وذرات الجو والأرض لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات السماوات السبع.
وذرات السماوات السبع والأرضين السبع لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات الجنة والنار.
وذرات العالم العلوي والعالم السفلي، وذرات الدنيا والآخرة لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات الكرسي.
وذرات الكرسي لا تساوي شيئاً بالنسبة لذرات العرش، فسبحان الله الذي خلق هذه الذرات، وأحصى أعدادها، وعلم مكانها، وكل هذه الذرات لا تساوي شيئاً بالنسبة لما في خزائن الله من الذرات: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
وكل ذرة من هذه الذرات التي لا يحصيها إلا الذي خلقها لها أمر من الله بالإيجاد، وأمر بالبقاء، وأمر بالتحريك والتسكين، ولا يخفى على الله منها ذرة في الأرض ولا في السماء.
سبحانه: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ [سبأ: ٣].
ولا يند من هذه الذرات شيء، بل جميعها في ملك الله، وفي قبضة الله كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾ [لقمان: ١٦].
فهذا الكون كله ما نبصره وما لا نبصره، كله ملك رب العالمين.
أرأيت أعظم من هذا الملك، وأوسع من هذا العلم؟
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فهذه عظمة العزيز الجبار وقدرته في خلق واحد من مخلوقاته وهي الذرات التي أكثر الناس غافل عنها.
стр. 1997
فكيف بعظمة خلق الكائنات الأخرى كالعرش والكرسي .. والسماوات والأرض .. والجبال والبحار .. والشمس والقمر .. والكواكب والنجوم .. والجماد والنبات ..
والإنسان والحيوان؟ وكيف بعظمة الخلاق العليم الذي خلقها؟
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
هو سبحانه الذي له الخلق كله، والأمر كله، ظاهره وباطنه، كبيره وصغيره، وأوله وآخره.
يحيي ويميت .. ويخلق ويرزق .. ويعطي ويمنع .. ويعز ويذل .. ويعافي ويسقم .. ويرفع ويضع .. بيده وحده النفع والضر .. والخلق والأمر .. والتصريف والتدبير .. والتحريك والتسكين .. والأمن والخوف .. واليسر والعسر .. والإكرام والإهانة.
وله ملك السماوات والأرض وما فيهن: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
خلق سبحانه الدنيا والآخرة، والجنة والنار، والنعيم والعذاب، والثواب والعقاب، وخلق كل شيء فقدره تقديراً، فأين من يشاهد؟ وأين من يرى؟ وأين من يبصر؟ وأين من يعلم؟
فسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
ماذا بيد الله؟ وماذا بأيدينا؟
وماذا علمنا؟ وماذا جهلنا؟
وماذا قدمنا؟ وماذا أخرنا؟
﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ
٣٠ - فقه الرعاية
قال الله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف: ١٧١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
الرعاية: مراعاة العلم، وحفظه بالعمل، ومراعاة العمل بالإخلاص والإحسان، وحفظه من المفسدات، ومراعاة الحال بموافقة الشرع.
ومن التزم لله شيئاً لم يلزمه الله إياه من أنواع القرب لزمه رعايته وإتمامه كمن شرع في طاعة مستحبة بإتمامها، فالتزامها بالشروع كالتزامها بالنذر.
فكما يجب عليه ما التزمه بالنذر وفاءً، يجب عليه رعاية ما التزمه بالفعل إتماماً.
وقد ذم الله سبحانه من لم يرع قربة ابتدعها لله تعالى حق رعايتها كما قال سبحانه عن النصارى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾ [الحديد: ٢٧].
فكيف بمن لم يرع قربة شرعها الله لعباده، وأذن بها، وحث عليها، وأمر بها سبحانه؟
والرعاية التي ينبغي للمسلم الالتزام بها ثلاث درجات:
الأولى: رعاية الأعمال، وتكون بأدائها على الوجه المشروع في حدودها وصفاتها وأوقاتها، واستصغارها في عينه واستقلالها، وأن ما يليق بعظمة الله وجلاله وحقوق عبوديته أمر آخر قصر عنه العبد، وأنه لم يعرف حقه، وأنه لا يرضى لربه بعمله الناقص ولا بشيء منه، فيكثر من الاستغفار.
فمن شهد واجب ربه سبحانه، وشهد مقدار عمله، وشهد عيب نفسه، لم يجد بداً من استغفار ربه منه، واحتقاره إياه، واستصغاره.
ويوفي الأعمال حقها من غير أن يلتفت إليها ويعددها ويذكرها، وذلك مخافة
стр. 2000
العجب والمنة بها، فيسقط من عين الله، ويحبط عمله.
وعليه أن يجريها على مجرى العلم المأخوذ من مشكاة النبوة، مع الإخلاص لله، وإرادة وجهه، وطلب مرضاته.
الدرجة الثانية: رعاية الأحوال، بأن يتهم نفسه في اجتهاده أنه راءى الناس، فلا يطغى بعمله، ولا يسكن إليه، ولا يعتد به، ويتهم يقينه، وأنه لم يحصل له اليقين على الوجه الذي ينبغي، وما حصل له منه لم يكن به ولا منه، ولا استحقه بعوض، وإنما هو فضل الله وعطاؤه.
فهو يذم نفسه في عدم حصوله، ولا يحمدها عند حصوله، بل يحمد الله الذي وفقه وأعانه قائلاً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
الثالثة: رعاية الأوقات، بأن يقف مع كل خطوة، ومع كل حركة، ظاهرة وباطنة؛ ليصححها نية وقصداً، وإخلاصاً ومتابعة.
فيقف قبل كل خطوة حتى يصحح الخطوة.
والعباد مسئولون عن الدين أداءً وإحساناً، وإتماماً ورعاية، فعليهم الوفاء بالعهد الذي عاهدوا الله عليه .. والوفاء بالعهد الذي عاهدوا الخلق عليه .. وهم مسئولون عن كل ذلك كما قال سبحانه: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤].
فمن وفى فله الثواب الجزيل .. ومن نقض العهد فعليه الإثم العظيم:
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥].
فبأي وجه يلقى الله من جعل أوقاته للشهوات، وحركاته لجمع حطام الدنيا، وقصر في حق ربه، وفي حق دينه، وفي حق رسوله، وفي حق البشرية قاطبة؟
وبأي حجة يلقى الله من قصَّر في عبادة الله، والدعوة إليه، وتعليم شرعه؟
إن الكل مسئول عما قدم وأخر، ويحاسب على ما عمل: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ
стр. 2001
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٦ - ٩].
إن المؤمن حقاً من سكب عصارة عمره وروحه في طاعة ربه.
تارة يعبد ربه .. وتارة يدعو إليه .. وتارة يتعلم أو يعلم شرعه.
فأين من يصدع بالحق، ومن يحمل رايات الهدى بين الورى؟
﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٥٠].
стр. 2002
٣١ - فقه الذوق
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وقال النبي ﷺ : «ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ، مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً وَبِالإِسْلامِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولاً» أخرجه مسلم (١).
الذوق: مباشرة الحاسة الظاهرة والباطنة للملائم والمنافر.
ولا يختص ذلك بالفم بل بجميع الحواس.
فالإيمان له طعم، والقلب يذوقه كما يذوق الفم طعم الطعام والشراب، وذوق حلاوة الإيمان أمر يجده القلب، تكون نسبته إليه كنسبة ذوق حلاوة الطعام إلى الفم، وذوق الجسم حرارة الأشياء أو برودتها.
فللإيمان طعم وحلاوة، يذوق طعمه القلب ويجد حلاوته.
والذوق على ثلاث درجات:
الأولى: ذوق التصديق، فالمؤمن إذا ذاق طعم الوعد من الله على إيمانه وتصديقه وطاعته ثبت على حكم الوعد واستقام.
وذوق طعم الإيمان بوعد الله يمنع الذائق أن يحبسه شيء عند الجد في الطلب، والسير إلى ربه.
والذوق أمر باطن، والوجد كذلك، والعمل دليل عليه، ومصدق له، كما أن الريب والنفاق أمر باطن، والعمل دليل عليه ومصدق له.
فالأعمال ثمرات العلوم والعقائد، واليقين يثمر الجهاد، ومقامات الإحسان كلها.
ولا يقطع العبد أمل ولا طمع في دنيا عن سيره إلى ربه.
стр. 2003
فمن ذاق حلاوة الإيمان بمعرفة الله، والقرب منه، والأنس به، لم يكن له أمل في غيره، وإن تعلق أمله بسواه فهو لإعانته على مرضاته ومحابه، فهو يؤمله لأجله، لا يؤمله معه.
والذي يقطع هذا الأمل قوة رغبته في المطلب الأعلى، الذي ليس شيء أعلى منه، ومعرفة خسة الدنيا وسرعة زوالها، فإن نعيم الدنيا بحذافيرها جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة بجنب جبال الدنيا، ويسير من رضوانه سبحانه-ولا يقال له يسير- أكبر من الجنات وما فيها، فلا تعوق العبد أمنية عن سيره إلى ربه.
الثانية: ذوق العبد طعم الأنس بالله، والأنس به سبحانه أعلى من الأنس بما يرجوه العبد من نعيم الجنة.
فإذا ذاق العبد طعم الأنس بالله جد في إرادته وطاعته، والأنس به، فلا يتعلق به شاغل، ولا يشغله عن سيره إلى الله؛ لشدة طلبه الباعث عليه أنسه، الذي قد ذاق طعمه، وتلذذ بحلاوته لدوام ذكره، وصدق محبته، وإحسان عمله.
وقوة الأنس وضعفه على حسب قوة القرب من ربه، ولا يفسده عارض، والعارض ما سوى الله، وإرادة السوي وإن علا تحجب عن الله، وبقدر إرادتك لغيره تحجب عنه.
الثالثة: ذوق صاحب البعد طعم القرب.
فالبعد: أنس القلب بغير الله تعالى، والالتفات إلى ما سواه.
والقرب: تجريد التعلق به وحده، والانقطاع عما سواه.
وذوق صاحب الهمة طعم مناجاة الله، والأنس به، ومحبته، والقرب منه، حتى كأنه يخاطبه ويعتذر إليه، ويتملقه تارة، ويثني عليه تارة، حتى يبقى القلب ناطقاً، وإن كان اللسان ساكتاً و ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
стр. 2004
٣٢ - فقه الصفاء
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
معرفة العبد لأسماء الله وصفاته، وجلاله وجماله، وبره وإحسانه، ولطفه ورحمته، يوجب له قربه من ربه سبحانه، وقربه منه يوجب له الأنس به، والمحبة له، والهيبة منه.
والأنس ثمرة المحبة والطاعة، فكل عبد مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش.
والقلوب المشرقة بنور الأنس بالله تستحلي الذكر، وتستأنس به، طلباً للاستئناس بالمذكور، وتتغذى بسماع القرآن كما تتغذى وتتلذذ الأجسام بالطعام والشراب.
فإذا كان العبد محباً صادقاً، طالباً لله، عاملاً على مرضاته، كان غذاؤه بسماع القرآن، ولذته بتلاوته، والتفكر في معانيه ومواعظه، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه.
وهذا الغذاء له لذة روحانية يصل نعيمها إلى القلوب والأرواح، وإن كان منحرفاً فاسد الحال مغروراً مخدوعاً كان غذاؤه بالسماع الشيطاني الذي هو قرآن الشيطان، المشتمل على الفحش والفجور ونحو ذلك من محاب النفوس ولذاتها، وحظوظها، وأصحابه أبعد الخلق من الله .
وما أحسن القلوب الصافية الخالية من كدر الشرك والنفاق والبدعة والمعصية، المملوءة بنور العلم والإيمان والطاعات: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٨].
стр. 2005
والصفاء: اسم للبراءة من الكدر.
وهو على ثلاث درجات:
الأولى: صفاء علم يهذب لسلوك الطريق، وهو العلم الذي جاء به محمد ﷺ ، فهذا العلم الصافي المتلقى من مشكاة الوحي يهذب صاحبه لسلوك طريق العبودية.
وحقيقة العبودية: التأدب بآداب رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً .. وتحكيمه باطناً وظاهراً .. والاقتداء به في سائر الأحوال والأقوال والأفعال .. وصفاء علم يهدي صاحبه إلى الغاية المقصودة بالاجتهاد والتشمير.
فأكثر الناس سالك بجده واجتهاده غير منتبه إلى المقصود.
وصفاء علم يصحح همة القاصد، ومتى صحت الهمة علت وارتفعت.
وأعلى الهمم:
همة اتصلت بالحق سبحانه طلباً وقصداً، وأوصلت الخلق إليه دعوة ونصحاً، وشمرت للعمل بدينه وحفظه، والجهاد في سبيله.
وهمم العباد متفاوتة:
فهمة متعلقة بمن فوق العرش .. وهمة حائمة حول الحش .. وبينهما من الهمم ما لا يعلمه إلا الله .. وقيمة كل امرئ بقدر ما يطلبه.
الثانية: صفاء الحال، فالحال ثمرة العلم، ولا يصفو حال إلا بصفاء العلم المثمر له، وعلى حسب شوب العلم يكون شوب الحال.
وإذا صفا الحال شاهد العبد آثار الحقائق وهي حلاوة مناجاة الله، فمتى صفا قلبه من الشوائب ذاق حلاوة الإيمان، وحلاوة المناجاة، ونسي به ما سوى الله، واشتغل بالحق عن الخلق.
الثالثة: صفاء اتصال بربه، فمن تمكن الإيمان من قلبه، وصفا له علمه وحاله، اندرج عمله جميعه في مرضاة ربه، ورآه في جنب حق ربه أقل من خردلة بالنسبة لجبال الدنيا.
стр. 2006
فسقطت رؤيته من قلبه لقلته وصغره، فلا يطلب المجازاة عليه.
ويدرك بعين البصيرة صحة الخبر، وصدق المخبر، فيقوى القلب، ويصير الغيب كالشهادة، كأنه يرى ربه ﷻ فوق سماواته على عرشه، مطلعاً على عباده، يسمع كلامهم .. ويرى مكانهم .. ويبصر أعمالهم.
ويشاهد ربه وهو يرضى ويغضب، ويعطي ويمنع، ويشاهد عظمة ربه وجلاله، وجماله وكماله، وعزته وكبريائه.
فيأنس بربه ومالكه .. ويتلذذ بعبادته .. ويفرح بطاعته وامتثال أوامره .. ويرى أوامره أشرف ما وصل إلى العبد من ربه، وثوابه عليها أشرف ما أعطاه الله للعبد: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
стр. 2007
٣٣ - فقه السر
قال الله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾ [هود: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ [الكهف: ٢٨].
أصحاب السر هم الأخفياء والأتقياء الذين وصفهم النبي ﷺ بقوله: «إِنَّ اللهَ يُّحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ، الْغَنِيَّ، الْخَفِيَّ» أخرجه مسلم (١).
وقوله ﷺ : «رُبَّ أشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأبْوَابِ، لَوْ أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأبَرَّهُ» أخرجه مسلم (٢).
وهؤلاء الأخفياء ثلاث طبقات:
الأولى: طائفة علت هممهم فلم تقف دون الله، ولم تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلاً منه.
ولا تبيع حظها من الله وقربه والأنس به، والفرح والسرور والابتهاج به بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية.
فالهمة العالية على الهمم كالطائر العالي على الطيور، وعلو همة المرء عنوان فلاحه وسعادته.
ومن علامات هؤلاء خلوص قصدهم من كل إرادة تزاحم مراد الرب تعالى، بل يصير القصد مجرداً لمراده الديني الأمري، خالصاً من الشوائب التي تعوقه عن مقصوده.
стр. 2008
وأن يكون العمل على سواء السبيل، الدرب النبوي المحمدي، لا على الجواد الوضعية، والأهواء الشيطانية.
وهؤلاء أخفياء سبقوا الناس في السير إلى الله، ولم ينقطعوا بشيء سوى الله عنه.
فكل ما قطع عن الله لم يقفوا معه، وما أوصلهم إلى الله لم يفارقوه، وكان وقوفهم معه.
ولم يُنسبوا إلى اسم يشتهرون به بين الناس، ولم يتقيدوا بعمل واحد يجري عليهم اسمه، فيُعرفون به دون غيره من الأعمال، فإن هذا آفة العبودية، وهي عبودية مقيدة.
وأما العبودية المطلقة فلا يُعرف صاحبها باسم معين، فهو يقوم بها على اختلاف أنواعها، فله في كل عبودية نصيب.
وهؤلاء لخفائهم على الناس، وصدق زهدهم وإخلاصهم لم يُعرفوا بينهم حتى يشار إليهم بالأصابع، وهؤلاء هم الذخائر والجواهر.
فإنهم لما كانوا مستورين عن الناس بأحوالهم، غير مشار إليهم، ولا متميزين برسم وشكل عن الناس، ولا منتسبين إلى طريق، أو مذهب، أو شيخ، أو زي، كانوا بمنزلة الذخائر المخبوءة.
وهؤلاء أبعد الخلق عن الآفات، فإن الآفات كلها تحت الرسوم والتقيد بها كما سبق، وهذه هي التي قطعت أكثر الخلق عن الله وهم لا يشعرون.
والعجب أن أهلها هم المعروفون بالجد والطلب والإرادة والسير إلى الله، وهم إلا القليل المقطوعون عن الله بتلك الرسوم والقيود.
الطبقة الثانية: اختاروا السر وأرادوه، صيانة لأحوالهم، وحفظاً لأعمالهم، فمقاماتهم عالية لا ترمقها العيون، يشيرون إلى ما يعرفه المخاطب، ويخفون ما مكنهم فيه الحق سبحانه من أحوال المحبة، وآثار المعرفة.
فهم مع الناس بظواهرهم، لكنهم يسترون عنهم أشرف أحوالهم، وأحسن
стр. 2009
أعمالهم فيحسبونهم مثلهم.
يشيرون إلى أنهم جهال وهم العارفون بالله حقاً .. وأنهم مسيئون وهم المحسنون، وذلك لكمال معرفتهم بالله، وما يجب له من الوقار والتعظيم، والإخلاص، وحسن العمل.
يظهرون ما يجوز إظهاره ولا نقص عليهم فيه ولا ذم من الله ورسوله عليه، ليكتم به الإنسان حاله وعمله.
فيظهرون ما لا يُّحمدون عليه، ويسرون ما يحمدهم الله عليه، كما إذا أظهر الغنى وكتم الفقر والفاقة، وأظهر الصحة وكتم المرض، وأظهر النعمة وكتم البلية.
فهذا كله من كنوز الشر، وله في القلب تأثير عجيب يعرفه من ذاقه، فهؤلاء يغارون على أحوالهم وأعمالهم فيسترونها عن الناس، ويغار الله عليهم فيسترهم عن الخلق.
يتحلون بآداب تصونهم عن سوء الظن بهم، وتصونهم عن دناءة الأخلاق والأعمال، فلهم لين مع الناس وتبسط إليهم، فهم أحلى من كل حلو، وأزين من كل زين، يأنسون بالله وبالخلق، ويأنسون بهم.
وهذه الطريق تكسو العبد حلاوة ولطافة وظرفاً، فتراهم أحلى الناس وألطفهم وأظرفهم وأحسنهم عشرة.
قد زالت عنه ثقالة النفس، وكدرة الطبع، فأحبه الناس وأحبهم، والناس ينفرون من كثيف الطبع، ولو بلغ الدين ما بلغ، وليس الثقلاء بخواص الأولياء، وما ثقل أحد على قلوب الصادقين المخلصين إلا من آفة هناك.
الطبقة الثالثة: طائفة أسرهم الحق عن أنفسهم، وشغلهم به عن أنفسهم، فأنساهم بذكره ذكر نفوسهم، وفرغهم لذكره وعبادته.
وهؤلاء ضد الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، قد أظهر الله لهم من معرفة جماله
стр. 2010
وجلاله لائحاً أذهلهم عن إدراك ما هم فيه: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٨].
فهم أشبه الخلق بالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فإن الخلق ثلاثة أصناف:
خلق خلقه الله غافلاً عن نفسه، مستغرقاً في عبادة ربه، وهم الملائكة.
وخلق خلقه الله مستغرقاً في تكميل شهواته، غافلاً عن غيره، وهم البهائم.
وخلق خلقه الله له نفس تريد تكميل شهواتها، وله روح تريد تكميل أوامر ربها.
والإنسان بين هذه، وهذه، فإن غلبت النفس جرته إلى عالم البهائم .. وإن غلبت الروح رفعته إلى عالم الملائكة .. والحرب سجال .. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 2011
٣٤ - فقه القبض
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾ [النور: ٥٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٦٠،٦١].
القبض نوعان:
قبض في الأحوال .. وقبض في الحقائق.
فالقبض في الأحوال: أمر يطرق القلب يمنعه عن الانبساط والفرح.
وهو قسمان:
أحدهما: ما يعرف سببه مثل تذكر ذنب، أو تفريط في عمل، أو بعد أو جفوة ونحو ذلك.
الثاني: ما لا يعرف سببه، بل يهجم على القلب هجوماً لا يقدر على التخلص منه، وضده البسط.
فالقبض والبسط حالتان للقلب لا يكاد ينفك عنهما، ولهما تعلق بالخوف والرجاء، فالرجاء يبسط إلى الطاعة، والخوف يقبض عن المعصية.
والقبض أقسام:
قبض تأديب .. وقبض تهذيب .. وقبض جمع .. وقبض تفريق.
وهذا كله يمنع صاحبه من الأكل، والشرب، والكلام، والانبساط إلى الأهل وغيرهم.
فقبض التأديب: يكون عقوبة على غفلة، أو خاطر سوء، أو فكرة رديئة.
وقبض التهذيب: يكون إعداداً لبسط عظيم شأنه يأتي بعده، فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه، والمقدمة له، كما كان الغت والغط مقدمة بين يدي الوحي، وإعداد لوروده.
стр. 2012
وهكذا الشدة مقدمة بين يدي الفرج، والبلاء مقدمة بين يدي العافية، والخوف الشديد مقدمة بين يدي الأمن.
وقد جرت سنة الله أن هذه الأمور النافعة المحبوبة إنما يدخل إليها من أبواب أضدادها.
وأما قبض الجمع: فهو ما يحصل لقلب العبد حال جمعيته على الله من انقباضه عن العالم وما فيه، فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير من اجتمع قلبه عليه.
وأما قبض التفرقة: فهو القبض الذي يحصل للعبد من تفرق قلبه عن الله، وتشتته عنه في الشعاب والأودية.
فأقل عقوبته ما يجده من القبض الذي يتمنى معه الموت.
وأما القبض في الحقائق:
فهو يتضمن قبض القلب عن غير الله إليه، وجمعيته بعد التفرقة عليه.
فالرب سبحانه حال بين خواص عباده وبين التعلق بالخلق، وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه، وهم الذي ادخرهم الحق اصطناعاً لنفسه ﷻ .
وهؤلاء على ثلاثة أقسام:
الأولى: فرقة قبضهم إليه قبض التوفي، فضن بهم عن أعين الناس، فسترهم عن العالمين وقاية لهم، وصيانة عن ملابستهم، فغيبهم عن أعين الناس فلم يطلعهم عليهم.
وهؤلاء هم أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان، وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأزمات دون بعضها، وإلا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من هؤلاء، فالعزلة تحمد في وقت، وتذم في وقت.
الثانية: فرقة قبضهم بسترهم في لباس التلبيس، فهم مع الناس مخالطون لهم، والناس يرون ظواهرهم، وقد ستر الله حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها، فحالهم ملتبس على الناس لا يعرفونه.
стр. 2013
إذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدنيا من الأكل والشرب، واللباس والمراكب، والنكاح وطلاقة الوجه قالوا هؤلاء من أبناء الدنيا.
وإذا رأوا منهم الجد والصبر والصدق، وحلاوة الإيمان، وحسن المعرفة بالله، وكثرة ذكره قالوا هؤلاء من أبناء الآخرة، فأخفاهم عن عيون العالم بذلك.
فهؤلاء يكونون مع الناس، والمحجوبون لا يعرفونهم، ولا يرفعون بهم رؤوساً، وهم من سادات أولياء الله، صانهم الله عن معرفة الناس كرامة لهم، لئلا يفتنوا بهم، وإهانة للجهال بهم فلا ينتفعون بهم.
فهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلا الله، فهم بين الناس بأبدانهم وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم، فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة.
فإن روح كل عبد تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبهم كما قال ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أحَبَّ» متفق عليه (١).
الثالثة: فرقة قبضهم منهم إليه، وهذه الفرقة أعلى من الفرقتين قبلها، فالله قد ستر هؤلاء عن نفوسهم لكمال ما أطلعهم عليه، وشغلهم به عنهم، فهم في أعلى الأحوال والمقامات، وقلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، قلوبهم عامرة بالأسرار والتعظيم، والذل والمحبة لمولاهم، وأرواحهم تحن إليه حنين الطيور إلى أوكارها، قد سترهم وليهم عنهم، وأخذهم إليه منهم.
والناس قسمان:
منهم من يجمع بين الإساءة والأمن .. ومنهم من يجمع بين الإحسان والخوف.
وهذا القسم وجلون خائفون مشفقة قلوبهم، كل ذلك من خشية ربهم: خوفاً أن يضع عليهم عدله فلا تبقى لهم حسنة .. وسوء ظن بأنفسهم أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى .. وخوفاً على إيمانهم من الزوال .. ومعرفة بربهم وما
стр. 2014
يستحقه من الإجلال والإكرام.
فهؤلاء يفعلون ما أمروا به بكل ما يقدرون عليه من صلاة وزكاة وصيام وحج وغير ذلك من أعمال البر، ومع هذا قلوبهم وجلة خائفة عند عرض أعمالها على الله سبحانه، والوقوف بين يديه أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٩ - ٦١].
стр. 2015
٣٥ - فقه البسط
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢].
البسط: إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم، ويكون باطنه مغموراً بالمراقبة والمحبة والأنس بالله، فيكون جماله في ظاهره وباطنه.
فظاهره قد اكتسى الجمال بموجب العلم، وباطنه قد اكتسى الجمال بالمحبة والرجاء، والخوف والمراقبة والأنس.
وقد جمع الله بين جمال الظاهر والباطن في غير موضع كقوله سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾ [الأعراف: ٢٦].
والله ﵎ هو الذي يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه، ولطفه وبسطه، وهؤلاء بسطهم الحق سبحانه على لسان رسوله، وبسطهم هو ما كان عليه أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام مع القريب والبعيد من سعة الصدر، ودوام البشر، وحسن الخلق، والسلام على من لقيه، والمزاح بالحق مع الصغير والكبير أحياناً، ولين الجانب.
وأهل البسط ثلاث طوائف:
فطائفة بسطت رحمة للخلق، جعل الله انبساطهم مع الخلق رحمة لهم كما قال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فالله بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدي بهم السالك، ويهتدي بهم الحيران،
стр. 2016
ويشفى بهم العليل، ويستضاء بنور هدايتهم ونصحهم، يقتدي بهم إذا سكتوا، وينتفع بهم إذا نطقوا.
فحركاتهم وسكناتهم، ونطقهم وسكوتهم لما كان بالله ولله وعلى أمر الله .. جذبت قلوب الصادقين إليهم، وهذا النور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة.
والعلماء ثلاثة:
عالم استنار بنور العلم، واستنار به الناس، فهذا من خلفاء الرسل، وورثة الأنبياء.
وعالم استنار بنوره، ولم يستنر به غيره، فهذا إن لم يفرط كان نفعه قاصراً على نفسه، فبينه وبين الأول ما بينهما.
وعالم لم يستنر بنوره، ولا استنار به غيره، فهذا علمه وبال عليه، وبسطته للناس فتنة لهم، وبسطة الأول رحمة لهم.
وطائفة بسطت لقوة معاينتهم، وثبات مناظر قلوبهم، ورؤية ربهم في جميع أوقاتهم وأحوالهم.
وطائفة بسطت أعلاماً على الطريق، وأئمة للهدى، ومصابيح للسالكين، فهذه الفرقة أعلى مما قبلها؛ لأنها اتصفت بما اتصفت به الأولى من الأعمال، واتصفت بما اتصفت به الثانية من الأحوال.
وزادت عليهما بالنفع للسالكين، والهداية للحائرين، والإرشاد للطالبين، فاهتدى بهم الحائر، واستقام بهم المعوج، وأقبل بهم المعرض، وكمل بهم الناقص.
وهؤلاء هم خلفاء الرسل، وهم أولو البصر واليقين، فجمعوا بين البصيرة والبصر كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
فلا يستوي من شرح الله صدره للإسلام فاتسع لتلقي أحكام الله، والعمل بها،
стр. 2017
قرير العين، مسرور القلب، ومن قلبه قاسٍ حجري لا يلين لكتابه، ولا يتذكر بآياته، ولا يطمئن بذكره: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾ [الزمر: ٢٢].
فما أعظم من شرح الله صدره للإسلام، وما أعظم ضلال من أعرض عن ربه ومولاه، ومَنْ كل السعادة في طاعته والإقبال عليه.
стр. 2018
٣٦ - فقه الحزن
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [آل عمران: ١٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ [فاطر: ٣٤].
الحزن: هو الانخلاع عن السرور، وملازمة الكآبة، لتأسف على فائت، أو توجع لممتنع.
فالحزن هو بلية من البلايا التي نسأل الله كشفها ودفعها، وهو من عوارض الطريق، وليس من مقامات الإيمان، ولا من منازل السائرين إلى الله، ولهذا لم يأمر الله به في موضع قط، ولا أثنى عليه، ولا رتب عليه جزاءً ولا ثواباً، بل نهى عنه في غير موضع كما قال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾ [النحل: ١٢٧].
وقال النبي ﷺ : «اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ» أخرجه البخاري (١).
فالهم والحزن قرينان، وهو الألم الوارد على القلب، فإن كان على ما مضى فهو الحزن، وإن كان على ما يستقبل فهو الهم.
فالحزن يضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [المجادلة: ١٠].
فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، والثواب عليه ثواب المصائب التي يبتلى بها العبد بغير اختياره كالألم والمرض ونحوها.
стр. 2019
وأما أن يكون الحزن عبادة مأمور بها فلا، ولكن يحمد في الحزن سببه، ومصدره، ولازمه، لا ذاته.
فإن المؤمن إما أن يحزن على تفريطه وتقصيره في طاعة ربه وعبادته، وإما أن يحزن على تورطه في مخالفته ومعصيته، وضياع أيامه وأوقاته.
وهذا يدل على صحة الإيمان في قلبه، وعلى حياته، حيث شغل قلبه بمثل هذا الألم فحزن عليه.
ولو كان قلبه ميتاً لم يحس بذلك، ولم يحزن، ولم يتألم، فما لجرح بميت إيلام، ولكن الحزن لا يجدي عليه فإنه يضعفه.
بل الذي ينفعه أن يستقبل السير، ويجد ويشمر، ويبذل جهده.
وأخص من هذا الحزن حزن العبد على جزء من أجزاء قلبه، كيف هو خال عن محبة الله؟ وحزنه على جزء من أجزاء بدنه كيف هو منصرف في غير محاب الله؟
ويدخل في هذا الحزن كل معارض يشغل العبد عن ربه من خاطر، أو إرادة، أو شاغل من خارج.
فهذه المراتب من الحزن لا بدَّ منها في الطريق، ولكن الكيس لا يدعها تملكه وتقعده، بل يجعل عوض فكرته فيها فكره فيما يدفعها به.
فإن المكروه إذا ورد على النفس، فإن كانت صغيرة اشتغلت بفكرها فيه، وفي حصوله عن الفكرة في الأسباب التي يدفعها به، فأوردتها الحزن.
وإن كانت نفساً شريفة كبيرة لم تفكر فيه، بل تصرف فكرها إلى ما ينفعها، فإن كان منه مخرج منه فكرت في عبودية الله فيه، وإن كان ذلك عوضاً لها من الحزن فلا فائدة في الحزن أصلاً.
ومن عرف الله أحبه ولا بدّ، ومن أحبه انقشعت عنه سحائب الظلمات، وانكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كل جانب.
стр. 2020
فإنه لا حزن مع الله أبداً كما قال رسول الله ﷺ لأبي بكر ﵁ في الغار وحكاه الله في القرآن: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠].
فدل هذا على أنه لا حزن مع الله، وإنما الحزن لمن فاته الله، فمن حصل له الله فعلى أي شيء يحزن؟ ومن فاته الله فبأي شيء يفرح؟
﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
فمعرفة الله تعالى جلا نورها كل ظلمة، وكشف سرورها كل غمة، وزال بها كل حزن، وحصل بها كل فلاح وسعادة، فبذلك فليفرحوا.
وإنما أمر الله بالفرح بفضله ورحمته؛ لأن ذلك يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى وقوتها، وهذا فرح محمود.
أما الفرح بلذات الدنيا وشهواتها، أو الفرح بالباطل فإن هذا مذموم كما قال سبحانه عن قوم قارون أنهم قالوا له: ﴿لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾ [القصص: ٧٦].
وكما قال سبحانه في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل المناقض لما جاءت به الرسل: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣].
فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين لا نسبة بينها وبين جميع ما في الدنيا مما هو مضمحل زائل عن قريب.
стр. 2021
٣٧ - فقه الإشفاق
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾ [الطور: ٢٦ - ٢٨].
الإشفاق: رقة الخوف، بصرف الهمة إلى إزالة المكروه عن الناس.
وهو خوف برحمة من الخائف لمن يخاف عليه بدوام الحذر، مقروناً بالترحم.
والإشفاق على ثلاث درجات:
الأولى: إشفاق على النفس أن تجمح إلى العناد، وتذهب إلى طريق الهوى والعصيان.
وإشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع، فيخاف على عمله أن يكون لغير الله، وعلى غير سنة رسول الله ﷺ ، ويخاف أن يضيع في المستقبل إما بتركه، وإما بمعاص تفرقه وتحبطه.
وإشفاق على الناس من جهة مخالفة الأمر والنهي، مع نوع رحمة بملاحظة جريان القدر عليهم.
الثانية: إشفاق على الوقت أن يخالطه ما يفرقه عن الحضور مع الله ، وعلى القلب أن يزاحمه عارض إما فترة، وإما شبهة، وإما شهوة، وكل ما يعوقه عن ربه.
وإشفاق على اليقين أن يركن إلى سبب فيتعلق به دون ربه، فيقدح ذلك في يقينه.
الثالثة: إشفاق يصون سعي العبد عن العجب، فالعجب يفسد العمل كما يفسده الرياء.
стр. 2022
وإشفاق يكف صاحبه عن مخاصمة الخلق التي تفسد الخُلق.
وإشفاق على إرادته مما يفسدها من الهزل واللعب.
فإذا صح للعبد عمله وخلقه وإرادته استقام سلوكه، وقلبه، وحاله.
والمؤمنون مشفقون من خشية الله؛ لعلمهم بعظمته، وعلمه بكل صغيرة وكبيرة، ومشفقون من الساعة؛ لعلمهم بما تشتمل عليه من الجزاء والحساب، وخوفهم أن لا تكون أعمالهم منجية لهم: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ [الشورى: ١٨].
والظالمون لأنفسهم بالكفر والمعاصي خائفين وجلين مشفقين مما كسبوا؛ لعلمهم بعقوبة الله على كل جرم ومعصية: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ [الشورى: ٢٢].
стр. 2023
٣٨ - فقه الخشية
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
مقام الخشية لله ﵎ جامع لمقام المعرفة بالله، والمعرفة بحق عبوديته، فمتى عرف العبد ربه، وعرف حقه، اشتدت خشيته له كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
فالعلماء بالله وبأمره هم أهل خشيته كما قال النبي ﷺ : «وَاللهِ! إِنِّي لأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِي» أخرجه مسلم (١).
والعالم حقاً كل من خشي الله فأطاعه بفعل أوامره وترك نواهيه كما قال سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
ومن علامات معرفة الله الهيبة، فكلما ازداد العبد معرفة بربه ازدادت هيبته له، وخشيته إياه.
ومن عرف الله صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كل شي، وذهب عنه خوف كل مخلوق، وأنس بالله، واستوحش من غيره، وأورثته تلك المعرفة الحياء من الله، والتعظيم له، والإجلال والمراقبة، والمحبة والتوكل عليه، والإنابة إليه، والرضا به، والتسليم لأمره.
والله ﵎ لا يخشاه إلا العلماء، ولا يكون عالماً إلا من يخشاه، وما من عالم رباني إلا وهو يخشاه.
والعلم والخشية متلازمان، فإذا انتفى العلم انتفت الخشية، وإذا انتفت الخشية
стр. 2024
دلت على انتفاء العلم.
والمراد بالعلماء الذين يخشون الله: هم الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير، وبكل شيء عليم، وله الخلق والأمر، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
إن قلوب المؤمنين واجفة من خشية الله، طامعة راجية في فضل الله، متجهة إلى ربها بالطاعة، هذه الأرواح هي التي تؤمن بالله، وتعرف حقه، وقدره وعظمته: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾ [السجدة: ١٥].
هؤلاء إذا ذكروا بآيات الله خروا سجداً؛ تأثراً بما ذكروا به، وتعظيماً لله الذي ذكروا بآياته، وشعوراً بجلاله الذي يقابل بالسجود أول ما يقابل، تعبيراً عن الإحساس الذي لا يعبر عنه إلا تمريغ الجباه بالتراب، وسبحوا بحمد ربهم مع حركة الجسد بالسجود، وهم لا يستكبرون، فهي استجابة الطائع الخاشع المنيب الشاعر بجلال الله الكبير المتعال.
وهؤلاء: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾ ... [السجدة: ١٦].
فالمضاجع تدعوهم إلى الرقاد والراحة ولذة النوم، ولكن هذه الجنوب لا تستجيب؛ لأن لها شغلاً عن المضاجع اللينة، والرقاد اللذيذ، شغلاً بربها، شغلاً بالوقوف في حضرته، وبالتوجه إليه في خشية وفي طمع، يتنازعها الخوف والرجاء، الخوف من عذاب الله، والرجاء في رحمته، الخوف من غضبه، والطمع في رضاه، الخوف من خذلانه، والطمع في توفيقه.
وهذه الصورة المشرقة لهؤلاء المؤمنين يرافقها الإكرام الإلهي، والحفاوة الربانية بهذه النفوس العالية: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧].
стр. 2025
إنها حفاوة الله بهؤلاء القوم، وتوليه بذاته إعداد المذخور لهم عنده من الحفاوة والكرامة مما تقرب به العيون.
هذا المذخور لا يطلع عليه أحد سواه، ويظل عنده مستوراً، حتى يكشف لأصحابه عنه يوم لقائه.
والقرآن الكريم أحسن الحديث، والذين يخشون ربهم يتلقون هذا الذكر في وجل وارتعاش، تقشعر منه الجلود، ثم تهدأ النفوس، وتأنس قلوبهم بهذا الذكر كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣].
وما ترتعش القلوب هكذا إلا حين تحركها إصبع الرحمن إلى الهدى والاستجابة والإشراق، والله يعلم من حقيقة القلوب ما يجازيها عليه بالهدى أو بالضلال: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ [الكهف: ١٧].
فهو سبحانه يضله بما يعلمه من حقيقته المستقرة على الضلال التي لا تقبل الهدى، ولا تجنح إليه بحال.
وأهل كرامته هم أهل خشيته كما قال سبحانه: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ [البينة: ٨].
وكل من كان بالله أعلم كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخافه ويخشاه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].
فسبحان العزيز الذي بعزته قهر جميع الخلائق، الغفور الذي يغفر ذنوب التائبين، الشكور الذي يقبل القليل، ويجازي بالكثير.
والخشية خوف يشوبه تعظيم، وهي تألم القلب بسبب توقع مكروه في
стр. 2026
المستقبل، يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته.
والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى، فهي خوف مقرون بمعرفة، وخوف مع تعظيم، ولذلك خص بها العلماء، أما الخوف فهو لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والوجل للمقربين.
فكل من كان بالله أعرف كان له أخوف، وله أخشى، ومنه أشفق: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ [الأنبياء: ٤٨،٤٩].
стр. 2027
٣٩ - فقه الغيرة
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣].
وقال النبي ﷺ : «لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ الله، وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلا شَيْءَ أحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ الله، وَلِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ» متفق عليه (١).
الغيرة منزلة شريفة جداً، وهي نوعان:
غيرة من الشيء .. وغيرة على الشيء.
والغيرة على الشيء: هي شدة حرصك على المحبوب أن يفوز به غيرك.
والغيرة من الشيء: هي كراهة مزاحمته ومشاركته لك في محبوبك.
والغيرة باعتبار من يغار قسمان:
غيرة الحق تعالى على عبده .. وغيرة العبد لربه لا عليه.
فأما غيرة الرب على عبده فهى أن لا يجعله للخلق عبداً، بل يتخذه لنفسه عبداً، فلا يجعل له فيه شركاء متشاكسين، بل يفرده لنفسه، ويضن به على غيره، وهذا أعلى الغيرتين.
أما غيرة العبد لربه فنوعان:
فالتي من نفسه: أن لا يجعل شيئاً من أعماله وأقواله وأحواله وأوقاته وأنفاسه لغير ربه .
والتي من غيره: أن يغضب لمحارمه إذا انتهكها المنتهكون، ولحقوقه إذا تهاون بها المتهاونون، وغيرة العبد من نفسه أهم من غيرته من غيره، ولا أحد أغير من الله أبداً.
ولذلك لم يجعل الكفار أهلاً لفهم كلامه، ولا أهلاً لمعرفته، وتوحيده ومحبته، فجعل بينهم وبين رسوله وكلامه وتوحيده حجاباً مستوراً عن العيون، غيرة عليه
стр. 2028
أن يناله من ليس أهلاً له كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء: ٤٥].
والغيرة: هي عجز الغيور عن احتمال ما يشغله عن محبوبه، ويحجبه عنه ضناَ به أن يعتاض عنه بغيره، وأن يضيق ذرعه بالصبر عن محبوبه.
وهذا هو الصبر الذي لا يذم من أنواع الصبر سواه، والحامل له على هذا الضيق مغالاته بمحبوبه.
والغيرة على ثلاث درجات:
الأولى: غيرة العبد على ما ضاع عليه من عمل صالح، فهو يسترد ضياعه بأمثاله، ويجبر ما فاته من الأوراد والنوافل وسائر القرب بفعل أمثالها من جنسها وغير جنسها، فيقضي ما ينفع فيه القضاء، ويعوض ما يلزم فيه العوض، ويجبر ما يمكن جبره.
ويستدرك ما فاته من أداء الحقوق والواجبات، ويتدارك قواه ببذلها في الطاعة قبل أن تتبدل بالضعف، فهو يغار عليها أن تذهب في غير طاعة الله.
ويتدارك قوى العمل الذي لحقه الفتور عنه غيرة له وعليه.
الثانية: غيرة العبد على فوات الأوقات، فالوقت أعز شيء عليه، يغار عليه أن ينقضي بدون عمل صالح، فإذا فاته الوقت لا يمكن استدراكه البتة؛ لأن الوقت الثاني قد استحق واجبه الخاص، فإذا فاته وقت فلا سبيل له إلى تداركه، وهي غيرة قاتلة؛ لأن حسرة الفوت قاتلة، والاشتغال بالنوم على الوقت الفائت تضييع للوقت الحاضر، والوقت منقضٍ بذاته، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته، واشتدت حسراته.
الثالثة: غيرة العبد على بصيرة غطاها ستر أو حجاب عن ربه، أو يتعلق برجاء من ثواب منفصل، ولم يتعلق بإرادة الله ومحبته، أو يلتفت إلى عطاء من دون الله فيرضى به، ولا ينبغي أن يتعلق إلا بالله، ولا يلتفت إلا إلى المعطي الغني الحميد، وهو الله وحده.
стр. 2029
والغيرة غريزة تشترك فيها الرجال والنساء، بل قد تكون من النساء أشد.
وغيرة الله تكون من إتيان محارمه، فالمسلم الذي يطيع هواه وينقاد للشيطان ويقع في محارم الله فكأنه جعل لغيرة الله فيه شريكاً.
ولما كانت الطاعة خاصة بالله ، ويأبى أن يشاركه فيها غيره، كان ذلك مبعثاً لأن يستثير العاصي غضب مولاه، وغيرته عليه، وما ذلك إلا لأن ربه سبحانه لا يرضى لعبده المعصية كما لا يرضى لهم الكفر.
ومن ثم تكون الغيرة من جانب الله غيرة حقيقية على ما يليق بجلاله وكماله، ومن لوازمها كراهة وقوع العبد في المعاصي، وإشراكه غير الله في الطاعة.
قال سعد بن عبادة ﵁: لَوْ رَأيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: «أتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ، والله لأنَا أغْيَرُ مِنْهُ، والله أغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أجْلِ غَيْرَةِ الله حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ، مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلا أحَدَ أحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ الله، وَمِنْ أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ، وَلا أحَدَ أحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ الله، وَمِنْ أجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ الله الْجَنَّةَ» متفق عليه (١).
стр. 2030
٤٠ - فقه الثقة بالله
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ [القصص: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
الثقة بالله: خلاصة التوكل ولبه، كما أن سواد العين أشرف ما في العين، فالثقة كالروح، والتوكل كالبدن الحامل لها، ونسبتها إلى التوكل كنسبة الإحسان إلى الإيمان.
والثقة بالله على ثلاث درجات:
الأولى: أن يعلم الواثق بالله أن الله تعالى إذا حكم بحكم وقضى أمراً فلا مرد لقضائه، ولا معقب لحكمه.
فمن حكم الله به بحكم، وقسم له بنصيب من الرزق، أو الطاعة، أو العلم، أو غيره فلا بدَّ من حصوله له، ومن لم يقسم له ذلك فلا سبيل إليه البتة.
فإذا علم قعد عن منازعة الأقسام.
فما كان له منها فسوف يأتيه على ضعفه، وما لم يكن له منها فلن يناله بقوته، وبذلك يتخلص بالثقة بالله من قحة الإقدام، والجرأة على إقدامه على ما لم يحكم له به، ولا قسم له.
الثانية: درجة الأمن، وهو أمن العبد من فوت المقدور، فمن حصل له الإياس من منازعة الأقسام حصل له الأمن.
فمن عرف الله وعلم أن ما قضاه الله فلا مرد له البتة أمن من فوت نصيبه الذي قسمه الله له، وأمن من نقصان ما كتبه الله له، فيظفر بروح الرضا؛ لأن صاحب الرضا في راحة، ولذة وسرور.
فإن لم يحصل له هذا المقام ظفر بعين اليقين، وهو قوة الإيمان، فإن لم يحصل
стр. 2031
له هذا المقام حصل على لطف الصبر، وما فيه من حسن العاقبة.
الثالثة: شهود تفرد الرب تعالى بالبقاء، وتيقنه فراغ الرب من المقادير، وسبق القدر بها، وبذلك يتخلص من المحن التي تعرض له، ويتخلص من الالتفات إلى الأسباب بقلبه، ويتخلص كذلك من طلب ما حماه الله تعالى عنه قدراً، فلا يتكلف طلبه وقد حماه الله عنه.
ويتخلص كذلك من تكلف الاحترازات، وشدة احتمائه من المكاره، لعلمه بسبق القدر بما كتب الله له منها، لكن يحتمي مما نهى الله عنه، وما لا ينفعه في طريقه.
وإذا كان الله ورسوله ﷺ في جانب فاحذر أن تكون في الجانب الآخر، فإن ذلك يفضي إلى المشاقة والمحادة، ولا تستسهل هذا فإن مباديه تجر إلى غايته، وقليله يدعو إلى كثيره، وكن في الجانب الذي فيه الله ورسوله ﷺ ، وإن كان الناس كلهم في الجانب الآخر، فإن لذلك عواقب هي أحمد العواقب وأفضلها، وليس للعبد بأنفع من ذلك في دنياه قبل آخرته.
وأكثر الخلق إنما يكونون في الجانب الآخر، لا سيما إذا ضعف الإيمان، وقويت الرغبة أو الرهبة، فهناك لا تكاد تجد أحداً في الجانب الذي فيه الله ورسوله ﷺ .
بل يعده الناس ناقص العقل، سيئ الاختيار لنفسه، وربما نسبوه إلى الجنون.
وذلك من مواريث أعداء الرسل، فإنهم نسبوهم إلى الجنون لما كانوا في شق وجانب، والناس في شق وجانب آخر.
ولكن من وطن نفسه على ذلك فإنه يحتاج إلى علم راسخ بما جاء به الرسول ﷺ يكون يقيناً له، ولا ريب عنده فيه، وإلى صبر تام على معاداة من عاداه، ولوم من لامه، ولا يتم ذلك إلا برغبة قوية في الله والدار الآخرة، بحيث تكون الآخرة أحب إليه من الدنيا، وآثر عنده منها، ويكون الله ورسوله ﷺ أحب إليه من الدنيا، وآثر عنده منها، ويكون الله ورسوله ﷺ أحب إليه مما سواهما.
стр. 2032
وهذا كله صعب في بادئ الأمر، فإن نفسه وهواه وشيطانه ومعاشريه من ذلك الجانب يدعونه إلى العاجل، فإذا خالفهم تصدوا لحربه، فإن صبر وثبت جاءه العون من ربه، وصار ذلك الصعب سهلاً .. وذلك الألم لذة .. فإن الرب شكور .. لا بدَّ أن يذيق عبده ووليه لذة تحيزه إلى الله ورسوله ﷺ .. ويريه كرامة ذلك .. فيشتد به سروره وغبطته.
ويبقى من كان محارباً له على ذلك، بين هائب له، ومسالم له، ومساعد وتارك له، ويقوي جنده، ويضعف جند العدو.
ولا يستصعب العبد مخالفة الناس، والتحيز إلى الله ورسوله ﷺ ، ولو كان وحده، فإن الله معه وإنما امتحن يقينه وصبره.
وأعظم الأعوان على هذا بعد عون الله التجرد من الطمع والفزع إلى غير الله،
فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز إلى الله ورسوله ﷺ .
ويعين العبد على التجرد من الطمع والفزع التوحيد، والتوكل، والثقة بالله، وعلم العبد بأن الأمر كله لله، وأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وليس لأحد مع الله شيء، بل الخلق كله والأمر كله بيد الله وحده لا شريك له: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
стр. 2033
٤١ - فقه التفويض
قال الله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾ [غافر: ٤٤].
وقال النبي ﷺ : «إِذَا أتَيْتَ مَضْجَعَكَ، فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ لِلصَّلاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأيْمَنِ، وَقُلِ: اللَّهُمَّ أسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أمْرِي إِلَيْكَ، وَألْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أرْسَلْتَ، فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ» متفق عليه (١).
التفويض: أن يتبرأ العبد من الحول والقوة، ويفوض الأمر إلى الله.
والتوكل أوسع من التفويض، ولا يستقيم مقام التوكل إلا بالتفويض، فإنه إذا فوض أمره إلى الله اعتمد بقلبه كله عليه بعد تفويضه.
والتفويض على ثلاث درجات:
الأولى: أن يعلم العبد أنه لا يملك قبل عمله استطاعة، فلا يأمن من مكر، ولا ييأس من معونة، ولا يعول على نية.
فاستطاعة العبد بيد الله لا بيده، فهو مالكها دونه، إن لم يعطها له فهو عاجز، فهو لا يتحرك إلا بالله لا بنفسه، فكيف يأمن العبد المكر وهو محرَّك لا محرِّك.
يحركه من حركته بيده، فإن شاء ثبطه وأقعده مع القاعدين كما قال فيمن منعه هذا التوفيق: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦].
فهذا مكر الله بالعبد، أن يقطع عنه مواد توفيقه، ويخلي بينه وبين نفسه، ولا يبعث دواعيه، ولا يحركه إلى مراضيه ومحابه.
وليس هذا حقاً على الله فيكون ظالماً بمنعه، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بل
стр. 2034
هو مجرد فضله الذي يحمد على بذله لمن بذله، وعلى منعه لمن منعه إياه، فلله الحمد على هذا وعلى هذا.
وإذا كان الله ﵎ هو الذي تفرد بخلقه ورزقه، وهو أرحم الراحمين فكيف ييأس من معونته له.
وكذلك لا يعول على نيته وعزمه ويثق بها، فإن نيته وعزمه بيد الله تعالى لا بيده، وهي إلى الله لا إليه، فلتكن ثقته بمن هي في يده حقاً، لا بمن هي جارية عليه حكماً.
الثانية: أن يرى ضرورته وفاقته وحاجته التامة إلى الله، فنجاته إنما هي بالله لا بعلمه ولا بعمله، فلا يرى عملاً منجياً، ولا يرى ذنباً مهلكاً، بل يرى فضل الله، وسعة مغفرته ورحمته.
ومشاهدة شدة ضرورته وفاقته إليه يوجب له أن لا يرى ذنباً مهلكاً، ويمنعه من اقتحام الذنوب المهلكة.
ولا يرى سبباً حاملاً، بل الحامل له هو الحق تعالى لا الأسباب التي يقوم بها، فإنه وإياها محمولان بالله وحده.
الثالثة: شهود تفرد الحق بملك الخلق والأمر، والحركة والسكون، والقبض والبسط، فيشهد حركات العالم وسكونه صادرة عن الحق تعالى في كل متحرك وساكن، فيشهد تعلق الحركة باسمه الباسط، وتعلق السكون باسمه القابض، فيشهد تفرده سبحانه بالبسط والقبض.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦،٢٧].
стр. 2035
٤٢ - فقه التسليم
قال الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
التسليم لله نوعان:
تسليم لحكم الله الديني الشرعي .. وتسليم لحكم الله الكوني القدري.
فأما الأول: فهو تسليم المؤمنين العارفين.
وأما الثاني: فهو التسليم لحكم الله الكوني، وهي مسألة الرضا بالقضاء والقدر.
والتسليم للقضاء يحمد إذا لم يؤمر العبد بمنازعته ودفعه، ولم يقدر على ذلك كالمصائب التي لا قدرة له على دفعها.
وأما الأحكام والأحوال التي أمره الله بدفعها فلا يجوز له التسليم إليها، بل العبودية مدافعتها بأحكام أخر أحب إلى الله منها، كمدافعة قدر المرض بالعلاج، ومدافعة قدر الجوع بالطعام وهكذا.
وليس في التسليم إلا علة واحدة، وهي أن لا يكون تسليمه صادراً عن محض الرضا والاختيار، بل يشوبه كره وانقباض، فيسلم على نوع إغماض.
فهذه علة التسليم المؤثرة فاجتهد في الخلاص منها.
والتسليم: هو الخلاص من شبهة تعارض الخبر، أو شهوة تعارض الأمر، أو إرادة تعارض الإخلاص، أو اعتراض يعارض الشرع والقدر.
وصاحب هذا التسليم هو صاحب القلب السليم، الذي لا ينجو يوم القيامة إلا