← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

ونحوهم، والعدل هنا يكون بالإكرام والتوقير، وعدم الاستطالة عليهم، وتجنب الإدلاء، وكف الأذى عنهم، وبذل النصح لهم. ولا يملك الإنسان الناس إلا بأمرين: العمل فيهم بالشرع .. والتحبب إليهم بالإحسان. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وكل ما في الكون من رحمة ونفع ونعمة ومصلحة فهو من فضله تعالى، وما في الوجود من غير لك فهو من عدله: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ [يونس: ٦٠]. فكل نعمة من الله فضل، وكل نقمة منه عدل كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. يد الله اليمنى فيها الإحسان إلى الخلق، ويده الأخرى فيها العدل والميزان، الذي به يخفض ويرفع، فخفضه ورفعه من عدله، وإحسانه إلى خلقه من فضله. قال النبي ﷺ : «يَدُ الله مَلأى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَقَالَ: أرَأيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ» متفق عليه (١). وهو سبحانه الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وأفعال الله دائرة بين العدل والإحسان .. ولا يمكن أن يظلم أحداً مثقال ذرة ولا أقل من ذلك. فهو سبحانه إما أن يعامل عباده بالعدل .. وإما أن يعاملهم بالإحسان فالمسيء يعامل بالعدل كما قال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠].

стр. 2697

والمحسن يعامله بالفضل كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. ويضاعف إلى سبعمائة حسنة إلى أضعاف كثيرة لمن يشاء، والله ذو الفضل العظيم. ومن كان فعله دائراً بين العدل والإحسان فهو محمود على أفعاله كما هو محمود على صفاته: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦،٣٧]. أما الظلم فهو وضع الشيء في غير موضعه، أو التصرف في ملك الغير بدون إذنه، ومجاوزة حد الشارع بالتعدي من الحق إلى الباطل. ومن عاقب ظالماً بسيئاته، وانتصف للمظلوم من الظالم، لم يكن ذلك ظلماً منه، بل ذلك أمر محمود منه، وليس الظالم معذوراً من أجل القدر. ورب العالمين إذا أنصف بعض عباده من بعض، وأخذ للمظلوم حقه من الظالم، لم يكن ذلك ظلماً منه لأجل القدر. والواحد من الناس إذا وضع كل شيء في موضعه، فجعل الطيب مع الطيب في دار طيبة، وجعل الخبيث مع الخبيث في دار خبيثة، كان ذلك عدلاً منه وحكمة ورحمة. فكذلك الله وهو الحكيم العليم لا يجعل المسلمين كالمجرمين، ولا المتقين كالفجار كما قال سبحانه: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥،٣٦]. ولا أحد من البشر أعظم ظلماً ولا أكبر جرماً من عبد ذُكِّر بآيات الله، وبُيِّن له الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ورُهِّب ورُغِّب فظل على شركه، ولم يتذكر بما ذكر به، ولم يرجع عما كان عليه من الشرك، ونسي ما قدمت يداه من الذنوب كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ

стр. 2698

يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف: ٥٧]. فهذا أعظم ظلماً من المعرض الذي لم تأته آيات الله ولم يذكر بها، فهما وإن كان كل منهما ظالماً، إلا أن من عصى على بصيرة وعلم، أعظم ممن ليس كذلك. فهذا الظالم لما ذكر بآيات الله ثم أعرض عنها، عاقبه الله بأن سد عليه أبواب الهداية .. وجعل على قلبه أكنة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعها .. وجعل في أذنه وقراً يمنعه من سماع الآيات على وجه الانتفاع كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ [الإسراء: ٤٥،٤٦]. فالحجاب يمنع رؤية الحق .. والأكنة تمنع من فهمه .. والوقر يمنع من سماعه. والظلم ثلاثة أنواع: الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. وهو المقصود بقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾ [هود: ١٨،١٩]. الثاني: ظلم بين الإنسان وبين الناس كما قال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ [الشورى: ٤٠]. الثالث: ظلم بين الإنسان ونفسه كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. وجميع هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس، فإن الإنسان في أول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه.

стр. 2699

والظلم عند الله له ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفر الله منه شيئاً وهو الشرك بالله، فإن الله لا يغفر أن يشرك به. وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً، فإن الله تعالى يستوفيه كله. وديوان لا يعبأ الله به وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين، وأسرعها محواً، فإنه يمحى بالتوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة ونحو ذلك، بخلاف ديوان الشرك، فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها، واستحلال أهلها. وظلم العباد يشتمل على معصيتين: أخذ مال الغير بغير إذنه، ومبارزة الرب بالمخالفة والمعصية فيه أشد من غيرها؛ لأنه لا يقع غالباً إلا بالضعيف الذي لا يقدر على الانتصار. وإنما ينشأ الظلم عن ظلمة في القلب، ولو استنار بنور الهدى لطلب العدل والإحسان. والظلم أنواع: فأظلم الظلم الشرك بالله: وهو وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣]. فالشرك أظلم الظلم واشده وأكبره؛ لأن فيه صرف العبادة لغير مستحقها، ووضعها في غير مكانها. وأكثر الناس لا يعرفون إلا ظلم الأموال، وأما ظلم الشرك فلا يعرفونه، فالله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين، وأكرم المحسنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠]. وظلم الإنسان نفسه: ألا يعطيها حقها، كمنعها من الطعام والشراب، أو يحملها ما لا تطيق كأن يصوم فلا يفطر، أو يحملها على الكفر والمعاصي، ولا يمكنها

стр. 2700

من الطاعات ونحو ذلك. وظلم الإنسان غيره: كأن يتعدى على غيره بالضرب أو القتل، أو أخذ ماله بغير حق، أو يمنعه حقه، أو يؤخره ونحو ذلك. والظالمون الذين كفروا بنعمة الله، وصدوا عن سبيله، لهم عذاب في الحياة الدنيا، وعذاب في الآخرة أشد وأبقى كما قال سبحانه: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾ [الرعد: ٣٤]. والله عزيز ذو انتقام، لا يدع الظالم يفلت، ولا يدع الماكر ينجو، ولا يدع الكافر يفر، إنهم حاضرون مكشوفون أمام الله، لا يسترهم ساتر، ولا يقيهم واق، الله يسمع كلامهم، ويرى أفعالهم: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢]. ووعد الله آت لا محالة، يكرم فيه المؤمنين، وينتقم الجبار من الظالمين: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾ [إبراهيم: ٤٧]. إن الإسلام دين الله الذي ارتضاه للبشرية إلى يوم القيامة، وأرسل به أفضل رسله، وأنزل من أجله أحسن كتبه، وشرع فيه أحسن شرائعه، ودعا فيه إلى أحسن مكارم الأخلاق. وجاء بالمبادئ والقواعد التي تكفل تماسك وسعادة الأفراد والأمم والشعوب. جاء بالعدل الذي يكفل لكل فرد، ولكل جماعة، ولكل قوم، قاعدة ثابتة للتعامل، لا تميل مع الهوى، ولا تتأثر بالحب والبغض، ولا تتبدل مجاراة للغنى والفقر، ولا تلوي من أجل الصهر والنسب، ولا تتغير من أجل القوة والضعف. إنما هي ثابتة تمضي في طريقها، تكيل بمكيال واحد للجميع، وتزن بميزان واحد للجميع: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. وجاء إلى جوار العدل بالإحسان يلطف من حدة العدل الصارم الجازم، ويدع الباب مفتوحاً لمن يريد أن يتسامح في بعض حقه، إيثاراً لود القلوب، وشفاء

стр. 2701

لغل الصدور، وتهيئة الفرصة لمن يريد أن ينهض بما فوق العدل الواجب عليه، ليداوي جرحاً، أو يكسب فضلاً. والإحسان شعب واسعة: فكل عمل طيب إحسان .. وكل كلمة طيبة إحسان .. وكل بذل وإكرام إحسان. والأمر بالإحسان يشمل كل عمل .. وكل تعامل .. فيشمل محيط الحياة كلها في علاقات العبد بربه في العبادات .. وفي علاقات العبد بأسرته بحسن المعاشرات .. وفي علاقات العبد بغيره بحسن المعاملات .. وفي علاقات العبد بالبشرية جمعاء بحسن الأخلاق: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥]. وفي المقابل ينهى الله عن الظلم بكل صوره وألوانه، فينهى عن الفحشاء: وهي كل أمر يفحش ويتجاوز الحد، خاصة فاحشة الاعتداء على العرض؛ لأنه فعلٌ فاحش فيه اعتداء، وفيه تجاوز للحد. وينهى عن المنكر: وهو كل فعل تنكره الفطرة السليمة، ومن ثم تنكره الشريعة، فهي شريعة الفطرة. وينهى عن البغي: وهو الظلم وتجاوز الحق والعدل في كل شيء. وكل أمة إنما تسعد بالعدل والإحسان، وتشقى بالظلم والفحشاء والمنكر والبغي، وما من مجتمع يمكن أن يقوم على الفحشاء والمنكر والبغي. والفطرة البشرية تنتفض بعد فترة معينة ضد هذه العوامل الهدامة مهما تبلغ قوتها، ومهما يستخدم الطغاة من الوسائل لحمايتها. وتاريخ البشرية كله انتفاضات ضد الفحشاء والمنكر والبغي، وهذه عناصر غريبة على جسم الحياة، تنتفض لها الفطرة السليمة كما ينتفض الحي ضد أي جسم غريب يدخل إليه. إن قضاء الله لا يرد، ومشيئته لا معقب لها: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ [الشورى: ٤٤].

стр. 2702

فالله إذا علم من العبد أنه مستحق للضلال، فحقت عليه كلمة الله أن يكون من أهل الضلال، لم يكن له بعد ذلك من ولي يهديه من ضلاله، أو ينصره من جراء الضلال الذي قدره الله. والظالمون بغاة طغاة، فناسب أن يكون الذل هو مظهرهم البارز يوم القيامة: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾ [الشورى: ٤٥]. وعدل الله مطلق بين العباد في كل شيء، في العقول وسائر النعم، وفي البشر العاقل والمجنون، والغني والمحروم، والصحيح والكسير. فإن قال قائل: ما ذنب هؤلاء المجانين والفقراء وأهل الابتلاء أن يكونوا وسيلة إيضاح لغيرهم؟. قيل: لا شك أن الإنسان حين يرى الأعمى يتذكر فضل الله عليه في أنه أعطاه النظر، وإذا رأى إنساناً أعرج أحس بنعمة الله عليه في رجليه. إن الله جعل هذه الأحوال الشاذة في قلة من البشر، لا تكاد تذكر بالنسبة لعدد البشرية الهائل، إلا أنه سبحانه عوض هؤلاء عما فقدوه، ولا بدَّ أن لكل واحد منهم ميزة عن غيره من الخلق تعوضه عما فقد. فهؤلاء ينالون من عطف الناس ومعاونتهم ورحمتهم بما لا يناله غيرهم، ولكل منهم نبوغاً لا يتوافر لغيره. فأكثر الناس حفظاً لما يسمعون هم الذين فقدوا أبصارهم، والدين يحتاج إلى هؤلاء في حفظ القرآن والسنة وأحكام الدين. والله سبحانه عندما وضع مثل هذا الشذوذ في الكون وضعه بنسبة ضئيلة جداً، ليلتفت الناس على نعمة الله عليهم، ثم بعد ذلك يأتي عون الله فيعوضه من الخير والنبوغ، والعطف الإنساني، ما ييسر له كثيراً من أمور حياته، ويمنحه فرصاً مميزة.

стр. 2703

فعموم الناس كلهم في فضل الله ونعمته، ولكن أكثر الناس لا يدركه فيقطع الشكر، فَيُّحرم الطمأنينة والثواب: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾ [يونس: ٥٩، ٦٠]. وإذا كان الله أنعم على الإنسان بالعقل، ثم سلبه ذلك العقل، فله سبحانه حكمة في ذلك، كما أن لكل شيء في هذا الكون حكمة في الخروج عن المألوف. وإذا كان عدد قليل من الناس قد فقد عقله، فقد رفع الله عنه التكليف في الدنيا، والحساب في الآخرة. فهو يقول في الدنيا ما يشاء ولا يحاسبه المجتمع، وفي الآخرة كذلك لا يحاسبه الله، وفي هذا تعويض كبير عن نعمة العقل. قال النبي ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ» أخرجه أبو داود والنسائي (١). فعدل الله مطلق فيما أعطاه للإنسان، ولكل واحد من البشر ميزة يتميز بها عن غيره من البشر، تعوضه عما يعتقد أنه فقده، قد يعلمها وقد لا يعلمها، وقد يعلمها الناس وقد لا يرونها، لكن الله يعلمها، ولا يظلم ربك أحداً. فالذي لا يملك المال من الناس يملك البركة، فيبارك الله له في القليل. والذي لا يملك المنصب يملك الصحة التي تعوضه عن هذا كله، أو يملك البركة في أولاده، فيسر الله له سبل العلم والحياة والرزق لهم. والذي لا يملك هذا كله يملك الستر ونعمة القناعة، إلى آخر نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، والتي لا يعلم دقيقها وجليلها إلا اللطيف الخبير.

стр. 2704

فالأحداث العظام كالخسوف والزلازل والبراكين إذا خرجت عن طبيعتها، فالله أراد تذكرة الخلق بالخالق الذي خلقهم وخلقها ليعبدوه ويطيعوه، ويتوبوا إليه ويخافوه كما قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. فإذا خرج عن السنة العامة في الخلق قلة من البشر، فإنما يحصل ذلك ليذكر الناس أن هذا الكون هو من خلق الله، وأن كل شيء فيه يمضي بأمر الله، وكل شيء يمكن أن يخرج عن مهمته، ومن رحمة الله أنه يخرج بنسبة قليلة لا تذكر، تنبيهاً للغافل ليشكر، وتذكيراً للعباد بأن هذا الكون خاضع أبداً لخالقه وحده، فليتقوه لينالوا رضاه ورحمته. والله سبحانه أوضح السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، مكَّن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول وهذا عدله. ووفق من شاء بمزيد عناية؛ لأنه أهل للهداية، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه وهذا فضله، وخذل من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سبحانه أن يوفقه فقطع عنه فضله ولم يحرمه عدله، وهذا نوعان: أحدهما: ما يكون جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، فهو أهل أن يخذله. الثاني: أن لا يشاء له ذلك ابتداء لما يعرف عنه أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية. والشريعة مبناها وأساسها على الحِكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، ومصالح كلها. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور .. وعن الرحمة إلى الشدة .. وعن المصلحة إلى المفسدة .. وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وهداه الذي اهتدى به المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل. والإسلام دين العدل والإحسان، ومن المبادئ الكلية للعدل، والتي يعامل الله بها عباده، والتي يملك العباد أن يعاملوا بعضهم بعضاً بها، ويعاملوا الله على

стр. 2705

أساسها فلا يصيبهم السوء ما ذكر الله سبحانه قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٠ - ١١٢]. فالآية الأولى تفتح باب التوبة على مصراعيه، وباب المغفرة على سعته. والثانية تحمل كل فرد تبعة عمله، وعندئذ تنطلق كل نفس حذرة مما تكسب، مطمئنة إلى أنها لا تحاسب إلا على ما تكسب. والثالثة تقرر تبعة من يكسب الخطيئة ثم يرمي بها البريء. وبهذه القواعد الثلاث يرسم القرآن ميزان العدالة الذي يحاسب كل فرد على ما اجترح، ولا يدع المجرم يمضي ناجياً إذا ألقى جرمه على من سواه، وفي الوقت ذاته يفتح باب التوبة والمغفرة على مصراعيه لمن أراد. وميزان الثواب والعقاب ليس موكولاً إلى الأماني، إنه يرجع إلى أصل ثابت وسنة لا تتخلف، تستوي أمامه الأمم والأفراد، ولا يخرق لأحد من الناس مهما كان شأنه، فصاحب الحسنة يجزى بالحسنة، وصاحب السوء يجزى بالسوء، ولا محاباة، في هذا ولا مماراة: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ [النساء: ١٢٣،١٢٤]. وجميع أوامر الله كلها عدل وإحسان إلى الخلق، ولا بدَّ من تعليق قلوب الناس وأنظارهم بهذا العدل، وبذلك الجزاء، لتتعامل مع الله متجردة من كل النوازع المعوقة. فلا بدَّ من جزاء للمؤمنين من الله على إيمانهم وأعمالهم يشجع ويقوي الإنسان على النهوض بأحكام الدين وأوامره، وعلى الوفاء بالميثاق. ولا بدَّ أن يختلف مصير الذين كفروا وكذبوا عن الذين آمنوا وعملوا الصالحات عند الله، وهذا هو العدل الإلهي الذي يجازي كل إنسان بعمله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ

стр. 2706

آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٠)﴾ [المائدة: ٩،١٠]. والله يعلم من طبيعة الإنسان حاجته إلى الوعد بالمغفرة، والأجر العظيم، وحاجته كذلك إلى معرفة جزاء الكافرين المكذبين. إن هذا وذاك يرضي هذه الطبيعة، ويطمئنها على جزائها ومصيرها، ويحركها للطاعة، وينفرها من المعصية، وبذلك تتلذذ بالعبادة، وتعلم أن المغفرة والأجر العظيم دليل رضى الله الكريم، وفيها مذاق الرضا فوق مذاق النعيم. ودين الإسلام قائم على العدل المطلق؛ لأن الله الذي شرعه يعلم حق العلم بم يتحقق العدل المطلق؟، وكيف يتحقق؟. ولأنه سبحانه رب الجميع، فهو الذي يملك أن يعدل بين الجميع، وأن يجيء منهجه وشرعه مبرءاً من الهوى والميل والضعف والجور. كما أنه مبرأ من الجهل والقصور، ومن الغلو والتفريط. ومنهج الإسلام متوافق مع ناموس الكون كله؛ لأن الذي شرعه هو خالق هذا الكون كله وخالق الإنسان، فإذا شرع سبحانه للإنسان شرع له كمخلوق من مخلوقاته، لكن تطيعه مخلوقات مسخرة له بأمر خالقه، لكن بشرط السير على هداه. والله أمر عباده بالعدل والإحسان، والعدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، والعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفورة، بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق المالية والبدنية، والمركبة منهما في حقه وحق عباده كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠]. ويعامل الخلق بالعدل التام، فيؤدي كل مسلم وكل والٍ ما عليه تحت ولايته، سواء في ذلك ولاية الإمامة الكبرى، أو الولاية الصغرى.

стр. 2707

ومن العدل في حق الله أداء ما أمر الله به من الإيمان والتوحيد، وطاعته وعبادته وحبه لا شريك له. ومن العدل في حق الرسول ﷺ الإيمان به وطاعته، وتوقيره، وتصديق ما جاء به من ربه، واجتناب ما نهى عنه، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. ومن العدل في المعاملات مع الناس أن تعاملهم بما شرع الله ورسوله في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات، وتوفي لهم حقوقهم فلا نبخس لهم حقاً، ولا نغشهم، ولا نخدعهم، ولا نظلمهم. فالعدل واجب، والإحسان فضيلة مستحبة، وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والجاه والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع، خاصة أولي القربى، فكل من كان أقرب كان أحق بالبر.

стр. 2708

٣ - فقه الأمر والنهي قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. كمال الإنسان بالإيمان والتقوى، وكمال التقوى بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه. وترك الأمر أعظم عند الله من ارتكاب النهي؛ لأن الله نهى آدم عن الأكل من الشجرة فأكل منها فتاب، فتاب الله عليه. وإبليس أُمر أن يسجد لآدم مع الملائكة فلم يسجد واستكبر، فطرده الله ولعنه. وارتكاب النهي غالباً مصدره الشهوة والحاجة، وذنب ترك الأمر في الغالب الكبر والعزة. والجنة لا يدخلها من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ويدخلها من مات على التوحيد وإن زنى وسرق. وفعل المأمورات أحب إلى الله من ترك المنهيات كما قال ﷺ حين سئل أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال: «الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا». قال: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ». قال: ثُمَّ أيٌّ؟ قال: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ» أخرجه البخاري (١). وفعل ما يحبه الله من الطاعات والمأمورات مقصود بالذات، وترك المنهي مقصود لتكميل فعل المأمور، فهو منهي عنه لأجل كونه يخل بفعل المأمور أو يضعفه أو ينقصه، كما نهى الله عن الخمر والميسر لكونهما يصدان عن ذكر الله وعن الصلاة. فالمنهيات قواطع وموانع صادة عن فعل المأمورات التي يحبها الله.

стр. 2709

إذا عُرف هذا .. ففعل ما يحبه الله مقصود بالذات، ولهذا يُقدِّر ما يكرهه ويسخطه لإفضائه إلى ما يحب، كما قدر المعاصي والكفر والفسوق لما ترتب على تقديرها مما يحبه الله من لوازمها من الجهاد والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحصول التوبة من العبد، والتضرع إليه والاستكانة، واتخاذ الشهداء، وإظهار عدل الله وعفوه وانتقامه وعزته، وحصول الموالاة والمعاداة لأجله. وفي فعل المأمورات حياة القلب وغذاؤه، وزينته وسروره، وقرة عينه، ولذته ونعيمه، وترك المنهيات بدون ذلك لا يحصِّل له شيئاً من ذلك. وللعباد أربع حالات: فمن فعل المأمورات وترك المنهيات فهذا ناج مطلقاً. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ومن فعل المأمورات، وفعل المنهيات، فهو إما ناجٍ مطلقاً إن غلبت حسناته على سيئاته، وإما ناج بعد عقوبته على سيئاته وتمحيصه. ومن ترك المأمورات وترك المنهيات، فهو هالك غير ناج، ولا ينجو إلا بفعل المأمور وهو التوحيد، فمتى خلا قلبه من التوحيد رأساً فهو هالك، وإن لم يعبد مع الله غيره. فإن عبد معه غيره عذب على ترك التوحيد المأمور به، وفعل الشرك المنهي عنه. والطاعات والمعاصي إنما تتعلق بالأمر أصلاً، وبالنهي تبعاً. فالمطيع ممتثل المأمور، والعاصي تارك المأمور، واجتناب المناهي من تمام امتثال الأوامر ولوازمه. فلو أن العبد اجتنب المنهي عنه، ولم يفعل ما أمر به، لم يكن مطيعاً، وكان عاصياً، بخلاف ما لو أتى بالأمر، وارتكب النهي، فإنه وإن عد عاصياً مذنباً، فهو مطيع بامتثال الأمر، عاصٍ بارتكاب النهي.

стр. 2710

وامتثال الأمر عبودية وتقرب وخدمة، وتلك العبادة التي خلق الله لأجلها الخلق، بخلاف النهي فإنه أمر عدمي لا كمال فيه من حيث هو عدم، بخلاف الأمر فإنه أمر وجودي مطلوب الحصول. والله جعل جزاء المأمورات عشرة أمثالها، وجزاء المنهيات مثلاً واحداً كما قال سبحانه: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠]. وهذا يدل على أن فعل ما أمر الله به أحب إليه من ترك ما نهى عنه، وإن كان كلاً منهما مقصود ومطلوب. والله سبحانه قدر ما يبغضه ويكرهه من المنهيات؛ لما يترتب عليها مما يحبه ويفرح به من المأمورات، وهذا الفرح إنما كان بفعل المأمور به وهو التوبة. فقدر الذنب لما يترتب عليه من هذا الفرح العظيم، الذي وجوده أحب إليه من فواته، ووجوده بدون لازمه ممتنع، وليس ذلك مطلقاً، وإنما المراد أن جنس فعل المأمورات أفضل من جنس ترك المنهيات، وكلاهما مطلوب، فالمأمورات تغذية .. والمنهيات وقاية. والمأمور به محبوب الله سبحانه، والمنهي عنه مكروهه، ووقوع محبوبه أحب إليه من فوات مكروهه، وفوات محبوبه أكره إليه من وقوع مكروهه. وما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: فإما إلى غلو ومجاوزة .. وإما إلى تفريط وتقصير. وهاتان الآفتان لا يخلص منهما في الاعتقاد والقصد والعمل إلا من اتبع رسول الله ﷺ ظاهراً وباطناً وترك ما سواه. وهذان المرضان الخطيران قد استوليا على أكثر بني آدم، ودين الله بين الغالي فيه، والجافي عنه. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقتضي سلطة تأمر وتنهى، والأمر والنهي غير الدعوة، فالدعوة بيان وإرشاد، والأمر والنهي سلطان.

стр. 2711

وكلاهما مما شرف الله به هذه الأمة بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وذنوب العباد قسمان: ترك مأمور به .. وفعل منهي عنه. فالمأمور به إذا تركه العبد متعمداً، فإما أن يكون مؤمناً بوجوبه أولا يكون: فإن كان مؤمناً بوجوبه، تاركاً لأدائه، فلم يترك الواجب كله، بل أدى بعضه وهو الإيمان به، وترك بعضه وهو العمل به. وكذلك المحرم إذا فعله، فإما أن يكون مؤمناً بتحريمه أو لا يكون: فإن كان مؤمناً بتحريمه، فاعلاً له، فقد جمع بين أداء الواجب، وفعل المحرم، فصار له حسنة وسيئة. ومقصود الأمر تحصيل المصلحة، ومقصود النهي دفع المفسدة. وقوة فعل الأوامر، واجتناب النواهي، مبنية على ما في القلوب من قوة الإيمان وضعفه، وزيادته ونقصانه. فالإيمان هو المحرك، والأعمال منه ومن ثمراته، وهو يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. والله سبحانه أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، فمن شاء سلك طريق الهدى ونال ثوابه، ومن شاء تركه وتحمل عقوبته: ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾ [الأعراف: ٣٥،٣٦]. وإذا تبين الحق من الباطل، والنور من الظلام، والرشد من الغي، زال اللبس، وانكشف الأمر، وظهر ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢]. والله أعطى هذه الأمة وظيفة الأنبياء والرسل، وهي الدعوة إلى الله،

стр. 2712

والأنبياء لم يبعثوا بالعبادات فقط، بل بعثهم الله بالتوحيد والإيمان، وحل جميع المشاكل الإنسانية في الدنيا والآخرة: في العبادات، والمعاملات، والمعاشرات، والأخلاق. فالصلاة أمر من أوامر الله، لا بدَّ أن تكون على هدي النبي ﷺ ، فكذلك المعاملات كلها لها أوامر من الله، فلا بدَّ أن تكون على هدي النبي ﷺ ، وكذا المعاشرات والأخلاق، فالله أرسل الأنبياء بالدين الكامل، ومن ظن أن الدين عبادات فقط، أما باقي شعب الحياة فالناس أحرار يفعلون ما يشاءون فقد أخطأ وضل وأضل، وقال على الله ما لا يعلم. فلا يجوز أن تكون العبادات على طريقة محمد ﷺ .. والتصرف في الأموال على طريقة قارون .. ومزاولة الملك على طريقة فرعون .. والتجارة على طريقة اليهود .. وتناول الشهوات على طريقة النصارى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٥، ٨٦]. إن الله له أوامر في كل شيء، من أطاع الله فيها فهو رابح، ومن عصى الله فيها فهو خاسر، والأنبياء بينوا هذه الأوامر في شعب الحياة كلها، وذلك لتدخل حياة الأنبياء في حياة الناس. فمقصدنا في التجارة ليس جمع المال، بل مقصدنا الاستعانة به على طاعة الله، وإفادة الناس منه، وامتثال أوامر الله فيه، والاستغناء به عن سؤال الناس. وإذا طلب التاجر الدنيا مرائياً مفاخراً غضب الله عليه، وعذبه بماله في الدنيا وفي الآخرة: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾ [التوبة: ٥٥]. والمسلمون في مكة في بداية الدعوة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على

стр. 2713

مجتمعهم، ولذلك لم ينزل الله في تلك الفترة تنظيمات وشرائع وشعائر، وإنما أنزل لهم أوامر التوحيد والإيمان وحسن الأخلاق. ولما اطمأنت قلوبهم بالإيمان، وسلموا أنفسهم لله، فلا يختارون إلا ما اختار الله وأمر به، حينذاك نزلت الشرائع والشعائر في المدينة متوالية كالمطر في جميع شعب الحياة، وفي جميع الأوقات والأحوال، فقبلوها وفرحوا بها وقالوا سمعنا وأطعنا. والله حكيم عليم، فحين يتعلق الأمر أو النهي بالتوحيد والشرك، أو بالإيمان والكفر، فإن الله يقضي فيه قضاءً حاسماً منذ اللحظة الأولى، ويمضي أمره في ضربة حازمة جازمة صريحة لا غموض فيها، لا تردد فيها ولا تلفت، ولا مجاملة ولا مساومة، ولا تأجيل فيها ولا تأخير، فمن أول يوم قال الله لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ [الكافرون: ١، ٢]. وعندما يتعلق الأمر أو النهي بعادة أو تقليد أو سلوك، أو وضع اجتماعي معقد، فإن الإسلام يتريث به، ويأخذ الأمر باليسر والرفق والتدرج، ويهيئ الفرصة والظروف الواقعية التي تيسر التنفيذ والطاعة عن قناعة كمسألة الرق، ومسألة تحريم الخمر والميسر، فقد كان الأمر أمر عادة وإلف، والعادة تحتاج إلى علاج لقلعها من النفوس، والعلاج يحتاج إلى وقت. فبدأ الله بتحريك الوجدان الديني في نفوس المسلمين بأن الإثم في الخمر والميسر أكبر من النفع، وفي هذا إيحاء بأن تركه هو الأولى. ثم نهاهم عن أداء الصلاة وهم سكارى، وفي هذا تضييق لوقت شرب الخمر. فلما تمت هاتان الخطوتان جاء النهي الحازم الأخير بتحريم الخمر والميسر، مقروناً بالتنفير عنه، فلما اطمأنت القلوب انقادت الجوارح وأطاعت، وكسرت دنان الخمر امتثالاً لأوامر الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ

стр. 2714

مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠، ٩١]. وإذا استقام القلب بالإيمان، استقامت الجوارح بالطاعة والانقياد، وإنما يستقيم القلب بأمرين: تقديم ما يحبه الله تعالى على ما تحبه النفس بكمال الإيمان .. وتعظيم الأمر والنهي وهو الشريعة، وذلك ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي، وهو الله : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢]. فالإنسان قد يفعل الأمر لنظر الخلق إليه، وقد يترك المناهي خشية سقوطه من أعين الناس، أو خوفاً من العقوبات الشرعية، فهذا ليس فعله وتركه صادراً عن تعظيم الأمر والنهي، ولا عن تعظيم الآمر الناهي. وأوامر الله نوعان: أوامر كونية يدبر الله بها الكون .. وأوامر شرعية خاصة بالإنس والجن. والأوامر الشرعية قسمان: الأول: أوامر شرعية محبوبة للنفس كالأمر بالأكل من الطيبات، ونكاح ما طاب من النساء إلى أربع، وصيد البر والبحر ونحو ذلك. الثاني: أوامر شرعية مكروهة للنفس وهي نوعان: الأول: أوامر خفيفة سهلة كالأدعية والأذكار، وتلاوة القرآن، والنوافل والصلوات ونحوها. الثاني: أوامر ثقيلة كالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله. والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، يزيد بامتثال الأوامر الخفيفة والثقيلة معاً، فإذا زاد الإيمان صار المبغوض محبوباً، وصار الثقيل خفيفاً، وتحقق مراد الله من عبادة بالدعوة والعبادة، وتحركت بذلك الجوارح. وعلامات تعظيم أوامر الله: أن يذكر العبد الآمر بها .. ويراعي أوقاتها وحدودها .. ويأتي بأركانها وواجباتها

стр. 2715

وسننها وآدابها .. ويحرص على كمالها .. ويسارع إلى أدائها .. ويفرح بها .. ويحزن عند فواتها، كمن فاتته صلاة الجماعة ونحوها. وأن يفرح بالطاعات .. ويسر برؤية الطائعين، وأن يغضب لله إذا انتهكت محارمه .. ويحزن عند معصيته .. ولا يسترسل مع الرخص .. ولا يكون دأبه البحث عن علل الأحكام .. بل يفعل الطاعات، ويجتنب المعاصي؛ لأن الله أمره بذلك .. فإن ظهرت له الحكمة حمله ذلك على مزيد الانقياد والعمل. وكل ما أمر الله ورسوله به فيجب على المسلم القيام به حسب الاستطاعة كما قال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. وقال النبي ﷺ : «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» متفق عليه (١). وأما المنهيات فيجب اجتنابها مطلقاً كما قال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧]. والله وحده هو عالم الغيب والشهادة، وهو الذي يقلب الليل والنهار، ويقلب القلوب والأبصار، ويحيي الأرض بعد موتها. وهو سبحانه الحاكم في حياة العباد، وليس لغيره أمر ولا نهي، ولا شرع ولا حكم، ولا تحليل ولا تحريم، ولا خلق ولا تدبير. فهذا كله اختص به ملك الملوك وحده لا شريك له. وكل مسلم مأمور بفعل ما أمره الله ورسوله به، واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه، وإذا فعل المسلم المنهي عنه متعمداً فهو آثم، إلا إذا كان مضطراً فيباح له بقدر الضرورة كالأكل من الميتة أو الخنزير بقدر الحاجة ونحو ذلك وإذا فعل المنهي عنه ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ

стр. 2716

نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فقال الله: قد فعلت. وقوله : ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. أما ترك المأمور به فلا يعذر بجهله ولا نسيانه، فلا بدَّ من الإتيان به، لكن الله رفع عنه الإثم كما أمر رسول الله ﷺ المسيء في صلاته أن يعيدها، فمن نسي الوضوء وصلى فلا إثم عليه، لكن عليه إعادة الصلاة بعد الوضوء .. وهكذا. والحكمة في التشديد أول الأمر ثم التيسير في آخره توطين النفس على العزم والامتثال، فيحصل للعبد الأمران: الأجر على عزمه .. وتوطين نفسه على الامتثال .. والتيسير والسهولة بما خفف الله عنه، ومثاله: فرض الله الصلاة خمسين ليلة الإسراء، ثم خففها وتصدق بجعلها خمساً في العمل وخمسين في الأجر. وقد يقع في الأمر والقضاء والقدر ضد هذا، فينقل الله عباده بالتدريج من اليسير إلى ما هو أشد منه؛ لئلا يفجأ هذا التشديد بغتة، فلا تتحمله النفوس ولا تنقاد إليه. ومثاله: تدريجهم في الشرائع شيئاً فشيئاً كالتدرج في تحريم الخمر مثلاً، ومن هذا أنهم أمروا بالصلاة ركعتين، فلما ألفوها زيد فيها. ومن هذا الصيام كان على التخيير، فلما ألفوه فرض عليهم رمضان، ومنه الإذن بالجهاد، فلما ألفوه أمروا به. وذلك كله للتربية على قبول الأحكام والإذعان لها. والله أنزل من السماء ماءً فأخرج بسببه الثمار اليانعة، والزروع والأزهار، وكذلك أنزل الوحي من السماء إلى عباده فأخرج بسببه الأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، إلا أن من الأرض ما لا يقبل الماء كالحجارة، ومن البشر من لا يقبل الهدى كالقاسية قلوبهم.

стр. 2717

لكن الله أقام الحجة على جميع العباد بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ومنحهم السمع والبصر والعقل. والأوامر الشرعية تلزم من يعلمها، وتمكن من فعلها، ومن لا يعلمها أو لم يتمكن من فعلها فلا تلزمه؛ لأن الوجوب مشروط بالعلم والقدرة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها. والعقوبة لا تكون إلا على ترك مأمور، أو فعل محظور بعد قيام الحجة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥]. والله ﵎ له سنة في أمره وشرعه، وله سنة في خلقه، وله سنة في قضائه وقدره. وحكم الله القدري يمضي في الناس على غير إرادة منهم ولا اختيار، وإلى جانبه حكم الله الشرعي الذي ينفذه الناس عن رضى منهم واختيار، وهو الحكم الشرعي المتمثل في الأوامر والنواهي، وهو كذلك من الله ولله، شأنه شأن الحكم القدري. لكن القدري الناس فيه مقهورون، والثاني الناس فيه مختارون: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠]. فسبحان الذي خلق السموات والأرض بالحق، ليأمر عباده وينهاهم، ويثيبهم ويعاقبهم كما قال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾ [الجاثية: ٢٢]. وأحكام الشريعة إنما تثبت في حق العبد بعد بلوغه هو، وبلوغها إليه، فكما لا يترتب في حقه قبل بلوغه هو، فكذلك لا يترتب في حقه قبل بلوغها إليه في العبادات والمعاملات والحدود وغيرها، ففي العبادات لم يأمر النبي ﷺ المسيء في صلاته بإعادة ما تقدم من الصلوات التي لم تكن صحيحة .. ولم يأمر معاوية بن الحكم ﵁ حين تكلم في الصلاة بالإعادة؛ لأنه لم يبلغه

стр. 2718

الحكم .. ولم يأمر من أكل في نهار رمضان بالإعادة لما ربط الخيطين؛ لأجل التأويل .. ولم يأمر المستحاضة حين تركت الصلاة أن تعيد ما تركت .. ولم يأمر المتمعك في التراب لأجل التيمم بالإعادة مع أنه لم يصب فرض التيمم، وأهل قباء صلوا إلى القبلة المنسوخة بعد بطلانها ولم يعيدوا ما صلوا، بل استداروا في صلاتهم وأتموها؛ لأن الحكم لم يثبت في حقهم إلا بعد بلوغه إليهم. أما في المعاملات فإن الله تعالى أمر المؤمنين بترك ما بقي من الربا بعد الإسلام وهو ما لم يقبض، ولم يأمرهم برد المقبوض؛ لأنهم قبضوه قبل التحريم كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨)﴾ [البقرة: ٢٧٨]. وفي القصاص لم يضمن النبي ﷺ أسامة قتيله بعد إسلامه بقصاص ولا دية ولا كفارة. ولله على كل عبد نوعان من الحقوق: أحدها: أمره ونهيه الذي هو محض حقه عليه. الثاني: شكر نعمه التي أنعم بها عليه. فالله سبحانه يطالب العباد بشكر نعمه، وبالقيام بأمره، فمشهد الواجب عليه لا يزال يشهده تقصيره وتفريطه، وأنه محتاج إلى عفو الله ومغفرته. وكلما كان العبد أفقه في دين الله كان شهوده للواجب عليه أتم، وشهوده لتقصيره أعظم، فليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأوامر المحبوبة لله كالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وأقل الناس ديناً وأمقتهم عند الله من ترك هذه الواجبات وإن زهد في الدنيا بأجمعها. والله سبحانه يتصرف في خلقه بملكه وحمده وعدله وإحسانه، فهو سبحانه على صراط مستقيم: في قوله وفعله .. وشرعه وقدره .. وأمره ونهيه .. وعطائه ومنعه .. ونفعه وضره ..

стр. 2719

وعافيته وبلائه .. وإغنائه وإفقاره .. وإعزازه وإذلاله .. وإنعامه وانتقامه .. وإحيائه وإماتته .. وتحليله وتحريمه .. وثوابه وعقابه وفي كل ما يخلق .. وفي كل ما يقدر .. وفي كل ما يأمر: ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. وأوامر الله التي كلفنا بها نوعان: أحدها: ما نعرف وجه الحكمة فيه بعقولنا كالصلاة والزكاة والصيام وأكل الطيبات، وجلّ الشريعة من هذا النوع. الثاني: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كرمي الجمار في الحج، والوضوء من أكل لحم الجزور، ونحو ذلك. وكما يحسن من الله أن يأمر عباده بالنوع الأول، فكذلك يحسن الأمر منه بالنوع الثاني؛ لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد؛ لأحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف بعقله وجه الحكمة والمصلحة فيه، أما الطاعة في النوع الثاني فإنها تدل على كمال الانقياد ونهاية التسليم. وإذا كان هذا في الأفعال ففي الأقوال مثله، وهو أن يأمرنا الله أن نتكلم بما نقف على معناه كالآيات، وتارة بما لا نقف على معناه كالحروف المقطعة في أوائل السور. والمقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر، وظهور العبودية في هذا وهذا: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧]. وإذا ترك رسول الله ﷺ أمراً، فإن كان مطلقاً كان حكمنا كحكمه كترك الأكل متكئاً، وأنه لم ينتقم لنفسه، وأنه لا يصافح النساء في البيعة ونحو ذلك. وإن تركه لسبب كان حكمنا كحكمه ﷺ حال وجود السبب، فإذا زال السبب زال الحكم ورجع إلى الأصل.

стр. 2720

وأسباب الترك أنواع: منها تركه ﷺ الفعل المستحب خشية أن يفرض على الأمة، ومنه ترك قيام رمضان جماعة خشية أن يفرض عليهم، فلما زالت الخشية بوفاته وانقطاع الوحي أعاد الصحابة ﵃ فعلها في المسجد زمن عمر ﵁. ومنها ترك الفعل المستحب خشية أن يظن البعض أنه واجب، ومنه أنه ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة استحباباً، وقد ترك ذلك يوم فتح مكة لبيان الجواز. ومنها الترك لأجل المشقة التي تلحق الأمة في الاقتداء بالفعل، ومنه ترك الرمل في الأشواط الأربعة الأخيرة من الطواف، فلم يمنعه من أن يرمل في الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. ومنها ترك المطلوب خشية من حدوث مفسدة أعظم من بقائه، وهذا من السياسة الشرعية المقررة، كما ترك النبي ﷺ نقض الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم ﷺ ؛ لأن قريشاً حديثو عهد بكفر. ومنها الترك على سبيل العقوبة كتركه الصلاة على المدين، فلما وسع الله عليه كان يصلي ولا يسأل عن الدين. ومنها الترك لمانع شرعي كقصة نومه عن صلاة الفجر في السفر، فلم يبادر للقضاء لكون الشمس في أول طلوعها، ويحتمل لأن بالوادي شيطان، ثم تحول بالناس وصلى بهم في مكان آخر. والله تعالى إذا أمر عبده بأمر وجب عليه أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به، ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره بحسب قدرته وإمكانه. وكذلك إذا نهى عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بالله على تركه. وينهى الله عن الفحشاء، وهو كل ذنب عظيم استفحشته الشرائع

стр. 2721

والفطر كالشرك بالله، والقتل بغير حق، والزنا والسرقة، والعجب والكبر، واحتقار الخلق، ونحو ذلك. وينهى كذلك عن المنكر، وهو كل ذنب ومعصية تتعلق بحق الله تعالى. وينهى عن البغي، وهو كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض ونحوها. فهذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات ولم يبق شيء إلا دخل فيها، فكل مسألة مشتملة على عدل، أو إحسان، أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به، وكل مسألة مشتملة على فحشاء، أو منكر، أو بغي فهي مما نهى الله عنه. وما جاءت به الشريعة من المأمورات والكفارات والعقوبات ونحوها فإنه يُفعل منه حسب الاستطاعة، فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين فإنه يجاهد على من يقدر على جهادهم. فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فالقليل من الخير خير من تركه، ودفع بعض الشر خير من تركه كله. وقد أمر الله المؤمنين باتباع ما أنزل إليهم من ربهم كما قال سبحانه ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾ [الزمر: ٥٥]. فالقرآن هو أحسن الحديث وأعظمه وأكمله بالنسبة لغيره. وأخباره وأوامره فيه الحَسًن والأحسن فالخبر عن الأبرار والمقربين يتضمن أن اتباع الصنفين حسن، واتباع المقربين أحسن. والأمر يتضمن الأمر بالواجبات والمستحبات، والاقتصار على فعل الواجبات حسن، وفعل المستحبات معها أحسن. والله سبحانه أمر بالعدل والإحسان، ولا ريب أن العدل حسن، والإحسان مع العدل أحسن.

стр. 2722

ومن اتبع الأحسن فاقتدى بالمقربين، وتقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، وأحسن في عبادة ربه ومعاملة خلقه، فهو أحق بالبشرى كما قال سبحانه: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧،١٨]. والأمر بالمعروف وفعل الخيرات والعبادة والتعليم كلها اعمال حسنة، وفي كل منها الحسن والأحسن كما قال سبحانه ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠].

стр. 2723

٤ - فقه النفع والضر قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنعام: ٧١]. كل ما سوى الله مملوك لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع إلا بإذن الله، فالأمر كله لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. وهو سبحانه الذي يقلب الليل والنهار، ويقلب القلوب والأبصار، المتفرد بالضر والنفع، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، ما من دابة إلا وهو آخذ بناصيتها: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وذلك كله يقتضي تعظيمه ومحبته سبحانه، وعبادته وطاعته؛ لإحسانه إلى عباده، وإسباغ نعمه عليهم. وكتاب الله مملوء من ذكر حاجة العبيد إلى الله دون ما سواه، ومن ذكر نعمائه عليهم، ومن ذكر ما وعدهم به في الآخرة من صنوف النعيم واللذات، وليس عند المخلوق شيء من هذا. فعلى العبد التوكل على ربه وحده، والشكر له ومحبته على إحسانه، وفي تعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه إذا أخذ منه القدر الزائد على حاجته المعينة على عبودية الله وتفريغ قلبه له. والله سبحانه غني حميد، كريم رحيم، فهو المحسن إلى عبده مع غناه عنه، يريد به الخير، ويكشف عنه الضر، لا لجلب منفعة إليه سبحانه، ولا يدفع مضرة، بل رحمة منه وإحساناً.

стр. 2724

فالله ﵎ كامل الذات والأسماء والصفات، محسن لذاته، رحيم لذاته، جواد لذاته، كريم لذاته، كما أنه غني لذاته، قادر لذاته، حي لذاته. فإحسانه وجوده، وبره ورحمته من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك، كما أن قدرته وغناه، وعلمه وحلمه من لوازم ذاته، لا يكون إلا كذلك. وأما العباد فلا يتصور أن يحسنوا إلا لمصالحهم: فإنهم إذا أحبوا أحداً طلبوا أن ينالوا غرضهم من محبته، سواء أحبوه لجماله أو شجاعته أو رياسته أو كرمه. وإن جلبوا له منفعة أو دفعوا عنه مضرة فهم يطلبون العوض، إذا لم يكن العمل لله، فأجناد الملوك، وأجراء المستأجر، كلهم إنما يسعون في نيل أغراضهم به، لا يعرج أكثرهم على قصد منفعة المخدوم. فكل واحد من الخلق لا يقصد منفعتك بالقصد الأول، بل إنما يقصد منفعته بك، وقد يكون عليك في ذلك ضرر إذا لم يراع المحب العدل، فإن دعوته فقد دعوت من ضره أقرب من نفعه. وأما الرب سبحانه فهو يريدك لك ولمنفعتك، لا لينتفع بك، فهي منفعة محضة لك لا ضرر فيها: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٦]. فليتدبر العاقل ذلك حق التدبر، فملاحظته تمنعه أن يرجو المخلوق، أو يطلب منه منفعة له، فإنه لا يريد ذلك البتة بالقصد الأول، بل إنما يريد انتفاعه بك عاجلاً أو آجلاً، فهو يريد نفسه لا يريدك، ويريد نفع نفسه بك، لا نفعك بنفسه. وتأمل ذلك وتدبره فيه منفعة عظيمة وراحة، ويأس من المخلوقين، سداً لباب عبوديتهم، وفتحاً لباب عبودية الله وحده. لكن لا يحملنك هذا على جفوة الناس، وترك الإحسان إليهم، وعدم احتمال أذاهم، بل أحسن إليهم لا لرجائهم، فكما لا تخافهم لا ترجوهم. فأغلب الخلق يطلبون إدراك حاجاتهم بك، وإن كان ذلك ضرراً عليك، فإن

стр. 2725

صاحب الحاجة لا يرى إلا قضاءها، فهم لا يبالون بمضرتك إذا أدركوا منك حاجتهم، بل لو كان فيها هلاك دنياك وآخرتك لم يبالوا بذلك. فما أشد ضلال من تعلق بالخلق من دون الله، حيث أعرض عن عبادة الغني المغني، الذي يملك النفع والضر، وأقبل على عبادة مخلوق مثله ليس بيده من الأمر شيء: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢]. وماذا بيد المخلوق؟ .. وماذا يملك المخلوق؟ .. وهو فقير محتاج لا يملك إلا ما أعطاه الله إياه، فهو قاسم لا معطي، وضره أقرب من نفعه، فهل هناك أجهل وأضل ممن تعلق بمخلوق مثله، أو دونه، أو أكبر منه، وخافه ورجاه؟ وهل يليق بالمخلوق أن: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [الحج: ١٣]. إن السعيد الرابح من أرضى الله بسخط الناس، ولم يرضهم بسخط الله، وأمات خوفهم ورجاءهم وحبهم من قلبه، وأحيا حب الله وخوفه ورجاءه فيه: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ [يونس: ١٠٥، ١٠٦]. فالخلق كلهم لا يقدر أحد منهم أن يدفع عنك مضرة البتة، ولا يجلب لك منفعة البتة إلا بإذن الله ومشيئته وقضائه وقدره، فهو سبحانه الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧]. وقال النبي ﷺ لابن عباس ﵄: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ، لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ

стр. 2726

عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» أخرجه أحمد والترمذي (١). فالمنفعة والمضرة لا تكون إلا من الله وحده، فإن المرء إذا كان غير عالم بمصلحته، ولا قادر عليها، ولا مريد لها كما ينبغي، فغيره أولى ألا يكون عالماً بمصلحته، ولا قادراً عليها، ولا مريداً لها. والله سبحانه هو الذي يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله لا لمعاوضة ولا لمنفعة يرجوها منك، ولا ليتكثر بك، ولا يتعزز بك. وهو سبحانه يحب الجود والبذل، والعطاء والإحسان، أعظم مما تحب أنت الأخذ والانتفاع بما سألته. فإذا حبس الله عنك فضله ونعمته فلأمرين لا ثالث لهما: أحدهما: أن تكون أنت الواقف في طريق مصالحك، وأنت المعوق لوصول فضله إليك، فإن الله قضى أن ما عنده لا ينال إلا بطاعته، ولا يزيد ويدوم بغير شكره، ولا منعت نعمة بغير معصيته. وكذلك إذا أنعم الله عليك بنعمة ثم سلبها منك، فإنه لم يسلبها لبخل منه، ولا استئثار بها عليك، وإنما العبد هو المتسبب في سلبها عنه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾ [الأنفال: ٥٣]. فما أعجب حال الإنسان؟. يشكو المحسن البريء عن الشكاية، ويتهم أقداره ويلومها، والإنسان هو الذي ضيع وفرط، وقصر وعصى، وجهل وأساء، ثم قعد يعاتب ويحاسب القدر بلسان الحال أو المقال. وهذه حال أكثر الخلق، فإن الفطرة إذا فسدت، وأطفأ الهوى نور العلم والإيمان حل الظلام، فضل المرء عمن أصل بلائه ومصيبته فيه، وأقبل يشكو الذي كل

стр. 2727

إحسان دقيق أو جليل وصل إليه منه، فإذا شكوته فإنما تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك. وإذا عرف العبد ذلك، وعرف سبب بلائه ومصيبته، استحى من نفسه إن لم يستح من الله أن يشكو أحداً من خلقه، أو يرى مصيبته وآفته من غيره كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠]. وجميع المخلوقات كبيرها وصغيرها كالعرش والكرسي، والسموات والأرض، والطعام والشراب، والنملة والذرة، والهباءة والخردلة وغيرها. كل هذه المخلوقات لإظهار ذاتها محتاجة إلى أمر الله في وجودها .. ومحتاجة لأمر الله في بقائها .. فكذلك لإظهار صفاتها من النفع والضر محتاجة إلى أمر الله. فهي كالأواني الفارغة إن جاءها أمر الله بالنفع نفعت، وإن جاءها أمر الله بالضر ضرت بإذن الله، وكالعبيد ينتظرون أوامر سيدهم ليقوموا بالخدمة. فجميع المخلوقات في العالم العلوي والعالم السفلي إنما تعمل وتتحرك بأوامر الله الكونية، وأوامره الشرعية، فالخلق خلقه، والأمر أمره وحده لا شريك له: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وجميع الأنبياء والرسل استعملوا الأشياء باليقين على الله ، وعلى أوامره، لا على ذات الأشياء كما قال هود ﷺ : ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦]. فالأمر كله بيد الله، وليس بأيدي الرسل وللأنبياء ولا لغيرهم من المخلوقات شيء من الأمر والنفع والضر، فكل مخلوق، وكل رسول، وكل عبد، فقير مدبر لا يأتيه خير إلا من الله، ولا يدفع عنه الشر إلا الله، ولا يحصل على شيء من العلم إلا ما علمه الله، ولا يأخذ شيئاً من الرزق إلا ما رزقه الله: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا

стр. 2728

مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨]. فيا جهالة من يقصد نبياً أو ولياً ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر، فإنه ليس بيده شيء من الأمر، ولا ينفع من لم ينفعه الله، ولا يدفع الضر عمن لم يدفعه الله عنه، ولا يعلم الغيب، ولا يعلم إلا ما علمه الله. وإنما ينفع الرسول ﷺ من قبل ما أرسل به من البشارة والنذارة وعمل بذلك، فقد أنذر ﷺ بالعقوبات الدينية والدنيوية والأخروية، وبين الأعمال المفضية إلى ذلك وحذر منها، وبشر بالثواب العاجل والآجل، وبين الأعمال الموصلة إليه، ورغب فيها. فهذا نفعه ﷺ الذي نفع به البشرية، والذي فاق به نفع الآباء والأمهات، والأخلاء والإخوان، بما حث العباد على كل خير، وبما حذرهم من كل شر، وبينه لهم غاية البيان: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨]. والله ﵎ هو الواحد لا شريك له في ذاته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته بيده الملك وهو على كل شيء قدير. الخلق والأمر بيده وحده .. والعطاء والمنع بيده وحده .. والنفع والضر بيده وحده .. والشفاء والمرض بيده وحده. وكتابه القرآن فيه الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وأدواء الدنيا والآخرة، ولكن ما كل أحد يوفق للاستشفاء به. وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان ويقين، لم يقاومه الداء أبداً. وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال لصدعها أو على الأرض لقطعها؟. فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه، وبيان سببه، وكيفية الحمية منه كما قال سبحانه: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا

стр. 2729

هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢]. فالقرآن شفاء لجميع المؤمنين، وإنما ينتفع به من آمن به وتلقاه بالقبول، واعتقد الشفاء به، وكمال التلقي له بالإيمان والإذعان، فهذا القرآن إن لم يتلق هذا التلقي لم يحصل به شفاء الصدور من أسقامها، بل لا يزيد الكفار والمنافقين إلا رجساً إلى رجسهم ومرضاً إلى مرضهم. فطب النبوة لا يناسب إلا الأبدان الطيبة، كما أن شفاء القرآن لا يناسب إلا الأرواح الطيبة، وإعراض الناس عن طب النبوة كإعراضهم عن الاستشفاء بالقرآن الذي هو الشفاء النافع من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وليس ذلك لقصور في الدواء، ولكن لخبث الطبيعة، وفساد المحل، وعدم قبوله. فالقرآن شفاء لجميع الخلق لكن المؤمنين انتفعوا به، والكفار أعرضوا عنه فزادت أسقامهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾ [يونس: ٥٧]. وإذا علمنا هذا فعلينا التوجه إلى الهادي الكافي الشافي الرازق في جميع حوائجنا، وتقديم الشكوى فقط للغني الذي له ما في السموات وما في الأرض، وقد تكفل سبحانه بإجابة الداعين، وإعطاء السائلين، والمغفرة للمستغفرين. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦]. وقال النبي ﷺ : «يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْألُنِي فَأعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي، فَأغْفِرَ لَهُ» متفق عليه (١). اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

стр. 2730

٥ - فقه الحلال والحرام قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ [يونس: ٥٩]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]. الله ﵎ له ملك السموات والأرض، وله خزائن السموات والأرض، أحل لنا ما فيه مصلحة، وحرم علينا ما فيه مضرة. والله يغار، ومن غيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه، ولأجل غيرته سبحانه حرم أشياء، وأباح أشياء؛ لأن الخلق عبيده وإماؤه، فهو يغار على إمائه كما يغار السيد على جواريه، ولله المثل الأعلى. ويغار على عبيده أن تكون محبتهم لغيره، بحيث تحملهم تلك المحبة على عشق الصور، وفعل الفاحشة. ويغار على خلقه جميعاً أن يتركوا ما ينفعهم، ويأكلوا ما يضرهم، أو يفعلوا السيئ والقبيح من الفواحش والآثام، ويتركوا الحسن والجميل من الأقوال والأعمال والأخلاق. والله سبحانه خلق الإنسان وأكرمه وهيأ له ما يحتاجه من الطعام والشراب وأحل له أشياء، وحرم عليه أشياء، وأمره بأشياء، ونهاه عن أشياء، رحمة به وإحساناً إليه وحماية له. فأمره الله بعبادته وطاعته وكل ما يصلحه وينفعه، ونهاه عن الشرك به ومعصيته وكل ما يضره ويفسده. والمحرمات في الشرع قسمان: الأول: محرم لعينه كالنجاسات من الخبائث، والنجاسات من الدم والميتة

стр. 2731

والخنزير ونحوها. الثاني: محرم لحق الغير، وهو ما جنسه مباح من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب والمساكن والأموال ونحوها. وهذه إنما تحرم لسببين: أحدهما: أخذها بغير طيب نفس صاحبها، ولا إذن الشارع فيها، كمن يأخذها بطريق السرقة أو الغصب أو الخيانة، وهذا هو الظلم المحض. الثاني: أخذها بغير إذن الشارع وإن أذن صاحبها، وهي العقود والقبوض المحرمة كالربا والميسر ونحوهما. ومن حصلت بيده هذه الأموال فعليه التوبة، وردها إلى أهلها، فإن لم يعلم صاحبها فإتلافها إضاعة لها وهو محرم، وحبسها مع أنه لا يرجى معرفة صاحبها أشد حرمة من إتلافها، فتعين إنفاقها في جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله للتخلص منها، ونفع خلق الله بها، وأجرها يعود لمالكها الحقيقي، فإن الله خلق الخلق لعبادته، وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على طاعة الله وعبادته، فتصرف في سبيل الله بهذه النية. والله أحل للمؤمنين الأكل من الطيبات؛ ليستعينوا بها على طاعة الله، وحرم عليهم الخبائث؛ لئلا تضرهم. وأما الكفار فلم يأذن الله لهم في أكل شيء، ولا أحل لهم شيئاً من الطيبات، وإنما هي حلال للمؤمنين بالله فقط كما قال سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾ [الأعراف: ٣٢]. والكفار معتدون على الطيبات التي أحلها الله للمؤمنين، ومحاسبون يوم القيامة على النعم التي تنعموا بها، ولم يشكروا الله عليها. والله لم يبح إعانة العاصي على معصيته، ولا أباح له ما يستعين به على المعصية، فلا تكون مباحات لهم إلا إذا استعانوا بها على الطاعات.

стр. 2732

فالله أباح للمؤمنين الطيبات؛ لأنهم ينتفعون بها، ويشكرون الله عليها كما أمرهم ربهم بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. والله إذا حرم شيئاً حرم كل شيء يوصل إليه، ويستحيل على الحكيم العليم أن يحرم الشيء ويتوعد على فعله بأعظم أنواع العقوبات، ثم يبيح التوصل إليه بنفسه بأنواع الحيل. وقد حرم الله على اليهود الشحوم فجملوها وباعوها حيلة، وحرم عليهم صيد السمك يوم السبت فحبسوه يوم السبت وأخذوه يوم الأحد حيلة فعاقبهم الله وجعلهم قردة خاسئين كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]. وحرم الله على اليهود طيبات أحلت لهم عقوبة لهم على بغيهم وظلمهم وصدهم عن سبيل الله كما قال سبحانه: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١)﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١]. فهذا كله تحريم عقوبة على اليهود البغاة الظالمين. أما ما حرمه الله على هذه الأمة من الأشياء فهو صيانة لهم وحماية. فهو سبحانه أمر عباده بما أمرهم به رحمة منه وإحساناً وإنعاماً عليهم؛ لأن صلاحهم في معاشهم وأبدانهم وأرواحهم بفعل ما أمروا به، فهو بمنزلة الغذاء الذي لا قوام للبدن إلا به بل أعظم، وليس مجرد تكليف وابتلاء كما يظنه كثير من الناس، ونهاهم عما نهاهم عنه صيانة لهم وحمية عما يضرهم. فلم يأمرهم حاجة منه إليهم وهو الغني الحميد، ولا حرم عليهم ما حرم بخلاً منه عليهم وهو الجواد الكريم. وما حرمه الله نوعان: الأول: محرم لذاته لا يباح بحال كالمذكور في قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ

стр. 2733

الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. الثاني: محرم تحريماً عارضاً، فيباح في حال دون حال كالميتة، والدم، ولحم الخنزير، والخمر، فهذه محرمات أبداً، لكنها تباح للمضطر بقدر الحاجة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾ [النحل: ١١٥]. والمحرمات بالنسبة للإنسان قسمان: أحدها: محرمات تعافها النفوس كالميتة والدم والنجاسات، فهذه اكتفى الشرع بتحريمها دون عقوبة. الثاني: محرمات تشتهيها النفوس كالزنا والسرقة والخمر، وهذه جعل الله لها عقوبات مقدرة، تطهر من ارتكبها، وتزجر من همّ بها. والمحرمات لها أربع مراتب: فأدناها الفواحش .. وأشد منها تحريماً الإثم والظلم .. وأشد منهما تحريماً الشرك بالله سبحانه .. وأشد تحريماً من كل ما سبق القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، وفي دينه وشرعه كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]. فالقول على الله بلا علم أشد هذه المحرمات تحريماً، وأعظمها إثماً عند الله، فهو يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته، وإثبات ما نفاه، وإحقاق ما أبطله، وإبطال ما أحقه، وعداوة من والاه، وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه، وبغض ما أحبه. ووصف الله بما لا يليق به في ذاته وأسمائه وصفاته، وأقواله وأفعاله، فليس في جنس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثماً، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول

стр. 2734

على الله بلا علم. فلا يجوز لأحد أن يقول على الله بلا علم، ويكذب على الله ورسوله. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]. وقال النبي ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» متفق عليه (١). وإذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم، فإما أن يكون عالماً بالحق فيها .. أو غالباً على ظنه .. أو لا يعلم. فإن لم يكن عالماً بالحق فيها، ولا غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بما لا يعلم، ومتى أقدم على ذلك فقد تعرض لعقوبة الله. وإن كان عالماً بالحق فيها أو غلب على ظنه لم يحل له أن يفتي ولا يقضي بغيره: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾ [هود: ١٨]. والحلال ما أحله الله ورسوله من الأقوال والأعمال والأشياء، والحرام ما حرمه الله ورسوله، وأمر العباد ونهيهم عين حظهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ومصدر أمره ونهيه رحمته الواسعة، وبره وجوده، وإحسانه وإنعامه، فله الحمد والشكر على ما شرعه وأمر به. وليس لأحد من الخلق أن يحل أو يحرم من عند نفسه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾ [النحل: ١١٦، ١١٧]. والله ﵎ هو الخالق لعباده، وهو الرازق لهم، والجهة التي تخلق

стр. 2735

وترزق هي التي تشرع فتحل وتحرم، وتأمر وتنهى. وقد أباح الله للناس جميعاً أن يأكلوا مما رزقهم الله في الأرض حلالاً طيباً إلا ما شرع لهم حرمته لمضرته، وحذرهم من عدوهم الشيطان الذي غرَّ أباهم آدم فأوقعه فيما حرم الله فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]. وينادي الله المؤمنين بالصفة التي تربطهم به سبحانه، وتوحي إليهم أن يتلقوا منه الشرائع، وأن يأخذوا عنه الحلال والحرام، ويذكرهم بما رزقهم، فهو وحده الرازق، الذي أحل لهم الطيبات التي تنفعهم وحرم عليهم الخبائث التي تضرهم فيقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢]. والله مالك الملك، ومالك كل موجود؛ لأنه موجده، وقد استخلف الإنسان في هذه الأرض، ومكنه مما ادخره له فيها من أرزاق وأقوات، وقوى وطاقات، على عهد منه وشرط. ولم يترك له هذا الملك العريض فوضى يصنع فيه الإنسان ما يشاء، كيف شاء. إنما استخلفه على أن يقوم بالخلافة وفق منهج من استخلفه، وحسب شريعته. فما وقع منه من عقود وأعمال، وعبادات ومعاملات، ومعاشرات وأخلاق، وفق التعاقد فهو صحيح نافذ، وما وقع منه مخالفاً للعقد فهو باطل موقوف. فإن أنفذه قوة وقسراً فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره الله، ولا يقره المؤمنون بالله. فالخلق والأمر والحكم في الكون كله لله وحده، والناس كلهم ليس لهم أن يخرجوا عن منهج الله وشريعته؛ لأنهم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد، ولهم حقوق وعليهم واجبات، وليسوا ملاكاً خالقين لما في أيديهم من أرزاق، ولا مدبرين بملك غيرهم إلا حسب أمره. ومن بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين بالله، فيكون بعضهم أولياء بعض، وأن ينتفعوا برزق الله الذي أعطاهم كإخوة.
следующие страницы →