يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠)﴾ ... [الإنسان: ٣٠].
فهو سبحانه الحق، وقوله الحق، ووعده الحق، وأمره الحق، وجزاؤه الحق، وأفعاله كلها حق، وكتبه كلها حق، وكيف يليق بالملك الحق أن يخلق خلقه عبثاً، ويتركهم سدى، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ولا يعاقبهم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وهو سبحانه المولى الكريم، الذي هدى الضالين، وعلَّم الجاهلين، وأصلح الفاسدين، وأنقذ الهالكين، وبصر المتحيرين، وتاب على المذنبين، وأقبل بقلوب المعرضين، وذكر الغافلين، وآوى الشاردين.
وإذا أوقع سبحانه عقاباً أوقعه بعد شدة التمرد والعتو عليه، ودعوة العبد إلى الرجوع إليه مرة بعد مرة.
حتى إذا أيس من استجابته أخذه ببعض كفره وعتوه وتمرده، بحيث يعذر العبد من نفسه، ويعترف بأنه سبحانه لم يظلمه، وأنه هو الظالم لنفسه كما قال سبحانه: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ [الملك: ١١].
فهو سبحانه لكمال حكمته وعدله، يضع العقوبة في موضعها الذي لا يليق به غيرها، فوضعه في الموضع الذي يقول من علم الحال لا تليق العقوبة إلا بهذا المحل، ولا يليق به إلا هذه العقوبة.
وقد أخبر الله في كتابه أنه أهلك أعداءه، وأنجى أولياءه، ولا يعمهم بالهلاك بمحض المشيئة والإرادة، بل بسبب عملهم كما قال سبحانه: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾ [الفرقان: ٣٧].
وقال عن فرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
وقال عن عاد حين كذبوا هوداً (: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾ [الشعراء: ١٣٩].
стр. 457
وقد ضمن الله زيادة الهداية للمجاهدين في سبيله، والمتقين الذين يتبعون رضوانه، وأخبر أنه لا يضل إلا الفاسقين: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البقرة: ٢٦، ٢٧].
وأنه إنما يضل من آثر الضلال واختاره على الهدى، فيطبع حينئذ على سمعه وقلبه، وأنه يقلب قلب من لم يرض بهداه إذا جاءه ولم يؤمن به ودفعه ورده، فيقلب فؤاده وبصره عقوبة له على رده، ودفعه لما تحققه وعرفه.
وأنه سبحانه هو العليم الحكيم الذي لو علم في تلك المحال والنفوس التي حكم عليها بالضلال والشقاء خيراً لأفهمها وهداها، ولكنها لا تصلح لنعمته، ولا تليق بها كرامته، فهم شر الدواب كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣].
وقد أزاح سبحانه العلل، وأقام الحجج، ومكن من أسباب الهداية، فمن أقبل على الله هداه، ووفقه لما يحبه ويرضاه، ومن أعرض عنه، فإن الله لا يهدي القوم الكافرين ولا الظالمين ولا الفاسقين، ولا يطبع إلا على قلوب المعتدين، ولا يركس في الفتنة إلا المنافقين بكسبهم، وأن الرين الذي غطى به قلوب الكفار هو عين كسبهم وأعمالهم كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].
وأخبر سبحانه أنه لا يضل من هداه حتى يبين له ما يتقي، فيختار لشقوته وسوء طبيعته الضلال على الهدى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾ [التوبة: ١١٥].
وأما المكر والكيد والخداع الذي وصف به نفسه، فهو مجازاته للماكرين والكائدين، والمخادعين لأوليائه ورسله، فيقابل مكرهم السيئ بمكره الحسن، فيكون المكر منهم أقبح شيء، ومنه أحسن شيء، لأنه عدل ومجازاة.
стр. 458
وكذلك الكيد والمخادعة منه جزاء على مخادعة رسله وأوليائه وكيدهم، فلا أحسن من تلك المخادعة والمكر كما قال سبحانه: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠].
وأما كون الرجل يعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيدخل النار، فهذا عمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس، ولو كان عملاً صالحاً مقبولاً للجنة قد أحبه الله ورضيه، لم يبطله عليه، فقد يكون به آفة كامنة خذل بها في آخر عمره، والله يعلم من سائر العباد ما لا يعلمه بعضهم من بعض.
والله تبارك وتعلى يعلم ما في قلب إبليس من الكفر والكبر والحسد ما لا يعلمه الملائكة، فلما أمرهم بالسجود لآدم، ظهر ما في قلوبهم من الطاعة والمحبة، والخشية والانقياد، وبادروا إلى الامتثال، وأظهر ما في قلب عدوه إبليس من الكبر والغش والكفر والحسد، فأبى وامتنع من السجود لربه كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].
وأما خوف أوليائه من مكره فحق، فإنهم يخافون أن يخذلهم بذنوبهم فيصيرون إلى الشقاء، فخوفهم من ذنوبهم، ورجاؤهم لرحمته.
والذي يخافه العارفون بالله من مكره، أن يؤخر عنهم عذاب المعاصي، فيأنسوا بالذنوب، فيأتيهم العذاب على غرة، أو أن يغفلوا عنه، وينسوا ذكره، فيتخلى عنهم إذا تخلوا عن ذكره وطاعته، فيسرع إليهم البلاء والفتنة، أو أن يعلم من ذنوبهم ما لا يعلمونه، فيأتيهم المكر من حيث لا يشعرون، أو يبتليهم بما لا صبر لهم عليه فيفتنون به، وذلك مكر.
ومن علم الله منه أنه لا يؤمن، ولا يصلح للهداية، فإنه لا يؤمن ولو جاءته كل آية كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
стр. 459
ومن ضل عن قبول الحق والاهتداء به .. فهذا إضلال ناشئ عن علم الله السابق في عبده أنه لا يصلح للهدى ولا يليق به .. وأن محله غير قابل له .. فالله أعلم حيث يضع هداه وتوفيقه .. كما هوأعلم حيث يجعل رسالته.
وكما أنه ليس كل محل أهلاً لتحمل الرسالة، وأدائها إلى الخلق، فليس كل محل أهلاً لقبولها والتصديق بها: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وتأمل حكمة الرب ﷻ في عذاب الأمم السابقة بعذاب الاستئصال، لما كانو أطول أعماراً، وأعظم قوى، وأعتى على الله وعلى رسله.
فلما تقاصرت الأعمار وضعفت القوى، رفع الله عذاب الاستئصال، وجعل عذابهم بأيدي المؤمنين.
وما أعظم حكمة الرب ﷻ في إرسال الرسل في الأمم واحداً بعد واحد .. كلما مات رسول خلفه آخر .. لحاجتها إلى تتابع الرسل والأنبياء .. لضعف عقولها .. وعدم اكتفائها بآثار شريعة الرسول السابق.
فلما انتهت النبوة إلى محمد ﷺ .. أرسله إلى أكمل الأمم عقولاً ومعارف .. وأصحها أذهاناً .. وبعثه بأكمل شريعة ظهرت في الأرض.
فأغنى الله الأمة بكمال رسولها، وكمال شريعته، ووكلهم بها حتى يؤدوها إلى نظرائهم، ومن وراءهم، ومن بعدهم إلى يوم القيامة، فلم يحتاجوا معه إلى رسول آخر ولا نبي ولا محدّث.
فسبحان الخلاق العليم، العزيز الحكيم، البصير بأحوال خلقه وملكه، الذي له في كل ذرة في هذا الكون فما فوقها:
خلق من خلقه .. وقضاء من قضائه .. وأمر من أمره .. وحكمة من حكمه.
فتبارك الله أحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين.
стр. 460
٥ - فقه خَلق المخلوقات
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
وقال الله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠١، ١٠٢].
الله ﵎ هو الخلاق العليم، الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً:
خلق كل شيء في العالم العلوي، وفي العالم السفلي.
خلق العرش والكرسي .. وخلق السموات والأرض .. وخلق الشمس والقمر، وخلق النجوم والكواكب .. وخلق الليل والنهار .. وخلق الملائكة والأرواح .. وخلق الماء والرياح .. وغير ذلك مما خلقه الله، ولا يحيط بعلمه إلا هو.
وخلق سبحانه الأنهار والبحار .. وخلق التراب والجبال .. وخلق النبات والحيوان .. وخلق الإنس والجان .. وخلق الحر والبرد .. وخلق اليابس والرطب .. وخلق الكبير والصغير .. وخلق الذكر والأنثى.
وخلق سبحانه الدنيا والآخرة .. والجنة والنار، والثواب والعقاب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [غافر: ٦٢].
فسبحان الخلاق الذي خلق كل شيء، الذي يخلق ما يشاء ويختار، الجبار الذي قهر كل شيء، العظيم الذي لا يعجزه شيء، الملك الذي بيده ملكوت كل شيء، القوي القادر على كل شيء: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨١ - ٨٣].
стр. 461
١ - خلق العرش والكرسي
قال الله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
الله ﵎ هو الملك الذي يملك كل شيء، القوي الذي لا يعجزه شيء، الخالق الذي خلق كل شيء.
خلق العرش واستوى عليه، وأمر الملائكة بحمله، وتعبدهم بتعظيمه والطواف به.
وخلق البيت المعمور في السماء السابعة، وأمر الملائكة بالطواف به.
وخلق سبحانه البيت العتيق في الأرض، وأمر بني آدم بالطواف به، واستقباله في الصلاة.
وعرش الرحمن سرير ذو قوائم .. تحمله الملائكة .. وهو كالقبة على العالم .. وهو سقف المخلوقات .. وأعظم المخلوقات .. وأعلى المخلوقات .. وأوسع المخلوقات .. وأكبر المخلوقات .. فالله سبحانه مجيد .. وعرشه مجيد.
والله ﷻ مدح نفسه بأنه: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج: ١٥].
وأنه: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وأنه: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩].
فوصف سبحانه العرش بأنه مجيد، وكريم، وعظيم.
فهو عظيم لكونه أعظم المخلوقات وأكبرها وأعلاها وأوسطها.
стр. 462
وكريم لما له من منزلة تميز بها عما سواه من المخلوقات.
ومجيد عال مرتفع على جميع المخلوقات والكائنات.
وبذلك صار بهذه الصفات لائقاً بجلال الله وعظمته وكبريائه.
وخصه الله ﷻ من بين سائر المخلوقات بالاستواء عليه.
وعرش الرحمن أكبر المخلوقات وأعظمها، والرحمن استوى عليه بأوسع الصفات وهي الرحمة، فاستوى سبحانه على أوسع المخلوقات وهو العرش، بأوسع الصفات وهي الرحمة كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
وعرش الله أعلى المخلوقات وأرفعها وسقفها وأقربها إلى الله تعالى، فهو أعلى من السموات والأرض، وهو سقف الجنة، اختصه الله بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه الرحمن كيف شاء.
قال النبي ﷺ : «إِذَا سَألْتُمُ الله فَسَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أوْسَطُ الْجَنَّةِ، وَأعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أنْهَارُ الْجَنَّةِ» أخرجه البخاري (١).
وعرش الرحمن جل وعلا أكبر المخلوقات وأعظمها، وأوسعها وأثقلها، وزنته أثقل الأوزان، ولا يقدر قدره أحد إلا الله: فـ «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ» أخرجه مسلم (٢).
والملائكة الذين يحملون العرش لا يعلم عظمتهم إلا الله.
قال النبي ﷺ : «أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِائَةِ عَامٍ» أخرجه أبو داود (٣).
وعرش الرحمن أعلى المخلوقات، فبين السماء والأرض خمسمائة عام، وبين
стр. 463
السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه مثقال ذرة من أعمال العباد.
وقد خلق الله العرش قبل خلق السموات والأرض، وقبل القلم، بل قبل سائر المخلوقات.
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وقال النبي ﷺ : «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السموات وَالأرْضَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ» أخرجه مسلم (١).
والعرش أكبر المخلوقات وأعظمها كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩].
وعرش الرحمن ﵎ أعلى المخلوقات كلها وأثقلها وزناً.
فسبحان العزيز الجبار الذي خلقه، واستوى عليه، وجعله مع عظمته محتاجاً إليه: «سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِه» أخرجه مسلم (٢).
والكرسي وسع السموات والأرض، والكرسي بالنسبة للعرش كحلقة ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة.
والسموات السبع، والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي كحلقة ملقاة بأرض فلاة.
وحملة العرش ملائكة عظام لا يعلم عظم خلقهم إلا الله، ولا يعلم قوتهم إلا الله، ولا يعلم عددهم إلا الله، يحملون العرش بقدرة الله.
стр. 464
وحملة العرش من أكبر الملائكة وأعظمهم وأقواهم، وهم ومن حول العرش من الملائكة المقربين يعبدون الله ، ولهم زجل بالتسبيح والتقديس والتحميد كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
ويوم القيامة يحمل عرش الرحمان ثمانية أملاك عظام كما قال سبحانه: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾ [الحاقة: ١٧].
والكرسي جسم عظيم مخلوق بين يدي العرش، وهو موضع القدمين للباري ، والعرش أعظم منه، والكرسي أعظم المخلوقات بعد العرش كما قال سبحانه: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
والله ﵎ فوق سماواته، مستو على عرشه، عال على خلقه، لا يخفى عليه شيء من أمرهم: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾ [النمل: ٢٦].
وإذا كانت هذه عظمة كرسيه .. فكم تكون عظمة عرشه الذي وصفه بأنه عظيم .. ؟. وكم تكون عظمة الرب الذي استوى عليه ﷻ .. ؟.
أفيليق بمن هذه صفاته .. وهذه أفعاله .. وهذه عظمته .. أن يسكن العبد في ملكه .. ويأكل من رزقه .. ويكفر به .. ويستكبر عن عبادته وطاعته .. ؟.
стр. 465
٢ - خلق السموات
قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦].
من آيات الله العظام خلق السموات، فهي من أعظم الآيات في علوها وارتفاعها، وفي سعتها وقرارها، بحيث لا تصعد علواً كالنار، ولا تهبط نازلة كالأجسام الثقيلة، ولا عمد تحتها، ولا علاقة فوقها: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾ [الرعد: ٢].
وهو سبحانه الرؤوف الرحيم، الذي أمسك بقدرته السماء أن تقع على الأرض، ولولا إمساكه لها لخرت السماء على الأرض، فهو الذي خلق السماء: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ ... [الحج: ٦٥].
وهو سبحانه الحي القيوم، القوي القدير، الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، ليحصل للخلق القرار والنفع والاعتبار، وليعلموا من عظيم سلطانه وكمال قدرته، ما تمتلئ به قلوبهم إجلالاً له وتعظيماً، ومحبةً وذلاً، ولو زالتا ما أمسكهما أحد من الخلق: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وهو سبحانه الذي خلق سبع سماوات، كل واحدة فوق الأخرى، وخلقها في غاية الحسن والإتقان، لا خلل فيها ولا نقص، فهي حسنة كاملة متناسبة من كل وجه، في لونها وهيئتها وارتفاعها.
стр. 466
فسبحان الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، والذي خلق السموات السبع في غاية القوة والحسن والعظمة: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ ... [الملك: ٣، ٤].
وقد زين الله السماء الدنيا بمصابيح، وهي النجوم على اختلافها في النور والضياء كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: ٥].
وقد جعل الله هذه النجوم زينةً وجمالاً للسماء، ونوراً وهدايةً يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ورجوماً للشياطين الذين يسترقون السمع ويضلون العباد، ولولا هذه النجوم لكانت السماء سقفاً مظلماً لا حسن فيه ولا جمال.
فسبحان الذي خلق السماء وبناها، وسواها وعدلها، فلا صدع فيها ولا فطر، ولا شق فيها ولا عوج.
وسبحان من زينها بهذا اللون الأزرق، الذي هو أحسن الألوان، وأشدها موافقة للبصر وتقوية له.
وسبحان من أمسكها فلا تميل ولا تميد، ولا تزول ولا تسقط: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)﴾ [البقرة: ١١٧].
ومن أراد أن ينظر إلى عظمة الخالق فلينظر إلى مخلوقاته ومصنوعاته، وعظمة أسمائه وصفاته، وآلائه ونعمه، وسعة خزائنه.
فما أعظم صنع الله في ملكوت السموات، وعلوها وسعتها، واستدارتها، وعظم خلقها، وحسن بنائها، وجمالها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦].
فتأمل خلق السماء، وما فيها من عجائب المخلوقات، وعجائب شمسها وقمرها وكواكبها، ومقاديرها وأشكالها، وتفاوت مشارقها ومغاربها.
стр. 467
فلا ذرة فيها تنفك عن حكمة .. بل هي أحكم خلقاً .. وأتقن صنعاً .. وأجمع للعجائب من بدن الإنسان كما قال سبحانه: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].
بل لا نسبة لجميع ما في الأرض إلى عجائب السموات، لسعتها وعظمتها، وعلوها، وما فيها من الملائكة والكواكب، والشمس والقمر كما قال سبحانه ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ [الذاريات: ٤٧].
فالأرض وما فيها من المخلوقات، بالنسبة إلى السموات وما فيها من المخلوقات، كقطرة في بحر، وذرة في جبل.
وكما خلق الله الأرض وجعل فيها الإنس والجن، فكذلك خلق السموات السبع وملأها بالملائكة الذين: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء:٢٠].
وقال النبي ﷺ : «إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلاَّ وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِداً لِلَّهِ، وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيراً وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ وَلَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إلى اللهِ» أخرجه الترمذي (١).
ولعظمة خلق السموات قل أن تجيء سورة في القرآن إلا وفيها ذكرها:
إما إخباراً عن عظمتها وسعتها .. وإما إقسامًا بها .. وإما دعاءً إلى النظر إلى خلقها وعظمتها .. وإما إرشاد للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها .. وإما استدلال منه بربوبيته لها مع وحدانيته .. وإما استدلال بخلقها على ما أخبر به من المعاد .. وإما استدلال بحسنها واستوائها وإمساكها على تمام قدرته وحكمته .
стр. 468
وخلق الأرض متقدم على خلق السموات كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].
فسبحان الذي خلق هذا السقف الأعظم مع صلابته وشدته وقوته من دخان وهو بخار الماء.
وسبحان الذي بنى السموات السبع الشداد كما قال سبحانه: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ [النبأ: ١٢].
فانظر إلى هذا البناء العظيم الشديد الواسع، الذي رفع الله سمكه أعظم ارتفاع، وزينه بأحسن زينة، وأودعه العجائب والآيات.
ثم ارجع البصر إلى السماء، وانظر فيها، وفي كواكبها ودورانها، وطلوعها وغروبها، وهي باقية إلى أن يطويها فاطرها ومبدعها.
وانظر إلى شمسها وقمرها، واختلاف مشارقها ومغاربها، ودأبها في الحركة على الدوام بأمر خالقها، من غير فتور في حركتها، ولا تغير في سيرها، إلى أن يأتي أجلها، وموعد زوالها.
وانظر إلى كثرة كواكب السماء، واختلاف ألوانها وأحجامها وأنوارها.
ثم انظر إلى الشمس، وقوة إنارتها وحرارتها، وسيرها في فلكها في مدة سنة، ثم هي في كل يوم تطلع وتغرب بأمر ربها، بسير سخره لها خالقها، لا تتعداه ولا تقصر عنه.
ولولا طلوع الشمس وغروبها، لما عرف الليل والنهار، ولا المواقيت، ولأطبق الظلام على العالم أو الضياء.
стр. 469
وانظر إلى القمر وعجائب آياته، كيف يبديه الله كالخيط الدقيق، ثم يتزايد نوره شيئاً فشيئاً كل ليلة، حتى يكون بدراً في منتصف الشهر، ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، ليظهر من ذلك مواقيت العباد في معاشهم، وعباداتهم ومناسكهم.
وما من كوكب من الكواكب إلا وللرب ﵎ في خلقه حكم كثيرة:
في حجمه ومقداره .. وفي شكله ولونه .. وفي موضعه من السماء .. وفي قربه من وسطها وبعده .. وفي قربه من الكوكب الذي يليه .. وفي بعده عنه .. كتفاوت أعضاء البدن واختلافها .. وتفاوت منافعها.
وقد أمرنا الله بالنظر في ملكوت السموات والأرض لما فيها من الآيات والعبر التي تزيد الإيمان كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
والنظر إلى السماء نوعان:
الأول: نظر إليها بالبصر الظاهر، فيرى مثلاً زرقة السماء ونجومها وعلوها وسعتها، وهذا نظر يشارك فيه الإنسان غيره من الحيوانات، وليس هو المقصود.
الثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة، فتفتح له أبواب السماء، فيجول في أقطارها وملكوتها، وبين ملائكتها، الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ويرى أنبياء الله ورسله الذين بلغوا دينه إلى عباده، آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السابعة، وغيرهم في السموات الأخرى.
ثم يفتح له باب بعد باب، حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سعته وعظمته، وجلاله ومجده ورفعته، ويرى السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة في أرض فلاة.
ويرى الملائكة الذين يحملونه، والملائكة الذين حوله، حافين من حول
стр. 470
العرش، ولهم زجل بالتسبيح والتحميد، والتقديس والتكبير.
ويرى الملك العظيم الجبار، الكريم الرحمن، مستو على عرشه، والأوامر تنزل من عنده بتدبير الممالك والجنود والخلائق التي لا يعلمها ولا يحصيها إلا ربها ومليكها.
فينزل الأوامر بإحياء قوم .. وإماتة آخرين .. وإعزاز قوم .. وإذلال آخرين .. وإنشاء ملك .. وسلب ملك .. وجبر كسير .. وإغناء فقير .. وشفاء مريض .. وإغاثة ملهوف .. ونصر مظلوم .. وهداية حيران .. وتفريج كرب .. ومغفرة ذنب .. وكشف ضر .. وتحويل نعمة من محل إلى محل .. وغير ذلك.
فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل، والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، لا يشغله شيء منها عن شيء، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج، ولا ينقص الإنفاق ذرة من خزائنه، لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
وينظر إلى أمره يتنزل بين السموات والأرض، وفي كل سماء من سمواته السبع، خلق من خلقه .. وأمر من أمره .. وقضاء من قضائه.
خلق سبحانه سبع سموات، بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وأمره ينزل بين كل سماء وسماء، وبين الأرض والسماء: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فإذا رأى القلب هذا .. ورأى حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به .. ورأى الملائكة يطوفون بالبيت المعمور .. ورأى كل سماء مملوءة بالركع السجود من الملائكة .. ورأى قدرة الله تمسك السماء أن تزول أو تقع عل الأرض .. ورأى هذا الملكوت العظيم.
فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن مطرقاً لهيبته، خاشعاً لعظمته، ذليلاً لعزته، فيسجد بين يدي الرحمن، الملك الحق المبين، سجدة لا يرفع رأسه منها إلى
стр. 471
يوم المزيد.
فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله وعجائب صنعه.
فيا له من سفر ما أبركه وأروحه .. وما أعظم ثمرته وربحه .. وما أسعد صاحبه.
وهذه السموات السبع العظيمة، على اتساعها وكبرها وعظمتها، يطويها العزيز الجبار يوم القيامة بيمينه، وهي في يده أصغر من الخردلة كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
وجاء حبر إلى النبي ﷺ فقال: «يَا مُحَمَّدُ! أوْ يَا أبَا الْقَاسِمِ! إِنَّ اللهَ تعالى يُمْسِكُ السموات يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أنَا الْمَلِكُ، أنَا الْمَلِكُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَعَجُّباً مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ، تَصْدِيقاً لَهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ ... [الزمر: ٦٧]» متفق عليه (١).
ألا ما أعظم الله .. وما أعظم خلقه .. وما أعظم قوته.
فسبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة.
وخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، فالناس بالنسبة إلى خلق السموات والأرض من أصغر ما يكون.
فالذي خلق الأجرام العظيمة وأتقنها، قادر على إعادة الناس بعد موتهم من باب أولى وأحرى، فما بال أكثر الناس لا يعتبرون بذلك، ولا يجعلونه منهم على بال:
стр. 472
﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ ... [غافر: ٥٧].
ألا ما أعظم آيات الله في خلق السموات السبع الشداد:
من علوها وسعتها .. وكبرها وعظمتها .. ولونها الحسن .. وإتقانها العجيب .. وما فيها من النجوم والكواكب .. الثوابت والسيارات .. والشمس والقمر النيرات .. جعلها الله سقفاً للأرض .. وحفظها من السقوط.
فهل يتعظ الإنسان ويتدبر خلق هذه السموات السبع الطباق، وما فيها من الآيات والعبر؟.
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢].
стр. 473
٣ - خَلق الأرض
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾ [السجدة: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
خلق الله الأرض مختلفة الأجناس والصفات والمنافع:
فهذه الأرض سهلة .. وهذه حزنة. وهذه صلبة .. وهذه رخوة .. وهذه سوداء .. وبجوارها بيضاء .. وهذه حصى كلها .. وبجوارها أرض ليس فيها حجر .. وهذه سبخة مالحة .. وبجوارها أرض خصبة طيبة .. وهذه طين أو رمل ليس فيها جبل .. وهذه مسجرة بالجبال .. وهذه تصلح لنبات كذا .. وهذه لا تصلح له .. وهذه تمسك الماء، ولا تنبت الكلأ .. وهذه تنبت الكلأ، ولا تمسك الماء: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ ... [الرعد: ٤].
فسبحان من نوعها هذا التنوع .. وفرق أجزاءها هذا التفريق .. ومن خص كل قطعة منها بما خصها به من المنافع والنبات والمعادن.
وسبحان من ألقى عليها رواسيها .. وفتح فيها السبل .. وأخرج منها الماء والمرعى .. ومن بارك فيها .. وقدر فيها أقواتها.
وإذا نظر الإنسان إلى الأرض، وكيف خُلقت، رآها من أعظم آيات فاطرها ومبدعها.
خلقها الله فراشاً ومهاداً، وذللها لعباده، وجعل فيها أرزاقهم وأقواتهم ومعايشهم، وجعل فيها السبل لينتقلوا فيها في حوائجهم وتصرفاتهم، وأرساها
стр. 474
بالجبال، وجعلها أوتاداً تحفظها لئلا تميد بهم.
ووسع سبحانه أكنافها، ودحاها، ومدها، وبسطها، وجعلها كفاتاً للأحياء تضمهم على ظهرها ما داموا أحياء، وكفاتاً للأموات تضمهم في بطنها إذا ماتوا، فظهرها وطن للأحياء، وبطنها وطن للأموات كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥، ٢٦].
والأرض كائن حي، يحيا ويموت، فالماء حين يصيب الأرض، يبعث فيها بأمر الله الخصب، فتنبت الزرع الحي النامي، وتموج صفحاتها بألوان وأشكال من الأحياء من النباتات، والماء رسول الحياة من الله، فحيث كان تكون الحياة: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾ [الروم: ٢٤].
فانظر إلى الأرض وهي ميتة هامدة خاشعة، فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وتحركت، وربت واخضرت، وأنبتت من كل زوج بهيج، فأخرجت عجائب النبات في المنظر والمخبر.
أقوات وأزهار وثمار على اختلافها، وتباين مقاديرها وأشكالها، وألوانها ومنافعها، وأنواع الفواكه والثمار، ومراعي الدواب والطير: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
ثم انظر إلى قطع الأرض المتجاورات، وكيف ينزل عليها ماء واحد، فتنبت الأزواج المختلفة المتباينة في اللون والشكل، والرائحة والطعم، والمنفعة والحجم، واللقاح واحد، والأم واحدة، والنتاج مختلف.
فسبحان من أودع هذه الأجنة المختلفة في بطن هذه الأم، وجعلها تحمل بذلك من لقاح واحد أمم وقبائل من النبات: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
وسبحان من أحكم جوانب الأرض بالجبال الراسيات، الشوامخ الصم
стр. 475
الصلاب، ونصبها فأحسن نصبها، ورفعها وجعلها أصلب أجزاء الأرض، لئلا تضمحل على تطاول السنين، وترادف الأمطار، وتوالي الرياح، وأتقن صنعها، وأحكم وضعها، وأودعها من المنافع والمعادن والجواهر والعيون ما أودعها، ثم هدى الناس للاستفادة منها، ولولا هدايته لهم إلى ذلك لم يعرفوه ولم يقدروا عليه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ [النبأ: ٦، ٧].
والله ﵎ هو الذي أنزل من السماء ماء مباركاً، وأسكنه في الأرض، يستفيد منه الإنسان والحيوان والنبات على مدار العام كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ ... [المؤمنون: ١٨].
فسبحان من أودع الماء في الأرض، ثم أخرج به أنواع الأغذية والأدوية والأشربة والأقوات على مدار العام.
فهذا لغذاء الإنسان .. وهذا لغذاء الحيوان .. وهذا سم قاتل. وهذا شفاء من السم .. وهذا حار .. وهذا بارد .. وهذا حلو .. وهذا مر .. وهذا حامض .. وهذا مالح .. وهذا ثمر .. وهذا ورق .. وهذا حب متراكب .. وهذ منفرد .. وهذا ثمر مستور .. وهذا مكشوف .. وهذا ثمر أبيض .. وهذا أصفر .. وهذا أحمر .. وهذا أسود.
وهذا ثمره في باطن الأرض .. وهذا على سطح الأرض .. وهذا ثمره في أعلاه .. وهذا في أسفله .. إلى غير ذلك من عجائب النبات التي لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله وحده، والذي لا تكاد تخلو ورقة ولا زهرة، ولا ثمرة ولا خشبة منه، من منافع تعجز العقول عن الإحاطة بها: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١].
وانظر إلى قدرة الله في سوق الماء في تلك العروق الرقيقة الضعيفة، وكيف يستقبله النبات، وكيف يجذبه من مقره ومركزه إلى فوق، ثم ينصرف في تلك الأغصان والأوراق والثمار.
فسبحان من أنزل الماء بقدرته، ورفعه بقدرته، وسيره بقدرته، وقسمه بعلمه
стр. 476
ومشيئته، وأحيا به الأموات، وأخرج به من كل الثمرات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل: ١٠، ١١].
وسبحان الخلاق العليم الذي خلق الأرض وبسطها، وشق أنهارها، وأنبت أشجارها، وأخرج ثمارها، ومن صدعها عن النبات، وأودع فيها جميع الأقوات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤)﴾ [الشعراء: ١٧٤].
وسبحان الذي يمسك الأرض أن تتحرك أو تزلزل فيسقط ما عليها من بناء ومعلم، أو يخسفها بمن عليها فإذا هي تمور، وتبلع ما على ظهرها.
وإذا خسف الله بالأرض، فمن ذا يمسكها سواه، وإذا زلزلها فمن ذا يثبتها سواه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر: ٤١].
وهو سبحانه الذي جعل الأرض خزانة حافظة لما استودع فيها من المياه، والأرزاق، والمعادن، والنبات والحيوان، وجعل فيها الجنات والحدائق والعيون،
إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار.
والله هو الحي الذي يحيي الأرض بعد موتها، فينزل عليها الماء من السماء، ثم يرسل عليها الرياح، ويطلع عليها الشمس، فتأخذ في الحبل، فإذا كان وقت الولادة، مخضت للوضع، واهتزت وأنبتت من كل زوج بهيج، بإذن ربها وفاطرها.
فتبارك الله أحسن الخالقين، الذي جعل السماء كالأب، والأرض كالأم، والقطر كالماء الذي ينعقد منه الولد، فإذا حصل الحب في الأرض، وصب عليه الماء، وكان في الموسم، انتفخت الحبة، وانفلقت عن ساقين، ساق من فوقها وهو الشجرة، وساق من تحتها وهو العروق، ثم عظم ذلك الولد، ثم وضع من
стр. 477
الأولاد بعد أبيه آلافاً مؤلفة، كل ذلك صنع الرب في حبة واحدة، وذلك من البركة التي وضعها الله سبحانه في هذه الأم، وجعل ذلك دليلاً على إخراج من في القبور، ليوم البعث والنشور: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
فالأرض كالأم تحمل في بطنها أنواع الأولاد من كل صنف، ثم تخرج بأمر الله من ذلك للإنسان والحيوان ما أذن لها فيه ربها أن تخرجه، إما بعملهم وإما بدونه، ثم يرد إليها ما خرج منها، فينبته الله مرة أخرى .. وهكذا.
وجعلها سبحانه كفاتاً للأحياء ما داموا على ظهرها، فإذا ماتوا استودعتهم في بطنها، فكانت كفاتاً لهم تضمهم على ظهرها أحياء، وفي بطنها أمواتاً.
فإذا جاء يوم الوقت المعلوم، وقد أثقلها الحمل، وحان وقت الولادة ودنو المخاض، أوحى إليها ربها وفاطرها أن تضع حملها، وتخرج أثقالها، فتخرج الناس بإذن ربها من بطنها إلى ظهرها.
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾ [المعارج: ٤٣، ٤٤].
ثم تحدث أخبارها، وتشهد على بنيها بما عملوا على ظهرها من خير أو شر: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٤ - ٨].
فسبحان من أخرج الليل والنهار بواسطة الأجرام العلوية، وأخرج الذكور والإناث بواسطة الأجرام السفلية، فأخرج من الأرض ذكور الحيوان وإناثه، وذكور النبات وإناثه، على اختلاف أنواعها، كما أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة الشمس.
стр. 478
وسبحان من جعل الأرض بالنسبة للإنسان كالأم، بل أشفق من الأم، فقد أمر الله الأم أن تسقيك لوناً واحداً من اللبن، وأمر الأرض أن تطعمك وتسقيك ألواناً من المأكولات والمشروبات.
وكنت في بطن الأم الصغرى تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، كنت مطيعاً لله، دعاك إلى الخروج إلى الدنيا فخرجت إليها مطيعاً.
وأنت الآن في بطن الأم الكبرى، وقد سخر الله لك كل شيء، وهو اليوم يدعوك إلى الخروج إلى الآخرة بالإيمان والأعمال الصالحة مراراً فلا تجيبه؟.
فما أجهل الإنسان بربه، وما أجهله بما ينفعه وما يضره، وما أظلمه لنفسه ولغيره: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وفي خلق الأرض آيات وعجائب وعبر، لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله كما قال سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾ ... [الذاريات: ٢٠].
ومن آياتها خلقها بهذا الحجم الهائل العظيم، وسعتها وكبر خلقها، وتسطيحها ليستقر عليها الحيوان، فهي كروية لها سطح.
ومن آياتها أن جعلها سبحانه قراراً وفراشاً، لتكون مقر الحيوان ومساكنه.
وجعلها سبحانه بساطاً يسير عليها الحيوان والإنسان بيسر وسهولة، وجعل فيها الفجاج والسبل: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٩ - ٢٠].
وجعلها الله مهاداً ذلولاً، تُوطأ بالأقدام، وتضرب بالمعاول والفئوس، وتُحمل على ظهرها الأبنية الثقال، فهي ذلول مسخرة لما يريد العبد منها في تحقيق مصالحه، من بناء وزراعة وصناعة.
ومن رحمته سبحانه أن جعل الأرض ذلولاً، لم يجعلها في غاية الصلابة والشدة كالحديد فيمتنع حفرها وشقها، والغرس والزرع فيها، ولم يجعلها سائلة لا يمكن الزرع والغرس فيها، ولا رخوة لا يمكن السير عليها، والبناء فوقها.
بل جعلها سبحانه قراراً بين الصلابة والدماثة، بحيث تصلح للسير والمشي،
стр. 479
وتقبل الزرع والغرس، وتحمل المباني والأجسام الثقيلة: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
وأشرف الجواهر عند الإنسان الذهب والفضة، ولو كانت الأرض من هذه الجواهر لفاتت مصالح العباد والحيوان منها، وتعطلت المنافع المقصودة منها.
ومن هنا نعلم أن جواهر التراب ومنافعه أشرف من هذه الجواهر وأنفع وأبرك، وإن كانت تلك أعز وأغلى، فغلاؤها وعزتها لقلتها، وإلا فالتراب أنفع منها وأبرك وأنفس.
ومن رحمته سبحانه أن خلق الأرض كثيفة غبراء، فصلحت أن تكون مستقراً للنبات والحيوان والأنام.
لم يجعلها سبحانه شفافة لا يستقر عليها النور، فلا تقبل السخونة، فتكون باردة لا يعيش عليها ولا فيها حيوان ولا نبات.
ولم يجعلها صقيلة براقة، لئلا يحترق ما عليها بسبب انعكاس أشعة الشمس، كما يشاهد من احتراق القطن عند انعكاس شعاع الجسم الصقيل الشفاف عليه.
ومن الآيات في الأرض ما أوقعه الله بالأمم التي كذبت رسله، وخالفت أمره، فأبقى آثارهم دالة عليهم كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ ... [السجدة: ٢٦].
وقال سبحانه: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
فكم من آية؟، وكم من عبرة؟، وكم من تبصرة؟، وكم من ذكرى في هذه الأرض ما عليها؟.
وأي دلالة أعظم من رجل يخرج وحده لا مال له ولا عدة ولا عدد.
فيدعو الأمة العظيمة إلى توحيد الله والإيمان به وطاعته، ويحذرهم بأسه ونقمته، فيكذبونه ويعادونه، فيذكرهم أنواع العقوبات الخارجة عن قدرة البشر،
стр. 480
والتي أوقعها الله بمن كفر به وكذب رسله.
فيغرق المكذبين كلهم تارة كما فعل سبحانه بقوم نوح، وفرعون وقومه.
ويخسف بغيرهم الأرض تارة كما فعل بقارون وغيره.
ويهلك آخرين بالريح كم فعل بقوم عاد.
ويهلك آخرين بالصيحة كما فعل بقوم ثمود.
ويهلك آخرين بالمسخ .. وآخرين بالصواعق .. وآخرين بالحجارة .. وآخرين بأنواع العقوبات .. وينجو داعيهم ومن معه من المؤمنين .. والهالكون أضعاف أضعافهم عدداً وقوة ومنعة وأموالاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٧، ٦٨].
وكل أخذه الله بذنبه عقوبة على جرمه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾ [العنكبوت: ٤٠].
والله ﷻ يُري أهل كل قرن من الآيات ما يبين لهم أنه الإله الحق، وأن رسله صادقون، وأن دينه حق: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣].
وخلق السموات والأرض آية كبرى تشهد بأن الذي خلقها وأنشأها هو الله وحده، وتنطوي آية السموات والأرض على آية أخرى في ثناياها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ ... [الشورى: ٢٩].
والحياة في هذه الأرض وحدها، فضلاً عما في السموات من أحياء ومخلوقات لا ندركها آية أخرى، وهي سر لم ينفذ إلى طبيعته أحد، وعلمه إلى الله وحده دون سواه.
فسبحان الخلاق العليم الذي خلق هذه الأحياء المبثوثة في كل مكان، فوق
стр. 481
سطح الأرض، وفي ثناياها، وفي أعماق البحار، وفي جو السماء.
وهذه آية أخرى من آيات الله في الأرض.
أسراب من الطير لا يعلم عددها إلا الله، الذي خلقها، وقسم رزقها وسيرها في ملكه الواسع العظيم.
وأسراب من النحل وأخواتها لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله وحده.
وأسراب من الحشرات والهوام والذر، لا يعلم موطنها إلا الله الذي لا يخفى عليه شيء.
وأسراب من الأنعام والوحش، سائمة وشاردة في كل مكان، لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله وحده.
واسراب من الحيوانات والأسماك في البحر، لا يحصيها ولا يعلمها إلا الله وحده.
وأمم من البشر مبثوثة في الأرض في كل مكان، مختلفة الأجناس والألوان واللغات والأشكال، لا يحصيها إلا الله الذي: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩].
وخلائق اخرى أربى عدداً، وأخفى مكاناً، في السموات والأرض، لا يعلمها إلا الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
وهذه المخلوقات التي تدب في السموات والأرض يجمعها الله حين يشاء، لا يضل منها فرد واحد ولا يغيب، وبنو آدم يعجزهم أن يجمعوا سرباً من الطير الأليف ينفلت من أقفاصهم، أو سرباً من النحل يطير من خلية لهم.
وليس بين بعث هذه المخلوقات وجمعها، وبين موتها وحياتها، إلا كلمة واحدة من الخلاق العليم: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢].
وهذه الأرض الواسعة بما فيها من تراب وجبال وبحار، عائمة في الهواء، سابحة في الفضاء، غير مستندة إلى شيء إلا إلى قدرة الذي خلقها وأمسكها
стр. 482
ودبرها كيف شاء، بهذا النظام الذي لا يتخلف، وبهذا القدر الذي يسمح للأحياء والأشياء أن تظل على سطح هذا الكوكب السابح السارح الدائر في الفضاء. فسبحان الذي: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج:٦٥].
وسبحان من خلق الأرض ودحاها وملأها بالخيرات والأرزاق، وجهزها لاستقبال الأحياء، وحضانتهم على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وطريقة حياتهم، من نبات وحيوان، وطير وحشرات، وإنس وجن، وغيرهم مما لا يعلمه إلا الله العليم الخبير.
وكل هؤلاء جماعات وقبائل وشعوب، لا يحصيها إلا الله الذي خلقها، وخلق أرزاقها، وحدد آجالها.
والله ﵎ هو المولى الكريم الرحيم، الذي خلق هذه الأقوات المدخرة في الأرض، للأحياء التي تسكن على ظهرها، أو تسبح في أجوائها، أو تمخر ماءها، أو تختبئ في مغاورها وكهوفها، أو تختفي في مساربها وأجوافها.
هذه الأقوات الجاهزة من جهزها وأعدها بمختلف الأشكال والألوان؟.
إن الله هو الذي خلقها، لتلبي حاجات هذه الأحياء التي لا تحصى، ولا تحصى أنواع غذائها، ولا يحصب كميات أرزاقها إلا الذي خلقها.
هذه الأقوات التي أودعها الله في جوفها، والساربة في مجاريها، والسابحة في هوائها، والنابتة على سطحها، والقادمة إليها من الشمس، ومن العوالم الأخرى، وكلها تتدفق وفق تدبير الله الذي خلق هذا المحضن لهذا النوع من الحياة، وجهزه بكل ما يلائم، وبكل ما يلزم لهذه الأنواع الكثيرة التي لا تحصى، والتي تتوالد وتتكاثر على مرِّ الدهور.
فسبحان المصور الذي نوع مشاهد الأرض، حيثما امتد الطرف، وحيثما تنقلت القدم، سهول وجبال، وبحار وأنهار، ونبات وحيوان، وأزهار وثمار وأشجار.
وعجائب هذه المشاهد لا تنفد من وهاد وبطاح، ووديان وجبال، وبحار وأنهار.
وكل مشهد من هذه المشاهد في تغير دائم، يمر به الإنسان وهو أخضر، ثم يمر
стр. 483
به إبان الحصاد حين يهيج ويصفر، فإذا هو مشهد آخر: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦].
ألا ما أعظم الآيات والعجائب في هذا الكون العظيم.
فمتى يستيقظ القلب البشري للتأمل والتدبر والتفكر في هذا المعرض الإلهي الهائل؟:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت: ٢٠].
إن كثيراً من الناس يمرون بهذا المعرض العجيب من المخلوقات، مغمضي العيون .. مقفلي القلوب .. لا يحسون فيه حياة .. ولا يفقهون لغة .. لأن لمسة اليقين لم تحيِ قلوبهم .. وقد يكون منهم علماء يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا.
أما حقيقة الحياة والأحياء فتظل محجوبة عن قلوبهم، فالقلوب لا تفهم الوجود، ولا تفتح أسراره إلا بمفتاح الإيمان، ولا تراها إلا بنور اليقين: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف: ١٠٥].
والله وضع هذه الأرض للأنام كما قال سبحانه: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ [الرحمن: ١٠].
والإنسان لطول استقراره على هذه الأرض، وإلفه لأوضاعها وظواهرها، لا يحس يد القدرة الإلهية التي وضعت هذه الأرض للأنام، وجعلت استقرارنا عليها ممكناً ميسوراً إلى الحد الذي لا نكاد نشعر به، ولا نعلم بعظمة نعمة الله علينا فيه إلا حين يثور بركان، أو يمور زلزال، فيؤرجح هذه الأرض المطمئنة من تحتنا، فتضطرب وتمور: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦].
إن البشر لو ألقوا بالهم إلى أنهم محمولون على هذه الهباءة السابحة في هذا الفضاء الكبير، وهي معلقة تسبح في هذا الفضاء، لا يمسكها شيء إلا قدرة الله،
стр. 484
الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، لو أدركوا ذلك لظلوا أبداً معلقي القلوب والأبصار، راجفي الأرواح والأوصال، لا يركنون إلا للواحد القهار: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ ... [يونس: ٣].
وما أعظم نعم الله على العباد في خلق هذه الأرض الذي أودعها خالقها ما لا يحصى من النعم.
فهي ذلول وحلوب .. وهي مذللة للسير عليها بالقدم .. وعلى الدابة .. وعلى السيارة .. وعلى الفلك التي تمخر البحار .. ومذللة للزرع والجني والحصاد .. ومذللة للحياة فيها بما تحويه من هواء وماء وتربة تصلح للزرع والإنبات.
هذه الأرض التي نراها ثابتة مستقرة ساكنة، وهي دابة متحركة، بل رامحة راكضة، وهي في الوقت نفسه ذلول لا تلقي براكبها عن ظهرها، ولا تتعثر خطاها، ولا تهزه وترهقه كالدابة غير الذلول.
ثم هي حلوب كما هي ذلول، فكم يخرج الله منها من المياه؟، وكم يخرج الله منها من الثمار والحبوب؟، وكم يخرج الله منها من البترول والغاز والمعادن؟.
فهذه النعم والأرزاق يسوقها الله إلينا من كل مكان.
فهل أدينا حق الله علينا من العبادة والطاعة؟.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ ... [البقرة: ٢١، ٢٢].
إن هذه الدابة التي نركبها تدور بأمر الله حول نفسها .. وتدور حول الشمس .. وتدور مع المجموعة الشمسية .. فهذه ثلاث دورات للأرض.
فسبحان من خلقها، وسبحان من أمسكها، وسبحان من أجراها وحركها.
ومع هذا الركض كله، يبقى الإنسان على ظهرها آمناً مستريحاً، مطمئناً معافى، لا تتمزق أوصاله، ولا تتهدم بيوته، ولا يقع مرة عن ظهره هذه الدابة الذلول: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ
стр. 485
النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].
وهذه الحركات الثلاث لها حكم وأسرار:
فدورة الأرض حول نفسها كل يوم ينشأ عنها الليل والنهار.
ولو كان الليل سرمداً لجمدت الحياة والكائنات من البرد، ولو كان النهار سرمداً لاحترقت الحياة والكائنات من الحر.
ودورة الأرض حول الشمس هي التي تنشأ عنها الفصول الأربعة، الصيف والربيع، والخريف والشتاء.
أما الحركة الثالثة فلم يكشف ستار الغيب عن حكمتها، إلا أنها تدل على كمال قدرة خالقها ومحركها.
وهذه الدابة الذلول، تتحرك بأمر القوي القدير هذه الحركات الثلاث الهائلة في وقت واحد، ثابتة على وضع واحد في أثناء الحركة.
وهؤلاء البشر الذين يعيشون على ظهر هذه الدابة آمنين مطمئنين .. ويحلبونها فينالون من رزق الله فيها نصيبهم المعلوم .. يعرفون كيف تتحول إلى دابة غير ذلول ولا حلوب في بعض الأحيان .. عندما يأذن الله لها بأن تضطرب قليلاً .. فيرتج كل شيء فوق ظهرها أو يتحطم .. ويمور كل ما عليها ويضطرب .. فلا تمسكه قوة ولا حيلة.
وذلك عند الزلازل والبراكين التي تكشف عن الوحش الجامح الكامن في الدابة الذلول، التي يمسك الله بزمامها، فلا تثور إلا بقدر، ولا تجمح إلا ثواني معدودات، فيتحطم كل شيء شيده الإنسان على ظهرها، أو يغوص في جوفها عندما تفتح أحد أفواهها، ويخسف جزء منها فتبلعه بأمر ربها انتقاماً وعقوبة ممن عصاه في ملكه وأرضه.
وهي تمور بالبشر، وهم لا يملكون شيئاً من هذا الأمر ولا يستطيعون، وهم كذلك يشهدون العواصف الجامحة الحاصبة التي تدمر وتخرب، وتحرق وتصعق: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦].
стр. 486
والبشر يبدون في هول الزلازل والبراكين، والخسوف والعواصف، خلقاً ضعافاً مهازيل، لا يملكون شيئاً، ويقف الإنسان أمامها صغيراً هزيلاً، حسيراً مرعوباً، حتى يأخذ الله بزمامها فتلين وتسكن بأمره.
والقرآن يذكر البشر الذين يخدعهم سكون الدابة، ويغرهم الأمان، بنسيان خالقها وممسكها ومروضها، يذكرهم بهذه الجمحات التي لا يملكون من أمرها شيئاً، والأرض الثابتة تحت أقدامهم ترتج وتمور، وتقذف بالحمم وتفور.
والريح من حولهم تتحول إلى إعصار حاصب لا تقف له قوة في الأرض من صنع البشر، ولا تصده عن التدمير، يحذرهم وينذرهم بقوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ [الملك: ١٧].
وهذا الفضاء العظيم الواسع بين السماء والأرض من خلقه؟.
ومن ملأه تارة بالنور الشامل .. وتارة بالظلام الدامس؟.
ومن ملأه تارة بالحرارة .. وتارة بالبرودة؟.
ومن ملأه بالهواء اللطيف تارة .. وبالعواصف المدمرة تارة؟.
ومن سير فيه الشمس الجارية .. والقمر الساري .. والكواكب النيرة؟.
ومن سير فيه السحب المتراكمة .. والذرات الطائرة .. والطيور السابحة؟.
فسبحان من له الخلق والأمر، والتصريف والتدبير، والدين والشرع.
وسبحان الخلاق العليم ... الذي خلق السماء والأرض ... وخلق الكبير والصغير ... وخلق البر والبحر ... وخلق اليابس والرطب ... وخلق كل شيء.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [غافر: ٦٢].
стр. 487
٤ - خلق الشمس والقمر
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ ... [الأنبياء: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٥، ١٦].
الله ﵎ هو الذي خلق الشمس والقمر، وجعل فيهما النور والإضاءة، وجعل لهما بروجاً ومنازل، ينزلانها مرحلة بعد مرحلة، لإقامة دولة السنة، وتمام مصالح حساب العالم.
وبذلك يعلم الناس حساب الأعمار، وآجال الديون والإيجارات والمعاملات، وتتميز الأيام من الليالي، والليالي بعضها من بعض، ولولا حلول الشمس والقمر في تلك المنازل لم يُعلم شيء من ذلك كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾ [يونس: ٥].
وقد قدر العزيز العليم طلوع الشمس والقمر وغروبهما لإقامة دولتي الليل والنهار، ولولا طلوعهما لبطل أمر العالم، ففي طلوعهما مصالح عظيمة للعباد، وفي غروبهما مصالح عظيمة، كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
ففي النهار يسعى الناس والدواب في مصالحهم، ويتصرفون في معايشهم، وتدبير أمورهم.
وفي الليل يهدأ الناس وينامون، فتنشط الأعضاء والأبدان، وتستعد لعمل جديد، بجسم نشيط.
ولولا الغروب لكانت الأرض تحمى بدوام شروق الشمس واتصال طلوعها
стр. 488
حتى يحترق كل ما عليها من نبات وحيوان.
فصارت بأمر العزيز الحكيم، تطلع وقتاً بمنزلة السراج يرفع لأهل البيت، ليقضوا حوائجهم، ثم تغيب عنهم مثل ذلك ليقروا ويستريحوا.
وصار ضياء النهار، مع ظلام الليل، وحر هذا، مع برد هذا، مع تضادهما، متعاونين متظاهرين متعاقبين، بهما تمام مصالح العالم كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾ ... [القصص: ٧١].
وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ ... [القصص: ٧٢].
وفي حركة الشمس يظهر الله الليل والنهار، وفي ارتفاعها وانخفاضها يظهر الله بقدرته الأزمنة والفصول الأربعة (الصيف والشتاء، والربيع والخريف).
ولو كان الزمان كله فصلاً واحداً لفاتت مصالح الفصول الباقية.
فلو كان صيفاً كله لفاتت منافع الشتاء، ولو كان شتاء كله لفاتت منافع الصيف، وهكذا منافع الربيع والخريف.
ففي الشتاء تغور الحرارة بأمر الله في الأجواف وبطون الأرض والجبال .. فتتولد مواد الثمار وغيرها .. وتبرد الظواهر .. ويتكثف الهواء .. فيحصل السحاب والمطر .. والثلج والبرد .. الذي به حياة الأرض وأهلها .. واشتداد أبدان الحيوان وقوتها.
ثم يليه الربيع، وفي الربيع تظهر المواد المتولدة في الشتاء، فيظهر النبات، ويتنور الشجر بالزهر والثمر، ويتحرك الحيوان للتناسل.
ثم يليه الصيف، وفي الصيف يحتد الهواء ويسخن جداً، فتنضج الثمار بأمر الله ، وتنحل فضلات الأبدان والأخلاط التي انعقدت في فصل الشتاء، وتغور البرودة، وتهرب إلى الأجواف، ولهذا تبرد العيون والآبار، ولا تهضم المعدة الطعام التي كانت تهضمه في الشتاء، لأنها كانت تهضمه بالحرارة التي
стр. 489
سكنت في البطون.
فإذا جاء الخريف اعتدل الزمان، وصفا الهواء وبرد، فانكسر ذلك السموم، وجعل الله الخريف برزخاً بين سموم الصيف، وبرد الشتاء، لئلا ينتقل الحيوان وهلة واحدة من الحر الشديد، إلى البرد الشديد، فيحصل له الأذى والضرر.
وكذلك جعل الله سبحانه الربيع برزخاً بين الشتاء والصيف، فينتقل فيه الحيوان من برد هذا، إلى حر هذا بتدريج وترتيب.
فتبارك الله أحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ [الفرقان: ٦٢].
وأعدل الأماكن التي يعيش فيها النبات والحيوان هي التي تتعاقب عليها الفصول الأربعة، وكل موضع لا تقع عليه الشمس، لا يعيش فيه حيوان ولا نبات، لفرط برده ويبسه، وكل موضع لا تفارقه كذلك، لفرط حره ويبسه.
فسبحان من يقلب الليل والنهار لمصالح العباد والحيوان والنبات: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ ... [النور: ٤٤].
وسبحان القادر العليم الحكيم، الذي نور العالم كله بهذا الكوكب العظيم، فجعله سراجاً وهاجاً، يسير بأمر الله ، فتنتظم به مصالح العباد، ولو كانت الشمس تطلع في موضع من السماء فتقف فيه ولا تعدوه لما وصل شعاعها إلى كثير من الجهات، فيكون الليل سرمداً على من لم تطلع عليه، والنهار سرمداً على من طلعت عليه، فيفسد هؤلاء ... وهؤلاء.
ولكن الله بحكمته وعلمه وتدبيره قدر طلوعها من أول النهار من المشرق، فتشرق على ما قابلها من الأفق الغربي.
ثم لا تزال تجري وتغشى جهة بعد جهة، حتى تنتهي إلى المغرب، فتشرق على ما استتر عنها في أول النهار، فيختلف عندهم الليل والنهار، فتنتظم مصالحهم: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ ... [يس: ٣٨].
والله حكيم عليم جعل في إنارة القمر والكواكب في ظلمة الليل حكماً عظيمة،
стр. 490
فإن الله خلق ظلمة الليل لهدوء الحيوان، وبرد الهواء على النبات والأبدان، فيعادل حرارة الشمس، فيصلح النبات والحيوان.
وشاب سبحانه الليل بشيء من الأنوار، ولم يجعله ظلمة داجية لا ضوء فيه أصلاً، فلا يتمكن الإنسان والحيوان فيه من شيء من الحركة، كالسير وطلب الأكل ونحو ذلك.
وجعل الله ﷻ الشمس على حالة واحدة لا تقبل الزيادة والنقصان، لئلا تتعطل الحكم المقصودة منها.
وجعل القمر يقبل الزيادة والنقصان، يبدو هلالاً، ثم لا يزال في الزيادة حتى يكون بدراً، ثم ينقص حتى يعود كما بدا، وبذلك تتحقق مصالح للعباد كثيرة، من معرفة الأيام والآجال والأوقات.
فجعل الله الشمس للتوقيت اليومي، والقمر للتوقيت الشهري، وهما يجريان بأمر الله في مصالح العالم: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ ... [يس: ٣٨ - ٤٠].
وجعل في نور القمر من التبريد والتصلب، ما يقابل ما في ضوء الشمس من التسخين والتحليل، فتتم الحكمة وتحصل المصلحة من تعاقب هذا بعد هذا.
فسبحان الخلاق العليم، الذي جعل هذا الفلك العظيم بشمسه وقمره، ونجومه وكواكبه، وبروجه وفصوله، يدور على هذا العالم الكبير، هذا الدوران السريع المستمر، بتقدير محكم لا يزيد ولا ينقص، ولا يختل نظامه.
وذلك كله صادر عن كمال عزة الله وقدرته وعلمه: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ [الأنعام: ٩٦].
وإذا تفكر الإنسان في أمر هذين النيرين العظيمين وجدهما من أعظم الآيات في خلقهما وجرمهما، ونورهما وحركتهما، كل واحد له نهج واحد، فهما دائبان، لا ينيان ولا يفتران، ولا يقع في حركتهما اختلاف بالبطء والسرعة. والذهاب
стр. 491
والرجوع .. والعلو والهبوط.
ولا يجري أحدهما في فلك صاحبه، ولا يدخل عليه في سلطانه، ولا تدرك الشمس القمر، ولا يجيء الليل قبل انقضاء النهار، بل لكل حركة مقدرة، ونهج معين، وتأثير ومنفعة لا يشركه فيها الآخر.
فسبحان من خلقهما .. وسبحان من نورهما وسيرهما.
وسبحان من سخرهما ودبرهما هذا التدبير العجيب لمنافع خلقه، وإظهار قدرته، وكمال علمه، ولطف تدبيره، وحسن حكمته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
وإذا كانت المخلوقات كلها ساجدة لربها، خاضعة لعظمته، مستكينة لعزته، عانية لسلطانه، السموات والأرض، والشمس والقمر، وسائر المخلوقات، فما بال الإنسان لا يشارك هؤلاء في عبادة ربه، ويسمع ويطيع؟.
إن من عدل عن عبادة الله إلى عبادة غيره فقد ضل ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨].
فسبحان من خلق الشمس والقمر، وأودعهما النور والإضاءة، وجعل لهما بروجاً ومنازل تعرف بهما السنين والشهور، والأيام والليالي وتتحقق بهما مصالح العالم كما قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ [الإسراء: ١٢].
وخَلْق الشمس والقمر .. وطلوعهما وغروبهما .. من أعظم الأدلة على وقوع المعاد .. كما هو مشهود في إبداء الليل والنهار وإعادتهما .. وفي إبداء القمر ثم كماله ثم نقصانه .. وفي إبداء النور وإعادته في القمر .. وفي طلوع الشمس
стр. 492
وغروبها .. وفي إبداء الزمان وإعادته .. وإبداء الحيوان والنبات وإعادتهما .. وإبداء فصول السنة وإعادتها .. وفي إبداء الحر والبرد وإعادتهما .. كل ذلك دليل ظاهر على المبدأ والمعاد الذي نزلت به الكتب، وأخبرت به الرسل.
وقد خلق الله الشمس وجعل لها ست حركات:
من المشرق إلى المغرب .. ومن الأسفل إلى الأعلى .. ومن الأعلى إلى الأسفل.
وجعل لها مشرقين في الصيف والشتاء، ومشارق ومغارب بعدد أيام السنة كما قال سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ [المعارج: ٤٠، ٤١].
وهذا النور العظيم الهائل في الشمس .. وهذا النور العظيم في القمر .. وهذا النور الذي يشع من الكواكب والنجوم والأبصار، كل ذلك نور خلقه الله وأودعه تلك الأجرام.
وإذا كان هذا نور الشمس والقمر والنجوم ... فكم يكون نور العرش الذي استوى عليه الرحمن؟.
وإذا كان هذا نور مخلوقاته .. فكيف يكون نوره ﷻ ؟:
فسبحان الذي كل خلق في العالم من خلقه ... وكل رزق في الكون من رزقه ...
وكل نور في العالم من نوره.
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ ... [النور: ٤٠].
стр. 493
٥ - خلق النجوم
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ ... [الأنعام: ٩٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ [الملك: ٥].
خلق الله ﵎ النجوم لثلاث:
زينة للسماء .. ورجوماً للشياطين .. وعلامات يهتدى بها.
فما أعظم حكمة الرب ﵎ في خلق النجوم والكواكب، وكثرتها وعجيب خلقها، وما جعل الله فيها من النور والضوء، بحيث ترى مع بعدها المفرط، فهي منقادة بأمر ربها، جارية على سنن واحدة لا تخرج عنه.
فسبحان من خلق الكواكب والنجوم، وجعل لها البروج والمنازل، وجعل منها الثوابت والسيارة، والكبير والصغير، والقريب والبعيد، والمفرد والمجموع.
وفاوت بين ألوانها وأحجامها وحركاتها، وسيرها بقدرته:
فمنها الثابت، ومنها المتحرك، ومنها ما يسير وحده، ومنها ما يسير مع رفقته.
وسبحان من فاوت بينها، وحفظها وأبقاها، فلا تتقدم إلا بأمره، ولا تتأخر إلا بأمره، ولا تسكن ولا تحرك إلا بأمره كما قال سبحانه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾ [النحل: ١٢].
وخالف سبحانه بين الكواكب في الطلوع والسير والمنازل:
فبعضها يطلع، وبعضها يغيب، ومنها السائر والمتحرك، ومنها ما يسير إلا مجتمعاً كالجيش الواحد، ومنها ما يسير وحده كالقائد.
ومنها ظاهر لا يغيب أبداً، جعلها الله بمنزلة الأعلام المنصوبة التي يهتدي بها الناس في الطرق المجهولة في البر والبحر، فهم ينظرون إليها متى أرادوا،
стр. 494
ويهتدون بها حيث شاءوا كما قال سبحانه: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
فما أعظم هذه النجوم المنثورة في السماء، وما أحسنها وما أجملها.
والجمال في خلق هذا الكون مقصود كالكمال.
والقرآن يوجه النظر إلى جمال السموات بعد أن وجه النظر إلى كمالها كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦].
فقد زين الله السماء الدنيا بمصابيح، وهي النجوم والكواكب الظاهرة للعين، نراها حين ننظر إلى السماء.
ومشهد النجوم في السماء جميل، وهو جمال يأخذ القلوب، متجدد تتعدد ألوانه بتعدد أوقاته، ويختلف من صباح إلى مساء، ومن شروق إلى غروب، ومن الليلة القمراء، إلى الليلة الظلماء، ومن مشهد الصحو، إلى مشهد السحاب والضباب، بل إنه ليختلف من ساعة إلى ساعة، وكله جمال يأخذ الألباب.
فسبحان الجميل الذي خلق الجمال في هذا الكون العظيم.
هذه الشمس الساطعة .. وهذا القمر الساري .. وهذا الفلك الواسع .. وهذه النجوم المنتثرة .. في هذا الفضاء الواسع .. الذي لا يمل البصر امتداده .. ولا يبلغ البصر آماده .. وهذه الأجرام الهائلة التي تزين السماء .. وتجري بأمر ربها مشرقة ومغربة.
فسبحان من خلقها، وسبحان من جملها، وسبحان من سيرها .. وسبحان من أمسكها.
إن القرآن يوجه الإنسان إلى جمال السماء، وإلى جمال الكون، لأن إدراك جمال الكون، هو أقرب وسيلة لإدراك جمال خالق الوجود وعظمته: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق: ٦].
فكم من نجم سابح في الفضاء؟ .. وكم من كوكب ساري؟ .. وكم من شهاب
стр. 495
ثاقب؟.
وكل كوكب وكل نجم له أمر من الله في خلقه .. وأمر في بقائه .. وأمر في حركته وسكونه.
فسبحان من خلقها وأمدها بالنور، وسيرها في ملكه العظيم، وهي سامعة مطيعة منقادة لأمر ربها، لا يصطدم منها نجم بآخر، ولا يواجه كوكب آخر.
وسبحان من نوع الآيات الدالة على عظمته وقدرته، وعلى صدق رسله، وجعلها للفطر تارة، وللسمع تارة، وللبصر تارة، وجعلها آفاقية ونفسية، ومنقولة ومعقولة، ومرئية بالعيون، ومرئية بالقلوب، فاستجاب من استجاب، وأبى الظالمون إلا كفوراً: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ [الحج: ٤٦].
وإذا تأمل الإنسان ما في خلق هذا الكون من الآيات والعجائب .. وتدبر ما فيه من الحسن والتصريف والتدبير .. ورأى ما فيه من النعم والخيرات .. وظل معرضاً عن ربه .. ولم يخشع قلبه .. فليعلم أنه قد خسف بعقله وقلبه .. وأنه قد ركبه عدوه .. وسار به إلى النار.
فليطلب السلامة والنجاة من عدوه من ربه العزيز الرحيم.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف: ١٠٥].