جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا منه شيئاً" (١).
وقال الخازن في مقدمة تفسيره: وثبت بالدليل الصحيح أن الصحابة إنما جمعوا القرآن بين الدفتين كما أنزله الله على رسول الله من غير أن زادوا فيه أو نقصوا منه شيئاً. فكتبوه كما سمعوه من رسول الله من غير أن قدموا أو أخروا شيئاً، أو وضعوا له ترتيباً لم يأخذوه من رسول الله. . . فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على النحو الذي هو في مصاحفنا الآن" (٢).
وقال القاضي في الشفاء: اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف بشيء منه، أو سبهما، أو كذب به، أو جحده، أو جزءاً منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء منه، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو اثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" (٣).
стр. 142
هذا وقد بوب الإمام البخاري باباً في صحيحه بعنوان "باب من قال لم يترك النبي إلا ما بين الدفتين" ثم ذكر تحت ذلك حديثاً: أن ابن عباس قال في جواب من سأل: أترك النبي من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين، وهكذا قاله محمد بن علي بن أبي طالب المعروف بابن الحنفية" (١).
فهذا ما رواه بخارينا وذاك ما رواه بخاريهم، وهذا ما قاله أئمة أهل السنة وذلك ما قاله أئمتهم.
وهناك نصوص أخرى في هذا المعنى، فيقول الإمام الزركشي في كتابه "البرهان" بعد ذكر قول القاضي في "الانتصار" وذلك دليل على صحة نقل القرآن وحفظه وصيانته من التغيير، ونقض مطاعن الرافضة فيه من دعوى الزيادة والنقص، كيف وقد قال تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ وقوله: ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ وأجمعت الأمة أن المراد بذلك حفظه على المكلفين للعمل به، وحراسته من وجود الغلط والتخليط، وذلك يوجب القطع على صحة نقل مصحف الجماعة وسلامته" (٢).
وقد ذكر مفسرو أهل السنة تحت آية ﴿وإنا له لحافظون﴾ بأن القرآن محفوظ عن أي تغيير وتبديل وتحريف، وكان أن يتفق على هذا كلهم وشذّ من ندر، فمثلاً يقول الخازن في تفسيره:
стр. 143
وإنا للذكر الذي أنزلناه على محمد لحافظون، يعني من الزيادة فيه والنقص والتغيير والتبديل والتحريف، فالقرآن العظيم محفوظ من هذه الأشياء كلها لا يقدر أحد من جميع الخلق من الجن والإنس أن يزيد فيه أو ينقص منه حرفاً واحداً، أو كلمة واحدة، وهذا مختص بالقرآن العظيم بخلاف سائر الكتب المنزلة فإنه قد دخل على بعضها التحريف، والتبديل، والزيادة، والنقصان، ولما تولى الله حفظ هذا الكتاب بقي مصوناً على الأبد، محروساً من الزيادة والنقصان" (١).
وقال النسفي في تفسيره تحت هذه الآية "إنا نحن": فأكد عليهم أنه هو المنزل على القطع وأنه هو نزله محفوظاً من الشياطين، وهو حافظه في كل وقت من الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل بخلاف الكتب المتقدمة، فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيون والأحبار فيما بينهم بغياً فوقع التحريف ولم يكل القرآن إلى غير حفظه" (٢).
وقال الإمام ابن كثير: ثم قرر تعالى أنه هو الذي أنزل عليه الذكر وهو القرآن، وهو الحافظ له من التغيير والتبديل" (٣).
وقال الفخر الرازي: وإنا نحفظ ذلك الذكر من التحريف والزيادة، والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: لا يأتيه
стр. 144
الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وقال: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً: فإن قيل: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله فلا خوف عليه، والجواب أن جمعهم القرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه فإنه قال لما أن حفظه قيضهم لذلك - إلى أن قال -: إن أحداً لو حاول تغييره بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا هذا كذب وتغيير لكلام الله تعالى حتى أن الشيخ المهيب لو اتفق له لحن أو هفوة في حرف من كتاب الله تعالى لقال له الصبيان: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا وكذا، فهذا هو المراد من قوله: وإنا له لحافظون: واعلم أنه لم يتفق بشيء من الكتب مثل هذا الحفظ فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتحريف والتغيير إما في الكثير منه أو في القليل، وبقاء هذا الكتاب مصوناً عن جميع جهات التحريف مع أن دواعي الملاحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده من أعظم المعجزات" (١).
كتب الشيعة لإثبات التحريف
فهذه عقيدة السنة في القرآن وهذه هي الأقوال لعلمائهم وأكابرهم، وبعكس ذلك أن الشيعة ما اقتصروا على سرد الروايات والأحاديث خلاف ذلك من أئمتهم ومعصوميهم فحسب
стр. 145
بل وقد صنفوا بخصوص هذا في كل عصر من العصور كتباً مستقلة تحت عنوان "التغيير والتحريف في القرآن" وأفردوها لنقل هذه العقيدة الخبيثة وإثباتها بالأدلة والبراهين حسب زعمهم.
فقد صنف في ذلك شيخ الشيعة الثقة عندهم "أحمد بن محمد بن خالد البرقي" كتاب التحريف "كما ذكره الرجالي الشيعي المشهور الطوسي في كتاب "الفهرسة" والنجاشي في كتبه.
وأبوه محمد بن خالد البرقي صنف أيضاً "كتاب التنزيل والتغيير" كما ذكره النجاشي.
والشيخ الثقة الذي لم يعثروا له زلة في الحديث حسب قولهم "علي بن الحسن بن فضال" فقد أفرد في هذا الباب "كتاب التنزيل من القرآن والتحريف".
ومحمد بن الحسن الصيرفي صنف في هذا "كتاب التحريف والتبديل" كما ذكر الطوسي في الفهرست.
وأحمد بن محمد بن سيار "كتاب القراءات" وهو أستاذ لمفسر شيعي معروف ابن الماهيار - كما ذكر في "الفهرست" و"الرجال" للنجاشي.
وحسن بن سليمان الحلي "التنزيل والتحريف".
والمفسر الشيعي المشهور محمد بن علي بن مروان الماهيار المعروف بابن الحجام له "كتاب قراءة أمير المؤمنين وقراءة أهل البيت.
стр. 146
وأبو طاهر عبد الواحد بن عمر القمي له كتاب "قراءة أمير المؤمنين" - ذكره ابن شهر آشوب في معالم العلماء.
وذكر علي بن طاؤس "الشيخ الجليل لهم" في كتابه "سعد السعود" كتباً أخرى في هذا الموضوع، فمنها "كتاب تفسير القرآن وتأويله وتنزيله" ومنها كتاب "قراءة الرسول وأهل البيت" ومنها "كتاب الرد على أهل التبديل" كما ذكره ابن شهر آشوب في مناقبه، "ومنها كتاب السياري" (١).
وكما صنف المتقدمون في هذا الموضوع صنف أيضاً المتأخرون منهم، فمنها الكتاب المعروف المشهور "فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب "للميرزا حسين بن محمد تقي النوري الطبرسي المتوفي ١٣٢٠هـوهو كتاب شامل مفصل بحث فيه المحدث الشيعي بحثاً وافياً في إثبات التحريف في القرآن ورد على من أنكر أو أظهر التناكر من الشيعة ثم أردفه بكتاب آخر "لرد بعض الشبهات عن فصل الخطاب" (٢).
стр. 147
وفي القارة الهندية أيضاً صنف الشيعة كتباً عديدة في إثبات وإظهار هذه العقيدة الباطلة، فقد ألف أحد علمائها من الشيعة كتاباً سماه "تصحيف كاتبين، ونقص آيات كتاب مبين" واسمه ميرزا سلطان أحمد الدهلوي.
"وضربة حيدرية" للسيد محمد مجتهد اللكنوي، وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي ألفت في اللغة الفارسية، والعربية، والأردية.
وهناك كثيرون منهم، الذين بوبوا لبيان هذه العقيدة المتفقة عليها عندهم، فمنهم أستاذ الكليني علي بن إبراهيم القمي، والثاني شيخهم الأكبر في الحديث محمد بن يعقوب الكليني، والسيد محمد الكاظمي في "شرح الوافية" وسماه "باب أنه لم يجمع القرآن كله إلا الأئمة"، والشيخ الصفار في كتابه "البصائر، باب في الأئمة أن عندهم جميع القرآن الذي أنزل على رسول الله"، وسعد بن عبد الله في كتابه "ناسخ القرآن ومنسوخه" باباً باسم
стр. 148
"باب التحريف في الآيات"، وهلم جراً.
ولا يخلو كتاب من كتبهم في الحديث والتفسير، والعقائد، والفقه، والأصول، لا يخلو من قدح بالقرآن العظيم - ونحن ندعو الذين ينكرون هذا الاعتقاد من الشيعة ونسألهم: ما دمتم ادعيتم أنه لم يزد على كتاب الله ولم ينقص منه فماذا تقولون في من يعتقد مثل هذا الاعتقاد؟
هل تكفرونه؟ لأنه مما يوجب التفكير، وهل تفتون أنه خرج عن الملة الحنيفية البيضاء؟ كما أفتى به أئمة أهل السنة وعلمائها وزعمائها، فلننظر إلى أي حد تستعملون التقية والخداع للمسلمين.
وهذا مما لا شك فيه كما أثبتنا في بحثنا الطويل أن الشيعة قاطبة، وفي كل عصر من عصور الإسلام قد اعتقدوا بهذا الاعتقاد ويعتقدونه إلى الآن، وليس إنكارهم مبنياً على الصدق والحقيقة ولكنه ليس إلا الشرود والفرار من إيرادات المسلمين وطعن الطاعنين، أو شعورهم بكشف السر المكنون، وافتضاح الأمر المستور (١)
стр. 149
وإلا الحق قد انجلى، والحقيقة قد انكشفت، والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين. . . .
стр. 150
الباب الثالث
الشّيعة والكذب
لا يتلفظ بلفظ الشيعة إلا ويتجسم الكذب معه، كأنهما لفظان مترادفان لا فرق بينهما، فتلازما من أول يوم أسس هذا لمذهب وكون هذا الدين، فما كان بدايته إلا من الكذب وبالكذب.
ولما كانت الشيعة وليدة الكذب أعطوه صبغة التقديس والتعظيم، وسموه بغير اسمه، واستعملوا له لفظة "التقية"، وأرادوا بها إظهاراً بخلاف ما يبطنون، وإعلاناً ضد ما يكتمون، وبالغوا في التمسك بها حتى جعلوها أساساً لدينهم وأصلاً من أصولهم إلى أن نسبوا إلى واحد من أئمتهم - المعصومين عندهم - أنه قال: كما يرويه بخاريهم محمد بن يعقوب الكليني: التقية من ديني ودين آبائي، ولا إيمان لمن لا تقية له" قاله أبو جعفر، الإمام الخامس - حسب زعمهم" (١).
وروى الكليني أيضاً عن أبي عمر الأعجمي أنه قال: قال لي أبو عبد الله ﵇: يا أبا عمراً إن تسعة أعشار الدين في
стр. 151
التقية، ولا دين لمن لا تقية له" (١).
وأكثر من ذاك فقد روى الكليني هذا في صحيحه "عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله "ع" التقية من دين الله، قلت: ومن دين الله؟ قال: أي والله من دين الله" (٢).
فهذا هو دينهم الذي يدينونه، وهذا هو معتقدهم الذي يعتقدون به، فما هو إلا كتمان للحق وإظهار للباطل، فقد وضعوا لهذا حديثاً فقالوا: عن سليمان بن خالد قال: قال أبو عبد الله ﵇: يا سليمان إنكم على دين من كتمه أعزه الله ومن أذاعه أذله الله" (٣).
وكيف هذا مع ذاك: يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" (٤).
وقد قال الله : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين" (٥).
وقال رسوله ﵇ في حجة الوداع معلناً دينه ومظهراً كلمته: ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع" (٦).
стр. 152
وقال ﷺ : نضر الله امرأ سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى له من سامع" (١).
وقال ﵇: "بلغوا عني ولو آية" (٢).
ومدح الله أنبيائه ورسله بقوله: الذين يبلغون رسالات الله ويخشون ولا يخشون أحداً إلا الله" (٣).
كما مدح أصحاب رسول الله حيث قال: من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً، ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم، إن الله كان غفوراً رحيماً" (٤).
وقال: ولا يخافون لومة لائم" (٥).
وذم المنافقين على كذبهم فقال: إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون" (٦).
وبيّن أوصافهم: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا
стр. 153
إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئون" (١).
ثم بين جزائهم وقال: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً" (٢).
ونهى رسول الله عن الكذب وذمه، وأمر بالصدق ومدحه كما يرويه البخاري ومسلم: عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاًن وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً" (٣).
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: سمعت رسول الله يقول: كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدق وأنت به كاذب" (٤).
التقية دين وشريعة
ذاك ما يعتقده المسلمون بأمر من الله ووصية من رسوله، حيث الشيعة قد أدخلوا الكذب في المعتقدات وحتى معتقداتهم الأساسية.
стр. 154
فها هو صدوقهم وشيخ محدثيهم محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي يقول في رسالته المعروفة - "الاعتقادات": التقية واجبة، من تركها كان بمنزلة من ترك الصلاة" - وقال -: التقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الله تعالى، وعن دين الإمامية، وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق ﵇ عن قول الله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ قال: أعملكم بالتقية" (١).
وكيف لا يكون من المعتقدات الأساسية عندهم وقد نسبوا إلى رسول الله كذباً وميتاً أنه قال: مثل مؤمن لا تقية له كمثل جسد لا رأس له" (٢).
ونقلوا عن إمامهم المعصوم - الأول حسب زعمهم -، علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه من الفاجرين" (٣).
وعن الإمام الثالث حسين بن علي أنه قال: لولا التقية ما عرف ولينا من عدونا - كأنّ الكذب معيار لمعرفة الشيعة (٤).
стр. 155
وعن الإمام الرابع - علي بن الحسين أنه قال: يغفر الله للمؤمن كل ذنب ويطهره منه في الدنيا والآخرة ما خلا ذنبين ترك التقية - يا للذنب - وترك حقوق الإخوان" (١).
وعن الإمام الخامس - محمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر أنه قال: وأي شيء أقر لعيني من التقية، إن التقية جنة المؤمن" (٢).
وقال: خالطوهم بالبرانية (أي ظاهراً) وخالفوهم باجلوانية (باطناً) (٣) إذا كانت الآمرة صبيانية" (٤).
стр. 156
وعن الإمام السادس - جعفر بن الباقر الملقب بالصادق والمكنى بأبي عبد الله أنه قال: لا والله ما على وجه الأرض شيء
стр. 157
أحب إلي من التقية يا حبيب! (اسم الراوي) إنه من كانت له تقية رفعه الله يا حبيب! ومن لم تكن له تقية وضعه الله" (١).
وعن الإمام السابع - موسى بن جعفر أنه كتب إلى أحد
стр. 158
مريديه علي بن سويد: ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا "هذا باطل" وإن كنت تعرف خلافه، فإنك لا تدري لم قلناه وعلى أي وجه وضعناه، آمن بما أخبرتك ولا تفش ما استكتمتك" (١).
وعن الإمام الثامن - علي بن موسى أنه قال: لا دين لمن لا ورع له ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم، فقيل له يا بن رسول الله إلى متى؟ قال إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا" (٢).
فهذه هي عقيدتهم في الكذب وتقديسهم له وغلوهم فيه.
وهل بعد هذا يمكن لأحد أن يعتمد عليهم، ويصدّق قولهم، ويمشي معهم، ويتفق بهم، ولقد صدق عالم شيعي هندي السيد "إمداد إمام" حين قال: إن مذهب الإمامية ومذهب أهل السنة عينان تجريان إلى مختلف الجهات وإلى القيامة تجريان هكذا متباعدتين لا يمكن اجتماعهما أبداً" (٣).
وصدق الخطيب ﵀ في عنوان رسالته "الخطوط العريضة للأسس التي قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثنى عشرية واستحالة التقريب بينهما وبين أصول الإسلام في جميع مذاهبه
стр. 159
وفرقه".
فكيف الجمع بين الصدق والكذب؟ وكيف الاجتماع بين الصادق والكاذب؟ وليس الكاذب فحسب بل الكاذب الذي يظن الكذب ضرورياً، واجباً عليه، وأكثر من هذا يعتقده من أعظم القربات إلى الله.
التقية ليس إلا كذباً محضاً
وقد تناكر بعض الشيعة التقية، وتظاهروا "بأنهم لا يريدون بالتقية الكذب بل يقصدون بها كتمان الأمر صيانة للنفس ووقاية للشر".
والحقيقة أنه ليس كذلك بل كذبوا في هذا أيضاً لأنهم لا يريدون من التقية إلا الكذب والخداع، والتظاهر بغير ما يبطنونه.
فها هي الشواهد والبراهين على ذلك -
فيروي محمد بن يعقوب الكليني في صحيحه "الكافي في الفروع" عن أبي عبد الله أن رجلاً من المنافقين مات فخرج الحسين بن علي صلوات الله عليهما يمشي معه، فلقيه مولى له فقال له الحسين ﵇: أين تذهب يا فلان، قال: فقال: أفر من جنازة هذا المنافق أن أصلي عليها، فقال له الحسين ﵇: انظر أن تقوم على يميني فما تسمع أقول فقل مثله، فلما أن كبر عليه وليه
стр. 160
قال الحسين: الله أكبر، اللهم العن فلاناً عبدك ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة، اللهم اجز عبدك في عبادك وبلادك، واصله حر نارك، وأذقه أشد عذابك، فإنه كان يتولى أعدائك، ويعادي أوليائك، ويبغض أهل بيت نبيك" (١).
وثم نسبوا مثل هذا الكذب إلى رسول الله وافتروا عليه حيث قالوا: عن أبي عبد الله ﵇ قال لما مات عبد الله بن أبي بن سلول حضر النبي جنازته، فقال عمر لرسول الله: ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فسكت فقال يا رسول الله ألم ينهك الله أن تقوم على قبره؟ فقال له: ويلك ما يدريك ما قلت لك؟ إني قلت اللهم احش جوفه ناراً واملأ قبره ناراً وأصله ناراً، قال أبو عبد الله ﵇ فابدأ من رسول الله ما كان يكره" (٢) فهذه عقيدة الشيعة في التقية أن رسول الله كان يخدع الناس (عياذاً بالله) حيث كان يظهر أنه يستغفر للمنافق الذي منعه الله عن الاستغفار له وهكذا كان يظهر مخالفة أوامر الله ونواهيه حيث كان يعمل هو نفسه غير ما يعمله أصحابه حسب ما يرونه نم رسول الله ﵇، لأنهم ما كانوا يعلمون أن
стр. 161
رسول الله يدعو له أو يدعو عليه، فالرسول كان يلعن على شخص حيث كان رفقاءه يترحمون له في نفس الوقت؟ فكان سره يخالف علانيته، وظاهره يخالف باطنه حيث عمر ما كان يريد ذلك حسب روايتهم - عياذاً بالله مئات المرات - ولك أن تسأل أي شيء كان يخوف رسول الله حتى أقهر على الصلوات على عبد الله بن أبي مع أن الإسلام كان قوياً آنذاك وما نافق ابن أبي إلا خوفاً عن الإسلام وشوكته، وطمعاً في منافعه وفوائده، فما صوغ الشيعة هذه الفرية إلا لإثبات عقيدتهم النجسة بأن رسول الله كان يعمل بالتقية أي الكذب كما كان أئمتهم يعملون بها - فهذه هي التقية عند الشيعة التي يدعون أنها ليس إلا كتمان الأمر صيانة للنفس ووقاية للشر، فهل يشك أحد في هذه بأنها عين النفاق والكذب.
وهناك رواية أخرى تصرح بأنها نفاق محض فيروي الكليني في كتاب الروضة من الكافي "عن محمد بن مسلم قال دخلت على أبي عبد الله ﵇ وعنده أبو حنيفة فقلت له جعلت فداك رأيت رؤيا عجيبة، فقال لي يا بن مسلم! هاتها إن العالم بها جالس وأومأ بيده إلى أبي حنيفة، فقلت: رأيت كأني دخلت داري وإذا أهلي قد خرجت علي فكثرت جوزاً كثيراً ونثرته علي فتعجبت من هذه الرؤيا، فقال أبو حنيفة: أنت رجل تخاصم وتحاول لئاماً في مواريث أهلك فبعد نصب شديد تنال حاجتك منها إن شاء الله،
стр. 162
فقال أبو عبد الله ﵇: أصبت والله يا أبا حنيفة!
قال: ثم خرج أبو حنيفة من عنده، فقلت له: جعلت فداك إني كرهت تعبير هذا الناصب، فقال: يا بن مسلم! لا يسوءك الله فما يواطئ تعبيرهم تعبيرنا ولا تعبيرنا تعبيرهم وليس التعبير كما عبره، قال: فقلت له: جعلت فداك: فقولك: أصبت وتحلف عليه وهو مخطئ؟ قال: نعم حلفت عليه أنه أصاب الخطأ" (١).
ومعروف أن أبا حنيفة ﵀ ما كان ذا سلطة وشوكة حتى يهاب ويخاف منه، بل كان مبغوضاً عند أصحاب الحكم والجاه وناقماً عليهم.
ثم هو لم يطلب عن أبي عبد الله جعفر أن يمدحه ولا أن يوجه السائل عن الرؤيا إليه بل أبو عبد الله نفسه مدحه ووجه محمد بن مسلم أن يسأل عنه تعبير الرؤيا، ولما أجابه، صوبه، وحلف عليه، ولكن بعد توليه خطأه وتبرأه عنه، فماذا يقال لهذا، أله اسم غير النفاق.
وورد مثل هذا في آية من كتاب الله كما يرويه الكليني في الكافي: عن موسى بن اشيم قال كنت عند أبي عبد الله ﵇ فسأله رجل عن آية من كتاب الله فأخبره بها، ثم دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر الأول، فدخلني من ذلك ما شاء الله حتى كان قلبي يشرح
стр. 163
بالسكاكين فقلت في نفسي: تركت أبا قتادة بالشام لا يخطئ في الواو وشبهه، وجئت إلى هذا يخطئ هذا الخطأ كله فبينا أنا كذلك إذ دخل آخر فسأله عن تلك الآية، فأخبره بخلاف ما أخبرني وأخبر صاحبي (١) فسكنت وعلمت أن ذلك منه تقية" (٢).
وليت شعري ماذا يقول فيه المنصفون من الناس؟ ومن أي نوع هذه التقية؟ وأي شر دفع بهذه التناقضات والتضادات؟ ومن أي مصيبة نجا بها؟ وهل يعتمد على من يعتقد بهذا الاعتقاد في المسائل الدينية أو الدنيوية؟ وهل يؤمن مثل هذا على شيء من الكتاب والسنة؟.
ومن يدري أنه متى يعمل بالتقية ومتى لا يعمل؟ أليس هذا إفساداً للدين وهدم لأساس الإسلام، ولعب بآيات من كتاب
стр. 164
الله .
وأكثر من ذلك كان الأئمة حسب زعم الشيعة يحلون الحرام ويحرمون الحلال تقية فهذا هو إبان بن تغلب أحد رواة الكافي يروي قائلاً: سمعت أبا عبد الله ﵇ يقول: كان أبي (محمد الباقر) ﵇ يفتي في زمن بني أمية أن ما قتل البازي والصقر فهو حلال وكان يتقيهم وأنا لا أتقيهم وهو حرام ما قتل" (١).
فماذا يمكن أن يقال فيه: حرام يفتى فيه بالحلال؟ أهذا دين وشريعة يا عباد الله؟ وهل يجوز لعامي أن يفتي بحلة ما يعده حراماً في معتقداته، فأين الإمامة والعصمة على حد قولهم؟.
فهذا هو قول الله : ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده من الطيبات والرزق﴾ (٢).
وقال سبحانه في ذم اليهود والنصارى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ (٣).
وفسره رسول الله الصادق الأمين بقوله: "كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه" (٤).
وقد بين سبحانه أن التحليل والتحريم ليس إلا من خاصته وحتى النبي الكريم ليس له الأمر في ذلك حيث قال: ﴿يا أيها النبي
стр. 165
لم تحرم ما أحل الله لك﴾ (١).
فكيف للباقر أن يجعل الحرام حلالاً والحلال حراماً وهم لم يعطوا للباقر وحده أن يحلل حراماً ويحرم حلالاً بل كل الأئمة حسب زعمهم يملكون تحليل ما حرمه الله وتحريم ما أحله الله.
فهذا هو محدثهم الكبير أبو عمرو محمد الكشي يذكر في كتابه عن حمدويه قال حدثنا محمد بن الحسين عن الحكم بن مسكين الثقفي قال حدثني أبو حمزة معقل العجلي عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله (جعفر): والله لو فلقت رمانة بنصفين فقلت: هذا حلال وهذا حرام، نشدت إن الذي قلت حلال حلال، وأن الذي قلت حرام فحرام (فهل أنكر على ذلك أبو عبد الله ورد عليه؟ كلا بل) فقال: رحمك الله، رحمك الله" (٢).
فهذا هو معتقدهم الذي يمدحون عليه، ولأجل ذلك قال الجعفر: ما أحد أدّى إلينا ما افترض الله فينا إلا عبد الله بن يعفور" (٣).
وهكذا كانوا يأمرون الناس أن يجعلوهم آلهة يعبدون، فيحللون ويحرمون، وقد صرح بذلك الإمام التاسع لهم - محمد بن علي بن موسى حينما سئل عن اختلاف الشيعة فقال: أن الأئمة هم يحلون ما يشاؤون ويحرمون ما يشاؤون - فهل يستبعد من يعتقد مثل هذا أنه لا يكذب في الأمور الأخرى، فمن لا يؤمن عليه
стр. 166
في الحلال والحرام كيف يؤمن عليه في المباحات؟.
ثم من كان يجبر الباقر أن يفتي بمثل ما أفتى؟ أما ما يظهر من كلام الجعفر ليس إلا أن فتوى أبيه كان لإرضاء السلاطين الأمويين، لأنه يقول: كان يفتي في زمن بني أمية: فإن كان هذا فماذا يقول فيه الشيعة بعد ما ثبت عندهم أيضاً: أن جابراً يقول وقد روى عنه الباقر نفسه وعن الباقر الجعفر: أن رسول الله ﵌ قال: من أرضى سلطاناً بسخط الله خرج من دين الله" (١).-
ألا يعد الشيعة إحلال الحرام من سخط الله؟
ثم ماذا يقول علي بن أبي طالب في خطاباته حسب زعمهم: "الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك" (٢).
وهل يشك أحد بأن التقية ليس الكذب بل الكذب المحض؟.
أمثلة لذلك
وهناك أمثلة كثيرة لهذا فمنها: عن سلمة بن محرز قال قلت لأبي عبد الله ﵇: أن رجلاً أرمانياً مات وأوصى إلي، فقال لي: وما الأرماني؟ قلت: نبطي من أنباط الجبال مات وأوصى إلي بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: أعطها النصف. قال
стр. 167
فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتقاك، إنما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد، فقلت: أصلحك الله إن أصحابنا زعموا أنك اقتيتني، فقال: لا والله ما اتقيتك ولكني اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟ قلت: لا - قال: فأعطها ما بقي" (١).
فانظر أنه أعطى لسلمة بن محرز نصف المال ثم حرمه من النصف الثاني، فلا بد من اثنين، إما كان له الحق أن يأخذ النصف وإما ما كان له الحق، فإن لم يكن له الحق فكيف أعطاه أولاً، وإن كان له الحق فلم تراجع ثانياً، ثم وأي شيء كان يخاف منه الإمام حيث لم يكن صاحبه ورفيقه ومقلده زرارة بن أعين يبالي به.
وهل يجوز هذا لأحد أن يفتي في دين الله بخلاف ما قاله الله وقاله رسول الله ﵇ "تقية" أو كذباً على التعبير الصحيح؟.
ومسائل الفرائض لا تتعلق بالاجتهادات بل تثبت بالنصوص، فمن يغير النصوص ويحرفها، ويفتي بخلافها، هل يعتمد عليه في المسائل الأخرى؟ وهناك رواية أخرى تشبه الأولى ما رواها الكليني أيضاً في الفروع "عن عبد الله بن محرز قال سألت أبا عبد الله ﵇ عن رجل أوصى إلي وهلك وترك ابنته فقال أعط الابنة النصف، واترك للموالي النصف، فرجعت فقال أصحابنا:
стр. 168
لا والله ما للموالي شيء، فرجعت إليه من قابل فقلت: إن أصحابنا قالوا: ليس للموالي شيء وإنما اتقاك، فقال: لا والله ما اتقيتك ولكني خفت عليك أن تؤخذ بالنصف، فإن كنت لا تخاف فارفع النصف الآخر إلى الابنة، فإن الله سيؤدي عنك" (١).
ويظهر من هاتين الروايتين أن الشيعة لا يجوزون الكذب اتقاء للنفس وحفظاً للذات بل كانوا متعودين الكذب بدون أي شيء، وأن السائل عن عبد الله بن محرز وسلمة لم يكن من الأمويين ولا العباسيين بل كانا من خلص الشيعة وأصحاب "الإمام المعصوم" عندهم - وأيضاً صرح الجعفر بأنه لم يفتي بالباطل تقية بل أفتى به مصلحة وكذباً.
وقد صرح أئمة الشيعة حسبما يزعمون أن التقية ليس إلا كذباً محضاً فقد روى أبو بصير عن أبي عبد الله (جعفر) أنه قال: التقية من دين الله قلت من دين الله؟ قال أي والله من دين الله ولقد قال يوسف: أيها العير إنكم لسارقون ووالله ما كانوا سرقوا شيئاً" (٢).
وأصرح من ذلك ما رواه محدثهم الكشي: عن حسين بن معاذ بن مسلم النحوي عن أبي عبد الله ع قال: قال لي (أبو عبد الله): بلغني أنك تعقد في الجامع فتفتي الناس، قال:
стр. 169
قلت نعم، وقد أردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج أني أقعد في الجامع فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء فإذا عرفته بالخلاف أخبرته بما يقولون. . . قال (أي معاذ بن مسلم) فقال لي (أبو عبد الله): اصنع كذا فإني أصنع كذا" (١).
فهذا هو الإمام كما يقولون، يأمر الناس أن يكذبوا على الناس ويخدعوهم، ويحثهم على ذلك، فأين هذا من قول الله : اتقوا الله وكونوا مع الصادقين" (٢).
وقال عز شأنه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً﴾ (٣).
ولكن المسألة هنا منعكسة ومتناقضة فهؤلاء القوم لا يكذبون فحسب بل يأمرون بالكذب ويعدونه من أفضل القربات إلى الله، وأسسوا مذهبهم على ذلك، فكتبهم في الحدث والتفسير مليئة
стр. 170
من هذه الأكاذيب والأباطيل.
ولما اشتكى على ذلك أحد طعنوه على أن الخلاف والتناقض والكذب ما كان إلا للمصلحة والغرض.
فمثلاً يذكر الكشي أن أبا الحسن موسى الكاظم كتب إلى أحد متبعيه وهو في السجن: ادع إلى صراط ربك فينا من رجوت إجابته، ولا تحصر حصرنا ووال آل محمد ولا تقل لما بلغك عنا أو نسب إلينا "هذا باطل" وإن كنت تعرف خلافه (١) فإنك لا تدري لم قلناه وعلى أي وجه وصفناه" (٢).
بل وحرضوهم على ذلك كما روي عن أبي عبد الله أنه قال ما منكم من أحد فيصلي صلاة فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تحية إلا كتب الله بها خمس وعشرين درجة فارغبوا في ذلك" (٣).
فهل من المعقول أن يسمع الرجل كلاماً يخالف نص القرآن والسنة ثم يقول عنه ويحكم عليه أنه ليس بباطل لأن الكلام مروي عن واحد من هؤلاء الأئمة لأن كونه عن الإمام فقط
стр. 171
لا يجعله صالحاً للقبول غير أن يكون موافقاً للكتاب والسنة حيث أن الأصل في الشريعة ليس إلا كتاب الله وسنة رسول الله، المخلو من التناقض والتخالف.
وهل من الممكن أيضاً أن يسمع ويرى أحد من العقلاء كلاماً متناقضاً مخالفاً بعضه بعضاً ثم يقول: أن الكل حق وصواب: مع أنه من المعلوم أن الحق لا يتعدد، ومن علامات الكذب أن يختلف أقوال الرجل ويتضارب آراؤه.
وأما الشيعة فلا يوجد عندهم قول في مسألة إلا ويخالفه قول آخر حتى لا يوجد راو من رواتهم الحديث إلا وفيه قولان، قول يوثقه، وقول يضعفه، ولا يضعفه فحسب بل يحطه في أسفل السافلين ويجعله ألعن الملعونين.
رواة الشيعة
وخير مثال لذلك محدثهم الكبير وراويهم الشهير زرارة بن أعين صاحب "الأئمة الثلاثة" موسى، وجعفر، والباقر، وفيذكره المترجمون الشيعة، يمدحونه في صفحة ويذمونه في صفحة أخرى، يجعلونه من أهل الجنة مرة وأهل النار مرة أخرى، ويعدونه من أخلص المخلصين تارة، ومن ألد الناس تارة.
فمثلاً يذكر الكشي تحت ترجمة زرارة بسنده "قال أبو عبد الله (الجعفر) "ع": يا زرارة! إن اسمك في أسامي أهل
стр. 172
الجنة". . . (١).
وقال أبو عبد الله: أحب الناس إلي أحياء وأمواتاً أربعة بريد بن معاوية، وزرارة، ومحمد بن مسلم، والأحول، وهم أحب الناس إلي أحياء أو أمواتاً" (٢).
وقال أبو عبد الله أيضاً: رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي" (٣).
وقال ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة، وأبو بصير، ومحمد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة" (٤).
ثم هذا هو زرارة بن أعين الذي قال فيه الجعفر هذا نفسه عن ابن أبي حمزة عن أبي عبد الله "ع" قال: قلت: والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم".
قال: أعاذنا الله وإياك من ذلك الظلم، قلت ما هو قال: هو والله ما أحدث زرارة وأبو حنيفة وهذا الضرب، قال قلت: (يعني ابن أبي حمزة) الزنا معه قال: الزنا، ذنب" (٥).
стр. 173
وأكثر من ذلك "عن زياد بن أبي الحلال قال: قال أبو عبد الله "ع": لعن الله زرارة، لعن الله زرارة، لعن الله زرارة" (١).
وعن ليث المرادي قال: سمعت أبا عبد الله "ع" يقول: "لا يموت زرارة إلا تائها" (٢).
وعن علي القصير قال: استأذن زرارة بن أعين وأبو الجارود على أبي عبد الله "ع" قال: يا غلام أدخلهما فإنهما عجلا المحيا وعجلا الممات" (٣).
ويقول في نفس الرجل الذي قال فيه: لولا زرارة لاندرست أحاديث أبي، وقال: يا زرارة إن اسمك في أسامي أهل الجنة: يقول هذا إمامه وأما خلفه فيقول: إن ذا من مسائل آل أعين، ليس من ديني ولا دين آبائي" (٤).
ثم نفس الزرارة هذا، قال فيه ابن جعفر أبو الحسن موسى الإمام السابع لهم: والله كان زرارة مهاجراً إلى الله تعالى" (٥).
وأيضاً عن ابن أبي منصور الواسطي قال سمعت أبا الحسن "ع" يقول" إن زرارة شك في إمامتي فاستوهبته من الله تعالى" (٦).
стр. 174
وجدّ أبي الحسن أبو جعفر الباقر يقول عن زرارة حينما سأله عن جوائز العمّال فقال (أبو جعفر): لا بأس به، ثم قال: إنما أراد زرارة أن يبلغ هشاماً (الخليفة) أني أحرم السلطان" (١).
يعني أن زرارة خائن ومن جواسيس الخلفاء الأمويين ولكن ابنه جعفر أبو عبد الله يمدحه بعد وفات أبيه ثم يذمه، ثم ابنه أي ابن أبي جعفر أبا الحسن موسى يمدحه مع أن أباه أبا عبد الله قال فيه، حينما سأل أحد شيعته: متى عهدك بزبارة؟ قلت: ما رأيته منذ أيام قال: لا تبالي، وإن مرض فلا تعده، وإن مات فلا تشهد جنازته، قال: (الراوي) قلت: زرارة؟ متعجباً مما قال (أبو عبد الله) قال: (أبو عبد الله): نعم زرارة شر من اليهود والنصارى ومن قال إن الله ثالث ثلاثة" (٢).
стр. 175
فهذا شأن قطب من أقطاب الشيعة الذي أدرك ثلاثة من الأئمة، يتضارب فيه الأقوال الثلاثة من "المعصومين" الذين لا ينطقون إلا بالوحي والإلهام" وقد صدق الله حيث قال: ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي ولم يوحى إليه شيء" (١).
وقال: لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً" (٢).
وقال: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون" (٣).
وقال: جل مجده: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون" (٤).
ومثل هذا كثير، بل هذا دأبهم مع الجميع، مثل محمد بن
стр. 176
مسلم، وأبي بصير، وحمران بن أعين وغيرهم كبار الشيعة وأئمة رواتهم يبشرون بالجنة ويعدونهم من أخلص المخلصين، ويذمونهم مرة ويكفرونهم وينذرونهم بالنار.
لم قالوا بالتقية
ولقد بين الشيعة الأسباب التي لأجلها اختاروا التقية ويختارونها ولكن اختلفوا فيها كما اختلفوا في الأمور كلها.
فقد قال طائفة: التقية أمر واجب حفظاً للنفس والعرض والمال" (١).
وقال شيخ الطائفة الطوسي في تفسيره: التبيان: التقية واجبة عن الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق. . . . . ثم قال: ويظهر من قصة مسيلمة أن التقية رخصةوالإفصاح بالحق فضيلة" (٢).
وقال الشيخ الصدوق: والتقية واجبة لا يجوز رفعها إلى أن يخرج القائم فمن تركها قبل خروجه فقد خرج عن دين الإمامية وخالف الله ورسوله والأئمة، وسئل الصادق ﵇ عن قول الله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ قال: أعملكم بالتقية" (٣).
стр. 177
ونقلوا عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال: التقية من أفضل أعمال المؤمن يصون بها نفسه وإخوانه من الفاجرين" (١).
وقال طائفة: أنها واجبة سواء كان صيانة للنفس أو لغيرها، فيروي الكليني عن زرارة عن أبي جعفر ﵇ قال: التقية في كل ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به" (٢).
وقد روى الصدوق عن جابر: قال قلت يا رسول الله إن الناس يقولون أن أبا طالب مات كافراً، قال: يا جابر ربك أعلم بالغيب أنه لما كانت الليلة التي أسري بي إلى السماء انتهيت إلى العرش فرأيت أربعة أنوار فقيل لي: هذا عبد المطلب، وهذا عمك أبو طالب، وهذا أبوك عبد الله، وهذا ابن عمك جعفر بن أبي طالب، فقلت: إلهي لم نالوا هذه الدرجة، قال بكتمانهم الإيمان ولإظهارهم الكفر حتى ماتوا على ذلك" (٣).
وقال طائفة أنها جائزة دفاعاً عن النفس، فقال الطبرسي مفسر الشيعة: وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عن الخوف على النفس" (٤).
ويقول الطوسي بعد ذكر رواية الحسن في قصة مسيلمة:
стр. 178
فعلى هذا التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة" (١).
ويقول لطف الله الصافي في كتابه "مع الخطيب: نعم رأى الشيعة جواز التقية وقد عملوا بها في الأجيال التي تغلب على البلاد الإسلامية أمراء الجور وحكام جبابرة مثل معاوية ويزيد والوليد والمنصور. . . ." (٢).
وقال السيد على إمام العالم الشيعي الهندي: أن الإمامية يرون جواز التقية حفظاً على النفس والمال" (٣).
ويروي الكليني عن زرارة عن أبي جعفر قال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحداً (٤) شرب المسكر ومسح الخفين ومتعة الحج" (٥).
وذكر ابن بابويه القمي مثل هذه الرواية في كتابه: قال الإمام ﵇: ثلاثة لا أتقي فيها أحداً شرب المسكر والمسح على الخفين ومتعة الحج" (٦).
والحق أن الشيعة يرون التقية واجبة في جميع الأمور سواء كان للحفظ على النفس أو غير ذلك.
بل الصحيح أنهم تعودوا الكذب فسوغوه وسموه بغير اسمه ثم وضعوا الأحاديث في فضله.
стр. 179
واحتاجوا أيضاً إلى التقية والتجأوا إليها حينما عرفوا من أئمتهم أقوالاً متضاربة وآراء متناقضة. فلما اعترض عليهم أن أئمتهم الذين يزعمون أنهم معصومون عن الخطأ والنسيان كيف اختلفوا في شيء واحد، فجوزوه مرة وحرموه تارة أخرى، وقالوا بشيء في وقت ثم قالوا بنقيض ذلك في وقت آخر؟ لم يجدوا الجواب إلا أن قالوا: أنهم قالوا أي الأئمة هذا أو ذاك تقية، وقد اعترف بهذا المنصفون من الشيعة.
أمثلة لذلك
فيذكر أبو محمد الحسن النوبختي من أعلام الشيعة في القرن الثالث عن عمر بن رباح أنه سأل أبا جعفر ﵇ عن مسألة، فأجابه فيها بجواب، ثم عاد إليه في عام آخر فسأله عن تلك المسألة بعينها فأجابه فيها بخلاف الجواب الأول، فقال لأبي جعفر: هذا خلاف ما أجبتني في هذا المسألة العام الماضي، فقال له: إن جوابنا ربما خرج على وجه التقية، فشكك في أمره وإمامته، فلقي رجلاً من أصحاب أبي جعفر يقال له محمد بن قيس، فقال له: إني سألت أبا جعفر عن مسألة فأجابني فيها بجواب، ثم سألته عنها في عام آخر، فأجابني فيها بخلاف جوابه الأول، فقلت له: لم فعلت ذلك؟ فقال: فعلته للتقية وقد علم الله أني ما سألته عنها إلا وأنا صحيح العزم على التدين بما يفتيني به، وقبوله في العمل به، فلا وجه لاتقائه إياي وهذه حالي، فقال له
стр. 180
محمد بن قيس: فلعله حضرك من اتقاه، فقال ما حضر مجلسه في واحدة من المسألتين غيري ولكن جوابيه جميعاً خرجا على وجه التخبت، ولم يحفظ ما أجابه في العام الماضي فيجيب بمثله، فرجع (عمر بن رباح) عن إمامته وقال: لا يكون إماماً من يفتي بالباطل على شيء بوجه من الوجوه ولا في حال من الأحوال، ولا يكون إماماً من يفتي تقية بغير ما يجب عند الله ولا من يرخي ستره، ويغلق بابه، ولا يسع الإمام إلا الخروج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (١).
وروى الكليني عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (الباقر) قال: سألته عن مسألة فأجابني، ثم جاءه رجل، فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني وأجاب صاحبي فلما خرج رجلان قلت: يا ابن رسول الله رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت صاحبه، فقال: يا زرارة إن هذا خير لنا ولكم - قال: فقلت لأبي: شيعتكم لوحملتموهم على الأسنة أو النار لمضوا وهم يخرجون من عندك مختلفين" (٢).
وروى الكشي مثل هذا عن ابنه جعفر الإمام السادس، فيقول: حدثني أبو عبد الله. . . . . عن محمد بن عمر، قال: