← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَ» أخرجه مسلم (١). الرابع: أن يكون الباعث له على العمل هو نية الآخرة، ونية الدنيا حصلت تبعاً، فهذا لا يؤثر، وهو مأجور كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة: ١٩٨]. والأعمال الظاهرة لها ميزان .. والأعمال الباطنة لها ميزان. فميزان الأعمال الباطنة قوله ﷺ : «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يتزوجها، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» متفق عليه (٢). وميزان الأعمال الظاهرة قوله ﷺ : «مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدُّ» متفق عليه (٣). فالأول يدل على وجوب الإخلاص، والثاني يدل على وجوب المتابعة، ولا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصًا لله، صوابًا على سنة رسول الله، موزونًا بما سبق كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠]. ولما كانت الأعمال بالنيات، فعلينا أن نوسع النية، لنحصل على الأجور الكثيرة، فإن الله واسع عليم. ففي العبادة: ننوي القيام بالفرائض والنوافل، والسنن والمستحبات، إلى قيام الساعة، ونقوم بما نستطيع حسب الطاقة. وفي الدعوة: ننوي هداية العالم، والله يعطينا الأجر على قدر النية،

стр. 1472

فالنبي ﷺ كانت نيته هداية العالم، ودعوتهم إلى الله، ولكنه لم يخرج من الجزيرة العربية، ولكن الله كتب له أجر كل من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة. وفي العلم: ننوي طلب العلم إلى يوم القيامة، وننوي تعليم الأمة ما جاء عن الله ورسوله من السنن والأحكام والآداب ابتغاء وجه الله، والله يعطينا الأجر على قدر النية. قال النبي ﷺ : «إِنَّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» متفق عليه (١). وهكذا في باقي الأعمال، ننوي الاستعداد للقيام بأي عمل، فإذا قمنا به كان لنا الأجر بالعمل، والباقي بالنية. فالنية أساس الأمر وعموده وأساسه، وأصله الذي يبنى عليه، فهي روح العمل وقائده وسائقه وحامله، والعمل تابع لها مبني عليها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها. وبحسب النية تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة. فكم بين مريد بالفتوى مثلاً وجه الله ورضاه، والقرب منه وما عنده من الثواب، ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته، وما يناله منه خوفًا أو طمعًا، أو يطلب بها الرئاسة والشهرة. فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، أو يصليان الصلاة الواحدة، أو يؤديان الزكاة الواحدة، أو يقدمان النصيحة الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما

стр. 1473

بين المشرق والمغرب. هذا نيته أن تكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع، راغبًا في ثواب ربه، طالبًا مرضاته. وذلك نيته أن يكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم، سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما. لكن من سنة الله سبحانه أن يلبس المخلص من المهابة والنور، والمحبة في قلوب الخلق، وإقبال قلوبهم إليه، ما هو بحسب إخلاص العبد ونيته ومعاملته لربه. ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور، من المقت والمهانة والبغضاء ما هو اللائق به بحسب نيته. والله وضع الأقوال والأفعال بين عباده تعريفًا ودلالةً على ما في نفوسهم، فإذا أراد الإنسان من أخيه شيئًا عرف بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب سبحانه على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ. ولم يرتب الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة قول أو فعل، ولا على مجرد ألفاظ المتكلم بها لم يرد معانيها، ولم يحط بها علمًا. بل تجاوز للأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به. وتجاوز لها عما تكلمت به أو عملته مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه. قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولما نزلت هذه الآية قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم (١). وقال النبي ﷺ : «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ» متفق عليه (٢).

стр. 1474

فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، وهذا من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلوب، وإرادات النفوس، لا تدخل تحت الاختيار، فلو ترتبت عليها الأحكام، لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة، ورحمة الله تعالى وحكمته تأبى ذلك. والغلط والسهو والنسيان وسبق اللسان بما لا يريده العبد، أو التكلم به مكرهًا وغير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية، لا يكاد الإنسان ينفك عن شيء منه، فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة، وأصابها غاية التعب والمشقة، فرفع عنها المؤاخذة بذلك كله، حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسكر، وكذلك الخطأ والنسيان، والإكراه والجهل بالمعنى، وسبق اللسان بما لم يرده، والتكلم في الإغلاق، ولغو اليمين. فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله بها عبده بالتكلم في حال منها، لعدم قصده ونيته، وعقد قلبه الذي يؤاخذ به، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى. فالخطأ من شدة الفرح كما في حديث فرح الرب بتوبة عبده، وقول الرجل من شدة فرحه لما وجد راحلته: «اللَّهُمَّ! أنْتَ عَبْدِي وَأنَا رَبُّكَ أخْطَأ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» أخرجه مسلم (١). وأما الخطأ من شدة الغضب فكما قال سبحانه: فلو أجاب الله دعاء من دعا على نفسه وولده حال الغضب، لأهلك الداعي من دعا عليه. وأما الخطأ من السكر فكما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]. فلم يرتب على كلام السكران حكمًا حتى يعلم ما يقول. وأما الخطأ والنسيان فقد قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

стр. 1475

فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم (١). وأما المكره فقد قال سبحانه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦]. وأما اللغو فقد رفع الله المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب عليه كما قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. وأما سبق اللسان بما لم يرده المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ، والخطأ في القصد، فهو أولى أن لا يؤاخذ به من لغو اليمين. وأما الإغلاق فكل من أغلق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران، والمكره والغضبان، فقد تكلم في الإغلاق. والله سبحانه رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرهًا، لما لم يقصد معناها ولا نواها. فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق، والوقف واليمين والنذر مكرهًا، لا يلزمه شيء من ذلك لعدم نيته وقصده، وقد أتى باللفظ الصريح، فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به. والله سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل، كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقًا من غير قصد لفرح إو دهشة أو نحو ذلك. ومن غصب مالاً وبنى به مسجدًا، أو حفر به بئرًا للناس والبهائم، فهذا النفع الحاصل للناس متولد من مال هذا، وعمل هذا، والغاصب وإن عوقب على ظلمه وتعديه، واقتص للمظلوم من حسناته، فما تولد من نفع الناس بعمله له،

стр. 1476

وغصب المال عليه. وهو لو غصبه وفسق به لعوقب عقوبتين، عقوبة على الغصب، وعقوبة على الفسق به. فإذا غصبه وتصدق به، أو بنى به مسجدًا، أو فك به أسيرًا، فإنه قد عمل خيرًا وشرًا: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]. وأما ثواب صاحب المال المغصوب، فإنه وإن لم يقصد ذلك، فهو متولد من مال اكتسبه، فقد تولد من كسبه خير لم يقصده، فيشبه ما يحصل له من الخير بولده البار، وإن لم يقصد ذلك الخير. وكذلك فإن أخذ ماله مصيبة، فإذا أنفق في خير، فقد تولد له من المصيبة خير، والمصائب إذا ولدت خيرًا، لم يعدم صاحبها منه ثوابًا. والنية المجردة عن العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه كما قال النبي ﷺ : «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» أخرجه مسلم (١). والنيات محلها القلب، وإذا صح القلب صلحت النيات، وإذا فسد القلب فسدت النيات، وانعكست الآثار على الجوارح خيرًا أو شرًا. قال النبي ﷺ : «ألا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ» متفق عليه (٢). والمحاسبة عند الله على ما في القلب من النيات والأعمال التي تتبعها. أما الأجساد والصور والألوان فليست محل محاسبة عند رب العالمين كما قال سبحانه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ [الحج: ٣٧].

стр. 1477

وقال النبي ﷺ : «إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وأموالكم، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعماكم» أخرجه مسلم (١). ولا يقبل الله من النيات والأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم. قال النبي ﷺ : «قَالَ اللهُ ﵎: أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أخرجه مسلم (٢). وكل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، وإذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. قال النبي ﷺ : «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» متفق عليه (٣). ويؤجر المسلم على جميع الأقوال والأعمال الصالحة إذا كانت مقرونة بالنية الشرعية، وهي التقرب بذلك العمل إلى الله. قال النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: «ولست تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلا اُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللقمة تجعلها فِي فِي امْرَأتِكَ» متفق عليه (٤). اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.

стр. 1478

٤ - العلوم الممنوحة والممنوعة قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ [الرحمن: ١ - ٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. الله ﵎ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلمه البيان بأنواعه: البيان الذهني .. والبيان اللفظي .. والبيان الكتابي .. والبيان بالإشارة. وأعطاه العقل الذي بواسطته يستقبل العلم الذي فيه صلاحه، وصلاح معاشه ومعاده، ويسر عليه طرق ما هو محتاج إليه من العلم، فأعطاه معرفة خالقه وبارئه ومبدعه سبحانه، ويسر عليه طرق هذه المعرفة، وجمعها وشرحها وفصلها وبينها في كتابه . ويسر عليه طرق هذه المعرفة، فليس في العلوم ما هو أجلّ وأعظم وأبين وأيسر منها، لعظم حاجة الإنسان إليها في معاشه ومعاده: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. ثم وضع سبحانه في العقل من الإقرار بحسن شرعه ودينه، الذي هو ظله في أرضه، وعدله بين عباده، ونوره في العالم. فيه تبيان كل شيء .. وتفصيل كل شيء .. ومعرفة الحق من الباطل .. وبيان الهدى من الضلال .. ومعرفة التوحيد من الشرك .. وبيان أسماء الله وصفاته وأفعاله .. وما يحبه وما يسخطه .. وبيان ثواب أهل الطاعة .. وعقوبة أهل المعصية .. وغير ذلك من بركاته. فلو اجتمعت عقول العالمين كلهم، فكانوا على عقل أعقل رجل منهم، لما أمكنهم أن يقترحوا شيئًا أحسن منه، ولا أعدل ولا أنفع، ولا أصلح ولا أهدى للخليقة في معاشها ومعادها منه.

стр. 1479

فهو أعظم آياته، وأوضح بيناته على ربوبتيه وألوهيته، وعدله وإحسانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. وكذلك أعطاهم الله سبحانه من العلوم المتعلقة بصلاح معاشهم ودنياهم بقدر حاجتهم، كعلم الطب والحساب، وعلم النبات والزراعة، وعلم الصناعة والمعادن، واستخراج المياه، وإقامة المباني، وصناعة وسائل النقل والاتصالات، وصناعة الأدوية، وطرق الصيد، والتصرف في وجوه الكسب المشروع والتجارة، ونحو ذلك مما فيه قيام مصالح العباد، وتيسير معاشهم. فسبحان العليم الحكيم الذي علَّم الإنسان ما لم يعلم، وزوده بآلات العلم والمعرفة، فمتى يشكر الإنسان هذه النعم؟. ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. ثم إن الله ﵎ منع البشر علم ما سوى ذلك، مما ليس من شأنهم ولا حاجة لهم به، ولا مصلحة لهم فيه، ولا نشأتهم قابلة له كعلم الغيب .. والعلم بكل ما كان وما يكون .. والعلم بما في قلوب الناس .. والعلم بعدد القطر .. وعدد أمواج البحار .. والعلم بعدد ذرات الرمال .. والعلم بعدد الأوراق ومساقطها .. والعلم بعدد الكواكب ومقاديرها والمسافات بينها. والعلم بما فوق السماوات .. وما تحت الثرى .. وما في لجج البحار .. وما في أقطار العالم من المخلوقات والحركات. والعلم بتسبيح الجبال والطير والحيوان والنبات .. ومعرفة ما في الأرحام، ووقت نزول الأمطار .. وعدد الأنفاس .. إلى سائر ما حجب الله عن البشر علمه، واختص بعلمه عالم الغيب والشهادة. فمن تكلف علم ذلك فقد ظلم نفسه، وتدخل فيما لم يؤمر به، وتجاوز ما حد له، وكلف نفسه ما لا طاقة له به، وأوضاع أوقاته فيما لا يمكنه الإحاطة به.

стр. 1480

ومن حكمته سبحانه ما منع عباده من العلم بوقت قيام الساعة، ومعرفة آجالهم، ومقدار مكاسبهم، وأماكن موتهم، وطوى علم ذلك عن جميع خلقه، واختص به وحده كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ [لقمان: ٣٤]. وفي ذلك من الحكمة البالغة ما لا يحتاج إلى نظر. فلو عرف الإنسان مقدار عمره، فإن كان قصيرًا لم يهنأ بالعيش، وكيف يهنأ به وهو يترقب الموت في ذلك الوقت. وإن كان طويل العمر فهو واثق بالبقاء، فلا يبالي بالانهماك في الشهوات والمعاصي وأنواع الفساد، ويقول إذا قرب الوقت أحدث توبة. وهذا لا يرضاه العباد من بعضهم، فكيف يرضاه رب العباد. فلو أن عبدًا أسخط سيده سنوات، ثم لما علم أنه صائر إليه أرضاه ساعة، لم يقبل منه، ولم يرض عنه. وكذا سنة الله أن العبد إذا عاين الانتقال إلى الله تعالى لم تنفعه توبة ولا إقلاع: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النساء: ١٧، ١٨]. فما أعظم حكمة الله في عباده .. وما أعظم نعمه عليهم .. حيث ستر عنهم مقادير آجالهم .. ومبلغ أعمارهم .. ومكان وفاتهم. فلا يزال من وفقه الله يترقب الموت في كل يوم، بل كل لحظة، فيكف عما يضره في معاده، ويجتهد فيما ينفعه ويسر به عند القدوم على ربه. فسبحان مالك الملك، ومدبر الدهور والخلائق، القائم على كل نفس، الذي إذا شاء أحيا، وإذا شاء أمات، وإذا شاء أعطى، وإذا شاء منع، وإذا شاء عافى، وإذا

стр. 1481

شاء أسقم، وإذا شاء أغنى، وإذا شاء أفقر، وإذا شاء هدى، وإذا شاء أضلَّ. وهو الحكيم العليم الذي يضع الشيء في موضعه، وهو أعلم بمن يصلح له، ومن لا يصلح، ومن يشكر النعمة، ومن لا يشكرها. كاشف الكربات .. ومجيب الدعوات .. ومغيث اللهفات .. وغافر الخطيات. أحاط بكل شيء علمًا .. وأحصى كل شيء عددًا .. ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]. إن هذا الكون العظيم هو كتاب الحق المفتوح، الذي يقرأ بكل لغة، ويدرك بكل وسيلة، ويستطيع أن يطالعه الساذج ساكن الخيمة والكوخ، وساكن العمائر والقصور. كل يطالعه بقدر إدراكه واستعداده، فيجد فيه زادًا من الحق حين يطالعه بشعور التطلع إلى الحق، وهو قائم مفتوح كل آن: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٨]. ولكن العلم الإنساني الحديث يطمس هذه التبصرة، أو يقطع تلك الوشيجة بين القلب البشري والكون الناطق المبين والخالق الحكيم، لأنه في رؤوس مطموسة، رانت عليها خرافة المنهج العلمي الوثني، الذي يقطع ما بين الكون والخلائق التي تعيش فيه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١]. أما كتاب الله الذي أنزله على رسوله، فقد جمع الله فيه علوم الأولين والآخرين، وفيه العلم الحق الذي ينبغي لكل مسلم أن يتدبره، ويعمل به، ويدعو إليه كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠]. والعلم الحق أن يعرف الإنسان حقيقة الارتباط بين هذا الكون وخالقه، وحقيقة

стр. 1482

الارتباط بين عمل الإنسان وجزائه. وهاتان حقيقتان ضروريتان لكل علم حق، وبدونهما يبقى العلم قشورًا لا تؤثر في حياة الإنسان، ومعلومات تصدع الرؤوس. ومن أوتي من العلم مالا يبكيه، ولا يبعثه لطاعة ربه، ولا يزجره عن معصيته، خليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه، ويؤثر في عقله وقلبه، وروحه وبدنه، لأن الله وصف العلماء بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩]. وقوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨] ومن علم هذا تفطر قلبه على كل علم يجر إلى الكبر، ولا يبعث على الخشية والعمل. وشعور الإنسان بأن له خالقًا، خلقه، وخلق هذا الكون، يغير من شعوره بالحياة، ويجعل لوجوده قيمةً وهدفًا. وشعوره بأن خالقه محاسبه في الآخرة ومجازيه يغير من فكره وعمله. فيؤثر الإيمان على الكفر .. والأعمال الصالحة على ما سواها .. والآخرة على الدنيا .. والأوامر على الشهوات .. والسنن على العادات. فسبحان من استأثر بعلم كل شيء، وأحاط بكل شيء، وقدر كل شيء، وتصرف في كل شيء، وله كل شيء. فالله قوي والعبد ضعيف .. والله قادر والعبد عاجز .. والله غني والعبد فقير .. والله عليم بكل شيء .. والعبد جاهل بكل شيء إلا ما علمه الله إياه. أعلمه الله أشياء .. وأخفى عنه أشياء .. وأقدره على أشياء .. وأعجزه عن أشياء .. وهو الحكيم العليم. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعلنا هداة مهتدين.

стр. 1483

٥ - أقسام العلم قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾ [البقرة: ٣١، ٣٢]. وقال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤]. العلم: نقل صورة المعلوم من الخارج، وإثباتها في النفس. والعمل: نقل صورة علمية من النفس، وإثباتها في الخارج. والعلوم باعتبار منفعتها نوعان: الأول: علم تكمل النفس بإدراكه والعلم به، وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ووعده ووعيده، وكتبه وأمره ونهيه. الثاني: علم لا يحصل للنفس به كمال، وهو كل علم لا يضر الجهل به، فإنه لا ينفع العلم به، كدقائق علم الفلك ودرجاته، وعدد الكواكب ومقاديرها، ونحو ذلك. وكان النبي ﷺ يستعيذ من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع. والعلوم باعتبار مصدرها تنقسم إلى قسمين: علوم شرعية .. وعلوم غير شرعية. فالعلوم الشرعية: هي ما استفيد من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهي قسمان: منها ما يتعلق بالقلوب كالإيمان والتوحيد، والخوف والرجاء، والمحبة والتوكل ونحو ذلك. ومنها ما يتعلق بالجوارح وهو علم المسائل والأحكام كالعلم بكيفية العبادات كالصلاة والزكاة والصيام والحج ونحو ذلك.

стр. 1484

والعلوم التي ليست بشرعية ثلاثة أقسام: علم محمود .. وعلم مذموم .. وعلم مباح. فالعلم المحمود: ما ترتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، فالطب ضروري لبقاء الأبدان وسلامتها، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله، وأعد الأسباب لتعاطيه، فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله، وهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين، وهو أفضل العلوم بعد علم الشرع، وفيه أجر بحسب نية صاحبه. وكذلك الحساب، فإن تعلمه ضروري في المعاملات والبيوع، وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها، وهو فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الفرض عن الباقين. فهذه العلوم وغيرها من أصول الصناعات كالفلاحة والخياطة والحياكة ونحوها مما يحتاجه عموم الناس في حياتهم، لو خلا البلد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وتعرضوا للهلاك، وهي فرض كفاية. فلا يجوز إهمالها لما فيها من منافع للناس في معاشهم، لكن نتعلم منها، ونعلم بقدر الحاجة فقط. وأما المذموم منه: فعلم السحر والكهانة والشعوذة ونحوها مما يفسد البلاد والعباد والأخلاق. وأما المباح منه: فالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها، وتواريخ الأخبار والأحداث ونحو ذلك. والعلوم باعتبار ذاتها ثلاثة أقسام: قسم محمود قليله وكثيره .. وكلما كان أكثر كان أحسن وأفضل .. وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وخزائنه ووعده ووعيده. وقسم مذموم قليله وكثيره .. وهو ما لا فائدة فيه في دين ولا دنيا، إذ فيه ضرر يغلب نفعه كعلم السحر والكهانة والنجوم ونحو ذلك.

стр. 1485

وقسم يحمد منه مقدار الكفاية، ولا يحمد الفاضل عليه، والاستقصاء فيه، وهو علم الطب والحساب، وأصول الصناعات ونحوه من فروض الكفايات. وأنواع العلم خمسة: علم هو حياة الدين وأصله: وهو علم التوحيد. وعلم هو غذاء الدين: وهو علم الإيمان، والتذكر، والتفكر في الآيات القرآنية والآيات الكونية. وعلم هو دواء الدين: وهو علم المسائل، وعلم الفتوى، فإذا نزل بالعبد نازلة احتاج إلى من يشفيه بحكمها. وعلم هو داء الدين: وهو الكلام المحدث، والقول على الله بلا علم. وعلم هو هلاك الدين: وهو علم السحر والكهانة ونحوهما. وكان أصحاب النبي ﷺ في مجالس رسول الله ﷺ يتعلمون الدين، فإذا ذهبوا إلى بيوتهم صاروا معلمين لأهلهم الدين، فإذا خرجوا إلى الأسواق والبلاد كانوا دعاة ومبلغين للدين، فإذا كانوا في ميدان الجهاد كانوا مجاهدين يقاتلون في سبيل الله لإعلاء كلمة الله. والعلم الشرعي له شعبتان: فضائل .. ومسائل. فمذاكرة الفضائل تولد الشوق والطلب والرغبة لامتثال أوامر الله، وأوامر رسوله، وهي من الإيمان، ونتعلمها قبل الأحكام، فإن القلوب تتأثر من كلام الله ورسوله، وبها تُعرف قيمة الأعمال، فتتحرك الجوارح لأداء الطاعات بالرغبة والشوق. والمسائل: هي الأحكام التي نتعلمها، ونعمل بها، ونعلمها للناس، والقصد من معرفتها أن تكون جميع أعمالنا على طريقة الرسول ﷺ . ولا ريب أن الذين أوتوا العلم والإيمان، أرفع من الذين أوتوا الإيمان فقط، والعلم الممدوح هو الذي ورثه الأنبياء لأممهم، وهذا العلم ثلاثة أقسام:

стр. 1486

الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر. والناس في العلم بذلك متفاوتون، فمستقل ومستكثر ومحروم، والله عليم حكيم ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩]. الثاني: العلم بما أخبر الله تعالى به مما كان من الأمور الماضية، أو ما يكون من الأمور المستقبلة والحاضرة، وفي مثله أنزل الله قصص الأنبياء مع أممهم، وأخبار اليوم الآخر، وما فيه من الوعد والوعيد ووصف الجنة والنار. الثالث: العلم بما أمر الله به، وما نهى عنه، من الأمور المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله، ومن معارف القلوب وأحوالها، وأحوال الجوارح وأعمالها، وهو دين الله وشرعه لعباده. والعلم من حيث الحصول عليه ثلاث درجات: الأولى: علم جلي، وهو ما يدرك بالحواس كالسمع والبصر والعقل، وهي طرق العلم وأبوابه، وكذلك ما يدرك بخبر الصادق، وما يحصل بالفكر والاستنباط. والفرق بين العلم والمعرفة، أن المعرفة لب العلم، ونسبة العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان. الثانية: علم خفي، ينبت في القلوب الطاهرة من كدر الدنيا، والاشتغال بها، وفي الأبدان الزاكية التي زكت بطاعة الله، ونبتت على أكل الحلال. فمتى خلصت الأبدان من الحرام، وطهرت الأنفس من علائق الدنيا، زكت أرض القلب، فقبلت بذر العلوم والمعارف. الثالثة: علم لدني، وهو ما يحصل للعبد من غير واسطة، بل بإلهام من الله، وتعريف منه لعبده. والعلم اللدني: ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، والانقياد له، فيفتح الله له من فهم

стр. 1487

الكتاب والسنة بأمر يخصه به. فالعلم اللدني الرحماني هو ثمرة هذه الموافقة والانقياد، والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض. واللدني الشيطاني: هو ثمرة الإعراض عن الوحي، وتحكيم الهوى والنفس والشيطان. والعلماء ثلاثة أقسام: الأول: عالم بالله، وبأمر الله، فهذا في أعلى الدرجات. الثاني: عالم بالله، غير عالم بأمر الله. الثالث: عالم بأمر الله، غير عالم بالله. أما الأول فهو الذي عرف ربه وعظمته وجلاله، وعرف أحكام دينه وشرعه، فهذا سبيل الأنبياء والصديقين. وعلامته أن يكون دائم الذكر لربه، خائفًا منه، مستحيًا منه، عابدًا له، مطيعًا له، محبًا له، معظماً له. وهو أعلى وأفضل مما بعده، لكونه معلمًا للقسمين بعده، وكونه بحيث يحتاجان هما له، ويستغني هو عنهما. وأما الثاني فهو الذي استولت المعرفة الإلهية على قلبه، فهو يرى عظمة الله وكبرياءه فلا يتفرغ لتعلم الأحكام إلا ما لا بد منه. وأما الثالث فهو الذي عرف الحلال والحرام، وحقائق الأحكام، لكنه لا يعرف أسرار جلال الله وعظمته وجماله وحقوقه على عباده. ومعرفة الله سبحانه نوعان: أحدها: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها جميع الناس، البر والفاجر، والمطيع والعاصي، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢].

стр. 1488

الثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وخشيته، والأنس به، والفرار من الخلق إليه، والتوكل عليه وحده، والناس فيها متفاوتون. ولهذه المعرفة بابان واسعان: الأول: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن، والفهم الخاص عن الله ورسوله. الثاني: باب التفكر في آياته المشهودة وتأمل حكمة الله فيها، ومعرفة عظمته في بديع صنعها. وجماع ذلك: الفقه في أسمائه وصفاته سبحانه، والفقه في أوامره ونواهيه، والفقه في قضائه وقدره، فمن أوتيه فليحمد الله بالعمل به، والدعوة إليه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. ومن رحمة الله بعباده أن أرسل إليهم الرسل بآيات تبين الحق وتظهره، وتوضح المشكل، وتجعله للقلب بمنزلة الشمس للأبصار، يرى بها الإنسان كل شيء جليًا كما قال سبحانه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ [الأنعام: ١٠٤]. فيا أيها الإنسان .. عش ما شئت فإنك ميت .. وأحبب من شئت فإنك مفارقه .. واعمل ما شئت فإنك ملاقيه: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. وكمال الإنسان لا بذاته، بل بإيمانه وعلمه وعمله، وأشرف العلوم وأجلّها وأكملها وأزكاها: العلم بالله وأسمائه وصفاته .. والعلم بدينه وشرعه. فالأول معرفة المعبود، والثاني معرفة ما يتقرب به العبد إلى المعبود، ولا بدَّ لكل عبد من هذا وهذا كل يوم. الأول فيه غذاء قلبه وروحه، والثاني فيه عبودية بدنه وجوارحه. وبذلك يكمل ظاهر الإنسان وباطنه، وسره وعلانيته، وقلبه وبدنه، ويسعد في

стр. 1489

دنياه وآخرته. والعلوم الشرعية تنقسم إلى قسمين: علوم خبرية اعتقادية .. وعلوم طلبية عملية فالأول: كالعلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بملائكته وكتبه ورسله، والعلم باليوم الآخر، وما فيه من البعث والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، ونحو ذلك. الثاني: العلوم العملية الطلبية، وهي ما يتعلق بأعمال القلب والجوارح من الأحكام، من الأركان والواجبات، والسنن والمستحبات، والمحرمات والمكروهات، والمباحات.

стр. 1490

١ - العلم بالله وأسمائه وصفاته قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨]. العلم بالله ما قام عليه الدليل، وهو تركة الأنبياء التي يرثها العلماء عنهم، وهو حياة القلوب، ونور البصائر، وشفاء الصدور، ورياض العقول، ولذة الأرواح، وأنس المستوحشين. وهو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال والأحوال. وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين، والغي والرشاد. وبه يُعرف الله ويُعبد، ويُذكر ويحمد، وبه تُعرف الشرائع والأحكام، ويتميز الحلال من الحرام. وهو حجة الله في أرضه، ونوره بين عباده، وقائدهم ودليلهم إلى ربهم وإلى جنته، ولا دليل إلى الله والجنة إلا الكتاب والسنة. وأفضل ما اكتسبته النفوس، وحصَّلته القلوب، ونال به العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان كما قال سبحانه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾ [المجادلة: ١١]. وهؤلاء هم خلاصة الوجود ولبه، والمؤهلون للمراتب العالية في الدنيا والآخرة. وأكثر الناس غالطون في حقيقة مسمى العلم والإيمان، اللَّذَين بهما السعادة والرفعة، وأكثرهم ليس معهم إيمان ينجي، ولا علم يرفع، بل قد سدوا على أنفسهم طرق العلم والإيمان اللَّذين جاء بهما رسول الله ﷺ ودعا إليهما الأمة. وكل طائفة اعتقدت أن العلم معها وفرحت به: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ

стр. 1491

حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ [المؤمنون: ٥٣]. وأعلى الهمم في طلب العلم طلب علم الكتاب والسنة، والفهم عن الله ورسوله نفس المراد، وعلم حدود المنزل. وأخس الهمم في طلب العلم من قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل، ولا هو واقع، وشغل الأوقات والناس بذلك، وكانت همته معرفة الاختلاف، وتتبع أقوال الناس، وضرب بعضها ببعض، وشحن أذهان الناس بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)﴾ [المائدة: ١٠١]. وأعلى الهمم في باب الإرادة والعمل، أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله، والوقوف مع مراده الديني الأمري. وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله لا غير، فهو إنما يعبد الله لمراده منه، لا لمراد الله منه. فالأول: يريد الله، ويريد مراده من الله، والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته. ولذة العلم أعظم اللذات، واللذة التي يجد الإنسان طعمها في الحياة، والتي تبقى بعد الموت، وتنفع في الآخرة، هي لذة العلم بالله وأسمائه وصفاته، ولذة مناجاته وعبادته، وهي لذة الإيمان والأعمال الصالحة. فأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه. وفضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته .. وتارة من شدة الحاجة إليه .. وتارة من ظهور النقص والشر بفقده .. وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة بوجوده .. وتارة من كمال الثمرة المترتبة عليه وإفضائه إلى أجلّ المطالب. وهذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم، فإنه أعم شيء نفعاً، وأكثره وأدومه، والحاجة إليه فوق الحاجة إلى الغذاء، بل فوق الحاجة إلى التنفس. والعلم ملائم للنفوس غاية الملاءمة، والجهل مرض ونقص، وهو في غاية

стр. 1492

الإيذاء والإيلام للنفس. والعلوم غذاء للقلوب .. والأطعمة غذاء للأبدان .. والعلوم متفاوتة أعظم التفاوت وأبينه كالأطعمة. فليس علم النفوس بفاطرها وبارئها ومبدعها، ومحبته والتقرب إليه، كعلمها بالطبيعة وأحوالها. وشرف العلم تابع لشرف المعلوم، ولا ريب أن أجلّ معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين. فأجل العلوم وأفضلها وأشرفها هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، بل هو أصلها كلها. فإن العلم الإنساني لا يساوي ذرة بالنسبة للعلم الإلهي، وما يعلمه الإنسان من العلوم لا يساوي ذرة بالنسبة لما لا يعلمه، والعلم بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه. فهو في ذاته سبحانه رب كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف ربه عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، والأنعام السائمة خير منه. ولا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم للقلب من معرفة ربه، ومحبة فاطره وباريه، ودوام ذكره، والسعي في مرضاته، وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه. وله خلق الخلق .. ولأجله نزل الوحي .. وأرسلت الرسل .. وقامت السموات والأرض .. وخلقت الجنة والنار. ولأجله شرعت الشرائع، وقام سوق الجهاد، وضربت أعناق من أباه، وآثر غيره عليه. ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك والمنافسة فيه إلا من باب العلم، فإن محبة

стр. 1493

الشيء فرع عن الشعور به. وأعرف الخلق بالله أشدهم حباً له وخضوعاً له وتعظيماً له، والعلم يفتح الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر. ومن أحب شيئاً كانت لذته عند حصوله على قدر حبه إياه، والحب تابع للعلم بالمحبوب، ومعرفة جماله الظاهر والباطن. فلذة النظر إلى الله بعد لقائه بحسب قوة حبه وإرادته، وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله. فالعلم أقرب الطرق إلى أعظم اللذات، وكل ما سوى الله مفتقر إلى العلم، فالخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته، وما قامت السموات والأرض إلا بالعلم، وما بعثت الرسل إلا بالعلم، وما أنزلت الكتب إلا بالعلم، ولا عُبد الله وحده وحُمد وأُثني عليه ومُجد إلا بالعلم، ولا عُرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم. ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومحبته وطاعته، والتقرب إليه، وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته، والله يستحقه لذاته. وهو سبحانه المحبوب لذاته، الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له، فهو يستحق ذلك؛ لأنه أهل أن يُعبد، ولو لم يخلق جنة ولا ناراً، ولو لم يضع ثواباً ولا عقاباً. فهو سبحانه يستحق غاية الحب والطاعة والثناء والمجد والتعظيم لذاته، ولما له من أوصاف الكمال والجلال والجمال. وحبه والرضا به وعنه، والذلة والخضوع له والتعبد هو غاية سعادة النفس وكمالها، والنفس إذا فقدت ذلك، كانت بمنزلة الجسد الذي فقد روحه. والطريق إلى العلم بأن الله لا إله إلا هو أمور: أحدها: بل أعظمها تدبر أسماء الله وصفاته وأفعاله الدالة على كماله وعظمته، وجلاله وجماله، فإن معرفة ذلك يوجب بذل الجهد في التأله له، والتعبد للرب

стр. 1494

الكامل الذي له كل حمد ومجد، وجلال وجمال. الثاني: العلم بأن الله وحده المتفرد بالخلق والتدبير، فيعلم بذلك أنه المتفرد بالألوهية والعبودية. الثالث: العلم بأن الله وحده هو المتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فإن ذلك يوجب تعلق القلب به، ومحبته وعبادته وحده لا شريك له. الرابع: العلم بنصره لأوليائه، وخذلان أعدائه، فإن ذلك يوجب التعلق به وطاعته، والحذر من معصيته، وإخلاص العبادة له. الخامس: معرفة أوصاف الأوثان والأنداد التي عبدت مع الله، واتخذت آلهة، وأنها ناقصة من جميع الوجوه، فقيرة بالذات، لا تملك ولا يملك عابدوها نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياة، ولا تجلب خيراً، ولا تدفع شراً. فالعلم بذلك يوجب العلم بأنه لا إله إلا الله، وتعلق القلب به، وبطلان ألوهية ما سواه. وتدبر القرآن العظيم والتأمل في آياته هو الباب الأعظم إلى العلم بالتوحيد، ومعرفة الله بآياته ومخلوقاته، ومعرفة جلاله وجماله ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤]. وكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الإقبال على الطاعات، والانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨]. والعلم بعظمة الله وكبريائه داع إلى خشيته، وأهل خشيته هم أهل كرامته كما قال سبحانه: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٨]. فأشرف العلوم وأزكاها، وأعلاها وأعظمها، العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله.

стр. 1495

فلا بدَّ للعبد الضعيف العاجز .. الفقير المحتاج .. الظلوم الجهول .. الذي لا يستغني عن ربه طرفة عين أن يعرف ربه الذي يربيه بنعمه الظاهرة والباطنة، وأن يعرف إلهه ومعبوده الذي تكفل بكل ما يحتاجه العباد: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال النبي ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (١). لا بدَّ لهذا العبد أن يعرف أن ربه هو القوي وحده؛ ليستعين به وحده. ويعرف أن ربه هو الغني وحده؛ ليطلب منه وحده كل ما يحتاجه. ويعرف أن ربه هو العفو وحده؛ فيطلب منه مسامحته. ويعرف أن ربه هو الغفور وحده؛ ليطلب منه مغفرة ذنوبه. ويعرف أن ربه هو الملك وحده؛ فيتوجه إليه بالطاعة والعبودية وحده. ويعرف أن ربه هو الرحمن؛ ليطلب منه الرحمة. ويعرف أن ربه هو اللطيف؛ ليسأله اللطف به. ويعرف أن ربه هو الكريم؛ ليشكره على إحسانه وإنعامه. ويعرف أن ربه هو العزيز؛ فيطلب منه أن يعزه في الدنيا والآخرة. ويعرف أن ربه الكبير؛ ليكبره، وأنه العظيم؛ ليعظمه، وأنه الخالق؛ فيخصه بالعبادة وحده دون سواه. ويعرف أن ربه العليم بكل شيء؛ فيسأله أن يعلمه، ويحذر من معصيته. ويعرف أن ربه الحي القيوم؛ ليسأله أن يكلأه ويحفظه. ويعرف أن ربه الرزاق؛ ليسأله أن يرزقه.

стр. 1496

وهكذا في بقية الأسماء يتعلمها، ويحفظها، ويعبد الله بمقتضاها: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقد ذكرنا تفصيل العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله في الباب الأول من هذا الكتاب فليرجع إليه. إن معرفة المعبود سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله هي الفقه الأكبر، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وهي أساس دعوة الرسل، إذ لا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سعادة ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها وفاطرها ومعبودها، وأن يكون أحب إليها مما سواه، وأن تسعى فيما يقربها إليه دون سائر خلقه. والعقول محال أن تستقل بمعرفة ذلك فاقتضت رحمة الله أن بعث الرسل إلى خلقه مبشرين ومنذرين، وبه معرفين، وإليه داعين. وجعل لب دعوتهم وزبدة رسالتهم معرفة الرب المعبود بألوهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان: الأول: تعريف الناس بالطريق الموصل إليه، وهو شريعته المتضمنة لأمره ونهيه. الثاني: تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه في الآخرة، من النعيم المقيم لمن أطاعه وآمن به، والعذاب الأليم لمن كفر به وعصاه. والله رؤوف بالعباد، جواد كريم، عفو غفور، وليس العجب من مملوك فقير عاجز يتذلل لله ويتعبد له، ولا يمل من خدمته مع حاجته وفقره إليه. إنما العجب الذي يأخذ الألباب والعقول من مالك غني قادر يتحبب إلى مملوكه بصنوف إنعامه، ويتودد إليه بأنواع إحسانه مع غناه عنه. والله محسن، والعبد مسيء أو مفرط أو مقصر، فطوبى لعبد إن آخذه ربه بذنوبه رأى عدله، وإن لم يؤاخذه بها رأى فضله. وإن عمل حسنة رآها من منَّته، وإن عمل سيئة رآها من تخلِّيه عنه وخذلانه له.

стр. 1497

فإن عذبه عليها فبعدله، وإن غفرها له فبمحض إحسانه وجوده. ومن أعجب الأشياء: أن تعرف الله بجلاله وجماله ثم لا تحبه ولا تطيع أمره. وأن تسمع داعيه يدعوك إليه ثم لا تجيبه. وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره وتعرض عنه. وأن تعرف قدر حلمه وعفوه ومغفرته ثم لا تقف ببابه. وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له بالمنكرات والمعاصي: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. فسبحان الله ما أضعف بصائر العباد؟. كيف يُخاف ويُرجى من لا حول له ولا قوة، ولا يملك مثقال ذرة؟. بل خوف المخلوق ورجاؤه أحد أسباب الحرمان، ونزول المكروه بمن يرجوه ويخافه. فإنه على قدر خوفك من غير الله، يسلطه الله عليك، وعلى قدر رجائك لغير الله يكون الحرمان. وأساس كل خير أن يعلم العبد أن الله يراه ويسمعه، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده. وحينئذ يتيقن العبد أن الحسنات من نعم الله فيشكره عليها. ويتضرع إليه أن لا يقطعها عنه. وأن السيئات من خذلانه وعقوبته، فيبتهل إليه أن يحول بينه وبينها، وأن لا يكله في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسه. والعارف: هو من عرف الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ثم صدق الله في معاملته، ثم أخلص له في نيته ومقصوده وعمله. ثم انسلخ من أخلاقه الرديئة، وآفاته المشينة. ثم تطهر من أوساخه وأدرانه ومخالفاته، ثم صبر على أحكام الله في نعمه

стр. 1498

وبلياته. ثم دعا إليه على بصيرة بدينه وآياته، ثم جرد الدعوة إليه وحده بما جاء به رسوله. ومن علامات المعرفة بالله حصول الهيبة منه، وحصول السكينة، فمن ازدادت معرفته بربه، ازدادت هيبته وسكينته، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف. ومن عرف الله تعالى بكماله وجلاله وجماله ضاقت عليه الدنيا بسعتها شوقاً إلى ربه، فالدنيا سجن المؤمن، واتسع عليه كل ضيق؛ لأطمئنانه بربه وثقته به. ومن عرف الله قرت عينه بالله، وقرت عينه بالموت، وقرت به كل عين، وصفا له العيش، وهابه كل شيء، وذهب عنه خوف كل مخلوق. ومن عرف الله ﵎ لم يبق له رغبة فيما سواه، ومن عرف الله أحبه على قدر معرفته به، وتلذذ بذكره وعبادته، وخافه ورجاه، وتوكل عليه وأناب إليه، ولهج بذكره، واشتاق إلى لقائه، واستحيا منه، وأجله وعظمه على قدر معرفته به. والعارف لا يطالب ولا يخاصم ولا يعاتب، ولا يرى له على أحد فضلاً، ولا يرى له على أحد حقاً، ولا يأسف على فائت، ولا يفرح بآت. ولا يكون العارف عارفاً حتى يكون كالأرض صبوراً يطؤها البر والفاجر، ونافعاً كالسحاب نافعاً يظل كل شيء، وكالمطر يسقي ما يحب وما لا يحب، وكالشمس ينور كل ما مر به. والعارف ملازم لشيئين: بكاء على نفسه .. وثناء على ربه. وذلك لعلمه ومعرفته بنفسه وآفاتها وعيوبها، ومعرفته بربه وكماله وجلاله. والعارف أنسه بربه، ووحشته ممن يقطعه عنه، أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلَّ لله فأعزه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغنى بالله فأحوجهم إليه.

стр. 1499

والمعرفة حياة القلب مع الله والأنس به، وعبادته بما يرضيه. والمعرفة على ثلاث درجات: الدرجة الأولى: معرفة أسماء الله وصفاته، فلا يستقر للعبد قدم في المعرفة ولا في الإيمان حتى يؤمن بصفات الرب ﷻ ، ويعرفها معرفة تخرجه عن حد الجهل بربه. فالإيمان بالأسماء والصفات هو أساس الإسلام، وقاعدة الإيمان. ولما كان أحب الأشياء إلى الله مدحه وحمده والثناء عليه بأسمائه وصفاته وأفعاله، كان إنكارها وجحدها أعظم الإلحاد والكفر بالله، وهو شر من الشرك وأقبح. فإنه لا يستوي جحد صفات الملك وحقيقة ملكه، والتشريك بينه وبين غيره في الملك. فالمعطلون أعداء الرسل بالذات، بل كل شرك في العالم فأصله التعطيل، فإنه لولا تعطيل كماله أو بعضه وظن السوء به لما أشرك به. كما قال إبراهيم ﷺ لقومه: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾ [الصافات: ٨٦، ٨٧]. أي ما الذي ظننتم به حتى جعلتم معه شركاء؟. أظننتم أنه محتاج إلى الشركاء والأعوان؟. أم ظننتم أنه يخفى عليه شيء من أحوال عباده حتى يحتاج إلى شركاء تعرِّفه كالملوك؟. أم ظننتم أنه لا يقدر وحده على استقلاله بتدبيرهم وقضاء حوائجهم؟. أم هو قاسٍ فيحتاج إلى شفعاء يستعطفونه على عباده؟. أم هو ذليل محتاج إلى أولياء يتكثر بهم من قلة، ويتعزز بهم من ذلة؟. أم يحتاج إلى ولد يساعده ويرث عنه ملكه، فيتخذ صاحبة يكون له الولد منها ومنه؟.

стр. 1500

تعالى الله عن ذلك كله علواً كبيراً: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٦، ١١٧]. فسبحان الله أين العقول والبصائر؟ وأين القلوب والألباب؟. أيليق بالعاقل أن ينكر مدبر هذا الكون؟. أم يليق به أن يجعل معه شريكاً في التصريف والتدبير؟. فيسأله ويدعوه، ويرجوه ويخافه. ألا ما أعظم تلاعب الشيطان بالعباد، حتى حطهم إلى هذه الدرجة السافلة في الاعتقاد والعمل. فلا يليق بهم يوم القيامة إلا الحرمان من الجنة، ودخولهم النار: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢]. فالتعطيل من الشرك وأساسه، فلا تجد معطلاً إلا وشركه على حسب تعطيله، فمستقل ومستكثر. والرسل عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى آخرهم أُرسلوا بالدعوة إلى الله، وبيان الطريق الموصِّل إليه، وبيان حال المدعوين بعد وصولهم إليه. فعرَّفوا المدعو إليه بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفاً مفصلاً حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه، وينظرون إليه فوق سماواته على عرشه: يكلم ملائكته .. ويدبر أمر مملكته .. ويسمع أصوات خلقه .. ويرى أفعالهم وحركاتهم .. ويبصر ظواهرهم وبواطنهم. ويشاهدونه كل يوم: يأمر وينهى .. ويرضى ويغضب .. ويحب ويسخط .. ويغيث الملهوف .. ويكرم أهل طاعته .. ويهين أهل معصيته .. ويحيي ويميت .. ويعطي ويمنع .. ويجبر الكسير .. ويجيب المضطر .. ويؤتي الملك من يشاء .. وينزع الملك ممن يشاء ..

стр. 1501

ويعز من يشاء .. ويذل من يشاء. كل يوم هو في شأن: يغفر ذنباً .. ويفرج كرباً .. وينصر مظلوماً .. ويقصم ظالماً .. ويهدي ضالاً .. ويرحم مسكيناً .. ويشفي مريضاً .. ويقضي ديناً .. ويسهل عسيراً. يُقدم ما يشاء تقديمه .. ويؤخر ما يشاء تأخيره .. وأزمة الأمور كلها بيده وحده لا شريك له. فطوبى لعبد رزقه الله هذه المعرفة فعبد الله كأنه يراه. وكذلك عرَّف الرسل العباد بالطريق الموصِّل إلى الله، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم، وهو امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإيمان بوعده ووعيده. وكذلك تعريف العباد ما لهم بعد الوصول إليه، وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار، وما قبل ذلك من الحساب والميزان، والصراط والحوض. وقد جاء الوحي بإثبات صفات الرب، وظهرت شواهدها في المخلوقات، فإن المخلوق يدل على وجود خالقه، والصور تدل على وجود المصور سبحانه، والنعم تدل على وجود المنعم. ويظهر شاهد اسم الرازق من وجود الرزق والمرزوق، وشاهد اسم الرحمن من شهود الرحمة المبثوثة في العالم، واسم المعطي من وجود العطاء الذي هو مدرار لا ينقطع لحظة. ويظهر اسم الحليم من حلمه على الجناة والعصاة وعدم معاجلتهم. ويظهر اسم الغفور والتواب من مغفرة الذنوب، وقبول التوبة. وهكذا كل اسم من أسمائه الحسنى له شاهد في خلقه وأمره، يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله. فالخلق والأمر من أعظم شواهد أسماء الله وصفاته وأفعاله. الدرجة الثانية: معرفة الذات.

стр. 1502

فإذا استمر عكوف القلب على الله ، ونظر قلبه إليه كأنه يراه سبحانه، ويرى تفرده بالخلق والأمر، والنفع والضر، والعطاء والمنع فقد كملت وتمت معرفة العبد لربه. وكلما تمكن العبد في التوحيد علم أن الحق سبحانه هو الذي علمه صفات نفسه بنفسه، لم يعرفها العبد من ذاته، ولا بغير تعريف الحق له. وعرف أن الله خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وقادر على كل شيء، وعالم بكل شيء، ومحيط بكل شيء. وهذا يوصله إلى معرفة الذات الجامعة لصفات الكمال والجلال والجمال. الدرجة الثالثة: معرفة مستغرقة في محض التعريف. فالمعرفة: صفة العبد وفعله، والتعريف: فعل الرب وتوفيقه. فالله هو الذي عرَّف العبد فعرف، ولولا فضل الله ما وجد، ولا علم، ولا آمن، ولا اهتدى. وهذه مرتبة شريفة وفضل من الله، فهو الذي خلق الإنسان وعلمه ما لم يعلم، وصاحب هذه المعرفة كلما كانت معرفته أتم كان قربه من ربه أتم. ويجب على كل عبد أعطاه الله عقلاً يدرك به حقائق الأشياء أن يعرف ربه .. ونفسه .. ودنياه .. وآخرته. فإذا عرف ربه .. نشأ من ذلك محبة الله وتعظيمه، وطاعته وعبادته. وإذا عرف نفسه .. نشأ من ذلك الحياء والخوف من ربه. وإذا عرف دنياه .. نشأ من ذلك شدة الرغبة عنها. وإذا عرف آخرته .. نشأ من ذلك شدة الرغبة فيها. والناس في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله متفاوتون، حسب كمال المعرفة ونقصها. فمنهم من يعرف ربه بالجود والإفضال والإحسان. ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم، والتجاوز والصفح.

стр. 1503

ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام. ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة .. ومنهم من يعرفه بالقوة والقدرة .. ومنهم من يعرفه بالعزة والكبرياء .. ومنهم من يعرفه بالرحمة واللطف .. ومنهم من يعرفه بالقهر والملك .. ومنهم من يعرفه بالرقابة والحفظ .. ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته، وإغاثة لهفته، وقضاء حاجته. وأكمل هؤلاء من عرفه بجميع أسمائه وصفاته، ونعوت جلاله. فرأى ربه فعالاً لما يريد، فوق كل شيء، قادراً على كل شيء، خالقاً لكل شيء، أكبر من كل شيء، وبيده كل شيء، وخزائنه مملوءة بكل شيء: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس: ٦٨]. وأحب العباد إلى الله وأكرمهم عليه العارفون بما يستحقه مولاهم من أوصاف الجلال ونعوت الكمال، وبما أسداه إلى عباده من الإنعام والإفضال، وبما يستحيل عليه سبحانه من العيوب والنقائص، والتحول والزوال، وما يجوز له فعله من الأمر والنهي، والوعظ والزجر، والبعث والإرسال، والتبشير والإنذار، والحشر والنشر، والثواب والعقاب، والإهانة والإجلال. فهم لا يعبدون سواه، ولا يبغون إلا رضاه. قد أحضرهم لديه، فلا يشكون إلا إليه، ولا يتوكلون إلا عليه، فهم في رياض معرفته حاضرون، وإلى كمال صفاته ناظرون: إن نظروا إلى جلاله هابوه .. وإن نظروا إلى جماله أحبوه. وإن نظروا إلى إحسانه شكروه .. وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه. وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه .. وإن نظروا إلى آلائه وإنعامه حمدوه. وإن نظروا إلى أمره ونهيه أطاعوه .. وإن نظروا إلى ندائه أجابوه. وإن نظروا إلى توحده بالأفعال لم يتكلوا إلا عليه. وإن نظروا إلى اطلاعه عليهم استحوا أن يخالفوه.

стр. 1504

فهم في هذه الرتب مختلفون، وأفضلهم في هذه الدار أعلاهم غداً في دار القرار: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. وأهم المعارف محصور في أمرين: معرفة الربوبية .. ومعرفة العبودية. وكمال معرفة الربوبية بينه الله بقوله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤]. أما معرفة العبودية فلها مبدأ وكمال .. وأول وآخر. أما أولها ومبدؤها فهو الاشتغال بالعبودية، وهو المراد بقوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. وأما كمالها وآخرها فهو أن يعرف العبد أنه لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة له على طاعة الله إلا بتوفيق الله. فعند ذلك يستعين بالله في تحصيل المطالب كلها، وهو المراد بقوله سبحانه: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]. فعلينا إذا عرفنا الله أن نطيعه .. وإذا قرأنا القرآن فيجب أن نعمل به .. وإذا كنا نحب الرسول ﷺ فيجب أن نعمل بسنته .. وإذا عرفنا الشيطان فيجب أن نحذره ولا نوافقه. وإذا كنا نحب الجنة فيجب أن نعمل لها .. وإذا كنا نخاف الله فيجب أن نقلع عن الذنوب .. وإذا عرفنا أن الموت حق فيجب أن نستعد له .. وإذا عرفنا أننا نأكل من رزق الله فيجب أن نشكره .. ونستحي منه، فلا نأكل من رزقه ونعصيه. وعلينا أن نعمل للدنيا بقدر بقائنا فيها .. ونعمل للآخرة بمقدار بقائنا فيها. ونعمل لله بمقدار حاجتنا إليه .. ونعمل من المعصية بقدر ما نطيق من حرارة النار، وهيهات ما لأحد بنار جهنم من طاقة. والعمل بلا يقين كالجسد بلا روح لا فائدة فيه. واليقين: هو أن نعلم أن الفوز والفلاح، والسعادة والنجاة، وجميع المخلوقات

стр. 1505

كلها بيد الله وحده لا شريك له. والإنسان إذا جاء في قلبه نور الإيمان رأى كل شيء على حقيقته. الدنيا والآخرة .. الأموال والأشياء .. الأعمال والأخلاق .. وكما أنه إذا طلعت الشمس ميز الإنسان الحجر من الذهب، فأخذ الذهب وترك الحجر، فكذلك بنور الإيمان يقدم المسلم الآخرة على الدنيا، ويؤثر الأعمال الصالحة على جمع حطام الدنيا، ويعمل لآخرته بقدر طاقته، ويأخذ من الدنيا بقدر حاجته. والعلم من أحسن الصفات التي تحصل بها اللذة، وهو درجات. فأعلاها: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ودينه وشرعه. فالعلم بالله وأسمائه وصفاته ألذ العلوم وأشرفها وأعظمها. ولذة القلب بمعرفة الله تعالى أعظم من لذة البدن بالأكل والشرب، فإن الجنة معدن تمتع الحواس، وأما القلب فلذته في لقاء الله تعالى ورؤيته ورضوانه وسماع كلامه. ولذة النظر إلى الله يوم القيامة تزيد على لذة المعرفة به في الدنيا، وما فوقها لذة. نسأل الله أن يبلغنا وسائر المسلمين إياها. فالعارف حقاً من عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعرف دينه وشرعه، ثم صدق الله في معاملته، وأخلص له العمل. يعتزل الخلق فيما بينه وبين الله، حتى كأنهم أموات لا يملكون له ضراً ولا نفعاً. ويتنقل في منازل العبودية من عبودية إلى عبودية أخرى، ويتقلب في محاب الله ومراضيه، جاهداً في إصلاح نفسه وفي إصلاح غيره. فتراه مصلياً .. ذاكراً .. تالياً لكتاب ربه .. داعياً إلى الله .. معلماً للكتاب والسنة .. متعلماً .. متفقهاً .. منفقاً .. متصدقاً .. حاجاً .. صائماً .. مجاهداً .. ناصحاً .. آمراً بالمعروف .. ناهياً عن المنكر .. واصلاً لرحمه .. محسناً إلى الخلق .. مواسياً للفقراء .. وهكذا قلبه متعلق بالآخرة .. متأهب للقدوم على ربه .. معرض عن الدنيا.

стр. 1506

قلبه وجوارحه متحركة فيما يرضي ربه .. مجتنبة لما يسخطه .. وألذ شيء لديه خلوته بربه والقيام بين يديه. مسبحاً له تارة .. ومكبراً له تارة .. وحامداً له تارة .. ومستغفراً له تارة .. وسائلاً له تارة ... ومعظماً له تارة. فإذا حصل له ذلك فتح له باب حلاوة العبادة، بحيث لا يكاد يشبع منها، إذ يجد فيها اللذة والراحة. فإذا دخل في الصلاة ودّ أن لا يخرج منها؛ لأنه يناجي مولاه، ويعبد الله كأنه يراه. ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله وتلاوته فلا يشبع منه. ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به، وعظمة أسمائه وصفاته، وجلاله وجماله. ثم يُفتح له باب الحياء من الله فيستحي منه، ويُرزق دوام المراقبة للرقيب. ثم يفتح له باب الشعور بالقيومية، فيرى تقلبات الكون وتصاريف الوجود بيده سبحانه فيتخذه وكيلاً، ويرضى به مدبراً وكافياً. وهكذا يترقى من معرفة إلى معرفة، ومن عمل إلى آخر، ومن منزلة إلى منزلة، حتى يلقى ربه مجاهداً صابراً محتسباً. ومعرفة الله تقوم على ثلاثة أركان: الهيبة .. والحياء .. والأنس. فإذا عرف قدرة الله وقوته وعظمته وجلاله جاءت عنده صفة الهيبة. وإذا عرف نعم الله عليه وعلى غيره مع قلة الشكر، وكثرة المعاصي، جاء عنده الحياء. وإذا عرف لطف الله ورحمته، وكرمه وجوده، وإنعامه وإحسانه، جاء عنده الأنس بالله، والوحشة من الخلق. وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان بالله، والمعرفة به،

стр. 1507

وإخلاص العبادة له، فليهنأ بذلك من رزق ذلك: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨]. فيا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه، والبعد عنه. أما لك في رضا الرحمن من نصيب؟ .. أما لك في الجنة من شوق؟. ونور العلم لم يحجب عن القلوب لبخلٍ ومنعٍ من جهة المنعم سبحانه، ولكنه حُجب لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب. فالقلوب كالأواني ما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله، ولولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء. وليس المقصود من العلم العمل فقط، بل المقصود الإيمان والعمل، ولو كان المقصود من العلم العمل فقط لكان المنافقون في الجنة، لكنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم يعملون بلا إيمان. وعلم الرب شيء، ومعرفة الرب شيء آخر، وطريق معرفة الرب هو الميدان، والله سبحانه علمنا كيف تعرف موسى على ربه في الميدان في الوادي المقدس طوى، عند الشجرة حين ناداه الله فعلمه التوحيد نظرياً بقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤]. ثم عرَّفه الإيمان عملياً بتقليب حال العصا أمامه في الحال، فقال له: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [طه: ١٧ - ٢١]. ثم أمره الله بعد ذلك أن يذهب إلى فرعون، فلما ذهب موسى إلى فرعون ما خاف منه؛ لأنه عرف أن ربه معه، وقبل ذلك كان موسى في قصر فرعون عنده علم الرب، ولما خرج إلى مدين جاء عنده معرفة الرب، معرفة الإيمان بالله الذي بيده كل شيء.

стр. 1508

والتربية الإيمانية لها شروط: أهمها عدم الالتفات إلى الأسباب؛ لأن قدرة الله تظهر إذا انقطعت الأسباب وتوجه المؤمن إلى ربه، فقدرة الله مخفية وراء الأسباب، مع الأسباب لا تظهر. فترك موسى ﷺ زوجته وماله .. ولما اقترب قيل له: اخلع نعليك .. ولما اقترب أكثر قيل له: ألق عصاك وهي نافعة .. ثم قيل له خذها وهي ضارة؛ ليعلم أن كل شيء بيد الله، والله يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وموسى تعلم التربية بأقسامها الثلاثة في الميدان: التربية البدنية .. ثم التربية الأخلاقية .. ثم التربية الإيمانية. تعلم التربية البدنية في قصر فرعون، فلقوته قتل القبطي، ورفع الحجر وحده عن بئر مدين، ولطم ملك الموت .. ثم أخرجه الله إلى مدين ليتعلم التربية الأخلاقية؛ لأن الدعوة لا بدَّ أن يكون معها أخلاق من الرفق والرحمة، والحلم والصبر، فرعى الغنم في مدين عشر سنين، وكل نبي رعى الغنم؛ لأن رعي الغنم شبيه برعاية البشر .. ثم نقله الله إلى ميدان آخر، وهو التربية الإيمانية، في البقعة المباركة من الشجرة، كما قص الله ذلك في القرآن في سورة طه والقصص وغيرهما. والصحابة ﵃ لما هاجروا إلى المدينة كان الرسول ﷺ قد رباهم عملياً على معرفة الرب، ومعرفة قدرته، فجاءت عليهم في المدينة أحوال شديدة، أصابتهم الحمى، ولا يولد لهم مولود لمدة سنتين، وصاروا فقراء بعد أن كانوا أغنياء، وهزلت أجسامهم. ولكن لما كانت تربيتهم قوية لم يتأثروا بذلك، فهي إعداد لهم، وترقية لإيمانهم، فقد واجهوا الكفار بعد ذلك في بدر بلا عدد ولا عدة فهزموهم بإذن الله. ففي مكة كان مصنع الرجال، وتربية الرجال، وفي المدينة كان استخدام الرجال في الميدان.

стр. 1509

لذلك في مكة لما أوذي المسلمون لم يدعُ الرسول ﷺ لهم؛ لأنهم في ميدان التربية، لكن في بدر دعا لهم بقدر حاجتهم كما قال سبحانه: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الأنفال: ٩، ١٠]. فأظهر الله لهم قدرته، ونصرهم وأعزهم. ففي غزوة بدر أظهر الله قدرته، فأمد المؤمنين بألف من الملائكة، ثم بثلاثة آلاف، ثم بخمسة آلاف يقاتلون مع المؤمنين، وكان يكفي ملك واحد لتدمير هؤلاء وديارهم كما فعل جبريل بقوم لوط، ولكن الله فرح بخروج هؤلاء المؤمنين لنصرة دين الله، وإعلاء كلمته، ثم قال الله للملائكة إني معكم فثبِّتوا الذين آمنوا، ثم بين لهم أن النصر من عند الله، ينصر من ينصره لنفي اليقين عن الملائكة، حتى لا يكون التوجه إلا إلى الخالق سبحانه، ثم نصرهم الله مع أن أحوالهم ليس فيها من مقومات النصر شيء كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. لذلك ربى النبي ﷺ الصحابة على الدين وعلى الجهد للدين، وبسبب جهدهم للدين صارت أوامر الله غالية عندهم، لا يفرطون بها، يبذلون أموالهم وأنفسهم من أجلها، ويتركون ديارهم وشهواتهم من أجلها. فالنبي ﷺ ليس قدوة للأمة في الصلاة فقط، بل هو إمام وقدوة في كل شيء، في العبادات، والمعاملات، والدعوة، والجهاد.

стр. 1510

٢ - العلم بأوامر الله قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]. الله ﵎ خالق كل شيء في العالم العلوي وفي العالم السفلي. خلق جميع المخلوقات وجعل لها أوامر. وأوامر الله نوعان: أوامر كونية لكافة المخلوقات .. وأوامر شرعية خاصة بالإنس والجن. وأوامر الله الكونية ثلاثة أقسام: الأول: أمر الإيجاد، وهو أمر متوجه من الرب سبحانه إلى جميع المخلوقات بالإيجاد، فقد كان الله ﷻ ، ولا شيء غيره، ثم خلق خلقه كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢]. فهو سبحانه الذي يخلق ما شاء في أي وقت شاء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. الثاني: أمر البقاء، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات بالبقاء، ولو رفع الله عنها أمر البقاء لهلكت وفنيت وزالت، فهي باقية بأمر الله لها بالبقاء كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١]. الثالث: أمر النفع والضر، والتحريك والتسكين، والإحياء والإماتة، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات، فلا ينفع شيء ولا يضر إلا بإذن الله، ولا يتحرك شيء ولا يسكن إلا بإذن الله، ولا يحيا شيء ولا يموت إلا بإذن الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
следующие страницы →