← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ومنها حب الترأس، وذلك أن الكاذب يرى له فضلاً على المخبر بما أعلمه، فهو يتشبه بالعالم الفاضل في ذلك. ومنها أن يكون الكذب له عادة، ونفسه إليه منقادة، فهو يألف دواعي الكذب ويستملحه. ومنها أن يقصد بالكذب التشفي من عدوه، فيسمه بقبائح يخترعها عليه، ويصفه بفضائح ينسبها إليه. وأول ما يسري الكذب من النفس إلى اللسان فيفسده، ثم يسري إلى الجوارح فيفسد عليها أعمالها، يعم الكذب أقواله وأعماله وأحواله، فيستحكم عليه الفساد ثم يهلك. والكذب داء لا يصلح منه جد ولا هزل، يمزق الأمم، ويقطع الأرحام، وتؤكل به الحقوق، وتنتهك الحرمات، ويهدي إلى الفجور كما قال النبي ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا» متفق عليه (١). وقال ﷺ : «ألا أنَبِّئُكُمْ بِأكْبَرِ الْكَبَائِرِ» .. ثَلاثًا، قالوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قال: «الإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ» -وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَقال: «ألا وَقَوْلُ الزُّورِ». قال: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ. متفق عليه (٢).

стр. 3117

٧ - آفة اللسان قال الله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)﴾ [النساء: ١١٤]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ ... [الحجرات: ١١]. الله خلق الإنسان في أحسن تقويم، وعلَّمه البيان، وأفاض على قلبه خزائن العلوم فأكمله، ثم أمده بلسان يترجم به عما حواه قلبه وعقله. واللسان من نعم الله العظيمة، فهو صغير جرمه، عظيم نفعه، وعظيم جُرمه، رحب الميدان: له في الخير مجال رحب .. وله في الشر مجال رحب. فمن أطلق عذبة اللسان، وأهمله مرخي العنان، سلك به الشيطان في كل ميدان، وساقه إلى شفا جرف هار، إلى أن يضطره إلى البوار، ولا يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم. ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة. وأعصى الأعضاء على الإنسان اللسان، فإنه لا تعب في إطلاقه، ولا مؤنة في تحريكه، وأكثر الأخطار والشرور من طريقه. فخطر اللسان عظيم، ولا نجاة من خطره إلا بالصمت، فلذلك مدح الشرع الصمت وحث عليه كما قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ». قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاثَةُ أيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ

стр. 3118

صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْراً أوْ لِيَصْمُتْ» متفق عليه (١). وقال النبي ﷺ : «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ» أخرجه البخاري (٢). وسبب فضيلة الصمت أمران: أحدهما: ما في الصمت من جمع الهمم، ودوام الوقار، والفراغ للفكر والذكر والعبادة، والسلامة من تبعات القول في الدنيا، ومن حسابه في الآخرة. كما قال سبحانه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ [ق: ١٨]. الثاني: ما في نطق اللسان من كثرة الآفات من الخطأ والكذب، والغيبة والنميمة، والرياء والنفاق، والفحش والمراء، وتزكية النفس، والخوض في الباطل، والخصومة والجدال، والزيادة والنقصان، وإيذاء الخلق، وهتك العورات. فهذه آفات كثيرة، وهي لا تَثْقل على اللسان، ولها حلاوة في القلب، وعليها بواعث من الطبع ومن الشيطان، والخائض فيها قلما يقدر أن يمسك لسانه فيطلقه بما يحب، ويكفه عما لا يحب. ففي الخوض خطر .. وفي الصمت سلامة، فلذلك عظمت فضيلته. وآفات اللسان كثيرة، ولها في القلب حلاوة، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت. وهذه أهم آفات اللسان: الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعني، فمن عرف قدر زمانه، وأنه رأس ماله، حبس لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه، واشتغل بذكر ربه والطاعات وأعمال البر المختلفة، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. الآفة الثانية: الخوض في الباطل، وهو الكلام في المعاصي كذكر مجالس اللهو والخمر، وأحوال الفساق، ونحو ذلك من الجدال والمراء الذي ينتهي غالباً

стр. 3119

بالسب والفرقة. الآفة الثالثة: التقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف السجع، ليُظهر الإنسان نفسه، ويُعجب الناس بحلاوة كلامه، فيفقد الإخلاص. قال النبي ﷺ : «إِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ، قَالَ «الْمُتَكَبِّرُونَ» أخرجه الترمذي (١). الآفة الرابعة: الفحش في الكلام والسب والبذاء ونحو ذلك مما هو مذموم. والفحش: هو التعبير عن الأمور المستقبحة بالعبارات الصريحة، وأكثر ما يكون ذلك في ألفاظ الجماع وما يتعلق به. وليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء. الآفة الخامسة: المزاح. أما اليسير منه فلا بأس به إذا كان حقاً وصدقاً، وكان مع الصبيان والنساء الكبار، ومن يحتاج إلى تأديبه من ضعفاء الرجال. وكثرة المزاح تسقط الوقار، وتوجب الضغائن والأحقاد، وكان رسول الله ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقاً. الآفة السادسة: السخرية والاستهزاء: والسخرية الاحتقار والاستهانة بالناس، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يُضْحَك منه بالقول، أو الفعل، أوالإشارة، أو الإيماء. والضحك على الناس والسخرية بهم من جملة الذنوب والكبائر التي حرمها الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].

стр. 3120

الآفة السابعة: إفشاء السر، وإخلاف الوعد، والكذب في القول واليمين، وكل ذلك منهي عنه إلا ما رُخص فيه من الكذب في الحرب، والإصلاح بين الناس، وعلى الزوجة ليراضيها لمصلحة راجحة، وتباح المعاريض عند الحاجة إليها. الآفة الثامنة: الغيبة. والغيبة: ذكرك أخاك الغائب بما يكره. والغيبة محرمة، والمستمع للغيبة شريك فيها إلا أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر لزمه ذلك. وعلاج الغيبة: أن يعلم المغتاب أنه بالغيبة متعرض لسخط الله تعالى ومقته، وأن حسناته تُنقل إلى من اغتابه، وإن لم تكن له حسنات نُقل إليه من سيئات خصمه، وإذا عَرضت له الغيبة تفكر في عيوب نفسه، واشتغل بإصلاحها، فيستحي أن يَعيب وهو مَعيب. وإن ظن أنه سليم من العيوب فليشكر ربه، ولا يلوث نفسه بأقبح العيوب وهو الغيبة، وكما لا يرضي نفسه بغيبة غيره له فينبغي أن لا يرضاها لغيره من نفسه. وقد تحصل الغيبة بالقلب، وذلك سوء الظن بالمسلمين، ومن آفات سوء الظن التجسس، فإن القلب لا يقنع بالظن فيشتغل بالتجسس، وذلك منهي عنه؛ لأنه يوصل إلى هتك ستر المسلم، وهو محرم كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾ ... [الحجرات: ١٢]. أما كفارة الغيبة: فالمغتاب قد جنى جنايتين: إحداهما: جناية على حق الله تعالى حيث فعل ما نهاه الله عنه، فكفارة ذلك التوبة والندم. الثانية: جناية على عِرض المخلوق، فإن كانت الغيبة قد بلغت الرجل جاء إليه

стр. 3121

واستحله، وأظهر له الندم على فعله. وإن كانت الغيبة لم تبلغ الرجل، أو مات، جعل مكان استحلاله الاستغفار له، والدعاء له، والثناء عليه، ولا يخبره بما لا يعلمه إن كان حياً؛ لئلا يوغر صدره. قال النبي ﷺ : «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأحد مِنْ عِرْضِهِ أوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» أخرجه البخاري (١). الآفة التاسعة: النميمة. والنميمة: هي كشف ما يُكره كشفه من الأقوال والأعمال. وتطلق غالباً على قول إنسان في آخر، مثل أن يقول: قال فيك فلان كذا وكذا. والقتات: هو النمام وقد قال النبي ﷺ : «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ» متفق عليه (٢). الآفة العاشرة: كلام ذي الوجهين. وهو الذي يثني على الواحد في وجهه، ويذمه عند الآخر، وقد قال النبي ﷺ : «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ» متفق عليه (٣). الآفة الحادية عشرة: المدح، وله آفات، منها ما يتعلق بالمادح، فقد يقول ما لا يتحققه، وقد يبالغ في المدح فينتهي إلى الكذب، وقد يمدح من ينبغي أن يُذم. وأما الممدوح، فإنّ مَدْحه يسبب له الكبر والإعجاب وهما مهلكان، ولأن الإنسان إذا أثني عليه رضي عن نفسه، وظن أنه بلغ المقصود، فيفتر عن العمل. فإذا سلم المدح من هذه الآفات لم يكن به بأس، فقد أثنى النبي ﷺ على الخلفاء الراشدين، والعشرة المفضلين، وغيرهم من الصحابة ﵃. الآفة الثانية عشرة: الخطأ في فحوى الكلام عن الدين:

стр. 3122

فالشيطان يخيل للعاصي أنه بخوضه في العلم، ومجالسة العلماء، يكون من أهل العلم والفضل، ولا يزال يحبب إليه ذلك حتى يتكلم بما هو كفر وهو لا يدري. وسؤال العوام عن غوامض العلوم من أعظم الآفات، فالأولى بهم الإيمان بما ورد في القرآن، والتسليم لما جاء به الرسول ﷺ ، والاشتغال بالأعمال الصالحة، وعدم التوسع فيما لا يقدرون على فهمه. الآفة الثالثة عشرة: الغناء وهو ما يفسد القلوب، وقد غَرَّ به الشيطان خلقاً كثيراً من العوام والعلماء والزهاد حتى ظنوه قربة إلى الله. الآفة الرابعة عشرة: اللعن: إما لحيوان أو جماد أو إنسان وكل ذلك مذموم، والمؤمن ليس بالطعان ولا اللعان. واللعن: عبارة عن الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وذلك غير جائز إلا على من اتصف بصفة تبعده عن الله مثل الكفر والظلم ونحوهما، وينبغي أن يتبع فيه لفظ الشرع فإن في اللعنة خطراً؛ لأنه قد حكم على الله بأنه قد أبعد الملعون، وذلك غيب لا يطلع عليه إلا الله تعالى. والصفات المقتضية للعن ثلاثة: الكفر .. والبدعة .. والفسق. وللعن في كل واحدة ثلاث مراتب: الأولى: اللعن بالوصف الأعم كقوله: لعنة الله على الكافرين والمبتدعة والفسقة. الثانية: اللعن بوصف أخص منه كقوله: لعنة الله على اليهود والنصارى أو لعنة الله على الزناة والظلمة، وآكلي الربا، وكل ذلك جائز. الثالثة: اللعن للشخص المعين، وهذا فيه خطر كقوله: زيد لعنه الله، وهو كافر أو فاسق أو مبتدع. والتفصيل فيه: أن كل شخص ثبتت لعنته شرعاً فتجوز لعنته كقولنا: فرعون لعنه

стр. 3123

الله، وأبو جهل لعنه الله؛ لأنه ثبت أن هؤلاء ماتوا على الكفر، وعرف ذلك شرعاً. وإما شخص بعينه كقول: زيد لعنه الله، وهو يهودي مثلاً، فهذا فيه خطر؛ لأنه ربما يُسلم فيموت مقرباً عند الله، فكيف يحكم بكونه ملعوناً؟. فعلى المسلم أن يصون لسانه عن الكذب والغيبة والنميمة وقول الزور وغير ذلك مما نهى الله ورسوله عنه. واللسان من نعم الله ﵎ العظيمة اللطيفة، فهو صغير جِرمه، عظيم طاعته ونفعه، وعظيم خطره وجُرمه. فلا يستبين الكفر والإيمان إلا بشهادة اللسان، وهما غاية الطاعة والمعصية. والكلام ترجمان يعبر عما في الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر. وللكلام شروط لا يسلم المتكلم من الزلل إلا بها، وهي: الأول: أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في جلب نفع، أو دفع ضرر، ذلك أن ما لا داعي له هذيان، وما لا سبب له هُجْر. الثاني: أن يقتصر من الكلام على قدر حاجته منه، فإن الكلام إن لم ينحصر بالحاجة لم يكن لحده غاية، ولا لقدره نهاية، ومن كَثُر كلامه كثر سقطه. الثالث: اختيار الألفاظ التي يتكلم بها؛ لأن اللسان عنوان الإنسان، فلا يتجاوز في مدح، ويسرف في ذم .. ولا تبعثه الرغبة والرهبة في وعد أو وعيد يعجز عنهما .. وإذا قال قولاً حققه بفعله .. وإذا تكلم بكلام صدقه بعمله .. ويراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده .. فإن كان ترغيباً قرنه باللين واللطف .. وإن كان ترهيباً خلطه بالخشونة والخوف .. ولا يرفع صوته بكلام مكروه .. ولا ينزعج له انزعاجاً مستهجناً .. ويكف عن حركة تكون طيشاً .. ويتجافى هجر القول ومستقبح الكلام .. وليعدل إلى الكناية عما يُستقبح صريحه ويُستهجن فصيحه .. ؛ ليبلغ الغرض ولسانه نزيه، وأدبه مصون .. ولا يسمع الخنا ولا يصغي إلى فحش ولا يقوله .. ويتجنب أمثال العامة الساقطة .. ولا يذكر في

стр. 3124

كلامه إلا أمثال القرآن والسنة، وأمثال العلماء والأدباء، فلهذه الأمثال موقع في السمع وتأثير في القلب لا يكاد الكلام المرسَل يبلغ مبلغها ولا يؤثر تأثيرها. الرابع: أن يأتي بالكلام في موضعه؛ لأن الكلام في غير حينه لا يقع موقع الانتفاع به، فإن قدم ما يقتضي التأخير كان عجلة وخرقاً، وإن أخر ما يقتضي التقديم كان توانياً وعجزاً، فلكل مقام قول. فما عقل دينه من لم يحفظ لسانه، وحفظ اللسان أشد على الناس من حفظ الدينار والدرهم، ومن عد كلامه من عمله لم يتكلم إلا فيما يعنيه، وكثرة الكلام تذهب الوقار، ومن فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع. ولا خير في الكلام إلا في عشر: تهليل وتكبير وتسبيح وتحميد .. والسؤال عن الخير .. والتعوذ من الشر .. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .. وقراءة القرآن .. وما لا بدَّ منه في قضاء حاجته.

стр. 3125

٨ - آفة الرياء قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. الله أغنى الأغنياء عن الشرك، فلا يقبل من الأعمال إلا ما كمل وخلص من شوائب الشرك والرياء. والرياء حرام، والمرائي عند الله ممقوت. والرياء من أعظم آفات النفس وأشد غوائلها. وأكثر ما يبتلى بالرياء العلماء والعباد والأغنياء والمجاهدون، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة. فإن هؤلاء مهما قهروا أنفسهم وجاهدوها، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، وحملوها على أصناف العبادات إلا عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل، فسارعت إلى إظهار الطاعة، وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده. وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه الشهوات، وتوقيه الشبهات، وتحمله مشاق العبادات، أطلقو ألسنتهم بالمدح والثناء، ونظروا إليه بعين الوقار والتعظيم، وبالغوا في إطرائه، وتبركوا بمشاهدته، ورغبوا في بركة دعائه، وحرصوا على اتباع رأيه، وفاتحوه بالخدمة والسلام، وأكرموه في المحافل غاية الإكرام، وقدموه في المجالس، وسامحوه في البيع والمعاملات، وتصاغروا له متواضعين. فأصابت النفس في ذلك لذة هي أعظم اللذات، وشهوة هي أغلب الشهوات،

стр. 3126

فاستحقرت فيه ترك المعاصي، واستلانت خشونة المواظبة على العبادات؛ لإدراكها في الباطن لذة الشهوات، فهو يرى أنه مخلص في طاعة الله، مجتنب لمحارم الله، والنفس قد أبطنت هذه الشهوة تزيناً للعباد، وتصنعاً للخلق، وفرحاً بما نالت من المنزلة والوقار، وأحبطت بذلك ثواب الطاعات، وأجور الأعمال، وقد أثبت اسمه في صحيفة المنافقين وهو يظن أنه عند الله من المقربين، وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون. فالرياء هو الداء الدفين، وهو أعظم شبكة للشياطين في إفساد أعمال المؤمنين. وحد الرياء: ترك الإخلاص في العمل بإرادة العامل بعبادته غير وجه الله تعالى كأن يقصد اطلاع الناس على عبادته وعمله فيحصل له منهم نحو مال أو جاه أو ثناء. وللمرائي أربع علامات: يكسل إذا كان وحده .. وينشط إذا كان في الناس .. ويزيد في العمل إذا أثني عليه .. ويُنقص العمل إذا ذُم. والرياء مشتق من الرؤية، والسمعة مشتقة من السماع، والرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير، إلا أن الجاه والمنزلة تُطلب في القلب بأعمال سوى العبادات، وتطلب بالعبادات. واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادة وإظهارها. فحد الرياء: هو إرادة العباد بطاعة الله. فالمرائي هو العابد .. والمراءى هو الناس المطلوب رؤيتهم للظفر بالمنزلة في قلوبهم .. والمراءى به هو الخصال والأعمال التي قصد المرائي إظهارها .. والرياء هو قصده إظهار ذلك. والمراءى به كثير، وتجمعه ستة أشياء، وهي مجامع ما يتزين به العبد للناس وهي: البدن .. والزي .. والقول .. والعمل .. والأتباع .. والأشياء الخارجة.

стр. 3127

فالأول: الرياء في الدين بالبدن بإظهار النحول والتقشف والصفار، ليوهم بذلك شدة الاجتهاد، وعظم الحزن على أمر الدين، وغلبة خوف الآخرة، وليدل بالنحول على قلة الأكل، وبالصفار على سهر الليل، وبشعث الرأس على استغراق الهم بالدين، وعدم التفرغ لتسريح الشعر. وهذه الأسباب إذا ظهرت استدل بها الناس على هذه الأمور، فارتاحت النفس لمعرفتهم، ويقرب من هذا خفض الصوت، وإغارة العينين، وذبول الشفتين، ليستدل بذلك على أنه مواظب على الصوم. الثاني: الرياء بالهيئة والزي. أما الهيئة فبتشعيث شعر الرأس، وحلق الشارب، وإطراق الرأس في المشي، والهدوء في الحركة، وغلظ الثياب، ولبس المرقعات وتشميرها إلى أعلى الساق، وترك نظافة الثياب، كل ذلك يرائي به ليُظهر من نفسه أنه متبع للسنة فيه. الثالث: الرياء بالقول. ويكون بالوعظ والتذكير، والنطق بالحكمة، وحفظ الأخبار والآثار، إظهاراً لغزارة العلم، والانتصار في المحاورات، وتحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمشهد الخلق، وإظهار الغضب للمنكرات، وإظهار الأسف على مقارفة الناس للمعاصي ونحو ذلك. الرابع: الرياء بالعمل. كمراءاة المصلي بطول القيام، ومد الظهر، وطول السجود والركوع، وإطراق الرأس، ليراه الناس. وكذلك بالصوم والصدقة والحج والغزو، وإطعام الطعام، والإخبات في المشي عند اللقاء ونحو ذلك. الخامس: المراءاة بالأصحاب والزائرين كالذي يتكلف أن يستزير عالماً من العلماء ليقال إن فلاناً قد زار فلاناً، أو عابداً من العباد ليقال أن أهل الدين يتبركون بزيارته، وكالذي يكثر من ذكر الشيوخ ليرى الناس أنه لقي شيوخاً

стр. 3128

كثيرة، فيباهي بشيوخه، ومنهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه. فهذه بعض ما يرائي به المراءون، وكلهم يطلبون بذلك الجاه والمنزلة في قلوب العباد، ومنهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته، وتنجز الحوائج على يده، فيقوم له بذلك جاه عند العامة. ومنهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع الحطام وكسب المال ولو من الأوقاف وأموال اليتامى وغير ذلك من الحرام. وهؤلاء شر طبقات المرائين. وأركان الرياء ثلاثة: المراءى به .. والمراءى لأجله .. ونفس قصد الرياء. أما نفس قصد الرياء. فإن كان مراده الرياء لا الثواب فهذا ممقوت عند الله تعالى كمن يصلي بين أظهر الناس ولو انفرد لكان لا يصلي، بل ربما يصلي من غير طهارة على الناس، ومثله من يتصدق خوفاً من مذمة الناس لا رغبة في الثواب، ولو خلا بنفسه لما أداها، فهذه الدرجة أغلظ درجات الرياء وأعلاها وأخطرها. وإن قصد الثواب لكن قصده ضعيف، بحيث لو كان في الخلوة لكان لا يفعله، فهذا قريب مما قبله، وما فيه من شائبة قصد ثواب لا يستقل بحمله على العمل لا ينفي عنه المقت والإثم. وإن قصد الثواب وقصد الرياء سواء، بحيث لو كان كل واحد منهما خالياً عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح، وظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم من العقاب. وإن كان اطلاع الناس مرجحاً ومقوياً لنشاطه، ولو لم يكن لا يترك العبادة فهذا قد لا يحبط أصل الثواب، ولكنه يُنقص منه، أو يعاقب على مقدار الرياء، ويثاب على مقدار قصد الثواب.

стр. 3129

فهذه أربع درجات في نفس قصد الرياء. وأما المراءى به: وهو الطاعات فينقسم إلى الرياء بأصول العبادات، وإلى الرياء بأوصافها. فالرياء بالأصول على ثلاث درجات: الأولى: الرياء بأصل الإيمان، وهذا أغلظ أبواب الرياء، وصاحبه مخلد في النار، وهو الذي يظهر كلمة الشهادة، وباطنه مشحون بالتكذيب، ولكنه يرائي بظاهر الإسلام. وهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإسلام رياء ويبطنون الكفر، وهم مخلدون في أسفل النار كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥]. وليس وراء هذا الرياء رياء، وحال هؤلاء أشد حالاً من الكفار المجاهرين فإنهم جمعوا بين كفر الباطن ونفاق الظاهر. الثانية: الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين، وهذا عظيم عند الله لكنه دون الأول بكثير كأن يدخل وقت الصلاة وهو في جمع من الناس، وعادته ترك الصلاة في الخلوة فيصلي معهم، ولو كان وحده لم يصل، أو يصوم رمضان وهو يشتهي خلوة ليفطر، أو يخرج الزكاة أمام الناس خوفاً من ذمه، والله يعلم منه أنه لا يحب إخراجها. فهذا مراء معه أصل الإيمان بالله، يعتقد أنه لا معبود سواه، ولكنه يترك العبادات والفرائض للكسل، وينشط عند اطلاع الناس عليه، فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق، وهذا غاية الجهل، وما أجدر صاحبه بالمقت. الثالثة: أن لا يرائي بالإيمان، ولا بأصل الفرائض، ولكنه يرائي بالنوافل والسنن التي لو تركها لا يعصي، ولكنه يكسل عنها في الخلوة، لفتور رغبته في ثوابها، ولإيثار الكسل على ما يرجى من الثواب، ثم يبعثه الرياء على فعلها، وذلك كالتهجد بالليل، وعيادة المريض، واتباع الجنازة، وصيام يوم عرفة وعاشوراء

стр. 3130

ونحو ذلك. فقد يفعل المرائي جملة من ذلك خوفاً من المذمة، أو طلباً للمحمدة، والله يعلم منه أنه لو كان وحده لما زاد على أداء الفرائض. فهذا كذلك عظيم، ولكنه دون ما قبله، فالذي قبله آثر حمد الخلق على حمد الخالق، وهذا اتقى ذم الخلق دون ذم الخالق. أما الرياء بأوصاف العبادات فهو على ثلاث درجات: الأولى: أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي من عادته تخفيف الركوع والسجود والقيام والقراءة في الصلاة، فإذا رآه الناس أحسن الركوع والسجود، وأتم القيام، وحَسَّن القراءة. فهذا من الرياء المحظور؛ لأن فيه تقديماً للمخلوقين على الخالق، ولكنه دون الرياء بأصول التطوعات. وهذه مكيدة للشيطان بالإنسان، فإن ضرره من نقصان صلاته لمولاه أعظم من ضرره بغيبة غيره إذا رآه مقصراً في عبادته، فالواجب عليه أن يحسن ويخلص، فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عادته في الخلوة، وليس له أن يدفع ذم الناس له بالمراءاة بطاعة الله تعالى، فإن ذلك استهزاء. الثانية: أن يرائي بفعلِ ما لا نقصان في تركه، ولكنْ فَعَله في حكم التكملة لعبادته كالتطويل في الركوع والسجود، وتحسين الهيئة، والزيادة في القراءة، وطول الصمت، وإخراج الجيد في الزكاة، ونحو ذلك مما لو كان وحده لم يقدم عليه. الثالثة: أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل كحضور الجماعة قبل القوم، وقصده الصف الأول، وتوجهه إلى يمين الإمام، ونحو ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلا بنفسه لكان لا يبالي أين وقف؟ ومتى يُّحرم بالصلاة؟. فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به، وبعضها أشد من بعض، والكل

стр. 3131

مذموم كما قال النبي ﷺ : «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ الله بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي الله بِهِ» متفق عليه (١). أما الركن الثالث: فهو المراءَى لأجله. فالمرائي له مقصود من الرياء لا محالة، فهو إنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة، وهو على ثلاث درجات: الأولى: أن يكون مقصوده بالرياء التمكن من معصية. كالذي يرائي بعبادته وتقواه، ويظهر الورع بكثرة النوافل، والامتناع عن أكل الشبهات، وغرضه أن يُعرف بالأمانة والزهد فيولى القضاء، أو الأوقاف، أو الوصايا فيأخذها. أو يُسلَّم إليه تفرقة الزكاة أو الصدقات ليستأثر بما قدر عليه منها، أو تودع عنده الودائع فيأخذها ويجحدها. وقد يظهر بعضهم الخشوع وكلام الحكمة على سبيل الوعظ والتذكير وإنما قصده التحبب إلى امرأة أو غلام لأجل الفجور، وقد يحضرون مجالس العلم والتذكير وحلق القرآن، يظهرون الرغبة في سماع العلم والقرآن، وغرضهم ملاحظة النساء والغلمان، نسأل الله السلامة والعافية. وهؤلاء أبغض المرائين إلى الله تعالى؛ لأنهم جعلوا طاعة ربهم سلماً إلى معصيته. الثانية: أن يكون غرضه نيل مباح من حظوظ الدنيا من مال أو نكاح امرأة جميلة، كالذي يظهر الحزن والبكاء، أو يشتغل بالوعظ والتذكير، لتبذل له الأموال ويرغب في نكاحه النساء. فهذا رياء محظور؛ لأنه طلب بطاعة الله متاع الحياة الدنيا، ولكنه دون الأول، فإن المطلوب بهذا مباح في نفسه، لكن عمله باطل لا ثواب عليه.

стр. 3132

«قال الله : أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أخرجه مسلم (١). الثالثة: أن لا يقصد نيل حظ أو إدراك مال أو نكاح، ولكن يظهر عبادته ويحسنها خوفاً من أن يُنظر إليه بعين النقص، ولا يُعد من الخاصة والزهاد كالذي يرى جماعة يصلون التراويح أو يتهجدون أو يصومون الإثنين، أو يتصدقون فيوافقهم خيفة أن يُنسب إلى الكسل والبخل، ويُلحق بالعوام، ولو خلا بنفسه لا يفعل شيئاً من ذلك. وكالذي يعطش يوم عرفة أو عاشوراء وهو غير صائم فلا يشرب خوفاً من أن يعلم الناس أنه غير صائم. فهذا وما يجري مجراه من آفات الرياء، ولولا رسوخ عرق الرياء في الباطن لما ظهر في الخارج قولاً أو فعلاً. فهذه درجات الرياء، ومراتب أصناف المرائين، وجميعهم تحت مقت الله وغضبه، وهو من أشد المهلكات، ومن شدته أن فيه شوائب هي أخفى من دبيب النمل، يزل فيها فحول العلماء فضلاً عن عامة الجهلاء بآفات النفوس وعللها. والرياء محبط للأعمال، وسبب للمقت عند الله تعالى، ومن كبائر الذنوب، وإذا كان هذا وصفه فهو جدير بالتشمير عن ساق الجد في إزالته، ولا شفاء منه إلا بشرب الأدوية القامعة له، ومجاهدة شديدة، ومكابدة لقوة الشهوات، والعباد كلهم مضطرون لهذه المجاهدة. وإنما يحصل علاج الرياء بأمرين: أحدهما: قلع عروقه وأصوله التي منها انشعابه. الثاني: دفع ما يخطر منه في الحال. فأما قلع عروقه وأصوله: فأصل الرياء حب المنزلة والجاه، وهو يرجع إلى ثلاثة

стр. 3133

أصول وهي: لذة المحمدة .. والفرار من ألم الذم .. والطمع فيما في أيدي الناس. جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ حَمِيَّةً، وَيُقَاتِلُ شَجَاعَةً، وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، فَأيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الله؟ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ الله» متفق عليه (١). فالحمية: أن يأنف أن يُقهر .. وليُرى مكانه: هذا هو طلب لذة الجاه والقدر في القلوب .. ويقاتل للذكر: هذا هو طلب حمد الناس له باللسان. فهذه الأمور الثلاثة هي التي تحرك المرائي إلى الرياء. فإذا علم العبد أن الرياء ضار في الدنيا والآخرة سهل عليه قطع الرغبة عنه، فإنه إذا علم مضرة الرياء، وما يفوته من صلاح قلبه، وما يُّحرم منه من التوفيق في الحال، وفي الآخرة من المنزلة عند الله، وما يتعرض له من العقاب العظيم، والمقت الشديد، والخزي الظاهر، فعلمه بذلك يُسهل عليه تركه، ويبعث فيه الرغبة في الإخلاص. هذا مع ما يتعرض له في الدنيا من تشتت الهم بسبب ملاحظة قلوب الخلق، فإن رضا الناس غاية لا تدرك، ومن طلب رضاهم في سَخَط الله سَخِط الله عليه، وأسخطهم عليه. وأي فائدة للمرائي إذا مدحه الناس وذمه الله، وحمدهم لا يزيد له رزقاً ولا يدفع أجلاً؟. وأما الطمع بما في أيديهم فبأن يعلم أن الله تعالى هو المسخر للقلوب بالمنع والإعطاء، وأن الخلق كلهم مضطرون إلى الله فلا رزاق إلا هو، ومن طمع في الخلق لم يخل من الذل والخيبة، وإن وصل إلى المراد لم يخل عن المنَّة والمهانة، فكيف يترك ما عند الله برجاء كاذب؟.

стр. 3134

وأما ذم الناس فلم يحذر منه، وذمهم لا يزيده ولا يضره شيئاً لم يكتبه الله عليه، ولا يعجل أجله، ولا يؤخر رزقه، ولا يجعله من أهل النار إن كان من أهل الجنة، والناس لا كمال في مدحهم، ولا نقصان في ذمهم. وأي خير للإنسان في مدح الناس له وهو عند الله مذموم ومن أهل النار؟. وأي شر لك من ذم الناس وأنت عند الله محمود في زمرة المقربين؟. ومن أحضر في قلبه الآخرة ونعيمها المؤبد ورضوان الله أعرض عن الخلق، وأقبل على ربه، وأخلص له العمل، وتخلص من مذلة الرياء للخلق، فهذه أهم الأدوية القالعة لأصول الرياء من القلب. وأما الدواء العملي: فهو أن يعوِّد نفسه إخفاء العبادات وإغلاق الأبواب دونها، كما تغلق الأبواب دون الفواحش، حتى يقنع قلبه بعلم الله واطلاعه على عباداته، ولا تنازعه نفسه إلى طلب علم غير الله به. وأما دفع العارض من الرياء أثناء العبادة، فالشيطان لا يترك الإنسان ولو قلع مغارس الرياء من قلبه حتى يشغله أثناء العبادات، ويعارضه بخطرات الرياء، ولا تنقطع عنه نزغاته، وهوى النفس وميلها لا ينمحي بالكلية. فلا بدَّ وأن يتشمر لدفع ما يعرض من خاطر الرياء. وخواطر الرياء ثلاثة: الأول: العلم باطلاع الخلق ورجاء اطلاعهم. الثاني: ثم يتلوه هيجان الرغبة في النفس في حمدهم، وحصول المنزلة عندهم. الثالث: ثم يتلوه هيجان الرغبة في قبول النفس له، والركون إليه، والقيام به، والحزم في دفع الخاطر الأول ورده حتى لا يتلوه الثاني، فيقول لنفسه: الله عالم بحالك، ومَالَكِ وللخلق، علموا أو لم يعلموا، فإن هاجت الرغبة إلى لذة حمد الناس ذكرها ما في الرياء من التعرض لمقت الله يوم القيامة. وكما أن معرفة اطلاع الناس تثير شهوة ورغبة في الرياء، فمعرفة آفة الرياء تثير

стр. 3135

كراهة له تقابل تلك الشهوة. والرياء فعل الخير لإرادة الخير بطلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير، وإرادة العباد بطاعة الله. والفرق بين الرياء والسمعة: أن الرياء يكون في الفعل؛ لأن المرائي يري الناس أنه يفعل ولا يفعل بالنية، والسمعة تكون في القول. والفرق بين الرياء والنفاق: أن الأصل في الرياء الإظهار، والأصل في النفاق الإخفاء. وقد يلتقي الأمران الرياء والنفاق الأصغر في عمل المنافق بإظهار مجرد الطاعة كما قال سبحانه في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢]. وقد يختلفان كما في قيام المنافقين إلى الصلاة كسالى، وعدم ذكرهم لله إلا قليلاً، فالمرائي يظهر النشاط، ويكثر الذكر لينال مكانة عند الناس بخلاف المنافق. والرياء من الكبائر، بل هو الكبيرة الثانية بعد الشرك بالله؛ لما فيه من الاستهزاء بالحق تعالى، وتقديم المخلوق عليه، ولما فيه من التلبيس على الخلق لإيهام المرائي لهم أنه مخلص مطيع لله وهو بخلاف ذلك. ولهذا أطلق على الرياء الشرك الأصغر، فهو كل عبادة يراد بها غير وجه الله تعالى، فهو من أكبر الكبائر المهلكة. والرياء درجات: فالرياء بما عمله الإنسان كبيرة .. والرياء بما لم يعمله أكبر: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].

стр. 3136

٩ - آفة الحسد قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤]. وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. أصل الحسد العداوة، وأصل العداوة التزاحم على غرض واحد، والغرض الواحد لا يجمع متباعدين، بل لا يجمع إلا متناسبين كالتجار والصناع والزراع، والعلماء والأمراء ونحوهم. وأهم أسباب الحسد: إما العداوة والبغضاء، فإن آذاه إنسان أبغضه، وغضب عليه، وأحب ضرره. وإما التعزز، فإذا نال الإنسان منصباً ترفع على غيره، فيحسده ذلك الغير، ويتمنى زوال ذلك المنصب عنه. أو يكون في طبيعته أن يستخدم غيره، فيريد زوال النعمة عنه ليستخدمه. وقد يكون سببه الخوف من فوت المقاصد، وذلك يحصل بين المتزاحمين على مقصود واحد، ومنه تحاسد الضرات على مقاصد الزوجية، وتحاسد الأولاد في كسب ود الآباء، وتحاسد أصحاب المهن عليها. أو يكون سببه حب الرياسة وطلب الجاه كأن يسمع عن شجاع أو عالم أو والٍ فيتمنى زوال النعمة عنه، ويحسده ليظفر بتلك النعمة. أو يكون سببه شح النفس بالخير على عباد الله من علم أو مال أو غيرهما، فإن ذكر له شر فرح به، وإن ذكر خير ساءه. وهذا من خبث النفس، وقد تجتمع هذه الأسباب أو بعضها في شخص واحد فيعظم ضرره.

стр. 3137

وزوال الحسد بأمرين: بالعلم .. والعمل. أما العلم فهو أن تعلم أن الحسد ضرر عليك في الدين والدنيا، وليس على المحسود ضرر، بل ينتفع به في الدين والدنيا. أما ضرره عليك في الدين، فإنك بالحسد كرهت حكم الله، ونازعته في قسمة رزقه بين عباده، وشاركت إبليس وسائر الكفرة في محبتهم للبلايا للمؤمنين، وستنال العقاب العظيم عليه يوم القيامة. وضرره عليك في الدنيا: أنك بالحسد تتعذب، وتكون في الغم والكدر كلما رأيت نعمة على من تحسد، وهذا يمرض بدنك، وينغص عليك لذة المطعم والمشرب. والمحسود لا ضرر عليه في دينه ودنياه، فما قدر الله كائن لا محالة، وهو مأجور في حال السراء والضراء. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك، لا سيما إذا أخرجت الحسد إلى القول أو الفعل بالغيبة وذكر مساوئه. فهذه هدايا يهديها الله إليه من حسناتك. وحسد الحاسد يدل على اختصاص المحسود بفضل الله ونعمه، فهو مذكر له بفضل الله فليحمد الله. أما العمل النافع الذي يزول به الحسد فهو أن يأتي بالأعمال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن حمله الحسد على ذمه مَدَحَه، وإن حمله على التكبر عليه تواضع له، وإن حمله على إيذائه أحسن إليه، وإن حمله على الدعاء عليه دعا له .. وهكذا. وللحسد ثلاث مراتب: أحدها: أن يحسد غيره على ما أعطاه الله من النعم، ويتمنى زوال ذلك عنه، ويرتب على ذلك الحسد مقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، وهذا أعظم أنواع الحسد.

стр. 3138

الثانية: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، ويحب أن يبقى على حاله من جهل، أو فقر، أو ضعف، أو شتات قلبه عن الله، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب. فهذا كله حسد على شيء غير مقدر، والأول حسد على شيء مقدر، وكلاهما حاسد عدو نعم الله وعدو عباده، ممقوت عند الله وعند الناس، لا يسود أبداً، فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم. الثالثة: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير تمني أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به، ولا يعاب صاحبه، وهو محمود إن تمنى ما فيه خير من نعم يستعين بها على طاعة الله، وينفع بها الناس، وأعمال صالحة يكسب بها الأجر وينال عليها الثواب في الآخرة، وهذا قريب من المنافسة في الخيرات. وقد قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ٢٦]. وقال النبي ﷺ : «لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» متفق عليه (١). فهذا حسد غبطة الحامل لصاحبه عليه شرف نفسه، وحبها خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، وأن يكون من سباقهم وعليتهم، فتحدث له من هذه الهمة المنافسة والمسارعة والمسابقة في هذا العمل الصالح، مع محبته لمن يغبطه، وتمني دوام نعمة الله عليه. والحسد المذموم من نتائج الحقد، والحقد من نتائج الغضب، والحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب، ويسبب العداوة والبغضاء، وقطع صلة الأرحام، والفرقة بين الناس. قال النبي ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا

стр. 3139

تَجَسَّسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ الله إِخْوَاناً» متفق عليه (١). ألا ما أجهل الحاسد بربه وقضائه ودينه، إن كان ما أعطاه الله لأخيك لكرامته عليه فلم تحسد من أكرمه الله؟ وماذا يضره حسدك له؟ وإن كان ما أعطاه الله لهوانه عليه فلم تحسد من مصيره إلى النار؟. وقد حسد إبليس آدم (على رتبته وكرامته على الله، وحمله الحسد على معصية الله بعدم السجود، فاستحق الطرد من رحمة الله، واللعن إلى يوم الدين، والقرار في نار الجحيم هو وذريته ومن تبعهم أجمعين. كما قال سبحانه: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ [ص: ٧٥ - ٧٨]. وكم فوت الحاسد على نفسه ثواب الحب في الله، وثواب الجنة، وأصل الإيمان، ولعله يسوقه حسده إلى غضب الله وإلى النار. قال النبي ﷺ : «لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أوَلا أدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» أخرجه مسلم (٢). وشر الحاسد إنما يتحقق إذا حصل منه الحسد بالفعل كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ ... [الفلق: ٥]. فعين الحاسد لا تؤثر بمجردها، لكن تؤثر إذا نظر إليه نظر من قد تكيفت نفسه الخبيثة وانسمت واحتدت، فصارت نفساً غضبية خبيثة حاسدة، فإذا نظر بهذا إلى المحسود أثر فيه تأثيراً بحسب صفة ضعفه، وقوة نفس الحاسد، فربما أعطبه وأهلكه، بمنزلة من وجه سهماً نحو رجل عريان فأصاب منه مقتلاً. وهذه العين إنما تأثيرها بواسطة النفس الخبيثة، وهي في ذلك بمنزلة الحية التي

стр. 3140

إنما يؤثر سمها إذا عضت واحتدت، فإنها تتكيف بكيفية الغضب والخبث فتُحدث فيها تلك الكيفية السم، فتؤثر في الملسوع، وربما تؤثر بمجرد نظرة. وإذا كان هذا في الحيات، فما الظن في النفوس البشرية الشريرة الغضبية الحاسدة، إذا تكيفت بكيفيتها الغضبية، وانسمت وتوجهت إلى المحسود بكيفيتها، فلله كم لها من قتيل وعليل وسقيم؟. ومن له أدنى فطنة، ولطفت روحه، شاهد أحوال الأرواح وتأثيرها وتحريكها للأجسام، ورأى الأجسام كالخشب الملقى. فلا نسبة لعالم الأجسام إلى عالم الأرواح، بل هو أعظم وأوسع، وعجائبه أبهر، وآياته أعجب. فالهيكل الإنساني إذا فارقته الروح صار بمنزلة الخشب أو القطعة من اللحم. فأين ذهبت تلك العلوم والمعارف والعقل والكلام والسمع والبصر، وتلك الأفعال العجيبة، والأفكار والتدبيرات؟. كلها ذهبت مع الروح، وبقي الهيكل هو والتراب سواء. وهل يخاطبك في الإنسان أو يراك، أو يحبك أو يبغضك، أو يواليك أو يعاديك، أو يؤنسك أو يوحشك، إلا ذلك الأمر الذي وراء الهيكل المشاهد بالبصر. والعاين والحاسد يفترقان في شيء، ويشتركان في شيء: فيشتركان في أن كل واحد منهما تتكيف نفسه، وتتوجه نحو من يريد أذاه. فالعاين: تتكيف نفسه عند مقابلة المعين ومعاينته. والحاسد: يحصل له ذلك عند غيب المحسود وحضوره أيضاً. ويفترقان في أن العائن قد يصيب من لا يحسده من جماد أو نبات أو حيوان أو مال، وإن كان لا يكاد ينفك من حسد صاحبه، وربما أصابت عينه نفسه، فإن رؤيته للشيء رؤية تعجب وتحديق، مع تكيف نفسه بتلك الكيفية تؤثر في المعين كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ

стр. 3141

لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾ [القلم: ٥١]. والنظر الذي يؤثر في المنظور قد يكون سببه شدة العداوة والحسد، فيؤثر نظره فيه، ويقوى تأثير النفس عند المقابلة. وقد يكون سببه الإعجاب، وهو ما يسمى بإصابة العين، وهو أن الناظر يرى الإنسان أو غيره رؤية إعجاب به واستعظام، فتتكيف روحه بكيفية خبيثة تؤثر في المعين أو تهلكه. فالعائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد، فكل عائن حاسد ولا بدَّ، وليس كل حاسد عائناً. وأصل الحسد: هو بغض نعمة الله على المحسود وتمني زوالها. فالحاسد عدو النعم، وهذا الشر من خبث نفسه وشرها، بخلاف السحر فإنما يكون باكتساب أمور أخرى، واستعانة بالأرواح الشيطانية. فلهذا والله أعلم قرن الله بين شر الحاسد وشر الساحر؛ لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥]. فالحسد من شياطين الإنس والجن، والسحر من النوعين، لكن شياطين الجن ينفردون بالوسوسة في القلب، فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه، بل هو أذى من أمر خارج عنه. والوسواس إنما يؤذي العبد من داخل بواسطة مساكنته له وقبوله منه. واليهود أسحر الناس وأحسدهم كما قال الله عنهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)﴾ [البقرة: ١٠٩]. وقال سبحانه: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ

стр. 3142

إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)﴾ [النساء: ٥٤]. والشيطان يقارن الساحر والحاسد ويحادثهما ويصاحبهما. ولكن الحاسد تعينه الشياطين بلا استدعاء منه للشيطان؛ لأن الحاسد شبيه بإبليس وهو من أتباعه؛ لأنه يطلب ما يحبه الشيطان من فساد الناس وزوال النعم عنهم، كما أن إبليس حسد آدم لشرفه وفضله، وأبى أن يسجد له حسداً، فالحاسد من جند إبليس. وأما الساحر فإنه يطلب من الشيطان أن يعينه، ويستعين به، وربما يعبده من دون الله حتى يقضي له حاجته، وربما يسجد له. وكلما كان الساحر أكفر وأخبث، وأشد معاداة لله ورسوله وعباده المؤمنين كان سحره أقوى وأنفذ وأشد. ولهذا سِحْر عباد الأصنام أقوى من سِحْر أهل الكتاب، وسحر اليهود أقوى من سحر المنتسبين إلى الإسلام، واليهود هم الذين سحروا النبي ﷺ ، وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ ... [الفلق: ٥]. يعم الحاسد من الجن والإنس، فإن الشيطان وحزبه يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما حسد إبليس أبانا آدم، وهو عدو لذريته. ولكن الوسواس أخص بشياطين الجن، والحسد أخص بشياطين الإنس. فنعوذ بالله العظيم الذي لا أعظم منه، وبكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وبأسمائه الحسنى ما علمنا منها وما لم نعلم من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ونعوذ بالله من غضبه وعقابه وشر عباده. والفرق بين الحسد والمنافسة: أن الحسد شدة الأسى على الخيرات تكون للناس الأفاضل، وتمني زوالها عنهم، والمنافسة طلب التشبه بالأفاضل من غير إدخال ضرر عليهم. فالحسد رذيلة مذمومة، والمنافسة في الخيرات فضيلة محمودة؛ لأنها داعية إلى اكتساب الفضائل، والاقتداء بالأفاضل.

стр. 3143

وبحسب فضل الإنسان وظهور النعمة عليه يكون حسد الناس له، فإن كثر فضله كثر حساده، وإن قل قلوا؛ لأن ظهور الفضل يثير الحسد، وحدوث النعمة يضاعف الكمد. والفرق بين البخل والحسد: أن البخل والحسد مشتركان في أن صاحبهما يريد منع النعمة عن الغير، ثم يتميز البخيل بالبخل بما في يده، والحاسد يتمنى ألا يعطي أحد سواه شيئاً. والفرق بين الغبطة والحسد: أن الغبطة تمني المرء أن يكون له مثل الذي لغيره من غير إرادة إذهاب ما لغيره، وهي من صفات المؤمنين، أما الحسد فهو إرادة زوال النعمة عن الغير، وهي من صفات المنافقين والكفار. وشر الحاسد مؤلم ومؤذ وموجع، ويندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب: الأول: التعوذ بالله من شر الحاسد، والتحصن به، واللجوء إليه. الثاني: تقوى الله ، فمن اتقى الله تولى حفظه ولم يكله إلى غيره. الثالث: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع إلا بتوبة. الرابع: التوكل على الله، فمن توكل على الله فهو حسبه، والتوكل من أقوى الأسباب التي يدفع بها العبد ما لا يطيق من أذى الخلق وظلمهم وعدوانهم. الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه، فلا يلتفت إليه ولا يخافه، وبذلك يندفع عنه شره. السادس: الإقبال على الله بكليته، والإخلاص له، وجعل محبة الله ورضاه والإنابة إليه في محل خواطر نفسه حتى تقهرها وتذيبها بالكلية. السابع: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلاً، فما نصر على حاسده وعدوه بمثل الصبر عليه.

стр. 3144

الثامن: الصدقة والإحسان إليه ما أمكنه، فإن لذلك تأثيراً عجيباً في دفع البلاء، ودفع العين، ودفع شر الحاسد، فما حرس العبد نعمة الله عليه بمثل شكرها. التاسع: إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه، فكلما ازداد أذى وشراً وبغياً وحسداً ازددت إليه إحساناً، وله نصيحة، وعليه شفقة، وهذا من أعظم الأسباب وأصعبها على النفس، ولا يوفق له إلا من عظم حظه من الله كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]. العاشر: تجريد التوحيد والترحل عن الفكر بالأسباب إلى المسبب العزيز الحكيم، والعلم بأن هذه الآلات بمنزلة حركات الرياح، وهي بيد محركها وفاطرها وبارئها، ولا تضر ولا تنفع إلا بإذنه كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس: ١٠٧]. وهذا السبب جامع لما سبق كله، وعليه مدار كل شيء.

стр. 3145

١٠ - آفة الغضب قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾ [الشورى: ٣٦، ٣٧]. الغضب: هو غليان دم القلب طلباَ للانتقام. وقوة الغضب محلها القلب، وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها، وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها، ولا تسكن إلا به. والغضب شعلة نار من نار الله الموقدة، وهي مستكنَّة في الفؤاد، ويستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد كاستخراج الحجر النار من الحديد، والشيطان أقدر ما يكن على ابن آدم حين يغضب. ومن نتائج الغضب الحقد والحسد، وبهما هلك من هلك، وفسد من فسد. والحلم مفتاح كل خير، والغضب مفتاح كل شر، يصير صاحبه إلى ذلة الاعتذار. وقد خلق الله سبحانه طبيعة الغضب من النار، وغرزها في الإنسان، فمهما صد عن غرض من أغراضه وحوائجه اشتعلت نار الغضب، وثارت ثوراناً يغلي به دم القلب، ثم ينتشر في العروق، ثم يرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار، وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر، فلذلك ينصب إلى الوجه فيحمر الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما ورائها من حمرة الدم. وإنما ينبسط الدم وينتشر إذا غضب الإنسان على من دونه، واستشعر القدرة عليه، فإن صدر الغضب على من فوقه، وكان معه يأس من الانتقام، تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب، وصار حزناً، ولذلك يصفر اللون. وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط، فيحمر

стр. 3146

ويصفر ويضطرب. والناس في الغضب على ثلاث درجات: تفريط .. وإفراط .. واعتدال. أما التفريط: فبفقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم، فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جداً، وقد وصف الله رسوله والمؤمنين معه بالشدة والحمية كما قال سبحانه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وأما الإفراط: فهو أن تغلب صفة الغضب حتى تخرج عن سياسة الدين وطاعته، ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر. وإذا اشتدت نار الغضب وقوى اضطرامها أَعْمَت صاحبها، وأَصَمَّته عن كل موعظة، فإذا وعظه أحد لم يسمع له، بل زاده ذلك غضباً، فينطفئ نور العقل من دخان الغضب. فمعدن الفكر الدماغ، ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر، وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه، وتسود عليه الدنيا بأسرها. ومن آثار هذا الغضب في الظاهر: تغير اللون .. وشدة الرعدة في الأطراف .. واضطراب الحركة والكلام .. وخروج الأفعال والحركات عن المعتاد .. حتى يظهر الزبد على الأشداق .. وتحمر الأحداق. وقبح باطن الغضبان أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قبحت صورة الباطن أولاً، ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانياً. وأما أثره في اللسان، فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحي منه ذو العقل الرشيد. وأما أثر الغضب على الأعضاء فالضرب والتهجم، والتمزيق والقتل والجرح

стр. 3147

عند التمكن من غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه، أو عجز عن التشفي منه، رجع الغضب على صاحبه فمزق ثوبه، ولطم نفسه، أو سقط على الأرض، أو كسر ما بيده، ونحو ذلك مما هو واقع. وأما أثره في القلب على المغضوب عليه فالحقد عليه، والحسد له، وإضمار السوء، والشماتة بالمساءات، والحزن بالسرور، والعزم على إفشاء السر، وهتك الستر، وغير ذلك من القبائح. فهذه مضار الغضب المفرط. وأما مضار الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للمحارم والزوجة، واحتمال الذل من الأخساء، وعدم الغيرة على الحرام. وأما الاعتدال: فالمحمود من الغضب هو الغضب الذي ينتظر إشارة العقل والدين، فينبعث حيث تجب الحمية، وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط بين الطرفين. فمن مال غضبه إلى الفتور، حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة، وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله، فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن رقا غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور، واقتحام الفواحش، فينبغي أن يعالج نفسه ليُنْقِص من سَوْرة الغضب، ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم، وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، فإن عجز عنه فليطلب القرب منه كما قال النبي ﷺ : «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» متفق عليه (١). فليس مَنْ عجز عن الإتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشر كله، ولكن بعض الشر أهون من بعض، وبعض الخير أرفع من بعض.

стр. 3148

والإنسان إذا أُخذ منه محبوبه غضب لا محالة، وإذا قُصد بمكروه غضب لا محالة، فمن قُصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد وأن يغضب، وكذلك إذا أُخذ منه ثوبه أو ماله أو طعامه فلا بد أن يغضب. فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها، ومن غضبٍ على من يتعرض لها. والطريق للخلاص من نار الغضب محو حب الدنيا من القلب، وذلك بمعرفة آفات الدنيا وغوائلها. والأسباب المهيجة للغضب هي: الزهو .. والعُجب .. والمزاح .. والهزل .. والهزء .. والتعيير .. والمماراة .. والغدر .. وشدة الحرص على فضول المال والجاه، ونحو ذلك من الأخلاق الرديئة المذمومة شرعاً، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب، وتزال هذه الأسباب بأضدادها: فيميت الإنسان الزهو بالتواضع .. والعجب بمعرفة ما في النفس من النقص .. والفخر بأنك من جنس عبدك .. وتزيل المزاح بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر. وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة. وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس، وبصيانة النفس عن أن يُستهزأ بك .. والتعيير يزال بالحذر من القول القبيح، وصيانة النفس عن مر الجواب. وأما شدة الحرص فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلباً لعز الاستغناء، وترفعاً عن ذل الحاجة. وإذا عرف الإنسان غوائل هذه الأخلاق الرديئة رغبت النفس عنها، ونفرت عن قبحها، فإذا واظب على مباشرة أضدادها مدة مديدة صارت بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت من هذه الرذائل،

стр. 3149

وتخلصت من الغضب الذي يتولد منها. فهذا حسم لمواد الغضب، وقطع الأسباب حتى لا يهيج، فإذا هاج الغضب فعلاجه بأمرين: العلم .. والعمل. أما العلم فيكون بمعرفة ستة أمور: الأول: أن يعلم ما في كظم الغيظ والعفو والحلم والصبر من الأجر والثواب، فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم والعفو عن التشفي والانتقام، وينطفئ عنه غيظه كما قال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. الثاني: أن يخوف العبد نفسه بعقاب الله، فيقول قدرة الله علي أعظم من قدرتي على هذا الإنسان، فلو أمضيت غضبي عليه لم آمن أن يمضي الله غضبه علي يوم القيامة أحوج ما أكون إلى العفو. الثالث: أن يحذِّر نفسه عاقبة العداوة والانتقام، وَتَشمُّر العدو لمقابلته والسعي في أذاه، فيخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا، وما يجر إليه من المصائب والعداوة. الرابع: أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب، بأن يتذكر صورة غيره عند الغضب، ويتفكر في قبح الغضب في نفسه، ومشابهة صاحبه للكلب الضاري، ومشابهة الحليم الهادي للأنبياء والعلماء والحكماء والحلماء. فيختار لنفسه ما يحمده الله والناس به. الخامس: أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام، ويمنعه من كظم الغيظ فيرده ولا يبالي به، كأن يقول له الشيطان: إن عدم الانتقام يُّحمل منك على العجز، وتصير حقيراً في أعين الناس، فيقول لنفسه: تأنفين من الاحتمال الآن، ولا تأنفين من خزي يوم القيامة إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس، ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين.

стр. 3150

السادس: أن يعلم أن غضب الله عليه يوشك أن يكون أعظم من غضبه؛ لأنه خالف مراد الله منه. وأما العمل: فأن تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اسْتَبَّ رَجُلاًنِ عِنْدَ النَّبِيِّ (، فَجَعَلَ أحَدُهُمَا يَغْضَبُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (فَقَالَ: «إِنِّي لأعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ، أعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» متفق عليه (١). فإن لم يزل بذلك فاجلس إن كنت قائماً، واضطجع إن كنت جالساً، فإن سبب الغضب الحرارة، وسبب الحرارة الحركة، والقائم والقاعد متهيئ للانتقام. فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد، أو يغتسل، فإن النار لا يطفئها إلا الماء. والسكوت حال الغضب مما يزيل أثر الشر عنه، وكظم الغيظ كذلك. والغضب إذا لزم كظمه لعجزه عن التشفي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه فصار حقداً، والحقد أن يلزم قلبه استثقاله والبغض له، والنفار عنه، وأن يدوم على ذلك ويبقى، فالحقد ثمرة الغضب. والحقد يحمل على الحسد الذي يتمنى به الحاسد زوال النعمة عن الغير، ويشمت بما أصابه من بلاء، ويؤدي إلى هجره والانقطاع عنه، وأن يعرض عنه استصغاراً له، وأن يتكلم فيه بما لا يحل من كذب وغيبة وإفشاء سر، والاستهزاء به، وإيذائه أحياناً بالضرب، ومنعه حقه من قضاء دين أو رد مظلمة، أو صلة رحم، وكل ذلك حرام. وعلاج الحقد: أن يحسن المحقود عليه إلى الحاقد بالعفو والصلة والدعاء له، والبر به: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥].

стр. 3151

وهذه الآفات إنما نشأت في النفوس، وانتشرت بين الأمة وتخلق بها الناس، حصل ذلك كله بسبب ترك الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والنصح لكل مسلم، وعدم الاستقامة على أوامر الله. فضعف الإيمان، ثم زهدت النفوس في أحسن الأعمال، ورغبت عن معالي الأخلاق، وتخلقت بأخلاق الشياطين والبهائم، ثم صارت تدعو إليها: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. ويتخلص المسلم من آفة الحقد والغل ونحوهما بما يلي: ١ - أن يذكر ما في بقاء هاتين من العداوة والمأثم وفوات الخير. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله (قال: «تُفْتَحُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلا رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَ» أخرجه مسلم (١). ٢ - أن يعلم أن العفو والإصلاح فيه خير كثير للعافي، ولا يزيد العفو العبد إلا عزاً. عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله (قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزّاً، وَمَا تَوَاضَعَ أحَدٌ لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ اللهُ» أخرجه مسلم (٢). ٣ - أن يعلم أن هذا مما يفرح به الشيطان، وهو تمزق الأمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ ... [المائدة: ٩١]. اللهم آت نفوسنا تقواها .. وزكها أنت خير من زكاها .. أنت وليها ومولاها. اللهم إنا نسألك نفوساً مطمئنة .. تؤمن بلقائك .. وترضى بقضائك .. وتصبر على بلائك.

стр. 3152

٢ - العدو الثاني: الشيطان ١ - فقه عداوة الشيطان قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ ... [فاطر: ٦]. وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ [البقرة: ٢٠٨]. لقد لعن الله الشيطان وطرده بسبب أنه عصى أمر ربه حين أمره بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وكان من الكافرين، فحقت عليه لعنة الله إلى يوم الدين كما قال سبحانه: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾ [الحجر: ٣٤، ٣٥]. ووعد الله الشيطان وذريته وأتباعه بنار جهنم يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ [الحجر: ٤٣، ٤٤]. ولما علم الشيطان أن ما حصل له من الطرد واللعن والإغواء والعذاب في جهنم، كله بسبب آدم، أعلنها حرباً صريحة على آدم وذريته من جميع الجهات، وفي جميع الأوقات، وفي جميع الأماكن، وبشتى الوسائل، مصراً على ملاحقة الإنسان ذكراً كان أو أنثى في كل لحظة: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ ... [الأعراف: ١٦، ١٧]. واختار هذا اللعين أن يزاول هذا الكيد للإنسان على المدى الطويل، واختار هذا على أن يضرع إلى الله أن يغفر له خطيئته في معصيته عياناً، وقد سمع أمره مواجهة: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ

стр. 3153

جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨]. فما أعظم عداوة الشيطان للإنسان وأصالتها وضراوتها واستمرارها. إنه سيقعد للبشرية على صراط الله المستقيم لا يمكنهم من سلوكه، وسيأتيهم من كل جهة ليصرفهم عن هداه، وهو إنما يأتيهم من ناحية نقط الضعف فيهم، ومداخل الشهوة الجاذبة كما قال لآدم (من قبل: ﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢٠، ١٢١]. فالشيطان عدو للإنسان، أما وقد نزل الإنسان والشيطان إلى الأرض، فالحرب بينهما قائمة، والمعركة مع الشيطان هي المعركة الكبرى: إنها المعركة مع الهوى باتباع الهدى .. والمعركة مع الشهوات باستعلاء الإرادة .. والمعركة مع الشر والفساد في الأرض الذي يقود الشيطان أولياءه إليه باتباع شريعة الله المصلحة للأرض ومن فيها، والمعركة في النفس والحياة الواقعية، فالشيطان وراءهما جميعاً. والطواغيت التي تقوم في الأرض لتخضع الناس لحاكميتها وشرعها ونظمها، وتستبعد حاكمية الله وشرعه، إنما هي شياطين الإنس التي توحي لها شياطين الجن، والمعركة معها هي المعركة مع الشيطان نفسه كما قال سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (١١٢)﴾ ... [الأنعام: ١١٢]. فالمعركة الكبرى الطويلة الضارية تتركز مع الشيطان ذاته .. ومع ذريته .. ومع أوليائه .. وهي حرب طويلة المدى .. لا بدَّ أن يخوضها الإنسان مع الشيطان .. وقد استعد لها الشيطان بخيله ورجله كما قال سبحانه له: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ [الإسراء: ٦٤]. والله حافظ عباده وأولياءه من كيده كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ

стр. 3154

عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء: ٦٥]. ويشعر المسلم وهو يخوض هذه المعارك مع هواه وشهواته .. وهو يخوضها كذلك مع أولياء الشيطان من الطواغيت في الأرض وأتباعهم وأذنابهم .. وهو يخوضها مع الشر والفساد والانحلال الذي ينشئونه في الأرض من حولهم .. يشعر وهو يخوض هذه المعارك كلها أنه إنما يخوض معركة واحدة جدية صارمة ضارية؛ لأن عدوه فيها مصر ماض في طريقه، وأن الجهاد من ثَمَّ ماض إلى يوم القيامة في كل صوره ومجالاته: جهاد النفس .. وجهاد الشيطان .. وجهاد الكفار .. فمُكْرَم ومهان .. ورابح وخاسر .. ومنتصر ومهزوم. فلا يقعد المسلم عن جهاد عدوه الشيطان، فهو ماض في إغوائه وإضلاله، وساع في جر الناس إلى جهنم بكل ما يغضب الله من كفر وشرك، وبدعة ومعصية: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (١١٩)﴾ ... [النساء: ١١٨ - ١١٩]. فالمشركون إنما يعبدون صورة الأوثان والأصنام، وفي الحقيقة إنما يعبدون الشيطان الذي زينها لهم وغرهم بها، وهو عدوهم الذي يريد إهلاكهم بكل ما يقدر عليه. وكما أبعده الله من رحمته ولعنه فهو يسعى في إبعاد العباد من رحمة الله، وجرهم إلى عقوبة الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦]. وقد وقع ما ظنه الشيطان بالناس فَتَبِعوه كلهم إلا القليل كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠]. فأضلهم عن العلم الإلهي .. والعمل الصالح .. وزين لهم ما هم فيه من

стр. 3155

الضلال .. ومنَّاهم أن ينالوا ما ناله المهتدون .. وهذا هو الغرور بعينه. وهذه زيادة شر إلى شر، حيث زين لهم ماهم فيه من الضلال، فعملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة، وحسبوا أنها موجبة للجنة كما غرَّ اليهود والنصارى حين أعرضوا عن دينهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾ [البقرة: ١١١]. وكما غرَّ الكفار فكفروا: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ [سبأ: ٣٥]. فما أخسر هؤلاء وهؤلاء حين أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ ... [الكهف: ١٠٣، ١٠٤]. ومن الإضلال ما زينه الشيطان لبعض الناس حتى حرَّموا ما أحل الله، وأحلوا ما حرَّم الله من الاعتقادات الفاسدة، والأحكام الجائرة ما هو من أكبر الضلال. ومن ذلك ما أغواهم به الشيطان من تغيير خلقة الرحمن بالوشم والوشر والنمص ونحو ذلك، وذلك يتضمن التسخط من خلقته، والقدح في حكمته، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن، وعدم الرضا بتقديره. وكذلك أمرتهم الشياطين بتغيير الخُلُق الباطن، فالله تعالى خلق عباده حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل، وزينت لهم الشرك والكفر، والشر والإثم، والفسوق والعصيان كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨، ١٦٩]. فالشيطان يَعِد أولياءه الفقر إذا أنفقوا في سبيل الله، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره، ويخوفهم من طاعة الله بحصول الأذى لهم، ليكسلوا عن فعل الخير، ويمنيهم الأماني الباطلة: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠].
следующие страницы →