← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 37531

موسوعة فقه القلوب

محمد بن إبراهيم التويجري

Полный текст (3 625 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بخلاف النار التي تأكل كل ما يوضع فيها. والأرض وصفها الله بالبركة، وأما النار فهي مذهبة للبركة، وأودع الله في الأرض من المنافع والأقوات، والثمار والأشجار، والمعادن والعيون، والنبات والحيوان وغيرها، ما لم يودع في النار شيئاً منه. والنار وإن كان فيها بعض المنافع فالشر كامن فيها. وقد استخرج الله من هذا الخليفة وذريته الأنبياء والرسل .. والعباد والعلماء .. والمجاهدين والمتصدقين .. والأولياء والمؤمنين، وعمر بهم الجنة، وميز الخبيث من ذريته من الطيب، وعمر بهم النار. وقد خلق الله آدم ﵇ في أحسن تقويم .. وأكمل صورة وأجملها .. وأكمل محاسنه الباطنة بالعلم والحلم والوقار .. وتولى ربه خلقه بيده .. فجاء في أحسن خلق .. وأجمل صورة .. طوله في السماء ستون ذراعاً .. قد ألبس رداء الجمال والحسن .. والمهابة والبهاء. فرأت الملائكة منظراً لم يشاهدوا أحسن منه ولا أجمل، فوقعوا كلهم سجوداً بأمر ربهم ، إلا إبليس فإنه امتنع عن السجود حسداً كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤]. والله سبحانه لكمال قدرته خلق خلقه أصنافاً: فمنهم عقول بلا شهوات كالملائكة .. ومنهم شهوات بلا عقول كالحيوانات .. ومنهم من له عقل وشهوة كالإنس والجن .. ومنهم من لا عقل له ولا شهوة كباقي المخلوقات من جماد ونبات. وقد اقتضت حكمة الله تفضيل بني آدم على كثير من خلقه، فميزهم الله وكرمهم بما شاء، وجعل عبوديتهم أكمل من عبودية غيرهم، فهي عبودية اختيارية، تزاحمها المعارضات والموانع والشهوات. أما عبودية غيرهم من الملائكة فهي عبودية بلا معارض، إذ هم مجبولون عليها،

стр. 562

كما جبلت الشمس على الإنارة. والله ﵎ سبق في علمه أن يجعل في الأرض خليفة، وأعلم بذلك ملائكته، وأسكنه في الجنة، ليربيه ويريه دار النعيم التي أعدها الله له ولأولاده. فأمره الله ونهاه، وأعلمه بعدوه وحذره منه، ووفر له كل ما يحتاجه في الجنة، وأمره بالأكل من كل شيء في الجنة، ونهاه عن الأكل من شجرة واحدة، وخلى بينه وبين عدوه إبليس، ليمتحن إيمانه وطاعته قبل نزوله إلى ميدان العمل، فوسوس إليه الشيطان بالأكل، فنسي وغلبته الشهوة فأكل. وخلى بينه وبين نفسه حتى عصى الله، كما قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾ [البقرة: ٣٥، ٣٦]. ثم ألهمه الله التوبة فتاب، وتاب الله عليه، وبعد أن كملت تربيته، وعرف عدوه، وعاش في داره، أهبطه الله من دار النعيم إلى دار الابتلاء والعمل، ليعود إليها ومن آمن من ذريته على أكمل الوجوه. فكم لله من حكمة في إهباط آدم إلى الأرض، تعجز الألسن عن وصفها، وتعجز العقول عن إدراكها والإحاطة بها: منها أن الله أنزل آدم ليكون إيمانه وإيمان ذريته تاماً، والإيمان قول وعمل، وجهاد وصبر، وبذل وترك، وهذا إنما يكون في دار الامتحان لا في جنة النعيم. ومنها أن الله خلق آدم وذريته ليستعمرهم في الأرض، ويجعلهم خلفاء الأرض. فخلقهم سبحانه ليأمرهم وينهاهم ويبتليهم، لينالوا بالطاعة أفضل ثوابه، فإذا وافوا دار النعيم بعد التعب والكد، عرفوا قدر تلك الدار، وهو أكمل من نعيم من خلق في الجنة من الحور والولدان. ومنها أن الله أراد أن يتخذ من ذرية آدم رسلاً وأنبياء وشهداء، يحبهم ويحبونه، وينزل عليهم كتبه، يؤثرون محابه ومراضيه على شهواتهم وما

стр. 563

يحبونه، فأنزلهم إلى دار الابتلاء ليكملوا مراتب العبودية، ويعبدوه في السراء والضراء بما تكرهه نفوسهم، وهذا لا يحصل في دار النعيم المطلق. ومنها أن أسماء الله الحسنى كالغفور والرحيم، والعزيز والكريم، والملك والجبار لها آثار، فأنزل الله آدم إلى الأرض، وجعل له ذرية، ليظهر أثر أسمائه وصفاته فيهم، وفيما حولهم من المخلوقات. فإن الله هو الملك الذي يأمر وينهى، ويعطي ويمنع، ويعز ويذل، ويثيب ويعاقب، فأنزل أبوي الإنس والجن، إلى دار تجري عليهم فيها هذه الأحكام، ثم يعودون إليه مع ذرياتهم، فيحاسبهم على ما عملوا كما قال سبحانه: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (١٣٠)﴾ [الأنعام: ١٣٠]. والله ﵎ هو الملك، الذي يملك كل شيء، له ملك السموات والأرض، وله ملك الدنيا والآخرة، وهو ربنا ونحن عبيده. وهو مالك الملك .. ولا بد للملك من جنود .. والله له جنود السموات والأرض من ملائكة وغيرهم .. وما يعلم جنود ربك إلا هو .. ولا بد للملك من أوامر تصلح بها أحوال رعيته .. وهي الكتب السماوية المشتملة على الحث والترغيب، والنهي والتحذير .. ولا بد له من سفراء بينه وبين خلقه .. وهم الرسل الذين يبينون للناس ما نزل إليهم من ربهم .. ولا بد أن تكون له محكمة يحاسب فيها من أطاع ومن عصى .. فيجزي على الخير خيراً .. وعلى الشر شراً .. وهي يوم القيامة. ولا بدَّ له بعد الحساب أن يكرم أهل طاعته بما يسعدهم وهي الجنة، وأن يذل ويهين أهل معصيته بما أعد لهم من العذاب وهي النار. ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٨، ٩٩]

стр. 564

١٦ - خلق الإنسان قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ [الإنسان: ٢]. وقال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ [النحل: ٤]. خلق الله ﵎ الإنسان في أحسن تقويم، وخَلقُ الإنسان من أعظم الدلائل على خالقه وفاطره. وفي الإنسان من العجائب الدالة على عظمة الله وقدرته ما تنقضي الأعمار في الوقوف على بعضه، وتعجز العقول عن إدراك كنهه، وتعجز الألسنة عن وصفه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ [الطارق: ٥ - ٨]. وقد أمرنا الله بالنظر والتفكر في خلق الإنسان، نظر اعتبار وتفكر، وتأمل وتدبر، كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. ولو فكر الإنسان في نفسه لزجره ما يعلم من عجائب خلقها عن كفره كما قال سبحانه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ [عبس: ١٧ - ٢٢]. وقد خلق الله آدم من تراب كما قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم: ٢٠]. والتراب إذا أضيف إليه الماء صار طيناً كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢]. والطين إذا تغير واسودّ لطول مجاورته للماء صار حمأً، ثم صار مسنوناً، والمسنون: المصور أو المصبوب لييبس كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦]. فإذا يبس الطين واشتد صار صلصالاً، وهي المرحلة الأخيرة من خلق الإنسان

стр. 565

كما قال سبحانه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. أما الإنسان الذرية فقد خلقه الله من نطفة وهي الماء، فهو سبحانه: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ [السجدة: ٧، ٨]. وقد بين الله أطوار خلق الآدمي من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]. وقال النبي ﷺ : «إِنَّ أحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكاً فَيُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقال لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأجَلَهُ وَشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» متفق عليه (١). وقد وكل الله بالرحم ملكاً، فإذا تم للنطفة في الرحم أربعون أو بضع وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، وسوي أو غير سوي، وذكر أو أنثى، كل ذلك حسب أمر ربه، لا يزيد على ما أمر ولا ينقص. فالملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦]. وقال النبي ﷺ : «يَدْخُلُ الْمَلَكُ عَلَى النُّطْفَةِ بَعْدَ مَا تَسْتَقِرُّ فِي الرَّحِمِ، بِأرْبَعِينَ، أوْ خَمْسَةٍ وَأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أشَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ؟ فَيُكْتَبَانِ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ! أذَكَرٌ أوْ أنْثَى؟ فَيُكْتَبَانِ، وَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأثَرُهُ وَأجَلُهُ وَرِزْقُهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ، فَلا يُزَادُ فِيهَا وَلا يُنْقَصُ» أخرجه مسلم (٢).

стр. 566

وهذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، وجعله أفضل العالمين، خلقه الله ليبقى أبد الآباد، وما سواه يفنى إلا من استثناه الله. وكل فرد من بني آدم سينتقل من حال إلى حال، ومن دار إلى دار كما قال سبحانه: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ [الانشقاق: ١٩]. فأول طباقه كونه نطفة .. ثم علقة .. ثم مضغة .. ثم جنيناً .. ثم مولوداً .. ثم رضيعاً .. ثم فطيماً .. ثم طفلاً .. ثم شاباً .. ثم شيخاً .. ثم هرماً .. إلى جميع أحوال الإنسان المختلفة عليه .. إلى أن يموت ثم يبعث .. ثم يوقف بين يدي الله .. ثم يحاسب .. ثم يصير إلى الجنة أو النار حسب عمله .. فهذه ستة عشر طبقاً. ويركب أثناء هذه الأحوال أطباقاً عديدة: فينتقل من حال إلى حال كالصحة والمرض .. والعافية والبلاء .. والغنى والفقر .. والسعادة والشقاء .. وهكذا حتى يستقر في دار القرار في الجنة أو النار .. فذلك آخر أطباقه التي يعلمها العباد. فسبحان من هذا خلقه .. وهذا أمره .. وهذه قدرته. وقد خلق الله الإنسان في كبد كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (٤)﴾ [البلد: ٤]. فابن آدم يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة، فلا تلقاه إلا في مشقة، فالإنسان مخلوق في شدة بكونه في الرحم، ثم عند ولادته، ثم هو على خطر عظيم عند بلوغه حال التكليف، ومكابدة المعيشة، والأمر والنهي، والبلاء والامتحان. ثم مكابدة الموت، وما بعده في البرزخ، ثم مكابدة أهوال يوم القيامة، ثم مكابدة العذاب في النار، ولا راحة له إلا في الجنة. فينبغي له أن يسعى في عمل يريحه من هذه الشدائد، ويوجب له الفرح والسرور الدائم في الجنة، وذلك بالإيمان والأعمال الصالحة.

стр. 567

وقد خلق الله الإنسان في أحسن تقويم، وجعل فيه تسعة أبواب: بابان للسمع وهما الأذنان .. وبابان للبصر وهما العينان .. وبابان للشم وهما في الأنف .. وبابان لخروج فضلات البول والغائط .. وباب للكلام والنفس، والطعام والشراب وهو الأنف. ونشأة الإنسان كنشأة النبات من عناصرها الأولية يتكون، ومن عناصرها الأولية يتغذى، فهو نبات من نباتها كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾ [نوح: ١٧، ١٨]. فالإنسان والنبات كلاهما نبات من نبات الأرض، وكلاهما يرضع من هذه الأم شرابه وطعامه. وكما أن في النبات الحلو والمر .. والنافع والضار .. وذا الأزهار والثمار .. وذا الشوك والسم، فكذلك في الإنسان المسلم والكافر .. والمطيع والعاصي .. وذو الإيمان والأعمال الصالحة .. وذو الشر والفساد .. ولكل أجل .. ولكل عمل .. ولكل مقعد إما في الجنة أو النار .. وكل راجع إلى ربه .. ومحاسب على عمله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥، ٢٦]. إن خلق الإنسان بهذا التكوين العجيب، وبهذه الخصائص الفريدة، وبهذه الوظائف اللطيفة المتنوعة الكثيرة، لآيات تدهش العقول، وتحير الألباب، ولكننا نسيناها لطول تكرارها، ولقربها منا، وإلفنا لها. إن التركيب العضوي لجارحة واحدة من جوارح الإنسان مسألة تدير الرأس عجباً ودهشة وعبرة. وهو في تركيبه النفسي أشد تركباً وتعقداً من تركيبه العضوي: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦]. إن هذا الإنسان هو العجيبة الكبرى في هذه الأرض كما قال سبحانه: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١]. ولكنه يغفل عن قيمته، وعن أسراره الكامنة في كيانه، حين يغفل قلبه عن

стр. 568

الإيمان، وحين يحرم نعمة اليقين. إن آيات الرب ﵎ في خلقه ومخلوقاته تبصرة وذكرى، يتبصر بها من عمى القلب، ويتذكر بها من غفلته، فيعظم من خلقه. فالمضاد للعلم، إما عمى القلب، وزواله بالتبصر، وإما غفلته، وزواله بالتذكر. وأعظم وأفضل ما أنفقت فيه الأنفاس .. التفكر في آيات الله .. وعجائب صنعه .. والانتقال منها إلى تعلق القلب بالله .. وتعظيمه وتوقيره سبحانه دون شيء من مخلوقاته بتوحيده والإيمان به .. وطاعته، وعبادته. إن هذا الإنسان عجيبة في تكوينه الجسماني في أسرار هذا الجسد .. وعجيبة في تكوينه الروحي في أسرار هذه النفس. وحيثما وقف الإنسان يتأمل عجائب نفسه، التقى بأسرار تدهش وتحير، خلق أعضائه وتوزيعها، وأشكالها ووظائفها، وفي كل عضو من أعضائه، بل في كل جزء من عضو، خارقة تحير الألباب، لو كانت هناك عقول. وأعجب من هذا أسرار روحه، وطاقاتها المعلومة والمجهولة، إدراكه للأشياء، وطريقة إدراكها، وحفظها، وتذكرها. وهذه المعلومات والصور والكلمات أين خزنت؟، وكيف انطبعت؟، وكيف تُستدعى فتجيء؟. ومن ألف وجمع في المخ آلاف الآيات والأحاديث والكلمات والقصص والأشعار وغيرها .. ؟ ومن حفظها في الذهن كما يحفظ المال في الخزانة .. ؟ ثم أسراره في توالده وتكاثره، خلية واحدة تحمل كل رصيد الجنس البشري من الخصائص. وكل فرد من هذا الإنسان عالم وحده، وطبعة خاصة لا تتكرر أبداً على مدى الدهور، ولا نظير له بين أبناء جنسه جميعاً، لا في شكله وملامحه، ولا في عقله ومداركه، ولا في روحه ومشاعره. فكل فرد نموذج خاص، وطبعة فريدة لا تتكرر.

стр. 569

وما أعظم وأمتع تلك اللحظات التي يقضيها الإنسان يتأمل وجوه الخلق وسماتهم وحركاتهم، بعين العابد السائح، الذي يتجول في معرض من إبداع أحسن الخالقين. ألا ما أعظم الخالق .. وما أعظم صنعه وخلقه. وما أخطر الجهل .. وما أسوأ الغفلة .. وما أضل من جهل نفسه. متى يتفكر الإنسان في نفسه؟. ومتى ينتبه القلب من رقدته؟. ومتى يؤوب العبد إلى ربه؟. إن سبب الخسران في الدنيا والآخرة الفكر فيما يفنى، والجهد في غير محله، والجلوس على موائد الشيطان، والإعراض عن موائد الرحمن. إن الرابح حقاً من حجز المقاعد كلها للدين، الفكر واللسان، والسمع والبصر، والقلب والعقل، والروح والبدن، وبقية الجوارح: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ [الطارق: ٥ - ٧]. انظر إلى النطفة التي خلقها الله، إنها تحتوي على أكثر من مائة ألف إنسان قابل للحياة في كل دفقة مني من الإنسان. فسبحان من جمع هذه الخلائق في قطرة ماء مهين ضعيف مستقذر، لو مرت بها ساعة من الزمان فسدت وأنتنت. وتأمل كيف استخرجها الرب العليم القدير من بين الصلب والترائب، منقادة لقدرته، مطيعة لمشيئته، مع ضيق طرقها، واختلاف مجاريها، إلى أن ساقها إلى مستقرها في الرحم؟. وتأمل كيف جمع الله بين الذكر والأنثى، وألقى المحبة بينهما، وكيف قادهما بسلسلة الشهوة والمحبة إلى الاجتماع، الذي هو سبب تخليق الولد وتكوينه؟. وكيف قدر سبحانه اجتماع ماء الرجل وماء المرأة، وساقهما من أعماق العروق

стр. 570

والأعضاء، وجمعهما في موضع واحد، جعله الله لهما قراراً مكيناً ينشأ فيه الولد؟. ثم قلب تلك النطفة البيضاء المشرقة، إلى علقة حمراء تضرب إلى السواد، ثم جعلها مضغة لحم مخالفة للعلقة في كونها وشكلها. ثم جعلها العزيز العليم عظاماً مجردة لا كسوة عليها، مباينة للمضغة في شكلها وقدرها. ثم انظر كيف قسم الله ﵎ تلك الأجزاء المتشابهة إلى الأعصاب والعظام، والعروق والأوتار، والأعضاء والأجهزة، واليابس واللين؟. ثم تأمل كيف ربط سبحانه بعضها ببعض بأقوى رباط وأشده؟. وكيف كساها لحماً ركبه عليها، وجعله وعاء لها وغشاءً وحافظاً، وجعل العظام حاملة له، فاللحم قائم بها، وهي محفوظة به؟. ثم انظر إلى صنع الخالق البارئ المصور، كيف صورها فأحسن صورها، وشق لها السمع والبصر، والفم والأنف، وسائر المنافذ؟. ثم تأمل كيف مد اليدين والرجلين كالأعمدة، وبسطهما، وقسم رؤوسهما بالأصابع، ثم قسمهما بالأنامل، وزود أطرافها بالأظفار؟. ثم انظر كيف خلق سبحانه من تلك النطفة الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة، والكبد والطحال، والرئة والرحم، والأمعاء والمثانة والمرارة؟. كل منها له قدر يخصه .. وعمل يخصه .. ومنفعة تخصه .. وشكل يخصه. فسبحان الخلاق العليم: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ٢، ٣]. ثم انظر إلى حكمة العليم الحكيم في تركيب العظام قواماً للبدن، وعماداً له، وكيف قدرها ربها بتقادير مختلفة، وأشكال مختلفة: فمنها الصغير والكبير .. والطويل والقصير .. والمنحني والمستدير .. والمصمت والمجوف .. وركب بعضها على بعض، وربط بعضها ببعض؟. وتأمل كيف اختلفت أشكالها باختلاف منافعها، كالأضراس فإنها لما جعلت

стр. 571

آلة للطحن جعلت عريضة، ولما كانت الأسنان آلة للقطع جعلت مستدقة محددة. ولما كان الإنسان محتاجاً إلى الحركة للتردد في حاجته لم يجعل عظامه عظماً واحداً، بل عظاماً متعددة، وجعل بينها مفاصل حتى تتيسر بها الحركة، وكان قدر كل واحد منه وشكله، على حسب الحركة المطلوبة منه. وشد سبحانه أسر تلك المفاصل والأعضاء، وربط بعضها ببعض بأوتار ورباطات أنبتها من العظم، وأدخل بعض العظام في بعض، على شكل الذكر والأنثى، فإذا أراد الإنسان أن يحرك جزءاً من بدنه لم يمتنع عليه، ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه. فسبحان من هذا خلقه، وهذه قدرته، وهذه حكمته، وهذا صنعه. وتأمل كيف خلق سبحانه الرأس، وكثرة ما فيه من العظام التي تزيد على خمسٍ وخمسين عظماً، مختلفة الأشكال والمقادير والمنافع، وكيف ركبه سبحانه على البدن، وجعله عالياً عليه علو الراكب على مركوبه؟. ولما كان الرأس عالياً على البدن، جعل فيه الحواس الخمس، وآلات الإدراك كلها، من السمع والبصر والشم والذوق واللمس. وجعل سبحانه حاسة البصر في مقدمته، ليكون كالطليعة والحرس والكاشف للبدن عما حوله. وركب العين من سبع طبقات، لكل طبقة وظيفة مخصوصة، لو فقدت طبقة منها، أو زالت عن موضعها، لتعطلت العين عن الإبصار. ثم وضع سبحانه داخل تلك الطبقات السبع خلقاً عجيباً، وهو إنسان العين بقدر العدسة، يبصر به ما بين المشرق والمغرب، وما بين الأرض والسماء. وجعله سبحانه من العين بمنزلة القلب من الإنسان، فهو ملكها، وتلك الطبقات والأجفان والأهداب خدم له، وحجاب وحراس. فتبارك الله أحسن الخالقين.

стр. 572

وانظر إلى عجيب صنع الله كيف حسن شكل العينين وهيئتهما ومقدارهما، ثم جمّلهما بالأجفان غطاءً لهما وستراً، وحفظاً وزينة، فهما يحفظانهما من الحر والبرد، ويتلقيان عن العين الأذى والقذى والغبار. ثم غرس في أطراف الأجفان الأهداب جمالاً وزينة ومنافع أخرى. ثم أودع سبحانه العينين ذلك النور الباصر، والضوء الباهر، الذي يخرق ما بين السماء والأرض. فسبحان من أودع هذا السر العجيب في هذا المقدار الصغير، بحيث تنطبع فيه صورة السموات والأرض على عظمتهما، وللعين قدرة على على حفظ نصف مليون صورة ملونة يومياً. وشق سبحانه له السمع، وخلق الأذن أحسن خلقة، فجعلها مجوفة كالصدفة، لتجمع الصوت فتؤديه إلى الصماخ، وليحس بدبيب الحشرات فيها، فيبادر إلى إخراجه والتخلص منه. وجعل فيها تجاويف واعوجاجات تمسك الهواء، والصوت الداخل، فتكسر حدته، ثم تؤديه إلى الصماخ. وجعل الحكيم العليم ماء الأذن مراً في غاية المرارة، فلا يجاوزه الحيوان إلى باطن الأذن، بل إذا وصل إليه أعمل الحيلة في رجوعه عنه. وجعل ماء الفم عذباً حلواً، ليدرك به طعوم الأشياء على ما هي عليه، إذ لو كان على غير هذه الصفة لأحالها إلى طبيعته. وجعل سبحانه ماء العين مالحاً، ليحفظها، فهي شحمة قابلة للفساد، فكانت ملوحة مائها صيانة لها وحفظاً. فسبحان من خلق هذه المياه .. وجعل كلاً فيما يناسبه ويصلح له. ونصب سبحانه قصبة الأنف في الوجه، فأحسن شكله وهيأته، وفتح فيه المنخرين، وحجز بينهما بحاجز، وأودع فيهما حاسة الشم التي تدرك بها أنواع الروائح الطيبة والخبيثة، والنافعة والضارة، ويستنشق به الهواء فيوصله إلى

стр. 573

القلب، فيتروح به ويتغذى به. وجعله سبحانه مستقيماً لئلا يمسك الرائحة، مصباً تنحدر إليه فضلات الدماغ، فتجتمع فيه ثم تخرج منه، وجعل أعلاه أدق من أسفله، لأن أسفله تجتمع فيه الفضلات فكان واسعاً لتخرج منه بسهولة، ولأنه يأخذ من الهواء ملأه ثم يصعد في مجراه قليلاً قليلاً، حتى يصل إلى القلب بهدوء. ثم فصل بين المنخرين بحاجز بينهما حكمةً منه ورحمة، لأنه مجرى النفس، ومنحدر فضلات الرأس، فيكون أحدهما غالباً للنفس، والآخر لخروج الفضلات، وإما أن تجري الفضلات فيهما فينقسم، فلا يفسد الأنف جملة، بل يبقى فيه مدخل للنفس، وربما أصيب أحدهما فيبقى الثاني يؤدي وظيفته. فاقتضت الحكمة تعددهما كالأذنين والعينين: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٤]. وشق سبحانه للعبد الفم في أحسن موضع وأليقه به، وأودع فيه من المنافع وآلات الذوق والقطع والطحن والكلام ما يبهر العقول عجائبه. فأودعه اللسان الذي هو أحد آياته الدالة عليه، وجعله ترجماناً لملك الأعضاء وهو القلب، مبيناً مؤدياً عنه، كما جعل الأذن رسولاً مؤدياً إليه العلوم والأخبار، والعين رسولاً مؤدياً إليه المرئيات والمبصرات، واللسان بريده ورسوله الذي يؤدي عنه ما يريد. وانظر إلى حكمة العزيز العليم الذي جعل اللسان مصوناً محفوظاً مستوراً غير مكشوف كالأذن والأنف، لأن هذه الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه، جعلت بارزة ظاهرة. ولما كان اللسان مؤدياً من القلب إلى الخارج جعله مستوراً لعدم الفائدة في إبرازه. وأيضاً لما كان اللسان أشرف الأعضاء بعد القلب، ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره، ضرب عليه سرادقان لستره وصيانته، أحدهما الأسنان، والآخر

стр. 574

الشفتان، وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر. وأيضاً هو من ألطف الأعضاء وألينها وأشدها رطوبة، وهو لا يتصرف إلا بواسطة الرطوبة المحيطة به، فلو كان بارزاً صار عرضة للحرارة واليبوسة المانعة له من التصرف وسهولة الحركة. ثم زين سبحانه الفم وجمله بالأسنان، وجعلها بيضاء مصفوفة، فزادته جمالاً، وجعل بها قوام العبد وغذاءه. وجعل بعضها آلة للقطع، وبعضها آلة للكسر، وبعضها آلة للطحن. وأحكم سبحانه أصولها، وحدد رؤوسها، وبيض لونها، ورتب صفوفها، فكأنها الدر المنظوم بياضاً وصفاءً وحسناً. وأحاط جل وعلا الأسنان بحائطين، وهما الشفتان، فحسن شكلهما ولونهما، وجعلهما غطاءً للفم وطبقاً له، وجعلهما إتماماً لمخارج الحروف ونهاية له، كما جعل أقصى الحلق بداية له، واللسان وسطاً له، ولهذا كان أكثر العمل فيها له إذ هو الواسطة. وجعل سبحانه الشفتين لحماً صرفاً لا عظم فيه، ليتمكن بهما الإنسان من مص الشراب، ويسهل عليه فتحهما وإغلاقهما. وخص سبحانه الفك الأسفل بالتحريك، لأن تحريك الأخف أيسر وأحسن، فإن الرأس يشتمل على الأعضاء الشريفة، فلم يخاطر بها في الحركة. وخلق سبحانه الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة، والليونة والخشونة، والصلابة والرطوبة، والطول والقصر، فاختلفت بذلك الأصوات أعظم اختلاف. وزين الله ﵎ الرأس بالشعر وجعله لباساً له، لاحتياجه إليه، وزين الوجه بما أنبت فيه من الشعور المختلفة الأشكال والمقادير. فزينه بالحاجبين، وجعلهما وقاية مما يتحول من بشرة الرأس إلى العينين، وزين أجفان العينين بالأهداب، وزين الوجه باللحية، وجعلها كمالاً ووقاراً ومهابةً

стр. 575

للرجل. وزين الشفتين بما أنبت فوقهما من الشارب، وما تحتهما من العنفقة. وخلق سبحانه اليدين اللتين هما آلة العبد وسلاحه، ورأس مال معاشه. فطولهما بحيث يصلان إلى ما شاء من بدنه، وعرض الكف، ليتمكن من القبض والبسط، وقسم فيه الأصابع الخمس، وقسم كل أصبع بثلاث أنامل، والإبهام باثنتين. ووضع الأصابع الأربعة في جانب، والإبهام في جانب، لتدور الإبهام على الجميع، فهي بمنزلة الراعي من الرعية، والإمام من المأمومين. فجاءت اليد بتدبير الحكيم العليم على أحسن حال، وصلحت للقبض والبسط ومباشرة الأعمال المختلفة. إن شئت جعلتها مطرقة، أو مغرفة، أو آخذة، أو معطية، أو جاذبة، أو دافعة، أو للربط، أو للحل، أو للكتابة، أو للرفع، أو للسحب، أو للذبح، أو للكنس، أو للمسح، أو للمشط، أو للأكل أو غير ذلك من المنافع التي لا يحصيها إلا الذي خلقها، فتبارك من أودعها هذه المنافع وغيرها. وركب فيها سبحانه الأظفار على رؤوسها زينةً لها وعماداً ووقاية، وليلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا ينالها جسم الأصابع، وجعلها سلاحاً لغيره من الحيوان والطير، وآلة لمعاشه، وليحك بها الإنسان بدنه عند الحاجة. وجعل سبحانه عظام أسفل البدن غليظة قوية، لأنها أساس له، وعظام أعاليه دونها في الثخانة والصلابة، لأنها محمولة. ثم تأمل كيف جعل سبحانه الرقبة مركباً للرأس، وركبها من سبع خرزات مجوفات مستديرات، ثم طبق بعضها على بعض، حتى كأنها خرزة واحدة، ثم ركب الرقبة على الظهر والصدر. ثم ركب الظهر من أعلاه إلى منتهى عظم العجز من أربعٍ وعشرين خرزة، وركب بعضها في بعض، هي مجمع أضلاعه، والتي تمسكها أن تنحل أو

стр. 576

تنفصل. ثم وصل الحكيم الخبير تلك العظام بعضها ببعض، فوصل عظام الرأس بعظام الرقبة، وعظام الرقبة بعظم الظهر، وعظام الظهر بعظام الصدر، وعظام الكتفين بعظام العضدين، والعضدين بالذراعين، والذراعين بالكفين والكفين بالأصابع. ووصل عظام الظهر بالعجز، ووصل عظام العجز بالفخذين، والفخذين بالساقين، والساقين بالقدمين، والقدمين بالأصابع، فتبارك الله أحسن الخالقين. ثم تأمل حكمة اللطيف الخبير كيف كسا العظام العريضة كعظام الظهر والرأس كسوة من اللحم تناسبها، والعظام الدقيقة كسوة تناسبها كالأصابع والمتوسطة كذلك كعظام الذراعين والعضدين. فالإنسان مركب على ثلاثمائة وستين عظماً، فلو زادت واحداً أو نقصت واحداً، لاختل تركيب الجسم ونظامه، واضطربت حركة الإنسان. ثم إنه سبحانه ربط تلك الأعضاء والأجزاء بالرباطات، فشد بها أسرها لتمسكها وتحفظها، حتى بلغ عددها خمسمائة وتسعة وعشرين رباطاً، وهي مختلفة الطول والقصر، والغلظة والدقة، بحسب اختلاف مواضعها. فجعل منها أربعة وعشرين رباطاً آلة لتحريك العين، وفتحها وضمها وإبصارها، لو نقص منها رباط واحد لاختل أمر العين. وهكذا لكل عضو من الأعضاء رباطات، هن له كالآلات التي بها يتحرك ويتصرف. وذلك كله صنع الرب الحكيم، وتقدير العزيز العليم، في قطرة من ماء مهين، فويل للمكذبين، وبعدٌ للجاحدين، وتبارك الله أحسن الخالقين. ومن عجائب خلقه أنه جعل في الرأس ثلاث خزائن، في مقدمته، وفي وسطه، وفي مؤخرته، وأودع تلك الخزائن من أسراره ما أودعها، من التذكر والتفكر، والتعقل والحفظ. ومن عجائب خلق الإنسان ما فيه من الأمور الباطنة التي لا تشاهد كالقلب

стр. 577

والكبد، والطحال والأمعاء، والرئة والمعدة، والمثانة والمرارة، وسائر ما في بطنه من الآلات العجيبة. فأما القلب فهو الملك المستغل لجميع آلات البدن المستخدم لها، فهو مخدوم مستقر في الوسط، وهو أشرف أعضاء البدن، وبه قوام الحياة. وهو معدن العقل والعلم، والحلم والشجاعة، والمروءة والكرم، والصبر والحب، والرضا والغضب، وسائر صفات الكمال. وجميع الأعضاء الظاهرة والباطنة وقواها إنما هي جند من أجناد القلب: فالعين طليعته ورائده الذي يكشف له المرئيات. والأذن رسوله المؤدي له جميع المسموعات. واللسان ترجمانه المخبر عنه. وجعل الله الرئتين كالمروحة تروح عليه دائماً، لأنه أكثر الأعضاء عملاً، وأشدها حرارة. هذا خلق الله في قطرة واحدة من ماء مهين، فكم خلق الله من قطرة في العالم؟، وكم جعل في هذه القطرة من الأحياء؟. هذا في عالم الإنسان .. فكم من العجائب في خلق الحيوانات .. والطيور والزواحف .. والحشرات .. وغيرها من المخلوقات .. ؟ فسبحان الخلاق العليم الذي تولى خلق هذه النطفة، وجعل منها إنساناً سوياً، سميعاً بصيراً: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾ [غافر: ٦٢]. فما أعظم قدرة الله، وما أعظم صنعه في هذه النطفة، كيف جعلها إنساناً، وبث منها البشرية المنتشرة على وجه الأرض؟. فمن هذه عظمته، وهذه نعمه، وهذا صنعه، كيف لا يعبده الإنسان ويطيعه، وهو الذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره؟. أما يخاف هذا الإنسان يوماً عبوساً قمطريراً: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ

стр. 578

وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾ [غافر: ٥٢]. إن الإنسان إذا نظر إلى غذائه، في مدخله ومستقره ومخرجه، رأى فيه العبر والعجائب: كيف جعل الله له آلة يتناوله بها، ثم باباً يدخل منه، ثم آلة تقطعه صغاراً، ثم طاحون يطحنه، ثم أعين بماء يعجنه، ثم جعل له مجرى وطريقاً إلى جانب النفس، ينزل هذا، ويصعد هذا. فإذا وصل إلى المعدة، التي هي خزانته، ولها بابان، باب أعلى يدخل منه الطعام، وباب أسفل يخرج منه ثفله. والباب الأعلى أوسع من الأسفل، والأسفل منطبق دائماً، فإذا انتهى الهضم، انفتح ذلك الباب لخروج الفضلات. وقد أحاط الله المعدة من داخلها وخارجها بحرارة نارية، ربما تزيد على حرارة النار، ينضج بها الطعام فيها، كما ينضج الطعام في القدر بالنار. فإذا أذابته المعدة وطبخته، علا صفوه إلى فوق، ورسا كدره إلى أسفل، ومن المعدة عروق متصلة بسائر البدن، يبعث فيها نصيب كل عضو وقوامه، بحسب استعداده وقبوله. فيبعث ألطف ما يتولد من الغذاء وأخفه وأشرفه إلى الأرواح. وينبعث إلى الدماغ منه ما يناسبه في اللطافة والاعتدال. وينبعث منه إلى العظام والشعر والأظافر ما يغذيها ويحفظها. وبنبعث من الباقي إلى بقية الأعضاء كل بحسبه. ولما كان الغذاء يستحيل في المعدة إلى دم، ومرة سوداء، ومرة صفراء، وبلغم، اقتضت حكمة العزيز الحكيم أن جعل لكل واحد من هذه الأخلاط مصرفاً ينصب إليه ويجتمع فيه، ولا ينبعث إلى الأعضاء الشريفة إلا أكمله. فوضع سبحانه المرارة مصباً للمرة الصفراء .. ووضع الطحال مقراً للمرة السوداء .. والكبد تمتص أشرف ما في ذلك وهو الدم، ثم تصفيه وتبعثه إلى

стр. 579

جميع البدن من عرق واحد، ينقسم إلى مجار كثيرة، يوصل إلى كل واحد من العروق والأعصاب والعظام والشعور ما يكون به قوامه. فسبحان الملك الحق ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة. وإذا كان هذا صنعه في قطرة ماء مهين، فكيف صنعه في ملكوت السموات والأرض؟. وكيف شأن كرسيه وعرشه العظيم؟. وكم تكون عظمة الجنة التي خلقها؟ .. والنار التي سعرها؟ وكيف عظمته وجلاله وكبرياؤه؟: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾ [غافر: ٦٤]. ومن عجائب خلق الإنسان، ما خلق الله فيه من الحواس الخمس التي هي آلة الإدراك، ورتبها بحكمته سبحانه: فأولها حاسة اللمس، وهو أول حس يخلق للحيوان، وأقل درجاته أن يحس بما يلاصقه، وخلق الله للبعيد حساً آخر تدرك به ما بعد عنك، فخلق لك الشم تدرك به الرائحة من بعد. ولكن لا تدري من أي ناحية جاءت الرائحة، فخلق الله لك البصر، لتدرك به ما بعد عنك، وتدرك جهته فتقصدها بعينها، إلا أنه لو لم يخلق لك إلا هذا لكنت ناقصاً، إذ لا تدرك بذلك ما وراء الجدار والحجاب، فقد يقصدك عدو بينك وبينه حجاب، وقرب منك قبل أن يكشف الحجاب، فتعجز عن الهرب. فخلق الله سبحانه السمع، حتى تدرك به الأصوات من وراء الحجرات، عند جريان الحركات. ولا يكفي ذلك لو لم يخلق لك حس الذوق، الذي تعلم به ما يوافقك، وما يضرك، وتعلم به الطعوم وأحوالها من حلو وحامض، ومر ومالح، وحار وبارد. ثم أكرمك الله ﵎ بصفة أخرى هي أشرف من الكل، وهو العقل الذي

стр. 580

تدرك به معرفة الله، ومعرفة أسمائه وصفاته، وعظمه وقدرته، وآلائه وإحسانه، وهذه أعلى فوائد العقل. وأدناها ما تدرك به الأطعمة ومنافعها، وما ينفعك وما يضرك. ثم انظر إلى حكمة الله في خلق القدرة والإرادة في الإنسان، فلو خلق لك البصر حتى ترى به الطعام، ولم يخلق لك في الطبع شوق إليه، وشهوة تستحثك على القصد إليه، لكان البصر معطلاً. فكم من مريض يرى الطعام، وهو أنفع الأشياء له ولا يقدر على تناوله، لسقوط شهوته، فخلق لك الرحيم شهوة الطعام وسلطها عليك. ثم هذه الشهوة لو لم تسكن عند أخذ مقدار الحاجة من الطعام، لأسرفت وأهلكت نفسك، فخلق العليم الكراهة عند الشبع، لتترك الأكل بها. وكذلك خلق لك شهوة الجماع لحكمة بقاء النسل. وقد خلق الله كل حيوان ورزقه، والرزق والأجل قرينان، فما دام الأجل باقياً، كان الرزق آتياً. وإذا سد الله على العبد بحكمته طريقاً من طرق الرزق، فتح له برحمته طريقاً أنفع له منه. فانظر إلى الجنين في بطن أمه، يأتيه غذاؤه وهو الدم من طريق واحدة وهو حبل السرة. فلما خرج من بطن الأم، وانقطعت تلك الطريق، فتح له الله طريقين اثنين وهما الثديان، وأجرى له فيهما رزقاً أطيب وألذ من الأول، لبناً خالصاً سائغاً يناسب حاله. فلما تمت مدة الرضاع، وانقطعت الطريقان بالفطام، فتح له المولى الكريم طرقاً أربعة أكمل منها تناسب حاله، وهما طعامان وشرابان. فالطعامان النبات والحيوان، والشرابان المياه، وما يتصل بها من الألبان والعسل، ونحوهما من المنافع والملاذ.

стр. 581

فإذا مات الإنسان، انقطعت عنه هذه الأربعة، لكنه سبحانه فتح له إن كان سعيداً طرقاً ثمانية، وهي أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء، ليجد نعيماً لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٧]. فأي نعيم فوق هذا .. وأي كرم من ربه عليه فوق هذا؟. إن الرب جل وعلا لا يمنع عبده المؤمن شيئاً من الدنيا، إلا ويؤتيه ما هو أفضل منه وأنفع له، وليس ذلك لغير المؤمن. فإنه سبحانه يمنعه الحظ الأدنى، ولا يرضى له به، ليعطيه الحظ الأعلى. ولكن العبد لجهله بربه، وجهله بكرمه، وجهله بحكمته ولطفه، وجهله بمصالح نفسه، لا يعرف التفاوت بين ما منع منه، وبين ما ذخر له، بل هو مولع بحب العاجل وإن كان دنيئاً فانياً، وبقلة الرغبة في الآجل وإن كان علياً باقياً. ولو تأمل العبد وفكر لعلم أن فضل الله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها، أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه، ولا ابتلاه إلا ليعافيه، ولا أماته إلا ليحييه، ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتأهب للقدوم عليه، ويسلك الطريق الموصلة إليه. وقد ركب الله سبحانه في الإنسان قوتين: هما الشهوة والغضب. وهاتان القوتان بمنزلة صفاته الذاتية لا ينفك عنهما، وبهما وقعت المحنة والابتلاء، وبهما ينال العبد منازل الأبرار، أو ينحط تحت أقدام الأشرار في أسفل سافلين. فمن شهوته مصروفة إلى ما أعد الله له في دار النعيم .. وغضبه حمية لله ولكتابه ولرسوله ولدينه، فهذا في الدرجات العلى، والنعيم المقيم. ومن كانت شهوته مصروفة في هواه وأمانيه العاجلة .. وغضبه مقصور على حظه .. ولو انتهكت محارم الله وحدوده وشرائعه .. وهو ملحوظ بعين الاحترام والتقدير ونفوذ الكلمة .. فهذا في أسفل سافلين.

стр. 582

ولن يجمع الله بين الصنفين في دار واحدة. فالأول: صعد بشهوته وغضبه إلى أعلى عليين، فهو في الجنة. والثاني: هبط بهما إلى أسفل سافلين، فهو في النار. فسبحان من خلق هذا الإنسان من تراب، وجعل نسله من ماء مهين، ووكل بخلقه من هذا الماء ملائكة تنفذ أمره فيه. فهذه النطفة بمجرد استقرارها في الرحم، تتولاها ملائكة بأمر الله، فتنقسم إلى خلايا يلهمها الله ماذا تفعل؟، وماذا تريد؟. وكل خلية من هذه الخلايا مكلفة بأمر الله ببناء ركن من أركان هذه العمارة الهائلة، عمارة الجسم الإنساني العجيب: فتنطلق مجموعة منها لتنشئ بأمر الله الهيكل العظمي .. وأخرى تبني الجهاز الهضمي .. وأخرى تبني الجهاز العصبي .. وأخرى تبني الجهاز الدموي .. وأخرى تبني الجهاز التناسلي .. وأخرى تبني الجهاز التنفسي .. إلى آخر بقية الأركان في العمارة الإنسانية. وهذه العمارة دقيقة الصنع، عجيبة التركيب، متنوعة الوظائف، وكل خلية مأمورة أن تقوم بنوع معين من العمل في الركن المخصص لها من العمارة. يأمرها الملك فتنطلق بأمر الله وهي تعرف طريقها، وتعرف إلى أين هي ذاهبة، وما هو مطلوب منها، ولا تخطئ واحدة منها .. ؟ فالخلايا المكلفة أن تصنع العين تعرف أين مكانها، وتعرف أن العين ينبغي أن تكون في الوجه، ولا يجوز أن تكون في البطن أو الظهر أو القدم، مع أنه يمكن أن تنمو في أي مكان. فمن ترى قال لها إن هذا الجهاز يحتاج إلى عين، في هذا المكان دون سواه. إنه العلي الأعلى، الذي خلقها وهداها إلى طريقها في المتاهة التي لا هادي فيها إلا الله وحده. وكما أودع الله في الأرض ودائعً، وبالجهد عليها تظهر هذه الودائع، وتنفع

стр. 583

الناس كالماء والحديد وسائر المعادن. كذلك وضع الله في الآدمي ودائعَ، فإذا اجتهدنا عليها بالمنهج الصحيح ظهرت هذه الودائع، وخدمت الدين، وإلا نجتهد عليها يضيع هذا الاستعداد بين شهوات البهائم، أو غضب السباع، أو كيد الشياطين. فكل جوارح الإنسان خلقت للعبادة، وخدمة الدين، والقيام بالدين. فالعين عندها استعداد النظر .. والأذن عندها استعداد السمع .. والقلب عنده استعداد الإيمان .. والعقل عنده استعداد الفكر. واللسان عنده استعداد الكلام .. واليد عندها استعداد البطش بالأعداء .. والرجل عندها استعداد المشي والكر والفر، وهكذا بقية الجوارح. فأين الذي استفاد منها حسب أمر الله؟. وقد خلق الله اللسان، وجعل فيه استعداد الكلام، حيث يحدث الصوت من هواء ساذج، يخرج من الصدر حتى يصل إلى الحلق واللسان، والشفتين والأسنان، فيحدث منه الكلام والصوت. نظمه ونثره .. وخطبه ومواعظه .. لينه وخشنه .. والضحك والبكاء .. والترغيب والترهيب .. والسؤال والجواب .. والإنذار والتبشير، والنداء والدعاء .. والحمد والذم .. والتسبيح والاستغفار .. وغير ذلك مما لا يمكن حصره من أنواع الكلام الذي ينطق به اللسان بإذن الله. فسبحان القدير الذي أخرج كل ذلك من هواء ساذج يخرج من الصدر، ولا يدرى ما يراد به، ولا أين ينتهي، ولا أين مستقره، فهو بحر من الهواء يقلبه الله إلى بحر من الكلمات والجمل التي تحمل المعاني. وأعجب من هذا اختلاف الألسنة واللغات والأصوات. فيجتمع خلق من الناس من بلاد شتى، وكل يتكلم بلغته، ولا يدري كل منهم ما يقول الآخر، مع أن الهواء واحد، واللسان واحد، والحلق واحد، والأضراس واحدة، والشفتان واحدة، إن في ذلك لآية.

стр. 584

فمثل اللسان مثل الأرض تسقى بماء واحد، وتخرج نباتات مختلفة الأشكال والألوان والطعوم والأحجام، من الأشجار والأزهار والحبوب والثمار، مع أن التراب واحد، والماء واحد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤]. وعجيبة أخرى في خلق هذا الإنسان: إنها عملية تحويل الغذاء في الجسم إلى دم، وتغذية كل خلية بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم. إنها عملية عجيبة فائقة العجب، وهي بقدرة الله وتدبيره تتم في الجسم في كل ثانية، كما تتم عملية الاحتراق، كما تتم عملية التنفس. وفي كل لحظة تتم في جسم الإنسان عمليات هدم وبناء مستمرة، لا تكف حتى تفارق الروح الجسد. ولا يملك الإنسان أمام هذه المخلوقات العظيمة، وهذه العمليات العجيبة، إلا أن تهتف كل ذرة فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الكون والإنسان. والله سبحانه خلق الإنسان، وزوده بآلات العلم والمعرفة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب. فأي نعمة فوق هذه النعم؟: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨]. وأول الشكر وأعظمه، الإيمان بالله الواحد الأحد، وعبادته وطاعته، والدعوة إليه، والإحسان إلى خلقه. ألا ما أعظم فضل الله على الإنسان في خلقه .. وحسن صورته الخلقية .. وحسن صورته الشعورية .. فالإنسان أكمل الأحياء في الأرض من ناحية تكوينه الجثماني، كما أنه أرقاها من ناحية تكوينه الشعوري .. واستعداده الروحي. ومن ثم وكلت إليه الخلافة في الأرض، وأقيم خليفة في هذا الملك العريض،

стр. 585

إلى يوم الدين. إن الله خلق الإنسان من نطفة، وجعله يمر بمراحل: المرحلة الأولى: في بطن الأم، ومدتها تسعة أشهر، والحكمة من وجوده هذه المدة شيئان: تكميل الأعضاء الداخلية والخارجية. المرحلة الثانية: في بطن الدنيا، ومدتها من يوم الولادة إلى الموت، والحكمة من وجوده في الدنيا شيئان: تكميل الإيمان، والأعمال الصالحة. المرحلة الثالثة: في القبر، ومدتها من الموت إلى قيام الساعة، والحكمة من وجوده في القبر انتظار قيام الساعة، وهو في هذه الفترة إما في عذاب، وإما في نعيم، حسب عمله، سواء دفن أو لم يدفن. المرحلة الرابعة: في دار القرار، في الجنة أو النار، ومدتها من دخول الجنة أو النار، إلى أبد الآباد، والحكمة من وصوله إلى هذه الدار، بلوغ كمال النعيم، والتمتع برؤية ربه إن كان مؤمناً، والخلود في الجنة، أما الكافر فيصل إلى كمال العذاب جزاء على عمله في الدنيا، ويخلد في النار. والله حكيم عليم، خلق الإنسان ضعيفاً، ومع ضعفه فعلمه قليل، فمهما علم من العلم فلن يعرف كل شيء. والإنسان مع ضعفه وقلة علمه عجول، ومع عجلته كان أكثر شيء جدلاً، ومع جداله كان خصيماً، وقتوراً وهلوعاً. وفوق ذلك كان ظلوماً جهولاً، وفوق ذلك كان مختالاً فخوراً، وفوق ذلك كان كفوراً: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ [الزخرف: ١٥]. إن أعطى لم يشكر .. وإن ابتلي لم يصبر .. وإن أساء لم يستغفر: «يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أهْدِكُمْ» أخرجه مسلم (١). فالإنسان بحاجة إلى الوحي، وبحاجة إلى الدين، وبحاجة إلى قدوة حسنة،

стр. 586

ولذلك بعث الله إليه خيار الناس وهم الأنبياء، ليقتدي بهم. فمن اتبعهم وسار على هديهم أفلح ونجا في الدنيا والآخرة. ومن خالفهم وسار على هواه ضل وخسر في الدنيا والآخرة. فسبحان العليم الحكيم، السميع البصير، الذي خلق الإنسان ورعاه ورباه، وهو جنين في بطن أمه، وجعله في موضع صغير، لا يد تناله، ولا بصر يدركه. وسبحان من أجرى له الدم من الأم، يتغذى به كما يتغذى النبات بالماء، فينمو تدريجياً حتى يصير بشراً سوياً. وسبحان من قلب ذلك الدم بعد الولادة لبناً خالصاً. حتى إذا كمل خلقك، وقوي بدنك على مباشرة الهواء، واستعد بصرك لملاقاة الضياء، وصلبت عظامك على مباشرة الأيدي، هاج الطلق بأمك بأمر العزيز الحكيم، وجاءت الأوامر بخروجك. فخرجت من الظلمات إلى النور .. ومن دار الأمن إلى عالم الابتلاء .. فبينما الرحم مبتهجٌ بحملك .. صار يعج إلى ربك من ثقلك. فسبحان الذي فتح لك بابه حتى ولجت .. ثم ضمه عليك وحفظك فيه حتى كملت .. ثم فتح لك الباب ووسعه حتى خرجت منه كلمح البصر .. لم يخنقك ضيقه .. ولم تحبسك صعوبة طريقه. وسبحان من صرف ذلك اللبن الذي كنت تتغذى به في بطن أمك إلى خزانتين معلقتين على صدرها، تحمل غذاءك على صدرها، كما حملتك في بطنها، وساقه إلى تلك الخزانتين أعظم سوق وألطفه، فهي بئر مملوءة بالحليب، تشرب منها كلما ظمئت وجعت لبناً خالصاً سائغاً. فتبارك الكريم الرحيم الذي خلقه وصفاه، وأطاب طعمه، وحسن لونه، وأحكم طبخه، ليس بالحار المؤذي، ولا البارد القارس، ولا المر ولا المالح، ولا الكريه الطعم والرائحة، بل هو أحسن ما يكون. وجعله في أعلى مكان ليناسب حالك، فإذا اشتهيت اللبن در لك الثدي بإذن

стр. 587

ربه، ولسهولة وصوله إليك جعل الله في رأس الثدي حلمة هي بمقدار صغر فمك، فلا يضيق عنها، ولا يتعب بالتقامها: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٦]. ثم نقب سبحانه في رأس الحلمة نقباً صغيراً يناسب حالك، لم يوسعه فتختنق باللبن، ولم يضيقه فتمصه بكلفة. فسبحان من عطف قلب الأم على مولودها، ووضع فيه الحنان العجيب، والرحمة الباهرة، تسهر من أجلك، وتؤثرك بكل شيء، وهي منقادة مسرورة. حتى إذا قوي بدنك، واتسعت أمعاؤك، وخشنت عظامك، واحتجت إلى طعام يشتد به عظمك، ويقوى عليه لحمك، أنبت في فيك آلة القطع والطحن من الأسنان والأضراس. فسبحان الذي حبسها وقت الرضاع رحمةً بأمك، ثم أعطاكها أيام أكلك رحمةً بك ولطفاً بك. وكلما ازددت قوة وحاجة إلى الأسنان في أكل الطعام زيد لك في تلك الأسنان، حتى تنتهي إلى النواجذ، فتطيق نهش اللحم، وقطع الخبز، ثم إذا ازددت قوة، زيد لك فيها حتى تنتهي إلى الطواحين التي هي آخر الأضراس. ومن رحمته سبحانه بالإنسان أن أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئاً، فإنه على ضعفه لا يحتمل العقل والفهم والمعرفة، وإنما يعطي ذلك تدريجياً كما ينمو تدريجياً رحمةً من ربه العزيز الرحيم. فلا يزال يتزايد فيه العقل والمعرفة شيئاً فشيئاً، حتى يألف الأشياء ويتمرن عليها، ويستقبلها بحسن التصرف فيها، وحسن التدبير لها. وخص سبحانه الذكر بأن جمل وجهه باللحية، وقاراً وهيبةً له، وجمالاً وزينة، وفصلاً له عن سن الصبا، وفرقاً بينه وبين الإناث. وبقيت الأنثى على حالها، لما خلقت له من استمتاع الذكر بها، فبقي وجهها على حاله ونضارته، ليكون أهيج للرجل على الشهوة، وأكمل للذة الاستمتاع.

стр. 588

فالماء واحد .. والوعاء واحد .. واللقاح واحد .. والنتاج مختلف. فسبحان الذي أعطى الذكر الذكورية، والأنثى الأنوثية: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الشورى: ٤٩، ٥٠]. وجعل سبحانه المعدة خزانة يستقر فيها الغذاء، فتطبخه كالطباخ، وتسلمه لمن ينتفع به، فالإنسان يطبخ الطعام في الخارج، حتى يظن أنه قد كمل، وطباخه من الداخل يعاني من نضجه وطبخه ما لا تهتدي إليه، ولا تقدر عليه. فهو يوقد عليه نيراناً تذيب الحصى، وتذيب ما لا تذيبه النار، وهي في ألطف موضع منك، لا تحرقك ولا تلتهب عليك، وهي أشد حرارة من النار. وجعل سبحانه في بدنك المنافذ والأبواب، لإدخال ما ينفعك، وإخراج ما يضرك .. فهل من عاقل .. ؟ وهل من ذاكر .. ؟ وهل من شاكر .. ؟ فسبحان الخلاق العليم الذي خلق لك الحواس، وجعلها في الرأس كالمصابيح فوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الأشياء. وجعل سبحانه الحواس خمساً في مقابل المحسوسات الخمس، كي لا يبقى شيء من المحسوسات لا يناله بحاسة: فجعل البصر في مقابلة المبصرات .. وجعل السمع في مقابلة الأصوات، وجعل الشم في مقابلة الروائح .. وجعل الذوق في مقابلة المذوقات .. وجعل اللمس في مقابلة الملموسات .. فأي محسوس بقي بلا حاسة؟. وأعينت هذه الحواس بمخلوقات أخر لتكمل بها منفعتها: فأعينت حاسة البصر بالضياء والنور .. وأعينت حاسة السمع بالهواء الذي ينقل الأصوات .. وأعينت حاسة الشم بالنسيم اللطيف .. وأعينت حاسة الذوق بالريق المتحلل في الفم .. وأعينت حاسة اللمس خاصة بقوة جعلها الله فيها تدرك بها الملموسات، ولم تحتج إلى شيء من خارج. فسبحان من أخرج الكلام من هواء ساذج في باطن الإنسان، وأخرج من

стр. 589

الحروف والكلمات والجمل أنواع الكلام: من أمر ونهي .. ونظم ونثر .. ومضحك ومبك .. ومسل ومحزن .. وما يولد الخوف .. وما يولد الأمن .. ومنه ما يسقم الصحيح .. ومنه ما يبرئ السقيم .. ومنه ما يزيل النعم .. ومنه ما يحل النقم .. ومنه ما يستدفع به البلاء .. ومنه ما يجلب النعماء .. ومنه ما يؤلف القلوب .. ومنه ما يفرق القلوب .. ومنه ما يضل .. ومنه ما يهدي .. ومنه العالي .. ومنه السافل .. ومنه الحسن .. ومنه القبيح. فسبحان من أخرج هذا كله من هواء ساذج يخرج من الصدر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾ [الشعراء: ٨، ٩]. وسبحان من أخرج من هواء واحد ما لا يحصيه إلا الله من الحروف والكلمات، والأصوات والأنغام، وأخرج بماء واحد ما لا يحصيه إلا الله من النباتات والأشجار، والأزهار والثمار .. وأخرج بلسان واحد ما لا يحصيه إلا الله من اللغات واللهجات. فالحلق يمر به هواء واحد، والأرض تسقى بماء واحد، والمواليد من هذ وهذا مختلفة لا يحصي أنواعها إلا الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ [يس: ٨٢]. وما أعظم نعمة الله في الحفظ والنسيان، والذي خص به نوع الإنسان، وما أعظم ما فيهما من الحكم، وما للعبد فيهما من المصالح. فإنه لولا القوة الحافظة التي خص الله بها الإنسان لدخل عليه الخلل في أموره كلها، ولم يعرف ما له وما عليه، ولا ما أخذ ولا ما أعطى، ولا ما سمع وما رأى، ولا ما قال ولا ما قيل له، ولا ذكر من أحسن إليه، ولا من أساء إليه، ولا من نفعه فيقرب منه، ولا من ضره فينأى عنه، ولا يعرف علماً ولو درسه مراراً، ولا يهتدي إلى الطريق الذي سلكه أول مرة ولو سلكه مراراً، ولا ينتفع بتجربة، ولا يعرف من عامله.

стр. 590

ومن أعجب النعم عليه نعمة النسيان، فإنه لولا النسيان لما سلا أبداً، ولا انقضت له حسرة، ولا تعزى عن مصيبة، ولا ارتفع عنه حزن، ولا بطل له حقد، ولا استمتع بشيء من الدنيا مع تذكر الآفات، ولا نام من تذكر المصائب والبليات. فما أعظم نعمة الله على العبد في الحفظ والنسيان مع تضادهما: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣]. والله على كل شيء قدير، يفعل ما يشاء، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، يفعل ما يشاء بقدرته وهو الصمد: خلق آدم بلا أب ولا أم .. وخلق زوجه من أب بلا أم .. وخلق عيسى من أم بلا أب .. وخلقنا من أب وأم. فخلق آدم من تراب، وخلق زوجه من أحد أضلاعه، وخلق عيسى من نفخة جبريل في درع مريم، وخلق البشر من اجتماع ماء الرجل والمرأة. فسبحان من خلق من هذا الماء بشراً سوياً يقوم ويقعد .. ويأكل ويشرب .. ويفرح ويغضب .. ويصلي ويتعبد .. ويعدل ويظلم .. ويتكلم ويسكت .. ويرحم ويبطش. وسبحان من جعل من نسله الذكر والأنثى .. والأسود والأبيض .. والطويل والقصير .. والمؤمن والكافر .. والعاقل والمجنون .. والعرب والعجم. وسبحان من هيأه للإيمان والكفر .. والطاعات والمعاصي .. والخير والشر .. والإحسان والإساءة .. والهدى والضلالة. وسبحان من ملأ الأرض من نسله. فهذا يولد .. وهذا يموت .. حتى يأكلوا أرزاقهم .. ويستكملوا آجالهم .. والله يوالي عليهم نعمه .. ويرسل إليهم رسله .. وهم يعملون بما يسر الله لهم .. ويغدون ويروحون إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فما أعظم خلق هذه النفوس، وما أعجب ما فيها من الآيات والعبر والشواهد

стр. 591

والحكم، وما أدلها على قدرة بارئها وفاطرها: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١]. وهذا الإنسان مركب من ستة أشياء وهي: بدنه الجثماني .. ونفسه الشهوانية .. ونفسه الغضبية .. ونفسه الشيطانية .. وروحه الملكية .. وجوهره العقلي. والذي يملك السمع والأبصار هو الله، فهو خالقها وحده، وهو الذي يهبها القدرة على أداء وظائفها أو يحرمها، ويعافيها أو يمرضها، ويسمعها ويريها ما تحب أو ما تكره. وفي تركيب العين وأعصابها، وكيفية إدراكها للمرئيات. وفي تركيب الأذن وأجزائها، وطريقة إدراكها للذبذبات. في ذلك كله عجائب تذهل العقول، وتدير الرؤوس. إن كثيراً من الناس يمرون غافلين بالبدائع الإلهية في الكون وفي أنفسهم، كأنهم لا يبصرون ولا يدركون: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾ [يونس: ٩٢]. والذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، هو الله وحده. ألا ما أعظم الرب الخالق سبحانه، وما أعظم قدرته، وما أتقن صنعه. إن وقفة واحدة أمام الحبة والنواة، تخرج منهما النبتة والنخلة. أو أمام البيضة والبويضة، يخرج منهما الفرخ والإنسان. إن ذلك لكافٍ لاستغراق حياة الإنسان في التأمل والارتعاش، إجلالاً لعظمة الله وكمال قدرته، وسعة علمه، وجميل صنعه. فسبحان العليم القدير. أين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ .. وأين كان يكمن العود؟. وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق والثمار؟. وأين في النواة كان يكمن اللب واللحاء، والساق والعراجين؟. وأين كان يكمن الطعم والنكهة، واللون والرائحة؟.

стр. 592

وأين كان يكمن البلح والتمر، والرطب والبسر؟. وأين في البيضة كان الفرخ؟. وأين كانت تكمن تلك العظام واللحوم، والزغب والريش؟. وأين كان يكمن في البويضة ذلك الكائن البشري العجيب؟. وأين كان يكمن لحمه وعظامه، عروقه وأعصابه، وسمعه وبصره، ورأسه وأطرافه، وأفكاره وأعماله، وكلامه وحركاته؟ ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ [لقمان: ١١]. وإن تحول الطعام الذي يموت بالطهي والنار، إلى دم حي في الجسم الحي .. وتحول هذا الدم إلى فضلات ميتة بالاحتراق .. لأعجوبة يتسع العجب منها .. كلما زاد العلم بها .. وهي بعد كائنة في كل لحظة آناء الليل وأطراف النهار. إن هذه الكائنات الحية لا تكون إلا من إله حي، يهب الحياة لكل حي: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].

стр. 593

١٧ - خلق الروح قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ [الحجر: ٢٨، ٢٩]. الله ﵎ هو الذي سوَّى النفس كما سوَّى البدن. فأخبر أنه سوى البدن بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾ [الانفطار: ٦ - ٨]. وأخبر أنه سوى النفس بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾ [الشمس: ٧، ٨]. فالله هو الذي خلق النفس وسواها، وألهمها فجورها وتقواها. والإنسان مجموع الروح والبدن كما قال سبحانه: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١، ٧٢]. وباجتماع الروح مع البدن، تصير النفس فاجرة أو تقية، وإلا فالروح بدون البدن لا فجور لها. وقد أفلح من زكى نفسه بحملها على طاعة الله، وخاب من أهلكها وحملها على معصية الله. والعبد إنما يزكي نفسه بعد تزكية الله لها بتوفيقه وإعانته، ويدسيها بعد تدسيه الله لها بخذلانه والتخلية بينه وبين نفسه حينما أعرض عن ربه. والله هيأ الإنسان لقبول الكمال، بما أعطاه الله من الأهلية والاستعداد، التي جعلها كامنة فيه كون النار في الزناد. فألهمه ربه ومكنه، وعرفه وأرشده، وأرسل إليه رسله، وأنزل عليه كتبه، لاستخراج تلك القوة التي أهله بها لكماله إلى الفعل، فالنفس قابلة للفجور

стр. 594

والتقوى لحكمة الابتلاء. ثم خص الله سبحانه بالفلاح من زكاها فنماها وعلاها بطاعة الله فذلك المتقي. ثم حكم بالشقاء على من دساها، فأخفاها وحقرها وصغرها وقمعها بالفجور فذلك الشقي. فالطاعة والبر تكبر النفس وتعزها، وتعليها حتى تصير أشرف شيء، وأكبره وأزكاه وأعلاه. والمعصية تذل النفس وتصغرها وتحقرها. فما أصغر النفس مثل معصية الله، وما كبرها وشرفها ورفعها مثل طاعة الله. والبدن كالقالب بالنسبة للنفس، وهي تأخذ من بدنها صورة تتميز بها عن غيرها، ويكتسب البدن الطيب والخبث من طيب النفس وخبثها، وتكتسب النفس الطيب والخبث من طيب البدن وخبثه. ولهذا يقال لها عند مفارقة البدن: «أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ الله وَرِضْوَانٍ» أخرجه أحمد وأبو داود (١). والأرواح جنود مجندة، وأنواع مختلفة كما قال النبي ﷺ : «الأرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» متفق عليه (٢). وتميز الروح عن الروح بصفاتها أعظم من تميز البدن عن البدن بصفاته. فالمؤمن والكافر قد يتشابهان كثيراً، وبين روحيهما أعظم التباين، وقلَّ أن ترى بدناً قبيحاً إلا وجدته مركباً على نفس تشاكله، وقل أن ترى آفة في بدن، إلا وفي روح صاحبه آفة تناسبها. وقل أن ترى شكلاً جميلاً، وصورة حسنة، إلا وجدت الروح المتعلقة به مناسبة له، حسنة مثله.

стр. 595

وإذا كانت الأرواح العلوية وهم الملائكة متميزاً بعضهم عن بعض من غير أجسام تحملهم، وكذلك الجن، فتميز الأرواح البشرية أولى. وأرواح الموتى تتلاقى وتتزاور، وأرواح الأحياء والأموات تتلاقى في النوم، ويكلم بعضها بعضاً، كما تلتقي أرواح الأحياء، وكما تلتقي أرواح الموتى كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾ [الزمر: ٤٢]. فالروح جسم قائم بنفسه، مخالف جوهره جوهر البدن، وهي مخلوقة مدبرة، وأرواح الأحياء والأموات تتلاقى في البرزخ، فتجتمع وتتحدث، فيرسل الله أرواح الأحياء لتستكمل أرزاقها وآجالها، ويمسك أرواح الأموات. وموت النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة الموت، وإن أريد أنها تعدم وتضمحل وتصير عدماً محضاً فهي لا تموت بهذا الاعتبار. فالأرواح باقية بعد خلقها ومفارقة أجسادها في نعيم أو عذاب، حتى يردها الله إلى أجسادها عند البعث. وموت الأنبياء أنهم غيبوا عنا حيث لا ندركهم، فهم أحياء في قبورهم، كالملائكة أحياء موجودون ولا نراهم. وإذا تقرر أنهم أحياء، وكذلك الشهداء، فحياتهم تختلف عن حياتهم في الدنيا، وواهب الحياة وحده، أعلم بكيفية تلك الحياة. فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق الأنبياء، فالأظهر أنه غشية. فإذا نفخ في الصور نفخة البعث، فمن مات حيي، ومن غشي عليه أفاق، ولذلك قال النبي ﷺ : «لا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأكُونُ أوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ الْعَرْشِ، فَلا أدْرِي: أكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأفَاقَ قَبْلِي،

стр. 596

أوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ» متفق عليه (١). وقد وصف الله النفس بالدخول والخروج، والقبض والتوفي، والرجوع والصعود إلى السماء كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠]. والروح تعاد إلى الميت في قبره وقت سؤال الملكين له في القبر. من ربك؟، ما دينك؟، من نبيك؟. والروح تتعلق بالبدن، وإن بلي وتمزق، ولكنها لا تستقر فيه. وسر ذلك أن الروح لها مع البدن خمسة أحوال: أحدها: تعلقها بالجنين في بطن أمه. الثاني: تعلقها بالبدن بعد خروجه إلى الأرض. الثالث: تعلقها بالبدن في حال النوم، فلها به تعلق من وجه، ومفارقة من وجه. الرابع: تعلقها به في البرزخ، فإنها وإن فارقته وتجردت عنه، فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً، بحيث لا يبقى لها التفات إليه البتة، فترد إليه عند السؤال في القبر، ووقت سلام المسلم عليه، وهذا الرد لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة. الخامس: تعلقها به يوم القيامة، وهو أكمل أنواع تعلقها، ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه. والنبي ﷺ رأى الأنبياء في السموات، ورأى موسى ﷺ يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة، ورأى إبراهيم ﷺ في السماء السابعة مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وقبورهم وأبدانهم في الأرض، ولا تنافي في ذلك. فإن الروح كانت هناك في السماء، ولها اتصال بالبدن في القبر، وإشراف عليه، وتعلق به، بحيث يصلي في قبره، ويرد السلام، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين.

стр. 597

إن شأن الأرواح غير شأن الأبدان، فصعودها ونزولها وحركتها أخف من حركة البدن وأسرع. والنعيم والعذاب في القبر على البدن والروح معاً، تنعم الروح وتعذب منفردة عن البدن، وتنعم وتعذب متصلة بالبدن. وعذاب القبر هو عذاب البرزخ، فكل من مات وهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه قبر أو لم يقبر، فلو أكلته السباع، أو أحرق حتى صار رماداً، وصل إلى روحه وبدنه من العذاب أو النعيم ما يصل إلى المقبور. فإن قيل، وقد قيل، وما قيل إلا بسبب الجهل بالله ودينه وشرعه .. عذاب القبر ونعيمه .. وسعته وضيقه .. وكونه حفرة من حفر النار .. أو روضة من رياض الجنة، قد كشفنا القبر وما رأينا ذلك؟. ولا رأينا الملائكة التي تعذب الكفار؟. ووجدنا القبر كما حفرناه وقبرناه لم يزد ولم ينقص؟. وكيف يسع القبر الميت مع من يعذبه أو يؤنسه أو يسأله؟. ونرى المصلوب على خشبة لا يتحرك ولا يسأل ولا يجيب؟. وكذلك من أكلته السباع، ومن احترق، ومن تفرقت أجزاؤه؟. وكيف يسأل من تفرقت أجزاؤه في الرياح والبحار والتراب؟. فيقال لهؤلاء وأمثالهم: كتاب الله تنزيل من حكيم عليم، والرسل لم تأت بما تحيله العقول، وتقطع باستحالته. بل ما جاء به الرسل قسمان: أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر. الثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها، كأمور الغيب التي أخبروا بها عن البرزخ، واليوم الآخر كالصراط والميزان، والجنة والنار ونحو ذلك. ولا يكون خبر الرسل محالاً في العقول أصلاً. وكل خبر يُظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أمرين:

стр. 598

الأول: إما أن يكون الخبر كذباً عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسداً يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً، كما قال سبحانه: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾ [سبأ: ٦]. الثاني: أن يُفهم عن الرسول ﷺ مراده، من غير غلو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصربه عن مراده مما قصده من الهدى والبيان. وقد حصل بسبب إهمال ذلك كل بدعة وضلالة ومعصية، مع حسن القصد أو سوء القصد، وما ذاك إلا بسبب سوء الفهم عن الله ورسوله. والله سبحانه خلق هذا الكون العظيم، وخلق البشر، وشرع لعباده الدين الحق. وجعل الدور ثلاثاً: دار الدنيا .. ودار البرزخ .. ودار الآخرة. وجعل سبحانه لكل دار أحكاماً تخصها، وتناسب أحوالها، وركب هذا الإنسان من بدن وروح. وجعل أحكام الدنيا على الأبدان، والأرواح تبعاً لها، ولهذا جعل أحكام الشريعة مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت النفوس خلافه. وجعل أحكام البرزخ على الأرواح، والأبدان تبعاً لها، فالأبدان في الدنيا ظاهرة، والأرواح خفية، والأبدان كالقبور لها. والأرواح هناك في القبور ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح، فتسري إلى أبدانها نعيماً أو عذاباً، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان، وتسري إلى الأرواح عذاباً أو نعيماً. وذلك واقع في الدنيا بالنوم، فإن ما يجري على الإنسان في نومه من عذاب أو نعيم، يجري على روحه أصلاً، والبدن تابع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن، فيرى في نومه أنه قد ضرب، فيقوم وأثر الضرب في جسمه. وذلك أن الحكم لما جرى على الروح، استعانت بالبدن من خارجه، ولو

стр. 599

دخلت لاسيتقظ وأحس. فإذا كان يوم حشر الأجساد، وقام الناس من قبورهم، صار الحكم، والنعيم والعذاب على الأجساد والأرواح معاً ظاهراً بادياً في كل منهما. والله جعل أمر الآخرة، وما كان متصلاً به كالبرزخ غيباً، وحجب ذلك عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته ورحمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم. فالملائكة تنزل على المحتضر، وتجلس قريباً منه، ويشاهدهم عياناً، وقد يسلمون على المحتضر، وقد يرد عليهم بإشارة أو لفظ. وكذلك النار التي في القبر ليست من نار الدنيا، والخضرة التي فيه ليست من زرع الدنيا، وإنما ذلك من نار الآخرة وخضرتها، فلا يحس بها الأحياء في هذه الدار، لأنهم محجوبون عنها. ولو أطلعنا الله على ذلك لزالت حكمة التكليف، ولما تدافن الناس كما قال النبي ﷺ : «لَوْلا أنْ لا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللهَ أنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر» أخرجه مسلم (١). ورؤية هذه النار أو الخضرة في القبر كرؤية الملائكة والجن تقع أحياناً لمن شاء الله أن يريه ذلك، كما حصل لبعض الناس. والله قد أحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك. فجبريل ﷺ كان ينزل على النبي ﷺ في صورة رجل، ويكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي ﷺ لا يراه ولا يسمعه. والجن يتحدثون بيننا بالأصوات المرتفعة، ونحن لا نسمعهم ولا نراهم، وقد نسمع كلامهم ولا نراهم، كما إذ دخلوا في بعض الإنس وتكلموا. فالله رؤوف بالعباد يخلق حوادث ومخلوقات، يصرف عنها أبصار الناس،

стр. 600

حكمة منه ورحمة بهم، لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها. والعبد أضعف بصراً وسمعاً وتحملاً من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر. وإذا كان العبد يستطيع أن يوسع القبر، ويستره عن الناس، فلا يعلمون منه إلا ما شاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه على من يشاء، ويضيقه على من يشاء، ويستر ذلك عمن يشاء، ويظهره لمن يشاء؟. والسر في ذلك كله أن النار والخضرة، والضيق والسعة في القبر ليست من المعهود في هذا العالم، فلا يمكننا إدراكه. والله سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما أمر الآخرة، فقد أسبل عليه الغطاء، ليكون الإيمان به والإقرار سبباً لنجاتهم وسعادتهم. ولا يمتنع على من هو على كل شيء قدير، أن يرد الروح إلى المصلوب والغريق والحريق، ونحن لا نشعر بها. وكذلك من تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على الذي لا يعجزه شيء، أن يجعل للروح اتصالاً بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، فإنه سبحانه جعل في الجمادات شعوراً، فهي تسبح بحمد ربها، وتسقط الحجارة من خشيته سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤]. وعذاب القبر ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما بين الدنيا والآخرة، وهذا البرزخ يشرف أهله فيه على الدنيا والآخرة. وسمي عذاب القبر ونعيمه، وأنه روضة أو حفرة، باعتبار غالب الخلق، وإلا فإن للغريق والحريق والمصلوب، ومن أكلته السباع والطيور، من عذاب القبر ونعيمه ما للمقبور. ولو عُلق الميت على رؤوس الأشجار في مهاب الرياح، لأصاب جسده نصيبه من عذاب القبر ونعيمه بقدرة العزيز العليم، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. والله ﵎ جعل لابن آدم معادين وبعثين: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا
следующие страницы →