العقيم .. وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة .. وصاحب قوم لوط حين قلبت عليهم ديارهم ثم رجموا بالحجارة .. وصاحب فرعون وقومه حين أغرقوا .. وصاحب قريش حين هزموا وهلكوا يوم بدر.
وهو صاحب كل هالك ومفتون إلى يوم القيامة.
ومن كيد الشيطان العجيب أنه يشام النفس حتى يعلم أي القوتين تغلب عليها، قوة الإقدام والشجاعة، أم قوة الإحجام والمهانة.
فإن رأى الغالب على النفس المهانة والإحجام أخذ في إضعاف همته وتثبيطه عن فعل المأمور به، وثقله عليه، ثم يهون عليه تركه حتى يتركه جملة أو يقصر فيه ويتهاون به.
وإن رأى الغالب عليه قوة الإقدام وعلو الهمة أخذ يقلل عنده المأمور به، ويوهمه أنه لا يكفيه، وأنه يحتاج معه إلى مبالغة وزيادة:
فيقصر بالأول .. ويتجاوز بالثاني .. ليبعد العبد عن سلوك الصراط المستقيم، ويسلك به صراط الجحيم.
فما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان:
إما إلى تفريط وتقصير .. وإما إلى مجاوزة وغلو.
ولا يبالي الشيطان بأيهما ظفر، وقد هلك أكثر الناس في هذين الواديين:
وادي التقصير .. ووادي المجاوزة.
وقليل منهم من يثبت على الصراط المستقيم الذي عليه الرسول ﷺ وأصحابه وأتباعه.
فقصر بقوم في حق الأنبياء وورثتهم حتى قتلوهم .. وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم.
وقصر بقوم حتى منعهم من طلب العلم الذي ينفعهم .. وتجاوز بآخرين حتى جعلوا العلم وحده هو غايتهم دون العمل به.
وقصر بقوم في خلطة الناس حتى اعتزلوهم في الطاعات كالجمعة
стр. 3187
والجماعات، والعلم والجهاد .. وتجاوز بآخرين حتى خالطوهم في الظلم والمعاصي والآثام.
وقصر بقوم عن الإتيان بواجبات الطهارة .. وتجاوز بآخرين إلى حد الوسواس، وقصر بقوم عن إخراج الزكاة .. وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا جميع ما يملكون، وصاروا كلاً على الناس.
وقصر بقوم عن تناول ما يحتاجون من الطعام والشراب واللباس حتى أضروا بأبدانهم وقلوبهم .. وتجاوز بآخرين حتى أخذوا فوق حاجتهم فأضروا بقلوبهم وأبدانهم.
وقصر بقوم حتى امتنعوا من ذبح شاة ليأكلوها .. وتجاوز بآخرين حتى جرأهم على سفك دماء الأنفس المعصومة.
وقصر بقوم حتى أطعمهم من العشب ونبات البرية دون غذاء بني آدم .. وتجاوز بآخرين حتى أطعمهم الحرام الخالص.
وقصر بقوم حتى زين لهم ترك سنة الرسول ﷺ في النكاح فرغبوا عنه بالكلية .. وتجاوز بآخرين حتى ارتكبوا الزنا والفواحش وما قدروا عليه من الحرام.
وقصر بقوم حتى جفوا العلماء والشيوخ من أهل الدين والصلاح، وأعرضوا عنهم .. وتجاوز بآخرين حتى عبدوهم مع الله تعالى.
وقصر بقوم حتى منعهم من قبول أقوال أهل العلم، وتجاوز بآخرين حتى جعلوا الحلال ما حللوه، والحرام ما حرموه.
وقصر بقوم حتى قالوا إيمان أفسق الناس وأظلمهم كإيمان جبريل وميكائيل .. وتجاوز بآخرين حتى أخرجوا الناس من الإسلام بالكبيرة الواحدة.
وقصر بقوم حتى عادَوْا أهل بيت رسول الله وقاتلوهم واستحلوا دماءهم .. وتجاوز بآخرين حتى ادعوا فيهم خصائص النبوة، وربما ادعوا فيهم الإلهية.
وقصر باليهود حتى كذبوا المسيح، ورموه وأمه بما برأهما الله منه .. وتجاوز بالنصارى حتى جعلوه ابن الله، وجعلوه إلهاً يعبد مع الله.
стр. 3188
وقصر بقوم حتى أهملوا أعمال القلوب، ولم يلتفتوا إليها، وعدوها فضلاً .. وتجاوز بآخرين حتى قصروا نظرهم وعلمهم عليها، ولم يلتفتوا إلى كثير من أعمال الجوارح.
فلا إله إلا الله كم فتن الشيطان بهذا الكيد والمكر من خلق الله؟.
ومن مكائد الشيطان أنه يأمر الغني وصاحب الجاه أن يلقوا المساكين والضعفاء وذوي الحاجات بوجه عبوس؛ لئلا يطمعوا فيهم، ويتجرؤوا عليهم، وتسقط هيبتهم من قلوبهم، فيحرمهم بذلك من محبتهم وصالح أدعيتهم.
ومن كيده أنه يغري الناس بتقبيل يد العالم أو الزاهد، والتمسح به، والثناء عليه، وسؤاله الدعاء، حتى يرى نفسه ويعجبه شأنها، فيفرح بذلك ويقع في قلبه حتى يظنه حقاً، وذلك الهلاك كله، وهو شر من أرباب الكبائر.
ومن كيده الذي بلغ به من الجهال ما بلغ الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم من السنة إلى البدعة، وخيل لبعضهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره.
فجمع لهم بكيده العظيم ومكره الخبيث بين هذا الظن الفاسد .. والتعب الحاضر .. وبطلان الأجر أو نقصه.
ومن أعظم مكايده التي كاد بها أكثر الناس ما أوحاه إلى حزبه وأوليائه من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر إلى أن عُبد أربابها من دون الله، وعُبدت قبورهم، واتخذت أوثاناً، وصورت صور أربابها فيها، ثم جعلت الصور أجساماً لها ظل، ثم جعلت أصناماً وعبدت مع الله تعالى.
يطاف عليها .. ويسجد لها .. ويصلى عندها .. وتسكب عندها العبرات .. وتشكى إليها الحاجات .. وتحلق عندها الرؤوس .. وتذبح القرابين .. ويسأل الميت فيها قضاء الحاجات .. وتفريج الكربات .. وإقالة العثرات .. وتشد إليها الرحال من جميع الجهات.
стр. 3189
فلله كم اغتال الشيطان من بني آدم، وزين لهم ما كانوا يعملون؟.
﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
ومن أعظم مكايده ما نصبه للناس ليعبدوه من دون الله من شجر أو حجر أو عين أو قبر أو غير ذلك، والأزلام للتكهن وطلب علم ما استأثر الله بعلمه، فالأزلام للعلم، والأنصاب للعمل.
فلا إله إلا الله كم خدع الشيطان بهذا العمل من البشر، وأنساهم العهد والميثاق؟.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
ومن أعظم كيد الشيطان ومكره أنه ينصب لأهل الشرك قبراً معظماً يعظمه الناس، ثم يجعله وثناً يعبد من دون الله، ثم يوحي إلى أوليائه أن من نهى عن عبادته واتخاذه عيداً فقد تنقصه وهضم حقه، فيسعى الجاهلون في قتله وعقوبته وتكفيره.
فسبحان الله كم شيد الشيطان من القبور التي تعبد من دون الله في العالم؟.
وكم غرَّ الشيطان بها كثيراً من الناس حتى عبدوه من دون الله من خلالها؟.
فوا أسفاه على النفوس والعقول التي انقادت لعدوها، وعبدته من دون الله: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١)﴾ ... [الأنعام: ٧١].
ومن مكايد عدو الله ومصايده ما كاد به من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد به قلوب الجاهلين والمبطلين من سماع المكاء والتصدية، والغناء والعزف على الآلات المحرمة، الذي يصد به القلوب عن القرآن، ويجعلها
стр. 3190
عاكفة على الفسوق والعصيان.
وسماع الغناء والعزف من الرجال محرم، أما سماعه من المرأة الأجنبية فهو أشد حرمة، وأعظم فتنة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ ... [لقمان: ٦، ٧].
ومن مكايد الشيطان التي كاد بها الإسلام وأهله.
الحيل .. والمكر .. والخداع .. الذي يتضمن تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله، وإسقاط ما فرضه الله، ومضادته في أمره ونهيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠].
ومن مكايده ومصايده ما فتن به عشاق الصور، تلك البلية العظمى التي استعبدت القلوب لغير خالقها، وملكت القلوب لمن يسومها سوء العذاب من عشاقها، ودعت إلى موالاة كل شيطان مريد.
فأوسعت القلوب محنة، وملأتها فتنة، وحالت بينها وبين رشدها ومولاها، ومحبة الصور المحرمة من موجبات الشرك، وكلما كان العبد أقرب إلى الشرك، وأبعد من الإخلاص، كانت محبته بعشق الصور أشد.
فما أعظم تلاعب الشيطان بأكثر الخلق؟.
وما أشد فتنته حيث أخرج لهم أنواع الكفر والفسوق والعصيان في كل قالب.
ومن أعظم مكايده ومصائده ما كاد به المشركين في عبادة الأصنام، وتلاعب بكل قوم على قدر عقولهم.
فطائفة دعاهم إلى عبادة الأصنام من جهة تعظيم الموتى الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، كما فعل بقوم نوح، فأطاعوه وعبدوها إما جهلاً، وإما عناداً لأهل التوحيد.
стр. 3191
فمنهم عباد الشمس .. وعباد القمر .. وعباد البقر .. وعباد الحجر .. وعباد الماء .. وعباد النبات .. وعباد النار .. وعباد النور .. وعباد الظلام.
اتخذوا لها أصناماً يصلون عندها، ويطوفون بها، ويسألونها الحاجات .. ويقرِّبون لها القرابين، ويقضون عندها الأوقات، ويشدون إليها الرحال.
وزين لهم الشيطان وأوقع في نفوسهم أن هذه الأصنام تدبر أمر العالم العلوي والسفلي، تدخل فيها الشياطين وتكلمهم وتخبرهم ببعض المغيبات، وتدلهم على بعض ما يخفى عليهم، وهم لا يرون الشياطين، فيظنون أن الصنم نفسه هو المتكلم.
فإذا سمع العابد الخطاب والكلام من الصنم اتخذه إلهاً من دون الله.
وأضل الشيطان بمكره وكيده وتلاعبه ببني آدم أكثر أهل الأرض، فهم مفتونون بعبادة الشيطان عن طريق الأصنام والأوثان، ولم يتخلص منهم إلا الحنفاء الموحدون، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢].
والأمم التي أهلكها الله بأنواع الهلاك كلهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان.
وأصل عبادة الأوثان والأصنام تشبيه المخلوق بالخالق في الإلهية حتى عبدوه من دون الله، وجعلوه نداً وعدلاً لله، يعبدونه ويسألونه كما يسألون الله ﷻ ، وزين لقوم عبادة الملائكة فعبدوهم من دون الله، ولم تكن عبادتهم في الحقيقة لهم، ولكن كانت للشياطين الذين أمروهم وزينوا لهم.
فعبدوا أقبح خلق الله، وأحقهم باللعنة والطرد والذم وهم الشياطين: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١].
فسبحان الله ما أعظم غفلة العباد، وما أشد مكر الشيطان وكيده حتى جعل طوائف من بني آدم تعبد الأحياء والأموات .. والأنبياء والملائكة .. والإنس والجن .. والنبات والحيوان .. والنور والنار .. والجبال والتراب .. والكواكب
стр. 3192
والنجوم .. والمياه والفروج: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٦، ٣٧].
فما أخطر كيد الشيطان للإنسان .. فكم أضل من العباد؟
وكم أفسد من الأفراد والأمم والشعوب؟.
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النحل: ٦٣].
واه لعبدة الأصنام والأوثان .. ماذا تعبدون من دون الله؟ .. وماذا تملك لكم هذه الأصنام والأوثان: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ ... [العنكبوت: ١٧].
وعبّاد الأصنام والأوثان وإن تآلفوا وتحابوا عليها في الدنيا، فهم يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويتبرأ كل من العابد والمعبود من الآخر كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ [العنكبوت: ٢٥].
ومن كيد الشيطان للإنسان دفعه إلى إظهار كماله، وعدم الاعتراف بتقصيره، كي يسد عليه طريق الاستغفار والاستعاذة، مثيراً فيه أنانية النفس لتدافع عن ذاتها، فلا تستغفر الله ولا تستعيذ به، فتكون أضحوكة للشيطان.
ومن اتهم نفسه رأى عيوبها وتقصيرها .. ومن اعترف بتقصير نفسه استغفر ربه: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ ... [يوسف: ٥٣].
ومن مكايده أنه يحجب بسيئة واحدة للمؤمن جميع حسناته، وبذلك تفسد الحياة، فإن الإنسان ينسى بتلقين الشيطان، وبما يكمن في جبلته من الظلم مئات من حسنات أخيه المؤمن؛ لأجل سيئة واحدة بدرت منه جهلاً أو نسياناً، فيبدأ
стр. 3193
بمعاداته، ويدخل في الآثام.
ومن مكايد الشيطان للناس أنه في أعمال الشر والفساد يزين للناس الصبر ويجعله حلواً، وفي أعمال الخير والإصلاح والدعوة والعبادة يجعل الصبر صعباً مراً.
ومن مكايده لابن آدم الحزن؛ لأن الحزن يضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [المجادلة: ١٠].
فالحزن مرض من أمراض القلب، يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره، وثواب الصبر عليه كثواب المصائب التي يُبتلى بها العبد بغير اختياره كالمرض، والألم ونحوهما.
ومن مكايده أنه يريد من الإنسان الإسراف والتبذير في أموره كلها.
فإن رآه مائلاً إلى الرحمة زين له الرحمة حتى لا يبغض ما أبغضه الله، ولا يغار لما يغار الله منه، وإن رآه مائلاً إلى الشدة زين له الشدة في غير ذات الله حتى يترك من الإحسان والبر، واللين والرحمة، ما يأمره به الله ورسوله.
ويتعدى في الشدة فيزيد في الذم والبغض والعقاب على ما يحبه الله ورسوله.
وبالإسراف والتبذير تحصل للعبد عقوبتان:
الأولى: أن الله لا يحبه؛ لأنه مسرف كما قال سبحانه: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
الثانية: أنه يصير أخاً للشيطان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧].
هذه أعظم مكايد الشيطان وشروره في الدنيا، وفساده الذي أوقعه وما يزال يوقعه ببني آدم في الدنيا.
أما في الآخرة فالأمر أعظم وأشد، فإن الشيطان إذا قضي الأمر، ودخل أهل
стр. 3194
الجنة الجنة، ودخل أهل النار النار، وقف خطيباً في أهل النار، متبرئاً منهم، قائلاً لهم: إن الله وعدكم وعد الحق على ألسنة رسله فلم تطيعوه، فلو أطعتموه لأدركتم الفوز العظيم، ووعدتكم الخير كذباً، فلن يحصل لكم ما مَنَّيتكم به من الأماني الباطلة.
وما كان لي عليكم من سلطان وحجة حين دعوتكم إلى مرادي، وزينته لكم فاستجبتم لي اتباعاً لأهوائكم وشهواتكم.
فإذا كان الأمر بهذه الصورة فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، فأنتم السبب وعليكم المدار في موجب العقاب الذي وصلتم إليه.
وما أنا بمصرخكم ومغيثكم من العذاب والشدة التي أنتم فيها، وما أنتم بمصرخيّ ولا نافعيّ، فكل له قسط من العذاب.
وأنا الآن كفرت بما أشركتموني من قبل، وتبرأت من جعلكم لي شريكاً مع الله، فلست شريكاً لله، ولا تجب طاعتي.
وقد وصلت وإياكم إلى ما يعاقب به كل ظالم في نار الجحيم، والظالمون لأنفسهم بطاعة الشيطان لهم عذاب أليم، وهم فيه خالدون أبداً .. فيا لها من عقوبة .. وما أشدها من حسرة .. إذا سمعها أولياء الشيطان منه في سواء الجحيم كما قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾ [إبراهيم: ٢٢].
والمؤمن الذي نوَّر الله بصيرته بنور الإيمان والتوحيد لا يسلَّط عليه الشيطان، وكلما قرب منه أحرقه نور الإيمان والتوحيد.
أما أصحاب الأحوال الشيطانية فيحسبهم الجاهل أولياء الرحمن، وإنما هم من أولياء الشيطان الذين أطاعوه في الشرك، ومعصية الله، والخروج عما بعث به
стр. 3195
رسله، وأنزل به كتبه، فأطاعهم في أن خدمهم بإخبارهم ببعض المغيبات، واغتر بهم مَنْ قَلَّ حظه من العلم والإيمان فوالى أعداء الله، وعادى أولياءه، وحَسَّن الظن بمن خرج عن سبيل الله وسنته، وأساء الظن بمن اتبع سنة الرسول وما جاء به.
فما أعظم تلاعب الشيطان بالمشركين حتى عبدوه وأطاعوه واتخذوه وذريته أولياء من دون الله، وسيجزي الله الشيطان وأتباعه بنار جهنم كما قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (١٢٨)﴾ [الأنعام: ١٢٨].
فالفاسق يستمتع بالشيطان بإعانته له على أسباب فسوقه من الشهوات المحرمة، والشيطان يستمتع به في قبوله منه وطاعته له، فيسره ذلك، ويفرح به منه.
والمشرك يستمتع به الشيطان بشركه به، وعبادته له، ويستمتع هو بالشيطان في قضاء حوائجه وإعانته له.
وجزاء هذا الاستمتاع المحرم الخلود في نار جهنم، فإنه وإن انقضى زمن التمتع، فقد بقي زمن العقوبة على ذلك.
стр. 3196
٥ - إفساد الشيطان لأهل الأديان
قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣].
وقال الله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل: ٦٣، ٦٤].
الشيطان عدو مبين لجميع بني آدم، فهو يغريهم ويزين لهم كل ما يضرهم ويشقيهم في دنياهم وأخراهم، ولحسده وبغضه لهم فهو يريد أن يجرهم جميعاً معه إلى النار على مستوى:
الأفراد .. والأسر .. والمجتمعات .. والشعوب .. والأمم .. والقرون.
وقد حذر الله بني آدم من اتباعه وطاعته، ولكن أكثرهم اتبعوه وأطاعوه بما زين لهم من سبل الباطل، ومراكب الشهوات والشبهات، وأضل منهم جِبلاً كثيراً، وأرداهم إلى النار كفاراً فجاراً.
فما أعظم خسارة البشرية بمعصية الرحمن، وطاعة الشيطان؟
وما أعظم غفلتهم حيث لا يتعظ اللاحق بالسابق، ولا الحاضر بالماضي؟.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
فلا بدَّ للإنسان من معرفة كيد الشيطان ومكره ليتقي شره، ويسلم من مكره وكيده، ويحذر من طاعته وتزيينه.
فمن مكر الشيطان وكيده ما زينه للمشركين من عبادة الأنوار والنيران التي يوقدونها ويعبدونها من دون الله وهم المجوس.
ومن مكره وكيده تلاعبه بالصابئة، وهم أمة كبيرة من الأمم الكبار، وهؤلاء كانوا
стр. 3197
قوم إبراهيم الخليل ﷺ وأهل دعوته، وهم بِحَرَّان، وهم قسمان:
صابئة حنفاء .. وصابئة مشركون.
والمشركون منهم يعظمون الكواكب السبعة، زين لهم الشيطان فبنوا لها هياكل مخصوصة، وهي المتعبدات الكبار كالكنائس للنصارى، والبيع لليهود.
فلهم هيكل للشمس .. وهيكل للقمر .. وهيكل للزهرة .. إلخ.
صوروها واتخذوا لها أصناماً تخصها يعبدونها، ويقرِّبون لها القرابين.
وأصل مذهب الصابئة: أنهم يأخذون بمحاسن ديانات العالم ومذاهبهم، فالحنفاء منهم شاركوا أهل الإسلام في الحنيفية، والمشركون منهم شاركوا عباد الأصنام،
وسوف يجزي الله الجميع ويسألهم عما عملوا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾ [الحج: ١٧].
والصابئة مُقِرُّون بأن للعالم خالقاً حكيماً مقدساً عن العيوب والنقائص، فالموحدون منهم عبدوه، والمشركون قالوا لا سبيل لنا إلى الوصول إلى جلاله إلا بالوسائط، وهي الكواكب التي جعلوا لها هياكل في الأرض.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [البقرة: ٦٢].
ومن مكر الشيطان وكيده تلاعبه بالدهرية الذين زين لهم الشيطان فقالوا إن العالم دائم لم يزل ولا يزال لا يتغير: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤].
وقالوا هذا العالم هو الممسك للأجزاء التي فيه، وجحدوا النبوات.
فداء التعطيل .. وداء الشرك .. وداء جحد النبوات .. وداء مخالفة الرسل .. أصل كل بلاء في العالم .. ومنبع كل شر .. وأساس كل باطل .. وقد سَرَت هذه الأدواء
стр. 3198
في قرون البشرية إلا من رحم الله.
ومن مكر الشيطان وكيده: تلاعبه باليهود حيث دعاهم إلى الشرك في حياة نبيهم موسى ﷺ حيث قالوا: ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف: ١٣٨].
فأي جهل فوق هذا؟ لذا قال لهم: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾ ... [الأعراف: ١٣٩ - ١٤٠].
لقد طلبوا من مخلوق أن يجعل لهم إلهاً مخلوقاً فما أسفه عقولهم؟ وكيف يكون الإله مجعولاً؟.
فإن الإله الحق هو الجاعل والخالق لكل ما سواه، والمجعول مربوب مخلوق فيستحيل أن يكون إلهاً.
ومن تلاعبه بهم أن زين لهم عبادة العجل من دون الله تعالى، وقد شاهدوا ما حل بالمشركين والكفار من العقوبة، وشاهدوا صانعه يصنعه ويصوغه، ويصليه بالنار، ويدقه بالمطرقة، فأي سفه للعقول فوق هذا؟.
ومن عجيب أمرهم أنهم لم يكتفوا بجعله إلههم، حتى جعلوه إله موسى، فنسبوا موسى رسول الله إلى الشرك وعبادة غير الله، بل عبادة أبلد الحيوانات وهو العجل، وجعلوه إله كليم الرحمن.
بل حتى جعلوا موسى ﷺ ضالاً مخطئاً إلهه، ذهب يطلبه وإلهه هاهنا، وهذا من أقبح تلاعب الشيطان بهم كما قالوا لموسى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٧ - ٨٩].
فتعلقوا به، وأحبوه أشد الحب، وأشربوا في قلوبهم العجل: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا
стр. 3199
لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [طه: ٩٠، ٩١].
ومن تلاعب الشيطان باليهود أن زين لهم حتى قالوا لنبيهم موسى (: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾ [البقرة: ٥٥].
وزين لهم أن واجهوا نبيهم لما دعاهم إلى القتال بأشنع الكلام حيث: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤].
ومرة يعرض عليهم العمل بالتوراة فيمتنعون من ذلك حتى نتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾ ... [البقرة: ٦٣، ٦٤].
ومرة يقال لهم: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾ ... [الأعراف: ١٦١].
فأزلهم الشيطان لأشنع القول والعمل فقالوا مستهزئين بأمر الله: حنطة في شعيرة، ودخلوا من قِبَل أستاهم، فبدلوا القول والفعل، فماذا فعل الله بهم:
﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾ ... [الأعراف: ١٦٢].
ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم كانوا في البرية قد ظلَّل الله عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، فملوا ذلك، وزهدوا في أحسن الأطعمة وأشرفها، واستهانوا بأوامر الله ونعمه، فجازاهم الله من جنس عملهم، وضرب عليهم الذلة والمسكنة كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١].
стр. 3200
ومن تلاعبه بهم أن الله سبحانه أنجاهم من فرعون وسلطانه وظلمه، وفَرَقَ بهم البحر، وأراهم الآيات والعجائب، ونصرهم وآواهم، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين، ثم أمرهم بدخول القرية التي كتب الله لهم، وبشرهم بها، فأبوا طاعته، وامتثال أمره.
وقابلوا هذا الأمر والبشارة بقولهم لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤].
فسبحان من عَظُم حلمه .. حيث يُقابل أمره بمثل هذه المقابلة .. ويواجه رسوله بمثل هذا الخطاب .. وهو يحلم عنهم ولا يعاجلهم بالعقوبة .. بل وَسِعهم حلمه وكرمه فظللهم بالغمام .. وأنزل عليهم المن والسلوى من السماء.
ومن تلاعب الشيطان بهم أن الله أمرهم أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، فتعنتوا وأكثروا الأسئلة عن البقرة، فشددوا فشدد الله عليهم، وقالوا لموسى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾ [البقرة: ٦٧].
وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله، فإنها لما تعينت لهم توقفوا في الامتثال وما كادوا يفعلون.
ومن أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١].
ومن تلاعب الشيطان بهم أن زين لهم استحلال محارم الله بأدنى الحيل، وتلاعبوا بدينه، وخادعوه، ومسخوا دينه بالاحتيال، فمسخهم الله قردة وخنازير على استحلالهم محارم الله كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ ... [الأعراف: ١٦٦].
ومن تلاعب الشيطان بهم، أنهم لما حُرمت عليهم الشحوم بسبب عدوانهم ومعاصيهم جَمَلُوها وأذابوها، ثم باعوها وأكلوا ثمنها.
ومن تلاعبه بهم أن أمرهم وزين لهم اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد.
ومن أعظم مكر الشيطان بهم وكيده لهم أن زين لهم قتل الأنبياء الذين لا تنال
стр. 3201
الهداية إلا على أيديهم، وزين لهم المعاصي التي توجب غضب الله ولعنته: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾ [البقرة: ٦١].
ومن تلاعبه بهم أن زين لهم قتل الأنبياء والاستهزاء بهم، ورد ما جاءوا به، وأمرهم باتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله كما قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾ [التوبة: ٣١].
فحرموا عليهم الحلال، وأحلوا لهم الحرام، فأطاعوهم وتلك عبادتهم إياهم.
وهذا من أعظم تلاعب الشيطان بالإنسان أن يقتل أو يقاتل من هداه الله على يديه، ويتخذ من لم تُضمن له عصمته نداً لله، يُّحرم عليه ويحلل له حسب هواه، كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢)﴾ [آل عمران: ١١٢].
ومن تلاعب الشيطان باليهود ما كان منهم في شأن زكريا ويحيى عليهما الصلاة والسلام حتى قتلوهما، ثم سلط الله عليهم من يعاقبهم.
ومن مكر الشيطان وكيده وتلاعبه باليهود ما كان منهم في شأن المسيح (، ورميه وأمه بالعظائم، وهم يعلمون أنه رسول الله، فكفروا به بغياً وعناداً، وراموا قتله وصلبه، فصانه الله تعالى من ذلك، ورفعه إليه، وطهره منهم، فأوقعوا القتل والصلب على شبهه، وهم يظنون أنه هو.
فبئس القوم الذين يقتلون أنبياء الله، ويفتخرون بقتل رسله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
стр. 3202
ولم يزل أمر اليهود بعد تكذيبهم بالمسيح وكفرهم به في سفال ونقص وذلة، إلى أن قطعهم الله في الأرض أمماً، ومزقهم كل ممزق، وسلبهم عزهم وملكهم، فلم يقم لهم مُلك بعد ذلك، إلى أن بعث الله تعالى محمداً ﷺ فكفروا به وكذبوه وحاربوه وقاتلوه.
فأتم الله عليهم غضبه، ودمرهم غاية التدمير، وألزمهم ذلاً وصغاراً لا يُرفع عنهم إلى أن ينزل أخوه المسيح بن مريم من السماء فيستأصل شأفتهم، ويطهر الأرض منهم، ومن عباد الصليب: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ ... [البقرة: ٩٠].
فالغضب الأول من الله بسبب كفرهم بالمسيح (، والغضب الثاني بسبب كفرهم بمحمد ﷺ .
ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم يزعمون أن الأحبار والرهبان إذا أحلوا لهم الشيء صار حلالاً، وإذا حرموه صار حراماً، وإن كان نص التوراة بخلافه.
وحجروا على الرب سبحانه أن ينسخ ما يريد من شريعته، وجوزوا ذلك لأحبارهم وعلمائهم، كما تكبر إبليس أن يسجد لآدم، ورأى أن ذلك يغض منه، ثم رضي أن يكون قواداً لكل عاص وفاسق.
وكما أبى عباد الأصنام أن يكون المرسل إليهم بشراً، ثم رضوا أن يكون إلههم ومعبودهم حجراً.
وكما نزهت النصارى بطارقتهم وأساقفتهم عن الصاحبة والولد، ولم يتحاشوا أن ينسبوا إلى الله الصاحبة والولد، وهو سبحانه الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ ... [الجن: ٣].
ومن تلاعب الشيطان بهذه الأمة الغضبية أنهم إذا رأوا الأمر أو النهي شاقاً عليهم طلبوا التخلص منه بوجوه الحيل.
فإن أعيتهم الحيل قالوا: هذا كان علينا لمَّا كان الملك والرياسة.
стр. 3203
ولما سلب الله اليهود ملكهم وعزهم، وأذلهم بسبب كفرهم ومعاصيهم، وقطعهم في الأرض أمماً، انتقلوا من التدبير والإفساد بالقدرة والسلطان، إلى التدبير والإفساد بالمكر والدهاء، والخيانة والخداع.
ومن تلاعب الشيطان بهم أن جعلهم ينتظرون قائماً من ولد داود النبي يزعمون أنه إذا حرك شفتيه بالدعاء مات جميع الأمم، وأن هذا المنتظر بزعمهم هو المسيح الذي وعدوا به.
وهم في الحقيقة إنما ينتظرون مسيح الضلالة الدجال، فهم أكثر أتباعه، وإلا فمسيح الهدى عيسى بن مريم ﷺ يقتلهم ولا يبقي منهم أحداً.
والمسلمون ينتظرون نزول المسيح عيسى بن مريم من السماء، الذي يكسر الصليب .. ويقتل الخنزير .. ويقتل أعداءه من اليهود .. وعُبّاده من النصارى .. ويضع الجزية .. ويدعو إلى الإسلام.
قال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» متفق عليه (١).
ومن تلاعب الشيطان بهم أن نسبوا إلى الله ما لا يليق به فقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١].
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٦٤)﴾ [المائدة: ٦٤].
وقالوا إن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم تعب فاستراح في اليوم السابع فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ
стр. 3204
أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨].
سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.
ومن تلاعب الشيطان بهم أنهم يرمون أنبياء الله ورسله بالقبائح، ويقدحون في نبوتهم، ويؤذونهم ويقتلونهم، وقد آذوا نبيهم موسى إلى ما برأه الله منه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾ [الأحزاب: ٦٩].
ومن قدحهم في الأنبياء، وكذبهم على الله، ما تقشعر له الأبدان، فقد اتهموا عيسى بن مريم بأنه ساحر .. وأنه ولد بغية .. ونسبوا أمه إلى الفجور .. ونسبوا لوطاً إلى أنه وطئ ابنتيه وأولادهما وهو سكران من الخمر .. ونسبوا يوسف ﷺ إلى أنه حل تكة سراويله .. وتكة سراويل سيدته .. وأنه قعد منها مقعد الرجل من امرأته.
ومنهم من يزعم أن عيسى كان من العلماء يداوي المرضى بالأدوية.
ويزعمون أن المسلمين أولاد زنا .. وأن شريعة محمد ﷺ متلقاة من أحبار اليهود.
وهذا وأمثاله ليس بمستنكر من أمة قدحت في معبودها وإلهها، ونسبته إلى ما لا يليق بعظمته وجلاله، ونسبت أنبياءه إلى ما لا يليق بهم، ورمتهم بالعظائم والسوءات، أن ينسبوا محمداً ﷺ إلى ذلك.
وعدواتهم له، ومحاربتهم إياه، وتكذيبهم له، وكيدهم له، كل ذلك أشهر من أن يذكر، وذلك لما تحمله قلوبهم من الكفر والحسد.
وقد خلق الله لكل باطل وبُهت حملة .. كما خلق للحق حملة .. وليس وراء بُهت اليهود بُهت: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ ... [المائدة: ١٣].
стр. 3205
ثم استمر الأمر على عهد موسى كليم الرحمن على التوحيد، إلى أن توفي موسى ﷺ ، ودخل الداخل على بني إسرائيل، وأقبلوا على علوم الكفار، وقدموها على نصوص التوراة.
فسلط الله عليهم من أزال ملكهم، وشردهم من أوطانهم، ومزقهم كل ممزق، وتلك سنة الله في عباده إذا أعرضوا عن الوحي، وتعوضوا عنه بكلام الكفار والملاحدة: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾ [الأنعام: ٤٤].
وكذلك النصارى لما أعرضوا عن دين الله سلط الله بعضهم على بعض، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].
وكما سلط الله النصارى على بلاد العرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق، واشتغل المسلمون بذلك، وهجروا كتاب ربهم، فاستولت النصارى على بلادهم، وأصاروهم رعية لهم.
وكذلك لما ظهر هذا الأمر ببلاد المشرق سلط الله عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر أهلها، واستولوا عليها، وأهانوا أهلها.
وكذلك في المائة الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الباطل والإلحاد سلط الله عليهم القرامطة الباطنية، فكسروا عسكر الخليفة عدة مرات، واستولوا على حجاج بيت الله، واستعرضوهم قتلاً وأسراً، واشتدت شوكتهم، واستقر ملكهم في مصر والشام والحجاز واليمن وغيرها.
فهذا الداء لما دخل في بني إسرائيل كان سبباً في دمارهم، وزوال ملكهم.
فلنحذر من هذا الشر لئلا يصيبنا ما أصابهم، ويحل بنا ما حل بهم.
ثم بعث الله سبحانه بعد موسى (عبده ورسوله وكلمته المسيح عيسى بن مريم (فجدد لهم الدين، وبين لهم معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده لا
стр. 3206
شريك له، والبراءة من تلك الأحداث والآراء الباطلة.
فعادوه .. وكذبوه .. ورموه وأمه بالعظائم .. وراموا قتله .. فطهره الله منهم .. ورفعه إليه.
وأقام الله للمسيح أنصاراً دعوا إلى دينه وشريعته، حتى ظهر دينه على من خالفه، ودخل فيه الملوك، وانتشرت دعوته، واستقام الأمر على السداد بعده نحو ثلاثمائة سنة.
ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركّبوا ديناً بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام.
هذا ومعهم بقايا من دين المسيح كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم بنصها.
ولما أخذ دين المسيح في التغيير والتحريف والتبديل، وظهر الفساد، وعم البلاء، اجتمعت النصارى عدة اجتماعات في أزمنة مختلفة، ثم يتفرقون على الاختلاف والتلاعن، وقول الزور والباطل.
فمرة قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم .. ومرة قالوا: إن الله ثالث ثلاثة .. ومرة قالوا المسيح ابن الله، إله حق من إله حق .. ومرة قالوا: الإله واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد.
وهم في ذلك حيارى، تائهون، ضالون، مضلون.
لا يثبت لهم قدم .. ولا يستقر لهم قول في إلههم .. بل كل منهم قد اتخذ ألهه هواه، وصرح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢)﴾ [المائدة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ
стр. 3207
أَلِيمٌ (٧٣)﴾ ... [المائدة: ٧٣].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ ... [المائدة: ٧٧].
فانظر كيف أوصل الشيطان هذه الأمة الضالة إلى الكفر والشرك والضلال والكذب: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ [المائدة: ٧٤، ٧٥].
ولقد ارتكبت النصارى محذورين عظيمين:
أحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق، وجزءاً منه، وإلهاً آخر معه، وأنفوا أن يكون عبداً له.
الثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم، وأنه نزل من كرسيه ودخل في فرج امرأة، ثم خرج من حيث دخل، رضيعاً يمص الثدي، ويبكي ويجوع، ويأكل ويشرب، ويبول ويتغوط.
ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصلبوه جهراً، وسمَّروا يديه ورجليه، وجرَّعوه أعظم الآلام، وهو الإله الحق المعبود المسجود له.
فسبحان الله .. ما أعظم هذا البهتان والكذب والافتراء على الله ورسله؟.
ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم، وبهتان عظيم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٠ - ٩٥].
стр. 3208
فما أشنع هذا الكلام الذي نسبوا فيه الإله الحق إلى ما يأنف أسقط الناس أن يفعله بعبده؟.
وكذبوا على الله في كونه تاب على آدم وغفر له خطيئته، ونسبوه إلى أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في نار الجحيم بسبب خطيئة أبيهم آدم.
ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه، حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز، حيث عجز أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة.
ونسبوه إلى غاية النقص، حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا.
فسبحان الله كم أضل الشيطان من الأمم عن دينها بمثل هذا؟.
وهل يقول بهذا عاقل سوي؟.
إنه لا يُعلم أمة من الأمم سَبَّت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، فهم عار على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
وأما شريعة النصارى ودينهم فقد تلاعب بهم الشيطان، فليسوا متمسكين بشيء من شريعة المسيح ﷺ ولا دينه البتة:
فابتدعوا .. وحرفوا .. وبدلوا .. وكتموا .. وضلوا .. وأضلوا .. وضلوا عن سواء السبيل: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ ... [النحل: ٦٣].
فابتدعوا الصلاة إلى المشرق مطلع الشمس مع علمهم أن المسيح لم يصل إلى المشرق أصلاً، بل كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس وهي قبلة الأنبياء قبله.
ومن كيد الشيطان ومكره بهم أن طوائف منهم وهم الروم وغيرهم لا يرون الاستنجاء بالماء، فيبول أحدهم ويتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة الكريهة.
стр. 3209
فيستقبل المشرق، ويصلب على وجهه، ويحدث من يليه بأنواع الحديث كذباً كان أو فجوراً، ويخبره بسعر الخمر والخنزير ونحو ذلك، ولا يضر ذلك صلاته ولا يبطلها.
ومواجهة رب العالمين بهذه العبادة قبيح جداً، وصاحبها إلى استحقاق غضبه وعقابه أقرب منه إلى رضاه وثوابه.
ومن تلاعب الشيطان بهم ما ابتدعوه من تعظيم الصليب بعد المسيح بزمان، ولا ذِكْر له في الإنجيل، وإنما ذُكِر في التوراة باللعن لمن تعلق به.
فزين الشيطان لهذه الأمة الضالة، فاتخذته معبوداً يسجدون له، ويحلفون به.
ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل، لكان ينبغي لهم أن يلعنوا الصليب من أجل معبودهم وإلههم حين صلب عليه، وأن يحرقوه حيث وجدوه، ويكسروه ويضمخوه بالنجاسة، فإنه صلب عليه إلههم ومعبودهم بزعمهم، وأهين عليه وفضح، هذا لو صح زعمهم أن المسيح صلب وأنى يصح وقد أعلن الله نجاته وسلامته ورفعه إليه: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء: ١٥٧، ١٥٨].
فبأي وجه يستحق الصليب هذا التعظيم منهم، لولا أن القوم أضل من الأنعام؟.
وإن كانوا يقصدون بتعظيمه التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم، وإغراءهم بهم فقد حصل لهم ما هو أعظم من ذلك، فقد نفروا به الأمم عن النصرانية، وعن المسيح ودينه أعظم تنفير.
وكأنهم إنما عظموه لأنه ثبت لصلب إلههم، ولم ينشق ولم ينكسر من هيبته لما حمل عليه.
ألا ما أقبح الجهل والسفه، وما أشد ضلال وجرم أولئك؟.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا
стр. 3210
كَانُوا يَصْنَعُونَ (١٤)﴾ [المائدة: ١٤].
فأي إله هذا الذي يصلب ويبصق في وجهه؟.
وأي صليب يُعظَّم ويُذْكَر، وهو مكان الخزي والعار الذي صلب عليه الإله؟.
﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
ومن مكر الشيطان وتلاعبه بهم أن زين لهم صياماً لم يأت به المسيح كالصوم الذي وضعوه لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام الحواريين، وصيام لمريم، وصيام للميلاد، وتركهم أكل اللحم في صيامهم مما أدخلوه في دين المسيح، وإلا فالمسيح يعلمون أنه كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه في صوم ولا فطر.
وأكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، بل هو مختلق مبتدع.
فسبحان الله .. كم تلاعب الشيطان بهذه الأمة الضالة كل التلاعب؟.
وكم دعاهم فأجابوه؟ .. وكم استخفهم فأطاعوه؟.
فتلاعب بهم في شأن المعبود ﷻ حتى قالوا فيه ما لم يقله أحد من العالمين.
وتلاعب بهم الشيطان في أمر المسيح .. وتلاعب بهم في أمه مريم .. وتلاعب بهم في شأن الصليب وعبادته .. وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس وعبادتها .. فلا تكاد تجد كنيسة من كنائس النصارى إلا وفيها صورة مريم، وصورة المسيح مصلوباً، وصورة جرجس وبطرس وغيرهم .. وأكثرهم يسجدون للصور، ويدعونها من دون الله تعالى.
ومن تلاعب الشيطان بهم في أعيادهم أنهم ابتدعوا أعياداً موضوعة مختلقة كعيد ميكائيل، وعيد الصليب، وعيد الفصح، وعيد الميلاد وغيرها.
وأما تلاعب الشيطان بهم في صلاتهم:
فصلاة كثير منهم بالنجاسة والجنابة، والمسيح بريء من هذه الصلاة، والله سبحانه أجل وأعلى من أن يتقرب إليه بمثل هذه الصلاة.
ومنها صلاتهم إلى المشرق، وتصليبهم على وجوههم في الصلاة، والمسيح
стр. 3211
بريء من كل ذلك، فصلاة مفتاحها النجاسة .. وتحريمها التصليب على الوجه .. وقبلتها المشرق .. وشعارها الشرك .. كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها شريعة من الشرائع البتة؟.
ولما علمت الرهبان والأساقفة أن مثل هذا الدين تنفر عنه العقول أعظم نفرة، شيدوه بالحيل والصور في الحيطان، وطلاء جدران الكنائس بالذهب وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر.
وساعدهم على ذلك ما عليه اليهود من القسوة والغلظة، والكيد والمكر، والكذب والبهتان، وما عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش، والفجور والبدع، والغلو في المخلوق، واعتقاد كثير من الجهال أن هؤلاء خواص المسلمين وصالحيهم.
فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم عليه، ورؤيتهم له أنه خير من كثير مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البدع والشرك، والفجور والفواحش.
فانظر كيف تلاعب الشيطان بهذه الأمة في أصول الدين وفروعه؟.
فجمعت بين الشرك، وعيب الإله وتنقصه، وتنقص نبيهم وعيبه، ومفارقة دينه بالكلية، فلم يتمسكوا بشيء مما كان عليه المسيح لا في صلاتهم، ولا في صيامهم، ولا في أعيادهم، ولا في سائر عباداتهم.
بل هم في ذلك أتباع كل ناعق ومبطل، أدخلوا في الشريعة ما ليس منها، وتركوا ما جاءت به.
وقالوا أساس الدين: واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، أو الواحد ثلاثة، والثلاثة واحد.
فواعجباً لأمة تضيع أوقاتها في مثل هذا الهراء والضلال والمحال؟.
وكيف يرضى عاقل أن يكون هذا مبلغ عقله، ومنتهى علمه، وأساس دينه؟.
وكيف ضحك الشيطان والقساوسة والرهبان على أشباه الأنعام فقرروا لهم ما هو محال، وإن ضربوا له الأمثال فقالوا: الثلاثة واحد، والواحد ثلاثة؟.
стр. 3212
ولم يقنعهم هذا القول في رب السموات والأرض حتى اتفقوا بأسرهم على أن اليهود أخذوه، وساقوه بينهم ذليلاً مقهوراً، ثم صلبوه وطعنوه بالحربة حتى مات، ثم دفنوه، وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام من قبره إلى السماء.
فأين عقول هؤلاء؟.
كيف كان حال هذا العالم العلوي والسفلي في هذه الأيام الثلاثة؟.
ومن كان يدبر أمر السموات والأرض وما فيهما في تلك الأيام؟.
ومن الذي خلف الرب سبحانه في تلك المدة؟.
ومن الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض والإله مدفون في قبره؟.
وكيف تمكن المخلوق من قتل الإله وصلبه ودفنه؟.
ثم أي قبر يسع إله السموات والأرض، وهو الملك القدوس الكبير المتعال؟.
وكيف تحمَّل هذا الإله الذنوب والخطايا عن البشر فليفعلوا ما شاءوا؟.
وكيف تستقر حياة الناس بلا أمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب؟.
سبحانك هذا بهتان عظيم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٨٩ - ٩٣].
فهل يليق بعاقل أن يسمع لهؤلاء؟.
وهل يليق بأمة حرفت دينها، وافترت على الله الكذب أن يقتدي العاقل بها، أو يدخل في دينها؟.
وكيف يقتدي الإنسان ويهتدي بأمة حرفت وبدلت كتاب الله وشرعه، ولعنها الله وغضب عليها؟.
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ
стр. 3213
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ [المائدة: ٧٨ - ٨٠].
فلما حصل من أهل الكتاب: اليهود والنصارى ما حصل من التحريف .. والتبديل .. والنسيان .. والكذب .. والابتداع .. والظلم .. والكتمان .. والحكم بغير ما أنزل الله .. والبهتان .. والكبر .. والإضلال .. والغلو .. والكفر .. والاستهزاء .. وقتل الأنبياء .. وسفك الدماء بغير حق .. وأكل أموال الناس بالباطل .. وتنقص الرب .. وتعطيل شرعه .. وقول الزور والبهتان في الأنبياء .. والصد عن سبيل الله.
لما حصل ذلك وغيره من أهل الكتاب ضل الناس عن طريق الهدى، وعاشوا في شقاء وعناء، فبعث الله العزيز الرحيم محمداً ﷺ رسولاً للعالمين، ورحمة للبشرية أجمعين: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾ ... [الأعراف: ١٥٧].
وأكمل الله به للبشرية دينها، وأتم نعمته عليها كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
فدينه أفضل الأديان .. وكتابه أعظم الكتب .. وشريعته أيسر الشرائع .. وأمته أفضل الأمم .. وهو أفضل الأنبياء وسيد المرسلين.
والذين كملت نعم الله عليهم هم المؤمنون به، الذين جمعوا بين معرفة الحق لذاته، والخير لأجل العمل به وهم المرادون بقوله سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].
فإن اختل قيد العمل فهم الفسقة والمغضوب عليهم، ممن أخطأ في الأعمال
стр. 3214
الظاهرة كاليهود والفساق.
وإن اختل قيد العلم فهم الضالون، ممن أخطأ في الاعتقاد من النصارى وأهل البدع.
ومن أنعم الله عليه امتنع أن يكون من المغضوب عليهم والضالين كما قال سبحانه: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ ... [الفاتحة: ٦، ٧].
وأهم المهمات للعبد أن يستنير قلبه بمعرفة الربوبية، ثم بمعرفة العبودية؛ لأنه إنما خلق لرعاية هذا العهد، وهو عبادة الله ، ولا يتم ذلك إلا بالعلم والعمل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 3215
٥ - ما يعتصم به العبد من الشيطان
قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ ... [الأعراف: ٢٠١].
الشيطان عدو للإنسان، وقد أشهر سلاحه، وأعلن عداوته للإنسان من أول يوم، وقعد على جميع الجهات التي يمر بها الإنسان، ليضل الناس عن الصراط المستقيم، ويغريهم بالكبائر والمنكرات، والفواحش والمعاصي، ليحرمهم من الجنة، ويوبقهم في النار كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ ... [فاطر: ٦].
وإذا علم العبد بعدوه فعليه أن يستعد له، ويواجهه ويقف له، ويتحصن منه لئلا يضره أو يهلكه.
وقد أخبرنا الذي علمنا بعداوة الشيطان، وهو الله تعالى، كيف نتحصن من الشيطان ونتقيه، ونحترز من شره؟.
وشرع لنا من الأدعية والأذكار ما فيه الشفاء والرحمة، والهدى والعصمة من جميع شرور شياطين الجن والإنس ومن ذلك:
الاستعاذة بالله العظيم: كما قال سبحانه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
ومنها التسمية: فالتسمية حرز من الشيطان، وعصمة من مخالطته للإنسان في طعامه وشرابه، وجماعه، ودخوله بيته، وسائر أحواله.
قال النبي ﷺ : «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيطَانُ: لا مَبيتَ لَكُمْ ولا عَشَاءَ، وإِذا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيطانُ: أَدْرَكْتُمُ المَبيتَ، وَإذَا لمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ المَبيتَ
فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦].
ومنها قراءة سورة البقرة: قال النبي ﷺ : «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ» أخرجه مسلم (١).
ومنها كثرة ذكر الله تعالى بتلاوة القرآن، والتسبيح والتحميد، والتكبير والتهليل ونحوها كما قال النبي ﷺ : «مَنْ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِأفْضَلَ مِمَّا جَاءَ إِلا رَجُلٌ عَمِلَ أكْثَرَ مِنْهُ» متفق عليه (٢).
ومنها الدعاء عند الخروج من المنزل:
قال النبي ﷺ : «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ بِسْمِ اللهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ قَالَ يُقَالُ حِينَئِذٍ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ» أخرجه أبو داود والترمذي (٣).
ومنها الدعاء إذا نزل منزلاً:
قال النبي ﷺ : «إِذَا نَزَلَ أحَدُكُمْ مَنْزِلا فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» أخرجه مسلم (٤).
ومنها كظم التثاؤب ووضع اليد على الفم:
قال النبي ﷺ : «إِذَا تَثَاوَبَ أحَدُكُمْ، فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ»
стр. 3218
أخرجه مسلم (١).
ومنها الأذان، ودعاء دخول المسجد، والخروج منه.
كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد قال: «أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ قَالَ أَقَطْ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَانُ حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ» أخرجه أبو داود (٢).
ومنها الوضوء والصلاة، ولا سيما عند الغضب والشهوة، وتجنب فضول النظر والكلام، واجتناب مساكن الجن والشياطين كالأماكن الخربة والنجسة كالحشوش والمزابل، والأماكن الخالية من الإنس كالصحاري، وشواطئ البحار البعيدة، ومرابض الإبل ونحوها.
ومنها تطهير البيوت من الصور والتماثيل والكلاب والأجراس.
قال النبي ﷺ : «لا تدخل الملائكة بيتا فيه تماثيل أو تصاوير» أخرجه مسلم (٣).
وقد أمر الله بالاستعاذة من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره، إنسياً أو جنياً أو هامة أو دابة أو ريحاً أو صاعقة، ومن أي نوع كان من أنواع البلاء فقال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾ [الفلق: ١، ٢].
فالاستعاذة من شر ما خلق تعم شر كل مخلوق فيه شر، وكل شر في الدنيا والآخرة، وشر شياطين الإنس والجن، وشر السباع والهوام، وشر النار والهواء والماء وغير ذلك.
قال النبي ﷺ : «منْ نَزَلَ مَنْزِلا ثُمَّ قَالَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ، حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» أخرجه مسلم (٤).
стр. 3219
وأمر سبحانه كذلك بالاستعاذة من شر الليل، وشر القمر، والقمر هو آية الليل وسلطانه، والليل إذا أقبل بظلمته من الشرق، ودخل في كل شيء وأظلم فهو غاسق، والقمر غاسق إذا وقب، والليل غاسق إذا أقبل بظلمته: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣)﴾ [الفلق: ١ - ٣].
والسبب الذي لأجله أمر الله بالاستعاذة من شر الليل وشر القمر إذا وقب، أن الليل إذا أقبل فهو محل سلطان الأرواح الشريرة الخبيثة، وفيه تنتشر الشياطين، وحركتهم في الليل أمكن منها لهم في النهار، وضررهم للصبيان أكثر، لفقدهم الذكر الذي يحرزهم من الشياطين ولأن النجاسة التي تلوذ بها الشياطين موجودة مع الصبيان غالباً، ولهذا قال النبي ﷺ : «إِذَا اسْتَجْنَحَ اللَّيْلُ، أوْ: جُنْحُ اللَّيْلِ، فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَخَلُّوهُمْ» متفق عليه (١).
وفي لفظ: «لا تُرسِلُوا فَواشيكُمْ وَصبيانَكُمْ إذَا غَابَتِ الشَّمْسُ» أخرجه مسلم (٢).
والليل هو محل الظلام، وفيه تنتشر وتتسلط شياطين الإنس والجن ما لا تتسلط بالنهار، فإن النهار نور، والشياطين إنما سلطانهم في الظلمات، والمواضع المظلمة على أهل الظلمة، ولهذا كان سلطان السحر وعظم تأثيره إنما هو بالليل دون النهار.
ولهذا كانت القلوب المظلمة هي محال الشياطين وبيوتهم ومأواهم، والشياطين تجول فيها، وتتحكم كما يتحكم ساكن البيت فيه، وكلما كان القلب أظلم كان للشيطان أطوع، وهو فيه أثبت وأمكن.
ومن هنا حسن الاستعاذة من رب الفلق في هذا الموضع، ولهذا استعاذ من شر الغاسق الذي هو الظلمة ومحل الشرور والظلام، بعد الاستعاذة برب الفلق الذي هو الصبح والنور، الذي يطرد جيش الظلام، وعسكر المفسدين في
стр. 3220
الأرض بالليل من جن أو إنس أو حيوان.
فيأوي كل خبيث، وكل مفسد، وكل لص، وكل قاطع طريق، إلى سرب أو كِنٍّ أو غار، وتأوي الهوام إلى جحورها، والشياطين التي انتشرت بالليل إلى أمكنتها ومحالها.
فأمر الله عباده أن يستعيذوا برب النور والصبح الذي يقهر الظلمة ويزيلها، ويكشف ويقهر عسكرها وجيشها الظالم.
والكفر والشرك كله ظلمة، ومآله إلى الظلمات، ومستقره في القلوب المظلمة والمقترن بها الأرواح المظلمة.
والإيمان كله نور، ومآله إلى نور، ومستقره في القلوب المستنيرة، والمقترن بأهله الأرواح المستنيرة المضيئة المشرقة وهم الملائكة.
والله بعث رسله ليخرج عباده من الظلمات إلى النور كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
واللص إذا رأى السراج يوقد في البيت لا يقرب منه، وإذا أنار الله قلب العبد بالإيمان، وأوقد سراج المعرفة في قلبه، فلا يمكن أن يقرب منه الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
стр. 3221
٣ - العدو الثالث: الدنيا
١ - فقه حقيقة الدنيا
قال الله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾ [الحديد: ٢٠].
الله ﵎ خالق كل شيء، خلق الدنيا والآخرة، وجعل الأولى دار الإيمان والعمل، وجعل الآخرة دار الثواب والعقاب.
والدنيا المذمومة: هي كل ما أشغل عن طاعة الله ورسوله (.
وقد عرّف الله أولياءه بغوائل الدنيا وآفاتها، وكشف لهم عن عيوبها وعوراتها ليحذروها، ولا يركنوا إليها، ولا يغتروا بزينتها.
وقد خلقها الله في صورة جميلة مليحة، تستميل الناس بجمالها، وتغرهم بزينتها، وتخدعهم بشهواتها، امتحاناً وابتلاء، ليعلم الله من يقدم أوامر الله على شهوات نفسه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
والدنيا شحيحة بإقبالها، وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها، وآفاتها على التوالي راشقة، وكل مغرور بها إلى الذل مصيره، لا يخلو صفوها عن شوائب الكدر، ولا ينفك سرورها عن المنغصات.
سلامتها تُعقب السقم، ونعيمها لا يثمر غالباً إلا الحسرة والندم، فهي خداعة
стр. 3222
مكَّارة، بينما أصحابها منها في نعيم وسرور، إذ ولت عنهم صاروا كأنهم أضغاث أحلام: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾ [يونس: ٢٤].
فالدنيا عدوة لله .. وعدوة لأولياء الله .. وعدوة لأعداء الله.
أما عداوتها لله فإنها قطعت الطريق على عباد الله، ولذلك لم ينظر الله إليها منذ خلقها، ولو كانت تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء.
وأما عداوتها لأولياء الله سبحانه فإنها تزينت لهم بزينتها، وغرتهم بزهرتها ونضارتها، وملكت قلوبهم بجمالها وشهواتها، حتى تجرعوا مرارة الصبر في مقاطعتها.
وأما عداوتها لأعداء الله فإنها استدرجتهم بمكرها وكيدها، وصادتهم بشبكتها حتى وثقوا بها، فاجتنوا منها حسرة تقطع الأكباد، ثم حرمتهم السعادة أبد الآباد، فهم على فراقها يتحسرون، ومن مكايدها يستغيثون: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾ [البقرة: ٨٦].
ومن هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلا فيها، ولا يُنال ما عنده إلا بتركها.
وكما يأكل المريض الطعام فلا يلتذ به من شدة الوجع، كذلك صاحب الدنيا لا يتلذذ بالعبادة ولا يجد حلاوتها ما دام حب الدنيا في قلبه.
والدنيا المذمومة المأمور باجتنابها هي القاطعة للعبد عن سلوك الصراط المستقيم الموصل إلى الله، وإلى رضاه، وإلى الجنة.
وما في هذه الحياة الدنيا ثلاثة أقسام:
الأول: ما يصحب العبد في الآخرة، وتبقى معه ثمرته بعد الموت، وهو شيئان: العلم .. والعمل.
فالعلم: هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، والعلم بشريعته.
стр. 3223
والعمل: هو امتثال أوامر الله في جميع الأحوال، وعبادة الله وحده لا شريك له.
الثاني: كل ما فيه حظ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلاً، كالتلذذ بالمعاصي كلها، والتنعم بالمباحات الزائدة على قدر الحاجة.
والتنعم والترفه بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والخيل المسومة والأنعام والحرث، والغلمان والجواري، والقصور والدور، ورفيع الثياب ولذائذ الأطعمة ونحوها من ألوان المتاع الذي تحبه النفوس كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
فحظ العبد من هذا كله هي الدنيا المذمومة، باستثناء ما يحتاجه من المباح.
الثالث: كل حظ في العاجل معين على أعمال الآخرة كقدر القوت من الطعام، والحاجة من اللباس والسكن، وكل ما لا بدَّ منه؛ ليتأتى للإنسان البقاء والصحة التي يتوصل بها إلى العلم والعمل الصالح.
فهذا ليس من الدنيا، فهو كالقسم الأول؛ لأنه معين على القسم الأول ووسيلة إليه، فمهما تناوله العبد على قصد الاستعانة به على العلم والعمل، لم يكن به متناولاً للدنيا، ولم يصر به من أبناء الدنيا.
وإن كان باعثه الحظ العاجل دون الاستعانة به على العلم والعمل التحق بالقسم الثاني، وصار من جملة الدنيا.
فالأول محمود .. والثاني مذموم .. والثالث حسب نية صاحبه.
وكل شيء في الدنيا يزول، ولا يبقى مع العبد عند الموت إلا أربع صفات: إيمان القلب .. وأنسه بذكر الله .. وحبه لربه .. وعمله الصالح.
وهذه الصفات هي المنجيات المسعدات بعد الموت.
فقوة الإيمان تفطم العبد عن شهوات الدنيا، وتنشطه للعمل الصالح الذي ينال به شهوات الآخرة، وتملأ قلبه بالأنس بالله، ولذة مناجاته ومحبته ونسيان ما سواه.
стр. 3224
وليس الموت عدماً، إنما هو فراق لمحاب الدنيا، وقدوم على الله تعالى.
فالقدر الذي لا بدَّ منه للحياة إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا، وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة، وإن أخذه لحظ النفس، وعلى قصد التنعم صار من أبناء الدنيا، والراغبين في حظوظها.
والرغبة في حظوظ الدنيا قسمان:
الأول: ما يُعرِّض صاحبه لعذاب الآخرة، ويسمى ذلك حراماً.
الثاني: ما يحول بين العبد وبين الدرجات العلا، ويعرضه لطول الحساب ويسمى ذلك حلالاً، فالدنيا حلالها حساب، وحرامها عذاب، ومن نوقش الحساب هلك.
عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (قَالَ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». قالتْ: قُلْتُ: ألَيْسَ يَقُولُ الله تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ [الانشقاق:٨]. قَالَ: «ذَلِكِ الْعَرْضُ» متفق عليه (١).
والدنيا قليلها وكثيرها .. وحلالها وحرامها .. كل ذلك مذموم إلا ما أعان على تقوى الله وطاعته مما أمر الله ورسوله به.
وكل من كانت معرفته أقوى كان حذره من نعيم الدنيا أشد، ولهذا زوى الله كل ما يشغل عن الآخرة من اللذات والشهوات عن الأنبياء والمرسلين والأولياء والمتقين؛ ليتفرغوا للأعمال الصالحة.
وسلط عليهم البلاء والمحن، كل ذلك امتناناً عليهم؛ ليتوفر من الآخرة حظهم، ويعظم أجرهم، كما يمنع الوالد ولده من لذة الفواكه، ويلزمه الدواء الكريه المذاق شفقة عليه وحباً له لا بخلاً عليه.
سئل النبي ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً، فقَالَ: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ
стр. 3225
ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
فالدنيا مركب الآخرة، وبها تقطع المسافة إلى الآخرة، والبدن مركب النفس، وبه تقطع مسافة العمر، فتعهد البدن بما تبقى به قوته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة لا من الدنيا، فهذه حقيقة الدنيا في حق الإنسان.
وأما حقيقة الدنيا في نفسها، فالدنيا عبارة عن أعيان موجودة، وللإنسان فيها حظ، وله في إصلاحها شغل، وقد جمع الله الأعيان التي يعبر عنها بالدنيا في قوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)﴾ [آل عمران: ١٤].
فهذه هي أعيان الدنيا السبعة، ولها مع العبد علاقتان:
الأولى: علاقة الأعيان مع القلب، وهو حبه لها، وحظه منها، وانصراف همه إليها، حتى يصير قلبه كالعبد أو المحب المستهتر بالدنيا، ويدخل في هذا جميع صفات القلب الباطنة كالكبر والرياء والعجب، وحب الثناء، وحب التكاثر، وحب التفاخر، وهذه هي الدنيا الباطنة، وأما الدنيا الظاهرة فهي الأعيان المذكورة.
الثانية: علاقة الأعيان مع البدن، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان، لتصلح حظوظه، وحظوظ غيره، وهي جملة الصناعات والحرف التي يشتغل بها الخلق.
والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين: علاقة القلب بحب الدنيا .. وعلاقة البدن بالشغل فيها.
ولو عرف العبد نفسه وعرف ربه، وعرف حكمة الدنيا وسرها، علم أن هذه الأعيان التي تسمى دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى الله تعالى،