وحب الله ورسوله وطاعة الله ورسوله لا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله ورسوله أحب إلى العبد مما سواهما.
فكل من قدم طاعة أحد على طاعة الله ورسوله .. أو قدم قول أحد على قول الله ورسوله .. أو قدم مرضاة أحد على مرضاة الله ورسوله .. أو قدم حكم أحد على حكم الله ورسوله .. فهو ممن ليس الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
والعبودية تقوم على أصلين عظيمين:
كمال الحب لله .. وكمال التعظيم لله والذل له.
وذل العبودية له أربع مراتب:
الأولى: ذل الفقر والحاجة إلى الله، ويدخل في هذه جميع الخلق، فجميع أهل السموات والأرض محتاجون إلى الله فقراء إليه، وهو وحده الغني عنهم.
الثانية: ذل الطاعة والعبودية، وهو ذل الاختيار، وهذا خاص بأهل طاعته، وهو سر العبودية.
الثالثة: ذل المحبة، فالمحب ذليل لمحبوبه، وعلى قدر جماله وجلاله وكماله وإحسانه تكون محبته، وعلى قدر محبته له يكون ذله له.
الرابعة: ذل المعصية والجناية، فإذا وقع العبد في الجناية والمعصية أوجب له ذلك ذلاً وانكساراً بين يدي ربه.
فإذا اجتمعت هذه الأربع كان الذل لله والخضوع له أتم وأكمل، فيذل له خوفاً وخشية، ومحبة وإنابة، وطاعة وعبودية، وفقراً وفاقة .. وهذا لب العبودية وسرها.
وحصولها للعبد أنفع شيء له، وأحب شيء إلى الله.
والعبادات الواردة في الشرع أربعة أقسام:
الأول: ما ثبت أن النبي ﷺ سن كل واحد من الأمرين، واتفقت الأمة على أن من فعل أحدهما لم يأثم بذلك، لكن اختلفوا في الأفضل كالدعاء في آخر التشهد، وأدعية الاستفتاح في الصلاة، فهذه ثابتة عن النبي ﷺ وكلها سائغة.
стр. 2767
الثاني: ما اتفق العلماء على أنه إذا فعل كلاً من الأمرين كانت عبادته صحيحة ولا إثم عليه، لكن تنازعوا في الأفضل، وفيما كان النبي ﷺ يفعله كالقنوت في الفجر والوتر، والجهر بالبسملة، وصفة الاستعاذة ونحوها من المسائل.
الثالث: ما ثبت أن النبي ﷺ سن فيه الأمرين، لكن بعض أهل العلم حرم أحد النوعين أو كرهه لكونه لم يبلغه أو تأول الحديث.
والصواب أن ما سنه النبي ﷺ فهو مسنون لا ينهى عن شيء منه كأنواع التشهدات في الصلاة، وألفاظ الأذان والإقامة، وأنواع صلاة الخوف، والصوم والفطر في السفر.
الرابع: ما تنازع فيه العلماء، فأوجبه أحدهم أو استحبه، وحرمه الآخر، والسنة لا تدل إلا على أحد القولين.
فهذا أشكل الأقسام كالنزاع في قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر، وتحية المسجد في أوقات النهي ونحوهما.
والصواب عدم قراءة الفاتحة خلف الإمام حال الجهر، وأداء تحية المسجد وإن كان وقت نهي لثبوت الأدلة على ذلك.
ودين الإسلام يقوم على خمسة أركان كما قال النبي ﷺ : «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإقَامِ الصَّلاةِ، وَإيتَاءِ الزَّكَاةِ، والْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» متفق عليه (١).
وإذا كان الإسلام لا يقوم بلا أركان، فإن الإسلام وأركانه الأربعة لا يقوم بلا شهادتين، بل لا يكون موجوداً أصلاً.
فالشهادتان بالنسبة للإسلام كله كالروح بالنسبة للجسد، فكما أن كل ذرة من ذرات الجسد لا تكون بها حياة إلا بالروح فكذلك (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) هي حياة كل جزء من أجزاء الإسلام.
стр. 2768
فأي عمل يعمله الإنسان من الإسلام لا يكون نابعاً من هذا الأصل يعتبر ميتاً، وهو في ميزان الله معدوم، ولذلك فإن الكافرين لا قيمة لأعمالهم عند الله ولو كانت صالحة؛ لأنها ميتة لا روح فيها كما قال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ [الفرقان: ٢٣].
وكذلك المسلم إذا عمل عملاً صالحاً ولم يكن في عمله روح الشهادتين فإنه يكون غير مقبول لفقده الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله ﷺ : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وهاتان الشهادتان لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، فشهادة أن لا إله إلا الله تتمها شهادة أن محمداً رسول الله.
فإذا قال المسلم (لا إله إلا الله) فإنه يعتقد جازماً أنه لا معبود بحق إلا الله .. ولا مطمأن إليه، ولا مستجار به إلا الله .. ولا محبوب ولا معبود بحق إلا الله .. ولا ملك ولا مطاع إلا الله .. ولا معظم ولا معتصم به إلا الله .. ولا سيد ولا حاكم ولا خالق إلا الله.
فالإيمان به واجب .. والتوكل عليه واجب .. ومحبته واجبة .. والاستجارة بغيره باطلة .. ومحبته فريضة .. ومعاني العبودية وأنواع العبادة لا تقدم إلا له .. وهو مالكي وحده فلا أطيع غيره إلا بإذنه .. وهو المستحق للتعظيم فبه أعتصم .. وهو الذي له حق السيادة المطلقة على البشر.
فهو صاحب الحق في الأمر والنهي، وهو صاحب الحق في التحليل والتحريم، وهو صاحب الحق في التشريع.
وشهادة أن لا إله إلا الله لا تنجي صاحبها من الكفر والإثم إلا إذا شهد أنه لا إله إلا الله بالعقل والقلب .. وشهد على هذا بلسانه .. وأن تكون شهادته جازمة لا شك فيها.
ولا يقوم الإنسان بلوازم لا إله إلا الله إلا إذا عرف رسوله، وتعرف بواسطة رسوله على الطريق الذي ينبغي أن يسلكه ليحقق مراد الله منه، باتباع ما جاء به
стр. 2769
رسوله ﷺ .
لذلك كانت معرفة الرسول ﷺ تعدل معرفة الله سبحانه، إذ لا يقوم أحد بحق الله إلا إذا عرف رسوله الذي أرسل بدينه، وفوز الإنسان وفلاحه مرهون بطاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
والإيمان بالرسول يقتضي طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ولذلك كان شعار الإسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، ولا تغني واحدة منهما عن الأخرى.
وقد أمر الله كل مسلم بعد إقراره بالشهادتين أن يقيد حياته بأربعة أشياء:
الصلاة .. والزكاة .. والصيام .. والحج.
وهذه هي أركان الإسلام مع الشهادتين، وهي تتعلق:
بنفس الإنسان .. ومال الإنسان .. وشهوة الإنسان .. وطبيعة الإنسان.
وفي كل منها تمرين لتنفيذ أوامر الله على نفس الإنسان، وماله، وشهوته، وطبيعته حسب ما يحبه الله ورسوله ﷺ .
فلا يقضي الإنسان حياته حسب هوى نفسه، بل حسب أمر الله ورسوله، ولا يتصرف في ماله حسب هواه، بل حسب أمر الله ورسوله، ولا يقضي شهوته حسب هواه، بل حسب أمر الله ورسوله، ولا يقضي حياته حسب طبيعته ومزاجه كالحيوان، بل حسب أمر الله ورسوله .. وهكذا.
والمطلوب من المسلم أن ينفذ أوامر الله ورسوله في جميع الأحوال، فكما ينفذ أوامر الله في الصلاة على كل عضو من أعضائه من القراءة والركوع والسجود ويصلي بقلبه ولسانه وجوارحه، ويصلي كما صلى رسول الله ﷺ لا حسب مزاجه وهواه، بل حسب أمر الله ورسوله.
فكذلك مطلوب من هذا المصلي أن يكون خارج الصلاة مطيعاً لربه في شئون
стр. 2770
الحياة كلها كما هو مطيع لربه داخل الصلاة، فيكون كأنه في الصلاة مطيعاً لربه في جميع أحواله في نفسه، في بيته، في معاشرته، في أخلاقه.
وفي الزكاة تطهير وتزكية لأصحاب الأموال من البخل والحرص، وتطهير لأموالهم مما يفسدها وإنقاذ للفئات المحتاجة من هوان الفقر والحاجة.
وفي الصيام تمرين للعبد على تقديم أوامر الله على شهوات النفس، وكلما اصطدمت شهوات النفس مع أوامر الله قدم أوامر الله في الصيام، وهكذا في سائر شئون حياته المختلفة.
وكما يلتزم في رمضان بكيفية الصيام كذلك يلتزم في غير رمضان بأوامر الله ورسوله في طعامه وشرابه، وحركته ونومه، وفي سائر أحواله طيلة العام.
والحج يرمز لاستسلام الإنسان لله إذا بلغه أمر الله بواسطة رسوله، إذ ينفذ الأمر بصرف النظر عن المعنى العملي لهذا الأمر، وما الطواف والسعي والوقوف والحلق والرمي وغيرها من أعمال الحج إلا رمز لاستسلام المسلم لأمر الله دون نقاش.
وهو رمز لوحدة الأمة الإسلامية، ومظهر عملي للأخوة الإسلامية، والمسابقة إلى الأعمال الصالحة، وخضوع المسلمين لربهم.
والحج مدرسة يتعود فيها المسلم، ويرتفع بها إلى آفاق أعلى، يتعلم بها على بذل الجهد مع الصبر، وأن يعيش في عبادة دائمة، أن يكون لطيفاً مع المؤمنين ويتعلم بها دروس العبودية، وكيف ينفق في سبيل الله دون مقابل، وكيف يعظم ما عظمه الله، وكيف يحقِّر ما حقَّره الله، وكيف يوالي من والى الله، ويعادي من عادى الله.
ويتعلم مشاعر الولاء لله والرسول والمؤمنين، ومشاعر التوجه الخالص لله، ومشاعر التجرد عن الدنيا، والإقبال على الآخرة، ومشاعر العزم على فتح صفحة جديدة مع الله، وغير ذلك من العبر والمعاني والعظات.
стр. 2771
والعبادات على أربعة أقسام:
منها ما يتعلق بالمكان والزمان كالحج.
ومنها ما يتعلق بالمكان دون الزمان كالعمرة.
ومنها ما يتعلق بالزمان دون المكان كالصيام.
وغالبها لا يتعلق بزمان ولا مكان كالصلاة والزكاة والصدقة والذكر وتلاوة القرآن ونحو ذلك.
فما أعظم هذه الشريعة، وما أعدل أحكامها.
وهذه إشارة مختصرة إلى فقه الصلاة والزكاة والصيام والحج والذكر والدعاء.
стр. 2772
١ - فقه الصلاة
قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨)﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾ [العنكبوت: ٤٥].
الله له الخلق والأمر، وله العبادة، وبه الاستعانة، ومنه النعم والثواب والعقاب، وإليه المرجع والمآب.
والمخلوقات بالنسبة للطاعة والعبادة قسمان:
الأول: من خلقه الله للطاعة والعبادة، فهم مسخرون لذلك منقادون له، وقد أعلمهم الله وألهمهم كيف يعبدونه، ونحن لا نعلم كيفية ذلك، وهم درجات، وهؤلاء جميع الخلائق في العالم العلوي، وفي العالم السفلي سوى الثقلين كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١].
وقال سبحانه: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
فهذه عبادة، وصلاة، وتسبيح حقيقة يعلمها الله وإن جحدها الجاهلون المكذبون.
الثاني: الإنس والجن وهؤلاء قسمان:
فمنهم الجاحد الكافر الذي لا يصلي، فهو شاذ ناشز عن جميع المخلوقات التي أسلمت لربها وأطاعته.
ومنهم المؤمن المطيع، فهذا خير البرية، أكرمه الله بالإيمان، وعلمه كيف يتقرب إلى ربه ويناجيه، ويعظمه ويحمده، ويسأله ويستغفره، بما شرع له من الصلاة
стр. 2773
التي يتصل فيها المخلوق بخالقه، ويقرب منه كما قال النبي ﷺ : «أقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأكْثِرُوا الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم (١).
وإقامة الصلاة معناها توجه الإنسان بكليته إلى ربه ظاهراً وباطناً، جسماً وعقلاً وروحاً.
والصلاة هي العبادة الكبرى في الإسلام، وهي مظهر لنشاط قوى الإنسان الثلاث، وتوجهها جميعاً إلى خالقها في آن واحد:
فالقيام والركوع والسجود تحقيقاً لحركة الجسد.
والقراءة والتدبر والتفكر تحقيقاً لنشاط العقل.
والتوجه والاستسلام والخشوع تحقيقاً لنشاط الروح.
كل ذلك في آن واحد، ومن أجل هذه المنافع فرضها الله خمس مرات يومياً على جميع المسلمين كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].
والصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي صلة بين العبد وربه، وهي معراج المؤمن إلى ربه.
والصلاة لها جسد وروح .. وأقوال وأفعال .. وسنن وأحكام .. وبدء وختام .. ولها أحكام على البدن .. وأحكام على العقل .. وأحكام على الروح.
والصلاة تشتمل على أمور عظيمة من:
تعظيم الله وتكبيره .. وحمده والثناء عليه .. وسؤاله .. واستغفاره .. والصلاة على أفضل من عبده ودعا إليه.
فالتعظيم بقولنا: (الله أكبر) في مواضعها، والقيام والركوع والسجود، وقولنا: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، و (سبحان ربي الأعلى) في السجود. وقولنا في دعاء الاستفتاح: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك)
стр. 2774
وقولنا في الفاتحة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ١ - ٤].
والحمد بقولنا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
وقولنا بعد الركوع: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد).
وقولنا في التشهد: (التحيات لله والصلوات والطيبات).
والسؤال بقولنا في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦].
وقولنا بين السجدتين: (رب اغفر لي، وارحمني، واهدني، وارزقني، واجبرني وعافني).
وقولنا في التشهد الأخير: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» أخرجه مسلم (١).
والاستغفار بقولنا بين السجدتين: (اللهم اغفر لي).
وفي التشهد الأخير: «اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إِلَهَ إِلا أنْتَ» أخرجه مسلم (٢).
وقولنا بعد السلام: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله.
وفي ختام الصلاة بعد التشهد الأخير ثناء ودعاء لمن بذل نفسه وماله ووقته في سبيل إعلاء كلمة الله، وأحسن عبادة ربه، وهما الخليلان محمد وإبراهيم عليهما أفضل الصلاة والسلام، لنذكر عبادتهما وأعمالهما وأخلاقهما ونقتدي بهما: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،
стр. 2775
كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» متفق عليه (١).
والله بحكمته جعل الدخول عليه في الصلاة موقوفاً على الطهارة، فلا يدخل المصلي عليه حتى يتطهر، وكذلك جعل الدخول إلى جنته موقوفاً على الطيب والطهارة، فلا يدخلها إلا طيب طاهر، فهما طهارتان:
طهارة القلب بالتوبة .. وطهارة البدن بالماء.
فإذا اجتمع للعبد هذان الطهران صلح للدخول على الله تعالى، والوقوف بين يديه ومناجاته في الصلاة.
فالجنة طيبة لا يدخلها من في قلبه نجاسة وخبث؛ لأنها دار الطيبين كما قال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ [الزمر: ٧٣].
فمن تطهر في الدنيا بالإيمان والتوحيد والتوبة والأعمال الصالحة، ولقي الله طاهراً من نجاساته دخلها بغير معوق.
ومن لم يتطهر في الدنيا، فإن كانت نجاسته عينية كالكافر والمشرك لم يدخلها بحال، وإن كانت نجاسته كسبية عارضة دخلها بعد ما يتطهر من النار من تلك النجاسة، أو يغفر الله له.
والطاعات والحسنات تكسب القلب حياة ونوراً، والمعاصي والخطايا توجب للقلب حرارة وظلمة، ونجاسة وضعفاً، فيرتخي القلب، وتضطرم فيه نار الشهوة، فالخطايا والذنوب له بمنزلة الحطب الذي يمد النار ويوقدها.
ولهذا كلما كثرت الخطايا اشتدت نار القلب، واشتد ضعفه، والماء يغسل الخبث، ويطفئ النار.
فإن كان بارداً أورث الجسم صلابة وقوة، فإن كان معه ثلج وبرد كان أقوى في التبريد وصلابة الجسم، فكان أذهب لأثر الذنوب والخطايا كما قال النبي ﷺ :
стр. 2776
«اللَّهُمَّ! نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ! اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ» متفق عليه (١).
فالنجاسة تزول بالماء .. والخطايا تزول بالتوبة .. وصلاح القلب ونعيمه لا يتم إلا بهذا وهذا.
وكما أن النجو يثقل البدن ويؤذيه باحتباسه، فكذلك الذنوب تثقل القلب وتؤذيه باحتباسها فيه، فهما مؤذيان مضران بالبدن والقلب، يزول الأول بالتخلص منه، ويزول الثاني بالتوبة والاستغفار.
ولله المنَّة والفضل في كل عمل صالح، وكلما عظمت طاعة العبد كانت منَّة الله عليه أعظم، فهو المانُّ بفضله، ولو أتى الناس بكل طاعة، وكانت أنفاسهم كلها طاعات لله لكانوا في محض منَّته وفضله، وكانت له المنَّة عليهم.
ولمنافع الصلاة العظيمة ولحاجة المسلم لهذه الصلاة كل وقت، شرعها الله خمسين صلاة على المسلم، ثم خففها إلى خمس في العمل، وخمسين في الأجر رحمة منه وفضلاً.
والصلاة غذاء للمسلم لا يستغنى عنه كما لا يستغني عن الطعام والشراب؛ لما فيها من ذكر الله ومناجاته، والتلذذ بتلاوة كتابه، وتعظيمه وتكبيره، وحمده وشكره، وسؤاله من خيري الدنيا والآخرة، والاستغفار من الذنوب التي يقع فيها المسلم كل يوم.
وما أعظم افتتاح الصلاة باسم الله (الله أكبر)، وختامها باسم الله (السلام عليكم ورحمة الله).
فإن المصلي لما تخلى عن الشواغل، وقطع جميع العلائق، وتطهر وأخذ زينته، وتهيأ للدخول على ربه ومناجاته، شرع له أن يدخل عليه دخول العبيد على الملوك، فيدخل بالتعظيم والإجلال، فشرع له أبلغ لفظ يدل على هذا المعنى
стр. 2777
وهو قول: (الله أكبر).
فإذا استشعر المصلي بقلبه أن الله أكبر من كل ما يخطر بالبال استحيا منه أن يشغل قلبه في الصلاة بغيره.
فإذا حضر القلب في الصلاة انتقل إلى فهم المعنى، ثم ارتحل وأناخ بباب المناجاة فعظم ربه وحمده، وسأله واستغفره، ثم انصرف بأنواع التحف والخيرات.
وما دام المصلي في صلاته بين يدي ربه، فهو في حماه الذي لا يستطيع أحد أن يخفره بل هو في حمىً من جميع الآفات والشرور.
فإذا انصرف من بين يدي ربه ﵎ ابتدرته الآفات والبلايا والمحن، وتعرضت له من كل جانب، وجاء الشيطان بمصائده وجنده، فهو معرض لأنواع البلايا والمحن.
فإذا انصرف من بين يدي الله مصحوباً بالسلام لم يزل عليه حافظ من الله إلى وقت الصلاة الأخرى، فكان من تمام النعمة انصرافه من بين يدي ربه بسلام يستصحبه ويدوم له ويبقى معه.
والصلاة تشتمل على عبودية القلب، وعبودية الجوارح والأعضاء، فلكل عضو منها نصيب من العبودية، فجميع أعضاء المصلي وجوارحه متحركة في الصلاة عبودية لله، وذلاً له وخضوعاً.
فإذا أكمل المصلي هذه العبودية، وانتهت حركاته، ختمت بالجلوس بين يدي الرب تعالى جلوس تذلل وانكسار وخضوع لعظمة الله ، كما يجلس العبد الذليل بين يدي سيده.
ولما كان جلوس الصلاة أخشع ما يكون من الجلوس، وأعظمه خضوعاً وتذللاً لله، أذن الله ﵎ لعبده في هذه الحال بالثناء على الله أبلغ أنواع الثناء وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات، كعادتهم إذا دخلوا على ملوكهم أن يحيوهم يما يليق بهم.
стр. 2778
والله ﷻ أحق بالتعظيم والثناء من كل أحد، فالثناء كله لله، والتحيات كلها لله، والصلوات كلها لله، والطيبات من الكلمات والأقوال والأفعال كلها لله.
فالله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإليه يصعد الكلم الطيب، والصلاة مشتملة على عمل صالح، وكلم طيب، والسلام من أسماء الله الحسنى، فهو السلام الحق بكل اعتبار.
وقبول الصلاة يتوقف على تحقيق ستة أشياء:
الإيمان بالله .. وصفة الإحسان .. وصفة الإخلاص .. وصفة العلم .. واستحضار عظمة الله .. وأداء حقوق الناس.
وإذا أقيمت الصلاة هكذا جاءت المعاملات طيبة، والمعاشرات طيبة والأخلاق طيبة.
وهكذا كان أصحاب النبي ﷺ يتصفون بخمس صفات جذبت قلوب الكفار إلى الإسلام وهي:
الإيمان .. والعبادات .. وحسن المعاملات .. وحسن المعاشرات .. وحسن الأخلاق.
ففي الأسواق جذبهم إلى الإسلام حسن الأخلاق، وحسن المعاملات، وفي البيوت جذبتهم حسن المعاشرات.
وفي المساجد جذبتهم صفات الإيمان، وحسن العبادات، فتأثروا بذلك ودخلوا في دين الله أفواجاً.
والصلاة صلة بين العبد وربه، وهي تربية وتدريب للمسلم بأن لا يتحرك أي عضو من أعضائه إلا امتثالاً لأمر الله ورسوله، وذلك باستخدام الأعضاء في الحياة اليومية طبقاً للسنة المطهرة في مجال العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق.
سواء كان الإنسان ذكراً أم أنثى، وسواء كان حاكماً أو محكوماً، وسواء كان
стр. 2779
ولداً أو والداً، وسواء كان غنياً أو فقيراً.
في حال الحضر أو السفر .. وفي حال اليسر أو العسر .. وفي حال الأمن أو الخوف .. وعلى أية حال فلا يخرج عن طاعة الله ورسوله، فيكون مطيعاً وممتثلاً لأوامر ربه داخل الصلاة وخارج الصلاة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
ولأهمية الصلاة فقد ذكرها الله في القرآن أكثر من مائة مرة، فهي تصل المخلوق بخالقه، وتثمر الأخلاق الكريمة، وتذكر بالله العظيم، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ويمحو الله بها الذنوب والخطايا.
والصلاة عماد الدين، وإقامتها حرب للشيطان؛ لأن الشيطان يريد هدم الدين، فالذي لا يصلي كأنه رضي بهدم الدين؛ لأن الدين قائم بالصلاة، والدين كله معلق بالصلاة، وهي الركن الثاني بعد الشهادتين.
ولا يحصل التفقه في الدين إلا بالصلاة، ولا يوفق الإنسان للعمل الصالح إلا بالصلاة، ولا يسلم من الشرور والمنكرات إلا بالصلاة.
وتوفيق العبد يحصل له بقدر نوعية الصلاة التي يؤديها، وكلما ازداد العبد خشوعاً وخضوعاً في الصلاة اتجهت إليه الرحمة الإلهية:
فيستجاب دعاؤه .. وتستقيم أحواله .. وينال مراده .. ويأنس بمولاه.
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥].
والناس في صلاتهم درجات، كما هم في إيمانهم درجات، وبحسب الإيمان تكون الرغبة في الصلاة وحضور القلب فيها.
فمن الناس لجهله لا يبالي بالصلاة مطلقاً ولا يفكر فيها .. ومنهم من يعنى بالصلاة لكنه لا يهتم بالجماعة .. ومنهم من يصلي مع الجماعة ولكنه لا يهتم ولا يعتني بشروط وآداب الصلاة .. ومنهم من يصلي جماعة، ويهتم بشروط الصلاة وسننها وآدابها، وهذا أفضلهم.
стр. 2780
والصلاة التي تؤدى دون شوق لها، وترقب لأوقاتها، لا تثمر ولا تأتي بحلاوتها، فالصلاة لها جسم وروح، ولكل منهما أوامر:
فجسم الصلاة: القيام والقعود، والركوع والسجود.
وروح الصلاة: الخشوع والخضوع، والحمد والتعظيم لله، ومحبته والأنس بمناجاته، والتضرع والانكسار بين يديه.
فمن الناس من يصلي صلاة الجوارح ولا يصلي صلاة القلب، ومنهم من يصلي صلاة القلب ولكن يجهل في أحكام الصلاة.
والنجاة والفلاح: أن يصلي المسلم كما صلى النبي ﷺ بقلبه وقالبه كما قال النبي ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أصَلِّي» أخرجه البخاري (١).
والإيمان أكبر الأوامر، والصلاة أكبر الأعمال، فمن صلى صلاة كاملة تفتح له أبواب خزائن الله كاملة، ومن اجتهد على أوامر الله علماً وعملاً وتعليماً فتح الله له أبواب البركة في الدنيا كما سقى النبي ﷺ من إناء اللبن جميع أهل الصفة، وكما أطعم أهل الخندق كلهم من عناق جابر ﵁، وكما سقى الله أهل الحديبية من الماء الذي خرج من بين أصابع النبي ﷺ ، وكما أنزل الله البركة في أموال الزبير وعبد الرحمن بن عوف ﵄.
فالله يعطي الرزق بدون الجهد مع كمال الإيمان والتقوى كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣].
والآخرة خير من الدنيا، ومنازل الآخرة كلها إنما تنال بالإيمان والتقوى لا بالأسباب والأموال والأشياء.
والمجاهد في سبيل الله حقاً هو الذي يحيي سنن النبي ﷺ الميتة في نفسه وفي الأمة، ويعلم الناس أمور دينهم، ويجتهد لإعلاء كلمة الله في الأرض، وهذا الذي تحصل له الهداية قبل الناس، وتكون معه معية الله كما قال سبحانه:
стр. 2781
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
والصلاة المقبولة صلاة الخاشعين كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
ولا بدَّ من ضبط الجوارح داخل الصلاة وخارجها.
فخارج الصلاة نحفظ أربعة:
السمع .. والبصر .. والفكر .. والكلام.
فلا نسمع إلا ما أمر الله ورسوله به .. ولا ننظر إلى لما أمر الله بالنظر إليه من الآيات الكونية، والآيات القرآنية ونحوهما .. ولا نفكر إلا فيما ينفعنا .. ولا نتكلم إلا بما ينفعنا من الدعوة إلى الله وتعليم شرعه ونحو ذلك.
وداخل الصلاة نحفظ أربعة:
النظر إلى محل السجود حال القيام .. والنظر حال الجلوس إلى محل التشهد وهو الإصبع .. ونتفكر ونتدبر ما نتلوه من القرآن والأذكار .. ونسمع القرآن بالتوجه .. ولا نتكلم إلا بما أمرنا الله به كالتكبير والأذكار في مواضعها، وقراءة القرآن.
وبذلك يتم ضبط هذه الجوارح داخل الصلاة وخارجها.
ونصلي بخمس صفات:
الأولى: أصلي وأنا أعتقد أن هذه الصلاة خير من الدنيا وما فيها، وفيها حل مشاكل العالم في الدنيا والآخرة، وبها تتم الاستفادة من خزائن الله.
الثانية: أصلي على طريقة الرسول ﷺ في قيامه وركوعه وسجوده، وإيقاع الألفاظ والأذكار في أماكنها.
الثالثة: أصلي ابتغاء مرضاة الله لا رياء ولا سمعة.
الرابعة: أصلي بصفة الإحسان والتوجه، كأني أرى الله وأسمعه، وكأنه يراني ويسمعني.
الخامسة: أصلي بصفة المجاهدة، والمجاهدة ضبط الفكر والتوجه؛ لئلا يشرد
стр. 2782
الذهن، ويفلت الفكر للدنيا، ويترك مناجاة الله.
يتدرب المسلم على ذلك في النوافل، حتى يجد اللذة في الفرائض، وبهذا يكون للصلاة نور، وتحل بها المشاكل، وتغفر بها الذنوب.
قال النبي ﷺ : «أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبقَى من دَرَنِهِ شَيْءٌ»، قَالُوا: لا يَبْقَِى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئٌ، قَال: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا» متفق عليه (١).
والقصد من امتثال أوامر الله تحقيق العبودية لله .. وطاعة الله .. والاستفادة من قدرة الله .. ومن خزائنه في الدنيا والآخرة.
وأي نقص خارجي في العمل سببه النقص الداخلي في القلب، لذلك الذي لا يسلم نفسه لله داخل الصلاة لا يستطيع أن يسلمها لله خارج الصلاة.
وليست المصيبة فقط التفات الوجه في الصلاة، بل المصيبة الكبرى التفات القلب عن الله، وهو واقف بين يديه، وكل من أحب غير الله لا تكاد تصفو له صلاة عن الخواطر.
وعلاقة المسلم مع الله بالإيمان والأعمال الصالحة، وعلاقته مع الخلق بالمعاملات والمعاشرات والأخلاق.
وإذا جاءت المشاكل والأحوال نفزع إلى الأعمال كما قال سبحانه: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)﴾ [البقرة: ١٥٣].
وإذا لم ترتفع الأحوال والمصائب فهناك خلل في الأعمال، ولا ننظر إلى الأحوال، ولكن ننظر إلى أمر الله فيها.
فالنبي ﷺ لم ينظر إلى الأحوال يوم بدر والخندق، ولكن نظر إلى أمر الله فحفظه الله ونصره وأيده بالملائكة.
وكذلك أبو بكر ﵁ لم ينظر إلى الأحوال يوم وفاة الرسول ﷺ ، ولكن نظر إلى
стр. 2783
أمر الله ورسوله ﷺ فأنفذ جيش أسامة ﵁، وأرسل الجيوش لردِّ المرتدين إلى الدين، وقام لله فاستقامت له البلاد والعباد.
وحقيقة الصلاة:
هي الخشوع الكامل وقت الوقوف أمام الله جل علا في الصلاة.
وبذلك يحصل الفلاح كما قال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
فمن صلى بدون خشوع فإنه ليس من مقيمي الصلاة .. ومن صلى بدون اقتداء بالنبي ﷺ فهو ليس من مقيمي الصلاة .. ومن صلى بدون إخلاص فليس من مقيمي الصلاة.
ويحصل الخشوع في الصلاة بالاهتمام بستة أمور:
الأول: حضور القلب، ومعناه التوجه إلى الله، وتفريغ القلب مما سواه.
الثاني: الفهم والإدراك لما يقرأ أو يسمع.
الثالث: التعظيم: ويتولد من أمرين:
معرفة جلال الله وعظمته وكبريائه .. ومعرفة حقارة النفس وخستها وجهلها وفقرها، وحاجتها إلى فاطرها، فيتولد من المعرفتين الانكسار والخشوع لله.
الرابع: الهيبة، وهي أسمى من التعظيم، فهي الخوف الذي منشؤه التعظيم وتتولد من المعرفة بقدرة الله وسطوته، وعظمته وجلاله، وتقصير العبد في حقه.
الخامس: الرجاء، وهو أن يكون العبد راجياً بصلاته ربه وثوابه وإحسانه، كما أنه خائف بسبب تقصيره من عقاب ربه .
السادس: الحياء، ويتولد من شعور العبد بالتقصير في العبادة، مع رؤيته إحسان ربه إليه، وإنعامه عليه، وعلمه بعجزه عن أداء شكره وحقه.
فبهذه الأمور يصل المؤمن إلى الخشوع الكامل الذي قال الله عنه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
فما أعظم فضل الله على عباده بالصلاة الجامعة لكل خير.
стр. 2784
فإن الله إذا من على عبد وفقه وهداه للوقوف في الصلاة بين يدي ربه العظيم ﷻ ، الكبير المتعال الذي عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وذلت له الجبابرة، القاهر فوق عباده.
ثم أخذ في تسبيحه وحمده وذكره، ثم أخذ في الثناء عليه وحمده وشكره على إحسانه لعباده ورحمته لهم، وتمجيده بالملك الأعظم يوم الدين، وإفراده بالتوحيد.
ثم سؤاله أفضل سؤال على الإطلاق وهو: اهدنا الصراط المستقيم، الذي جعله الله موصلاً لمن سلكه إليه وإلى جنته.
ثم يأخذ بعد ذلك في تلاوة كتابه، ربيع القلوب، وشفاء الصدور، وهو كلام رب العالمين.
فهو يجتني من تلك الآيات والسور ثماراً ومنافع .. خيراً يؤمر به .. وشراً ينهى عنه .. وحكمة وموعظة .. وتبصرة وتذكرة .. وتقريراً لحق .. ودحضاً لباطل .. وإزالة لشبهة .. وجواباً عن مسألة .. وإيضاحاً لمشكل .. وترغيباً في أسباب الفلاح والسعادة .. وتحذيراً من أسباب الخسران والشقاوة .. ودعوة إلى هدى .. وتحذيراً من اتباع الهوى.
فتنزل تلك على القلوب نزول الغيث على الأرض التي لا حياة لها بدونه، ويحل فيها محل الأرواح من أبدانها، فيا له من نعيم وقرة عين تحصل بهذه المناجاة في الصلاة.
والرب يسمع لكلامه جارياً على لسان عبده، ويقول: حمدني عبدي، أثنى علي عبدي، مجدني عبدي.
ثم يعود إلى تكبير ربه ، فيجدد لربه عهد التذكرة بكونه أكبر من كل شيء، ثم يرجع حانياً ظهره لربه خضوعاً لعظمته، وذلاً لعزته، مسبحاً له بذكر اسمه العظيم، منزهاً لعظمته عن حال ذل العبد، وقابل تلك العظمة بهذا الذل والانحناء، وربه فوقه يرى خضوعه وذله وخضوعه، ويسمع كلامه، فهو ركن
стр. 2785
تعظيم وإجلال.
ثم عاد إلى حاله من القيام، حامداً ربه، مثنياً عليه، بأكمل محامده وأحسنها.
ثم يعود إلى تكبيره، ويخر له ساجداً على أشرف ما فيه وهو الوجه، فيعفره في التراب ذلاً بين يدي ربه ومسكنة، وقد أخذ كل عضو من البدن حظه من هذا الخضوع، ويكون رأسه أسفل ما فيه تكميلاً للخضوع والتذلل لمن له العز كله، والعظمة كلها.
وهذا أيسر اليسير من حقه على عبده، فلو دام العبد على ذلك من حين خلقه الله إلى أن يموت لما أدى بعض حق ربه عليه فضلاً عن كل حقه.
ثم أمر أن يسبح ربه الأعلى في سجوده، فيذكر علوه سبحانه في حال سفوله هو، وينزهه عن مثل هذه الحال، فمن هو فوق كل شيء، وعال على كل شيء ينزه عن السفول، وكلما سجد العبد لربه سجدة رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها سيئة.
ولما كان هذا غاية ذل العبد وخضوعه كان أقرب ما يكون الرب منه في هذه الحال، فأمر أن يجتهد في الدعاء لقربه من القريب المجيب.
وكان الركوع كالمقدمة بين يدي السجود والتوطئة له، فينتقل من خضوع إلى خضوع أكمل وأتم منه، وفصل بينهما بركن مقصود في نفسه، يجتهد فيه بالحمد والثناء والتمجيد، وجعل بين خضوعه خضوع قبله، وخضوع بعده وجعل خضوع السجود بعد الحمد والثناء والتمجيد، كما جعل خضوع الركوع بعد ذلك، والقيام أفضل بذكره، والسجود أفضل بهيئته.
فما أعظم هذا الترتيب العجيب، وهذا التنقل في مراتب العبودية؟.
ولما كان أشرف أذكار الصلاة القرآن شرع في أشرف أحوال الإنسان، وهي هيئة القيام في الصلاة في أحسن هيئة.
ولما كان أفضل أركان الصلاة الفعلية السجود شرع فيها بوصف التكرار، وشرع له بين هذين الخضوعين أن يجلس جلسة العبيد، ويسأل ربه ومولاه أن يغفر له
стр. 2786
ويرحمه، ويهديه ويرزقه، ويجبره ويعافيه، وهذه تجمع له خير دنياه وآخرته.
ثم شرع له تكرار هذه الركعة مرة بعد مرة، كما شرع له تكرار الفاتحة والأذكار والدعوات مرة بعد مرة، ليجبر ما قبله بما بعده، وليشبع القلب من هذا الغذاء النافع، وليأخذ رواه ونصيبه وافراً من الدواء، فإن منزلة الصلاة من القلب منزلة الغذاء والدواء.
ومن كرر الصلاة كان شفاؤه وسلامته أتم وأدوم، فما حصل الغذاء والشفاء للقلب بمثل الصلاة، وهي لصحته ودوائه بمنزلة غذاء البدن ودوائه.
ثم لما أكمل صلاته، شرع له أن يقعد قعدة العبد الذليل المسكين لسيده، ويثني عليه بأفضل التحيات، ويسلم على من جاء بهذا الحظ الجزيل، ومن نالته الأمة على يديه.
ثم يسلم على نفسه وعلى سائر عباد الله الصالحين القائمين معه في هذه العبودية.
ثم يتشهد شهادة الحق أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
ثم يعود فيصلي على من علم الأمة هذا الخير ودلهم عليه، وهم محمد وآل محمد، وإبراهيم وآل إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
ثم شرع له بعد ذلك أن يسأل حوائجه، ويدعو بما أحب، ما دام بين يدي ربه مقبلاً عليه، فإذا قضى ذلك أذن له بالخروج منها بالتسليم على المشاركين له في الصلاة، والسامعين والحاضرين من عباد الله من الملائكة وغيرهم.
ثم لما كان العبد خارج الصلاة مهملاً جوارحه، قد أسامها في واقع الشهوات أمر بالعبودية بجميع جوارحه ليقبل على ربه، وتأخذ جوارحه بحظها من عبوديته داخل الصلاة وخارج الصلاة، وأمر بتكرار ذلك لئلا يطول الأمد عليه فينسى ربه، وينقطع عنه بالكلية.
فالصلاة أعظم نعم الله على عباده، وأفضل هداياه التي ساقها إليهم.
والله بصير بالعباد يرى مكانهم، ويسمع سرهم ونجواهم، ويعلم أحوالهم،
стр. 2787
والإنسان يعمل المعاصي في الظاهر فيسقط من عين الله تعالى؛ لأنه عصى الله في ملكه، ولكن الله برحمته شرع لنا الصلاة التي يمحو الله بها الخطايا والذنوب كما قال ﷺ : «أرَأيْتُمْ لَوْ أنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ، يَغْتَسِلُ مِنهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبقَى من دَرَنِهِ شَيْءٌ»، قَالُوا: لا يَبْقَِى مِنْ دَرَنِهِ شَيْئٌ، قَال: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا» متفق عليه (١).
وعلمنا سبحانه تعظيم الله قبل الصلاة .. وأثناء الصلاة .. وبعد الصلاة .. وعلمنا الاستغفار عن التقصير فيها بعد الصلاة؛ لأن حق الله عظيم، والإنسان جمع مع الجهل الغفلة والنسيان والكسل.
وإذا كانت القلوب متوجهة إلى الله في الصلاة .. والأجساد مزينة بالسنن، والألسنة ناطقة بالتكبير والحمد والاستغفار، فُتحت للإنسان أبواب السعادة في الدنيا والآخرة، وسمع الله دعاءه، وأجاب سؤاله.
والعمل بلا يقين كالجسد بلا روح لا فائدة فيه، واليقين: أن نعتقد أن جميع الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة بيد الله وحده لا شريك له.
والذوق يولد الشوق، فمن ذاق طعم الإيمان اشتاق إلى تكميل الإيمان والأعمال الصالحة، وكل ما يرضي ربه.
وإقامة الصلاة تكون بأمرين:
إقامتها ظاهراً: بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها.
وإقامتها باطناً: بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وخشوعه لله، وتدبر ما يقوله ويفعله منها.
والصلاة فرضها ونفلها صلة بين العبد وربه، يجد فيها العارفون لذة مناجاة ربهم بتعظيمه، والثناء عليه، وسؤاله، واستغفاره.
يصلون مع الناس الفرائض والسنن، ولهم مع ربهم في الليل شأن آخر، يحنون
стр. 2788
إلى غروب الشمس كما تحن الطيور إلى أوكارها عند الغروب.
فإذا جَنَّهم الليل .. واختلط الظلام .. وفرشت الفرش .. وخلا كل حبيب بحبيبه .. قاموا إجلالاً لمولاهم .. فتطهروا للوقوف بين يديه .. ونصبوا أقدامهم .. وافترشوا وجوههم .. وناجوا ربهم بكلامه .. وتملقوا إليه بإنعامه.
فهم بين خاشع وباك .. وبين متأوه وشاك .. وبين معظم وحامد .. وبين قائم وقاعد .. وبين راكع وساجد .. وبين مسبح ومستغفر وتائب.
والجبار الذي لا تأخذه سنة ولا نوم يراهم .. بعيني ما يتحملون من أجلي؟ .. وبسمعي ما يشكون من حبي؟.
فلله ما أعظم هؤلاء .. وما أكبر عقولهم .. وما أحسن عملهم .. وما أفقههم .. وما أعلمهم: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وما أعظم لذتهم بمناجاة مولاهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٦، ١٧].
وكثير من الناس لا يعرف من العبادة إلا الأعمال الظاهرة، أما حال القلب وعمله وحبه وشوقه وتعلقه بربه، فقد لا يبالي أن ينصرف لأي وجهة؛ لقصور نهمه، ونقص علمه.
فالتعبد هو غاية الحب لله، وغاية الذل له، فالمحب قد ذلَّله الحب لمولاه، وذلك لا يصلح إلا لله وحده لا شريك له، فمحبة العبودية هي أشرف أنواع المحبة.
وكلما كان قلب العبد في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقاً بالمحل الأعلى، فلا يزال في علوٍّ ما دام كذلك، فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل، فلا يزال في هبوط ما دام كذلك، ولهذا شرع الله الصلوات والعبادات لاستدامة ذكره سبحانه.
стр. 2789
وكل عبادة لها مقصد، فمقصد الصلاة استدامة ذكر الله، والاستفادة من خزائن الله، وقضاء الحاجات.
وإذا كانت الصلاة التي لم تحل مشاكل الدنيا الفانية الصغيرة، فلا يمكن لها أن تحل مشاكل الإنسان في الدار الآخرة الدائمة الكبيرة: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
стр. 2790
٢ - فقه الزكاة
قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].
الله ﵎ خلق الخلق، وقسم أرزاقهم، وفضل بعضهم على بعض في الأخلاق والأموال والأرزاق والأعمال كما قال سبحانه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
والله أعلم بمن يصلح للهداية فيهديه، وأعلم بمن لا يصلح للهداية فيضله، وكذلك هو أعلم بمن يصلح للغنى فيغنيه، ويهيء له أسبابه، وهو أعلم بمن لا يصلح للغنى فيمنعه، ويقطع عنه أسبابه.
والمال أياً كان مال الله يؤتيه من شاء من خلقه، ويبتليه به لينظر هل ينفقه حسب أمر الله ورسوله، أم ينفقه حسب هواه وشهواته.
والزكاة حظ الفقراء في أموال الأغنياء، فيها إعانة للضعيف، وإغاثة للملهوف، وإقدار للعاجز، وتقويته على أداء ما افترضه الله عليه من العبادات والحقوق.
والزكاة تطهر مؤديها من أنجاس الذنوب، وتزكي أخلاقه بخلق الجود والكرم والبذل والإحسان، وترك الشح والبخل، فالأنفس مجبولة على الضن بالمال، والإنفاق -صدقة أو زكاة- يقطع هذا الخلق، ويعود المرء على التحلي بمكارم الأخلاق، ونفع السائلين والمحرومين والمحتاجين.
كما قال سبحانه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة: ١٠٣].
стр. 2791
والله سبحانه أنعم على الأغنياء بصنوف النعم يأكلون منها، ويزكون منها، ويتصدقون منها، وأداء الزكاة إلى الفقير من باب شكر النعمة.
والنفس ميالة إلى الحرص، ولما كانت النفس كذلك، وكان الجود مطلوباً جعلت الزكاة رياضة للنفس وتمريناً لها على الكرم شيئاً فشيئاً، حتى يصير الكرم لها عادة، وهذا أعظم جهاد للإنسان يزول به البخل عنه.
والزكاة فرض من فرائض الإسلام، والمسلم إذا لم يؤد فرضاً من فرائض الصلاة على الوجه المطلوب يكون غير مقبول، ويكون آثماً، فكذلك الزكاة إذا لم يؤدها الإنسان من طيبات ما رزقه الله لم تكن مقبولة، ويكون آثماً، فالكريم حقاً يجود بأحسن ما لديه، وهو في الحقيقة يختار لنفسه قبل غيره، وقد أمرنا الله بالإنفاق من الطيبات وتجنب الخبائث كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
والله أوجب الزكاة مواساة للفقراء، وطهرة للمال، وعبودية للرب، وتقرباً إليه بإخراج محبوب العبد له؛ إيثاراً لمرضاته.
وفرضها سبحانه على أكمل الوجوه وأنفعها للمساكين، وأرفقها بأرباب الأموال، ولم يفرضها في كل مال، بل فرضها في الأموال التي تحتمل المواساة ويكثر فيها الربح والدر والنسل.
ولم يفرضها العزيز الرحيم فيما يحتاج العبد إليه من ماله، ولا غنى له عنه كعبيده وداره وثيابه وسلاحه ومركوبه.
بل فرضها في أربعة أجناس من المال:
الذهب والفضة .. وعروض التجارة .. والزروع والثمار .. وبهيمة الأنعام.
فهذه أكثر أموال الناس الدائرة بينهم، وقسم الشارع كل جنس من هذه الأجناس إلى ما فيه الزكاة، وإلى ما لا زكاة فيه.
стр. 2792
فقسم الذهب والفضة إلى قسمين:
ما هو معد للتجارة ففيه الزكاة ربع العشر.
وما هو معد للانتفاع دون التجارة كحلي المرأة وحلية السلاح فلا زكاة فيه.
وقسم العروض إلى قسمين:
عروض معدة للتجارة ففيها الزكاة ربع العشر.
وعروض معدة للقنية والاستعمال، فهو مصروف عن جهة النماء فلا زكاة فيه.
وقسم الزروع والثمار إلى قسمين:
قسم يسقى بلا كلفة ولا مشقة كالذي يسقى بماء السماء فأوجب فيه العشر.
وقسم يسقى بكلفة ومشقة كالذي يسقى بالآلات، أو الحيوانات فأوجب فيه نصف العشر.
وقسم البهائم إلى قسمين:
سائمة ترعى بلا كلفة ولا مشقة ولا خسارة كالإبل والبقر والغنم، فهذه فيها الزكاة.
ومعلوفة بالثمن، أو عاملة في مصالح أربابها بالحرث والنقل، فلا زكاة فيها لكلفة المعلوفة، وحاجة المالك إلى العوامل لخدمته.
ولما كان حصول النماء والربح في التجارة أشق، خففها بأن جعل فيها ربع العشر .. ولما كان الربح والنماء في الزروع والثمار التي تسقى بالكلفة أقل كلفة جعله ضعفه وهو نصف العشر .. ولما كان التعب والعمل فيما يشرب بنفسه أقل جعله ضعف ذلك وهو العشر .. ولما كان الركاز والمعدن مالاً مجموعاً محصلاً بلا كلفة كان الواجب فيه ضعف ذلك وهو الخمس .. ثم لما كانت المواساة لا تحتمل كل يوم ولا كل شهر جعلها في كل عام مرة كالصيام .. ولما كانت الصلاة لا تشق كل يوم وظفها كل يوم وليلة .. ولما كان الحج يشق على المسلم جعله في العمر مرة.
ومقدار ما أوجبه الشارع في الزكاة لا يضر المخرج فقده، وينفع الفقير أخذه،
стр. 2793
وقصد إلى كل جنس من أجناس الأموال فأوجب الزكاة في أعلاه وأشرفه كالذهب والفضة من المعادن.
والنعم متى شُكرت قرّت، ومتى كُفرت فرّت، وشكر النعم يكون باللسان كأن تقول: الحمد لله .. الشكر لله .. ويكون بالجوارح كفعل الصلاة والصدقات والعبادات كلها على الإطلاق إنما هي شكر لله تعالى على نعمه التي لا تحصى، وإذا كان الأمر كذلك كان أداء الزكاة شكراً لله على نعمه العديدة التي أنعم بها عليك، والتي منها إنقاذك من مخالب الفقر والفاقة.
ومدّ يد الغني لإعطاء الزكاة يزيد في ماله وينميه، فكأن المال شجرة، والسقيا له هو الزكاة كما قال سبحانه: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)﴾ [البقرة: ٢٧٦].
والمال لا ينفع صاحبه إلا إذا توفرت فيه ثلاثة شروط هي:
أن يكون حلالاً .. وأن لا يشغل صاحبه عن طاعة الله ورسوله ﷺ .. وأن يؤدي حق الله فيه.
والله شرع لعباده عبادات متنوعة منها ما يتعلق ببذل المحبوب إلى النفس كالزكاة والصدقة، ومنها ما يتعلق بكف النفس عن محبوباتها وما تشتهيه كالصيام، ونوّع الله العبادات ليختبر العباد ليرى من يقدم طاعة ربه على هوى نفسه، وليقوم كل واحد بما يسهل عليه ويناسبه منها.
وليس الهدف من دفع الزكاة جمع المال وإنفاقه على الفقراء والمساكين فحسب، بل الهدف الأول أن يعلو بالإنسان عن المال ليكون سيداً له لا عبداً له، ومن هنا جاءت الزكاة لتزكي المعطي والآخذ وتطهرهما.
والزكاة تكفر الخطايا، وهي سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، وهي تزيد في حسنات مؤديها، وتقي المال من الآفات، وتثمره وتنميه وتزيده، وتسد حاجة الفقراء والمساكين، وتمنع الجرائم المالية كالسرقات والنهب والسطو، وتولد المحبة بين المسلمين.
стр. 2794
وكل قادر على الكسب مطلوب منه شرعاً أن يعمل ليكفي نفسه بنفسه.
فمن كان عاجزاً عن الكسب لضعف ذاتي كالصغر والأنوثة، والعته والكبر، والعاهة والمرض، أو كان قادراً ولم يجد باباً حلالاً للكسب يليق بمثله، أو وجد ولكن كان دخله من كسبه لا يكفيه وعائلته، أو يكفيه بعض الكفاية دون تمامها، فقد حل له الأخذ من الزكاة، ولا حرج عليه في دين الله، الذي جمع بين العدل والإحسان، والعدل والرحمة، والعدل والشفقة.
والفقراء والمساكين نوعان:
نوع يستطيع أن يعمل ويكتسب ويكفي نفسه بنفسه، ولكن ينقصه أدوات الصنعة، أو رأس مال التجارة، أو آلات الحرث والسقي، فهذا يعطى من الزكاة ما يمكنه من اكتساب كفاية العمر، وعدم الاحتياج إلى الزكاة مرة أخرى.
والنوع الآخر عاجز عن الكسب كالشيخ الكبير والأعمى والأرملة والطفل ونحوهم، فهؤلاء لا بأس أن يعطى الواحد منهم كفاية السنة، بل يصح أن يوزع على أشهر العام إن خيف من المستحق الإسراف، وبعثرة المال في غير حاجة ماسة.
والله بكل شيء عليم، يعلم كل ما ينفقه المنفق صدقة أم نذراً، سراً أو جهراً، لله أو لغير الله، قليلاً كان أو كثيراً كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠].
وشعور المؤمن بأن عين الله سبحانه على نيته، وعلى حركته، وعلى عمله، يثير في نفسه مشاعر حسية حية متنوعة، شعور التقوى والتحرج أن يهجس في خاطره هاجس رياء، وهاجس شح أو بخل، وهاجس خوف من الفقر أو الغبن، وشعور الإطمئنان على الجزاء، وشعور الرضا والراحة.
وإخفاء الصدقة حين تكون تطوعاً أولى وأحب إلى الله، وأجدر أن تبرأ من الرياء، فإن كان في إظهارها مصلحة الاقتداء به فهو أولى.
فأما حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة، وفشو ذلك
стр. 2795
وظهوره خير، وفيها تنبيه للغافل عن أدائها.
فتحمد هذه في موضعها، وتحمد تلك في موضعها، ويعد الله المؤمنين على هذه وتلك تكفير السيئات، وعليهم مراقبة الله في ذلك، فإن الله خبير بما يعملون: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].
وحق الله على العبد أن يعبده ويطيعه، ويتقرب إليه بما أمر به، ويجتنب كل ما نهى عنه.
أما الخلق فعليه الإحسان إليهم، والنصيحة لهم، ومواساة محتاجهم، وعيادة مريضهم، وشهود جنائزهم، ومحبتهم، وإجابة دعوتهم.
قال النبي ﷺ : «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قال: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» أخرجه مسلم (١).
وهدى القلوب وضلالها بيد الله لا بيد غيره، فهذه القلوب من صنعه، وهو الذي يقلبها كيف يشاء.
فعلى المسلم أن يحسن إلى الخلق، ويبذل لهم الخير والعون أياً كانوا مسلمين أو غيرهم ما لم يحاربوا الإسلام كما قال سبحانه: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
وثواب العطاء والإنفاق والإحسان إلى الخلق كله محفوظ عند الله، ومضاعف للمنفق أضعافاً كثيرة، ما دام الإنفاق ابتغاء وجه الله، وهذا شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا غرض: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا
стр. 2796
ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)﴾ [البقرة: ٢٧٢].
فالمؤمن ينفق الطيب خالصاً لوجه الله، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته، ويطمئن لبركة الله في ماله، ويطمئن لثواب الله وعطائه، ويطمئن إلى حصول الخير والإحسان إليه من ربه، جزاء الخير والإحسان لعباد الله.
ويزكو ويتطهر بما أعطى في حياته، وعطاء الآخرة، ودخول الجنة بعد ذلك كله فضل.
والله ﵎ أمرنا بالإحسان إلى جميع الناس، فالخلق كلهم عيال الله فهو الذي يعولهم ويربيهم بنعمه الظاهرة والباطنة، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله وأرحمهم بهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٤].
وقد خص الله بالذكر مصرفاً من أهم مصارف الصدقة من المؤمنين ليحرك القلوب لإدراك نفوس وقفت نفسها لله، وفي سبيل الله، وهي نفوس أبية، تأنف السؤال، وتأبى الكلام.
فلا بدَّ أن تدرك بالمدد فلا تهون، وبالإسعاف فلا تضام.
هؤلاء قوم كرام معوزون بذلوا أوقاتهم من أجل إعلاء كلمة الله، اكتنفتهم ظروف تمنعهم من الكسب قهراً، وأمسكت بهم كرامتهم أن يسألوا العون، إنهم يتحملون كي لا تظهر حاجتهم، وكثيراً ما يغفل الناس عنهم، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف.
فما أعظم الصدقة والإحسان إلى هؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون العورة تعففاً وحياءً.
وما أجمل إعطاءهم سراً، وفي تلطف لا يخدش إباءهم، ولا يجرح كرامتهم، هؤلاء قوم كرام، وقد وصفهم الله بست صفات ليعرفهم من يريد الإحسان إليهم، والصدقة عليهم، فهناك الثواب العظيم، والأجر الجزيل على من أنفق
стр. 2797
على من وقف نفسه في سبيل الله كما قال سبحانه: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)﴾ [البقرة: ٢٧٣].
أما المنفقون ابتغاء مرضاة الله فهم ينفقون كل وقت من كل مال، في كل حال، ولكل محتاج، فما هو جزاؤهم؟ .. وما هي صفاتهم؟.
إنهم: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
إن الإٍسلام لا يقيم حياة أهله على العطاء والصدقات.
بل يقوم أولاً على تيسير العمل والرزق لكل قادر، لكن هناك حالات خاصة يعجز أهلها عن الكسب والعمل، فهذه هي التي يعالجها الإسلام بالصدقة مرة في صورة فريضة كالزكاة .. ومرة في صورة تطوع غير محدد كالصدقات التي يتكرم بها المحسنون القادرون، ويبذلونها للمحتاجين ابتغاء الأجر من الله، مع مراعاة الأدب في العطاء.
فالزكاة يجبيها إمام المسلمين ويوزعها على المستحقين لها، وأما الصدقة فموكولة للغني يبذلها لمن شاء من المحتاجين بأي قدر شاء، والله يضاعف لمن يشاء حسب نيته وصدقه، ووقوع صدقته في محلها كما قال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
وعلى كل من يريد إخراج الزكاة أن يفهم المراد من الزكاة، وهو أربعة أشياء:
ابتلاء مدعي محبة الله بإخراج محبوبه .. والتنزه عن صفة البخل المهلك .. وشكر نعمة المال وتطهيره .. وسد حاجة الفقراء.
ومن آداب الزكاة الظاهرة والباطنة:
الإسرار بإخراجها لكونه أبعد من الرياء والسمعة، وفيه إذلال للفقير.
стр. 2798
وأن لا يفسدها بالمن والأذى، فإنه محسن إلى الفقير، والفقير محسن إليه بقبول حق الله الذي هو طهرة له.
وأن يستصغر العطية؛ لئلا يدخله العجب، ولا يتم المعروف إلا بتصغيره وتعجيله وستره.
وأن ينتقي من ماله أحله وأجوده وأحبه إليه، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، ويلاحظ فيه أمرين:
حق الله بالتعظيم له، فإنه أحق من اختير له.
وحق نفسه فإن الذي يخرجه هو الذي يلقاه غداً في القيامة، فينبغي أن يختار الأجود لنفسه.
وأما أحبه إليه فلقوله سبحانه: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
ومن الآداب كذلك أن يطلب لصدقته من تزكو به من أهل الزكاة، ولهم صفات أهمها:
التقوى؛ لتكون عوناً لهم على طاعة الله .. وأهل العلم؛ لتكون إعانة لهم على طلب العلم ونشره .. ومن يرى الإنعام من الله وحده، بأن يكون ساتراً لحاجته، صائناً لفقره .. أو يكون ذا عائلة فقيرة .. أو محبوساً لمرض أو دين، فهذا من المحصرين .. وأن يكون من الأقارب وذوي الأرحام المحتاجين، فالصدقة عليهم صدقة وصلة، وكل من جمع هذه الخلال أكثر فعطاؤه أفضل.
стр. 2799
٣ - فقه الصيام
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
الصيام: هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، بنية الصيام لله تعالى.
والصيام فريضة الله في كل دين أنزله الله، ودين الله في صيغته الأخيرة الخاتمة قد فرض فيه الصوم بصيغة نهائية وخاتمة، ولذلك كان صوماً ما شئت أن ترى من واقعيته إلا رأيت، ومن سهولته إلا رأيت، ومن نفعه إلا رأيت، ومن آثاره الطيبة على الحياة البشرية إلا رأيت.
والصيام المفروض علينا هو صيام شهر رمضان، وفي شهر رمضان نزل القرآن، ففيه كان بدء الدعوة الإسلامية، وبدء نزول كتابها فيه.
فصيام هذا الشهر تخليد لذكرى ينبغي أن تبقى حية في نفس المسلم كل وقت.
وجعل الشهر القمري الذي له علامته الكونية الكبيرة، القمر بدءاً وانتهاءً يحمل في طياته عوامل الوضوح والثبات، فلا تستطيع سلطة أو جماعة أن تخفيه أو تحرف المسلمين عنه.
قال النبي ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاثِينَ» متفق عليه (١).
واختيار السنة القمرية في التوقيت له فيها حكم عظيمة، فالسنة القمرية أقل من السنة الشمسية بحوالي عشرة أيام، فعلى هذا يتقدم شهر رمضان كل عام عنه في
стр. 2800
السنة الماضية عشرة أيام، وعلى هذا ففي خلال ستة وثلاثين عاماً لا يبقى يوم من أيام السنة إلا وقد صامه المسلم، يشهد له بصومه لربه.
اليوم القصير .. واليوم الطويل .. واليوم الحار .. واليوم البارد.
وبذلك يتساوى المسلمون في كل أقطار الدنيا في مقدار الصيام وشدته، ولولا هذا لكان نصيب أهل المناطق الحارة أشد من نصيب أهل المناطق الباردة، وناس يصومون يوماً طويلاً أبد الدهر، وناس يصومون يوماً قصيراً، فلله الحمد والمنَّة أن أكرمنا بشهر المنافع والخير والبركات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥].
وفي تعيين شهر رمضان بالذات شهراً للصوم، دون ترك التعيين للإنسان ليختار شهراً معيناً لنفسه من السنة، فيه إشعار للمسلمين بوحدتهم، ومن تعويدهم النظام والانضباط والاستسلام لله ، وفيه فتح الباب لأعمال موحدة من الخير، ينال كل مسلم من المسلمين فيها نصيبه، وإعلان لدخول المسلمين جميعاً في يوم واحد مدرسة واحدة فيها الصيام والقيام، والبذل والإحسان، وتلاوة القرآن.
وفي الصيام حبس النفس عن الإسراف في الشهوات، وكبح جماحها عن كل سوء، وتعويد لها على الانضباط في الأكل والكلام والأخلاق.
وشهوتا البطن والفرج أعتى شهوات الإنسان، فمن استطاع أن يحفظ نفسه خلال فترة الصوم من هاتين الشهوتين كان على غيرها أقدر، فلا يخرج عن حدود الحلال.
стр. 2801
قال النبي ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» أخرجه البخاري (١).
وفي الصيام ضبط لجوارح الإنسان وشهواته، فلا ينضبط اللسان بشيء كانضباطه بالصيام، فالشبع الدائم للإنسان يجعل أعضاءه في كامل طاقتها ويجعل نفسه كذلك، واللسان ينطلق وقد لا يستطيع ضبطه.
واللسان أداة التعبير عن النفس، فمهما كان في النفس من شرود عن طريق الله ظهر في اللسان، وفي اليد، وفي الرجل، وفي السلوك، وفي العمل.
فحبس النفس عن شهوة الطعام إضعاف لها عن الانطلاق في أي طريق، وترويض لها على الانضباط على الطريق الشرعي الصحيح.
ففي الصيام كف للنفس عما لا ينبغي لها، وعما يشينها من الأقوال والأعمال والأخلاق كما قال النبي ﷺ : «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» متفق عليه (٢).
وما لم يحقق الإنسان من صيامه هذا الجانب فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه، ورب صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ.
قال النبي ﷺ : «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» أخرجه البخاري (٣).
ومن رحمة الله بعباده أن علق الصوم والإمساك على علامتين سماويتين يسهل تمييزهما هما طلوع الفجر، وغروب الشمس، وفي ذلك ضبط للوقت يستطيعه أي إنسان في أكثر مناطق العالم كما قال سبحانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
стр. 2802
وقد أعطى الله الإنسان في رمضان وقتاً يعوض فيه كل ما فقده في صيامه من حاجة الجسد، وذلك بإباحة الطعام والشراب والنكاح ليلاً، ومنعه منه نهاراً، وبذلك يتمحض الصيام نفعاً خالصاً للإنسان بدنياً ونفسياً.
وليس هذا هو المقصود من الصيام فقط، بل المقصود الأعلى والأسمى طاعة الله وتقواه، فالتقوى هي الخلق الذي علق الله عليه فلاح المسلم في دنياه وآخرته، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ [الطور: ١٧].
والتقوى خلق عظيم، وحتى يستجمعها المسلم في قلبه فتكون له خلقاً، لا بدَّ أن يسلك لها طريقها.
وأهم الطرق المؤدية إلى التقوى:
الصيام .. والقيام .. والأذكار .. والدعاء .. وقراءة القرآن .. والإنفاق في سبيل الله .. والاعتكاف .. والصبر .. والاستغفار .. والتوبة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].
وشهر رمضان هو الشهر الذي يسير به المسلم في كل طرق التقوى بشكل عفوي، ففيه تفتح أبواب الجنة، وتغلق أبواب النار، وتصفد الشياطين، وفيه تكثر الصدقات، وتزداد الأعمال الصالحة، وتكثر تلاوة القرآن، فما ينتهي شهر رمضان إلا وقلب المسلم قد امتلأ نوراً وإيماناً وتقوى، وتحلى بأحسن الأخلاق، وتلذذ بطاعة الله وعبادته.
والصوم شكر لله تعالى من حيث كونه عبادة، والعبادات مطلقاً شكر من العبد لمولاه على النعم التي لا تحصى .. والله يعلمنا بالصوم كيف نحافظ على أداء الأمانة ولا نضيعها أبداً، ولا نفرط فيها، وذلك بالأمر بالإمساك عن الطعام والشراب أثناء الصيام. وفي الصيام تصفو نفس العبد وتخلص روحه من صفة البهيمية، وترتقي إلى صفة الملكية التي مزاجها الطاعة ولزوم العبودية .. وفي الصوم صحة البدن وخلوصه من الأخلاط الرديئة .. وفي الصوم إضعاف
стр. 2803
لشهوة الجماع التي تزداد مع الأكل والشرب وإطلاق النظر .. والإنسان إذا صام وذاق مرارة الجوع حصل عنده عطف ورحمة على الفقراء والمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم من القوت فتصدق عليهم وأحسن إليهم.
والبدن مع العمل يكل، فيجب أن تستريح الأعضاء وقتاً من الأوقات لتستعيد نشاطها وقوتها مرة أخرى، فمن رحمة العزيز العليم أن جعل للمعدة وقتاً تستريح فيه كما يستريح غيرها.
والصوم قمع للنفس عن شهواتها، ومن استطاع قمع نفسه ومنعها من الأكل استطاع منعها من الحرام والإجرام والإفساد، والانهماك في الطعام والشراب والملاذ يطغي النفوس، ويجعلها لا ترحم الضعفاء، ولا تعطف على البؤساء؛ لأنها لا تحس بما هم فيه من ألم المسغبة والفاقة.
فيجب أن يشعر العبد أثناء الصوم أنه هبط إلى الفقير في حالته الغذائية، فيعرفها ليشفق عليه.
وكثير من الناس يشكون من سوء التغذية، وسببها عند الأغنياء يرجع إلى زيادتها، وعند الفقراء إلى نقصها المعيب.
والله يريد من عباده المؤمنين أن يكون شهر رمضان شهر زهد وتعبد، وبر بالفقراء والبائسين، وصون للمعدة واللسان والقلب، وتطهير للجسد من الأخلاط، وتطهير للروح من سوء الأخلاق.
فما أعظم منافع شهر الصيام وما أكثر بركاته، وإن الناس لفي حاجة إلى العلم بحكمة العبادات قبل التعبد بها أكثر من حاجتهم إلى معرفة أحكامها.
والله يقول: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤].
وإذا كان الربيع يكسو الأشجار أوراقها وأزهارها، ويبسم الوادي بعد أن كان خشناً يابساً، فكذلك رمضان في الشهور نال من إكرام الله ما لم ينله شهر سواه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
стр. 2804
فهو وحي السماء إلى النفوس يهتف بها إلى داعي الله، ويحفزها إلى طريق الحياة، ويهديها إلى سبل البر والرشاد والنجاة، ويذكرها بما في دين الله من رحم وتواصل، وإخلاص وتنافس في الأعمال الصالحة، ويعظها أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
وفي الصيام تشعر النفس الإنسانية أن هؤلاء البشر كلهم على تفاوت درجاتهم واختلاف أمزجتهم متساوون في الاحتياج إلى الطعام والشراب.
والصوم الذي فرضه الله على المسلمين جميعاً الغني منهم والفقير، والأمير والحقير، والذكر والأنثى، يعظ بوجوب تغليب سلطان العقل على سلطان البطن، وسلطان البصر، وسلطان السمع، وسلطان الشهوات، وسلطان الغفلة.
والمقصود من الصوم التقوى التي يحصل بها كف جميع الجوارح عن مباشرة كل ما يحرم فعله شرعاً، ويتم ذلك بأمور:
أحدها: غض البصر عن الاسترسال في النظر إلى ما يشغل القلب عن ذكر الله تعالى، وما ينسي الإنسان ذكر الآخرة.
الثاني: حفظ اللسان عن النطق بالفحش والهذيان، والكذب والغيبة، ولزوم الصمت وعدم النطق إلا بما يحبه الله من ذكر الله، وتلاوة القرآن، والنصح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الثالث: كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه من غيبة ونميمة، وفحش وقول الزور ونحوها.
الرابع: كف بقية الجوارح عن المحرمات والمكاره، وحفظ البطن وقت الإفطار عن الشبهات والمحرمات، فلا يفطر على لحوم الناس بالغيبة، أو على طعام مكتسب بغير وجه حلال.
الخامس: أن لا يكثر من الطعام وقت الإفطار بحيث يمتلئ جوفه؛ لأن امتلاءه يهيج النفس البهيمية، ويبعث فيها الشهوة التي كانت راكدة خاملة طول النهار، وروح الصوم وسره إضعاف هذه القوى التي هي وسائل الشيطان في إفساد البشر.
стр. 2805
ومتى ضعفت تلك الوسائل قوي القلب، وزالت عنه الحجب، ونظر بعين البصيرة إلى جلال الملكوت وجماله، ومواطن رحمته، وسوابغ نعمه، وآلائه وإحسانه، فانقاد لطاعته، وامتثال أوامره، وهذا لب العبودية وروحها.
السادس: أن يكون قلب الصائم بعد فطره بين الرجاء والخوف؛ لأنه لا يدري هل قبل صيامه أم لم يقبل، وهكذا في كل عمل صالح يكون العبد راجياً ربه، وخائفاً من عدم قبول عمله.
فروح الصوم هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وسائر المفطرات، وحبس القلب والفكر عما سوى الله تعالى، فلا يفكر في شيء من أمور الدنيا إلا فيما لا بدَّ منه من مصلحة أو منفعة واجب قضاؤها.
وقد خص الله سبحانه الصوم بأنه له، وهو يجزي به، وإن كانت أعمال البر كلها له، وهو يجزي بها؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الملائكة الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن حركة المطعم والمشرب.
قال النبي ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قال اللهُ : إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأنَا أجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» متفق عليه (١).
والصوم منه ما هو واجب كصيام رمضان، ومنه ما هو تطوع كصيام النفل.
وكما أوجب الله صيام رمضان لمصلحة العباد، فقد رغب في صيام النفل؛ تكميلاً للفرض، وقياماً بما يحبه الله، وسداً لما عساه أن يقع من خلل في الصوم الواجب، وتزوداً من الطاعات.
وصيام التطوع كصوم يوم الإثنين، وثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة لغير حاج، وصوم يوم عاشوراء، وصوم ستة أيام من شوال ونحوها.