله وآياته ورسله؟ لقد جهلوا أشد الجهل، حيث كذبوا على الله ورسوله، وجحدوا آيات الله، وقاسوا قدرة الجبار خالق السموات والأرض بقدرتهم الضعيفة العاجزة، وأنكروا ما يحيل العقل والحس إنكاره، وضلوا ضلالاً بعيداً. فسبحان من جعل خلقاً من خلقه يزعمون أنهم أولو العقول والألباب مثالاً في جهل أظهر الأشياء وأجلاها، وأوضحها برهاناً، وأبينها وأعلاها، ليري عباده أنه ما ثم إلا توفيقه وعونه، أو الهلاك والضلال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 1159

٤ - خطر الشرك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. الكفر والشرك إذا افترقا فهما بمعنى واحد، وهو الكفر بالله تعالى. وإذا اجتمعا في آية أو حديث أو كلام، فالمراد بالكفر جحود الخالق سبحانه، والمراد بالشرك جعل شريك لله من مخلوقاته، وإشراكه معه في العبادة. الشرك بالله أظلم الظلم، وأقبح القبائح، وأنكر المنكرات، وأنجس النجاسات، ولذلك كان أبغض الأشياء إلى الله، وأكرهها له، وأشدها مقتاً لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، وأخبر أنه لا يغفره، وأن أهله نجس، ومنعهم من قربان حرمه لشدة نجاستهم كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾ [التوبة: ٢٨]. وحرم سبحانه ذبائح أهل الشرك، وقطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين، وأباح لأهل التوحيد أموالهم وأولادهم ونساءهم أن يتخذوهم عبيداً. ونجاسة الشرك نوعان: نجاسة مغلظة .. ونجاسة مخففة. فالنجاسة المغلظة: هي الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله ، فإن الله لا يغفر أن يشرك به إذا مات العبد ولم يتب منه. والنجاسة المخففة: هي الشرك الأصغر كيسير الرياء، والتصنع للمخلوق، والحلف به، وخوفه ورجائه.

стр. 1160

ونجاسة الشرك عينية كالبول والغائط، بل هي أنجس منهما. فأنجس النجاسة الشرك، كما أنه أظلم الظلم. والأعيان النجسة إما أن تؤذي البدن، أو القلب، أو تؤذيهما معاً، والنجس قد يؤذي برائحته، وقد يؤذي بملابسته، وإن لم تكن له رائحة كريهة. والنجاسة تارة تكون محسوسة ظاهرة، وتارة تكون معنوية باطنة، فيغلب على القلب والروح الخبث والنجاسة. حتى إن صاحب القلب الحي ليشم من تلك الروح والقلب رائحة خبيثة يتأذى بها كما يتأذى من يشم رائحة النتن، ويظهر ذلك كثيراً في عرقه. ولهذا كان الرجل الصالح طيب العرق، وكان رسول الله ﷺ أطيب الناس عرقاً. وإذا خرجت النفس الطيبة من البدن، وجد لها كأطيب نفحة مسك وجدت على ظهر الأرض، وإذا خرجت النفس الخبيثة من البدن وجد لها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. فالشرك أقبح القبائح، وأنجس النجاسات، لأنه هضم لحق الرب، وتنقيص لعظمته، وسوء ظن به كما قال سبحانه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٦]. فلم يجمع الله على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا بالله ظن السوء، وما قدروا الله حق قدره، إذ سووا به غيره كما قال الله عن المشركين أنهم يقولون لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. ومعلوم أنهم ما سووهم بالله في الذات والصفات والأفعال، ولا قالوا إن آلهتهم خلقت السموات والأرض، ولا أنها تحيي وتميت. وإنما سووها به في محبتهم لها، وتعظيمهم إياها، وعبادتهم لها. فما قدر الله حق قدره من جعل له عدلاً ونداً وشريكاً يحبه كحب الله، ويخافه
следующие страницы →