بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ ... [آل عمران:١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء:١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب:٧٠، ٧١].
أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
إن الفقه في الدين أفضل الأعمال وأعظمها وأشرفها وأزكاها، وهو تاج الدين الأعظم، وجوهره الأسنى.
فهو معرفة الله بأسمائه وصفاته .. ومعرفة مخلوقاته وآياته ... ومعرفة سيرة أنبيائه ورسله .. ومعرفة دينه وشرعه .. والعمل بموجب ذلك .. والدعوة إليه.
وأعظم الفهم أن تفهم مراد الله منك، ومرادك منه، ثم تسير إليه مستنّاً بأنبيائه ورسله.
стр. 2
وأعظم الحرمان أن يعزف العبد عن العمل الصالح، وأن تموت عنده الغيرة على الدِّين الذي تُنحر أحكامه، ويُهدم بنيانه في كثير من البلاد.
وأشد من هذا وذاك أن يستهلك أوقاته بضده، ويصد عن سبيل الله بقوله وفعله.
وأخطر من هذا وذاك أن يرى الحق باطلاً، والباطل حقاً، ويبذل كل ما يملك في سبيل نشر ما يراه، وما يدعوه إليه هواه. وقد جاء الثقب الأسود في جدار الدين في وقت مبكر، فهبت عليه العواصف، وتسللت إليه السباع، ودخلت في حصنه الذئاب، وعاثت في الأرض فساداً، فتغيرت الألوان والأفكار، والأعمال والأحوال.
ثم اتسع هذا الثقب، ونزف هذا الجرح، حتى صار المسلمون محل الشفقة، ومهبط الإغاثة، ومسرح الظلم، ومأوى الجهل، وميدان الفساد، ومكان السخرية.
ونُزع الإيمان والحياء من حياة كثير من الناس، وصُرفت الأمة بحيل ماكرة عن مصدر عزها ومجدها، ووضع الأعداء لها مائدة السموم والفواحش، فقعد رجالها ونساؤها على موائد المحرمات، وصارت تغرف لها ولغيرها كل شر وسم ومحرم، فاعتل جسدها، وتمزقت شعوبها وبلادها.
وظلت تستخدم عقولها في الظلم والكذب والحيل الماكرة، وتستهلك أوقاتها في قضاء شهواتها، وتلتهم كسبها من أوسع أبواب المحرمات.
ولما انفصلت عن مصدر عزها تعرضت لسخط ربها، وصارت لقمة سائغة بيد عدوها.
فما أشد لطمة الأعداء لهذه الأمة الغافلة المسكينة. إنهم يريدون منها أن تخلع لباس الإيمان والتقوى .. وأن تلبس لباس الكفر والمعاصي .. وتركع لشهواتها لا لربها .. وتسجد لهواها لا لإلاهها .. وتصلح الدنيا وتفسد الآخرة .. وتطيع
стр. 3
الشيطان وتعصي الرحمن.
إن صلف الباطل يلهب جسد الأمة المسلمة بالسياط الموجعة، ويفرغ في جسدها سموم المعاصي والبدع، وينثر على ظهور الأيام والليالي صنوف المنكرات والمحرمات.
ونتيجة لهذه الغفلة بدأت الأمة تحصد سموم ما جنته، وتتمرغ في أوحال الشهوات، وتعتكف في سجون المحرمات، وتغرف من أنهار المعاصي والمنكرات، وتسبح في بحار الظلم والغش إلا ما رحم ربك.
فما أنجس هذه اليد القذرة التي لوثت جسد الأمة، ولعبت بأفكارها، وأضاعت أوقاتها، ونهبت أموالها، وتحكمت في حياتها، وجرتها إلى كل شر وبلاء وفتنة.
وقد وجد العالم الإسلام ألم قرصة العقرب، وأحس بلدغة الثعبان، وتألم من نهشة الأسد، وتوجع من طعنة الرمح، وتخدر من لطمة الكف، وذاق مرارة العلقم. فهل يكفي أن تسكب العبرات على هذا الواقع الأليم الذي لا يحتاج إلى دليل؟
وهل يليق بالمسلم القعود عن العمل بعد انفجار تلك الجروح الدامية في كل مكان؟
وهل ينفع الصراخ والصياح والبكاء والتباكي؟
إن ذلك كله لا يجدي شيئاً ما لم يتبع بالعمل الجاد المستمر وفق الكتاب والسُّنة، حتى يُظهر الله دينه، أو يموت المسلم في سبيله.
ومن سَلَّم زمام راحلته إلى النفس والهوى ضل وأضل، وقاده الشيطان إلى كل شر وبلاء، وقال على الله غير الحق، وأشعل النار في الأخضر واليابس.
وكل من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلى الله والحق سوى القرآن والسنة،
стр. 4
وكل عمل لم يقم على ذلك فهو مطية الشيطان التي أعدها مراكب لأهل النار على مر الدهور.
والعجلة باب الشيطان الأعظم، وسوء الظن سلاحه الأكبر، والكبر جناحه الذي لا يطير إلا به، والعصبية سكينه التي يذبح بها كل صيد، والنفاق مخالبه التي يمزق بها البشر، والرياء منقاره الذي يفسد به الثمار.
وما أكثر الكتب والفرق والجهات التي تلبس لباس الدِّين، وهي تحارب الحق، وتدافع عن الباطل، وتبغي الحياة عوجاً.
ترفع كل سافل .. وتمجد كل باطل .. وتلدغ كل حي .. وتلسع كل مجاهد .. وتدفن كل خير .. وتذيع كل شر.
إن الاضطراب في العالم اليوم وقبل اليوم سببه التقصير في إيصال الحق إلى الناس، فلما حرموا من معرفته صاروا أنعاماً لاهية، أو سباعاً مفترسة، هذه مشغولة بشهواتها، وتلك مولعة بسفك دم غيرها.
إن العوالم كلها منسجمة منتظمة، تسبح بحمد ربها، كل قد عَلِمَ صلاته وتسبيحه، إلا ذرية آدم، الذي كرمه الله، وخَلَقَه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله خليفة في الأرض.
وهذه الذرية منهم من آمن، ومنهم من كفر، وأشغلهم الشيطان بالعداوة عن العبادة، لأنهم لم يعرفوا الحق، أو عرفوه ولكنهم لم يعملوا به، أو عرفوه وضلوا عنه.
فيجب علينا معرفة الحق، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر على الأذى في سبيله، مع حُسْن الخُلُق، والبذل والعطاء، حتى يُعبدَ اللهُ وحده في الأرض، ويكون الدين كله لله، الذي كل ما في الكون يعبده ويطيعه.
стр. 5
فقد جعل الله لكل مخلوق في الكون وظيفة يؤديها، وسُنَّة يسير عليها، فالشمس وظيفتها الإنارة، والسحب وظيفتها نقل المياه، والأرض وظيفتها الإنبات، ولكل منها سنن يسير عليها، ويعبد الله بها.
وهكذا الإنسان عليه أمانة يؤديها وهي عبادة الله ، ووظيفة يؤديها وهي الدعوة إلى الله، وله سنن يسير عليها وهي الدين الكامل الذي أرسل الله به رسوله محمداً ﷺ إلى البشرية كافة.
وقد وكل الله الشمس بالإنارة في العالم كله .. ووكل السحب بتوزيع المياه في العالم كله .. ووكل الأرض بالإنبات في العالم كله .. ووكل الأشجار بالثمار في العالم كله .. ووكلنا بنشر الدين في العالم كله.
وهذه المخلوقات العظيمة أدت الأمانة، وأطاعت ربها، وقامت بوظيفتها، فانتظم أمر العالم، وصار الكل يحبها وينتفع بها.
ونحن إذا أدينا الأمانة، وقمنا بالوظيفة بإبلاغ الحق للناس كافة، انتظم أمر العالم الإنساني وغيره، وصَفَّ العالم كله يسبحون بحمد ربهم، ويعبدونه وحده، كل قد عَلِمَ صلاته وتسبيحه.
وحاجة الناس للدين أعظم من حاجتهم لغيره، فإنهم يحتاجون للدين بعدد الأنفاس؛ لأن الدين وحده سبب سعادتهم ونجاتهم وفلاحهم في الدنيا والآخرة. والله خَلَق الخَلْق لعبادته، وعبادته لا تحصل إلا بمعرفته، ومعرفته لا تحصل إلا بالنظر في آياته ومخلوقاته، ومعرفة ما جاء به رسله.
لهذا أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، ليتبين الحق من الباطل، والهدى من الضلال.
ووهب البشر الأسماع والأبصار والعقول ليعرفوا الحق، ويعبدوا به ربهم وحده
стр. 6
في الأرض، كما يُعبدُ به وحده في السماء.
وأحسن ما ركَّبه الله في العقول والفطر حُسْن التوحيد والإيمان .. وأحسن ما ركبه في النفوس حُسْن الخُلُق .. وأحسن ما ركبه في الألسنة قول الحق والدعوة إليه.
فما أجمل القلوب إذا تزينت بالتوحيد والإيمان، وما أحسن الأجساد إذا تزينت بالسُّنن، وما أجمل النفوس إذا تزينت بالأخلاق، وما أجمل الحياة إذا كسيت بحلل الدين وجواهر الآداب.
والقرآن الكريم فيه تبيان كل شيء، والسنة النبوية فيها تفصيل كل شيء، وسيرة الأنبياء والرسل مملوءة بأحسن الأخلاق والآداب والسنن.
وحياة الصحابة والتابعين، وسجل العلماء والدعاة والمصلحين، كل ذلك حافل بكل ما لذ وطاب من العلوم النافعة، والأخلاق الحسنة، وأفضل العبادات، وأحسن المعاملات، وأجمل المعاشرات، وأعظم التضحيات، مع كمال الإيمان والتقوى، والأسوة الحسنة، والصدق في القول والعمل.
وأحسن أحوال العبد أن يكون كاملاً بنفسه مكملاً لغيره .. صالحاً في نفسه مصلحاً لغيره .. حَسَن الخُلُق مع ربه وخَلْقِه .. مطيعاً لله ورسوله.
فهو يجني الأرباح من جميع الأقطار، ويكسب الأجور من جميع الأبواب: له أسهم في العبادة .. وأسهم في العلم .. وأسهم في الدعوة .. وأسهم في حُسْن الخُلُق .. وأسهم في الإنفاق .. وأسهم في الجهاد .. وأسهم في الذكر .. وأسهم في الشكر .. وأسهم في الصبر. فهو نائب النبي ﷺ في أمته، وخليفته من بعده في زمنه.
فهذا الذي أُدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه، جمع المجد من أطرافه،
стр. 7
وأحاط بالفضائل كلها، فله النعيم الكامل في الجنة: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
والله حكيم عليم، فحين ظهرت آثار رحمة الله في الأرض، ونزلت الهدايات في كثير من البقاع، حصل العطش لتعلم دين الله، وزادت الرغبة في العمل بأحكامه، فساق الله من شاء من عباده لجمع أحكام الدين، وجني ثماره من ينابيعه الصافية من القرآن والسنة، لتهدى لهم طيبة مباركة، خالصة من الشوائب والأكدار.
فهو سبحانه الحكيم الخبير بما يصلح عباده، فهو الذي ساق هذا ليدعو، وهذا ليعلِّم، وهذا ليكتب، وهذا ليقرأ؛ ليتم أمره، ويظهر فضله، ويجزل العطاء لهذا وهذا.
فهو سبحانه الكريم الذي يعطي بلا نوال، ويكرم بالثواب الجزيل على العمل القليل، ولا يبالي كم أعطى، ولمن أعطى، الذي إذا قدر عفا، وإذا عاهد وفَّى.
وقد يسر الله لي بفضله وكرمه وتوفيقه وعونه السير في كثير من أقطار الأرض، والاطلاع على كثير من الكتب الإسلامية، فرأيت في هذا وهذا الحسن والقبيح، والطيب والخبيث، والصحيح والسقيم، والسمين والهزيل، والحلو والمر، وغير ذلك مما شاع وذاع، وملأ الأبصار والأسماع.
فسألت العزيز الكريم الرحيم أن يجمع البشرية كلها على الدين الحق، وتضرعت إليه أن يبعث لهذه الأمة من يجدد لها دينها في الأرض كلها.
ثم وفقني ربي إلى ما يحبه ويرضاه، وأعانني على ما أرجو أن تصلح به أحوال الأمة، فتجولت في رياض العلم، وسرت في بساتين الفقه، واستمتعت بأنوار التوحيد والإيمان.
فوجدت من الثمار ما يحار الإنسان من أيها يقطف، ومن الجواهر من أيها يأخذ،
стр. 8
ومن الأنوار من أيها يقتبس.
وقد أعانني الله فدونت الموجود، وفتشت عن المستور، وطلبت المفقود، وجمعت المنثور، وكتبت المسموع، وأوضحت المشتبه، وحررت المسائل، حتى أكمل الله البنيان بمنه وفضله، وأظهر سوق الدين الخالص للمحتاجين، وفتح أبواب العلم والهدى للراغبين، وهيأ موائد القلوب والجوارح للطالبين.
إن الحق إذا جاء زهق الباطل .. والنور إذا أقبل ذهب الظلام .. والتوحيد إذا جاء أحرق الشرك .. والسُّنن إذا قامت ماتت البدع.
وقد أحسن الله إليَّ، ويسر لي جمع هذه الموسوعة من القرآن والسنة، وخلاصة أقوال سلف الأمة في أصول الدين، ومقاصده العظمى، وأحكامه وآدابه؛ ليستبين الحق من الباطل في كل مطلوب.
وبينت ذلك بياناً شافياً، سهل الفهم، موجز اللفظ، محكم المعنى؛ ليسهل حفظه والعمل به، وليكون أصلاً لمعرفة التوحيد من الشرك، والإيمان من الكفر، والحق من الباطل، والسنة من البدعة.
وجمعت في هذه الموسوعة أحسن أقوال فحول علماء المسلمين، وجهابذة الفقهاء، وفرسان أهل الحديث، وأئمة السلف الصالح، ومنارات الهدى، وأهل العدل والزهد والتقوى في كل عصر.
فاجتمع فيها بحمد الله عيون الأخبار .. وجواهر الأحكام .. وأمهات المسائل .. ونفائس الدرر.
وتوجت مسائل هذه الموسوعة الشاملة بالآيات القرآنية، والسنن النبوية، والأدلة العقلية، والأمثلة الحسية، والبراهين العلمية.
стр. 9
فجاء هذا المجموع الثمين محكم الأصول، محذوف الفضول، غزير الفوائد، منوع الموائد، حلو الطعم، سهل الفهم، يغني الطالب المبتدي، وينفع العالم المنتهي.
أسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الخَلْق أجمعين، وأن يُقبل بقلوب عباده لمعرفة الحق، والعمل به، والدعوة إليه.
وقد وسمت هذا الدر المنثور باسم: (موسوعة الفقه الإسلامي).
والفقه الإسلامي ينقسم إلى ثمانية أقسام:
الأول: الأحكام المتعلقة بالتوحيد والإيمان من معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة أركان الإيمان ونحو ذلك، ويسمى هذا الفقه الأكبر.
الثاني: الأحكام المتعلقة بعبادة الله من وضوء وصلاة، وزكاة وصيام، وحج وأدعية وأذكار ونحو ذلك، وتسمى هذه بالعبادات.
الثالث: الأحكام المتعلقة بالأخلاق والآداب والفضائل ونحوها.
الرابع: الأحكام المتعلقة بمعاملة الناس بعضهم بعضاً من بيع وشراء، ورهن وإجارة، وصلح وشركة ونحو ذلك، وتسمى هذه الأحكام بالمعاملات.
الخامس: الأحكام المتعلقة بالأسرة من زواج وطلاق، ووصايا وأوقاف وميراث ونحو ذلك، وتسمى هذه الأحكام بأحكام الأسرة.
السادس: الأحكام المتعلقة بحفظ الأمن، وعقاب المجرمين ونحو ذلك.
وتسمى هذه الأحكام بالقصاص والحدود.
السابع: الأحكام المتعلقة بواجبات الحاكم من إقامة العدل، وتنفيذ الأحكام، وواجبات المحكوم من السمع والطاعة ونحو ذلك.
стр. 10
وتسمى هذه الأحكام الخلافة والولايات.
الثامن: الأحكام المتعلقة بالراعي والرعية من الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ونحو ذلك، وتسمى هذه أحكام الدعوة والجهاد والسِّيَر.
فهذه أصول أبواب الفقه الإسلامي التي وردت في الكتاب والسنة.
ونظراً لحاجة البشرية إلى الإسلام .. وحاجة المسلمين إلى معرفة أحكام هذا الدين العظيم .. وإقبال طلاب العلم على التزود من علوم الشريعة .. ورغبة كثير من المسلمين في كتاب يجمع ما يهم كل مسلم ومسلمة .. وعودة كثير من المسلمين إلى رياض العلم الشرعي .. ودخول كثير من الكفار في دين الله أفواجاً .. ورغبتهم في معرفة أحكام هذا الدين.
ومن جانب آخر كثرة المؤلفات التي جمعت بين الغث والسمين .. وكثرة المصنفات التي تمحضت للشر .. ومزاحمة كتب البدع لكتب السنة .. وارتفاع أصوات مجالس البدع واللهو .. وكثرة الافتراءات التي يطلقها الأعداء على الله ورسوله ودينه .. وإثارة الشبهات التي تحمل الناس على الشك في الدين .. وانتفاخ أجساد المنافقين.
ومن جانب ثالث تمزق العالم الإسلامي إلى دول متناحرة .. وشعوب متباغضة .. ومذاهب مختلفة ووجود التعصب الذي أغلق باب الإفادة والاستفادة .. وغرق كثير من المؤلفين والمتبوعين في التوسع في ذكر الخلاف الذي يوهن العزيمة، ويُولِّد الشك، ويقعد عن العمل، ويمزق شمل الأمة، ويشغل الأمة عن واجباتها الكبرى.
وأعظم من ذلك كله أداء الأمانة .. والقيام بواجب الدعوة إلى الله .. ونشر العلم الشرعي .. والأمر بالمعروف .. والنهي عن المنكر .. والنصح لكل مسلم.
стр. 11
لهذا كله فقد مَنَّ الله علينا ويَسَّر لنا كتابة هذه الموسوعة التي بين يديك .. لتسد حاجة كل طالب علم .. وتغني كل مسلم ينشد معرفة أوامر الله ورسوله .. وتروي ظمأ كل عطشان .. وتدفع شبهة كل حائر .. لتحيا السُّنن .. وتموت البدع .. ويظهر الحق .. وتجتمع البشرية على الدين الحق .. ويكون الدين كله لله.
وقد نظمت أبواب هذه الموسوعة في عقد ثمين اشتمل على اثنين وعشرين باباً، وكل باب يفتح على دار مملوءة بالخيرات والثمرات والمجوهرات.
وقد رتبت هذه الأبواب على النحو التالي:
١ - كتاب التوحيد ... ١٢ - كتاب النكاح وتوابعه
٢ - كتاب الإيمان ... ١٣ - كتاب الأطعمة والأشربة
٣ - كتاب العلم ... ١٤ - كتاب الفرائض
٤ - كتاب السيرة النبوية ... ١٥ - كتاب نواقض الإسلام
٥ - كتاب الفضائل ... ١٦ - كتاب الكبائر
٦ - كتاب الأذكار ... ١٧ - كتاب القصاص والديات
٧ - كتاب الأدعية ... ١٨ - كتاب الحدود
٨ - كتاب الآداب ... ١٩ - كتاب القضاء
٩ - كتاب القواعد الشرعية ... ٢٠ - كتاب الخلافة
١٠ - كتاب العبادات ... ٢١ - كتاب الدعوة إلى الله
١١ - كتاب المعاملات ... ٢٢ - كتاب الجهاد في سبيل الله
وقد جنيت ثمار هذه الموسوعة من أعظم البساتين، وقطفت أزهارها وورودها من أحسن الرياض.
стр. 12
أسأل الله أن يجعل هذه الموسوعة قرة عيون الموحدين .. ومناراً يهتدي بسببه الضالون .. ونهراً صافياً يشرب منه المسلمون .. وغيثاً يسكب الإيمان واليقين في القلوب .. ودعامة من دعائم الإسلام .. وفأساً يجتث الجهل .. ومعولاً يكسر هامات البدع .. ورمحاً يركز في جوف الشرك .. وسهماً يجهز على الباطل .. وسكيناً تنحر الهوى .. وناراً تحرق الشبهات.
وهذه الموسوعة يرجى أن تزرع السنن في بستان المسلمين، وتحصد البدع النابتة في أرضه، وتزيل الغبار عن مساكنه وأشجاره، وتطرد الهوام والسباع عن داره، وتلوي عنق الباطل والجهل حتى لا يدرج فيه.
أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعلها سبباً يشفي القلب والجسد من علله، وأن يزهق بها الباطل بالحق الذي يدمغه .. وأن يجعلها نهراً صافياً يشرب منه كل وارد .. تغني المحتاج عن السؤال .. وتبشر بالحق .. وتزيل الباطل وتفسر المبهم، وتقيم المعوج، وتكسر قرن كل جبار.
فهنيئاً لكل مسلم، وكل عابد، وكل داع إلى الله، وكل معلم لشرعه، بهذا المجموع المفيد، الذي جمع الله فيه بمنه وفضله ما تفرق في غيره، وأظهره في وقت الحاجة إليه .. وجمع فيه متين العلم وصلبه.
ولا ندعي أن هذا العمل نور يبدد كل الظلمات، ولا بستان فيه كل الثمرات، ولا خزانة جمعت كل المجوهرات.
بل هو جهد مخلوق ضعيف جهول عاجز محتاج.
ولولا فضل الله ورحمته، وتوفيقه وعونه، ما ظهر لك جسده، ولا بان لك نوره، وإن كانت بين يديك سطوره.
أسأله سبحانه أن يجعله قبساً من نور، وشجرة تثمر على مر الدهور، وعيناً تسقي
стр. 13
البشرية إلى يوم الدين .. وتاجاً يتزين به المسلم بين الناس.
كما أسأله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به من جمعه وكتبه وراجعه، وكل من قرأه وسمعه وأعان على نشره.
وهذا غاية اجتهادي، وأغلى ما في فؤادي، وعلى الله اعتمادي، وهو أعلم بمرادي، وما يحترق به فؤادي.
والحمد لله أولاً وآخراً على نعمة الإسلام والإيمان .. ونعمة البدء والختام .. ونعمة الإكمال والإتمام .. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما.
فالله سبحانه وحده هو الذي هيأ القلب للاستئناس به .. وحرك العقل للفكر فيه .. وجمع الفكر لحسن عرضه .. وهيأ الوقت لتحصيله .. وحرك اليد لتحريره.
فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وله الحمد كله على ما قضى وقدر .. وله الحمد على ما أمر وشرع .. وله الحمد على ما يسر وأعان .. ونسأله العفو والقبول والرضوان.
وكل ما نرجوه ونسعى إليه أن يرضى الله عنا .. وأن يرزقنا حسن العمل بشرعه .. وأن يستعملنا فيما يحبه ويرضاه .. وأن يدخل الناس في دين الله أفواجاً .. وأن يتعلم المسلمون أحكام دينهم .. وأن يعبدوا ربهم وحده لا شريك له ..
وأن يدخلوا الجنة .. وينجو من النار .. والله عليم بذات الصدور .. ومتم نوره ولو كره الكافرون.
هذا وإني ذاكر وشاكر لكل مخلص وناصح من المؤمنين والمؤمنات، وراغب إليهم أن يستفيدوا من هذا الروض الذي تفتحت أزهاره، وطابت ثماره، وجمعنا فيه ما تفرق في غيره من أصول الدين، وأحكامه الميسرة.
стр. 14
نرجو أن يكون قد لاح النور من خلاله، وفاح المسك من أركانه، ونثرت الأزهار والثمار على أوراقه.
أرجو من هذا الصنف من المؤمنين حسن الاستفادة، وصدق النصيحة، والعفو عن الزلل، والتنبيه على النقص والخطأ، فكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.
وأعوذ بالله من كل جاهل غشوم، ومن كل دجال لئيم، ومن كل حاسد وشامت، ومن كل شيطان في صورة إنسان بار.
فهذا الصنف من الناس ينخر في جسد الأمة، ليهدم كل بنيان، ويطفئ كل مصباح، ويبث كل عمياء وعوراء، ويوقد نار الفتنة التي تمزق شمل الأمة.
وحذار من قتل الأوقات بسكين النوم والشهوات .. وجمع البعر والسموم في خزانة العقل والقلب .. وإطلاق اللسان في القيل والقال .. وشغل الجوارح بالمعاصي والمحرمات .. وإنفاق الأموال في الصد عن سبيل الله .. وإطلاق السمع والبصر والفكر فيما يغضب الله.
فما أخسر هذه التجارة، وما أسوأ هذا الحصاد، وما أوكس تلك البضاعة التي أغرق الشيطان بها أكثر الخلق، وقادهم بها إلى جهنم: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ:٢٠].
ولإزالة غبار الشرك، وكبح جماح الباطل، ودفع شرور الفتن، وقلع أشجار الفساد، وتحقيق الأمن والعدل، لا بد من التوبة الصادقة النصوح، وتحقيق الإيمان والعمل الصالح، والدعوة إلى الله، والإحسان إلى البشرية بالقول والعمل، ورحمة الخلق كلهم، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، مع كمال الصبر واليقين اللذَيْن تحصل بهما
стр. 15
الإمامة في الدين.
وما أحوجنا إلى النفوس الكريمة التي يفيض خيرها على جميع البشرية، وتسكب ماءها العذب على ذرية آدم، وتجمع الناس على الدين الحق، فينبت من خلال ذلك الإيمان والعمل الصالح والخُلُق الكريم. وأول الغيث قطرة ثم ينسكب، ووراء غلس الليل فجر ساطع، وإذا جاء الحق زهق الباطل.
فابسط يديك بكل خير، وأشغل جوارحك بطاعة الله ، وأطلق لسانك بذكره وحمده، والدعوة إليه، وتعليم شرعه، وهذا عمل الأنبياء والرسل، فنعم العمل، ونعم الحصاد، وإنما حصاد كل امرئ ما كان يزرع، ومن لم يمت في الجهاد النبيل مات كالبهائم في المرقد.
لقد أكمل الله بنيان هذا الدين في القرن الأول، فتحقق الأمن والعدل، وانتشر العلم، وعبد المسلمون ربهم بما جاء به رسوله ﷺ من الدين الحق.
ثم هبت على العالم الإسلامي رياح عاصفة، فتصدعت جدرانه، وتمزقت دوله، وتفرقت شعوبه، وكادت تسقط أركانه، واشتعلت في جوفه حروب مدمرة أكلت الأخضر واليابس.
لكن الله ﷻ تكفل بحفظ هذا الدين وأتباعه على مر القرون، فيبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة دينها، ويردها إلى ربها.
وهذه الموسوعة أرجو الله أن يجعلها سبباً يجمع شمل الأمة على الدين الحق .. ويصل ما انقطع من حبال مودتها .. ويربط ما انفصل من أجزائها .. ويداوي ما انفجر من جراحها .. ويسكن ما التهب من جسدها.
وفي الختام أسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به وعموم المسلمين، وأن يتقبله مني، وأن يغفر لي ولوالدي وأهل بيتي
стр. 16
وجميع المؤمنين، وأن يضاعف لنا به الأجر والمثوبة، وأن يتجاوز عن كل خطأ وتقصير وأن يعفو عن كل سهو وزلل، إنه هو الغفور الرحيم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه
محمد بن إبراهيم بن عبد الله التويجري
المملكة العربية السعودية - بريدة
جوال: ٠٥٠٨٠١٣٢٢٢
٠٥٠٤٩٥٣٣٣٢
стр. 17
مقدمة الموسوعة العلمية
١ - هذه الموسوعة التي بين يديك تعريف عام بدين الإسلام في التوحيد والإيمان، والفضائل والآداب، والأذكار والأدعية، وأحكام العبادات والمعاملات، والقصاص والحدود وغيرها من أبواب الفقه.
والمادة العلمية لهذه الموسوعة تستند إلى أصلين عظيمين هما القرآن الكريم، والسُّنة النبوية الصحيحة، بفهم سلف الأمة.
وقد اخترت عامة أصولها وأحكامها ومسائلها من كتب السنة النبوية، وكتب الفقهاء المطولة والمختصرة وغيرها، إلى جانب فتاوى كبار علماء السلف في الماضي والحاضر.
واعتمدت الراجح من أقوال علماء الإسلام إذا ظهرت قوة أدلته، خاصة أقوال الأئمة الأربعة (أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد) ﵏.
وقرنت في الغالب كل مسألة بأدلتها من الكتاب والسنة، وما لم يرد فيه نص صحيح صريح اعتمدت فيه أقوال واختيارات كبار الأئمة المجتهدين من سلف الأمة في الماضي والحاضر. وجعلت مسائل الفقه على قول واحد، راجياً من الله أن يكون هو الصواب.
وقد بسطت ذكر الأدلة الشرعية في جميع أبواب الموسوعة لحاجة العالم والمتعلم والعابد والداعي وكل مسلم إلى ذلك.
وعزوت الآيات القرآنية إلى مكانها بذكر اسم السورة ورقم الآية.
أما الأحاديث النبوية فقد اجتهدت ألا أثبت في الموسوعة إلا ما كان حديثاً
стр. 18
صحيحاً أو حسناً، مع ذكر مصدره في كتب الحديث، والحكم عليه بالصحة أو الحسن كما يلي:
١ - تم نقل وضبط جميع الأحاديث الواردة في الموسوعة من أصولها الصحيحة.
٢ - إذا كان الحديث في صحيحي (البخاري ومسلم) ذكرت رقمه في كل منهما، وصدرت تخريجه بلفظ (متفق عليه)، وإن كان في أحدهما ذكرته مع رقمه فيه.
وأحياناً أذكر مع أحدهما من أخرج الحديث في كتب السنة الأخرى لزيادة فائدة، وأثبت لفظه.
٣ - إذا كان الحديث في غير الصحيحين كمسند الإمام أحمد، والسنن الأربع، وموطأ مالك، وسنن الدارمي وغيرها من كتب السنة الأخرى، ذكرت له مصدرين، وأحياناً أقل مع ذكر رقمه في الأصل.
٤ - اعتمدت في تخريج جميع الأحاديث ذكر رقم الحديث من مصدره، وإذا لم يكن للمصدر ترقيم عام ذكرت رقم الجزء والصفحة.
٥ - إذا كان الحديث في الصحيحين فعند التخريج في الهامش صدرته بلفظ متفق عليه، وإن كان في غيرهما كتبت أمام كل حديث (صحيح أو حسن) للحكم بصحة الحديث أو حسنه، مستنداً في ذلك إلى أئمة هذا الشأن من المتقدمين والمتأخرين.
٦ - إذا تكرر الحديث في موضع آخر كررت تخريجه معه، ليسهل على القارئ معرفة درجته، وأحياناً أدرج الحديث الصحيح أو بعضه لبيان حكم أو ترغيب أو ترهيب.
٢ - رتبت بفضل الله أبواب هذه الموسوعة ترتيباً علمياً يسهل على المستفيد
стр. 19
التقاط ما يريد بسهولة، ويفتح للطالب أبواب العلم الشرعي، ليدخل من باب إلى باب بالرغبة والشوق، والمحبة واللذة، فيدرك مطلوبه بيسر وسهولة، ونشاط وعزيمة، بعيداً عن السآمة والملل.
فبدأت هذه الموسوعة بكتاب التوحيد؛ لأنه باب الإسلام الأعظم، ثم كتاب الإيمان؛ لأنه أساس الدين، وشرط في صحة كل عمل، ثم كتاب العلم؛ لأنه لا بد مع الإيمان من العمل، والعمل لا يقبل ولا يصح إلا بعلم، ثم كتاب السيرة النبوية؛ لأن الأسوة في التوحيد والإيمان والعلم والعمل هو محمد ﷺ .
ثم بينت كتاب الفضائل؛ لأن الفضائل تحرك القلوب للطاعات، وتنشط الجوارح للإكثار منها.
ثم كتاب الأذكار؛ لأن في استدامة ذكر الله كمال الإيمان، وحسن الطاعة، وحلاوة العمل الصالح.
ثم كتاب الأدعية؛ لأنه أفضل الأبواب التي يدخل منها العبد على ربه، وكل عبد مفتقر إلى دعاء ربه في جميع أحواله.
ثم كتاب الآداب؛ لأن الآداب زينة المسلم التي يتميز بها عن غيره.
ثم كتاب القواعد الشرعية؛ لأن أحكام الدين كثيرة ومتنوعة، فتحتاج إلى قواعد تجمع أصولها؛ ليتبين الحق من الباطل، ويُعرف المباح من المحرم، والسنة من البدعة.
ثم كتاب العبادات؛ لأنها أعظم الأعمال التي يتقرب بها العبد إلى ربه.
ثم كتاب المعاملات التي تكون بين العبد وغيره من الخَلْق؛ لتستقيم حياة الناس بين العدل والإحسان.
стр. 20
ثم كتاب النكاح وتوابعه؛ لتكوين الأسرة المسلمة، ولضبط حياة الأسرة في البيت كما ضبطت حياة الأمة بأحسن المعاملات خارج البيت.
ثم كتاب الأطعمة والأشربة؛ لأنه لا بد للفرد والأمة من طعام وشراب حلال، ليستجاب الدعاء، وتصح الأجسام، وتحفظ العقول.
ثم كتاب الفرائض؛ لأنه لا بد لكل إنسان من الموت، والفرائض تبين كيفية قسمة الأموال بعد الموت على الورثة حسب الشرع.
فهذه جواهر الدين، وبنيانه الأعظم، من قام بها ﵁، وأسعده في الدنيا، وأدخله الجنة في الآخرة.
ثم ذكرت كتاب نواقض الإسلام التي تهدم بنيان الدين في حياة الإنسان؛ ليسلم للمسلم توحيده وإيمانه وأعماله الصالحة.
ثم ذكرت كتاب الكبائر التي تأكل الحسنات، وتهلك العباد والبلاد، ويتعرض العبد بسببها لسخط ربه عليه.
ثم ذكرت كتاب القصاص الذي تصان به الأنفس من الاعتداء والقتل.
ثم كتاب الحدود الذي يزجر الناس عن الكبائر والمحرمات.
وبالقصاص والحدود يتم حفظ الدين والنفس والعرض والعقل والمال.
ثم ذكرت كتاب القضاء الذي شرعه الله للفصل بين الخلق عند الاختلاف، والحكم بينهم بالحق والعدل، وتنفيذ أوامر الله على من تجاوز حدوده.
ثم كتاب الخلافة؛ لأن حياة الناس لا تستقيم إلا بإمام صالح مطاع، وهي الإمامة الكبرى التي يؤتيها الله من يشاء من عباده ليحكم بين الناس بما أنزل الله.
стр. 21
ثم ذكرت كتاب الدعوة إلى الله التي هي وظيفة كل مسلم ومسلمة؛ ليتم إبلاغ دين الله إلى البشرية كلها، حتى تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله، ويعبد الناس ربهم بما شرعه لهم.
ثم في الختام ذكرت كتاب الجهاد؛ لأن الحق إذا قام فلا بد له من باطل يعاديه، ومن ثم لا بد من جهاد في سبيل الله يحفظ المؤمنين، ويقمع الظالمين، ويصد عدوان المعتدين، والحمد لله رب العالمين.
أسأل الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يتقبلها بقبول حسن، وأن يجعلها قرة للعيون والأبصار، وبضاعة رابحة لأهل الإيمان واليقين.
وهذا أوان الشروع في المقصود، والبدء في المطلوب.
أسأل الله تعالى الإخلاص في القول والعمل، كما أسأله العون والتوفيق، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 22
الباب الأول
كتاب التوحيد
ويشتمل على ما يلي:
• معنى التوحيد.
• أركان التوحيد.
• أقسام التوحيد.
• شروط كلمة التوحيد.
• أساس التوحيد.
• أصل التوحيد.
• معنى توحيد الربوبية والألوهية.
• تلازم توحيد الربوبية والألوهية.
• حقيقة التوحيد.
• فضل التوحيد.
• كمال التوحيد.
• عظمة كلمة التوحيد.
• براهين التوحيد.
• تحقيق التوحيد.
• قوة كلمة التوحيد.
• محل التوحيد.
• حفظ التوحيد.
• أهل التوحيد.
• فقه التوحيد.
• ما يجب على المسلم.
• ثمرات التوحيد:
١ - ثمرات التوحيد في الدنيا.
٢ - ثواب أهل التوحيد في الآخرة.
стр. 23
كتاب التوحيد
• معنى التوحيد:
التوحيد: هو أن يتيقن العبد ويقر أن الله واحد لا شريك له في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.
ومعناه:
أن يعلم العبد ويتيقن ويقر أن الله واحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
فيتيقن ويقر أن الله وحده رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق وحده لا شريك له، له الخلق والأمر في الكون كله.
ويتيقن ويقر أن الله سبحانه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وكل معبود سواه فهو باطل.
ويتقين ويقر أن الله ﷻ متصف بصفات الكمال، منزه عن كل عيب ونقص، له الأسماء الحسنى، والصفات العلا ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس:٣].
- أركان التوحيد:
التوحيد له ثلاثة أركان:
الاعتقاد .. والقول .. والعمل ..
فلا بد أن يكون بالقلب الذي هو العلم .. ويكون باللسان الذي هو القول .. ويكون بالعمل الذي هو فعل الأوامر واجتناب النواهي.
стр. 24
فمن أخل بشيء من هذه الأركان لم يكن مسلماً.
فإن أقر بالتوحيد، وعمل به، فهذا مسلم حقاً.
وإن أقر بالتوحيد، ولم يعمل به، فهذا كافر معاند كفرعون، وإبليس.
وإن أقر بالتوحيد وعمل به ظاهراً، وكفر به باطناً، فهذا منافق أشر من الكافر. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام:١٠٢].
- أقسام التوحيد:
التوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب نوعان:
الأول: توحيد الربوبية.
وهو توحيد الله بأسمائه، وصفاته، وأفعاله.
فالله سبحانه واحد لا شريك له، واحد لا مثيل له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله فأسماء الرب كلها حسنى، وصفاته كلها عليا.
فالأسماء كالحي والقيوم، والعزيز والعليم، والرحيم والحكيم، والسميع والبصير.
والصفات كالعلم والقدرة، والرحمة والحكمة، والسمع والبصر.
يفعل ما يشاء وحده .. ويحكم ما يريد وحده .. يعز من يشاء وحده .. ويذل من يشاء وحده .. ويهدي من يشاء وحده .. ويضل من يشاء وحده .. ويخلق ما يشاء وحده .. ويدبر الأمر وحده.
فهذا توحيد المعرفة والإثبات الذي يجب على كل مسلم معرفته، وعبادة الله ثمرة تلك المعرفة.
стр. 25
الثاني: توحيد الألوهية، ويسمى توحيد العبادة.
وهو توحيد الله وإفراده بأفعال العباد التي يفعلونها على وجه التقرب إلى الله .
فنوحد الله ونفرده بجميع أنواع العبادة كالدعاء والصلاة، والخوف والرجاء، والتوبة والإنابة، والاستعانة والاستغاثة، والمحبة والتوكل، والنذر والنحر، وغير ذلك من أنواع العبادة، فالعبادة خالص حق الله على عباده، فلا يجوز صرف شيء منها لغيره، ومن صرف منها شيئاً لغير الله فهو مشرك كافر.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون:١١٧].
стр. 26
- شروط كلمة التوحيد:
يشترط لتحقيق كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) سبعة شروط:
الأول: العلم المنافي للجهل.
بأن يعلم العبد أن الله وحده بيده كل شيء، وما سواه ليس بيده شيء، وأنه وحده هو المستحق للعبادة.
١ - قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد:١٩].
٢ - وَعَنْ عُثمانَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ الله ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ». أخرجه مسلم (١).
الثاني: اليقين المنافي للشك.
بأن يستيقن بأن هذه الكلمة حق، وما دلت عليه هو الحق، وكل ما سواه فهو باطل.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحُجُرات:١٥].
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللهِ؛ لاَ يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ». أخرجه مسلم (٢).
стр. 27
الثالث: القبول المنافي للرد.
بأن يقبل بقلبه ولسانه كل ما اقتضته هذه الكلمة، ويرد كل ما خالفها.
١ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف:١١٠].
٢ - وعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِاللهِ الثَّقَفِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلاً، لا أسْألُ عَنْهُ أحَدًا بَعْدَكَ (وَفِي حَدِيثِ أبِي أسَامَةَ: غَيْرَكَ) قال: «قُلْ آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ». أخرجه مسلم (١).
الرابع: الانقياد المنافي للترك.
بأن ينقاد لكل ما دلت عليه من الإيمان والعمل الصالح، ويترك كل ما خالفها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف:١٠٧].
الخامس: الصدق المنافي للكذب.
بأن يصدِّق بلا إله إلا الله بقلبه، ويقر بلسانه، ويصدق ذلك.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾ [التوبة:١١٩].
السادس: الإخلاص المنافي للشرك.
بأن يخلص العبادة لله وحده لا شريك له، ويصفي عمله من شوائب الشرك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ
- أساس التوحيد:
التوحيد هو إفراد الخالق بأسمائه وصفاته، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له.
والتوحيد مبني على معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، فنعرف الله لنكبره ونذكره ونشكره .. ونعرف القادر لنتوكل عليه .. ونعرف الغني لنسأله .. ونعرف الرزاق لنطلب منه أرزاقنا .. ونعرف الصمد فنتوجه إليه وحده في جميع حوائجنا .. ونعرف العفو لنطلب منه العفو .. ونعرف الغفور لنطلب منه المغفرة .. ونعرف الرحيم لنطلب منه الرحمة .. ونعرف السميع فلا نقول ما يسخطه .. ونعرف البصير فنستحي منه .. وهكذا في بقية الأسماء ..
ونعرف وعد الله فنرجوه .. ونعرف وعيده فنخافه .. ونعرف فضله وإحسانه فنحبه ونشكره .. وهكذا ..
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف:١٨٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد:١٩].
- أصل التوحيد:
توحيد الربوبية هو الأصل، إذ لا بد لكل عبد أن يعرف معبوده بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم يعبده.
ولا يغلط في توحيد الألوهية والعبادة إلا من لم يعطه حقه، فالصبر والرضا، والتفويض والتسليم، والاستعانة والتوكل، والإنابة والمحبة، والخوف والرجاء، كلها من نتائج وثمار توحيد الربوبية.
стр. 30
وتوحيد العبادة أعظم وأشهر نتائج توحيد الربوبية، وقد وقع فيه الشرك بسبب الجهل بتوحيد الربوبية.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام:١٠٢].
وتوحيد الربوبية أَقَرَّ به أكثر الخلق، ولم ينكره إلا شواذ الخلق، ولكنه لا يكفي للدخول في الإسلام حتى يقترن به توحيد العبادة.
وتوحيد الألوهية والعبادة كفر به وجحده أكثر الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل إلى الناس، وأنزل عليهم الكتب، لكي يدعونهم إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء:٢٥].
- معنى توحيد الربوبية والألوهية:
توحيد الربوبية: هو توحيد الرب بأسمائه وصفاته وأفعاله.
وتوحيد الألوهية: هو توحيد الله بأفعال العباد كالصلاة والدعاء.
والربوبية والألوهية لهما إطلاقان:
تارة يذكر أحدهما مفرداً عن الآخر، فيكون معناهما واحداً، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
وتارة يذكران معاً، فيفترقان في المعنى.
стр. 31
فيكون معنى الرب الخالق المالك، الذي بيده الخلق والأمر كله.
ويكون معنى الإله المعبود المستحق للعبادة وحده دون سواه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس:١ - ٦].
- تلازم توحيد الربوبية والألوهية:
توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية.
فمن أقر بأن الله وحده هو الرب الخالق المالك الرازق، لزمه أن يقر بأنه لا يستحق العبادة إلا الله وحده لا شريك له.
فلا يدعو إلا الله وحده .. ولا يستغيث إلا به .. ولا يتوكل إلا عليه .. ولا يصرف شيئاً من أنواع العبادة إلا لله وحده دون سواه.
وتوحيد الألوهية مستلزم لتوحيد الربوبية.
فكل من عبد الله وحده، ولم يشرك به شيئاً، لا بد أن يكون قد اعتقد وعرف أن الله ربه وخالقه ومالكه ورازقه.
فهذا مبني على هذا، ولا يقبل هذا إلا بهذا، ولا يصح عمل إلا بهذا وهذا.
وتوحيد الربوبية يقرُّ به الإنسان بموجب فطرته ونظره في الكون.
والإقرار به وحده لا يكفي للإيمان بالله، والنجاة من النار، فقد أقرّ به إبليس والمشركون فلم ينفعهم، لأنهم تركوا القيام بثمرته وهو توحيد العبادة لله وحده.
стр. 32
- حقيقة التوحيد:
١ - حقيقة التوحيد ولبابه أن يرى الإنسان الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الإلتفات عن غيره من المخلوقات والأسباب، فلا يرى الخير والشر، والنفع والضر، والغنى والفقر، إلا منه وحده، ويعبده سبحانه وحده لا شريك له. مع كمال الحب له .. وكمال التعظيم له .. وكمال الذل له.
٢ - حقيقة التوحيد ترد الأشياء كلها إلى الله وحده .. خلقاً وإيجاداً .. تصريفاً وتدبيراً .. بقاء وفناءً .. حياة وموتاً .. نفعاً وضراً .. حركة وسكوناً ..
قال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وحقيقة الشرك ترد الأشياء كلها إلى غير الله.
فالتوحيد ألذ شيء، وأحسنه، وأجمله، والشرك أقبح الأشياء.
فالتوحيد أعدل العدل .. والشرك أظلم الظلم.
ولهذا يغفر الله كل ذنب وجرم إلا الشرك.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء:٤٨].
- فضل التوحيد:
١ - قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام:٨٢]. ٢ - عَنْ عُبَادَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «مَنْ شَهِدَ أنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَتُهُ ألْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى
стр. 33
مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ» متفق عليه (١).
- كمال التوحيد:
التوحيد لا يتم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه.
والتعلق به وحده لا شريك له، وعدم الالتفات إلى ما سواه، والانقياد والتسليم لله في كل شأن.
وإيثار كل ما يحبه الله ورسوله على ما تحبه النفس.
وتقديم طاعة الله ورسوله على طاعة كل أحد.
وإجلال الله وتعظيمه، والإكثار من ذكره وشكره، والذل والانكسار بين يديه، والتضرع والافتقار إليه، ومحبته وخوفه ورجائه، وامتثال أوامره.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء:١٢٥].
- عظمة كلمة التوحيد:
١ - قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران:١٨].
٢ - وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قالَ رسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ نَبِيَّ اللهِ نُوحاً ﷺ لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ قَالَ لاِبْنِهِ: إِنِّي قَاصٌّ عَلَيْكَ الوَصِيَّةَ، آمُرُكَ بِاثْنَتَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنِ اثْنَتَيْنِ، آمُرُكَ بـ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ، وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ، لَوْ
стр. 34
وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ فَإِنَّهَا صَلاَةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ الخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الشِّرْكِ وَالكِبْرِ» أخرجه أحمد والبخاري في الأدب المفرد (١).
- براهين التوحيد:
البراهين والأدلة الدالة على وحدانية الله كثيرة منها:
١ - برهان الفطرة، فجميع الخلق مفطورون على معرفة الله والإقرار به.
قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم:٣٠].
٢ - برهان الخلق والإبداع.
فالله وحده هو المتفرد بالخلق والإبداع، فيجب أن يفرد بالعبادة وحده.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦].
٣ - النظر في السماء وما فيها من المخلوقات العظيمة.
١ - قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٥ - ١٦].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ [ق:٦].
стр. 35
٤ - النظر في الأرض وما فيها من العجائب والآيات.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق:٧ - ٨].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
٣ - وقال الله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ [النمل:٥٩ - ٦١].
٥ - النظر في عجائب خلق الإنسان.
١ - قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم:٢٠].
٢ - وقال الله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات:٢٠ - ٢١].
٦ - النظر في عجائب خلق المخلوقات وتدبيرها وتصريفها.
١ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ
٢ - وقال الله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس:٦٨].
ودلائل وحدانية الله أشهر وأبين من ضوء الشمس، ولا يحصيها إلا الذي أحاط بكل شيء علماً، ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
- تحقيق التوحيد:
التوحيد يقوم على أصلين:
شهادة أن لا إله إلا الله ... وشهادة أن محمداً رسول الله.
١ - فتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي من العبد أن يحب الله، ويحب ما يحبه الله .. ويبغض ما أبغض الله .. ولا يحب إلا لله .. ولا يبغض إلا في الله .. ولا يرجو إلا الله .. ولا يخاف إلا الله .. ولا يسأل إلا الله .. ويأمر بما أمر الله به .. وينهى عما نهى الله عنه .. ويفعل الطاعات .. ويجتنب المعاصي .. ولا يعبد إلا الله .. ولا يستعين إلا بالله .. فهذه ملة إبراهيم، وهي الإسلام الذي بعث الله به جميع الأنبياء والمرسلين.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ [النساء:١٢٥]. ٢ - وتحقيق شهادة أن محمداً رسول الله:
بطاعته فيما أمر .. وتصديقه فيما أخبر .. واجتناب ما نهى عنه وزجر .. وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
فالحلال ما أحله .. والحرام ما حرمه .. والدين ما شرعه ..