← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

والفقه في الدين والإنذار بالدعوة متلازمان، ومن غلب هذا على ذاك، أو ترك هذا من أجل ذاك، فقد ضل عن الصواب، وكان كمن له رِجلٌ أطول من الأخرى، فلا يستقيم له المشي: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقال سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الشورى: ١٥]. والله ﵎ بحكمته ابتلى عباده الذين يدعون إلى الله بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع، وله من الكلام والدعوة ما يناسبه: الأول: من عرف الحق فعاداه حسداً وبغياً كاليهود، أو عرف الحق وضل عنه كالنصارى كما قال سبحانه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]. الثاني: الرؤساء وأهل الأموال، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لما يعلمون أن الحق يقيدهم بأوامره، ويمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه، كما قال سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠]. الثالث: الذين نشأوا في باطل وجدوا عليه أسلافهم، يظنون أنهم على حق وهم على باطل، وهؤلاء هم الأكثرون: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ [الصافات: ٦٩، ٧٠]. وهؤلاء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠]. والدعوة إلى الله كما أنها مسئولية الأمة كلها فهي كذلك حاجة الأمة كلها،

стр. 2242

فالدعوة إلى الله سبب للهداية كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. والدعوة إلى الله أمان للأمة من العذاب والهلاك كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ [هود: ١١٧]. وكما أن العبادة أمر الله يجب امتثاله من كل مسلم كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. فكذلك الدعوة أمر الله يجب القيام به من كل مسلم كما قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥]. وعلى الداعي حين يقوم بالدعوة إلى الله أن يتعرف على المدعوين، وأن يراعي أحوالهم، فالله سبحانه جعل مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، والناس ثلاثة أقسام: الأول: من إذا عرض عليه الحق اعترف به واتبعه، فهذه يدعى بالحكمة بحسن بيان الحق ومقاصد الشرع. الثاني: من إذا سمع الحق اعترف به، لكنه لا يسرع لقبوله والعمل به، فهذا يحتاج مع البيان إلى الموعظة الحسنة بالترغيب في الجنة، والتحذير من النار، ليعلم ثواب الطاعات فيقبل عليها، ويعلم عقوبة المعاصي فيحذر منها، وينشرح صدره للعمل الصالح. الثالث: من إذا عرض عليه الحق لا يعترف به ولا يقبله، بل يرده بالشبهات، فهذا يجادل بالتي هي أحسن حتى تزول شبهته. وقد بين الله ذلك كله بقوله سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ [النحل: ١٢٥].

стр. 2243

والدين لا ينتشر ولا يحفظ إلا بأمرين: الدعوة إلى الله .. والجهاد في سبيل الله. فالدعوة أولاً لعموم الناس، ثم الجهاد في سبيل الله لمن عاند وأبى إلا الكفر أو آذى المسلمين أو اعتدى عليهم كما فعل النبي ﷺ وأصحابه ﵃. وهذا واجب المسلمين في كل زمان ومكان، فاتباع المهاجرين والأنصار ليس فقط بأداء العبادات وترك المحرمات. بل يكون مع ذلك الاقتداء بهم في الدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال: ٣٩، ٤٠]. وجميع طبقات الأمة محتاجون إلى الدعوة إلى الله: فالكفار والمشركون يُدعون إلى الدخول في الإسلام والخروج من الكفر. والمبتدعة والعصاة يُدعون إلى الله ببيان أحكام الدين الصحيحة، والترغيب في الأعمال الصالحة، والترهيب من الأعمال السيئة لعلهم يتوبون. والعباد يحتاجون إلى الدعوة ليزيد إيمانهم، ولتحسن أعمالهم، ولتتحرك قلوبهم لدعوة غيرهم. والعلماء يحتاجون إلى الدعوة ليعملوا بعلمهم، وينشروا علمهم في الأمة. وعامة المؤمنين يدعون إلى الله ليزيد إيمانهم ويكمل، فيتوبوا من ذنوبهم، ويحسنوا أعمالهم، ويحفظوا إيمانهم لئلا ينقص. فليس أحد يستغني عن الدعوة إلى الله والتذكير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح والإرشاد، لا المؤمن ولا الكافر، ولا العالم ولا الجاهل، ولا المطيع ولا العاصي. وكل يدعو بحسب حاله .. وكل يُدعى بحسب حاله. وإذا قمنا بالدعوة إلى الله يجب أن نخرج من قلوبنا عاطفة الانتقام من الناس

стр. 2244

مهما فعلوا بنا وآذونا. فالمريض إذا زاد مرضه واشتد أحياناً يضرب الطبيب الذي يعالجه، والطبيب يشفق عليه ويواصل علاجه، ويسهر من أجله. وهكذا أعداء الأنبياء وأعداء المسلمين بسبب شدة مرضهم وجهلهم يسبون الأنبياء والدعاة والمسلمين ويؤذونهم ويقاتلونهم، والأنبياء وأتباعهم كلما زاد الأعداء في أذاهم زادوا شفقة عليهم، ودعوا الله لهم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ولما كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس تَوَّجها الله بتاجين: أحدهما: صفة الأمة: وهو تاج الإيمان، والعبادات، والمعاملات والمعاشرات والأخلاق. الثاني: عمل الأمة: وهو تاج الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح للخلق. والأمة إذا تركت الدين فقد قطعت صلتها بالله، وأحلت بنفسها عقاب الله .. وإذ تركت الدعوة إلى الله خرج الدين من حياتها، وجاء الفساد في الأمة وفي العالم كله .. وانتشر الظلام مكان النور .. والشرك مكان التوحيد .. والمعاصي مكان الطاعات .. وأوجب ذلك غضب الله وسخطه ولعنته كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. وإن آفة أهل العلم والدعوة حين يقصدون بعملهم غير وجه الله من طلب مال أو جاه أو منصب، فحينئذ يصبح الدين حرفة وتجارة خاسرة لا عقيدة حارة دافعة. فهنا يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون إلى البر ويهملونه، وينهون عن الشر ويقتحمونه، فهؤلاء قد ضلوا وأضلوا، وهم

стр. 2245

يحسبون أنهم على شيء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾ [البقرة: ١٦]. وكثير من المسلمين يجهل أنه مكلف بالدعوة إلى الله، وبعضهم اكتفى بالعبادة عن الدعوة، وبعضهم اشتغل بالعلم وتعليمه، وبعضهم يؤدي العبادات، وجل وقته للشهوات، وبعضهم ليس معه من الدين إلا اسمه فلا عبادة ولا دعوة، والناس في ذلك طبقات ودرجات، ولكي يعرف كل إنسان ربه ودينه وأعمال رسوله ﷺ ، ويعرف أنه مسؤول عن الدين ونشره في العالم، ولكي يعود إلى ربه ويتوب إليه، ويحب دينه، ويرى جهد رسوله، لا بدَّ من تكوين بيئة صالحة يرى فيها المسلم أعمال الرسول ﷺ : من العبادات والدعوة والتعليم والآداب والسنن القولية والفعلية، وحسن المعاشرات والأخلاق. فإذا دخل في هذه البيئة الصالحة زاد إيمانه، وتغير فكره، وحسنت أعماله، وأقبل على الطاعات، وترك المعاصي، وصار عابداً داعياً، معظماً لربه، ممتثلاً لأوامره، شاكراً لنعمه، محسناً إلى خلقه، كما حصل ذلك كله في المدينة في المسجد النبوي، وفي بيوت النبي، وفي بيوت أصحاب النبي، فكل من دخل تلك الأماكن تأثر بما فيها من الإيمان والأعمال، واكتسب السنن والأحكام والآداب، فعمل بها داعياً إليها كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة: ١١٩]. وقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة: ١٢٢]. ولا بدَّ من التدرج في إيصال هذه الأصول لكل إنسان، ولكل جاهل، ولكل ضال، ولكل عاص، ولكل معاند، ولكل مستكبر، فلما تكونت بيئة الإيمان والأعمال الصالحة في المدينة جاءت الوفود تعلن إسلامها وطاعتها لله ورسوله، ثم دخل الناس في دين الله أفواجاً. وعودة الناس إلى الدين والعمل به والدعوة إليه لها أصول، ويتم ذلك بما يلي:

стр. 2246

التأليف .. ثم التعريف .. ثم التكليف. فنؤلف قلوب الناس بالثناء عليهم، وذكر محاسنهم، وإنزالهم منازلهم، ونهدي لهم ما يحبون، ونكرمهم ونحترمهم ونوقرهم، وبذلك يحبوننا، فيسمعون كلامنا، ويتأثرون بصفاتنا، ويرغبون في ديننا. ثم نبين لهم عظمة الله، وعظمة أسمائه وصفاته ليعظموه، ثم نبين كثرة نعمه على عباده، وجميل إحسانه إليهم، خاصة هذا الدين الذي منَّ الله به على عباده، ليشكروه ويطيعوه ليزيدهم من فضله. ثم نبين حاجة البشرية الماسة للدين ليسعدوا في الدنيا والآخرة ثم نبين فضائل الدعوة إلى الله، وفضل الخطوات في سبيل الله، وجهود الأنبياء في نشر دين الله، ونرغب الناس في جهد الأنبياء. فإذا عرف الناس ذلك جاءت عندهم الرغبة في العمل بالدين والدعوة إليه، والصبر على ذلك. فإذا قام المسلم بالدعوة إلى الله زاد إيمانه، ونزلت الهداية على العباد، وجاءت عنده الرغبة في التضحية في سبيل الله بنفسه وماله، وأوقاته وشهواته، وبلده وأولاده، وكل ما يملك كما فعل ذلك النبي ﷺ وأصحابه: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨، ٨٩]. ثم تأتي في قلبه رحمة الناس، والشفقة عليهم، والإحسان إليهم، والدعاء لهم، ثم يرى عياناً مظاهر رحمة الله لعباده، وفضله عليهم. وأهم أصول دعوة الأنبياء التي تنزل بسببها الهداية: الإيمان واليقين، والتقوى والإخلاص، والاستقامة على أوامر الله، والتوكل على الله، والصبر على كل أذى، والعفو والصفح، والرحمة والشفقة، وامتثال أوامر الله في جميع الأحوال، والقيام بالدعوة إلى الله، وعدم سؤال الناس

стр. 2247

الأجرة عليها. وكان النبي ﷺ وأصحابه ﵃ يدعون إلى الله بالعزة؛ لعلمهم أن الله معهم وهو مولاهم، ويمشون بالانكسار والتواضع؛ لعلمهم أن الهداية بيد الله وأنهم لا يملكون شيئاً، ويرحمون الناس ويشفقون عليهم، ويرفقون بهم، لعلهم يهتدون فينجون من عذاب الله؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلمون. ولم يبدأ النبي ﷺ في معالجة تقاليد الجاهلية من خمر وزنى وميسر وربا من أول الأمر؛ لأنها إنما تقوم على جذور اعتقادية فاسدة، فعلاجها من فوق السطح قبل علاج جذورها جهد ضائع. وإنما بدأ ﷺ من شهادة أن (لا إله إلا الله). وطالت فترة إنشاء لا إله إلا الله في القلوب حتى بلغت ثلاثة عشر عاماً في مكة، تم فيها تعريف الناس بإلههم الحق، وتعبيدهم له، وتطويعهم لسلطانه، وتذكير الناس بنعم الله على عباده، وبيان ثواب أهل الطاعة، وعقاب أهل المعصية، واطمأنت القلوب وأسلمت نفسها لله. حتى إذا خلصت نفوسهم لله، وأصبحوا لا يجدون لأنفسهم خيرة إلا ما يختاره الله، وجاءت فيهم محبة الله ورسوله ودينه، واستعدت نفوسهم للطاعة وتنفيذ أوامر الله، بدأت التكاليف بما فيها الشعائر التعبدية وتفصيل أحكامها وأوقاتها ومقاديرها في المدينة. وعندئذ بدأت تنقية رواسب الجاهلية في العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق. بدأت في الوقت الذي يأمر الله بأمر فيطيع العباد بلا جدال، بل نزلت أوامر الدين في المدينة كالمطر فاستقبلوها بالطاعة التامة، وتلذذوا بأدائها وتنفيذها، وقالوا سمعنا وأطعنا لله ورسوله؛ لأنهم أسلموا وجوههم لله، فلا يختارون إلا ما اختاره الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].

стр. 2248

ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: إما مؤمن .. وإما كافر .. وإما منافق يظهر الإسلام ويبطن الكفر، بخلاف ما كانوا وهو بمكة، فلم يكن هناك منافق، ولم يكن من المهاجرين منافق، وإنما كان النفاق في المدينة في قبائل الأنصار. فإن مكة كانت قبل الفتح بيد الكفار وهم زعماؤها، فلا يؤمن ويهاجر إلا من هو مؤمن، والمدينة آمن بها أهل الشوكة والزعامة، فصار للمؤمنين بها عزة ومنعة بالأنصار، فمن لم يظهر الإسلام من الكفار انكشف أمره، وبطل كيده ومكره، فظهر النفاق، واحتاج المنافقون إلى إظهار الإيمان وشعائره مع أن قلوبهم لم تؤمن: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾ [التوبة: ١٠١]. وجميع العبادات مركبة على الرخص، فبدل الوضوء التيمم عند الحاجة، والفطر بدل الصيام في السفر، وقصر الصلاة وجمعها في السفر، والصلاة للمريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب .. وهكذا. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦]. أما الدعوة فهي مركبة على العزيمة كما قال سبحانه: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾ [الحج: ٧٨]. وقال سبحانه: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾ [الفرقان: ٥٢]. وحاجة البشرية للدين أعظم من حاجتهم للطعام والشراب، بل أعظم من الهواء والتنفس؛ لأنهم بفقد الهواء والتنفس يفقدون الحياة الدنيا، وبفقد الدين

стр. 2249

يخسرون الدنيا والآخرة، وأي خسران فوق هذا؟ ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ [النساء: ١١٩]. فلا بدَّ من الانتشار في الأرض لإبلاغ دين الله، ونشر السنن والأحكام بين الناس، ومقاتلة من يصد عن سبيل الله، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .. كما قال سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. ومن أجل ذلك دعا النبي ﷺ إلى الله في كل مكان، وعرض دعوته وما جاء به من الدين على أهل مكة .. وأهل الموسم .. وأهل الطائف .. وأهل المدينة .. وأنذر الناس كافة .. والعالمين قاطبة. وجاهد بنفسه، وغزا بنفسه، وأرسل البعوث والسرايا لإعلاء كلمة الله ونشر دينه، وقمع المعتدين، ودفع عدوان الظالمين. وكذلك فعل الصحابة معه، ومن بعده، فساروا في مشارق الأرض ومغاربها دعاة إلى الله، مبلغين دين الله، معلمين سنن رسول الله، مجاهدين في سبيل الله، لا يخافون في الله لومة لائم. ومضوا في هذا السبيل داعين إلى الله، مجاهدين في سبيل الله، في مشارق الأرض ومغاربها، حتى مات أكثرهم في غير مكان مولده، فعلوا ذلك كله امتثالاً لأمر ربهم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. فعقبة بن نافع مات في الجزائر .. وأبو لبابة في تونس .. وأبو أيوب الأنصاري في أسطنبول .. وأبو طلحة الأنصاري في جزائر الروم .. وقثم بن عباس في سمرقند .. وقتيبة بن مسلم الباهلي في فرغانة .. وعبد الرحمن الغافقي في فرنسا .. والنعمان بن مقرن في نهاوند .. وعلي بن أبي طالب في الكوفة .. والبراء بن مالك في تستر .. والحارث بن هشام في اليرموك .. وأبو عبيدة في الأردن .. وعبد الله بن رواحة في مؤتة .. وخالد بن الوليد في حمص .. وسلمان

стр. 2250

الفارسي في المدائن .. وبلال في دمشق .. وأنس بن مالك في البصرة .. وجعفر بن أبي طالب في مؤتة .. وعبد الرحمن بن سمرة في خراسان .. وعمرو بن العاص في مصر .. وشرحبيل بن حسنة في الأردن .. وسهيل بن عمرو في الشام، وغير هؤلاء كثير. والعباس بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ له عشرة أبناء، سبعة منهم قبورهم في بلاد شتى وولادتهم في مكة: الفضل في الشام .. وعبد الله في الطائف .. وعبيد الله في اليمن .. وقثم في سمرقند .. وعبد الرحمن ومعبد في إفريقيا. وحج مع النبي ﷺ حجة الوداع أكثر من مائة ألف، فلما قال لهم: «لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَإنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أوْعَى لَهُ مِنْهُ» متفق عليه (١). خرجوا بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله، ونشر دين الله، وإزاحة الباطل من الأرض، وما دفن منهم في المدينة إلا ما يقارب عشرة آلاف، والباقون ماتوا مجاهدين مسافرين مبلغين لدين الله في أنحاء الأرض، فرضي الله عنهم أجمعين: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾ [التوبة: ٨٨، ٨٩]. وكانت الدعوة في عهد النبي ﷺ والصحابة اجتماعية على كل فرد كالعبادة، ثم بقيت العبادة اجتماعية، وتحولت الدعوة إلى أفراد من الأمة، واقتصرت على قلة من الناس، فتأثرت عقيدة الأمة، وفسد يقينها، واهتز أمنها، وكثرت جراحها. فضعف الإيمان .. وبسبب ضعف الإيمان ضعفت الطاعات .. ثم ضعف العلم والذكر والتذكير .. ثم تأثرت الأخلاق .. ثم تغيرت المعاشرات .. وساءت المعاملات .. وتغيرت النيات.

стр. 2251

ولم يقف الأمر عند هذا الحد من التأثر والنقص والضعف، بل أخذ مكان كل صفة ضدها عند كثير من المسلمين: فكان مكان قوة الإيمان ضعف الإيمان .. ومكان قوة الأعمال ضعف الأعمال .. ومكان حسن الأخلاق سوء الأخلاق .. ومكان الدعوة إلى الله الدعوة إلى الأموال والأشياء .. ومكان جهد الدين جهد الدنيا. حتى ظهر في الأمة من يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف على كافة المستويات. وركب أكثر الأمة مراكب اللهو واللعب والغفلة والاشتغال بالدنيا كما هو واقع صريح في العالم الإسلامي، فضلاً عن العالم الجاهلي. واقتحم كثير من المسلمين المعاصي والفواحش علانية بلا مبالاة ولا خوف ولا حياء. فهل تُترك هذه الجراح تنزف المعاصي والذنوب والكبائر التي تغضب الله وتسبب سخطه، وتوجب لعنته، وتحل بنا نقمته؟ وهل تترك الأمة تسير وراء الشياطين والمجرمين بلا هدى إلى جهنم؟. وإذا كان العالم الآن ما يقارب سبعة مليارات إنسان، أكثرهم بلا إيمان ولا هدى، ويموت منهم يومياً أكثر من ثلاثمائة ألف إنسان إلى جهنم؛ لأنهم كفار يعيشون كالبهائم والشياطين بلا هدى. فمن المسئول عن هؤلاء؟، ومن المسئول عن التقصير في دعوتهم إلى الله؟، وماذا خسرت البشرية لما قصرنا في إبلاغها الدين؟ إن مسؤولية البشرية كافة يتحملها المسلمون كافة، فقد اجتباهم الله، وأكمل لهم الدين، وأتم عليهم النعمة، وأخرجهم للناس بأعظم دين، وأشرف وظيفة كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].

стр. 2252

إن لكل مسلم أخوين: أخ في الدين والنسب وهو المسلم .. وأخ في النسب لا في الدين وهو الكافر، ولكل منهما حق عليه. فحق المسلم النصيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وحق الكافر دعوته إلى الله، والعمل بشرع الله. والدعوة إلى الله واجبة على كل فرد من أمة محمد ﷺ ، بل هي أول واجب وأعظم واجب بعد الإيمان والعبادة على جميع الأمة وفي جميع الأحوال لكل الناس، فمن تركها وشغل نفسه بغيرها فهو آثم مقصر في وظيفته، ومسؤول عن تقصيره. والله يحتج على الحكام والملوك إذا تركوا الدعوة بسليمان ﵊، فلم يشغله ملكه عن الدعوة إلى ربه. ويحتج سبحانه على الفقراء إذا تركوا الدعوة بمحمد وعيسى عليهما الصلاة والسلام. ويحتج على الأغنياء إذا تركوا الدعوة إلى الله بأغنياء الصحابة كأبي بكر وعمر، وعثمان وغيرهم ﵃. ويحتج على المرضى إذا تركوا الدعوة إلى الله بأيوب ﷺ .. وهكذا. والناس مختلفون في قدراتهم ووظائفهم فمنهم الملك، ومنهم الوزير، ومنهم التاجر، ومنهم الطبيب، وهذه الوظائف الصغرى وقتها قليل، ومنافعها محدودة، فلا تعطى كل الوقت وكل الفكر وكل العمل. أما الوظيفة الكبرى لكل مسلم ومسلمة مهما كان فهي مركبة من أمرين: الأول: عبادة الله .. الثاني: الدعوة إلى الله. ففي الأولى إصلاح النفس .. وفي الثانية إصلاح الغير. وكل عمل فيما سوى ذلك فهو خسران محقق على صاحبه كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 2253

وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. فهاتان النسبتان لازمتان لكل مسلم ومسلمة في جميع الأحوال. وقد قسم الله الغني الكريم أرزاق العباد، وجعل لها أسباباً دينية ودنيوية تنال بها، فطلب المعاش وكسب الرزق لا مانع منه، بل هو فريضة بعد أداء فرائض الدين. ولكن نقوم بالكسب بجوارحنا، ونعتمد على الله في حصوله بقلوبنا، فإن الله هو الرازق الذي لا رازق سواه. فنقوم بالكسب وفي قلوبنا دائماً العبودية لله، بامتثال أوامر الله في التجارة، والدعوة إلى الله في كل وقت. فالإسلام حق لكل فرد في الأمة، والناس محتاجون إليه، ولا بدَّ من عرضه عليهم، فالإسلام لكي يقبله الناس لا بدَّ من إحسان عرضه على الناس في مساجدهم وبيوتهم وأسواقهم عن طريق العبادات .. وحسن المعاملات .. وجميل المعاشرات .. وحسن الأخلاق. وبيان عظمة ربهم وجلاله ليعظموه .. وذكر نعمه وآلائه ليشكروه .. وتذكيرهم بإحسانه وفضله ليحبوه ويحمدوه .. وبيان شرعه وأحكامه ليتقربوا به إليه .. وذكر منازل أهل الطاعة في الجنة ليقبلوا على الطاعات .. وذكر منازل أهل المعصية في النار ليحذروا معصيته. وبيان الفضائل والسنن والآداب قولياً وعملياً ليعبد الناس ربهم على بصيرة .. ويقبلوا على طاعته محبين له معظمين له. وعلينا أن نتكلم مع الناس حسب عواطفهم وحاجتهم لا حسب عواطفنا، فكل من لزم عملاً أو سلك طريقاً هو في الغالب مقتنع به خيراً كان أو شراً. فالكافر والعاصي يبين له حسن عمله، ويبين له الأحسن منه، ويذكر بمحاسنه وجميل أفعاله، ويكرم ويدعى له، ويذكر بربه ونعمه. وبمثل هذه الأخلاق ينشرح صدره، ويتأثر قلبه، وينفتح عقله، فيستعد لسماع الحق وقبوله والعمل به والدعوة إليه: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 2254

يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾ [فاطر: ٨]. وهل الدعوة إلا توجيه الناس إلى ربهم ودينه بالتي هي أحسن .. ونقلهم بالحكمة والرحمة من الشرك إلى التوحيد .. ومن الكفر إلى الإيمان .. ومن الباطل إلى الحق .. ومن القبيح إلى الحسن .. ومن الحسن إلى الأحسن. فالدعوة أم الأعمال، والعبادة من ثمراتها، والعبادة خاصة بالنفس، والدعوة عامة للبشرية، ولذلك بين الله أصول الدعوة في القرآن مفصلة؛ لأنها وظيفة الأمة الكبرى. ولكن يعرض للداعي إلى الله عقبات تعوقه أو تثبطه أو تقطعه، فلا بدَّ من معرفتها، ومعرفة علاجها، والحذر منها، وهي خطوات الشيطان التي يسلكها ليضل الخلق عن الحق، ويصرفهم عن الدين. فأولاً إذا قام الداعي بالدعوة إلى الله جاءه العدو الألد (اليأس) ففتت من همته لما يراه من سعة مساحة الكفر، وكثرة الطغاة والعصاة. وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٧]. ثم يشن (حب الظهور) هجومه، فيهوي بضرباته على رأس الهمة ويطرحها على الأرض، فيحترق العمل لفقده الإخلاص. وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾ [المائدة: ٨]. ثم يبرز إلى الميدان مفسد الأعمال وهادم البنيان (داء الاستعجال)، فتنقلب الأعمال على عقبيها لعدم استوائها ووضعها في غير محلها. وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران: ٢٠٠].

стр. 2255

ثم يتصدى للدعوة (الرأي الشخصي المستبد) الذي يبدد أعمال الإنسان وأعمال الجماعة، ويسبب رفع نصرة الله عنهم، وتمكين الأعداء منهم. ثم يبرز (التفكير الانفرادي) فيهتم بنفسه، ويهمل غيره، فلا يتماسك له بناء، ولا تثمر له شجرة، وإنما خير الناس أنفعهم للناس وعلاج ذلك كله بقوله سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ثم يخرج إلى الساحة عدو آخر ماكر وهو (التقليد) فيجد الفرصة سانحة لتقليد الكسالى والقاعدين، وبه يقصم ظهر الهمة، فيكثر القاعدون، فتتراكم الظلمات، وتزداد الجهالات، وتنبت البدع، وتختفي السنن. وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة: ٤١]. ثم يلوح العدو الغدار وهو (التسويف) الناجم عن العجز وفقدان الثقة بالنفس، فينشأ معه تأجيل الأعمال الصالحة الأخروية من اليوم إلى الغد، ثم ينسيه الشيطان إياها. وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ثم يدخل الساحة العدو الملحد وهو (التدخل فيما هو موكول أمره إلى الله). وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الشورى: ١٥]. فليس للعبد أن يتأمر على سيده، وإنما واجبه تنفيذ أوامر سيده وطاعة مولاه. وأخيراً يقبل داء (حب الراحة والدعة) الذي هو أم المصائب وعلاجه بقوله سبحانه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١].

стр. 2256

وهذه الدار دار المجاهدة والعمل، والناس في جهاد إما لدينهم وإما لدنياهم، وأحسن الجهاد ما ثمرته كبيرة نافعة باقية، وهو الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وإذا كان الداعي يدعو الناس إلى الله، فالعالم يعلم الناس كيف يعبدون الله، وكما أن كل مسلم مأمور بالعبادة، فهو كذلك مأمور بالدعوة. والناس محتاجون إلى الداعي الذي يدعوهم إلى الله، وإلى العالم الذي يعلمهم أحكام دينهم. والفرق بين الدعوة والإفتاء: أن الفتوى خاصة بمن اختارهم الله لذلك من العلماء والفقهاء الذين مكنهم من العلم بالسنن والأحكام، وأعطاهم القدرة على الحفظ، ووفقهم للفقه في الدين، فهؤلاء العلماء يعلمون الناس، ويجيبون من سأل عن الأحكام ومشكلات المسائل. وكثير من الصحابة كانوا يخافون من الفتوى ويتدافعونها مع غزارة علمهم وكمال معرفتهم بدينهم، ولم يكن فيهم مفت إلا قلة كابن عمر وابن عباس، وعلي ومعاذ، وابن مسعود ﵃. أما الدعوة إلى الله فهي عامة لكل فرد من الأمة رجالاً ونساءً، فالدعوة لعموم الناس، والنصيحة لعموم المسلمين، والفتوى خاصة بالعلماء. ومن الناس من اختلط عليه الأمر فظن أن الدعوة خاصة بالعلماء والفتوى مباحة لكل أحد، وهذا بلاء عظيم، وقول على الله بلا علم، وذلك قرين الشرك، بل هو أخطر منه كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فلنسأل القرآن لينكشف الصواب، ويتميز الحق من الباطل.

стр. 2257

ففي الفتوى نسأل العلماء كما قال سبحانه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣]. والدعوة وظيفة كل فرد من الأمة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨]. والعبادة واجبة على كل فرد من الأمة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١]. فعلينا القيام بثلاثة أمور: الأول: أن نجعل حياتنا تابعة لحياة النبي ﷺ . الثاني: أن نقوم بجهد النبي ﷺ بالدعوة إلى الله لعموم البشرية. الثالث: أن نقيم الأمة على جهد النبي ﷺ وهو الدعوة إلى الله، كما أقام النبي ﷺ الصحابة على ذلك من أول يوم. والدعوة إلى الله وإن كانت إحساناً للبشرية، فهي في نفس الوقت حقهم الذي يجب إيصاله إليهم وإبلاغهم إياه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والأمة لما تركت الدعوة إلى الله ضعف فيها الإيمان، وقلت الطاعات، وكثرت المعاصي، وجاء فيها صفتان من صفات اليهود والنصارى: الأولى: الاهتمام بجمع الأموال بأي وسيلة، وفي كل وقت، وشغل الفكر والبدن بذلك كاليهود الذين لعنهم الله. الثانية: الاهتمام بتكميل الشهوات وإضاعة الأوامر، وشغل الفكر والبدن بذلك كالنصارى الذين ضلوا عن الحق. وكان الناس في زمن النبي ﷺ على قسمين: أمة الإجابة وهم المسلمون .. وأمة الدعوة وهم الكفار. ثم أقبل كثير من المسلمين على الدنيا بسبب ترك الدعوة فصار الناس على ثلاثة أقسام:

стр. 2258

أمة الإجابة وهم المسلمون .. وأمة نيابة وهم المسلمون الذين يقومون بالدعوة .. وأمة دعوة وهم الكفار. فالواجب الآن أن نجتهد على من ترك وظيفة الدعوة من المسلمين، حتى يكون الجميع أمة نيابة، ثم نجتهد على أمة الدعوة وهم الكفار إذا ظهرت صفات الإسلام وعباداته وأخلاقه في المسلمين، والتي هي سبب للهداية. والله ﵎ جعل هذا الدين العظيم أمانة عندنا نقوم به وندعو إليه، فلا بدَّ من حفظ هذه الأمانة، وأدائها إلى أهلها، ووضعها في أماكنها، وهي قلوبنا وقلوب الناس، وأبداننا وأبدان الناس. ومن فضل الله على هذه الأمة أن أكرمها بوظيفة الدعوة إلى الله في جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن، ولكل الناس، فبالدعوة يزيد الإيمان، ويقوى اليقين، وتكثر الطاعات، وتقل المعاصي، وتزيد الأجور، ويهتدي الناس، ويزيد الخير، ويقل الشر، وتصلح أحوال البشرية في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠،٧١]. ومن أجل ذلك قام النبي ﷺ وأصحابه بالدعوة إلى الله في جميع الظروف والأحوال. في حال العسر واليسر .. وفي حال الأمن والخوف .. وفي حال الشدة والرخاء .. وفي حال الحر والبرد .. وفي حال الصحة والمرض .. وفي حال السفر والإقامة .. وفي حال الغنى والفقر. فحين مات عم النبي ﷺ أبو طالب وزوجته خديجة في مكة لم يترك الدعوة، بل ضاعف الجهد والعمل، وهاجر من أجل الدين إلى المدينة مع تهديد قريش له، وسعيهم في قتله. وماتت ابنته رقية في المدينة، وهو يجاهد في سبيل الله في غزوة بدر، وقتل عمه حمزة بين يديه في أحد، وجرح في وجهه وكسرت رباعيته في أحد، وقتل

стр. 2259

سبعون من أصحابه بين يديه في أحد. ورمى المنافقون زوجته عائشة بالفاحشة، فما منعه كل ذلك عن القيام بالدعوة. وقبل ذلك قال الكفار عنه ﷺ ساحر كذاب، وتارة شاعر، وتارة مجنون .. وطردوه وسبوه وآذوه .. ومكروا به، وكادوه، وسخروا منه .. ثم عزموا على قتله .. ليموت الدين الذي جاء به كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠]. والله يثبته ويطمئنه ويؤيده، ويأمره بالصبر كما قال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠]. وتوالت عليه تلك المصائب وغيرها، ولكن همّ الدين، وإقامته ونشره وإبلاغه شغله عن تلك المصائب، فأظهر الله دينه، وكانت العاقبة له وللمؤمنين به، فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله، الذين بعثهم الله رحمة للعالمين، فبلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وصبروا على كل ما أصابهم في سبيل إعلاء كلمة الله، ونشر دينه، أولئك رسل الله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩]. وكل من قام بالدعوة إلى الله، وغشى الناس في بيوتهم وأسواقهم داعياً ومعلماً للناس فالله يستخدمه لدينه، ويجعله سبباً لهداية العالم، وبجهده يتغير العالم كما تغير بجهد الأنبياء. فتحيا الفرائض والأوامر .. وتحيا السنن والآداب في حياة الناس .. ويحيا في الأمة الشعور بمسئولية الدين .. وتصلح عباداتهم ومعاملاتهم .. وتصلح معاشراتهم وأخلاقهم .. وتصلح بيوتهم وأسواقهم .. وتدخل السنن .. وتخرج البدع .. وتتهيأ القلوب للحق .. ويحصل فيها الاستعداد لجميع أعمال الدين .. ويرزق الله الداعي قوة اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته .. ويجعل أعمال

стр. 2260

الدين كلها محبوبة لديه .. ويرى نصرة الله معه .. ويطوي بساط الباطل من حوله .. ويجعل له المحبة في قلوب الناس، ويكتب له مثل أجور كل من دعاه واهتدى بسببه إلى يوم القيامة وتحصل له الهداية، وتنزل بسببه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فأي خير؟ .. وأي بركات؟ .. وأي منافع تحصل للدعاة والمدعوين بسبب الدعوة إلى الله؟: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. وكم الأرباح التي يحصل عليها الدعاة إلى الله؟. وكم حجم الخسارة التي يخسرها من ترك وظيفة الدعوة إلى الله؟. وكم ينجو من البشرية من النار ببركة الدعاة إلى الله؟. وكم يقع في النار من البشر بسبب ترك الدعوة إلى الله؟. إن الله فطر عباده على التوحيد، ولكن الشياطين جاءتهم فاجتالتهم عن دينهم، وزينت لهم سوء أعمالهم، وبسبب ترك الدعوة إلى الله ضلوا وأضلوا، فلا بدَّ من بذل كل جهد ليعود الناس إلى ربهم وفاطرهم. إن الكافر والعاصي كالغريق لا بدَّ له من عمليتين: الأولى: إخراجه من الماء .. والثانية: إخراج الماء منه. وكذلك الكافر والعاصي نخرجه من البيئة الفاسدة إلى البيئة الصالحة التي فيها الإيمان والأعمال الصالحة والأخلاق الحسنة، فإذا دخل الإيمان في قلبه، وجاءت عنده محبة الإيمان والأعمال الصالحة عالجناه بإخراج الشهوات وحب الدنيا من قلبه، ثم نزكيه بالإيمان ولزوم البيئات الصالحة التي يسهل فيها فهم الدين، وحب الدين، والعمل بالدين. والحق الذي جاء به محمد ﷺ يؤثر في قلوب الناس إذا توفرت له ثلاث قوى: قوة دافعة وهي الإيمان .. وقوة ضابطة وهي العلم .. وقوة جاذبة وهي العمل الصالح وحسن الخلق.

стр. 2261

وينتشر الحق بين الناس بصنفين من الناس: الأول: أناس مؤمنون يضحون بأموالهم وأنفسهم، ويتركون ديارهم وأعمالهم وأهلهم، وكل ما يملكون، ويخرجون لإعلاء كلمة الله. الثاني: أناس مؤمنون يبذلون أموالهم وأوقاتهم وكل ما يملكون من أجل إعلاء كلمة الله. أناس يتركون لله .. وأناس يبذلون لله .. فالأولون المهاجرون .. والآخرون الأنصار .. فالبذل والترك .. علامة الصدق .. وتاج التضحية، فأولئك وأولئك بالإيمان والبذل والترك من أجل إعلاء كلمة الله ﵃ كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. وكمال شخصية الداعي إلى الله تتطلب التحلي بأحسن الأخلاق والصفات، ليكون سبباً في محبة الناس للدين، ومن ثم دخولهم فيه، فضلاً عن محبة الله لذلك. وقد بعث الله رسوله محمداً ﷺ متمماً لمكارم الأخلاق كما قال ﷺ : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُِتَمِّمَ صَالِحَ الأَْخْلَاقِ» أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد (١). ومن أهم تلك الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي إلى الله: أولاً: اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فيتيقن أن الله معه يؤيده وينصره ويحفظه، واليقين التام بصلاحية دعوته، وأهمية نشرها بين الناس. بل يرى أن عدم عرضها على الناس، وحملهم عليها جناية عليهم، وخيانة لهم. واليقين على أنها السبيل الوحيد لسعادة الأمة، وحل مشاكل العالم، وبها تحيا السنن والأوامر الشرعية.

стр. 2262

وبذلك الشعور يصبح قادراً على التفاني في سبيل نشرها، والتضحية بكل ما يملك من أجلها كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. ثانياً: حسن الأخلاق، والقدوة الحسنة في العبادات والمعاملات، والمعاشرات والأخلاق كالرحمة والشفقة، والصدق والصبر، والعفو والحلم، والجود والإكرام، والرفق والحياء، والتواضع، والعدل والإحسان، ومقابلة السيئة بالحسنة كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. ثالثاً: الاهتمام بالروح، وذلك بالتجافي عن الدنيا وحطامها وشهواتها، والإقبال على النفس وتطهيرها وتزكيتها بذكر الله، وفعل الطاعات محبة لله وتعظيماً له، وتضرعاً إليه، واجتناب المحرمات طاعة لأمره. رابعاً: الشجاعة: وهي نوعان: الأول: شجاعة القلب التي تحمله على أن لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يهاب أحداً سواه كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ [آل عمران: ١٧٥]. الثاني: شجاعة العقل التي تحمله على أن يجاهر برأيه، ويصرح بعقيدته، ويصدع بالحق الذي يؤمن به ويدعو إليه، ويعيش من أجله، ويضحي بنفسه وماله وكل ما يملك من أجله كما قال سبحانه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ ... [الحجر: ٩٤]. والدعوة إلى الله كما هي وظيفة الرسول ﷺ هي كذلك وظيفة الأمة، ولهم به قدوة في الدعوة كما لهم به قدوة في العبادة وقد بذل الرسول ﷺ جهده في إبلاغ الدين، ونشر الرسالة، فلم يدع وسيلة للدعوة إلا استفاد منها، ولا سبيلاً

стр. 2263

إلا سلكها، ولا فرصة سانحة إلا شق طريقه إليها، ولا مناسبة إلا كان له نصيب فيها. فلم يذر قريباً إلا عرض عليه الإسلام .. ولا بعيداً إلا شد الرحال إليه .. يدنو البعيد بهمته .. وتذلل الصعاب لعزيمته .. يحدوه الأمل فيجد في العمل .. لا يكل ولا يمل. لا يثنيه تجهم قريب .. ولا صدود بعيد .. ولا سخرية شامت .. ولا كيد حاسد .. ولا ظلم مستكبر .. ولا أذى باغ .. ولا طغيان جبار. عرض ﷺ نفسه على القبائل .. واجتمع بوفودها في المواسم .. ودعا عامتهم وخاصتهم إلى الإسلام بالرحمة والشفقة، واللطف واللين .. ولم يأل جهداً ولم يدخر وسعاً .. حتى ظهر أمر الله .. وعز الإسلام وأهله .. وقامت دولته .. وقويت شوكته .. وكملت شرائعه .. ورفعت أعلامه. وأقوى سلاح الدعوة وأبلغها أثراً وأعظمها نفعاً رحمة الناس، والرفق بهم واللين معهم، ليقبلوا الدين، ويعملوا بأحكامه، ففرعون أشد خلق الله طغياناً وكفراً .. وظلماً وكبراً .. وقال ما لم يقله إبليس، نازع الله في الربوبية فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤]. ونازع الله في الألوهية فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]. وادعى ما لا يملك وكفر بنعمة الله فقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ [الزخرف: ٥١، ٥٢]. واستكبر ورد أمر الله كما قال الله عنه: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾ [القصص: ٣٩]. ومع هذا كله جاء أمر الله لموسى وهارون بدعوته إلى الله بالقول اللين كما قال سبحانه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٣، ٤٤].

стр. 2264

والدعوة إلى الله على منهج الأنبياء والمرسلين سبب لإقامة الدين في حياة الأمة وقبولها له، وتأثرها به. أما إقامة الدين في حياة الأمة عن طريق الحكومة أو الأموال أو القوة لا عن طريق الدعوة، فهذا من أساليب الشياطين واليهود الذين يسعون في الأرض فساداً كما خرجوا على عثمان بن عفان ﵁ بالسيف، ومنذ ذلك الوقت والسيف يعمل في المسلمين لا في أعداء المسلمين. وحصل للمسلمين ولعلماء ودعاة المسلمين من الأذى والسجن والطرد والقتل بسبب هذا الفكر ما يندى له الجبين، وما زال يحصل، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٦ - ٧٠]. ولما كان الكفار يعلمون أن المسلمين إذا قاموا بالدعوة إلى الله انتشر الدين في العالم، وسلبوا ملكهم ومكانتهم، فقالوا أشغلوا جميع المسلمين في أنحاء الأرض بالأموال والشهوات حتى ينصرفوا عن الدعوة، وتبقى الدنيا في أيدينا نلعب فيها وبمن فيها كيف نشاء. وأشغلوا بعضهم ببعض من أجلها، وأوقدوا نار الحرب بينهم من أجلها، وأخذوا أموالهم وأعطوهم أسلحة يهلك بها بعضهم بعضاً من أجل الدنيا. ولذلك الكفار لا يعبأون بمساجد المسلمين ما دامت لا أعمال فيها، ولا يبالون بعلوم المسلمين ما داموا لا يعملون بها، ولا يهتمون بعبادة المسلمين ما دامت لا روح فيها. إنما همهم كيف يحولون بين المسلمين وبين الدعوة إلى الله، وكسر مفتاح الدين الذي يفتح الله به القلوب والبلدان.

стр. 2265

ولذلك اجتهد الأعداء في تكوين بيئة استثمار الأموال، وبيئة الشهوات، في كل مكان، وفي كل مدينة، وفي كل قرية، وفي كل شارع، وفي كل بيت، حتى يشغلوا الناس بالأموال والشهوات، ويستغنوا ويلهوا بها عن الإيمان والأعمال الصالحة. وقد فعلوا ذلك، وصار واقعاً يشهده الطير والحيوان والإنسان، وتغير فكر كثير من المسلمين، ثم تغيرت عواطفهم، ثم تغيرت أعمالهم، ثم تغيرت طريقة حياتهم، وصار أئمتهم اليهود والنصارى لا الأنبياء والصالحين، يسيرون خلفهم ولو كان إلى جهنم. وصار المسلم معرضاً للأخلاق السيئة في سمعه وبصره وشكله وسائر جوارحه، وقام سوق الباطل في صحن الإسلام وبساطه. والحل: أن نقوم بالدعوة إلى الله في كل مكان، ونكوِّن البيئة الصالحة، بيئة الإيمان والإعمال الصالحة كما كوَّنوا البيئة الفاسدة، فلا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وإذا غيرنا ما في قلوبنا غير الله جوارحنا وحركها بطاعته والدعوة إلى دينه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. ومن اشتغل بوظيفة الكناسين لا يطمع براتب السلاطين، وهكذا المسلم يعطل الأوامر ويترك الدعوة إلى الله ويطمع بمرافقة الأنبياء في الجنة والعزة في الدنيا. وقلب الداعي إلى الله يجب أن يكون مملوءاً رحمة وإيماناً وعلماً كما كان قلب النبي ﷺ كذلك. فحين آذاه أهل الطائف وسبوه وضربوه وطردوه لم ينتقم منهم، بل دعا لهم ودعا لقريش أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله ويعبده وهكذا الداعي إلى الله يصبر إذا شُتم وأوذي، ويتحمل إذا طُرد وسُلب ماله، ولا يتأثر إذا سجن وأهين، ولا تأتي في قلبه عاطفة الانتقام، بل تزداد في قلبه الشفقة والرحمة على العباد. والداعي إلى الله كالشمس التي تأخذ النور من خزائن الله وتؤدي ثلاث وظائف: فهي متحركة بهذا النور على الدوام من المشرق إلى المغرب .. وهي تقوم

стр. 2266

بتوزيع جميع ما تأخذ من الله على جميع الخلق .. وهي تعطي النور ولا تأخذ أجراً مقابل النور. فكذلك الداعي يأخذ العلم من الكتاب والسنة وذلك من خزائن الله، ويقوم بالدعوة ليلاً ونهاراً .. ويدعو جميع الناس إلى التوحيد والإيمان، ويأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له .. ويدعو إلى الله ولا يأخذ من الناس أجراً لأن أجره على الله كما قال كل رسول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥)﴾ [الشعراء: ١٤٣ - ١٤٥]. والدعوة كالطعام نحتاجه كل يوم، فالطعام لحفظ البدن وزيادة نموه، والدعوة لحفظ الإيمان وزيادته، وأما الجهاد فهو كالدواء نحتاجه عند الضرورة لإزالة الضرر والظلم عنا وعن الناس، فإذا زال الضرر عدنا إلى الدعوة التي يزيد بها الإيمان، وتنزل بسببها الهداية على الخلق. وجهاد اللسان حسن لذاته وهو الدعوة إلى الله، وتعليم الناس أمور دينهم، وجهاد السنان وهو القتال حسن لغيره، وذلك لما يفضي إليه من حفظ الدين وأهله، وقمع المعتدين، وتمحيص المؤمنين من المنافقين، ومعرفة الصادقين من الكاذبين، واتخاذ الشهداء، وإزالة الظلم عن الخلق، وإقامة الحق مكان الباطل كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣]. والله ﵎ خلق الجن والإنس لعبادته، وخلقهم للطاعة حتى تنتشر طاعة الله في العالم على طريقة رسوله ﷺ ، وتكون التصرفات في الأنفس والأموال صحيحة في العالم، ولا يتم هذا المقصود العظيم إلا بالدعوة إلى الله. وهذا الدين والجهد من أجله أمانة أمرنا الله بأدائها، فنستقيم على الدين، وندعو الناس إليه بالرحمة والشفقة وحسن الخلق، ونجاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله بأموالنا وأنفسنا.

стр. 2267

وعندئذ ينزل الله البركات في أموالنا وأنفسنا، ثم تأتي التيسيرات في حياتنا، ثم تنزل الهدايات فيصير العدو بسبب الدعوة صديقاً كما قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وإذا تركنا الدعوة إلى الله جاءت العداوة والمصائب كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤]. واشتغل الناس بالأموال والأشياء والدعوة إليها بدل العمل بالسنن والدعوة إليها كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤]. والحق حتى تظهر حقائقه له طلبات، فإن لم توجد طلباته بقي الحق ولكن لا تظهر حقائقه. فإذا بذلنا الأنفس والأموال حسب مقتضى الحق لإعلاء كلمة الله فالله ينزل الحقائق ويظهرها فوراً. فيصير العدو صديقاً .. والكافر مؤمناً .. والمبغض محباً .. والعاصي مطيعاً .. والظالم عادلاً .. والداعي إلى الشر داع إلى الخير. فالدين أمانة، والله أعطانا هذه الأمانة، وأمرنا بإيصالها إلى أهلها وحسن تعهدها. فأولاً نجتهد على أنفسنا حتى يأتي الدين في حياتنا، ثم نتحرك للدين لنشر الهداية في العالم حتى ينتشر الخير في العالم. فعلينا مسئولية أنفسنا، ومسئولية غيرنا، وبالقيام بهذه المسئوليات الله يصلح العالم كما أصلح الله أحوال الأمة في عهد النبي ﷺ حيث زال الفساد، وزالت

стр. 2268

الجاهلية، وزال الشرك بسبب جهد النبي ﷺ وأصحابه. وكل داعٍ لا تكون حياته مطابقة لدعوته فالله لا يستخدمه، ولا يجعله سبباً لهداية الناس وإن ارتفع صوته وعلا صيته. والداعي إلى الله لا بدَّ أن يصبر على الأذى، ويرفق بمن خالفه ويدعو له، فالذين عادوا النبي ﷺ وآذوه لما صبر عليهم، ودعا لهم، ورفق بهم، آمنوا ثم هاجروا ثم قاتلوا الكفار الذين فيهم آباؤهم وأبناؤهم، ثم كادوا أن يتقاتلوا على وضوئه ﷺ لشدة محبتهم له وللدين الذي جاء به. ومن أعطاه الله الدين وكلفه بنشره والمحافظة عليه فتلك مسئولية عظمى وأجرها عظيم، ولكنه سيحاسب عليها، ويسأل عن أدائها كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ [الأعراف: ٦، ٧]. وصاحب الدكان إذا أغلق دكانه حصل نقصان في البلد، والداعي إذا ترك الدعوة حصل نقصان في الدين، ومشى ألوف من الناس كل لحظة إلى نار جهنم، فكم حصل بترك الدعوة من الخسران له ولغيره؟. وكم ذهب إلى النار من الخلق بسبب تأجيل البلاغ أو القعود عنه: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. والعبادة لا تسمى عبادة ولا تكون مقبولة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة ولا تكون مقبولة إلا مع الطهارة. فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا جاء في الصلاة أبطلها. فمن دعا غير الله طالباً منه ما لا يقدر عليه إلا الله من جلب خير أو دفع شر فقد أشرك في عبادة الله، وحبط عمله كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزمر: ٦٥]. وكان الناس قبل بعثة النبي ﷺ على قسمين: الأول: كفار أشقياء كلهم ليس فيهم سعيد كعبدة الأوثان والمجوس.

стр. 2269

الثاني: منقسمون إلى سعيد وشقي، وهم اليهود والنصارى والصابئون. وقد ذكر الله النوعين بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧]. فذكر سبحانه ست أمم: اثنتان شقيتان، وهما المجوس والمشركون، وأربع منقسمة إلى شقي وسعيد، حيث وعد أهل الإيمان والعمل الصالح منهم بالأجر كما خصهم في الآية الأولى. فعلم أن الصابئين فيهم المؤمن والكافر، والسعيد والشقي، وهذه أمة قبل اليهود والنصارى، وهم نوعان: صابئة حنفاء .. وصابئة مشركون. وهذه الأديان الستة لا يقبل منها بعد بعثة النبي ﷺ إلا واحد، وهو الدين الحق الذي جاء به محمد ﷺ لعموم البشرية إلى يوم القيامة: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. والداعي الحق هو من شرح الله صدره للإسلام ونور قلبه بالإيمان، وليس له همّ في الحياة إلا أن يستقيم على أوامر الله، وأن يدل البشرية إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة بدعوتهم إلى الله، والسير على منهج الأنبياء والمرسلين. وأن يركز راية الله فوق هامات الأرض والناس، ليتطلع إليها البشر في مكانها العالي، ويمدوا أبصارهم من الحياة الفانية المحدودة إلى الحياة الباقية المطلقة. فحياة المسلم حسب أمر مولاه لها لون خاص، ولها هدف خاص، ولها أجر خاص.

стр. 2270

فهي إيمان وعمل، وجهاد وكفاح، ومحنة وابتلاء، وصبر وثبات، وذلك كله من أجل إعلاء كلمة الله، وتوجه إلى الله وحده في جميع الأحوال؛ لأنه الذي يملك كل شيء، وبيده خزائن كل شيء. ثم يجيء الرضا من الله .. ثم يجيء النصر .. ثم يجيء النعيم، هكذا سنة الله التي قد خلت في عباده: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾ [الفتح: ٢٣]. والداعي إلى الله مبارك أينما كان، يبذل كل خير، ويتحمل كل أذى. فهو كالأرض يُطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح، وكالغيث أينما حل نفع، وكالشمس يهتدي الناس بنور علمه، وكالسراج يحرق نفسه ليضيء للناس. والذي يدعو إلى الله وإلى سنة رسول الله مخلصاً يجعله الله سبباً لجمع الأمة كلها على الدين. والذي يدعو إلى نفسه وإلى طريقته أو إلى جماعته يمزق الأمة كلها، ويجعلها فرقاً وأحزاباً متناطحة، يفني بعضها بعضاً كالمشركين الذين حذرنا الله منهم بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١، ٣٢]. والدعوة إلى الله مركبة من عدة أعمال كالطعام الذي يقدم للناس مركب من عدة أشياء، وهكذا الدعوة إلى الله مركبة من عدة أشياء، ليست كلاماً فقط، فيها الإيمان .. والعبادات .. والمعاملات .. والمعاشرات .. والأخلاق .. وفيها التعليم .. وفيها الشورى .. وفيها الجولات والزيارات .. وفيها الدعاء والذكر. فإذا وجدت هذه الأشياء فالدعوة تنبت ثم تثمر ثم تتسع، ثم يظهر الحق، ويزول الباطل، ويكون الدين كله لله. والدعوة إلى الله تجمع الأمة على الهدى كالروح تجمع البدن والجوارح على الحياة، فإذا خرجت الروح أنتن الجسد وتمزق، وكذا الدعوة إذا خرجت من

стр. 2271

حياة الأمة فسد المجتمع وتمزق. والدعوة إلى الله وظيفة الأمة، ولذلك كانت من أول يوم، فلم يكن هناك فاصل زمني بين الإيمان والدعوة، بينما كان هناك فاصل زمني طويل بين الإيمان ونزول الأحكام والفرائض. فأبو بكر دعا إلى الله من أول يوم فجاء بستة من العشرة المبشرين بالجنة مع أن أحكام الدين لم تنزل إلا بعد ثلاثة عشر عاماً في المدينة. وخديجة زوج رسول الله ﷺ اجتهدت على النساء من أول يوم قبل نزول الأحكام. فقد اجتهدت على فاطمة بنت الخطاب فأسلمت، وكان في صحيفتها عمر، واجتهدت على سعدى بنت كريز خالة عثمان فأسلمت، وكان في صحيفتها عثمان، وكلاهما من الخلفاء الراشدين. واجتهدت على سمية أول شهيدة في الإسلام فأسلمت، واجتهد على أم الفضل فأسلمت، وغيرهن. فجهد الرجال مع جهد النساء قام في وقت واحد. وكما أن أبا بكر سبق الأمة في كل شيء، فكذلك خديجة سبقت نساء الأمة في كل شيء. سبقتهن في الإيمان .. وسبقت في الدعوة .. وسبقت في الإنفاق في سبيل الله، وهي أول من سمع القرآن .. وهي أول من جاءها سلام مخصوص من الله .. وأول من صلى مع النبي ﷺ .. وهي أول أزواجه وأم أولاده .. وهي من أكمل النساء .. وأول من بشر ببيت في الجنة. والدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم ومسلمة، والواجب إلزام الكفار بالإسلام إذا كانت لا تؤخذ منهم الجزية؛ لأن الإسلام فيه سعادتهم ونجاتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة وهم يجهلون ذلك. فإلزام الإنسان بالحق الذي فيه الهدى والسعادة خير له من الباطل، وكما يلزم

стр. 2272

الإنسان بالحق الذي عليه لبني آدم ولو بالسجن أو الضرب، فإلزام الكفار بتوحيد الله، والإيمان به، والدخول في الإسلام أولى وأوجب؛ لأنه حق الله على عباده فيجب على كل فرد أداؤه. ولأن فيه سعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة، إلا إذا كانوا من أهل الكتاب كاليهود والنصارى ونحوهم كالمجوس، فهؤلاء جاء الشرع بأنهم يخيرون على الترتيب: إما الإسلام .. أو دفع الجزية .. أو القتال. وأما غيرهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام؛ لأن النبي ﷺ قاتل الكفار في الجزيرة ولم يقبل منهم إلا الإسلام كما قال سبحانه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]. وقد أمر الله كل مسلم ومسلمة بإبلاغ الدين كما أمرهم بالعمل بالدين بقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وأمر النبي ﷺ كل مسلم ومسلمة بتبليغ البشرية عنه ولو آية كما قال ﷺ : «بلغوا عني ولو آية» أخرجه البخاري (١). وتبليغ دينه وسننه إلى الناس أفضل من تبليغ السهام إلى نحور الأعداء؛ لأن الضرب بالسهام يجيده كثير من الناس، وأما تبليغ السنن والأحكام فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء وخلفاؤهم. وقد دعا ﷺ لمن بلغ عنه ولو حديثاً بقوله: «نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ» أخرجه أبو داود والترمذي (٢).

стр. 2273

والمسلم يدعو إلى الحق، والشيطان يدعو إلى الباطل، والشيطان عدو للإنسان، فيجب أن يكون الإنسان عدواً للشيطان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وأعظم ما يدعو إليه الشيطان أن يحول بين بني الإنسان وبين الإسلام، فإن لم يستطع حال بينه وبين الدعوة والجهاد في سبيل الله بأربع خطوات وهي: التردد .. ثم التربص .. ثم التثاقل .. ثم القعود. فالتردد: بأن يجعله شاكاً محتاراً في دينه وفي عمله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ [التوبة: ٤٥]. ثم التربص: وهو التعلق بما سوى الله ودينه من محبوبات النفس كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤]. ثم التثاقل: وهو التكاسل والميل إلى الدعة والسكون كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة: ٣٨، ٣٩]. ثم القعود عن الدعوة والجهاد في سبيل الله، وهو نتيجة ما سبق كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾ [التوبة: ٤٦]. والأمة لما تركت الدعوة إلى الله والدعوة إلى الإيمان والأعمال الصالحة ابتليت بالدعوة إلى الدنيا وإلى الأموال وإلى الأشياء.

стр. 2274

فصارت تعرف قيمة المال ولا تعرف قيمة الإيمان .. وتعرف قيمة الأشياء ولا تعرف قيمة الأعمال .. وتعرف قيمة الدنيا ولا تعرف قيمة الآخرة .. وتعرف قوة المخلوق ولا تعرف قوة الخالق .. وتعرف شهوات النفس ولا تعرف أوامر الرب. فجاءت بسبب ذلك المصائب والعقوبات كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. والإيمان فضل من الله، وهو قضية اقتناع بعد البيان والإدراك، وليس قضية غصب وإكراه وإجبار كما قال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وقد جاء الدين يخاطب الإدراك البشري كله بكل قواه وطاقاته في غير قهر حتى بالخوارق المادية التي قد تلجئ مشاهدها إلجاءً إلى الإذعان. وإذا كان هذا الدين لا يواجه الحس البشري بالخارقة المادية القاهرة فهو من باب أولى لا يواجهه بالقوة والإكراه ليعتنق هذا الدين تحت تأثير التهديد، أو مزاولة الضغط القاهر والإكراه بلا بيان ولا إقناع ولا اقتناع. وفي هذا المبدأ يتجلى تكريم الله للإنسان، واحترام إرادته وفكره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يختص بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تبعة عمله وحساب نفسه، وإن كان الواجب إلزامه بما ينفعه وما فيه نجاته وسعادته شفقة عليه ورحمة به. والإيمان هو الرشد الذي ينبغي للإنسان أن يتوخاه ويحرص عليه، والكفر هو الغي الذي يجب على الإنسان أن ينفر منه ويتقي أن يوصم به. وحقاً فما يتدبر الإنسان نعمة الإيمان، وما توفره من السعادة في الدنيا والآخرة وما تمنحه للإدراك البشري من تصور واضح، وما تزجيه للقلب البشري من طمأنينة وسلام، وما تثيره في النفس من رغبات في كسب الأجور، وما تحققه

стр. 2275

في الأمة من نظام سليم. ما يتدبر الإنسان هذه النعم الكبرى إلا ويجد فيها الرشد والفلاح الذي لا يرفضه إلا سفيه يترك الرشد إلى الغي. فالذي يسلب إنساناً حرية الاعتقاد، وحرية الدعوة إلى العقيدة الراشدة، إنما يسلبه إنسانيته ابتداءً. والإسلام أفضل الأديان وأكملها وأشملها، وهو أفضل منهج رضيه الله للمجتمع الإنساني ينادي بأن لا إكراه في الدين، ويبين لأصحابه قبل غيرهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين. ولكن عليهم نشره وبيانه، وترغيب الناس فيه، وتحذيرهم من مخالفته: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وكل مسلم مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين، شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء، وتؤيد الخير الذي يحمله للبشر. ولكنه لا يمكن أن يؤدي هذه الشهادة حتى يجعل من نفسه ومن خلقه ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين. صورة يراها الناس فيرون فيها مثلاً رفيعاً يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود، وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من نظم. ويجعل من الدين قاعدة حياته ونظام مجتمعه، ويسعى لبقائه وتمكينه ونشره. ويؤثر الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحكم بأمر الله في حياة البشرية، فذلك شهادة بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها، وهي أعز ما يحرص عليها الأحياء. وعهد المؤمن هو ابتداء مع ربه، ومتى قام الرسول بإبلاغه فقد انتهت مهمة الرسول ﷺ ، وانعقدت البيعة مع الله، فهي باقية في عنق المؤمن بعد الرسول ﷺ ، وكذلك كل أتباع الرسول ﷺ .

стр. 2276

فلا بدَّ لكل مسلم أن يؤدي هذه الشهادة العظيمة للدين مسموعة مرئية، حية ناطقة: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. ومن لم يؤد هذه الشهادة لدينه فكتمها فهو آثم قلبه، وكاتم لما أمره الله ببيانه: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣]. فأما إذا ادعى الإسلام ثم سار في نفسه غير سيرة الإسلام، أو قام بها في نفسه ولكنه لم يؤدها في المجال العام، ولم يجاهد لإقامة منهج الله في الحياة إيثاراً للعافية، وإيثاراً لحياته على حياة الدين، فقد قصر في شهادته، وأدى شهادة ضد هذا الدين. شهادة تصد الآخرين عنه وتنفرهم منه، نسأل الله السلامة والعافية: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾ [يونس: ٨٥]. وواجب الأنبياء وأتباعهم بيان الحق للناس، وترغيبهم فيه، ودعوتهم إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، ومجادلة المعارضين والمعاندين بالتي هي أحسن. فإذا ظهر الحق جلياً وأبى المخالف إلا المكابرة والعناد دعي هؤلاء إلى المباهلة كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ [آل عمران: ٦١]. فيبتهل الجميع إلى الله أن ينزل لعنته على الكاذب من الفريقين. وما كانت البينة هي دائماً التي يحتاج إليها من يصدون عن هذا الدين، إنما هي المصالح والمطامع والأهواء التي يصد الناس عن اتباع الحق الواضح الذي لا خفاء فيه، وتقديم الهوى على الهدى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣].

стр. 2277

فالكفار والمعاندون يجدون في الإسلام من الحق الواضح ما يدعو إلى الإيمان، غير أنهم يكفرون لا لنقص في الدليل ولكن للهوى والمصلحة: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقال سبحانه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٤]. والبشر كلهم إلى فناء، والدين إلى بقاء، ومنهج الله في الحياة مستقل في ذاته عن الذين يحملونه ويؤدونه للناس من الرسل والدعاة على مدار الزمن. ومحمد ﷺ رسول من عند الله، جاء ليبلغ رسالة الله إلى خلقه، فإن مات أو قتل فالله باق لا يموت، وكلمته باقية لا تموت. وما ينبغي أن يرتد المؤمنون على أعقابهم إذا مات النبي أو الداعية الذي جاء ليبلغهم هذه الكلمة أو قتل: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فالدعوة والدين أقدم من الداعية، وأكبر من الداعية، وأبقى من الداعية، فدعاتها يجيئون ويذهبون وتبقى هي على مدى الأجيال والقرون، ويبقى أتباعها موصولين بالذي أرسل بها الرسل، وهو سبحانه باق يتوجه إليه المؤمنون في كل حال. ومن انقلب على عقبيه فإنما هو الخاسر، وانقلابه لن يضر الله شيئاً، فالله غني عن الناس وعن إيمانهم، وسيلقى جزاءه من الشقوة والحيرة في ذات نفسه وفيمن حوله، وتفسد الحياة والأخلاق، وتعوج الأمور كلها، ويذوق الناس وبال مخالفتهم شرع الله في الدنيا قبل الآخرة: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. أما الذين يعرفون مقدار نعمة الدين الذي منحهم الله إياه فيشكرون الله عليه

стр. 2278

باتباعه، فيسعدهم به جزاء على شكرهم في الدنيا والآخرة. وحين أشيع أن محمداً ﷺ قتل في أحد أراد الله أن يفطم المسلمين عن تعلقهم الشديد بشخص النبي ﷺ ، وأن يصلهم بالله مباشرة، وأن يجعل ارتباط المسلمين بالله مباشرة. فهم وإن مات محمد أو قتل فهم بايعوا الله على طاعة محمد ﷺ ، والثبات على دينه بعد موته، وإبلاغه للناس. وكلما همت الأمة أن تتحرك وتوسع هذا الدين وتحاول تحقيق منهج الله في الأرض كلما تجمعت عليها وسائل الكيد والفتنة من المنافقين والمشركين وأهل الكتاب. أحياناً في أصول الدعوة .. وأحياناً في أهل الدعوة .. وأحياناً في أصول الدين وشرائعه .. وذلك لتمزيق أوصالها .. وتشويه أهدافها .. وبعثرة جهودها. والله يوجه المؤمنين لمعرفة أعداء الدين الراصدين له في الزمان والمكان، ويبث في القلوب الطمأنينة إلى وعد الله. فتعرف حين تناوشها الذئاب بالأذى، وحين تعوي حولها بالدعاية، وحين يصيبها الأذى والابتلاء والفتنة، أنها سائرة على طريق الحق، ومن ثم تستبشر بالابتلاء والأذى، والادعاء الباطل عليها، وإسماعها ما يكره وما يؤذي. وتلزم الصبر والتقوى، ويصغر عندها الابتلاء والأذى كما قال سبحانه: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ [آل عمران: ١٨٦]. وقد يدخل بين المسلمين من يريد الكيد لهم، ويندس في صفوفهم منافقون، وعلى المسلم أن يعلم أن عين الله على هذه الطوائف التي تبيت وتكيد وتمكر بالمسلمين، والله لهم بالمرصاد: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ [الزخرف: ٧٩، ٨٠].

стр. 2279

وشعور المسلمين بذلك يثبت المؤمن، ويسكب في قلبه الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرهم، فليأخذهم بظواهرهم، وليعرض ويتغاضى عما يبدو منهم، والله كافيه منهم: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ [النساء: ٨١]. ثم يرشد القرآن هؤلاء بتدبر القرآن ليروا ما فيه من تكريم الإنسان والعناية به كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. والله أمرنا بدعوة الناس إلى الله، وهيأ الفرصة لأهل الكتاب أن يدخلوا في الدين. فأعطاهم الفرصة أن يعيشوا في المجتمع الإسلامي تحت راية الإسلام وهم على دينهم سوى جزيرة العرب، وجعل طعامهم حلاً للمسلمين، وطعام المسلمين حلاً لهم كذلك، وذلك ليتم التزاور والتضايف، والمؤاكلة والمشاربة، وليظل المجتمع كله في جو من البر والسماحة. وجعل العفيفات من نساء أهل الكتاب وهن المحصنات بمنزلة المحصنات من نساء المسلمين، يحل الزواج منهن كنساء المسلمين إذا أعطيت لهن أجورهن بالنكاح الشرعي. وهذا وذاك يدل على سماحة الإسلام مع المخالفين له، وتهيئة الفرصة للدخول في الإسلام حين تتم الخلطة، فيروا أخلاق الدين وسننه عملياً، فيرغبوا فيما نفروا عنه، بعد أن يعرفوه ويروه والله حكيم عليم: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].

стр. 2280

وقال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٨، ٩]. وقد أمر الله رسوله محمداً ﷺ أن يبلغ ما أنزل إليه كاملاً كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧]. هكذا يبلغ كل ما أنزل إليه، لا يستبقي منه شيئاً، ولا يؤخر منه شيئاً مراعاة للظروف، أو تجنباً للاصطدام بأهواء الناس، أو واقع المجتمع. وإن لم يفعل فما يكون قد بلغ، فليصدع بكلمة الحق والله يتولى حمايته وعصمته من الناس، ومن كان الله له عاصماً فماذا يملك له العباد المهازيل؟. إن كلمة الحق، كلمة (لا إله إلا الله) يجب أن تبلغ كاملة فاصلة من أول يوم، وليقل من شاء من المعارضين لها كيف شاء، وليفعل من شاء من أعدائها ما يفعل، لا بدَّ أن يصدع بها الداعي لتصل إلى القلوب في قوة ونفاذ كما قال سبحانه لرسوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ١، ٢]. وكلمة الحق في العقيدة حين يصدع بها الداعي تصل إلى مكامن القلوب التي يكمن فيها الاستعداد للهدى، وهي القلوب التي قد يطمع صاحب الدعوة في أن تستجيب له لو داهنها في بعض الحقيقة. والقوة والحسم في إلقاء كلمة الحق في العقيدة لا يعني الخشونة والفظاظة، بل أمر الله رسوله بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة. ولا تعارض في ذلك فوسيلة التبليغ شيء، والمادة المبلغة شيء آخر، فقد وصف الرسول الكفار بصفتهم، وفاصلهم في الأمر، وبين أنهم على الباطل المحض، ودعاهم إلى الحق المحض.
следующие страницы →