٣ - وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إِنَّ يَمِينَ اللهِ مَلأى لا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أرَأيْتُمْ مَا أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، وَبِيَدِهِ الأخْرَى الفَيْضُ، أوِ القَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ». متفق عليه (١).
- الهداية والإضلال:
الله له الخلق والأمر كله في الكون كله.
يفعل ما يشاء .. ويحكم ما يريد .. ويهدي من يشاء .. ويضل من يشاء .. الملك ملكه، والخلق خلقه، لا يُسأل عما يفعل، وهو الحكيم العليم الذي يضع الشيء في موضعه.
فيعطي الخير والهدى من يشكره، ويعلم أنه أهل له، ويمنعه من ليس له بأهل، ويعلم أنه يكفره.
ومن رحمته سبحانه بعباده:
أن أرسل إليهم الرسل .. وأنزل عليهم الكتب .. وأوضح السبل .. وأزاح العلل .. وأعطى الإنسان ما يعرف به ما ينفعه وما يضره فزوّده بالسمع، والبصر، والعقل.
ثم بعد ذلك يأتي دور الإنسان:
١ - فمن آثر الهداية، ورغب فيها، وتحرك لطلبها، وعمل بأسبابها، وجاهد في سبيل تحصيلها، هداه الله إليها، وأعانه على تحصيلها وتكميلها ونشرها، وهذا فضل الله ورحمته.
стр. 422
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
٢ - ومن آثر الضلالة، ورغب فيها، وطلبها، وعمل بأسبابها، تمت له، وولاه الله ما تولى، ولم يجد من الله صارفاً عنها، وهذا عدل الله.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
- طرق الحصول على الهداية:
الإنسان يحصل على الهداية بأمور:
أحدها: الدعاء المستمر بطلب الهداية:
قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
الثاني: المجاهدة في طلب الهداية:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾ [العنكبوت: ٦٩].
الثالث: الاعتصام بالله في كل حال:
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران: ١٠١].
الرابع: الإنابة إلى الله:
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ [الشورى: ١٣].
стр. 423
الخامس: العلم والعمل بالدين:
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزُّمَر: ١٧ - ١٨].
السادس: اتباع ما يحبه الله ويرضاه:
قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
السابع: اجتناب سبل الضلالة والغواية:
١ - قال الله تعالى: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦)﴾ [آل عمران: ٨٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾ [غافر: ٢٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾ [المنافقون: ٦].
- الطاعات والمعاصي:
الطاعات يحبها الله .. والمعاصي تحبها النفس .. والإيمان بحر الطاعات .. والكفر بحر المعاصي .. والطاعات من أسباب دخول الجنة .. والمعاصي سبب دخول النار.
والطاعة تولد المنفعة، وتثمر الأخلاق الحسنة.
والمعصية تولد المضرة، وتثمر الأخلاق السيئة.
стр. 424
فالشمس والقمر، والنبات والحيوان، والبر والبحر، أطاعت ربها، فخرج منها منافع كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى.
والأنبياء لما أطاعوا الله خرج منهم من الخير ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وإبليس لما عصى ربه وأبى واستكبر، خرج بسببه من الشرور والفساد في الأرض ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وهكذا الإنسان:
إذا آمن بربه وأطاعه، خرج منه من الخير والمنافع له ولغيره ما لا يحصيه إلا الله ﵎.
وإذا عصى ربه، خرج منه من الشر والمضار له ولغيره ما لا يحصيه إلا الله
تعالى.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
- آثار الطاعات والمعاصي:
جعل الله للطاعات والحسنات والطيبات آثاراً طيبة محبوبة، لذتها فوق لذة المعصية بأضعاف مضاعفة.
وجعل سبحانه للمعاصي والسيئات والخبائث آثاراً وآلاماً مكروهة مؤلمة، تورث الحسرة والندم والألم، وتُرْبي على لذة تناولها أو فعلها بأضعاف
стр. 425
مضاعفة.
وما حصل لعبد حال مكروهة قط إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر.
والطاعات نافعة جداً للقلوب، كالأغذية الطيبة نافعة للأجساد.
والذنوب مضرة جداً للقلوب، كالسموم مضرة بالأجساد.
والله خلق الإنسان على الفطرة حسناً جميلاً سليماً.
فإن تاب إلى الله وأناب، أعاد الله إليه حسنه وجماله وعافيته، وبلغ كماله في الجنة.
فلكل طاعة آثار محمودة على النفس، وعلى الأمة، وفي العالم العلوي، وفي العالم السفلي، وفي الدنيا، وفي الآخرة.
ولكل معصية آثار مذمومة كذلك تماماً.
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣،١٤].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ [الأعراف: ٩٦].
- فقه الحسنات والسيئات:
تنقسم الحسنات إلى قسمين:
١ - حسنة سببها الإيمان والعمل الصالح، وهي طاعة الله ورسوله.
٢ - حسنة سببها الإنعام الإلهي على الإنسان بمال، أو صحة، أو نصر، أو عزة.
стр. 426
وتنقسم السيئات إلى قسمين:
١ - سيئة سببها الشرك والمعاصي، وهي ما يصدر من الإنسان من شرك ومعصية.
٢ - سيئة سببها الابتلاء، أو الانتقام الإلهي كنقص الأموال، والأنفس، والثمرات، والمرض والهزيمة ونحو ذلك.
وبيان مَنْ فَعَل هذه الحسنات والسيئات كما يلي:
١ - الحسنة بمعنى الطاعة لا تنسب إلا إلى الله وحده.
فهو الذي شرعها للعبد .. وعلمه إياها .. وحبب إليه فعلها .. وأعانه عليها .. وأثابه إذا عملها.
٢ - والسيئة بمعنى معصية الله ورسوله.
هذه إذا فعلها العبد بإرادته واختياره، مُؤْثِراً المعصية على الطاعة، فهذه السيئة تنسب للعبد فاعلها، ولا تنسب إلى الله؛ لأن الله لم يشرعها، ولم يأمر بها.
بل حرمها وتوعد عليها، وحذر منها.
قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
٣ - الحسنة بمعنى النعمة: كالمال والولد، والجاه والنصر، والصحة والعزة.
والسيئة بمعنى الابتلاء والانتقام: كالنقص في المال، والأنفس، والثمرات، والمرض، والهزيمة ونحو ذلك.
هاتان الحسنة والسيئة بهذا المعنى من عند الله.
لأنه سبحانه يبلو عباده ابتلاءً، وانتقاماً، ورفعة، تربية لعباده، فهو الرب
стр. 427
الحكيم الخبير، العليم بما يصلح به أحوال عباده.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء: ٧٨].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
- دفع عقوبة السيئات:
إذا عمل المؤمن سيئة فعقوبتها تندفع عنه بما يلي:
إما أن يتوب فيتوب الله عليه .. أو يستغفر فيغفر الله له .. أو يعمل حسنات تمحوها.
أو يدعو له إخوانه المؤمنون ويستغفرون له .. أو يهدوا له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
أو يبتليه الله في الدنيا بمصائب تكفر عنه .. أو يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفر بها عنه .. أو يبتليه في عرصات القيامة بما يكفر عنه.
أو يشفع فيه نبيه محمد ﷺ .
أو يرحمه أرحم الراحمين، والله غفور رحيم.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
стр. 428
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ [هود: ١١٤].
- ثمرات الإيمان بالقدر:
الإيمان بالقضاء والقدر مصدر الراحة والطمأنينة لكل مسلم، وهو أمر لازم لكل عبد في كل وقت ليسعد في دنياه وأخراه.
فيعلم أن ربه الملك العظيم له الخلق والأمر كله.
يخلق ويرزق .. ويعطي ويمنع .. ويعز ويذل .. ويكرم ويهين .. ويحيي ويميت .. ويهدي ويضل.
ويعلم أن ربه عليم بكل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة من ملكه العظيم.
ويعلم أن كل شيء بقدر الله، فلا يعجب بنفسه عند حصول مراده، ولا يقلق عند فوات محبوب، أو حصول مكروه؛ لأنه يعلم أن ذلك كله بقدر الله، وهو كائن لا محالة، وهو خير بلا ريب.
١ - قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣].
٢ - وَعَنْ صُهَيْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ». أخرجه مسلم (١).
стр. 429
- ثمرات أركان الإيمان:
أركان الإيمان الستة لها ثمرات عظيمة نافعة:
١ - فالإيمان بالله يثمر محبة الله وتعظيمه، وحمده وشكره، وخوفه ورجاءه، وعبادته وطاعته، والتوكل عليه، والاستعانة به، والإنابة إليه، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.
٢ - والإيمان بالملائكة يثمر محبتهم، وتعظيم من خلقهم، والاستحياء منهم، والاعتبار بطاعتهم، والتشبه بهم، والاستكثار من الطاعات، والحذر من المعاصي.
٣ - والإيمان بالكتب يثمر معرفة عظمة الله، وعظمة كلامه، ومعرفة حسن
شرائعه، وكمال عناية الله بخلقه، ومحبته لهم، حيث أنزل لهم كتباً ونوراً يهتدون به.
٤ - والإيمان بالرسل يثمر معرفة كمال رحمة الله وعنايته بخلقه، ومحبته وشكره، حيث أرسل إليهم الرسل يدعونهم إلى الله، ويبينون للناس ما نزل إليهم، وماذا يريد الله من الناس في الدنيا، وماذا سيعطيهم في الآخرة.
٥ - والإيمان باليوم الآخر يثمر معرفة جلال الله وعظمته، وعظمة خزائنه، والرغبة في الطاعات، والخوف من الله، ووجل القلب مما أمامه من أهوال يوم القيامة.
٦ - والإيمان بالقدر يثمر طمأنينة النفس، وسكونها، ورضاها بما قدر الله، والتسليم لمن بيده الملك، وأزمة الأمور كلها بيده.
وذلك كله يثمر عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، والتوكل عليه وحده، وعدم الالتفات إلى ما سواه.
стр. 430
ويثمر طاعة الله ورسوله، وتقديم طاعة الله ورسوله على طاعة كل أحد.
١ - قال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
- وبهذا تمت بفضل الله أركان الإيمان الستة، وهي:
الإيمان بالله .. وملائكته .. وكتبه .. ورسله .. واليوم الآخر .. والقدر خيره وشره.
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم كمال الإيمان، وصدق العبودية، وحسن العمل.
стр. 431
٥ - الإحسان
- مراتب الدين:
مراتب الدين ثلاث:
الإسلام .. والإيمان .. والإحسان.
وكل مرتبة لها أركان، والإحسان أعلاها.
فالإسلام يمثل أعمال الجوارح .. والإيمان يمثل أعمال القلوب .. والإحسان إتقان تلك الأعمال، وحسن أدائها، مع كمال التوجه بها إلى الله.
وقد مضى الكلام في الإسلام والإيمان بحمد الله، وبقي الكلام في الإحسان.
- الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
- منزلة الإحسان:
الإحسان هو فعل الشيء الحسن في النفس أو الغير.
وكلما كان الإنسان أكثر إحساناً إلى نفسه وإلى غيره كان أقرب إلى رحمة الله، وكان ربه قريباً منه برحمته كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾ [الأعراف: ٥٦].
واختص أهل الإحسان برحمة الله؛ لأنها إحسان من الله، والإحسان إنما يكون لأهل الإحسان من خلقه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فكما أحسنوا بأعمالهم، أحسن الله إليهم برحمته كما قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرحمن: ٦٠].
стр. 432
وأحسن الناس وأسعدهم وأفضلهم هو المؤمن الذي استسلم لربه، واتبع شرعه كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
وقد وعد الله كل من أحسن عبادة الله، وأحسن إلى عباد الله بالثواب الجزيل كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤)﴾ [المرسلات: ٤١ - ٤٤].
وأعظم الإحسان الصادر من العبد:
هو الإيمان بالله، وتوحيده، وطاعته، والإنابة إليه، واتباع شرعه، وأن تعبد الله كأنك تراه، وبذلك تحصل للعبد معية الله .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ [النحل: ١٢٨].
- إحسان الرب:
إحسان الرب إلى الخلق لا يحيط به أحد من الخلق.
وأعظم إحسان الرب إلى عباده:
خلقهم في أحسن تقويم .. وتسخير ما في السماوات والأرض لهم .. وإمدادهم بالأرزاق والنعم على مر الدهور.
وأعظم من ذلك كله:
إنزال الكتب عليهم .. وإرسال الرسل إليهم .. وهدايتهم إلى التوحيد والإيمان .. وإثابتهم على الطاعات بالأجور المضاعفة .. ثم الخلود في جنات النعيم.
стр. 433
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾ [غافر: ٦١].
- إحسان العبد:
إحسان العبد له ثلاث حالات:
الأولى: إحسان إلى النفس بحملها على طاعة الله ورسوله.
الثانية: إحسان في عبادة الله، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
الثالثة: إحسان إلى عباد الله تعالى، وذلك بإيصال جميع أنواع الخير لهم.
ومن أعظم الإحسان إلى الخلق دعوتهم إلى الله، وتعليمهم ما ينفعهم في دينهم، وما يكون سبباً لسعادتهم ونجاتهم في الدنيا والآخرة من العلم بالله وأسمائه وصفاته، ودينه وشرعه، وتحذيرهم سبل الشر والهلكات.
وأعظم الناس إحساناً إلى الخلق هم الأنبياء وأتباعهم الذين يحملون الخير للبشرية كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
- فقه الإحسان:
اليقين هو ظهور الشيء للقلب بحيث تصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين، فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلاً.
وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان.
فاليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وهو روح أعمال القلوب، التي هي روح أعمال الجوارح.
стр. 434
ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نوراً وإشراقاً، ومحبة لله، ورحمة لخلقه، وانتفى عنه كل شك وريب.
وكلما زاد اليقين في القلب امتلأ بمحبة الله .. والأنس به .. والإنابة إليه .. والرضا به .. والتوكل عليه .. والخوف منه .. والشكر له .. والرضا به .. والاستعانة به .. وعدم الالتفات إلى غيره .. واليقين لا يسكن قلباً فيه سكون لغير الله أبداً.
١ - قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾ [يونس: ٢٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان: ٢٢].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤].
- درجات الإحسان:
الإحسان في العبادة درجتان:
الأولى: أن يعبد الإنسان ربه بقلب حاضر كأنه يراه عبادة طلب وشوق، ورغبة ومحبة، وهذه أعلى المرتبتين.
الثانية: إذا لم يعبد ربه كأنه يراه، فليعبده كأنه هو الذي يراه، عبادة خائف منه، هارب من عقابه.
والناس متفاوتون في هذه الرتب.
فالحب لله يولِّد الشوق والطلب .. والتعظيم يولِّد الخوف والهرب .. وفي هذا
стр. 435
وهذا كمال العبودية لله .. وكمال الحب لله .. وكمال التعظيم له .. وهذا هو الإحسان في عبادة الله ﷻ .
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
٢ - وَعَنْ عُمَر بْن الخَطَّابِ ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الإِسْلامُ أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ، إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا» قال: صَدَقْتَ. قال فَعَجِبْنَا لَهُ. يَسْألُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قال: فَأخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ. قال: «أنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الاخِرِ. وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قال: صَدَقْتَ. قال فَأخْبِرْنِي عَنِ الإحْسَانِ. قال: «أنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ». أخرجه مسلم (١).
стр. 436
٦ - العبادة
- معنى العبادة:
الذي يستحق العبادة هو الله وحده لا شريك له.
والعبادة تطلق على شيئين:
الأول: التعبد: وهو التذلل لله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، محبة له وتعظيماً.
الثاني: المتعبَّد به: وهو كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الظاهرة والباطنة كالدعاء والذكر، والمحبة والخوف، والصلاة ونحو ذلك.
فالصلاة مثلاً عبادة .. وفعلها تعبُّد لله .. والزكاة عبادة .. وأداؤها تعبُّد لله .. وهكذا.
فنعبد الله وحده بما شرع .. مع كمال التعظيم له .. وكمال الحب له، وكمال الذل له.
- حكمة خلق الجن والإنس:
خلق الله الجن والإنس لعبادته وحده لا شريك له، ولم يخلقهم عبثاً أو سدىً، ولم يوجدهم ليأكلوا ويشربوا، ويلهوا ويلعبوا .. ويمرحوا ويضحكوا.
إنما خلقهم لعبادته وطاعته، والعمل بشرعه، واجتناب عبادة ما سواه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
стр. 437
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
- حقيقة الإنسان:
الله ﵎ خلق الإنسان في أحسن تقويم.
وجعله مركباً من ثلاثة أشياء:
جسداً مادياً .. ونفساً حيوانياً .. وروحاً ملكياً ..
فالجسد مَرْكب النفس والروح، وفي نفس الإنسان بحار الشهوات، وفي روح الإنسان بحار الطاعات، والجسد للغالب منهما.
والجسد علبة الإنسان، والروح حقيقة الإنسان.
فالجسد إذا كان فارغاً من الروح فلا قيمة له، ولا عمل له.
ولذلك يدفن في التراب الذي خلقه الله منه.
وإذا كانت فيه الروح صار له قيمة، وله وظيفة، وله عمل، ولذلك يكون ملكاً وأميراً، وزوجاً، وأماً وأباً، وتاجراً وطبيباً.
فإذا خرج صاحب الجسد صار الجسد لا قيمة له، ولذلك يتعفن في الحال، فيعاد إلى التراب الذي خلقه الله منه، ثم يقوم للحساب والجزاء ..
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾ [الإسراء: ٧٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].
стр. 438
- أمهات العلوم:
أمهات العلوم ثلاث:
معرفة النفس .. ومعرفة الرب .. ومعرفة الدين.
فمعرفة النفس تكون عن طريق الذي خلقها وصورها.
ومعرفة الرب بآياته ومخلوقاته، والنظر في ملكوت السماوات والأرض.
ومعرفة الدين تكون بواسطة الرسل الذين بعثهم الله إلى عباده، فإذا عرف الإنسان نفسه بالعجز عرف ربه بالقدرة .. وإذا عرف نفسه بالفقر عرف ربه بالغنى .. وإذا عرف نفسه بالجهل عرف ربه بالعلم .. وهكذا.
إذا عرف ربه بالعدل عرف نفسه بالظلم .. وإذا عرف ربه بالقوة عرف نفسه بالضعف .. وإذا عرف ربه بالعزة عرف نفسه بالذلة.
فلله صفات الكمال المطلق، وللعبد صفات النقص المطلق.
وإذا عرف الإنسان ربه بالجلال والجمال والكمال آمن به وأطاعه واتبع شرعه، وتقرب إليه بما يحب.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البيِّنة: ٥].
- مكانة الإنسان:
لقد أكرم الله بني آدم، وعظَّم حرمة المسلم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، وذِكْر الله بما لا ينبغي؛ حفظاً لنفسه، وأوجب الحد بقذفه، والقطع بسرقته،
стр. 439
وأباح له المحرم عند الضرورة، وأنزل إليه الكتب، وأرسل إليه الرسل، وأطعمه من جوع، وسقاه من عطش، ورزقه وهداه، وزوده بالسمع والبصر والعقل.
إن رباً هذه صفاته، وهذا إحسانه، لحقيق أن تعظَّم شعائره، وتوقر أوامره.
أيحسن مع هذا الإكرام أن يرى الرب عبده عاصياً لأمره، معرضاً عن دينه، مطيعاً لعدوه.
بينما هو بحضرة الحق والملائكة سجود له، تترامى به الأحوال والجهالات، فيوجد ساجداً لصنم من حجر، أو شجر، أو مخلوق.
لا يليق بهذا الإنسان الكريم على ربه أن يُرى إلا عابداً لله في الدنيا، مجاوراً له في دار الجزاء، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾ [المائدة: ٧٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
- منزلة العبد عند الخلق:
العبد كلما كان أذل لله، وأعظم افتقاراً إليه، كان أقرب إليه، وأعزّ له، وأعظم لقدره.
والرب أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه، فكلما سألته زاد قدرك
стр. 440
ومحبتك عنده.
والخلق أهون ما يكون عليهم أحوج ما يكون إليهم، وأعظم ما يكون العبد قدراً عند الخلق إذا لم يحتج إليهم.
فإنْ أحسن إليهم مع الاستغناء عنهم كان أعظم ما يكون عندهم.
ومتى احتاج إليهم ولو في شربة ماء نقص عندهم بقدر حاجته إليهم.
وهذا من حكمة الله ورحمته؛ ليظل العبد دائماً واقفاً بباب مولاه العزيز الكريم، ولا يذل نفسه لمخلوق مثله أو دونه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠].
- الغاية من الخلق والأمر:
المقصود من إظهار الخلق والأمر في العالم العلوي، والعالم السفلي، أن يعرف الناس ربهم بأسمائه وصفاته وأفعاله، وإذا عرفوه عبدوه وحده لا شريك له بما شرعه لهم من الدين، وهو القسط الذي أرسل الله به رسله إلى خلقه.
١ - قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
стр. 441
- حاجة الأمة للدين:
أعظم حاجات البشر معرفة الدين الحق، والعمل به.
ولا بقاء ولا سعادة لأهل الأرض إلا ما دامت آثار الرسل موجودة فيهم.
فإذا درست آثار الرسل من الأرض، وزالت بالكلية، دمر الله وأنهى العالم العلوي والسفلي، وأقام القيامة، وليست حاجة أهل الأرض إلى الرسل والهدى الذي جاؤا به كحاجتهم إلى الشمس، أو الهواء، أو الماء، أو الطعام؛ بل هي أعظم من ذلك وأشد حاجة من كل ما يخطر بالبال.
فالرسل رحمة من الله لعباده .. جعلهم الله وسائط بينه وبين خلقه في أمره ونهيه .. وسفراء في دينه وشرعه.
١ - قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾ [آل عمران: ١٦٤].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحُجُرات: ١٧].
- أصل العبادة:
الله غني كريم، وله ملك السماوات والأرض، وهو الغني الذي لا يحتاج إلى أحد، القادر الذي لا يستعين بأحد، الخالق الذي خلق كل شيء، المالك الذي يملك كل شيء.
أمرنا الله بشكره لا لحاجته إليه، ولكن لننال به المزيد من فضله.
وأمرنا بذكره سبحانه ليذكرنا بفضله وإحسانه فنسأله.
стр. 442
وأمرنا بسؤاله ليعطينا، بل أعطانا أجلّ العطايا بلا سؤال.
وأمرنا بالتوكل عليه والاستعانة به وحده حتى لا يذلنا لأحد سواه.
وأرسل إلينا الرسل، وأنزل علينا الكتب، ليسعدنا في الدنيا والآخرة.
ولكن أكثر الناس لا يعرف ربه، ومن ثم لا يشكره، ولا يطيع أمره، لأنه لا يعرفه، ولا يعرف فضله وإحسانه.
والإنسان بدون الإيمان ظلوم كفار، إنْ أنعم الله عليه بالعافية والمال والجاه استعان بنعمه على معاصيه، وإن سلبه ذلك ظل ساخطاً على ربه، شاكياً له على خلقه.
لا يصلح له على عافية ولا على بلاء .. العافية تلقيه في مساخطه .. والبلاء يدفعه إلى كفرانه، وشكايته على خلقه.
والله دعاه إلى بابه فما وقف عليه، وأرسل إليه رسوله يدعوه إلى ما يسعده في دنياه وأخراه فعصاه، وحذره من عدوه الشيطان فأطاعه، ودعاه إلى دار كرامته فاشتغل عنها بدنياه.
ومع هذا لم يؤيسه من رحمته، بل قال متى جئتني قبلتك، ومتى استغفرتني غفرت لك، رحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق عقوبتي.
١ - قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة: ١٥٢].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ
стр. 443
عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ [غافر: ٦٠].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزُّمَر: ٥٣].
- حق الله على العباد:
حق الله على أهل السماوات والأرض أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً.
بأن يطاع فلا يُعصى .. ويُذكر فلا يُنسى .. ويُشكر فلا يُكفر.
فهو سبحانه أحق من عُبد، وأجود من سُئل، وأرحم من ملك، وأكرم من أعطى، وأعدل من حكم، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وهو الغفور الرحيم.
فمَنْ مِنْ أهل الأرض لم يصدر منه خلاف ما خُلق له.
إما عجزاً .. وإما جهلاً .. وإما تفريطاً .. وإما غلواً .. وإما إعراضاً.
لهذا فلو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم؛ لأنهم ملكه، وهم عبيده، والمالك يتصرف في ملكه بما شاء.
ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ [النمل: ٩١].
٢ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قال: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ، قال: فَقَالَ «يَا مُعَاذُ! تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ؟» قال قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قال: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقُّ العِبَادِ عَلَى اللهِ أنْ لا يُعَذِّبَ
стр. 444
مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً» قال قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أفَلا أبَشِّرُ النَّاسَ؟ قال: «لا تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا». متفق عليه (١).
- طريق العبودية:
الدين يقوم على أصلين عظيمين:
عبادة الله وحده لا شريك له .. وعبادته سبحانه بما شرعه رسوله ﷺ .
وعبادة الله مبنية على أصلين عظيمين:
حب كامل لله .. وذل تام له.
وهذان الأصلان مبنيان على أصلين عظيمين:
الأول: مشاهدة منة الله، وفضله، وإحسانه، ورحمته التي توجب محبة العبد له.
الثاني: مطالعة عيب النفس، وتقصيرها، وغفلتها، وعجزها، وفقرها، وسوء عملها الذي يورث الذل التام لله .
وأقرب باب يدخل منه العبد إلى ربه باب الافتقار إلى ربه.
فلا يرى نفسه إلا مفلساً .. ولا يرى ربه إلا ملكاً غنياً .. قادراً رحيماً .. فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً .. ولا سبباً يتعلق به .. ولا وسيلة يمنّ بها.
بل يشهد ضرورته كاملة إلى ربه ، وأنه إن تخلى عنه خسر وهلك.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ [النحل: ١٨].
стр. 445
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ [النمل: ٧٣].
- العبادة المقبولة:
العبادة حق الله على خلقه، وفائدتها تعود عليهم.
فمن عبد الله وحده بما شرع فهو مؤمن، وعبادته مقبولة.
ومن عبد الله وحده بغير ما شرع فهو مبتدع، وعبادته مردودة.
ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، وعبادته مردودة.
ومن عبد غير الله فهو كافر، وعبادته مردودة.
ومن عبد الله في الظاهر، وكفر به في الباطن، فهو منافق، وعبادته مردودة.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
٢ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزُّمَر: ٦٥ - ٦٦].
٣ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].
٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متفق عليه (١).
стр. 446
- أصول العبادة:
أصول العبادة التي أمر الله عباده بها هي:
١ - أن تكون العبادة خالصة لله .
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البيِّنة: ٥].
٢ - أن يشرعها الله .
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].
٣ - أن يكون القدوة في العبادة والمبين لها رسول الله ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
٤ - أن تكون العبادة قائمة على محبة الله، وتعظيمه، والذل له، وخوفه ورجائه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
٥ - أن العبادة محددة بمواقيت ومقادير لا يجوز تعديها.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
٦ - أن يقوم بالعبادة من البلوغ إلى الوفاة.
стр. 447
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحِجر: ٩٧ - ٩٩].
- أحوال العباد في العبادات:
العبادات المأمور بها شرعاً لها ثلاثة أحوال:
١ - حال السابق: وهو من أتى فيها بالواجب والمستحب.
٢ - حال المقتصد: وهو من أتى فيها بالواجب فقط.
٣ - حال الظالم لنفسه: وهو مَنْ نقص من الواجب فيها.
والنقص من الواجب نوعان:
١ - نوع يبطل العبادة كنقص ركن من أركان الطهارة، أو الصلاة ونحوهما.
٢ - ونوع لا يبطل العبادة، ولكن ينقصها، كنقص واجبات الصلاة، أو الحج، إذا تركها سهواً.
والحجة على العباد إنما تقوم بشيئين:
الأول: العلم بما أنزل الله .. والثاني: القدرة على العمل به.
فأما العاجز عن العلم كالمجنون، والعاجز عن العمل كالمخرِّف فلا أمر عليه ولا نهي.
١ - قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
стр. 448
٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثلاَثٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ». أخرجه أبو داود والنسائي (١).
- أقسام الناس في الدنيا:
البشر في الدنيا أربعة أقسام:
١ - قسم خلقهم الله لعبادته وجنته، وهم الأنبياء والرسل وأتباعهم، وهؤلاء أفضل الخلق.
٢ - وقسم خلقهم الله لعبادته وناره، وهم المراؤن بأعمالهم كالمنافقين.
٣ - وقسم خلقهم الله لجنته لا لعبادته كمن مات وهو طفل.
٤ - وقسم خلقهم الله لمعصيته وناره كإبليس وفرعون ونحوهما ممن مات كافراً.
- كمال العبودية:
١ - تكمل العبودية لله بأربعة أمور:
الأول: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
الثاني: أعمال القلوب كالمحبة والخوف والرجاء واليقين والتوكل ونحوها.
الثالث: أعمال الجوارح بامتثال أوامر الله حسب سنة رسول الله ﷺ .
الرابع: حسن الخلق: مع الخالق بلزوم العبادة والطاعة، ومع المخلوق بالنصح له، والإحسان إليه.
وأشرف أهل الأرض عبوديةً الأنبياء والرسل؛ لكمال معرفتهم بالله وما يجب له.
стр. 449
٢ - وكل عبد يتقلب بين ثلاثة أمور:
نعم من الله تترادف عليه، فواجبه فيها الحمد والشكر.
وذنوب اقترفها، فواجبه فيها الاستغفار والتوبة.
ومصائب يبتليه الله بها، فواجبه فيها الصبر.
ومن قام بواجب هذه الثلاث فقد أكمل العبودية، وله السعادة في الدنيا والآخرة.
٣ - ولله على كل عبد عبوديتان:
عبودية في السراء .. وعبودية في الضراء .. وعبودية فيما يحب .. وعبودية فيما يكره.
وأكثر الناس يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن إعطاء العبودية في المكاره.
فالوضوء بالماء البارد في الصيف عبودية، والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية .. والصبر عن المعاصي عبودية، والصبر على الجوع عبودية، ولكن فرق بين العبوديتين.
فمن كان قائماً لله بالعبوديتين في حال السراء والضراء، وحال المحبوب والمكروه، فهو من عباد الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وليس لعدوه سلطان عليه.
٤ - والله يريد من الإنسان تكميل محبوباته وهي أوامره سبحانه، والنفس تريد من الإنسان تكميل محبوباتها وهي الشهوات.
والله يريد منا العمل للآخرة، والنفس تريد العمل للدنيا.
стр. 450
وكمال العبودية بحمل النفس على الإيمان والأعمال الصالحة.
وتكميل ما يحب الرب في الدنيا، ليكمل للإنسان ما يحب في الآخرة.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٢ - ٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠ - ٣٢].
- أنواع العبادات:
العبادات أنواع:
١ - منها ما يتعلق بالمكان والزمان كالحج.
٢ - ومنها ما يتعلق بالمكان دون الزمان كالعمرة.
٣ - ومنها ما يتعلق بالزمان دون المكان كالصيام.
٤ - وغالبها لا يتعلق بزمان ولا مكان كالنوافل المطلقة والصدقة، والذكر والدعاء، وتلاوة القرآن ونحو ذلك.
- صفة أداء العبادات:
الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فيجب الاعتدال في أداء العبادات، وعدم الإفراط والتفريط.
فالنفوس لها إقبال وإدبار، ونشاط وكسل، وإقدام وإحجام، ورغبات وشهوات.
فلله حقوق، وللنفس حقوق، وللغير حقوق، فيعطي كل ذي حق حقه، وتؤخذ
- أقسام العبودية:
العبودية نوعان:
١ - العبودية العامة: وهي عبودية أهل السماوات والأرض كلهم .. مؤمنهم وكافرهم .. بَرّهم وفاجرهم، وهي عبودية القهر والمُلْك التي لا يخرج عنها أحد.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥].
٢ - العبودية الخاصة: وهي عبودية الطاعة والمحبة واتباع الأمر، وهي خاصة بالمؤمنين.
قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزُّمَر: ١٧ - ١٨].
- أهل العبودية:
أهل العبودية المأمورين بالعبادة هم الإنس والجن.
فجميع ذرية آدم مأمورون بالعبادة، وهي واجبة عليهم.
والجن مأمورون منهيون كالإنس، لكن ما أمروا به ليس مساوياً للإنس في الحد.
لكنهم مشاركون للإنس في جنس التكليف بالأمر والنهي، والإيمان والتوحيد، والتحليل والتحريم.
مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النار.
والرسل من رجال الإنس، والجن ليس فيهم إلا نذر.
стр. 453
ومحمد ﷺ مبعوث إلى كافة الثقلين الإنس والجن.
وآدم أبو البشر، وإبليس أبو الجن، وفي هؤلاء وهؤلاء المؤمن والكافر .. والمطيع والعاصي، والسعيد والشقي.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾ [الأحقاف: ٢٩].
٤ - وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٤ - ١٥].
- فقه العبادة:
الله خالق كل شيء.
خَلْقه للطاعات نعمة ورحمة .. وخَلْقه للمعاصي له فيها حكمة ورحمة، وهي مع هذا عدل منه، فإن الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
وظلم الناس لأنفسهم نوعان:
الأول: عدم عملهم بالطاعات، فهذا ليس مضافاً إليهم.
الثاني: عملهم بالسيئات، خلقه الله عقوبة لهم على ترك الطاعات التي خلقهم لها، وأمرهم بها.
فكل نعمة منه فضل .. وكل نقمة منه عدل.
стр. 454
وكل ما يذكره الله في القرآن من خَلْق الكفر والمعاصي فهو جزاء على ترك تلك الطاعات كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢٥)﴾ [الأنعام: ١٢٥].
ولا بد لكل عبد من حركة وإرادة، فلما لم يتحركوا بما أمروا به من الطاعات، حُركوا بالسيئات عدلاً من الله، حيث وضع ذلك في موضعه اللائق به، القابل له، وهو القلب الذي لا يكون إلا عاملاً إما بالحسنات وإما بالسيئات.
فالعبد أحدث المعصية، والله أحدث جزاءها عقوبة منه.
كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾ [الزُّخرُف: ٥٥ - ٥٦].
- منازل العبودية:
عبادة الله تقوم على أصلين:
عبودية القلوب .. وعبودية الجوارح .. وكل منهما درجات.
فعبودية القلوب:
منها مهابة الجبار ﷻ أفضل من المحبة؛ لأن المهابة نشأت عن معرفة جلال الرب وعظمته وكبريائه.
ثم يليها محبة الله الناشئة عن معرفة إنعام الرب وإفضاله، وبره وإحسانه.
ثم التوكل عليه سبحانه؛ لأن منشأه ملاحظة توحد الرب ﷻ بالخلق والتدبير والتصريف.
стр. 455
ثم الخوف والرجاء؛ لأنهما نشآ عن ملاحظة الخير والشر، والثواب والعقاب، وتعلقهما بهما.
وقد شرفا من جهة معرفة قدرة الله عليهما، إذ لا يرجى من يعجز عن الخير، ولا يُخاف من لا يقدر على الضير.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزُّمَر: ٦٧].
- فقه العبودية:
كل مخلوق فقير إلى الله في جلب ما ينفعه، ودفع ما يضره.
والله خلق الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته، فبذكره تطمئن قلوبهم، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم.
يعطيهم في الدنيا أعظم شيء وهو الإيمان به، ويعطيهم في الآخرة أعظم شيء وهو النظر إليه .
وليس في الوجود ما يسكن العبد إليه، ويطمئن به إلا الله سبحانه.
وحاجة القلوب إلى الإيمان أعظم من حاجة الأجساد للطعام.
ذلك أن الإيمان بالله وعبادته ومحبته هو غذاء القلوب، وزاد الإنسان وقُوْته، وصلاحه وقوامه.
فليست عبادة الله تكليف ومشقة لأجل الاختبار فقط، ولا لأجل التعويض بالأجرة فقط.
وإنما المقصود الأول والأهم إرادة وجه الله ، والتوجه إليه وحده؛ لأنه الإله الحق الذي تألهه القلوب، وتطمئن إليه.
стр. 456
فجميع أوامر الله قرة العيون، وسرور القلوب، ولذة الأرواح.
والمخلوق كله ليس بيده شيء، وليس عنده لنفسه ولا لغيره نفع ولا ضر، ولا عطاء ولا منع، بل ذلك كله بيد الذي خلقه.
وتعلق العبد بما سوى الله مضرة عليه، ومن أحب غير الله حباً تاماً فلا بد أن يسأمه أو يفارقه.
ومن أحب شيئاً لغير الله فلا بد أن يضره محبوبه، ويكون سبباً لعذابه في الدنيا والآخرة، والضرر حاصل له إن وَجد أو فَقد.
فإن وجد حصل له من الألم أكثر من اللذة، وإن فقد تعذب بالفراق وتألم.
والخلق كلهم لن ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك.
ولن ينفعوك أو يضرك إلا بإذن الله فلا تعلق بهم رجاءك، والعابد حقاً من جمع في عبادته بين المشهدين:
الأمر الشرعي .. والأمر الكوني، وعلى هذين المشهدين مدار الدين.
فإن العبد إذا شهد عبوديته لربه، لم يكن مستبغضاً لأمر سيده، لا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا يغيب بمعبوده عن عبادته.
بل يكون له عينان مبصرتان، ينظر بأحدهما إلى معبوده كأنه يراه، وينظر بالأخرى إلى أمر سيده، فيوقعه على الوجه الشرعي الذي يحبه مولاه ويرضاه.
وتلك عبادة الرسل، نسأل الله أن يرزقنا وإياكم التعبد بها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ
стр. 457
إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء: ١٢٥].
- أكمل الناس عبادة:
أكمل الناس عبادة الأنبياء والرسل؛ لأنهم أكملهم معرفة بالله من غيرهم، وأعلمهم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله.
ثم زادهم الله فضلاً بإرسالهم إلى الناس، فصار لهم فضل الرسالة، وفضل العبودية الخاصة.
ثم يليهم الصديقون الذين كمل تصديقهم لله ورسوله، واستقاموا على أمره.
ثم الشهداء الذين شهدوا للدين أنه الحق، وبذلوا أنفسهم في سبيله، ثم الصالحون الذين طابت أعمالهم، وحسنت أخلاقهم، وصلحت سرائرهم وعلانيتهم.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٣].
- العوائق التي تعوق القلب عن سيره إلى الله:
الذي يعوق القلب عن سيره إلى الله ثلاثة:
الشرك .. والبدعة .. والمعصية.
فيزول الشرك بتحقيق التوحيد .. وتزول البدعة بتحقيق السنة .. وتزول المعصية بتحقيق التوبة.
стр. 458
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
стр. 459
الباب الثالث
كتاب العلم
ويشتمل على ما يلي:
١ - أقسام العلم.
٢ - أشرف العلوم.
٣ - فضائل العلم.
٤ - أحكام العلم.
٥ - آداب العلم، وتشمل:
١ - آداب المعلم.
٢ - آداب طالب العلم.
стр. 460
١ - أقسام العلم
- العلم: هو نقل صورة المعلوم من الخارج، وإثباتها في النفس، كتعلم الإيمان والأحكام والأخلاق.
- العمل: هو نقل صورة العلم من النفس، وإثباتها في الخارج، كأداء الصلاة والزكاة ونحوهما.
- العلوم الممنوحة والممنوعة:
الله هو العليم بكل شيء وحده، وقد علَّم عباده أشياء، ومنعهم أشياء، وهو العليم الحكيم.
١ - العلوم الممنوحة:
علَّم الله الإنسان ما لم يعلم، وعلمه البيان، وأقدره على العمل، وعلَّمه ما ينفعه في الدنيا والآخرة من الإيمان، والعمل الصالح، وأمور الكسب والمعاش.
وعرَّفه ما يضره في الدنيا والآخرة من الكفر، والشرك، والمعاصي.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
٢ - العلوم الممنوعة:
طوى الله عن البشر ومنعهم ما ليس من شأنهم، ولا حاجة لهم به، ولا مصلحة لهم فيه، ولا نشأتهم قابلة له.
كعلم الغيب .. والعلم بكل ما كان وما يكون .. والعلم بما في قلوب الناس ..