← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 3606–3625 · переход к 3611.

стр. 3606

فما أحسن تدبر القرآن، والاتعاظ بمواعظه، والتأدب بآدابه، والعمل بسننه وأحكامه، والتفكر في معاني آياته: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]. والدواء كله يدور على أصلين: حمية من الضار .. وحفظ الصحة بتناول الطيبات. فإذا وقع التخليط احتاج الإنسان إلى الاستفراغ الموافق، فمدار الطب على هذه القواعد الثلاث. والحمية حميتان: حمية عما يجلب المرض، وهذه حمية الأصحاء. وحمية عما يزيد المرض، وهي حمية المرضى، فالمريض إذا احتمى وقف مرضه. وكذلك الاستقامة تقوم على أصلين: فعل الأوامر .. واجتناب النواهي. فإذا قصر العبد في فعل الأوامر، وارتكب المناهي، احتاج مع هذا التخليط إلى الاستفراغ بالتوبة النصوح لتزول عنه ذنوبه، ويعود إلى حاله. والله أكرم هذه الأمة بهذا الدين، وجهد سيد المرسلين، فهي خير الأمم على الإطلاق، وخير الناس للناس. فدينها أحسن الأديان كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ ... [النساء: ١٢٥]. وكتابها أحسن الكتب كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾ [الزمر: ٢٣]. ورسولها سيد الخلق كما قال ﷺ : «أنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ

стр. 3607

عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأوَّلُ شَافِعٍ وَأوَّلُ مُشَفَّعٍ» أخرجه مسلم (١). والدعوة إلى الله أحسن أعمالها كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾ [فصلت: ٣٣]. وهم أحسن الأمم على الإطلاق كما قال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠]. فلله الحمد والشكر حيث أكرم هذه الأمة بأحسن الأديان .. وأحسن الأقوال .. وأحسن الأعمال .. وأحسن الأخلاق .. وشرف هذه الأمة بأحسن الوظائف وأشرفها وهي الدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. والله ﵎ أعطانا أعظم شيء في خزائنه وهو الإيمان والتوحيد، وطلب منا القيام بالأعمال الصالحة التي تصلح بها حياتنا في الدنيا والآخرة. لكن العمل بلا يقين كالجسد بلا روح لا فائدة فيه، واليقين أن تعتقد أن جميع الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة بيد الله وحده لا شريك له. والتائه الضال إذا طلعت الشمس عرف الطريق وميز الحجر من الذهب، والحية من الحبل، وكذا إذا جاء نور الإيمان ميز الإنسان الحق من الباطل، بين الدنيا والآخرة، وآثر ما يبقى على ما يفنى، ورأى كل شيء على حقيقته، وقدم ما يحبه الرب على ما تحبه النفس. والقلب إذا زاد فيه نور الإيمان أناب إلى الله، وأحب الطاعات وكره المعاصي. والإيمان يزيد بالطاعات، والدعوة إلى الله، وبالدعوة تنزل الهداية على الخلق،

стр. 3608

لكن الباطل لا ينكسر إلا بالتضحية بكل شيء من أجل إعلاء كلمة الله. والإيمان والتوحيد والعبادة حق الله على العباد .. فينبغي تذكيرهم دائماً بهذا الحق جميعاً .. ليؤدوا هذه الأعمال والوظائف لله رب العالمين كما تؤديها جميع الكائنات والمخلوقات لله وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ ... [الحج: ١٨]. وحقيقة الدين اليقين على ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله .. وعلى دينه وشرعه .. وعلى وعده ووعيده. وإذا جاء هذا اليقين تغيرت العواطف كلها من المخلوق إلى الخالق، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن العادات إلى السنن. وجميع المخلوقات في قبضة الله .. فلا يكون شيء إلا بإذنه وعلمه .. ولا يتحرك شيء إلا بأمره .. ولا يسكن إلا بأمره .. فله سبحانه الخلق كله .. وله الأمر كله كما قال سبحانه: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤]. وكما أن أعضاء الإنسان كلها لا تتحرك إلا بوجود روحه، فكذلك هذا العالم وما فيه كالخردلة بيد الله لا يبقى ولا يتحرك ولا يسكن إلا بأمره سبحانه. والقلوب محل نظر الرب سبحانه، وليس لقلوب العباد سرور ولا لذة تامة إلا بمعرفة الله ومحبته والتقرب إليه بما يحب، ولا تكون محبته خالصة إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه. والإنسان عند طلب العلم الشرعي لا بدَّ أن يرى الله ويعلم أنه طالب راغب فيما عند الله، ثم الله ينفعه بما علم. والأنبياء والصحابة عندهم فقه الدين، وأكثر الناس عندهم فقه الدنيا والشهوات، ولذلك صارت عندهم الغيرة على الدين أن ينقص؛ لأنهم اجتهدوا عليه، وضحوا بكل شيء من أجله.

стр. 3609

ونحن عندنا الغيرة على الدنيا والشهوات أن تنقص؛ لأننا اجتهدنا على ذلك، وكل قلب اشتغل بشيء جاءت عنده العواطف لتحصيله وتكميله. وإذا ضعف الإيمان سعى الناس لجمع الأموال وتكميل الشهوات، وانصرفوا عن تقوية الإيمان، وتكميل الأعمال الصالحة كما قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]. والله خلقنا لعبادته، وتكميل الإيمان والأعمال الصالحة، والأخلاق والسنن والواجبات، لا لتكميل الأموال والشهوات والأشياء كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. فكل من أكمل محبوبات الله في الدنيا من الإيمان والتقوى، والعدل والإحسان، والصبر والتوبة، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، فالله يكمل محبوباته في الدنيا بالحياة الطيبة وفي الآخرة بالثواب الجزيل في الجنة كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. وقيمة الإنسان بصفاته لا بذاته، ففي المخلوقات من هو أكبر منه وأقوى منه، ولا قيمة لأحد عند الله إلا بالإيمان والأعمال الصالحة فقط، فمن جاء بذلك أكرمه الله بالجنة يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧، ١٠٨]. وكما يحتاج الإنسان كل يوم إلى الطعام والشراب لصلاح بدنه، كذلك يحتاج إلى الإيمان والأعمال الصالحة لصلاح قلبه.

стр. 3610

ولا بدَّ لكل مسلم من أمرين: العلم .. والذكر. فالعلم لتحسين صورة العمل .. والذكر لترغيب النفس في العمل، والإكثار منه بذكر فضائله وحسن ثوابه. وقد أمرنا الله بتعلم أحكام الدين ليكون العمل موافقاً لما جاء به الرسول ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. وأمرنا سبحانه بتذكير الخلق بربهم وخالقهم ورازقهم .. تذكيرهم بعظمة الله ليعظموه .. وتذكيرهم بنعمه وإحسانه ليشكروه .. وتذكيرهم بدينه وشرعه .. وأمره ونهيه ليعبدوه ويطيعوه .. وتذكيرهم بما أعد لهم من الثواب والعقاب ليقبلوا على طاعته، ويحذروا من معصيته كما قال سبحانه: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ [الذاريات: ٥٥]. وقد أمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يُذكِّر بالله وآياته وشرعه كما قال سبحانه: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ٩ - ١٩]. فعلى كل مسلم أن يُذكِّر بهذه الأوامر الحسنة، والأخبار الصادقة، فهذه أوامر في كل شريعة، وهي هامة لكونها عائدة إلى مصالح الدارين، وهي مصالح في كل زمان ومكان. وبالإيمان والتوحيد والتذكير تطمئن القلوب بذكر الله .. وتنشط الجوارح لطاعة الله .. وتتحرك الألسنة بذكره وحمده وشكره. والإيمان درجات، وهو يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. وإذا ضعف الإيمان ضعفت الأعمال وقلَّت، فيمكن أن تؤدى به العبادات

стр. 3611

كالصلاة والصيام، والذكر وتلاوة القرآن ونحوها. أما حسن الأخلاق مع البشر، وحسن المعاملات، وحسن المعاشرات، فلا تكمل إلا بالإيمان الكامل، والإيمان الكامل لا يأتي إلا بالمجاهدة والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وبعد بذل الجهد لإعلاء كلمة الله تأتي الهداية كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فعلينا أن نؤدي الأمانة .. ونستقيم على أوامر الله .. ونقوم بالدعوة إلى الله بالأسباب إن وجدت، وبدون الأسباب إن لم توجد، والله يفتح لنا البركات، ويعطينا من خزائنه لنصرة دينه كما أمد المسلمين في غزوة بدر بالملائكة، وأنزل عليهم النصر مع قلة عددهم وعدتهم كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)﴾ [آل عمران: ١٢٣]. وللاستفادة من قدرة الله ومن خزائن الله طريق واحد فقط هو الإيمان والتقوى بامتثال أوامر الله على طريقة رسول الله ﷺ كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦]. وشريعة الله للبشر منذ عهد آدم إلى بعثة النبي محمد ﷺ إنما هي جزء من تشريعه للكون، فالمخلوقات كلها تسير وفق أوامرالله الكونية، وأوامرالله الشرعية خاصة بالمكلفين من الإنس والجن، فمن شاء آمن، ومن شاء كفر، ومدار الثواب والعقاب على ما اختار العبد لنفسه. فالأوامر الكونية والشرعية كلها من الله وحده، وطاعة الأوامر الشرعية سبب للفوز والفلاح، ومخالفة الأوامر الشرعية سبب للخسارة والهلاك كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ

стр. 3612

مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣، ١٤]. والدين خطوتان: خطوة للعبادة .. وخطوة للدعوة .. وحياة النبي شيء .. وجهد النبي شيء آخر .. فحياة النبي ﷺ هي العبودية لله في جميع الأوقات والأحوال كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣]. تارة بين المخلوق والخالق بالعبادة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ [المزمل: ١ - ٤]. وتارة بين المخلوق والمخلوق بالدعوة إلى الله كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ [المدثر: ١ - ٥]. وأصحاب النبي ﷺ ورثوا عنه حياته وجهده، وقاموا مع رسول الله بذلك حتى انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ورضي الله عنهم ورضوا عنه كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ ... [التوبة: ١٠٠]. وكثير من الناس يحب حياة النبي (، ويترك جهد النبي (في الدعوة والنصح للأمة، ولا فلاح ولا نجاة إلا بهذا وهذا كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣]. والكفار من شياطين الإنس والجن يكرهون حياة النبي (، وجهد النبي (، ويحاربون بكل وسيلة من يقتدي بالنبي، ويقوم بجهد النبي، فهؤلاء لهم الشقاء في الدنيا والعذاب الشديد يوم القيامة كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾ [النحل: ٨٨]. ومن سمع الحق وعارضه وقاومه ولاه الله في الدنيا ما يتجهز به لنار جهنم كما

стр. 3613

قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥]. إن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلموا حياة النبي (بكافة جوانبها في جميع الأحوال، ويتعلموا جهد النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، ويستعملوا جميع الصلاحيات والطاقات لنشر الهداية والدعوة إلى الله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾ [الشورى: ١٥]. وبذلك يرضى الله عنا .. وتنزل الهداية .. والرحمة .. والنصر .. ويستجاب الدعاء .. وتحصل العزة. وبسبب دعوة النبي ﷺ في مكة دخل الناس في دين الله أفراداً .. وبعد كمال التضحية دخل الناس في دين الله أفواجاً. وبسبب ضعف الإيمان وترك الدعوة بدأ الناس يخرجون من الدين أفراداً ثم أفواجاً، وصارت الأمة تخاف من المخلوق ولا تخاف من الخالق، وتخاف من بطش الرؤساء والأمراء، ولا تخاف من بطش العزيز الجبار الذي له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء قدير. وحين كانت الأمة قائمة بالدعوة إلى الله كانت كل يوم تنزل الهداية، ويزيد الإيمان، ويظهر الحق ويزهق الباطل وينزل النصر، وتحصل البركات، وتنتشر الهداية. فالعابد ميدانه نفسه .. والداعي ميدانه نفسه وكل الناس .. وكلاهما مطلوب لكن البحر لا يقارن بالقطرة. والداعي يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، والعالم يعلم الناس كيف يعبدون الله، والعابد هو الذي سَلَّم قلبه وجوارحه لربه. فطوبى لمن رزقه الله ذلك كله، والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل

стр. 3614

العظيم: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. والدنيا لها جهد .. والدين له جهد، ولا بد من القيام بهما معاً لتصلح أحوالنا في الدنيا والآخرة، فللدنيا أسباب وللآخرة أسباب، لكن ينبغي العمل لكل واحدة بقدر بقائنا فيها، والدنيا بالنسبة للآخرة لا تساوي شيئاً. والصحابة ﵃ لما عرفوا ذلك قدموا جهد الدين على جهد الدنيا فنزلت الهدايات، وجاءت المنافع والبركات والفتوحات. والأمة الآن لما قدمت جهد الدنيا على جهد الدين أغلقت أبواب الهداية، وأصابتها الذلة، وحلت بها المصائب، وانتشرت فيها المعاصي، وتسلط عليها الأعداء. إنه من العجيب حقاً، بل من المؤسف حقاً، أن تقف الأمة ضد مرتكب الجريمة في شأن المخلوق كالقاتل والسارق ولا تقف ضد مرتكب الجريمة في شأن أحكم الحاكمين بالكفر والشرك والبدع والمعاصي. فلا تهتز قلوبها لرحمته .. ولا تنطق ألسنتها بدعوته .. ولا تتحرك جوارحها لهدايته وإرشاده إلى الصراط المستقيم. والله ﵎ خلق الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨]. والله له مراد من عبده كما أن للعبد مراد من ربه .. ومراد الرب من عبده لمصلحة العبد .. فالله غني عن العالمين كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥]. كما أن مراد العبد من ربه لمصلحته هو كذلك كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩]. فأما مراد الله من الخلق فسبعة أمور هي: الأول: الإيمان والتوحيد كما قال سبحانه: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا

стр. 3615

وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾ [التغابن: ٨]. الثاني: العبادة كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧]. الثالث: تعلم العلم الإلهي وتعليمه كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩]. الرابع: طاعة الله ورسوله في كل أمر كما قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢]. الخامس: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ [آل عمران: ١٠٤]. السادس: الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله كما قال سبحانه: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ ... [البقرة: ١٩٣]. السابع: الاستغفار والتوبة من الخطأ والتقصير كما قال سبحانه: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾ [هود: ٩٠]. هذا أعظم ما يريده الله من عباده، فإذا حقق العباد مراد الله منهم بالإيمان والتوحيد .. وعبادة الله وحده لا شريك له .. وتعلم دينه وشرعه وتعليمه .. وطاعة الله ورسوله في كل أمر .. والدعوة إلى الله .. والأمر بالمعروف .. والنهي عن المنكر .. والجهاد في سبيل الله .. وكثرة الاستغفار والتوبة من الخطأ والتقصير. إذا حقق العباد ذلك أكرمهم الله تعالى بسبع كرامات هي أعظم مراد الخلق من ربهم وهي:

стр. 3616

الأول: الهداية إلى الصراط المستقيم كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩]. الثانية: الحياة الطيبة في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧]. الثالثة: رضا الله عنهم كما قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]. الرابعة: دخولهم الجنة كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢]. الخامسة: رؤية الرب في الجنة كما قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. السادسة: القرب من الرب في الجنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ ... [القمر: ٥٤، ٥٥]. السابعة: سماع كلام الرب وسلامه في الجنة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧) سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٥ - ٥٨]. ألا ما أعظم هذه الكرامات .. وما أعلى هذه الدرجات .. وما أحسن هذه التشريفات .. وما أكمل هذه المقامات. فمن أراد هذا كله كاملاً موفراً فليحقق مراد الله منه، ليهنأ بما يريده من ربه ويتمناه لنفسه، ويسعد به إلى الأبد بالهداية إلى الصراط المستقيم .. والحصول على رضوان ربه .. والفوز بالجنة .. والنجاة من النار .. ورؤية ربه في الجنة .. والقرب منه .. وسماع كلامه .. والخلود الدائم في هذا النعيم المقيم كما قال

стр. 3617

سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾ ... [البينة: ٧، ٨]. يا حسرة على البشرية كم ضلت وأضلت وشقيت باتباع غير منهج الله؟. يا حسرة على الإنسانية حين قادها العُمْي والشياطين وأضلوها عن سواء السبيل، وساقوها صراط الجحيم. فهي كافرة بربها .. راكعة لهواها وشهواتها .. عاصية لخالقها .. مطيعة لعدوها .. تطيع الشيطان .. وتكفر بالرحمن: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦]. فواعجباً للبصير الذي نَوَّر الله قلبه بالإيمان كيف يهتدي ويقتدي بالعمي الذين لا يبصرون، وأهل الجهل الذين لا يعلمون: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾ [الرعد: ١٩]. فليس الفلاح والنجاة إلا بالحق، واتباع أهل الحق من الرسل والأنبياء وأتباعهم. والذين لا يستجيبون لهذا الحق هم بشهادة الله سبحانه عمي لا يتفكرون ولا يعقلون، والذين يستجيبون له هم أولو الألباب، وهؤلاء هم الذين تطمئن قلوبهم بذكر الله، وتستجيب لطاعته، وتستلذ بمحبته وعبادته وامتثال أوامره، وتسكن لذلك وتستريح. وإن الإنسان ليجد مصداق قول الله هذا في كل من يلقاه من الناس معرضاً عن ربه وعن هذا الحق الذي جاء به في صورته الكاملة محمد رسول الله ﷺ . فإن هي إلا جبلات مطموسة .. وقلوب منكوسة .. وكائنات معطلة لا تشعر بعبودية المخلوقات لربها، وتسبيحها بحمده .. ولا تحس بطاعة الوجود كله لربه، وهو يسبح بحمده، وينطق بوحدانيته ويخضع لقدرته وتدبيره وتقديره كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ

стр. 3618

صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ [النور: ٤١]. وإذا تقرر أن الذين لا يؤمنون بهذا الحق عمي بشهادة الله فإنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله ورسوله، ويؤمن بأن هذا القرآن وحي من عند الله، أن يتلقى في أي شأن من شئون الحياة عن أعمى. سواء في عباداته أو معاملاته أو معاشراته، أو أخلاقه أو نظام حياته. فلا يليق بمسلم قط يعرف هدى الله، ويعرف هذا الحق الذي جاء به رسول الله أن يقعد مقعد التلميذ الذي يتلقى من أي إنسان لم يستجب لهذا الهدى، ولم يعلم أنه الحق، فهو أعمى بشهادة الله .. ولن يرد شهادة الله مسلم .. ثم يزعم بعد ذلك أنه مسلم: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ ... [المائدة: ٥٠]. فكل نتاج فكري غير إسلامي ينظم حياة الناس ما عدا العلوم المادية البحتة كل ذلك من الجاهلية، واقتداء بالعمي، ورد لشهادة الله، وهو كفر بواح لمن اهتدى به. ومن العجيب أن من الناس من يزعم أنه مسلم، ثم يأخذ في منهج الحياة البشرية عن الشرق أو الغرب، من الذين يقول الله عنهم أنهم عمي، ثم يظل يزعم أنه مسلم. إن هذا الدين حق لا باطل فيه .. جد لا هزل فيه .. كامل لا نقص فيه .. وحق في كل آية فيه .. وكل نص فيه .. وكل كلمة فيه. فمن لم يجد في نفسه هذا اليقين، وهذا الجد، وهذه الثقة، فما أغنى هذا الدين عنه، وما أجدره بالعقوبة كما قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ [البقرة: ٨٥]. فلا يجوز للمسلم أن يزهد بدينه، ولا ببعض أحكام دينه، ولا أن يثقل الواقع الجاهلي على حس المسلم حتى يتلقى من الجاهلية في منهج حياته، وهو يعلم

стр. 3619

أن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق، وأن الذي لا يعلم أن هذا هو الحق أعمى، ثم يتبع هذا الأعمى ويتلقى عنه، بعد شهادة الله ﵎. إن هناك علاقة وثيقة بين الصلاح الذي يعم حياة البشر في هذه الأرض، وبين أولي الألباب الذين يؤمنون بالحق ويعملون به ويدعون إليه: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾ [الرعد: ٢٠ - ٢٤]. كما أن هناك علاقة متينة بين الفساد الذي يصيب حياة البشر في هذه الأرض، وبين أولئك العمي عن الحق الذي جاء من عند الله لهداية البشر إلى الحق والخير والصلاح كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. فالذين يعلمون أن الإسلام هو الحق ويستجيبون له هم الذين يُصلحون في الأرض، وتزكو بهم الحياة. كما أن الذين لا يستجيبون لعهد الله على الفطرة، ولا يستجيبون للحق الذي جاء من عند الله، ويعلمون أنه وحده الحق، هم الذين يفسدون في الأرض. إن الفوز والنجاة، والسعادة والفلاح، لا يمكن أن تحصل للبشرية إلا بالإسلام الذي ارتضاه للبشرية ديناً إلى يوم القيامة. وحياة الناس لا تصلح قطعاً إلا بأن يتولى قيادتها المبصرون أولو الألباب الذين يعلمون أن ما أنزل إلى محمد ﷺ هو الحق. ومن ثم يوفون بعهد الله على الفطرة .. وبعهد الله على آدم وذريته أن يعبدوا الله وحده .. فيدينوا له وحده ولا يتلقوا عن غيره .. ويطيعون ربهم ولا يتبعوا إلا أمره

стр. 3620

ونهيه .. ومن ثم يَصِلون ما أمر الله به أن يوصل .. ويخشون ربهم فيخافون أن يقع منهم ما نهى عنه وما يغضبه .. ويخافون سوء الحساب فيجعلون الآخرة في حسابهم في كل خالجة وكل حركة .. ويصبرون على الاستقامة على عهد الله ودينه بكل تكاليف الاستقامة .. ويتصلون بربهم بإقامة الصلاة على الدوام لربهم تعظيماً له وتكبيراً وحمداً وشكراً وسؤالاً واستغفاراً .. وينفقون مما رزقهم الله في سبل مرضاته سراً وعلانية .. ويدفعون السوء والفساد في الأرض بالصلاح والإحسان. فما أعظم هذه الأصول .. وما أحسن هذه الصفات .. وما أصلح أهلها .. وما أجل ما يقدمونه لربهم من تعظيم وحمد وطاعة .. وما أعظم ما يحسنون به إلى أنفسهم وللبشرية من منافع وخير وصلاح: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٨]. إن حياة الناس في الأرض لا تصلح قطعاً إلا بمثل هذه القيادة المبصرة التي تسير على هدى الله وحده، والتي تصوغ الحياة كلها وفق منهجه وهديه، وتستن بجميع ما جاء به رسوله ﷺ . وتنشأ عن هذه القيادة المبصرة الاستقامة والعزة، والهداية والأمن، والسعادة في الدنيا والآخرة كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢]. إن الأمم لا تصلح أبداً بالقيادات الضالة العمياء التي لا تعلم أن ما أنزل على محمد ﷺ هو الحق وحده، والتي تتبع مناهج أخرى غير منهج الله الذي ارتضاه لعباده الصالحين. إنها لا تصلح بمناهج الشرق أو الغرب، ولا تصلح بأي منهج قومي أو قبلي أو

стр. 3621

عالمي من نتاج البشر. إن هذا كله من مناهج العمي الذين لا يعلمون أن ما أنزل على محمد هو الحق وحده، الذي لا يجوز العدول عنه ولا التعديل فيه. إنها لا تصلح بالقسوة والبطش والظلم .. ولا تصلح بالحرية والتميُّع .. وإطلاق الشهوات كالبهائم والأنعام. فكل هذه المناهج سواء في كونها من مناهج العمي الذين يقيمون من أنفسهم أرباباً من دون الله، ويفعلون ما يشاؤون. فيضعون مناهج الحكم ومناهج الحياة حسب أهوائهم .. ويُشرِّعون للناس ما لم يأذن به الله .. ويلزمون الناس بتنفيذه والعمل به .. ولو لم يأذن به الله .. ولو كان يُغضب الله .. ولو كان يشقى به الناس في الدنيا والآخرة، فما أشد جرم من صرف الناس عن هدى الله وأضلهم عنه بغير علم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ ... [القصص: ٥٠]. وآية هذا .. وبسبب قيادة العمي .. وطاعة العمي .. وتشريع العمي .. ودعوة العمي .. حل بالبشرية هذا البلاء العظيم .. وانفجر فيها هذا الفساد الطامي الذي يعم وجه الأرض .. وهذه الشقوة النكدة التي تعانيها البشرية في مشارق الأرض ومغاربها .. وتلك سنة الله التي لا تتبدل كما قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦]. إن المؤمن حقاً يرفض بحكم إيمانه بالله وعلمه بأن ما أُنزل على محمد هو الحق كل دين غير دين الله .. وكل منهج للحياة غير منهج الله .. وكل شرع ومذهب ومنهج غير المنهج الوحيد .. والمذهب الوحيد .. والشرع الوحيد الذي سنه الله وارتضاه للصالحين من عباده.

стр. 3622

ومجرد الاعتراف بشرعية منهج أو وضع أو حكم من غير الله هو بذاته خروج من دائرة الإسلام لله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥]. وهذا الاعتراف فوق أنه يناقض مفهوم الإسلام، هو في الوقت ذاته يسلم الخلافة في هذه الأرض للعمي الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل، ويفسدون في الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرعد: ٢٥]. فهذا الفساد العظيم الذي حصل للبشرية في أنحاء الأرض مرتبط كل الارتباط بقيادة العمي: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧)﴾ [النساء: ٢٧]. ولقد شقيت البشرية في تاريخها كله، وما زالت تتخبط بين شتى الشرائع وشتى المناهج وشتى الأوضاع التي جَرَّت البشرية إلى كل بلاء وفتنة وشر، بقيادة أولئك العمي الذين يخدعون الناس بلباس أردية الفكر والعلم والحرية والوعود الكاذبة على مدار القرون. ولا سعادة للبشرية في الدنيا والآخرة إلا أن تفيء إلى أمر الله .. إلى المنهج الرباني .. إلى الإيمان بالله ورسوله .. إلى طاعة الله ورسوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ ... [النساء: ٦٦ - ٧٠]. إن مسئولية كل مسلم ومسلمة أربعة أعمال، وهذه الأعمال هي مجموع وظائف الدين وهي: تعلم الدين .. والعمل بالدين .. وتعليم الدين .. والدعوة إلى الدين.

стр. 3623

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤]. فيا سعادة من هو عابد لربه: ﴿قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩]. ويا سعادة من هو داع إلى الله وإلى دين الله وشرعه في مشارق الأرض ومغاربها، حتى يُعبد الله وحده لا شريك له. وما أعلى درجات من هو معلِّم لدين الله في جميع أوساط المسلمين، ليعبد الناس ربهم على بصيرة. وما أعظم حسنات من أنفق ماله في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله. ويا بشرى لكل من جاهد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله. ويا بشرى لكل من بادر للقيام بالأعمال الصالحة ابتغاء وجه ربه الأعلى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ ... [البقرة: ٢٥]. هذا ما ندعو إليه .. وهذا ما نحبه لأنفسنا .. وهذا ما نحبه لكل إنسان إلى يوم القيامة: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢]. وكل ما نحبه ونرجوه أن يصلح الله أحوال الأمة في الدنيا .. وأن يسكنهم الجنة في الآخرة .. وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ [هود: ٨٨]. اللهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].

стр. 3624

﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣]. ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧)﴾ [آل عمران: ١٤٧]. ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾ [النمل: ١٩]. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ [نوح: ٢٨]. ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١]. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧]. «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، أنْتَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ الْحَقُّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ، وَبِكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَأسْرَرْتُ وَأعْلَنْتُ، وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لا إِلَهَ إِلا أنْتَ» متفق عليه (١). «اللَّهُمَّ! إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أنْتَ، فَاغْفِرْ لِي

стр. 3625

مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» متفق عليه (١). «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» أخرجه أحمد والترمذي (٢). «أشْهَدُ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبّاً وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا وَبِالإِسْلامِ دِينًا» أخرجه مسلم (٣). سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. تم الفراغ منه بفضل الله وعونه وتوفيقه يوم الإثنين السادس عشر من شهر رجب من عام ١٤٢٧هـ.