الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته .
وهؤلاء هم الذين تُؤْمَن بهم السبل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذل بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتقام بهم الحدود، ويُدفع بهم الفساد، ويقام بهم حكم الكتاب والسنة، ويُدفع بهم شر الأعداء.
الذين يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويجاهدون في سبيل الله، وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة.
وهؤلاء الذين تُنصب لهم منابر من نور عن يمين الرحمن يوم القيامة كما قال ﷺ : «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ، عِنْدَ اللهِ، عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا» أخرجه مسلم (١).
وهم أحد الأصناف السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما قال النبي ﷺ : «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ: الإمَامُ، الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال إنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» متفق عليه (٢).
فلما كان الناس في ظل عدلهم في الدنيا كانوا في ظل عرش الرحمن يوم القيامة، ظلاً بظل جزاءً وفاقاً.
فيا لها من مرتبة ما أشرفها، ومنزلة ما أعلاها، أن يكون الوالي أو الإمام على فراشه، والناس يعملون بالخير، ويتلون القرآن، وتقوم سوق البر والأعمال الصالحة في كل مكان، وكل زمان، في كل مدينة، وكل قرية، وكل بيت، وكل مسجد، وكل سوق، وكل ذلك يكتب في صحائف حسناته، وتزداد كل وقت، ما دام يعمل بعدله، وما دام ناصحاً لرعيته.
стр. 3502
وأين هذا من الإمام الغاش لرعيته الظالم لهم، الذي قد حرّم الله عليه الجنة، وأوجب له النار.
الطبقة السادسة: المجاهدون في سبيل الله .
وهؤلاء هم جند الله الذين يقيم بهم دينه، ويدفع بهم بأس أعدائه، ويحفظ بهم دينه، وهم الغزاة الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا.
قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه، وهم شركاء لكل من يحمونه في أعمالهم التي يعملونها، وإن باتوا في ديارهم.
ولهم مثل أجور من عَبَدَ الله بسبب جهادهم وفتوحهم، فإنهم كانوا هم السبب فيه.
وقد حث الله عباده المؤمنين على الجهاد في سبيل الله، ورغبهم فيه، وأجزل لهم الأجر عليه فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠ - ١١].
وقد أثنى الله على عمار المساجد بالصلاة والطاعات بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾ [التوبة: ١٨].
وأخبر سبحانه أنه لا يستوي عنده عمَّار المسجد الحرام بالطواف والاعتكاف والصلاة وسقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله بقوله سبحانه: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾ [التوبة: ١٩ - ٢٢].
стр. 3503
فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق:
درجة العلم والدعوة .. ودرجة العدل .. ودرجة الجهاد.
وبها سبق الصحابة ﵃، وأدركوا مَنْ قبلهم، وسبقوا مَنْ بعدهم فهم السبب في وصول الإسلام إلينا .. وهم السبب في تعليم كل خير وهدى تُنال به السعادة والنجاة .. وهم أعدل الأمة فيما ولوه .. وهم أعظمهم جهاداً في سبيل الله.
والأمة تنعم في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة، فلا ينال أحد منهم مسألةَ علمٍ نافع إلا على أيديهم، ولا يسكن بقعة من الأرض آمناً إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب في وصوله إليهم.
فلهم من الأجور بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة، مضافاً إلى أجر أعمالهم.
فسبحان من يختص برحمته وفضله من يشاء: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
الطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان .
وهم أهل الإحسان إلى الناس بأموالهم على اختلاف حاجاتهم ومصالحهم من تفريج كرباتهم، ودفع ضروراتهم، وكفايتهم في مهماتهم، فهم أحد الصنفين في قوله ﷺ : «لا حَسَدَ إلا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» متفق عليه (١).
ومعناه: لا ينبغي لأحد أن يغبط أحداً على نعمة، ويتمنى مثلها إلا أحد هذين، وذلك لما فيهما من منافع، النفع العام، والإحسان المتعدي إلى الخلق، فهذا ينفعهم بعلمه، وهذا ينفعهم بماله، والخلق كلهم عباد الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعباده.
стр. 3504
وهذان الصنفان أنفع الناس لعباد الله، ولا يقوم أمر الناس ولا يعمر العالم إلا بهما.
وقد مدح الله أهل الإنفاق في سبيل الله، وأثنى عليهم، وبين عظمة أجورهم فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾ [البقرة: ٢٧٤].
وقال سبحانه: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ [البقرة: ٢٦١].
فهذه الطبقات الأربع من طبقات الأمة، هم أهل الإحسان والنفع المتعدي وهم:
العلماء والدعاة .. وأئمة العدل .. وأهل الجهاد .. وأهل الصدقة وبذل الأموال في مرضاة الله.
فهؤلاء ملوك الآخرة .. وصحائف حسناتهم متزايدة .. تملى بها الحسنات وهم في بطون الأرض .. ما دامت آثارهم في الدنيا.
فيا لها من نعمة ما أجلها، وكرامة ما أعظمها، والله يختص برحمته من يشاء، وهو أعلم حيث يجعل رسالته، والله عليم حكيم.
الطبقة الثامنة: من فتح الله له باباً من أبواب الخير القاصر على نفسه كالصلاة، والحج والعمرة، وقراءة القرآن، والصيام، والاعتكاف، والذكر وغير ذلك، مع القيام بأداء فرائض الله عليه.
فهذا قد جاهد في تكثير حسناته .. وملء صحيفته .. وإذا عمل خطيئة تاب منها إلى الله.
فهذا على خير عظيم، وله ثواب أمثاله من أعمال الآخرة، ولكن ليس له إلا عمله، فإذا مات طويت صحيفته.
فهذه طبقات أهل الربح والحظوة عند الله ﵎.
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة .
وهي طبقة من يؤدي فرائض الله، ويجتنب محارم الله، مقتصراً على ذلك لا يزيد
стр. 3505
عليه ولا ينقص منه، فلا يتعدى ما حرم الله عليه، ولا يزيد على ما فرض الله عليه.
فهذا من المفلحين إن صدَّق بضمان رسول الله ﷺ .
وقد ضمن الله لهؤلاء تكفير سيئاتهم إذا أدوا فرائضه، واجتنبوا الكبائر، فإن فعلوها وتابوا منها لم يخرجوا عن طبقتهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾ [النساء: ٣١].
وقال النبي ﷺ : «الصَّلوات الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ، مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ» أخرجه مسلم (١).
الطبقة العاشرة: طبقة من أسرف على نفسه ثم تاب ، وهؤلاء قوم أسرفوا على أنفسهم، وغَشَوْا كبائر ما نهى الله عنه، ولكن الله رزقهم التوبة النصوح قبل الموت.
فهؤلاء ناجون من عذاب الله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ ... [النساء: ١٧].
الطبقة الحادية عشرة: طبقة أقوام خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً .
فعملوا حسنات وسيئات، ولَقُوا الله مصرين عليها غير تائبين منها، لكن حسناتهم أغلب من سيئاتهم.
فهؤلاء أيضاً ناجون فائزون كما قال سبحانه: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الأعراف: ٨ - ٩].
الطبقة الثانية عشرة: قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم .
стр. 3506
فهؤلاء منعتهم حسناتهم من دخول النار، ومنعتهم سيئاتهم من دخول الجنة، وهم أهل الأعراف كما قال سبحانه: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾ [الأعراف: ٤٦].
فهؤلاء قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فيوقفهم الله على سور عال بين الجنة والنار، فيقفون هناك حتى يقضي الله فيهم بما يشاء، ثم يدخلهم الجنة بفضله ورحمته.
وما تقدم من الطبقات هم أهل الجنة الذين لم تمسهم النار.
الطبقة الثالثة عشرة: طبقة أهل المحنة والبلية .
وهؤلاء قوم مسلمون خفت موازينهم، ورجحت سيئاتهم على حسناتهم فغلبتها السيئات.
فهؤلاء يدخلون النار، فيكونون فيها على مقدار أعمالهم السيئة، فمنهم من تأخذه النار إلى كعبيه .. ومنهم من تأخذه النار إلى أنصاف ساقيه .. ومنهم من تأخذه النار إلى ركبتيه .. وهكذا.
فيبقى هؤلاء في النار على قدر أعمالهم، ثم يخرجون منها، فينبتون على أنهار الجنة، فيفيض عليهم أهل الجنة من الماء حتى تنبت أجسادهم، ثم يدخلون الجنة إذا هُذِّبوا ونُقُّوا وطُهِّروا من الذنوب.
وهم الطبقة الذين يخرجون من النار بشفاعة الشافعين، وهم الذين يأمر الله سيد الأنبياء مراراً أن يخرجهم من النار بما معهم من الإيمان.
الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية ، ولا كفر ولا إيمان.
وهؤلاء أصناف:
منهم من لم تبلغه الدعوة بحال، ولا سمع بها بخبر.
ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئاً ولا يميز.
ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئاً أبداً.
ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا، وأما أطفال المسلمين فهم
стр. 3507
في الجنة.
وأهل هذه الطبقة يمتحنون في عرصات القيامة، ويُرسَل إليهم هناك رسول، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
وبناء على هذا يكون بعضهم في الجنة، وبعضهم في النار.
قال النبي ﷺ : «أَربعةٌ يَومَ القِيامةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئاً، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الأَْصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئاً، وَأَمَّا الأَْحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ لَقَدْ جَاءَ الإْسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّي لَقَدْ جَاءَ الإسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئاً، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنِ ادْخُلُوا النَّارَ، قال: فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَسَلَاماً وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا» أخرجه أحمد (١).
الطبقة الخامسة عشرة: طبقة أهل النفاق .
وهؤلاء قوم أظهروا الإسلام ومتابعة الرسل، وأبطنوا الكفر ومعاداة الله ورسوله.
وهؤلاء المنافقون في الدرك الأسفل من النار؛ لغلظ كفرهم، وعظيم خطرهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
وإنما كان أهل هذه الطبقة وهم المنافقون في الدرك الأسفل من النار لغلظ كفرهم، فإنهم خالطوا المسلمين وعاشروهم، ووصل إليهم من معرفة الدين وصحته ما لم يصل إلى المنابذين بالعداوة، فإذا كفروا مع هذه المعرفة والعلم كانوا أغلظ كفراً، وأخبث قلوباً، وأشد عداوة لله ورسوله من غيرهم، ولهذا قال الله فيهم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [المنافقون: ٣].
стр. 3508
الطبقة السادسة عشرة: طبقة رؤساء الكفر ودعاته .
وهؤلاء هم أئمة الكفر الذي كفروا وصدوا عن سبيل الله، يصدون عباد الله عن الدخول في دين الله بالترغيب والترهيب.
فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان:
عذاب بالكفر .. وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨].
فكما أن للداعي إلى الهدى مثل أجور من اتبعه فكذلك للداعي إلى الضلال مثل آثام من اتبعه، واستجاب له.
ولا ريب أن هذا يتضاعف ويتزايد بحسب من اتبعه، وضل به، ولهذا كان فرعون وقومه في أشدالعذاب؛ لعظيم جرمهم وفسادهم كما قال سبحانه: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦].
فهؤلاء رؤساء الكفار استحقوا أشد العذاب لغلظ كفرهم .. وصدهم عن سبيل الله .. وعقوبتهم من آمن بالله .. فليس عذاب الرؤساء في النار كعذاب أتباعهم.
ولهذا كان عدو الله إبليس أشد أهل النار عذاباً؛ لأنه إمام كل كفر وشرك وشر، فما عصي الله إلا على يديه وبسببه، ثم الأخبث فالأخبث من نُوَّابه في الأرض ودعاته.
والكفر يتفاوت .. فكفر أغلظ من كفر .. وظلم أعظم من ظلم .. ومعصية أغلظ من معصية.
وكما أن الجنة درجات فكذلك النار دركات، ولكل عامل جزاؤه، ولا ظلم لأحد حين يحكم الله يوم القيامة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
ويغلظ الكفر من حيث العقيدة كمن جحد رب العالمين وكفر به، ولم يؤمن
стр. 3509
بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
ويغلظ من حيث عناد الإنسان وضلاله وكفره على بصيرة بعد معرفة الحق كقوم ثمود، وقوم فرعون، وكفر أبي جهل، وكفر اليهود بالنبي ﷺ .
ويغلظ كذلك من جهة السعي في إطفاء نور الله، وصد عباده عن دينه بما تصل إليه قدرته.
فهؤلاء أشد الكفار جرماً، وأشدهم عذاباً، وليس عذاب مَنْ دونهم ممن جهل الحق، ولم يؤذ المؤمنين، ولم يصد عن سبيل الله كهؤلاء، فمن الكفار من تجتمع في حقه الجهات الثلاث ومنهم اثنتان، ومنهم واحدة، وعلى حسب غلظ الكفر يكون العذاب.
الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفرة .
فهؤلاء بمنزلة الدواب، يعبدون ما يعبد آباؤهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
فهم لا يحاربون المسلمين ولا يؤذونهم، لكنهم لا يتبعونهم، فهؤلاء كفار جاهلون، ومن قبلهم كفار معاندون.
والمقلد الذي تمكن من العلم ومعرفة الحق فأعرض عنه يختلف عن المقلد الذي لم يتمكن من ذلك بوجه.
والقسمان واقعان في الوجود:
فالمتمكن المعرض مفرط، تارك للواجب عليه، ولا عذر له عند الله.
أما العاجز عن السؤال والعلم، الذي لا يتمكن من العلم بوجه فهم قسمان أيضا:
أحدهما: مريد للهدى مؤثر له محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم من يرشده، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.
الثاني: معرض لا إرادة له، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه.
ففرق بين عجز الطالب، وعجز المعرض.
стр. 3510
فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفاراً، فهم في النار جميعاً، الذين اتَّبعوا، والذين اتُّبِعوا، كما قال سبحانه عن الأتباع أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾ [الأعراف: ٣٨].
الطبقة الثامنة عشرة: طبقة الجن .
والجن منهم المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر كما قال سبحانه إخباراً عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ ... [الجن: ١٤، ١٥].
وكفار الجن في النار كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ ... [السجدة: ١٣].
فالجن مكلفون بشرائع الأنبياء، يجب عليهم طاعتهم كما يجب على الإنس، ومؤمنهم في الجنة، وكافرهم في النار، وهم مكلفون بالشريعة الإسلامية، مأمورون منهيون، مثابون ومعاقبون.
فالمحسن منهم في الجنة كالإنس، والمسيء في النار كالإنس كما حكى الله عن مؤمنيهم أنهم قالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (١٣)﴾ [الجن: ١٣].
فهذه طبقات المكلفين من الثقلين: الجن والإنس في الدار الآخرة، وكل طبقة منها لها أعلى، وأدنى، ووسط، وهم درجات عند الله:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾ ... [الأحقاف: ١٩].
وقال النبي ﷺ في قصة الإسراء: «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا ألْوَانٌ لا أدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ، فَإذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ» متفق عليه (١).
стр. 3511
وقال ﷺ : «إنَّ أحَدَكُمْ إذَا مَاتَ، عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ، وَإنْ كَانَ مِنْ أهْلِ النَّارِ فَمِنْ أهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (١).
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا.
اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل.
اللهم إنا نسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، ونسألك الدرجات العلى من الجنة.
اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك .. وبعفوك من عقوبتك .. وبك منك لا نحصي ثناءً عليك .. أنت كما أثنيت على نفسك.
стр. 3512
١٢ - دار القرار
قال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ ... [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾ [التوبة: ٦٨].
الله ﵎ خالق كل شيء .. خلق الدنيا والآخرة .. وخلق الجنة والنار .. وجعل الجنة دار أوليائه .. وجعل النار دار أعدائه.
وجعل الدنيا دار تكميل الإيمان والأعمال .. وجعل الجنة دار تكميل الشهوات واللذات .. وجعل النار دار العذاب والعقوبات.
خلق سبحانه الجنة وجعلها داراً للثواب لمن آمن به وأطاعه.
وخلق النار وجعلها داراً للعقاب لمن كفر به وعصاه.
وجعل الخير كله بحذافيره في الجنة، ففيها من النعيم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
نعيم برؤية الرب الرحيم، وسماع كلامه، ورضوانه، ونعيم بما أعده الله لعباده المتقين من المساكن والقصور، وألوان الطعام والشراب، والحور العين، والجنات والبساتين.
وجعل سبحانه العذاب كله بحذافيره في النار، فكل شر وبلاء وعذاب وعقاب جمعها الله للكفار والعصاة في النار.
وقَسَّم سبحانه العذاب والنعيم في الآخرة على الأبدان والأرواح.
فللأبدان نعيم .. وللأرواح نعيم .. وكذلك للجسد عذاب وللروح عذاب.
فمن نعيم الجسد كل ما تشتهيه الأنفس، وتلتذ به من الطعام والشراب، وثمرات النخيل والأعناب، ومن الشراب أنهار الخمر والعسل واللبن والماء.
стр. 3513
ومن نعيم الروح رؤية الرب ﷻ ورضاه والقرب منه.
ومن عذاب الجسد ما يعذَّب به أهل النار من النار التي تحرق أجسامهم، والحميم الذي يقطِّع أمعاءهم، والطعام الكريه المر الذي تعافه النفوس من الزقوم والغسلين والضريع.
ومن الشراب الماء الحميم، والصديد الكريه كما قال سبحانه: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾ [إبراهيم: ١٦، ١٧].
وتعذب أرواحهم بالصَّغار والإهانة، وتحجب أبصارهم عن رؤية الله، وعذاب الاحتجاب عن الله، وإهانته لهم، وغضبه عليهم وسخطه، والبعد عنه، أعظم عليهم من التهاب النار في أجسامهم وأرواحهم كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ [المطففين: ١٥، ١٦].
والدنيا دار العمل، والآخرة دار الجزاء، لكن لا ينقطع العمل والسؤال إلا بعد دخول دار القرار: في الجنة أو النار.
أما في البرزخ، وعرصات القيامة فلا ينقطع ذلك كسؤال الملكين الميت في قبره، ودعوة الخلائق إلى السجود لله يوم القيامة، وامتحان المجانين، ومن مات في الفترة.
ثم يحكم الله بين العباد حسب إيمانهم وكفرهم وأعمالهم، فريق في الجنة .. وفريق في السعير.
قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ ... [الحج: ٥٦، ٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 3514
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
وسيكون الحديث عن الجنة وعن النار من كتاب مَنْ خلقها وخلق ما فيها، وخلق أهلها، وهو الله سبحانه.
ومن سنة مَنْ دخلها، ووطئت أقدامه أرضها، وهو محمد ﷺ على ضوء ما ورد في القرآن الكريم، والسنة الصحيحة.
نسأل الله أن يرزقنا الجنة دار النعيم، والنجاة من النار دار الجحيم، إنه سميع مجيب.
стр. 3515
١ - صفة الجنة
قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ ... [البقرة: ٢٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
الله ﵎ جعل الدنيا دار الإيمان والعمل والابتلاء، وجعل الآخرة دار الثواب لمن أطاعه، ودار العقاب لمن عصاه.
وجعل الجنة دار أوليائه، وجعل النار دار أعدائه.
فالجنة طيبة طاب نعيمها، فهو باق لا يبيد، وهو صاف عن كل شوب، لا يمازجه كدر، ولا يعرض له عطب ولا عفن.
ومن أجل أن الجنة طيبة، كانت دار الطيبين، فلا يدخلها إلا من صلح وطاب من الخَلْق كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ [النحل: ٣٢].
وقال سبحانه: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ ... [الزمر: ٧٣].
* أسماء الجنة:
الجنة واحدة في الذات، متعددة الصفات، وهي اسم لدار النعيم المطلق الكامل، وهذه أشهر أسمائها:
١ - دار السلام: لأن أهلها سالمون من كل مكروه، لا يمسهم فيها نَصَب ولا وَصَب، ولا هم ولا حزن، فهي دار السلام من كل بلية وآفة ومكروه كما قال
стр. 3516
سبحانه: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٧)﴾ [الأنعام: ١٢٧].
وهو سبحانه السلام الذي سلَّمها من الآفات والنقص، وسلَّم أهلها من كل آفة ونقص، السلام الذي يسلِّم على أهلها كما قال سبحانه: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].
وتسلم عليهم الملائكة كما قال سبحانه: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].
وتحية أهلها السلام كما قال سبحانه: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾ [إبراهيم: ٢٣].
وكلام أهلها كله سلام، لا لغو فيها، ولا فحش، ولا باطل: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦].
٢ - جنة المأوى: التي يأوي إليها الأبرار من عباد الله كما قال سبحانه: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [السجدة: ١٩].
٣ - دار الخلد: لأن أهلها خالدون فيها أبداً، لا يظعنون عنها أبداً كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾ [الفرقان: ١٥].
٤ - دار المقامة: التي يقيم فيها أهلها أبداً، لا يموتون ولا يتحولون منها أبداً كما قال سبحانه حكاية عن أهلها: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٤، ٣٥].
فأهلها يرغبون في الإقامة فيها لكثرة خيراتها، ودوام مسراتها، وكمال نعيمها: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ ... [الكهف: ١٠٨].
٥ - جنة عدن: فأهلها باقون فيها مقيمون كما قال سبحانه: ﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ
стр. 3517
لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٤٩، ٥٠].
٦ - دار الحيوان: فهي دار الحياة التي لا موت فيها أبداً، وهي دار الحياة الدائمة التي لا تفنى ولا تنقطع ولا تبيد كما قال سبحانه: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ [العنكبوت: ٦٤].
ففي الجنة الحياة الكاملة التي من لوازمها أن تكون أبدان أهلها في غاية القوة، وقُوَاهم في غاية الشدة؛ لأنها أبدان خلقت للحياة الدائمة، وأن يكون فيها كل ما تكمل به الحياة، وتتم به اللذات من مفرحات القلوب، وشهوات الأبدان من المآكل والمشارب، والملابس والمناكح، والمراكب والمساكن، وغير ذلك مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
٧ - جنة الفردوس: وهو أعلى الجنة وأفضلها، والفردوس هو البساتين التي تجمع كل ما في البساتين من الأشجار.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ ... [الكهف: ١٠٧، ١٠٨].
٨ - جنات النعيم: التي فيها كل نعيم ظاهر وباطن كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾ ... [لقمان: ٨].
٩ - المقام الأمين: الذي يأمن فيه الإنسان من كل سوء وآفة ومكروه، الذي جمع صفات الأمن كلها، فهو آمن من الزوال والخراب، وأنواع النقص، وأهله آمنون من الخروج والنغص والنكد.
قد جمع الله فيه أمن المكان بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ [الدخان: ٥١].
وأمن الطعام بقوله: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾ [الدخان: ٥٥].
فلا يخافون انقطاع الفاكهة، ولا سوء عاقبتها ومضرتها، ولا يخافون الخروج من الجنة، ولا يخافون الموت فهم خالدون في النعيم أبداً.
* مكان الجنة:
أما مكان الجنة فهو في السماء كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ
стр. 3518
سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥)﴾ [النجم: ١٣ - ١٥].
وسدرة المنتهى فوق السماء، ينتهي إليها ما ينزل من عند الله فيُقبض منها، وينتهى إليها ما يُعرج به من الأرض فيُقبض منها.
وقال الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢].
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإِذَا سَألْتُمُ الله فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري (١).
* عدد أبواب الجنة:
عدد أبواب الجنة ثمانية.
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ ... [الزمر: ٧٣].
وقال النبي ﷺ : «فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ، فِيهَا باب يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لا يَدْخُلُهُ إِلا الصَّائِمُونَ» متفق عليه (٢).
وقال النبي ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأ فَيُبْلِغُ (أوْ فَيُسْبِغُ) الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِلا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ» أخرجه مسلم (٣).
* أسماء أبواب الجنة:
قال النبي ﷺ : «مَنْ أنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ، نُودِيَ مِنْ أبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّلاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ
стр. 3519
الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ».
فَقال أبُو بَكْرٍ ﵁: بِأبِي أنْتَ وَأمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأبْوَابِ كُلِّهَا؟. قال: «نَعَمْ، وَأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنْهُمْ» متفق عليه (١).
* سعة أبواب الجنة:
قال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ! إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ لَكَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرٍ، أوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» متفق عليه (٢).
وعن عتبة بن غزوان ﵁ قال: ذُكِرَ لَنَا أنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ» أخرجه مسلم (٣).
*الأيام والأوقات التي تفتح فيها أبواب الجنة في الدنيا هي:
يوم الإثنين .. ويوم الخميس .. وإذا دخل رمضان .. وعند الوضوء.
قال النبي ﷺ : «تُفْتَحُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الإثنَيْن، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلا رَجُلاً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» أخرجه مسلم (٤).
وقال ﷺ : «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» متفق عليه (٥).
وقال رسول الله ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ يَتَوَضَّأ فَيُبْلِغُ (أوْ فَيُسْبِغُ) الْوَضُوءَ ثُمَّ
стр. 3520
يَقُولُ: أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، إِلا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ، يَدْخُلُ مِنْ أيِّهَا شَاءَ» أخرجه مسلم (١).
وأهل الجنة إذا دخلوا الجنة، لم تغلق أبوابها عليهم .. بل تبقى مفتحة كما هي كما قال سبحانه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾ ... [ص: ٥٠، ٥١].
فتبقى أبواب الجنة مفتحة؛ لأنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلى غلق الأبواب .. ولكي يتبوأ أهل الجنة منها حيث شاؤوا .. ويذهبون ويجيئون متى شاؤوا .. وتدخل عليهم الملائكة منها كل وقت بالتحف والألطاف من ربهم .. ويدخل عليهم منها ما يسرهم كل وقت.
* أول من يدخل الجنة:
وأول من يدخل الجنة سيد الأولين والآخرين محمد ﷺ .
قال رسول الله ﷺ : «آتِي باب الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أنْتَ؟ فَأقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أمِرْتُ لا أفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ» أخرجه مسلم (٢).
وقال ﷺ : «أنَا أكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأنَا أوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ» أخرجه مسلم (٣).
وأول الأمم تدخل الجنة أمته ﷺ :
قال النبي ﷺ : «نَحْنُ الآخِرُونَ الأوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ» متفق عليه (٤).
فهذه الأمة أسبق الأمم خروجاً من الأرض .. وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف .. وأسبقهم إلى ظل العرش .. وأسبقهم إلى الفصل والقضاء بينهم .. وأسبقهم إلى الجواز على الصراط المستقيم .. وأسبقهم إلى دخول الجنة ..
стр. 3521
وأول من يدخل الجنة من هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁.
وأول زمرة يدخلون الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ أوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، لا يَبُولُونَ وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَتْفِلُونَ وَلا يَمْتَخِطُونَ، أمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الأُلُوَّةُ -الألنْجُوجُ، عُودُ الطِّيبِ -وَأزْوَاجُهُمُ الْحُورُ الْعِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أبِيهِمْ آدَمَ، سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ» متفق عليه (١).
وقال ﷺ : «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا، أوْ سَبْعُ مِائَةِ ألْفٍ (لا يَدْرِي أبُو حَازِمٍ أيَّهُمَا قال) مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لا يَدْخُلُ أوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ» متفق عليه (٢).
ويسبق الفقراء الأغنياء في دخول الجنة.
وتختلف مدة السبق بحسب أحوال الفقراء والأغنياء، فمنهم من يسبق بأربعين سنة، ومنهم من يسبق بخمسمائة سنة، كما يتأخر مكث العصاة في النار بحسب جرائمهم، لكن لا يلزم من سبق الفقراء في الدخول ارتفاع منازلهم على الأغنياء.
قال النبي ﷺ : «إِنَّ فُقَرَاءَ المهاجرين يَسْبِقُونَ الأغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأرْبَعِينَ خَرِيفًا» أخرجه مسلم (٣).
وقال ﷺ : «يَدْخُلُ فُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِنِصْفِ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُ مِائَةِ عَامٍ». أخرجه أحمد والترمذي (٤).
стр. 3522
* صفة وجوه أهل الجنة:
أما صفة وجوه أهل الجنة فهي:
بيضاء .. ناعمة .. ناضرة .. مسفرة .. ضاحكة .. مستبشرة.
قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠)﴾ [الغاشية: ٨ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ ... [المطففين: ٢٢ - ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩)﴾ [عبس: ٣٨، ٣٩].
وقال النبي ﷺ : «أوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى آثَارِهِمْ كَأحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ وَلا تَحَاسُدَ» متفق عليه (١).
* درجات الجنة:
وهي من الكثرة والتفاوت بحيث لا يعلم عظمها وتباهيها إلا الله ، ودرجات الجنة بعضها فوق بعض.
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٥، ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
كَأنَّهُ آذَانُ الْفُيُولِ، فِي أصْلِهَا أرْبَعَةُ أنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَسَألْتُ جِبْرِيلَ فَقال: أمَّا الْبَاطِنَانِ فَفِي الْجَنَّةِ، وَأمَّا الظَّاهِرَانِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ» متفق عليه (١).
وقال ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً، يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ مَا يَقْطَعُهَا» متفق عليه (٢).
وقال النبي ﷺ : «مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» أخرجه الترمذي (٣).
* صفة أنهار الجنة:
وأنهار الجنة كثيرة منوعة .. أنهار من ماء غير متغير لا بمرارة ولا بكدورة، بل هو أعذب المياه وأصفاها .. وأطيبها ريحاً .. وألذها شرباً.
وأنهار من لبن لم يتغير طعمه بحموضة ولا غيرها .. وأنهار من خمر لذة للشاربين .. وأنهار من عسل مصفى من شمعه.
وأنهار الجنة تجري على وجه الأرض في غير أخاديد .. وهي أنهار مطَّردة دائمة الجريان .. تجري بأنواع مختلفة من الأشربة .. بينها من التفاوت في الطعم والشكل ما لا يعلمه إلا الله .. تَفَجَّر من جبال المسك، حصباؤها اللؤلؤ، وطينتها المسك الأذفر، إحدى حافتيها اللؤلؤ، والأخرى الياقوت.
قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ [محمد: ١٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ
стр. 3538
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١)﴾ ... [البروج: ١١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ ... [الكوثر: ١، ٢].
وقال النبي ﷺ : «بَيْنَمَا أنَا أسِيرُ فِي الْجَنَّةِ، إِذَا أنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِباب الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ، الَّذِي أعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِيبُهُ، أوْ طِينُهُ، مِسْكٌ أذْفَرُ» أخرجه البخاري (١).
وقال النبي ﷺ : «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلا يَظْمَأُ أبداً» متفق عليه (٢).
وقال النبي ﷺ : «سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أنْهَارِ الْجَنَّةِ» أخرجه مسلم (٣).
وقال النبي ﷺ : «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أعَدَّهَا الله لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كُلُّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ، فَإِذَا سَألْتُمُ الله فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري (٤).
* صفة عيون الجنة:
وعيون الجنة كثيرة .. مملوءة بما لذ وطاب من أنواع الشراب، ويفجرها عباد الله متى شاءوا.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ [الحجر: ٤٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ ... [الإنسان: ٥، ٦].
стр. 3539
وقال الله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨)﴾ [المطففين: ٢٧، ٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠)﴾ ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦)﴾ ... [الرحمن: ٥٠، ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ [الإنسان: ١٧، ١٨].
* صفة نساء أهل الجنة:
عرائس الجنة .. وخيراتها الحسان .. كأنهم البدر ليلة التمام .. قاصرات الطرف على أزواجهن .. فلا يطمحن إلى غيرهم؛ لحسنهم عندهن .. وقَصَرْنَ طَرْفَ أزواجهن عليهن .. فلا يدعهم حسنهن وجمالهن أن ينظروا إلى غيرهن.
فهن حور حسان قد بلغن الكمال في الحسن والجمال .. فلا يرى فيهن عيب ولا نقصان وكملت محاسنهن حتى ليحار الطرف فيهن من رقة الجلد .. وصفاء الألوان .. حتى ليرى مخ سوقهن من وراء ثيابهن .. ويرى الناظر وجهه في خد إحداهن كما ترى الصورة في المرآة: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ [الرحمن: ٥٨].
ولا تسل عن جمال العيون .. ففيها كل السحر والفتون .. قد زانها الحور .. شدة بياض في شدة سواد: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾ [الصافات: ٤٨، ٤٩].
وهن حمر الخدود .. فخدودهن أصفى من لون الورد .. وثغورهن كأنها اللؤلؤ المنضود .. وأجسامهن تكاد تتفجر شباباً وصحة وامتلاء .. فهي بيضاء باكرها النعيم .. وجرى ماؤه في غصنها الناعم الرخيم.
وقدها كالغصن الرطيب في حسن القوام .. ونساء الجنة كلهن كواعب ونواهد .. ثدياها قد بعدا عن بطنها فليسا بلاصقين فيه.
وأما أعناقهن فذات طول وجمال .. في بياض واعتدال .. فهن مثل كؤوس الفضة .. وكفاهما ألين من الزبد مجسّاً .. وأنعم من الحرير ملمساً.
стр. 3540
وأما ريحها فنوافح المسك .. يفوح أريجه من فمها وثيابها، حتى يتضوع به المكان من حولها طيباً ومسكاً.
وأما جسمها فأشد نعومة من الحرير.
وأما اللون ففي صفاء الياقوت في بياض المرجان: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ ... [الرحمن: ٥٨].
وأما كلامها فيسلب اللب بحسن أنغامه .. وجمال تطريبه الذي يفوق كل لحن .. وكل صوت .. قد كمل حسنها وجمالها .. فهي أحسن شيء صورة .. وكملت خلائقها فلا يصدر عنها إلا كل جميل من عفة وشرف .. وطاعة للزوج .. وتحبب إليه .. وقَصْرٍ للطرف عليه .. ومناجاته بأحب الكلام إليه .. الشمس تجري في محاسن وجهها .. والليل تحت ذوائب شعرها الأسود الجميل .. قد جمعت ملاحة الصورة .. وطيب الرائحة .. وحسن المودة .. وحسن التبعل والتغنج.
ونساء الجنة أعراب .. أسنانهن متماثلة .. بنات ثلاث وثلاثين سنة .. وهي سن الشباب والنضارة: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٨].
ونساء الجنة كلهن أبكار .. وكل منهن لا يفتض بكارتها إلا محبوبها الذي اختصه الله بها كما قال سبحانه: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ [الرحمن: ٥٦].
ويعطى الرجل من أهل الجنة قوة مئة رجل من أقوى أهل الدنيا في الجماع .. وكلما جامعها عادت بكراً ولذة أحسن من ذي قبل.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قيل يا رسول الله: هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: «إنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ في اليَوْمِ إلى مائة عَذْراءَ» أخرجه الطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في صفة الجنة (١).