بالمريد ولا بالمتكلم ولا بالشائي، لانقسام تلك الأسماء.
والخلق غير المخلوق، فالخلق فعل الخالق ، والمخلوق مفعوله.
وأفعال الله نوعان: متعد .. ولازم.
فالفعل المتعدي: كالخلق والرزق والإعطاء.
واللازم: مثل الاستواء والنزول والمجيء.
كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة: ٤].
فذكر سبحانه الفعلين المتعدي واللازم وهما الخلق والاستواء، وكلاهما حاصل بمشيءته وقدرته، وهو متصف به.
والمضاف إلى الله نوعان:
أحدها: صفات لا تقوم بنفسها كالعلم والقدرة، والسمع والبصر، والكلام، فهذه إضافة صفة إلى الموصوف بها كقولنا: قدرة الله، كلام الله.
الثاني: إضافة أعيان منفصلة عنه كالبيت والناقة، والعبد والرسول ونحوها، فهذه إضافة مخلوق إلى خالقه، لكنها إضافة تقتضي التخصيص والتشريف كقولنا: رسول الله، بيت الله، ناقة الله.
وأسماء الله كلها حسنى، وهي لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد.
وقد أخبر النبي ﷺ عما يوجب دخول الجنة منها فقال: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلا وَاحِداً، مَنْ أحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» متفق عليه (١).
ومعنى إحصاء أسماء الله، هو الإحاطة بها لفظاً، وفهمها معنىً، والتعبد لله بمقتضاها.
ولا يتم الإيمان بأسماء الله إلا بثلاثة أمور:
الإيمان بالاسم اسماً لله .. والإيمان بما تضمنه من صفة .. والإيمان بما تضمنه
стр. 387
من أثر وحكم.
فالعليم مثلاً من أسماء الله، فنؤمن بالعليم اسماً لله، ونؤمن بما تضمنه من صفة العلم، ونؤمن بالحكم المترتب على ذلك، وهو أنه يعلم كل شيء.
ومن أسماء الله ما يختص به وحده مثل الله، الرحمن، رب العالمين ونحوها.
ومنها ما لا يختص به وحده فيسمى به هو، ويسمى به غيره كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: ٢].
وقال سبحانه عن النبي ﷺ : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ ... [التوبة: ١٢٨].
وأسماء الله ثلاثة أقسام:
الأول: ما سمى الله به نفسه، وأنزله في كتابه، فتعرف به إلى عباده.
الثاني: ما سمى الله به نفسه، وأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به كتابه.
الثالث: ما استأثر الله به وانفرد بعلمه من أسمائه وصفاته، فلم يطلع عليه أحداً من خلقه كما قال النبي ﷺ في حديث الشفاعة: «ثُمَّ يَفْتَحُ اللهُ عَلَيَّ وَيُلْهِمُنِي مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شيءاً لَمْ يَفْتَحْهُ لأَحَدٍ قَبْلِي» متفق عليه (١).
والله ﵎: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
فهو سبحانه الأول فلا شيء قبله، وهو الآخر فلا شيء بعده، وهو الظاهر فلا شيء فوقه، وهو الباطن فلا شيء دونه.
أحاطت أوليته وآخريته بالزمان كله، وأحاطت ظاهريته وباطنيته بالمكان كله،
стр. 388
فهو سبحانه محيط بكل ظاهر وباطن، كما أنه محيط بالأوائل والأواخر.
وأسماء الله الحسنى تقتضي آثارها اقتضاء الأسباب التامة لمسبباتها.
فاسم (السميع والبصير) يقتضي مسموعاً ومبصراً.
واسم (الرزاق والرحمن) يقتضي مرزوقاً ومرحوماً.
واسم (التواب والغفور) يقتضي وجود عاص يتوب عليه، ومسيء يغفر له، وهكذا في بقية الأسماء.
ولا بدَّ من ظهور أثر الأسماء في العالم:
فإذا فرضنا أن الحيوان بجملته معدوماً، فمن يرزق الرازق سبحانه؟
وإذا كانت المعصية والخطيئة منتفية من العالم، فلمن يغفر الغفور؟ وعمن يعفو العفو؟ وعلى من يتوب التواب؟.
وإذا فرضنا الفاقات كلها قد سدت، والعبيد أغنياء معافون، فأين السؤال والتضرع؟، وأين الإجابة وشهود الفضل والمنة؟
والله أجود الأجودين .. وأكرم الأكرمين .. وأرحم الراحمين .. سبقت رحمته غضبه .. وكتب على نفسه الرحمة .. يحب الإحسان والجود، والعطاء والبر.
فالفضل كله بيده، والخير كله منه، والجود كله له، وأحب ما إليه أن يجود على عباده، ويوسعهم فضلاً، ويغمرهم إحساناً وجوداً، ويتم عليهم نعمته، ويتحبب إليهم بنعمه وآلائه، فهو سبحانه الجواد لذاته، وجود كل جواد من جوده.
ومحبته سبحانه للجود والإعطاء والإحسان فوق ما يدور ببال الخلق .. وفرحه سبحانه بعطائه وجوده أشد من فرح الآخذ بما يعطاه .. ولكن الآخذ غائب بلذة أخذه عن لذة المعطي وسروره وابتهاجه.
والله ﵎ جميل في ذاته، وجميل في أسمائه وصفاته وأفعاله، فهو ﷻ الجواد لذاته، كما أنه الحي لذاته، وجوده العالي من لوازم ذاته.
والعفو أحب إليه من الانتقام .. والرحمة أحب إليه من العقوبة .. والفضل أحب
стр. 389
إليه من العدل، والعطاء أحب إليه من المنع.
خلق الإنسان ومن عليه بالنعم، وفضله على غيره، وأنزل إليه كتبه، وأرسل إليه رسله، واعتنى به ولم يهمله، فهو يتقلب في نعمه في جميع أحواله.
فإذا تعرض العبد لغضب ربه، وارتكب مساخطه وما يكرهه، وأبعد منه، ووالى عدوه وتحيز إليه، وقطع طريق نعمه وإحسانه إليه، فقد استدعى من الجواد الكريم الرحيم خلاف ما هو موصوف به من الجود والإحسان والبر، وتعرض لإسخاطه وإغضابه وانتقامه، وأن يصير غضبه وسخطه في موضع رضاه، فاستدعى بمعصيته من أفعاله ما سواه أحب إليه منه.
وبينما هو كذلك آبق شارد عن سيده ومولاه، منهمك في موافقة عدوه، إذ عرضت له فكرة، فتذكر بر سيده وعطفه وجوده وكرمه، وعلم أنه لا بد له منه، وأن مصيره إليه، وعرضه عليه، وإن لم يقدم عليه بنفسه، قدم به عليه على أسوإِ الأحوال.
ففر إلى سيده من بلد عدوه، ووقف ببابه خاشعاً متضرعاً يتملق سيده، ويسترحمه ويستعطفه، ويعتذر إليه، فعلم سيده ما في قلبه فرضي عنه ورحمه، وأبدله بالعقوبة عفواً، وبالمنع عطاءً، وبالمؤاخذة حلماً، وبالبطش رحمة.
فلا تسأل عن فرح ربه به، وقد عاد إليه حبيبه ووليه طوعاً واختياراً، ففتح له طريق البر والإحسان والجود، والتي هي أحب إلى سيده من طريق الغضب والانتقام والعقوبة: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)﴾ [النساء: ٢٧، ٢٨].
والإيمان بأسماء الله وصفاته معناه فهمها، والاعتراف بها، والتعبد لله بها، والعمل بمقتضاها، وهذا توحيد الأنبياء والمرسلين:
فأوصاف العظمة والكبرياء والمجد والجلال تملأ القلب هيبة لله وتعظيماً له.
وأوصاف العزة والقدرة والجبروت تجعل القلوب تخضع وتذل وتنكسر بين
стр. 390
يدي ربها.
ومعرفة أوصاف البر والرحمة، والجود والكرم تملأ القلب رغبةً وطمعاً في فضل الله وإحسانه وجوده.
ومعرفة أوصاف العلم والإحاطة توجب للعبد مراقبة الله في حركاته وسكناته، والحذر من معصيته، والحياء منه.
ومعرفة مجموع هذه الصفات تملأ القلب محبة لله، وشوقاً إليه، وتعظيماً له، والتعبد والتقرب إلى الله بالأقوال والأفعال.
وصفات الكمال ترجع إلى ثلاث صفات:
العلم .. والقدرة .. والغنى.
وهذه الثلاث لا تصلح على وجه الكمال إلا لله وحده، فهو الذي أحاط بكل شيء علماً .. وهو على كل شيء قدير .. وهوالغني عن العالمين.
وقد أمر الله رسوله ﷺ أن يبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠].
وينال الناس من هذه الثلاث بقدر ما يعطيهم الله منها، والله سبحانه أعلم بمن يصلح لهذا أو ذاك أو ذلك، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو بعباده خبير بصير، حكيم يضع كل شئ في موضعه اللائق به.
ومفعولات الرب المتنوعة دالة على إرادة الفاعل وقدرته، وعلمه وحكمته.
وما فيها من المصالح والحكم والغايات المحمودة دال على حكمته تعالى.
وما فيها من النفع والإحسان والخير دال على رحمته سبحانه.
وما فيها من البطش والانتقام والعقوبة دال على غضبه.
وما فيها من التقريب والإكرام والعناية دال على محبته.
وما فيها من الإهانة والإبعاد والخذلان دال على بغضه ومقته.
وما فيها من ابتداء الشيء في غاية النقص والضعف، ثم سوقه إلى تمامه
стр. 391
ونهايته، ثم موته، ثم حياته مرة أخرى دال على وقوع المعاد.
وما فيها من ظهور آثار الرحمة والنعمة على خلقه دليل على صحة النبوات.
وما فيها من الكمالات التي لو عدمتها كانت ناقصة، دليل على أن معطي تلك الكمالات أحق بها.
فمفعولاته ومخلوقاته سبحانه من أدل شيء على صفاته، وصدق ما أخبرت به رسله عنه كما قال سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ ... [فصلت: ٥٣].
والله ﵎ لكمال عظمته وكبريائه، وإحاطته بما سواه، وأنه أكبر من كل شيء، وأنه واسع عليم، يُرى في الآخرة ولا يحاط به إدراكاً، فالمخلوق لا يحيط بالخالق وإن كان يراه كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢، ١٠٣].
فسبحان الحي الذي ليس كمثله شيء في حياته.
وسبحان القوي الذي ليس كمثله شيء في قوته.
«سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» أخرجه أبو داود والنسائي (١).
ومخلوقات الله دالة على ذاته وأسمائه وصفاته .. وأسماؤه وصفاته دالة على ما يفعله ويأمر به .. وما لا يفعله ولا يأمر به.
فاسمه القوي يدل على أنه على كل شيء قدير، ولا يعجزه شيء.
واسمه الغني يدل على كمال غناه، وأنه لم يتخذ صاحبةً ولا ولداً.
واسمه الحميد يدل على أنه لا يأمر بالفحشاء والمنكر.
واسمه الحكيم يدل على أنه لم يخلق شيئاً عبثاً.
واسمه الملك يدل على ما يستلزم حقيقة الملك من قدرته، وحسن تدبيره
стр. 392
وعطائه ومنعه، وثوابه وعقابه، وبث رسله في أقطار مملكته، وإعلام عبيده بأوامره ومراسيمه، واستوائه على سرير مملكته، الذي هو عرشه المجيد.
فسبحانه من ملك ما أعظمه .. ومن كريم ما أجوده .. ومن لطيف ما أرحمه.
وله الحمد على أسمائه وصفاته وأفعاله .. وعلى قضائه وقدره .. وعلى خلقه وأمره .. وعلى دينه وشرعه .. وعلى آلائه ونعمه .. وعلى ثوابه وعقابه .. وعلى عدله وإحسانه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦، ٣٧].
стр. 393
١٠ - فقه التعبد بأسماء الله وصفاته
قال الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة: ١٩٥].
وقال الله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ [النور: ٢٢].
الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وله الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، أنزل القرآن تبياناً لكل شيء، فله الملك كله، وله الحمد كله، وله العزة كلها، وهو الغفور الرحيم، يُطاع فيشكر، ويُعصى فيغفر، ويتوب على من استغفر، ويرحم إذا استرحم.
ولا يصلح لولاية الرحمن من لم يتأدب بآداب القرآن، ولم يتعبد بصفات الرحمن حسب الإمكان.
فالله سبحانه محسن أمر بالإحسان، رحمان أمر بالرحمة، عفو أمر بالعفو، غفور أمر بالمغفرة، جبار أمر بالجبر، حليم أمر بالحلم، عليم أمر بالعلم، شكور أمر بالشكر، سلام أمر بالسلام .. وهكذا في باقي الأسماء والصفات.
فمن تعبد بصفاته صلح لولايته ورضوانه، وفاز بدار كرامته.
فبالأبصار نرى آياته ومخلوقاته، وآلاءه ونعمه.
وبالبصائر تشاهد القلوب ذاته وأسماءه وصفاته وإحسانه، فتعامله بما يليق بجلاله وجماله وإحسانه، ثم تأمر الجوارح بأن تعامله بما يليق بعظمته وكماله وعبوديته.
فالقلوب بحضرته تعظمه .. والجوارح على أبواب القلوب توقره وتطيعه وتعبده .. والله يعلم ويسمع ويرى.
فلا يصلح أحد منهم لموالاته إلا أن يتعبد بآدابه، ويتصف بصفاته، تذللاً بعبادته، ومحبةً لطاعته، وتجملاً بصفاته.
стр. 394
وأفضل العباد في ذلك أكرمهم عليه، وأقربهم إليه، وأحبهم إليه.
وصفات الله نوعان:
صفات ذاتية كالحياة والعلم ونحوهما.
وصفات فعلية كالخلق والرزق ونحوهما.
والصفات الذاتية نوعان:
أحدهما: ما لا يمكن التعبد به، وهما الحياة والقدرة، إذ لا يمكن اكتسابهما، لكن يجب حفظهما، وحفظ سائر منافع البدن وأعضائه، لنستعمل ذلك في طاعة الله ورضوانه.
وثمرة معرفتهما: التوكل على الله سبحانه، والالتجاء إليه، وإجلاله ومهابته، ورجاء إنعامه، وخوف انتقامه.
الثاني: ما يمكن التعبد به من سائر صفات الذات، فنتعبد بها على حسب الإمكان وهي:
١ - العلم: فالله بكل شيء عليم.
والتعبد به: بأن تعرف ذات الله وأسماءه وصفاته، وأحكامه وأيامه، وحلاله وحرامه، وما يقربك إليه، وما يجعلك محبوباً لديه.
وثمرة العلم بذلك: الخوف من مولاك، وحياؤك منه في أقوالك وأفعالك وسائر أحوالك، فإنه بكل شيء عليم.
٢ - الإرادة: فالله مريد لكل شيء.
والتعبد بها: يكون بأن نتعبد بكل إرادة حثنا الشرع عليها، وندب إليها كإرادة الطاعات كلها، والعبادات بأسرها، وإخلاص العمل، وإرادة التقرب به، خوفاً من عقاب الله، أو رجاء لثوابه، أو حياء منه، أو محبة له، أو مهابة له.
وثمرة معرفة ذلك: الخوف والوجل الموجبان لاجتناب الزلل، وإصلاح العمل.
٣ - السمع: فالله سميع عليم لا يخفى عليه شيء.
стр. 395
والتعبد به: يكون بأن نسمع كل ما فرض الله علينا سماعه أو ندب إليه كسماع كتابه وسنة رسوله، والعمل بموجبه.
وثمرة معرفة سمع الله: خوفك وحياؤك ومهابتك أن يسمع منك ما زجرك عنه من الأقوال، واجتناب كل قول لا يجلب نفعاً، ولا يدفع ضراً.
٤ - البصر: فالله بصير لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والتعبد به: يكون بالنظر في ملكوت السموات والأرض، والنظر للآيات الكونية، وعجائب المخلوقات نظر تدبر وتفكر، والنظر للآيات القرآنية والشرعية، وما فيها من الأحكام والعبر والسنن، والعمل بموجب ذلك.
وثمرة معرفة بصره: خوفك منه، وحياؤك ومهابتك أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك.
٥ - الكلام: فالله سبحانه يتكلم بما شاء في أي وقت شاء.
والتعبد به: يكون بذكره وشكره، وتلاوة كتابه، وتعليم دينه وشرعه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إليه.
وثمرة معرفة كلام الله: معرفة ذاته وأسمائه وصفاته، ومعرفة أمره ونهيه، وما يحبه وما يكرهه.
وأسماء الله وصفاته نوعان:
أحدهما: ما لا يمكن التعبد به، لاختصاصه به سبحانه كالخالق والبارئ، والمصور والإله ونحو ذلك.
الثاني: ما يمكن التعبد به حسب الإمكان، والناس فيه رتب ودرجات.
وينبغي للعبد أن يقابل كل صفة من صفات الرب بأفضل ما يلائمها من المعاملات، فيقابل جلاله بأفضل المهابات، إذ لا جلال كجلاله، ويقابل جماله بأفضل المحبات إذ لا جمال كجماله.
فإذا تعبدت بالإحسان، فأحسن إلى كل من تقدر على الإحسان إليه، بكل إحسان تقدر عليه، فإن قربك إلى مولاك على حسب ما تتعبد به من صفاته.
стр. 396
فالملك: من أسماء الله ، والمُلك تصرف عام مقيد بالعدل والإحسان، في كل عطاء وحرمان، ونصر وخذلان، وخفض ورفع.
والتعبد به لمن بلي به:
يكون بتنفيذ أوامر الله .. برفع من يستحق الرفع .. وخفض من يستحق الخفض .. وإكرام من يستحق الإكرام .. وإهانة من يستحق الإهانة .. وقهر من يستحق القهر .. وجبر من يستحق الجبر .. وإغاثة المكروب .. ونصر المظلوم .. وإطعام الجوعان .. وكسوة العريان .. وإعانة المحتاج.
فمن فعل ذلك ابتغاء وجه الله أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وكان من أهل البر والإحسان.
والقدوس: من أسماء الله ، وهو الطاهر من كل عيب ونقص.
والتعبد به: يكون بالتطهر من كل دنس وحرام، ومن كل مكروه ومشتبه، ومن كل فضل مباح شاغل عن الله سبحانه.
والسلام: من أسماء الله ، إن أُخذ من السلامة من الآفات فلا تعبد به، لعدم إمكان ذلك، وإن أُخذ من تسليمه على عباده، فعليك بإفشاء السلام، وإن أُخذ من الذي سلم عباده من ظلمه، فالتعبد به يكون بأن يسلم الناس من ظلمك وغشك، وضررك وشرك، فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
والمؤمن: من أسماء الله ﵎.
والتعبد به: يكون بأن تظهر من برك وخيرك ما يأمن الناس به من شرك وضيرك، وأن تسعى لعباد الله في كل أمن.
والمهيمن: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بأن تقوم بالشهادة في كل ما نفع وضر، وساء وسر.
والجبار: من أسماء الله .
والتعبد به: إن أخذ من الجبر والإصلاح.
فالتعبد به أن تعامل عباده بكل خير وإصلاح تقدر عليه أو تصل إليه.
стр. 397
والمتكبر: من أسماء الله ﷻ .
والتعبد به: إن أُخذ من تكبره على النقائص والآفات فهو كالقدوس، فتكبر عن كل خلق دنيء، ومظهر بذيء.
والرؤوف الرحيم: من أسماء الله .
والتعبد بهما: يكون برحمة كل من قدرت على رحمته، بأنواع ما تقدر عليه من الرأفة والرحمة، حتى تنتهي رحمتك إلى الذر والذباب والبهائم، ففي كل كبد رطبة أجر.
والغفار: من أسماء الله .
والتعبد به: بستر عيوب الناس، وغفر ذنوبهم، والصفح عنهم.
والحليم: من أسماء الله ﵎.
والتعبد به: أن تحلم عن كل من آذاك أو ظلمك وسبك وشتمك، فإن مولاك صبور حليم، بر كريم، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
والتعبد بالصبر: أن تصبر على أذية المؤذين، وإساءة المسيئين، فإن الله يحب الصابرين، فكن منهم لتفوز بثواب الصابرين.
والعفو: من أسماء الله .
والتعبد به: بأن تعفو عن كل من جنى عليك، أو أساء إليك، فإن الله يحب العافين عن الناس فكن منهم.
والمحسن: من أسماء الله .
والتعبد به: أن تحسن إلى الخلق بما تستطيع، كما أحسن الله إليك بكل خير.
والتعبد بصفة الإنعام: أن تنعم على الخلق كما أنعم الله عليك.
وعليك بالبر الجزيل، والصفح الجميل، والصبر الجميل، والهجر الجميل، ونحو ذلك من صفات الملك الجليل.
فصل من قطعك .. وأعط من حرمك .. واعف عمن ظلمك .. واصبر على من شتمك .. وأحسن إلى من أساء إليك.
стр. 398
والقيوم: من أسماء الله .
والتعبد به: بإحسان تدبير من اعتمد بعد الله عليك، أو فوض الله أمره إليك، بإحسان رعايته، والقيام بمصالحه، وقضاء حوائجه.
والقهار: من أسماء الله ، وهو الذي يقهر عباده على تنفيذ مراده.
والتعبد به: بأن تقهر نفسك عن كل شر، وتقهر عدوك عن الظلم، وتقهر نفسك عن كل قاطع يقطعك عن طاعة مولاك، وإصلاح أُخراك.
وثمرة معرفته: الخوف الشامل، والوجل الكامل.
والتعبد بصفة الانتقام لمن ابتلي بشيء من الولايات، بالانتقام من الجناة والبغاة بالحدود والتعزيرات، والعقوبات المشروعات.
والتعبد بصفة العدل: أن يعدل فيما حكم به، مسوياً في حكمه بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، والقريب والبعيد، وأن ينصف في وصله وقطعه، وبذله ومنعه.
والتعبد بصفة الفتح: أن يعدل في جميع أحواله، ويبذل ما يقدر عليه من الأرزاق في رضا الخلاق.
والتعبد بصفة اللطف: يكون بخوفك ومهابتك وحيائك ممن لا يخفى عليه شيء، ولا يعزب عنه شيء.
والتعبد بصفة الرفق: يكون بالرفق بكل من أمرت بالتعامل معه من إنسان وحيوان، والرفق بنفسك أن تضل أو تزل أو تهلك، والرفق في كل عمل تؤديه.
والتعبد بصفة الشكر: يكون بطاعة الله، وشكره على نعمه، وشكر كل من أحسن إليك في جلب خير، أو دفع شر.
والغني: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بأن تغني كل محتاج بما تقدر عليه من علم ومال وغيرهما، فتذكر الغافل، وتعلم الجاهل، وتطعم الجائع، وتواسي المحتاج، وتحلم على السفيه.
стр. 399
والحفيظ: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بحفظ ما أمرت به من الطاعات والأمانات والعهود.
والمقيت: من أسماء الله .
والتعبد به: بإقاتة كل محتاج تقدر على نفعه من قريب أو بعيد، أو قادر أو عاجز، مقدماً الأقرب فالأقرب، فكفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت.
والحكيم: من أسماء الله سبحانه.
إن أُخذ من الحكمة فثمرة معرفته المهابة والإجلال.
والتعبد به: بمعرفة حكم الكتاب والسنة.
وإن أخذ من الإحكام والإتقان، فثمرة معرفته إجلال من عمت الأشياء حكمته.
والتعبد به: بإتقان أحوالك وأقوالك وأفعالك فيما يصلحك في عاجلك وآجلك.
والودود: من أسماء الله .
والتعبد به: بوداد مولاك، ومودة رسله، والصالحين من عباده.
والقوي: من أسماء الله .
وثمرة معرفة قوة الله: مهابته وإجلاله، والاعتماد عليه.
والتعبد به: بأن تكون قوياً في دينك، قوياً شديداً على أعداء الدين، ملياً بطاعة مولاك، قوياً في تنفيذ أوامره.
والتواب: من أسماء الله .
والتعبد به: بأن تحث المسيء على التوبة، وتقبل عذر من أساء إليك، وندم على جرأته عليك.
والولي: من أسماء الله .
وثمرة معرفته: الاعتماد على تدبيره، والرضا بتقديره.
والتعبد بذلك لمن بلي بولاية: أن يجهد لمن تولي عليه، وينصح له بجلب ما يقدر عليه من المصالح، ودفع ما يقدر عليه من المفاسد.
стр. 400
والبر: من أسماء الله .
وثمرة معرفته: رجاء أنواع بره وإحسانه.
والتعبد به: بأن تبر كل من تقدر على بره، بأحب أموالك إليك، وأنفسها لديك، وتخالق الناس بخلق حسن.
والتعبد بصفة الضر والنفع: يكون بنفع كل من أمرت بنفعه، وضر كل من أمرت بضره بحد أو قتل أو غيره من إنسان وحيوان، وصالح وطالح، وناطق وصامت.
والتعبد بصفة القبض والبسط: تكون بأن تبسط برك ومعروفك على كل محتاج، حتى على الدواب والكلاب والذر، ففي كل كبد رطبة أجر.
وتقبض عن كل أحد ليس له أهلٌ، من مال وولاية، وعلم وحكمة، فالسفيه يتلف الأموال، والأخرق يفسد النظام.
والوهاب: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بكثرة الهبات والصلات، مقدماً الأقرب فالأقرب، والأنفع فالأنفع، والصدقة على القريب صدقة وصلة.
والكريم: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بأن تجود بكل ما تقدر عليه من مال وجاه، وعلم وحكمة، وبر وإحسان، وتتكرم بذلك على خلق الله، ولا ترجو به إلا ثواب الله ورضاه.
والمجيب: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بإجابة مولاك فيما دعاك إليه من قرباته، وبإجابة كل داع إلى ما يرضي مولاك من طاعة وعبادة.
والمجيد: من أسماء الله ، وهو الذي كمل شرفه، وتم كماله وجلاله، في ذاته وأسمائه وصفاته.
وثمرة معرفته: المهابة والإجلال لذي الجلال والإكرام.
والتعبد به: يكون بما يمكن التعبد به مما سبق ذكره، فإنه شامل لجميع الصفات.
стр. 401
والحق: من أسماء الله .
والتعبد به: يكون بمتابعة الحق، وأن تكون من أهل الحق بكل حال، وأن تدعو للحق ما بقيت.
والهادي: من أسماء الله .
والتعبد به: أن تكون هادياً إلى صراط الله المستقيم، وداعياً إلى الله، وإلى دينه وشرعه.
وهكذا في باقي الأسماء والصفات.
стр. 402
الباب الثاني
فقه الخلق والأمر
ويشتمل على ما يلي:
١ - فقه الخلق والأمر
٢ - فقه أوامر الله الكونية والشرعية
٣ - خلق الله للكون
٤ - فقه الحكمة في كل ما خلقه الله وأمر به
٥ - فقه خَلق المخلوقات
١ - خلق العرش والكرسي
٢ - خلق السموات
٣ - خَلق الأرض
٤ - خلق الشمس والقمر
٥ - خلق النجوم
٦ - خلق الليل والنهار
٧ - خلق الملائكة
٨ - خلق المياه والبحار
٩ - خلق النبات
١٠ - خلق الحيوانات
١١ - خلق الجبال
١٢ - خلق الرياح
١٣ - خلق النار
١٤ - خلق الجن
١٥ - خلق آدم
١٦ - خلق الإنسان
١٧ - خلق الروح
١٨ - خلق الدنيا والآخرة
стр. 403
١ - فقه الخلق والأمر
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ ... [الأعراف: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٥ - ٧].
الله ﵎ هو الخالق، الذي خلق المخلوقات، وصور الكائنات، وأوجد الموجودات كلها، في العالم العلوي، وفي العالم السفلي.
وهو سبحانه الكامل في ذاته، الكامل في أسمائه وصفاته، ولا يكون عن الكامل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله إلا الفعل المحكم، والصنع المتقن.
وهو سبحانه الخالق الذي خلق كل شيء، وأحسن كل شيء خلقه وأتقنه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
وهو سبحانه الذي خلق عباده حنفاء على الفطرة كما قال النبي ﷺ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ» متفق عليه (١).
وقال الله في الحديث القدسي: « .. خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أحْلَلْتُ لَهُمْ وَأمَرَتْهُمْ أنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم (٢).
стр. 404
فخلق الله العباد حنفاء، ولكن الشياطين أخرجوهم عن سنن الحنيفية، وأفسدوا فطرهم وقلوبهم بالشرك والمعاصي، فأرسل الله الأنبياء بسنن الهدى رحمةً بالبشر.
وبالأضداد والأغيار يخرج من شاء الله من المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة، ولولا ذلك لكانت في مرتبتها كالمولود يولد على الفطرة.
فالماء خلقه الله طاهراً مطهراً، ولكن بمخالطته أضداده من الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه، وخرج عن الخلقة التي خلقه الله عليها، فكانت تلك النجاسات والأقذار بمعنى أبوي الطفل اللذان يفسدان فطرته.
وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته النجاسات والقاذورات لم يصلح للطهارة، فكذلك الآدمي إذا فسد بالأغيار لم يصلح لمجاورة الرب ودخول الجنة.
والأغذية والفواكه الطيبة إذا خالطت باطن الحيوان خرجت عن حالتها التي خلقت عليها، واكتسبت بهذه المخالطة والمجاورة خبثاً وفساداً لم يكن فيها، لسلوكها في غير طرقها التي بها كمالها.
ولما أنزل الله الماء طاهراً نافعاً فمازج الأرض، وسالت به أوديتها، أوجد الله سبحانه بينهما بسبب هذه المخالطة والممازجة أنواعاً من الثمار والفواكه، والزروع والعنب، والنخيل والزيتون، وسائر الأغذية والأقوات، وأوجد مع ذلك المر والحنظل والشوك وغير ذلك، فاللقاح واحد، ولكن الأم مختلفة.
والله يصرف ما أخرجه من هذا الماء بحكمته، ويقلبه ويحيل بعضه إلى بعض، وينقل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى.
ألا ما أعظم الله، وما أعظم قدرته، وما أعظم آياته ومخلوقاته.
ففي خلق السماء آيات وعبر: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران: ١٩٠].
وفي خلق الأرض آيات وعبر: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ
стр. 405
وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤].
فالله يقلب الليل والنهار، ويقلب ما فيهما، ويقلب أحوال العالم من حر وبرد، ونور وظلام، ورطب ويابس، وحركة وسكون، يفعل ذلك كله كما يشاء، ويسلك بذلك مسلك الحكمة البالغة التي بها يتم مراده، ويظهر ملكه وحكمته وعزته وقدرته: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ ... [الأعراف: ٥٤].
والقرآن الكريم عمدته وأصله ومقصوده تحقيق العبودية لله رب العالمين وحده لا شريك له، ومن أجل ذلك بين الله في القرآن أسماءه الحسنى، وصفاته العلا، وأفعاله، وأنواع خلقه، وأنواع حمده، والثناء عليه.
وأظهر كمال قدرته، وعظمته، وعزته وقدرته، وأنواع صنعه.
وتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله وأنبيائه.
فأخبر عن الكافرين والمكذبين، وذكر ما أجابوا به رسلهم، وما قابلوا به رسالات ربهم، ووصف كفرهم وعنادهم، وكيف كذبوا على الله، وكذبوا رسله، وردوا أمره، فدمرهم الله بألوان العذاب.
فكان ذلك دليلاً على عظمة الرب، وكمال قدرته، وقهره لأعدائه، ونصره لأوليائه.
وكان موقع هذا من خلقه موقع تعظيمه وإجلاله، وتسبيحه تعالى وتنزيهه، وحمده والثناء عليه بما يليق بجلاله.
ومن تمام حمده، تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه، والجاهلون به مما لا يليق به من الصاحبة والولد، والفقر والتعب، والشرك، ونفي صفات الكمال عنه، وغير ذلك مما نزه عنه نفسه، وسبح به نفسه.
وكان في ذلك ظهور حمده بخلقه، وتنوع أسبابه، وكثرة شواهده، وسعة طرق الثناء عليه به، وتقرير عظمته، ومعرفته في قلوب عباده.
стр. 406
فسبحان العليم الخبير، الحكيم في خلقه وأمره، فلولا معرفة الأسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها، وخلق من يضيفها إليه ويصفه بها، لما قامت حقيقة التسبيح، ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أي شيء يسبحونه، وعن ماذا ينزهونه.
فلما رأوا في خلقه من قد نسب إليه ما لا يليق به .. ونسبه إلى ما لا يليق به .. وجحد من كماله ما هو أولى به .. سبحوه حينئذ تسبيح مجل له .. معظم له .. منزه له عن أمر قد نسبه إليه أعداؤه .. والجاهلون بأسمائه وصفاته.
فنفي الألوهية عما سوى الله، من تمام التوحيد وكماله وظهور أعلامه.
وتكذيب أعداء الرسل لهم، وردهم ما جاؤوهم به، كان من الأسباب الموجبة لظهور صدق الرسل، ودحض حجج أهل الباطل، وتقرير طرق الرسالة، وإيضاح أدلتها، فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه، أسفر وجه الحق، واستنارت معالمه، ووضحت سبله، وسهل اتباعه.
وكسر الباطل ودحض حججه من أدلة الحق وبراهينه.
فتأمل حكمة العزيز العليم، كيف اقتضى الحق وجود الباطل؟.
وكيف تم ظهور الحق بوجود الباطل؟.
وكيف كان كفر أعداء الرسل بهم، وتكذيبهم لهم، من تمام صدق الرسل، وثبوت رسالات الله، وقيام حججه على العباد؟.
فلو أن ملكاً له عبد قد توحد في العالم بالشجاعة والبسالة، والناس بين مصدق ومكذب، لأنه لم يقابل الشجعان، ولو بارز الأقران، وقابل الشجعان لظهر أمره، فلما سمع به شجعان العالم وأبطالهم قصدوه وأتوه من كل قطر.
فأراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة، فمكن أولئك الشجعان من منازلته ومقاومته، وقال: دونكم إياه، وشأنكم به.
فتسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه، إنما هو لإعلاء شأنه، وإظهار
стр. 407
شجاعته في العالم، وتخويف أعدائه به، وقضاء الملك أوطاره به.
وكما يترتب على هذا إظهار شجاعة عبده وقوته، فكذلك يترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته، وظهور عجزهم وخزيهم، وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمات الملك وحوائجه.
فإذا عدل بهم عن مهماته وولايته، وعدل بها عنهم، كان ذلك مقتضى حكمة الملك، وحسن تصرفه في ملكه، وأنه لو استعملهم في تلك المهمات، لتشوش أمر المملكة، وحصل الخلل والفساد، والله أعلم بالشاكرين.
فخلق الأسباب المضادة للحق، وإظهارها في مقابلة الحق، من أبين دلائله وشواهده.
والله خلق السموات والأرض، وسائر المخلوقات، من أجل أن يعرف، ومن أجل أن تعرف أسماؤه وصفاته، وتعرف عظمة قدرته، وسعة علمه، ويعرف جلاله وكبرياؤه، وتعرف آلاؤه وإحسانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فسيد السموات السماء التي فوقها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي نحن عليها.
وفي كل سماء، وفي كل أرض:
خلق من خلقه سبحانه .. وأمر من أمره .. وقضاء من قضائه.
في كل مكان .. وفي كل زمان .. وفي كل حال .. ولكل مخلوق.
ألا ما أجهل الخلق بربهم .. وما أجهلهم بالسلعة وثمنها.
واحسرتاه، إلى متى يتلبط الإنسان في الوحل كالدود لاهياً معرضاً عن ربه؟.
ومتى يشد العبد ركائبه إلى الرحمن، وإلى جنة الرضوان؟.
وأين السامع والمجيب قبل الرحيل إلى دار الخلود؟.
стр. 408
﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
والله هو الخلاق العليم، والخلق كله فلق:
والله فالق الإصباح .. فلق الظلام فظهر الصبح .. وفلق الحب والنوى فظهر منه أنواع الزروع والأشجار .. وفلق الأرض فظهر منها أنواع النبات .. وفلق الجبال فظهر منها أنواع العيون .. وفلق السحاب عن المطر .. وفلق الأرحام عن الأجنة .. وفلق ظلام الباطل بالحق .. كما فلق ظلام الليل بالإصباح .. فهو حقاً رب العالمين .. ورب الفلق .. وله وحده الخلق والأمر.
وللكون أوامر من الرب .. وللإنسان أوامر من الرب.
стр. 409
٢ - فقه أوامر الله الكونية والشرعية
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
الله ﵎ هو الخلاق العليم، الذي خلق جميع المخلوقات في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وجميع مخلوقاته أثر من آثار خلقه وقدرته، وهو القادر على كل شيء، فلا يستعصي عليه شيء أراد خلقه، أعطى جميع المخلوقات الوجود والشكل، والوظائف والأوامر.
وهو سبحانه الملك، المالك لكل شيء، الذي جميع ما سكن في العالم العلوي والسفلي ملك له، وعبيد مسخرون مدبرون بأمره.
يتصرف فيهم سبحانه بأوامره القدرية .. وأوامره الشرعية .. وأوامره الجزائية: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].
والله هو الذي خلق المخلوقات كلها، وهذه المخلوقات كلها تحتاج إلى أوامر.
والذي ينزل من الله من الأوامر نوعان:
أوامر كونية .. وأوامر شرعية.
وأوامر الله الكونية تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أمر الإيجاد، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات بالإيجاد والخلق والتكوين.
وبسببه أوجد الله الكون وما فيه من المخلوقات كالعرش والكرسي، والسماء والأرض، والملائكة والروح، والشمس والقمر، والنجوم والكواكب، والجماد
стр. 410
والنبات، والإنسان والحيوان، وغير ذلك من المخلوقات التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثاني: أمر البقاء، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات بالبقاء.
وبسببه تبقى الكائنات كلها بأمر الله، ولولا أمر الله بالبقاء لزالت جميع الكائنات كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم: ٢٥].
الثالث: أمر الحركة والسكون، والحياة والموت، والنفع والضر ... إلخ، وهو متوجه من الله إلى جميع المخلوقات، فجميع المخلوقات لا تتحرك ولا تسكن إلا بأمره كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
وجميع المخلوقات لا تنفع ولا تضر إلا بأمره كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والإحياء والإماتة بيد الله، فلا يحصل منها شيء إلا بأمره: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾ [غافر: ٦٨].
وهذه الأوامر الإلهية لا بد من وقوعها كما أراد الله، فالله لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، سبحانه هو الواحد القهار: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢].
وأما الأوامر الشرعية فهي الدين: وهو موجه من الله إلى الثقلين: الإنس والجن،
стр. 411
ويتم ذلك بواسطة الأنبياء والرسل.
والأوامر الشرعية خمسة أقسام هي:
الإيمان .. العبادات .. المعاملات .. المعاشرات .. الأخلاق.
ومن الناس من يقبله فيسعد في الدنيا والآخرة، ومنهم من لا يقبله فيشقى في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨، ٣٩].
وهذا الدين محفوظ إلى يوم القيامة بحفظ الله، وللحصول على أعلى مراتبه لا بد من المجاهدة كما قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ ... [العنكبوت: ٦٩].
وأوامر الله الشرعية نوعان:
الأول: أوامر محبوبة للنفس، كالأمر بالأكل من الطيبات، ونكاح ما طاب من النساء إلى أربع، وصيد البر والبحر ونحو ذلك.
الثاني: أوامر مكروهة للنفس الأمارة بالسوء، وهي نوعان:
أوامر خفيفة، كالأدعية والأذكار، والصلوات وتلاوة القرآن، والسنن والآداب ونحوها.
أوامر ثقيلة، كالدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.
والإيمان يزيد بامتثال الأوامر الخفيفة والثقيلة معاً، والقيام بالأعمال الانفرادية والاجتماعية معاً، فإذا زاد الإيمان صار المبغوض محبوباً، وصار الثقيل خفيفاً، وتحقق مراد الله من العبد بالدعوة والعبادةلربه، واطمأن بذلك قلبه، وتحركت بذلك جوارحه.
ومقصود الإيمان عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه.
ويتم ذلك بتغيير اليقين من المخلوق إلى الخالق الذي بيده كل شيء .. وتغيير
стр. 412
العواطف من المخلوق إلى الخالق .. وتغيير الفكر من الدنيا إلى الآخرة .. ومن الأموال والأشياء إلى الإيمان والأعمال الصالحة .. وتغيير العمل من الدنيا إلى الدين، ومن المعاصي إلى الطاعات .. ومن محبوبات النفس إلى محبوبات الرب.
فالأوامر الشرعية أنزلها الله إلى الثقلين: الإنس والجن، وهي الدين، وهذه الأوامر تنزل من ذات الله إلى العباد، والأعمال تصدر من ذات النفس.
فإذا تطابقت الأعمال البشرية مع الأوامر الإلهية سعد الإنسان في الدنيا والآخرة.
وإذا خالفت أعمال العباد أوامر الله الشرعية شقي الإنسان في الدنيا والآخرة.
وفي كل يوم، بل في كل ثانية، بل في كل لحظة يصدر من ذات الله ما لا يحصيه إلا الله، ولا يعلمه إلا الله من مليارات الأوامر الإلهية:
أوامر الخلق والإيجاد .. وأوامر البقاء .. وأوامر النفع والضر .. وأوامر التصريف والتدبير .. وأوامر التغيير والتبديل .. وأوامر الحياة والموت .. وأوامر العافية والمرض .. وأوامر العطاء والمنع .. إلخ.
وفي كل يوم، بل وفي كل ثانية، بل في كل لحظة يصدر من العباد ما لا يحصيه إلا الله من الأقوال والأعمال .. والطاعات والمعاصي .. والحسنات والسيئات .. وكل ذلك بإذن الله .. والكل معلوم لعلاّم الغيوب.
وأوامر الله الشرعية تامة كاملة، وهي متعلقة بجميع أحوال العباد، والله يحب أن يطاع وتمتثل أوامره في جميع الأحوال من جميع العباد.
فالملك ملكه .. والخلق خلقه .. والأمر أمره.
والعبد ليس له عمل إلا طاعة سيده ومولاه، الذي أفاض عليه من نعمه بما لا يحصى، ووعده إن أطاعه بالدار الحسنى، وإن عصاه بنار تلظى.
وأوامر الله الكونية والشرعية متعلقة بجميع أحوال الإنس والجن، وأوامر الله الكونية متعلقة بجميع المخلوقات.
стр. 413
فكل ذرة في هذا الكون العظيم لها أوامر من ربها .. أمر بالإيجاد .. وأمر بالبقاء .. وأمر بالنفع والضر .. ولله حكمة في خلقها .. وكلها مملوكة في قبضة الله.
والإنسان مأمور أن ينظر إلى المخلوقات التي خلقها الله في هذا الكون ولا يتعلق بها، بل يتجاوزها إلى خالقها.
فينظر إلى الصور ويتجاوزها إلى المصور سبحانه، وينظر إلى المخلوقات العجيبة ويتجاوزها إلى الخالق سبحانه، وذلك حتى لا تأتي عظمتها في القلوب مكان عظمة الله، الذي يستحق التعظيم الكامل وحده لا شريك له، ولا تأتي محبتها مكان محبة الله، الذي يستحق المحبة الكاملة وحده لا شرك له.
وينظر في ملكوت السموات والأرض نظر تفكر واعتبار لا نظر تفرج ولهو. فكل ينظر إلى الشجرة الكبيرة، الغافل ينظر إلى جمالها، ولا يذكر الجميل الذي زينها، والنجار ينظر إلى خشبها، والطبيب ينظر إلى الدواء الذي فيها، والمزارع ينظر إلى ثمرتها، والمؤمن ينظر إلى عظمة خالقها، فهذا أعظم الناس نظراً وفكراً واعتباراً: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقد أنزل الله الدين الكامل، الشامل لجميع أحوال العباد كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
فلله أوامر يحب أن تمتثل عند الوضوء والصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من العبادات.
ولله أوامر يجب أن تمتثل لا تظهر إلا بوجود الأهل والزوجة والأولا د.
ولله أوامر يجب أن تمتثل لا تظهر إلا في التجارة والبيع والشراء وسائر المعاملات.
ولله أوامر يجب أن تمتثل لا تظهر إلا في الزراعة والصناعة ونحوها.
стр. 414
ولله أوامر يجب أن تمتثل لا تظهر إلا في ساحات الجهاد، وحلق الذكر، ومجالس العلم.
ولله أوامر يجب أن تمتثل لا تظهر إلا في حال الغنى والفقر، أو الصحة والمرض، أو الحياة والموت، أو السلم والحرب.
ولله أوامر يجب أن تمتثل في حال الرضا والغضب، وفي حال الفرح والحزن، وفي حال الرخاء والشدة.
ولله أوامر يجب أن تمتثل في حال الإقامة، وحال السفر، وعند الأكل والشرب، وفي حال اليقظة، وفي حال النوم.
ولله أوامر يجب أن تمتثل في البيوت، وفي الأسواق، وفي المساجد، وفي المجالس.
ولله أوامر يجب أن تمتثل عند الزواج، وعند المعاشرة، وعند الولادة، وحال الأمن، وحال الخوف.
ولله أوامر على السمع والبصر، والقلب والبدن، وسائر الجوارح.
فهذه الأوامر وغيرها مما أمر الله ورسوله به هي الدين الذي يحبه الله ويرضاه، ويحب من قام به، وهو الدين الذي يجب على الإنسان قبوله والعمل به، والدعوة إليه، ليسعد في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
والناس في الدنيا نوعان:
مسلم له أوامر .. وكافر له أوامر .. وغني له أوامر .. وفقير له أوامر .. وقوي له أوامر .. وضعيف له أوامر .. وصحيح له أوامر .. ومريض له أوامر .. وكبير له أوامر .. وصغير له أوامر .. وبصير له أوامر .. وأعمى له أوامر .. ورجل له أوامر .. وامرأة لها أوامر .. وحي له أوامر .. وميت له أوامر .. ومقيم له أوامر .. ومسافر له أوامر .. ومتزوج له أوامر .. وأعزب له أوامر .. وخليفة له أوامر .. ورعية لها أوامر .. وهكذا، والنتائج يوم القيامة.
стр. 415
والله أمر بكل خير، ونهى عن كل شر، وأحل ما ينفع، وحرم ما يضر، وأمر بالحق، ونهى عن الباطل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ [النحل: ٩٠].
وما أمر الله به العباد نوعان:
أحدهما: باطن في القلب كالتوحيد والإيمان، والإخلاص واليقين، وحب الله ورسوله ودينه وأوليائه، والتوكل على الله، والخوف منه، وخشيته ورجائه.
الثاني: ظاهر على الجوارح، وهي الأقوال والأعمال المأمور بها، وهي لا تقبل إلا بعمل القلب، وإرادة وجه الله بها، وأدائها كما جاءت عن النبي ﷺ كالوضوء والغسل، والصلاة وسائر العبادات، فهذه وإن كانت أقوالاً وأفعالاً إلا أن القلب أخص بها.
والله ﵎ شرف هذه الأمة وأكرمها بالدين، وبالدعوة إلى الدين.
فالاستقامة على الدين أولاً .. ثم دعوة الناس إليه ثانياً.
والكفار يعرض عليهم الإسلام فإما أن يسلموا .. أو يصغروا .. أو يدمروا.
وإذا ترك العبد أوامر الله الانفرادية، جاءت عليه مصيبة انفرادية.
وإذا تركت الأمة أوامر الله الاجتماعية، جاءتها عقوبة اجتماعية.
وإذا أقام العبد أوامر الله الانفرادية، جاءت النصرة الانفرادية.
وإذا أقيمت أوامر الله الاجتماعية، جاءت النصرة الاجتماعية.
ففرعون ترك أمر الله واستكبر وعلا، فادعى الألوهية والربوبية، وأضل قومه فجاءت عقوبة الله عليه، وعلى قومه وجيشه، وكل من اتبعه، فأهلكوا بالغرق، ولهم أشد العذاب يوم القيامة.
وقارون ترك أمر الله الانفرادي، فجاءت المصيبة انفرادية عليه وعلى ماله كما قال سبحانه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾ [القصص: ٨١].
стр. 416
فأوامر الله الانفرادية علينا جميعاً كالإيمان، والصلاة، والصيام، والزكاة لمن له مال، والحج على المستطيع، فإذا ترك الإنسان شيئاً من ذلك، جاءت المصيبة انفرادية على العبد وحده كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، أوامر اجتماعية من الله على هذه الأمة، فإذا تركتها الأمة جاءت المصيبة على الأمة جميعاً كما قال سبحانه: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
وقال النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ» أخرجه أحمد والترمذي (١).
والله ﷻ خلق الأسباب، وأنزل الأوامر، وأمر بامتثال الأوامر، وفعل الأسباب، وجعل سعادة الإنسان فقط بالإيمان والتقوى.
والتقوى: هي ألا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يجدك حيث نهاك، وهي الأمر المتوجه من الله إليَّ بالفعل أو الترك، أفعله على طريقة الرسول ﷺ .
فمثلاً، إذا أصابني صداع في الرأس، أنظر أمر الله أو أمر رسوله فيه، وأفعل ما فعله رسول الله ﷺ فأسمي ثلاثاً ثم أقول سبع مرات: «أعوذ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أجِدُ وَأحَاذِرُ» أخرجه مسلم (٢).
ثم أفعل الأسباب من دواء مباح، فإن ذهب الصداع فأنت في الفوز والفلاح،
стр. 417
لأنك فعلت السبب، وامتثلت الأمر، وإن لم يذهب الصداع فكذلك أنت في الفوز والفلاح، لأنك امتثلت أمر الله ورسوله.
فلا نتوجه عند المرض للدواء مباشرة، بل نتوجه إلى الله الشافي أولاً، والأسباب آخر شيء، أمر الله ثم أمر الرسول وفعله، ثم فعل السبب المباح، هذا هو الترتيب الصحيح لطلب الشفاء.
وإن تناولت الدواء مباشرة ثم ذهب الصداع فهذا ابتلاء من الله لإيمان العبد، وإن لم يذهب الصداع فيتوجه إلى الله، وكلما توجه العبد إلى الله في حاجة، فإما أن يقضي حاجته فوراً، وإما أن يؤخرها ليكثر من الدعاء، وإما أن يدفع عنه من الشر ما هو أعظم منها، وإما أن يؤخرها له إلى يوم القيامة.
وكلما توجه الإنسان إلى الله قضى حاجته، وكلما نفى المخلوق أياً كان يومياً سخره الله له .. وحفظه منه .. وأخرج اليقين عليه .. وحفظه، لا يعبده ولا يتوجه إليه.
والله ﵎ له الخلق والأمر في جميع مخلوقاته:
خلق الشمس وأمدها بالحركة والإنارة والحرارة .. وخلق البحر وأمده بالسيولة والملوحة .. وخلق النبات وأمده بالنمو والتكاثر والثمرات ... وخلق الحيوان وأمده بالنمو والتكاثر والحركة .. وخلق الإنسان وأمده بالنمو والتكاثر، والعقل والحركة .. وخلق الدماغ وأمده بالعقل .. وخلق العين وأمدها بالبصر .. وخلق اللسان وأمده بالكلام .. وخلق الأذن وأمدها بالسمع .. وخلق الأنف وأمده بالشم.
وخلق الليل والنهار وجعل لهما أوامر .. وخلق الشمس والقمر وجعل لهما أوامر .. وخلق الحرارة والبرودة وجعل لهما أوامر .. وخلق الصحة والمرض وجعل لهما أوامر .. وهكذا.
فالله خالق كل شيء، وبيده أمر كل شيء: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
والله ﵎ خلق المخلوقات، وكلماته التامات هي التي كون بها الأشياء
стр. 418
كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس:٨٢].
فهذه الكلمات لا يجاوزها بر ولا فاجر .. ولا يخرج أحد عن القدر المقدور .. ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور.
فالكلمات نوعان:
إحداهما: كلمات يكون الله بها الكون، وهي المتضمنة لخلقه وتدبيره لهذا الكون، وما فيه من المخلوقات.
والأخرى: كلمات دينية، المتضمنة لأمره ونهيه كالكتب الإلهية التي أنزلها الله على رسله كالتوراة والإنجيل والزبور والقرآن.
فكلمات الله التامات التي لا يجاوزها بر ولا فاجر ليست هي أمره ونهيه الشرعيين، فإن الفجار عصوا أمره ونهيه.
بل هي التي كون بها الكائنات، ودبر بها المخلوقات، وقهر بها أهل العقوبات.
فسبحانه الواحد القهار: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧].
فأوامر الله نوعان:
الأول: أمر كوني لا بد من وقوعه ولا يمكن لأحد رده كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
والثاني: أمر ديني شرعي، يأمر الله به عباده عن طريق رسله، فمنهم من يؤمن به، ومنهم من يخالفه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ ... [النحل: ٩٠].
والأمر الكوني القدري، والأمر الديني الشرعي، كله لله، فلا خالق ولا مدبر لهذا الكون إلا الله وحده لا شريك له، ولا مشرع للعباد إلا ربهم وحده لا شريك له كما قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].
стр. 419
والله ﵎ عالم الغيب والشهادة، خلق المخلوقات كلها، وأحسن تصويرها، وأحاط بكل شيء علماً، وهو أحكم الحاكمين، وضع كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه، وجعل له من الأوامر ما يناسبه، ويحقق الانتفاع به.
فوضع قوة النور في الشمس .. وقوة الإنبات في الأرض .. وقوة البصر في العين .. وقوة السمع في الأذن .. وقوة الشم في الأنف .. وقوة البطش في اليد .. وقوة النطق في اللسان .. وقوة المشي في الرجل .. وخص كل حيوان وغيره بما يليق به .. ويحسن أن يعطاه .. وشمل إتقانه وإحكامه لكل ما شمله خلقه كما قال سبحانه: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ [النمل: ٨٨].
ودين الأنبياء والرسل وأتباعهم دين الأمر، فهم يدينون بأمر الله الشرعي، ويؤمنون بقدره الكوني.
وأعداء الله واقفون مع القدر الكوني، فحيث ما مال القدر مالوا معه، فدينهم دين القدر، فهم يعصون أمره، ويحتجون بقدره، ويقولون نحن واقفون مع مراد الله وقدره.
فهل فوق هذا من جهل؟، وهل بعد هذا من ضلالة؟: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾ [النحل: ٣٥].
وإذا أمر الله عبده بأمر وجب عليه فيه ثماني مراتب:
الأولى: العلم به. ... الخامسة: أداؤه خالصاً صواباً.
الثانية: محبته. ... السادسة: عدم فعل ما يحبطه.
الثالثة: العزم على فعله. ... السابعة: الثبات عليه.
الرابعة: عدم العمل به. ... الثامنة: نشره والدعوة إليه.
стр. 420
ولا بد في جميع أوامر الله من أصلين:
فعل ما أمر الله ورسوله به .. واجتناب ما نهى الله ورسوله عنه.
ثم على كل عبد أن يتوب ويستغفر من تفريطه في المأمور، واقترافه للمحظور، ويختم جميع أعماله بالاستغفار.
والله ﵎ خلقنا لأربعة أمور:
الأول: العبادة كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ ... [الذاريات: ٥٦].
الثاني: الدعوة كما قال سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
الثالث: التعلم والتعليم كما قال سبحانه: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾ [آل عمران: ٧٩].
الرابع: الخلافة كما قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ ... [النور: ٥٥].
وإذا كان الله قد أتقن خلقه غاية الإتقان .. وأحكمه غاية الإحكام .. وأحسن كل شيء خلقه .. فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإحكام أولى وأحرى .. فشريعة الله لعباده في غاية الإتقان والإحكام، لا تفرق بين متماثلين، ولا تسوي بين مختلفين .. ولا تحرم شيئاً إلا لما فيه من المفسدة .. ولا تبيح شيئاً إلا لما فيه من المصلحة: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٥٠].
وأوامر الله تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون الفعل المأمور به مشتملاً على مصلحة أو مفسدة، كما يُعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم مشتمل على فساد العالم.
الثاني: أن الله إذا أمر بشيء صار حسناً، وإذا نهى عن شيء صار قبيحاً.
стр. 421
الثالث: أن يأمر الله العبد بشيء ليمتحن العبد هل يطيعه أم يعصيه؟.
ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر الله إبراهيم ﷺ بذبح ابنه إسماعيل، فلما أسلما وتله للجبين، حصل المقصود من قوة الامتثال والطاعة، فداه الله بذبح عظيم كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٣ - ١٠٧].
والله ﵎ منَّ على عباده بهذا الدين العظيم، والقرآن المجيد، والرسول الكريم، والهدي المستقيم.
فإن قيل فأي حكمة في تكليف الثقلين، وتعريضهم بذلك للعقوبة، وأنواع المشاق والمكاره .. ؟.
قيل: إن الله خلق المخلوقات، وجعل لها سنناً تسير عليها، فالشمس لها سنة، والقمر له سنة، والليل له سنة، والنهار له سنة، والنبات له سنة، والحيوان له سنة، والرياح لها سنة، والبحار لها سنة.
وكذلك الإنسان مخلوق من مخلوقات الله، محتاج إلى سنة يسير عليها في جميع أحواله، ليسعد في الدنيا والآخرة، وهذه السنة هي الدين الذي أكرمه الله به ورضيه له، وسعادته أو شقاوته مبنية على مدى تمسكه به، أو إعراضه عنه، وهو مختار في قبوله أو رده كما قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وكذلك لولا التكليف لكان خلق الإنسان عبثاً وسدى، والله يتعالى عن ذلك، وقد نزه نفسه عنه، كما نزه نفسه عن العيوب والنقائص كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
ومعلوم أن ترك الإنسان كالبهائم مهملاً معطلاً لا يؤمر ولا ينهى مضاد للحكمة، فإنه خلق لغاية كماله، وكماله أن يكون عابداً لربه، محباً له، مطيعاً له كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ ... [الذاريات: ٥٦].
стр. 422
وهذه المعرفة .. وهذه العبودية .. هما غاية الخلق والأمر .. وهما أعظم كمال الإنسان.
والله من عنايته بالإنسان ورحمته له عرضه لهذا الكمال، وهيأ له أسبابه الظاهرة والباطنة، ومكنه منها.
ومدار التكليف على الإسلام والإيمان والإحسان، وما يتضمنه ذلك من اتصاف العبد بكل خلق جميل، وإتيانه بكل فعل جميل، وقول سديد، واجتنابه لكل خلق سيئ، وترك كل فعل قبيح.
وذلك كله متضمن لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، والإحسان إلى الخلق مع تعريضه بذلك التكليف للثواب الجزيل الدائم، ومجاورة ربه في دار البقاء.
فأي الأمرين أليق بالحكمة .. ؟.
هذا التكليف والتشريف .. أو إرساله هملاً كالخيل والبغال والحمير .. يأكل ويشرب وينكح .. ويفعل ما شاء كالبهائم.
وكيف يليق بذلك الكمال طي بساط الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنه؟.
وكيف تكون حاله لو لم يرسل الله الرسل إليه، وينزل الكتب عليه، ويشرع الشرائع له .. ؟.
وهل عرف الله حقاً من جوز عليه خلاف ذلك .. ؟.
بل ذلك من سوء الظن بالله، نعوذ بالله من ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (٩١)﴾ [الأنعام: ٩١].
آهٍ لمشتت القلب والعقل .. أيليق بالعزيز الكريم أن يترك الإنسان سدى يتردى في أودية الهلاك تائهاً سكراناً من بين الخلائق .. ؟ ويموت لا ذاكراً ولا شاكراً .. ؟.
أيصح هذا .. ؟، أيعقل هذا .. ؟، أيليق به هذا .. ؟.
стр. 423
إن الله أكرم الإنسان، وفضله على غيره، وزوده بالعقل، وأنعم عليه بالدين، حتى يعيش سعيداً، ويصل إلى ربه في أحسن الأحوال، وأجمل الصفات، ويستقبل هناك بالإكرام، حتى يستقر في جنة الخلد حيث النعيم المقيم: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٦٨ - ٧٢].
إن الله ﵎ بفضله ورحمته وكمال حكمته أجرى على العباد ثلاثة أوامر، وبها يتم كمالهم، وتتحقق سعادتهم:
الأول: الأمر الكوني القدري بإيجادهم.
الثاني: الأمر الديني الشرعي في دنياهم.
الثالث: الأمر الجزائي في أخراهم.
ونقلهم سبحانه من دار إلى دار .. ومن حال إلى حال .. حتى يرجعوا إلى ربهم فيحاسبهم بما عملوا .. ثم يستقروا في دار القرار .. في الجنة أو النار.
فيا له من دين ما أحسنه .. ويا لها من شريعة ما أكملها .. ويا لها من أحكام ما أعدلها .. وأين يذهب الناس عن هذا؟: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣].
إن حسن التكليف في العقول، كحسن الإنعام والإحسان إلى العباد، بل هو أبلغ أنواع الإحسان والإنعام، ولهذا سماه الله نعمة ومنّة، وفضلاً ورحمة، وأخبر أن الفرح به خير من الفرح بالنعم المشتركة بين الأبرار والفجار، وبين الناس والأنعام كما قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
والله ﵎ هو الخلاق العليم، وهو الحكيم الخبير، له الخلق والأمر، والملك ملكه، والعباد عباده، وهو أعلم بما ينفعهم ويصلحهم.
стр. 424
يرسل الملائكة بأمره .. ويرسل الأنبياء والرسل بدينه وشرعه إلى خلقه .. ويرسل الرياح بأمره .. ويرسل السحاب فيسوقه حيث شاء .. ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء .. ويصرفها عمن يشاء.
وإرسال الله نوعان:
الأول: إرسال دين يحبه الله ويرضاه، كإرسال أنبيائه ورسله بدينه وأوامره إلى خلقه كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
الثاني: إرسال كون وهو نوعان:
إرسال يحبه الله ويرضاه، كإرسال ملائكته في تدبير أمر خلقه.
وإرسال لا يحبه الله، بل يسخطه ويبغضه، كإرسال الشياطين على الكفار المعاندين كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
стр. 425
٣ - خلق الله للكون
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [الشورى: ٢٩].
الله ﵎ هو رب العالمين، وهو الخلاق العليم، الذي خلق هذا الكون العظيم، وما فيه من المخلوقات التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله وحده.
خلق الله العرش والكرسي، وخلق السموات والأرض، وخلق الشمس والقمر، وخلق الملائكة والروح، وخلق النبات والحيوان، وخلق الإنس والجن، وخلق الجبال والبحار، وخلق الماء والنار، وخلق كل شيء، وقدر خلق كل شيء، وأحسن خلق كل شيء: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ ... [لقمان: ١١].
وإذا تأمل الإنسان هذا العالم بعين البصيرة وجده كالبيت المبني، المعد فيه جميع آلاته ولوازمه ومصالحه، وكل ما يحتاج إليه.
فالسماء سقفه المرفوع، والأرض مهاد وبساط، وسكن وفراش، وذلول، والشمس والقمر سراجان يزهران فيه، والنجوم مصابيح له وزينة، وأدلة للمسافر في طرق هذه الدار.
وأنواع النبات مهيأ لمآربه من حلو وحامض، وحار وبارد، وحبوب وثمار وأزهار.
وصنوف الحيوان مصرفة لمصالحه، فمنها المأكول، ومنها المركوب، ومنها الحلوب، ومنها اللباس والأمتعة والحراسة.
والجواهر والمعادن خلقها الله، وجعلها مخزونة فيه كالذخائر المهيأة، كل منها