ووافق القمي والكليني ره جماعة من أصحابنا المفسرين كالعياشي والنعماني وفرات بن إبراهيم وغيرهم، وهو مذهب أكثر محققي محدثي المتأخرين، وقول الشيخ الأجل أحمد بن أبي طالب الطبرسي كما ينادي به كتابه الاحتجاج وقد نصره شيخنا العلامة باقر علوم أهل البيت ﵇ وخادم أخبارهم ﵇ في كتابه بحار الأنوار، وبسط الكلام فيه ما لا مزيد عليه.
وعندي في وضوح صحة ذا القول بعد تتبع الأخبار وتفحص الآثار بحيث يمكن الحكم بكونه من ضروريات مذهب التشيع، وإنه من أكبر مفاسد غصب الخلافة فتدبر حتى تعلم توهم الصدوق ره في هذا المقام حيث قال في اعتقاداته بعد أن قال: اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه هو ما بين الدفتين وما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك وأن من نسب إلينا أنا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب: وتوجيه كون مراده علماء قم فاسد، إذ علي بن إبراهيم الغالي في هذا القول منهم، نعم قد بالغ في إنكار هذا الأمر السيد المرتضى ره في جواب المسائل الطرابلسبيات. وتبعه أبو علي الطبرسي في مجمع البيان حيث قال: أما الزيادة في القرآن فمجمع على بطلانه.
وأما النقصان فيه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً ونقصاناً والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذي نصره المرتضى قدس روحه وكذا تبعه شيخ الطوسي في التبيان حيث قال: وأما الكلام في زيادته ونقصانه يعني القرآن فما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه وأما النقصان منه فالظاهر أيضاً من المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا: كما نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة العامة والخامسة بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شيء منه من موضع إلى موضع، لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً
стр. 72
فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحية لا يعترضه أحد من الأئمة ولا يدفعه، ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه فما وافقه عمل عليه وما يخالفه يجتنب ولا يلتفت إليه وقد وردت عن النبي ﷺ رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض وهذا يدل على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر الأمر بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به، كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه.
أقول: أما ادعائهم عدم الزيادة أي زيادة آية أو آيات مما لم يكن من القرآن فالحق كما قالوا إذا لم نجد في أخبارنا المعتبرة ما يدل على خلافه سوى ظاهر بعض فقرات خبر الزنديق في الفصل السابق وقد وجهناه بما يندفع عنه هذا الاحتمال، وقد مر في الفصل الأول وفي روايات العياشي أن الباقر ﵇ قال أن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ولم يزد فيه إلا حروف قد أخطأت بها الكتبة وتوهمها الرجال، وأما كلامهم في مطلق التغيير والنقصان فبطلانه بعد أن نبهنا عليه أوضح من أن يحتاج إلى بيان وليت شعري كيف يجوز لمثل الشيخ أن يدعي أن عدم النقصان ظاهر الروايات مع أنا لم نظفر على خبر واحد يدل عليه، نعم دلالتها على كون التغيير الذي وقع غير مخل بالمقصود كثيراً خلال كحذف اسم علي وآل محمد ﷺ وحذف أسماء المنافقين وحذف بعض الآيات وكتمانه ونحو ذلك وأن ما بأيدينا كلام الله وحجة علينا كما ظهر من خبر طلحة السابق في الفصل الأول مسلمة، ولكن بينه وبين ما ادعاه بون بعيد وكذا
стр. 73
قوله ﵀ وأن الأخبار الدالة على التغيير والنقصان من الأحاد التي لا توجب علماً، مما يبعد صدوره عن مثل الشيخ لظهور أن الآحاد التي احتج بها الشيخ في كتبه وأوجب العمل عليها في كثير من مسائله الخلافية ليست بأقوى من هذه الأخبار لا سنداً ولا دلالة على أنه من الواضحات البينة أن هذه الأخبار متواترة معنى، مقترنة بقرائن قوية موجبة للعلم العادي بوقوع التغيير ولو تمحل أحد للشيخ بأن مراده أن هذه الأخبار ليست بحد معارضة ما يدل على خلافها من أدلة المنكرين، فجوابه بعد الإغماض عن كونه تمحلاً سمحاً ما سنذكره من ضعف مستند المنكرين.
ومن الغرائب أيضاً أن الشيخ ادعى إمكان تأويل هذه الأخبار وقد أحطت خبراً بأن أكثرها مما ليس بقابل للتوجيه، وأما قوله ره ولو صحت الخ فمشتملة على أمور غير مضرة لنا بل بعضها لنا لا علينا إذ:
منها عدم استلزام صحة أخبار التغيير والنقص الطعن على ما في هذه المصاحف، بمعنى عدم منافاة بين وقوع هذا النوع من التغيير وبين التكليف بالتمسك بهذا المغير، والعمل على ما فيه لوجوه عديدة كرفع الحرج ودفع ترتب الفساد وعدم التغيير بذلك عن إفادة الأحكام ونحوها وهو أمر مسلم عندنا ولا مضرة فيه علينا بل به نجمع بين أخبار التغيير وما ورد في اختلاف الأخبار من عرضها على كتاب الله والأخذ بالموافق له.
ومنها استلزام الأمر بالتمسك بالثقلين ووجود القرآن في كل عصر ما دام التكليف، كما أن الإمام ﵇ الذي قرينه كذلك ولا يخفى أنه أيضاً غير ضار لنا بل نافع إذ يكفي في وجوده في كل عصر وجوده جميعاً كما أنزل الله مخصوصاً عند أهله أي الإمام الذي قرينه ولا يفترق عنه، ووجود ما احتجنا إليه عندنا وإن لم نقدر على الباقي كما أن الإمام الذي هو الثقل الآخر أيضاً كذلك لا سيما في زمان الغيبة فإن الموجود عندنا حينئذ أخباره وعلماؤه القائمون مقامه، إذ من
стр. 74
الظواهر أن الثقلين سيان في ذلك، ثم ما ذكره السد المرتضى لنصرة ما ذهب إليه: أن العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار والكتب المشهورة وأشعار العرب المسطورة فإن العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته وبلغت حداً لم تبلغه فيما ذكرناه لأن القرآن معجزة النبوة ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية وعلماء المسلمين قد بالغوا في حفظه وحمايته الغاية حتى عرفوا كل شيء اختلفوا فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته فكيف يجوز أن يكون مغيراً أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد.
وذكر أيضاً: أن العلم بتفصيل القرآن وأبعاضه في صحة نقله كالعلم بجملته وجرى ذلك مجرى ما علم ضرورة من الكتب المصنفة ككتاب سيبويه والمازني مثلاً فإن أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفاصيلها ما يعلمونه من جملتها حتى لو أن مدخلاً أدخل في كتاب سيبويه مثلاً باباً في النحو ليس من الكتاب يعرف ويميز ويعلم أنه ليس من الكتاب إنما هو ملحق، ومعلوم أن العناية بنقل القرآن وضبطه أصدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء. وجوابه: إنا لا نسلم توفر الدواعي على ضبط القرآن في الصدر الأول وقبل جمعه كما ترى غفلتهم عن كثير من الأمور المتعلقة بالدين، ألا ترى اختلافهم في أفعال الصلاة التي كان النبي ﷺ يكررها معهم في كل يوم خمس مرات على طرفي النقيض؟ ألا تنظر إلى أمر الولاية وأمثالها؟ وبعد التسليم نقول أن الدواعي كما كانت متوفرة على نقل القرآن وحراسته من المؤمنين كذلك كانت متوفرة على تغييره من المنافقين المبدلين للوصية المغيرين للخلافة لتضمنه ما يضاد رأيهم وهو أهم، والتغيير فيه إنما وقع قبل انتشاره في البلدان واستقراره على ما هو عليه الآن والضبط الشديد إنما كان بعد ذلك فلأننا في بينهما.
وأيضاً أن القرآن الذي هو الأصل الموافق لما أنزل الله سبحانه لم يتغير ولم يحرف بل هو على ما هو عليه محفوظ عند أهله وهم العلماء به، فلا تحريف كما صرح به الإمام في حديث سليم الذي مر من كتاب الاحتجاج في الفصل الأول
стр. 75
من مقدمتنا هذه، وإنما التغيير في كتابه المغيرين إياه وتلفظهم به فإنهم ما غيروا إلا عند نسخهم القرآن فالمحرف إنما هو ما أظهروه لأتباعهم، والعجب من مثل السيد أن يتمسك بأمثال هذه الأشياء التي هي محض الاستبعاد بالتخيلات في مقابل متواتر الروايات فتدبر.
ومما ذكر أيضاً لنصرة مذهبه طاب ثراه: أن القرآن كان على عهد رسول الله ﷺ مجموعاً مؤلفاً على ما هو عليه الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى عين علي جماعة من الصحابة في حفظهم له وإن كان يعرض على النبي ويتلى، وأن جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي ﷺ عدة ختمات وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوت وذكر أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته.
وجوابه: أن القرآن كان مجموعاً في عهد النبي ﷺ على ما هو عليه الآن غير ثابت بل غير صحيح وكيف كان مجموعاً وإنما كان ينزل نجوماً وكان لا يتم إلا بتمام عمره، ولقد شاع وذاع وطرق الأسماع في جميع الأصقاع أن علياً ﵇ قعد بعد وفات النبي ﷺ في بيته أياماً مشتغلاً بجمع القرآن، وأما درسه وختمه فإنما كانوا يدرسون ويختمون ما كان عندهم منه لإتمامه، ومن أعجب الغرائب أن السيد ره حكم في مثل هذا الخيار الضعيف الظاهر خلافه بكونه مقطوع الصحة حيث أنه كان موافقاً لمطلوبه واستضعف الأخبار التي وصلت فوق الاستفاضة عندنا وعند مخالفينا بل كثرت حتى تجاوزت عن المائة مع موافقتها للآيات والأخبار التي ذكرناها في المقالة السابقة كما بينا في آخر الفصل الأول من مقدمتنا هذه،
стр. 76
ومع كونها مذكورة عندنا في الكتب المعتبرة المعتمدة كالكافي مثلاً بأسانيد معتبرة وكذا عندهم في صحاحهم كصحيحي البخاري ومسلم مثلاً اللذين هما عندهم كما صرحوا به تالي كتاب الله في الصحة والاعتماد بمحض أنها دالة على خلاف المقصود وهو أعرف بما قال والله أعلم.
ثم ما استدل به المنكرون بقوله: إنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: وقوله سبحانه إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون: فجوابه بعد تسليم دلالتها على مقصودهم ظاهر مما بيناه من أن أصل القرآن بتمامه كما أنزل الله محفوظ عند الإمام ووراثه عن علي ﵇ فتأمل والله الهادي" نص ما أورده السيد هاشم البحراني في مقدمة تفسيره (١).
كما رد عليهم فيمن رد محدث القوم السيد نعمت الله الجزائري في كتابه (الأنوار النعمانية في بيان معرفة النشأة الإنسانية)، الذي كتب في مقدمته:
"وقد التزمنا أن لا نذكر فيه إلا ما أخذنا عن أرباب العصمة الطاهرين ﵈، وما صحّ عندنا من كتب الناقلين، فإن كتب التواريخ أكثرها. . . . قد نقله الجمهور من تواريخ اليهود، ولهذا كان أكثر فيها من الأكاذيب الفاسدة، والحكايات الباردة".
يقول في هذا الكتاب بعد ذكر القراءات وحيثيتها:
إن تسليم تواترها عن الوحي الإلهي وكون الكل قد نزر به الروح الأمين يفضي إلى طرح الأخبار المستفيضة بل المتواترة الدالة بصريحها على وقوع التحريف في القرآن كلاماً ومادة وإعراباً مع أن أصحابنا قد أطبقوا على صحتها والتصديق بها، نعم قد خالف فيها المرتضى والصدوق والشيخ الطبرسي وحكموا بأن ما بين دفتي هذا المصحف هو القرآن المنزل لا غير ولم يقع فيه تحريف ولا تبديل ومن هنا ضبط شيخنا الطبرسي آيات القرآن وأجزاءه فروى عن النبي
стр. 77
أن جميع سور القرآن مائة وأربعة عشر سورة وجميع آيات القرآن ستة آلاف آية ومائة آية وستة وثلاثون آية وجميع حروف القرآن ثلث مائة ألف حرف وإحدى وعشرون ألف حرف ومائتان وخمسون حرفاً.
والظاهر أن هذا القول إنما صدر منهم لأجل مصالح كثيرة منها سد باب الطعن عليه بأنه إذا جاز هذا في القرآن فكيف جاز العمل بقواعده وأحكامه مع جواز لحوق التحريف له، وسيأتي الجواب عن هذا كيف وهؤلاء الأعلام رووا في مؤلفاتهم أخباراً كثيرة تشتمل على وقوع تلك الأمور في القرآن وأن الآية هكذا ثم غيرت إلى هذا، الرابع أنه قد حكى شيخنا الشهيد طاب ثراه عن جماعة عن القراء أنهم قالوا ليس المراد بتواتر السبع أو العشر أن كل ما ورد من هذه القراءات متواتر بل المراد انحصار المتواتر الآن فيما نقل من هذه القراءة فإن بعض ما نقل عن السبعة شاذ فضلاً عن غيرهم، فإذا اعترف القراء بمثل هذا فكيف ساغ لنا الحكم على هذه القراءة كلها بالتواتر كما قاله العلامة طاب ثراه في كتاب المنتهى، وكيف ظهرت لنا القراءة المتواترة حتى نقرأ بها في الصلاة وكيف حكمنا بأن الكل قد نزر به الروح الأمين فإن هذا القول منهم رجوع عن التواتر، الخامس أنه قد استفاض في الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين بوصية من النبي فبقي بعد موته ستة أشهر مشتغلاً بجمعه، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله فقال لهم هذا كتاب الله كما أنزل فقال له عمر بن الخطاب لا حاجة لنا إليك ولا إلى قرائتك عندنا قرآن جمعه وكتبه عثمان، فقال: لن تروه بعد هذا اليوم ولا يراه أحد حتى يظهر ولدي المهدي وفي ذلك القرآن زيادات كثيرة وهو خال عن التحريف، وذلك أن عثمان قد كان من كتاب الوحي لمصلحة رآها وهي أن لا يكذبوه في أمر القرآن بأن يقولوا أنه مفترى أو أنه لم ينزل به الروح الأمين كما قال أسلافهم بل قالوه هم أيضاً، وكذلك جعل معاوية من الكتاب قبل موته ستة أشهر لمثل هذه المصلحة أيضاً، وعثمان وأضرابه ما كانوا يحضرون
стр. 78
إلا في المسجد مع جماعة الناس فما كانوا يكتبون إلا ما نزل به جبرئيل بين الملأ وأما الذي كان يأتي به داخل بيته فلم يكن يكتبه إلا أمير المؤمنين لأن له المحرمية دخولاً وخروجاً فكان يتفرد بكتابة مثل هذا وهذا القرآن الموجود الآن في أيدي الناس هو خط عثمان وسموه الإمام وأحرقوا ما سواه وأخفوه وبعثوا به زمن تخلفهم إلى الأقطار والأمصار، ومن ثم ترى قواعد العربية مثل كتابة الألف بعد الواو المفردة وعدمها بعد واو الجمع وغير ذلك وسموه رسم الخط القرآني ولم يعلموا أنه من عدم اطلاع عثمان على قواعد العربية والخط، وقد أرسل عمر بن الخطاب زمن خلافته إلى علي بأن يبعث له القرآن الأصلي الذي هو ألفه وكان يعلم أنه إنما طلبه لأجل أن يحرفه كقرآن ابن مسعود أو يخفيه عنده حتى يقول الناس أن القرآن هو هذا الذي كتبه عثمان لا غير فلم يبعث به إليه، وهو الآن موجود عند مولانا المهدي مع الكتب السماوية ومواريث الأنبياء.
ولما جلس أمير المؤمنين على سرير الخلافة لم يتمكن من إظهار ذلك القرآن وأخفاه، هذا لما فيه من إظهار الشنعة على من سبقه، كما لم يقدر على النهي عن صلاة الضحى وكما لم يقدر على إجراء متعة النساء حتى قال لولا سبقني ابن الخطاب ما زنى إلا شقاء يعني إلا جماعة قليلة لإباحة المتعة، وكما لم يقدر على عزل شريح عن القضاء ومعاوية عن الإمارة، وقد بقي القرآن الذي كتبه عثمان حتى وقع إلى أيدي القراء فتصرفوا فيه بالمد والإدغام والتقاء الساكنين مثل ما تصرف فيه عثمان وأصحابه وقد تصرفوا في بعض الآيات تصرفاً فنفرت الطباع منه وحكم العقل بأنه ما نزل هكذا، وفي قريب هذه الأعصار ظهر رجل اسمه سجاوند أو نسبة إلى بلده فكتب هذه الرموز على كلمات القرآن وعلمه بعلامات أكثرها لا يوافق تفاسير الخاصة ولا تفاسير العامة، والظاهر أن هذا أيضاً إذا مضت عليه مدة مديدة يدعي فيه التواتر وأنه جزء القرآن فيجب كتابته واستعماله، والحاصل أن الغارة إذا وقعت اشترك فيه العدو والولي (١).
стр. 79
وأما النوري الطبرسي فلقد رد أيضاً على هؤلاء الأربعة بقوله:
الثاني عدم وقوع التغيير والنقصان فيه وأن جميع ما نزل على رسول الله ﷺ هو الموجود بأيدي الناس فيما بين الدفتين وإليه ذهب الصدوق في عقائده والسيد المرتضى وشيخ الطائفة في التبيان ولم يعرف من القدماء موافق لهم إلا ما حكاه المفيد عن جماعة من أهل الإمامة والظاهر أنه أراد منها الصدق واتباعه، ولا بأس بنقل عباراتهم. ففي العقائد، اعتقادنا أن القرآن الذي أنزل الله تعالى على نبيه محمد ﷺ هو ما بين الدفتين ليس بأكثر من ذلك قال: ومن نسب إلينا أنا نقول أنه أكثر من ذلك فهو كاذب، ثم استدل على ذلك بإطلاق لفظ القرآن على هذا الموجود في الأخبار ثم حمل ما ورد من الحذف والنقصان على أنه من الوحي الذي ليس بقرآن ثم ذكر بعض الأحاديث القدسية وقال: ومثل هذا كثير، كله وحي ليس بقرآن ولو كان قرآناً لكان مقروناً به وموصولاً إليه غير مفصول عنه، كما كان أمير المؤمنين ﵇ جمعه فلما جاء به فقال: هذا كتاب ربكم كما أنزل على نبيكم لم يزد فيه حرف ولم ينقص منه حرف فقالوا: لا حاجة لنا فيه عندنا مثل الذي عندك فانصرف وهو يقول: فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون: انتهى، وظاهر قوله: اعتقادنا وقوله: نسب إلينا، وإن كان اعتقاد الإمامية والنسبة إليهم إلا أنه قد ذكر في هذا الكتاب ما لم يقل به أحد غيره، أو قال به قليل كعده مثله في الأمالي من دين الإمامية، وقد أشار المفيد في شرحه وطعن عليه بما لا مزيد عليه وربما يوجه أن مراده منهم علماء، ثم كما ذكر في موضع آخر أن علامة الغلاوة والمفوضة نسبتهم مشائخ قم وعلمائهم إلى التقصير، وفيه أن من مشائخ القميين علي بن إبراهيم الغالي في القول بالتغيير وكذا الصفار، والأولى توجيهه بما توجه به كلام السيد والشيخ، والخبر الذي استشهد به يدل على نقيض مطلوبه بل كلامه في معاني الأخبار مخالف لما ذكره، هذا ويأتي ذكره في الأخبار الخاصة، وقد ذكر، الثاني بعد
стр. 80
الاستدلال على مذهبه بتوفر الدواعي كما يأتي وجملة كلام تقدم ذكره، أن من خالف في ذلك من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنوا صحتها لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته انتهى.
قلت قد عد هو في الشافي والشيخ في تلخيصه من مطاعن عثمان ومن عظيم ما أقدم عليه جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف وإبطاله ما شك أنه من القرآن ولولا جواز كون بعض ما أبطله أو جميعه من القرآن لما كان ذلك طعناً، وقال الشيخ ﵀ أما الكلام في زيادته ونقصانه يعني القرآن فمما لا يليق به لأن الزيادة فيه مجمع على بطلانه والنقصان منه فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا كما نصره المرتضى وهو الظاهر من الروايات غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة العامة والخاصة بنقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع لكن طريقها الآحاد التي لا توجب علماً فالأولى الإعراض عنها وترك التشاغل لها لأنه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بين الدفتين فإن ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءة والتمسك بما فيه ورد ما يرد من اختلاف الأخبار في الفروع إليه وعرضها عليه، فما وافقه عمل عليه وما يخالفه يجتنب ولم يلتفت إليه، وقد وردت عن النبي ﷺ رواية لا يدفعها أحد أنه قال: إني مخلف فيكم الثقلين إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض، على أنه موجود في كل عصر لأنه لا يجوز أن يأمر الأمة بالتمسك بما لا تقدر على التمسك به كما أن أهل البيت ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت، وإذا كان الموجود بيننا مجمعاً على صحته فينبغي أن نتشاغل بتفسيره وبيان معانيه وترك ما سواه انتهى.
ويظهر للمتأمل فيه أن ميله إلى القول بعدم النقصان لعدم وجود دليل صالح
стр. 81
على النقصان لا لوجود دليل قاطع على العدم من توفر الدواعي على الحراسة وغيره بحيث يجب تأويل ما خالفه أو طرحه كما عليه السيد فالتقية في قوله وهو الأليق الخ إنما هي من حيث موافقة المذهب الصحيح من عدم جواز القول بشيء مخالف الأصل إلا بعد وجود دليل عليه يوجب العلم ولوجود هذه الموافقة في مورد ربما يدعي الشيخ والسيد إجماع الإمامية عليه وإن لم يظهر له قائل، وهذا هو المعتبر عند أصحابنا بالإجماع على القاعدة وبه صحح شيخنا الأنصاري تغمده الله برحمته الإجاعات المتعارضة من شخص واحد ومن معاصرين أو متقاربي العصر ورجوع المدعي عن الفتوى التي ادعى الإجماع فيها ودعوى الاجتماع في مسائل غي معنونة في كلام من يقدم على المدعى وفي مسائل قد اشتهر خلافها بعد المدعى بل في زمانه بل ما قبله، قال كل ذلك مبني على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه انتهى.
لكنه لا يدفع الإيراد عن الإجماعات المتعارضة التي لا تبتني على القاعدة كدعوى السيد الإجماع على أن صلاة الوسطى هي صلاة العصر، ودعوى الشيخ الإجماع على أنها هي الظهر، وليس مراده بالصحيح من مذهبنا أي مذهبنا في هذه المسألة إذاً ليقية شيء بشيء تحتاج إلى المغائرة بينهما ولو من حيث الكلية والفردية، فظهر أنه ليس فيه حكاية إجماع عليه، بل قوله كما نصره المرتضى صريح في عدمه بل في قلة الذاهبين إليه وظهر أيضاً أنه لو كان هناك أخبار جامعة لشرائط الحجية عند الشيخ لا يجوز عده من أصحاب هذا القول، ثم لا يخفى على المتأمل في كتاب التبيان أن طريقته فيه على نهاية المدارة والمماشاة مع المخالفين فإنك تراه اقتصر في تفسير الآيات على نقل كلام الحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن جريح والجبائي والزجاج وابن زيد وأمثالهم ولم ينقل عن أحد من مفسري الإمامية ولم يذكر خبراً عن أحد من الأئمة ﵈ إلا قليلاً في بعض المواضع لعله وافقه في نقله المخالفون بل عد الأولين في الطبقة الأولى من المفسرين الذين حمدت طرائقهم ومدحت مذاهبهم وهو بمكان من
стр. 82
الغرابة لو لم يكن على وجه المماشاة فمن المحتمل أن يكون هذا القول منه فيه على نحو ذلك ومما يؤيد كون وضع هذا الكتاب على التقية ما ذكره السيد الجليل علي بن طاؤس في سعد السعود وهذا لفظه: ونحن نذكر ما حكاه جدي أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي في كتاب التبيان وحمله التقية على الاقتصاد عليه من تفصيل المكي من المدني والخلاف في أوقاته إلخ.
وهو أعرف بما قال من وجوه لا يخفى على من اطلع على مقامه فتأمل. ويظهر من قوله وإذا كان الموجود بيننا الخ أن النزاع في قراءته ما روي بالآحاد لا في أصل وجود النقص ويومي إليه كلام السابق فإن أخباره بأن ما دل على النقصان روايات كثيرة يناقض قوله لكن طريقه الآحاد إلا أن يحمل على ما ذكرنا ويأتي إن شاء الله بيان سائر ما في كلماته في محله، وممن صرح بهذا القول الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان قال ﵀: فأما الزيادة فيه فمجمع على بطلانه وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامة أن في القرآن تغييراً أو نقصاناً والصحيح من مذهبنا خلافه وهو الذي نصره المرتضى: ثم ساق كلامه هذا ولكنه اعتمد في سورة النساء على أخبار تضمنت نقصان كلمة إلى أجل مسمى من آية المتعة وإلى طبقته لم يعرف الخلاف صريحاً إلا من هذه المشائخ الأربعة" (١).
وقال أحد علماء الشيعة في الهند في كتابه (عماد الإسلام في علم الكلام) (٢) رداً على المرتضى بعد ذكر اختلاف القراءات عن الشافي في الحديث:
أقول: وينقدح من ههنا أن مآل قول السيد المرتضى بعدم تطرق التغير والتحريف في القرآن أصلاً هو ما يكون بحسب الآية أو الآيتين، لا ما يشتمل
стр. 83
التغير بحسب مفردات الألفاظ أيضاً. وإلا فكلامه صريح ههنا في أن القرآن كان في زمان رسول الله مختلفة النسخ بحسب اختلاف القراءات" (١).
وابنه سلطان العلماء السيد محد دلدار علي يكتب في كتابه (ضربت حيدري (٢) بعد ذكر كلام المرتضى:
فإن الحق أحق بالاتباع، ولم يكن السيد علم الهدى معصوماً حتى يجب أن يطاع. فلو ثبت أنه يقول بعدم النقيصة مطلقاً لم يلزمنا اتباعه، ولا ضير فيه" (٣).
فهذا البعض من الكثير الذي ذكرناه من أهم كتب القوم (٤) في الحديث والتفسير والعقائد.
стр. 84
وقد ثبت من هذه الردود كلها أن القوم قاطبة كانوا يعتقدون التحريف في القرآن في الصدر الأول بما فيه الزيادة والنقصان كما ذكرناه في الباب الأول مستنداً بالروايات ومؤيداً بالأحاديث المروية من معصوميهم حسب زعمهم.
стр. 85
ثانياً: أن الشيعة أجمعهم كانوا على نفس العقيدة في الدور الثاني اللهم إلا من تظاهر بخلاف ذلك من الأربعة. وحتى لم يوافقهم تلامذتهم وأساتذتهم الأجلاء في ذلك مثل علي بن إبراهيم، والصفار من مشائخ ابن بابويه، والمفيد من مشيخة الطوسي وتلامذة ابن بابويه وغيرهم الكثيرين الكثيرين الذين ذكر أسماؤهم فيما قبل.
ثالثاً: أن الأربعة هؤلاء أيضاً لم يسندوا عقيدتهم في القرآن إلى معصوم أي إلى واحد من أئمة الاثنى عشر حيث أن مذهب الشيعة (حسب زعمهم) مبني على أقوال المعصومين وتعليماتهم، ولم تحصل لهؤلاء الأربعة العصمة، ولا حق لهم بتكوين وتخليق المذهب، كما لا عبرة بهم، وهم ليسوا من بناته ومؤسسيه. بل كل ما لهم هو حق النشر والترويج.
رابعاً: أن واحداً منهم لم يدرك زمن الأئمة المعصومين خلاف غيرهم القائلين بالتحريف، فإنهم أدركوهم، ورووا منهم مباشرة.
خامساً: أن كتب هؤلاء، التي أدرجوا فيها هذه العقيدة لم تعرض على المعصومين، ولا على الغائب المزعوم منهم، خلاف الكتب الأخرى التي نصت على التحريف عرضت عليهم، واستحسنوها.
стр. 86
سادساً: أنهم في باطنهم كانوا يعتقدون نفس العقيدة التي يعتقدها الآخرون، والتي هي من لوازم مذهب الشيعة.
سابعاً: لم يقولوا بهذه المقالة إلا مماشاة ومداراة لهم مع المسلمين.
ثامناً: أو قالوها تقية وخداعاً للسنة.
تاسعاً: أو لمصالح أخرى، وسداً لباب المطاعن من قبل المسلمين.
عاشراً: أنهم أنفسهم خالفوا هذه العقيدة عملياً حيث أدرجوا تلك الروايات والأحاديث التي تنص على التغيير والتحريف في القرآن في كتبهم.
فتلك عشرة كاملة وإنها كافية لمن أراد التبصر ومعرفة الحق.
стр. 87
الباب الثالث
عقيدة الشيعة في الدور الثالث من القرآن
إن شيعة الدور الأول قاطبة اعتقدوا أن القرآن مبدل ومغير فيه بما فيهم أئمتهم وبناة مذهبهم ومؤسسوا شريعتهم.
وكذلك شيعة الدور الثاني اللهم إلا الأربعة منهم، فإنهم تظاهروا الخلاف في ذلك، ولم يكن خلافهم مبنياً على منقول أو معقول، بل قالوا بتلك المقولة تقية (١). ومداراة للآخرين كما بيناه في الباب الثاني من هذا الكتاب، وكما صرح أحد علماء الشيعة في الهند أحمد سلطان أن علماء الشيعة الذين أنكروا التحريف في القرآن لا يحمل إنكارهم إلا على التقية (٢).
ثم جاء الدول الثالث، وأدرك علماء الشيعة وقادتها خطر هذا القول وعاقبته حيث أن التقول والاعتقاد به يهدم أساس مذهبهم وبناء عقائدهم من الولاية والإمامة والوصاية (٣) كما أشرنا إليها سابقاً، وهذا مع اجتثاث بنيانها واستئصال
стр. 88
بذرتها وقطع جذرتها، وإيقاع التشكيك في الكتب التي عليها مدار المذهب وأساس الأحكام، وهي منبع ومصدر المسائل والعبادات والمعاملات، وخاصة العقائد حيث بلغ عدد الروايات والأحاديث في هذه المسألة حد الاستفاضة والتواتر، وجاوزت ألفي حديث ورواية، كما قال الجزائري:
إن الأخبار الدالة على هذا تزيد على ألفي حديث، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد والمحقق الداماد، والعلامة المجلسي وغيره، بل الشيخ (أي الطوسي) أيضاً صرح في (التبيان) بكثرتها، بل ادعى تواترها جماعة" (١).
وقال الطبرسي:
واعلم أن تلك الأخبار منقولة من الكتب المعتبرة التي عليها معول أصحابنا في إثبات الأحكام الشرعية والآثار النبوية" (٢).
وقال خاتمة محدثي القوم الملا باقر المجلسي (٣) في مرآة العقول في شرح باب "إن القرآن كله لم يجمعه إلا الأئمة ﵈" ما لفظه:
لا يخفى أن هذا الخبر وكثيراً من الأخبار الصحيحة صريحة في نقص القرآن وتغييره وعندي أن الأخبار في هذا الباب متواترة معنى، وطرح جميعها يوجب رفع الاعتماد عن الأخبار رأساً، بل ظني أن الأخبار في هذا الباب لا يقصر عن أخبار الإمامة فكيف يثبتونها بالخبر، فإن قيل أنه يوجب رفع الاعتماد على القرآن
стр. 89
لأنه إذا ثبت تحريفه ففي كل آية يحتمل ذلك، وتجويزهم (أي الأئمة) عملنا بهذا القرآن ثبت بالآحاد فيكون القرآن بمنزلة خبر واحد في العمل، قلنا ليس كذلك إذ تقريرهم على قراءة هذا القرآن والعمل به متواتر معلوم إذا لم ينقل من أحد من الأصحاب أن أحداً من أئمتنا أعطاه قرآناً أو علمه قراءة وهذا ظاهر لمن تتبع الأخبار، ولعمري كيف يجترئون على التكلفات الركيكة في تلك الأخبار مثل ما قيل في هذا الخبر أن الآيات الزائدة عبارة عن الأخبار القدسية أو كانت التجزئة بالآيات أكثر وفي خبر لم يكن أن الأسماء كانت مكتوبة على الهامش على سبيل التفسير" (١).
وهذه العبارة صريحة وواضحة وصادقة في التعبير وظاهرة.
وعلى هذا تداركوا الأمر قبل أن يكبر، وكتبوا كتباً، وألفوا مصنفات، وخصصوا أجزاء لإثبات هذه العقيدة وبيانها، وتسابقوا إلى جمع الروايات، والرد على المخالفين. فلم يمض قرن ولا زمان إلا وقد أصدروا فيه كتباً عديدة مليئة من هذه الروايات من أئمتهم المعصومين، والردود على المنكرين ولو تقية. ذكرنا بعضاً منها في الباب الأول. والبعض الآخر سنذكرها في الباب الرابع عند ذكر (فصل الخطاب).
والجدير بالذكر أنه كما لم يخل زمان لم يكتب فيه مثل هذه الكتب من قبل القوم، فهكذا لم تخل بلدة في العالم يوجد فيها الشيعة إلا وقد ساهموا في نشر هذه الأباطيل وجمعها في كتب، وتخصيص القسم من مؤلفاتهم لبيان هذه العقيدة. فمثلاً القارة الهندية حيث يوجد فيها أكبر عدد للشيعة بعد إيران صنف فيها علماؤها أيضاً كتباً عديدة لبيان هذه العقيدة منها (استقصاء الأفهام واستيفاء الانتقام) للسيد حامد حسين الكهنوي.
ذكره الطهراني في (الذريعة) بقوله:
استقصاء الأفهام واستيفاء الانتقام في رد منتهى الكلام تصنيف بعض أهل
стр. 90
السنة، للأمير السيد حامد حسين بن الأمير قلى. . . . المتوفى بلكهنؤ سنة ١٣٠٦هـصاحب العبقات وغيره من التصانيف الكثيرة، المؤلفة أكثرها باللغة الفارسية لتعميم المنفعة. وهذا أيضاً فارسي مبسوط. . . واستقصى فيه البحث في المسألة المشهورة بتحريف الكتاب" (١).
ومنها (تصحيف كاتبين أو تاريخه قرآن مبين) كما ذكره صاحب (الذريعة): "تصحيف كاتبين أو تاريخه قرآن مبين لمرزا أحمد سلطان" (٢).
و (رشق النبال على أصحاب الضلال) للسيد ناصر حسين.
و" (مصباح الظلم) لشمس العلماء السيد امداد الإمام زيدي المستبصر العظيم آبادي مطبوع بلغة أردو" (٣).
و (ضربت حيدري) للسيد محمد دلدار علي.
و (عماد الإسلام) لأبيه السيد دلدار علي، وقد مر ذكرهما سابقاً.
و (الإنصاف في الاستخلاف) للمرزا أحمد علي:
"الإنصاف في تحقيق آية الاستخلاف لمرزا أحمد علي الأمر تسرى الهندي، المطبوع بلغة أردو" (٤) خصص فيها باباً لبيان هذه العقيدة.
وغير ذلك من الكتب الكثيرة التي كتبت خصيصاً لهذا الغرض، أو خصص قسم منها لأجل هذا.
стр. 91
فالحاصل أن كثيراً من علماء الشيعة وكبراءهم في الدور الثالث والأخير والممتد إلى زماننا هذا، صرحوا بهذه العقيدة وصنفوا فيها. وجل علمائهم - إن لم نقل كلهم - اعتقدوا ويعتقدون بهذه العقيدة. ولا يظهر خلاف هذه إلا من يريد التمويه والتزييف وخداع السنة. مثل الشيخ الجليل للشيعة محمد حسين آل كاشف الغطاء مؤلف (أصل الشيعة وأصولها)، وغيره من حذى حذوه وانتهج منهجه لاصطياد الناس وإيقاعهم في حبائهم وتغريرهم بالباطل. وأكبر دليل على ذلك أن كاشف الغطاء هذا قال في كتابه الذي لم يؤلفه للشيعة بل للسنة:
فمن اعتقد بالإمامة بالمعنى الذي ذكرناه فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص، وإذا اقتصر على تلك الأركان الأربعة فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم، تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته وغير ذلك لأنه بعدم الاعتقاد بالإمامة يخرج عن كونه مسلماً (معاذ الله) " (١).
مع أن من يعرف المباديات من مذهب الشيعة يعرفه أنه لا دين لمن لا يدين بالإمامة ولا إيمان لمن لا يؤمن بها (٢)، وكما قال المفيد شيخهم الأكبر في (كتاب المسائل):
اتفق الإمامية على من أنكر إمامة أحد من الأئمة، وجحد ما أوجب الله تعالى له من فرض إطاعته فهو كافر، ضال، مستحق الخلود في النار" (٣).
وأين هذا من ذاك؟
وأين كاشف الغطاء من المفيد؟
стр. 92
وبهذا يثبت قولنا أن هذه الكتب لم تؤلف لبيان عقائد الشيعة، بل ألفت تقية للمداراة والمماشاة، ولخداع المسلمين عامة وللسنة خاصة، وما الله بغافل عما يعملون.
ولإيضاح الحق الذي هو واضح من قبل، وإقامة البرهان على ما قلناه وهو مبرهن ثابت، نختار بعض المقتبسات من الكتب المختلفة المؤلفة في مختلف الفنون وفي مختلف الأزمان والأمكنة للكتاب والمؤلفين الذين لم نذكرهم في كتابنا (الشيعة والسنة)، أو لم نذكرهم في الأبواب السابقة من هذا الكتاب من المتأخرين أهل الدور الثالث، وأيضاً لم يأت ذكرهم في (فصل الخطاب).
نذكرها حتى لا يبقى مجال لمخادع أن يخدع، وماكر أن يمكر، ومشكك أن يشكك ويزيف ويوه، ولمنسحب أن ينسحب، ومعرف أن يعرض.
فنقول وبالله التوفيق:
نبدأ بالبحراني المتوفى سنة ١١٠٨هـ، المفسر الشيعي المشهور الذي خصص مواضع في مقدمة كتابه، وفي المجلد الأول من تفسيره لبيان عقيدته في القرآن. فيكتب في المقدمة الثانية من مقدمة كتابه تحت عنوان "بيان ما يوضح وقوع بعض تغيير في القرآن، وأنه السر في جعل الإرشاد إلى أمر الولاية والإمامة، والإشارة إلى فضائل أهل البيت وفرض طاعة الأئمة بحسب بطن القرآن وتأويله، والإشعار بذلك على سبيل التجوز والرموز والتعريض في ظاهر القرآن وتأويله" يكتب تحت هذا العنوان الطويل العريض ما نصه:
"اعلم أن الحق الذي لا محيص عنه بحسب الأخبار المتواترة الآتية وغيرها أن هذا القرآن الذي في أيدينا قد وقع فيه بعد رسول الله ﷺ شيء من التغييرات وأسقط الذي جمعوه بعده كثيراً من الكلمات والآيات وأن القرآن المحفوظ عما ذكر الموافق لما أنزله الله تعالى ما جمعه علي ﵇ وحفظه إلى أن وصل إلى ابنه الحسن ﵇ وهكذا إلى أن انتهى إلى القائم
стр. 93
عليه السلام وهو اليوم عنده صلوات الله عليه ولهذا كما قد ورد صريحاً في حديث سنذكره لما أن كان الله قد سبق في علمه الكامل صدور تلك الأفعال الشنيعة من المفسدين في الدين وأنهم بحيث كلما اطلعوا على تصريح بما يضرهم ويزيد في شأن علي ﵇ وذريته الطاهرين حاولوا إسقاط ذلك رأساً أو تغييره محرفين وكان في مشيته الكاملة ومن ألطافه الشاملة محافظة أو أمر الإمامة والولاية ومحارسة مظاهر فضائل النبي ﷺ والأئمة بحيث تسلم عن تغيير أهل التضييع والتحريف ويبقى لأهل الحق مفادها مع بقاء التكليف لم يكتف بما كان مصرحاً به منها في كتابه الشريف بل جعل جل بيانها بحسب البطون وعلى نهج التأويل وفي ضمن بيان ما تدل عليه ظواهر التنزيل وأشار إلى جمل من برهانها بطريق التجوز والتعريض والتعبير عنها بالرموز والتورية وسائر ما هو من هذا القبيل حتى تتم حججه على الخلائق جميعاً ولو بعد إسقاط المسقطين ما يدل عليها صريحاً بأحسن وجه وأجمل سبيل ويستبين صدق هذا المقال بملاحظة جميع ما نذكره في هذه الفصول الأربعة المشتملة على كل هذه الأحوال" (١).
ثم ذكر في الفصل الأول إحدى وعشرين رواية من أهم كتب القوم، نذكر منها أحد عشر رواية ما لم يرد ذكرها قبل، ونترك الباقي لورودها مقدماً في الأبواب السابقة.
الأول: روى علي بن إبراهيم في تفسيره بإسناده إلى أبي عبد الله ﵇ قال:
إن رسول الله ﷺ قال لعلي ﵇: إن القرآن خلف فراشي في الصحف والجريد والقراطيس، فخذوه، واجمعوه، ولا تضيعوه كما ضيعت اليهود التوراة، فانطلق علي ﵇ فجمعه في ثوب
стр. 94
أصفر، ثم ختم عليه في بيته، وقال: لا أرتدي حتى أجمعه. قال كان الرجل ليأتيه فيخرج إليه بغير رداء حتى جمعه.
وفي ثواب الأعمال بإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ﵇ قال سورة الأحزاب فيها فضائح الرجال والنساء من قريش وغيرهم يا ابن سنان إن سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها.
وفيه أيضاً كما مر في آخر الفصل الأول من المقالة الأولى عنه ﵇ أن القرآن فيه ما مضى وما يحدث وما هو كائن كانت فيه أسماء الرجال فألقيت وإنما الاسم الواحد منه في وجوه لا تحصى يعرف ذلك الوصاة.
وفيه عنه قال أن القرآن قد طرح منه آي كثيرة ولم يزد فيه إلا حروف قد أخطأت بها الكتبة وتوهمتها الرجال.
وفي كنز الفوائد بإسناده عن الصادق ﵇ أنه قال في حديث له ذكر فيه بعض ما محي من القرآن أن عمرو بن العاص قال على منبر مصر محي من القرآن ألف حرف بألف درهم وأعطيت مائة ألف درهم على أن يمحى إن شانئك هو الأبتر فقالوا لا يجوز ذلك معاوية فكتب إليه قد بلغني ما قلت على منبر ولست هناك وفي الكنز أيضاً عن الصدوق بإسناده عن ميسر قال سمعت الرضا ﵇ يقول: والله لا يرى منكم في النار اثنان لا والله ولا واحد قلت وأين ذلك من كتاب الله تعالى؟ قال ﵇ في سورة الرحمن هو قوله تعالى: فيومئذ لا يسئ عن ذنبه منكم أنس ولا جان فقلت له ليس فيها منكم قال: إن أول من غيرها ابن أروى وذلك أنها حجة عليه وعلى أصحابه ولو لم يكن فيها منكم لسقط عقاب الله عن خلقه إذ لم يسأل عن ذنبه أنس ولا جان فلمن يعاقب إذاً يوم القيامة وفي تفسير فرات بن إبراهيم بإسناده عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي جعفر ﵇ أنه قال في حديث له قال رسول الله ﷺ -
стр. 95
يا علي لا تخرج ثلاثة أيام حتى تؤلف كتاب الله كيلا يزيد فيه الشيطان فلم يزد فيه الشيطان شيئاً ولم ينقص منه شيئاً.
وفي غيبة النعماني عن ابن نباته قال سمعت علياً ﵇ يقول كأني بالعجم فساطيطهم في مسجد الكوفة يعلمون الناس القرآن كما أنزل، قلت: يا أمير المؤمنين أوليس هو كما أنزل؟ فقال لا محي منه سبعون من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم وما ترك أبو لهب إلا للإزراء على رسول الله ﷺ لأنه عمه، وتأتي متفرقة عند تفسير بعض الآيات والكلمات المغيرة روايات دالة على المقصود.
وفي كتاب الاحتجاج عن أبي ذر الغفاري أنه لما توفي رسول الله ﷺ جمع علي ﵇ القرآن وجاء به إلى المهاجرين والأنصار وعرضه عليهم لما قد أوصاه بذلك رسول الله ﷺ فلما فتحه أبو بكر خرج في أول صفحة فتحها فضائح القوم فوثب عمر وقال يا علي اردده فلا حاجة لنا فيه فأخذه علي ﵇ فانصرف ثم أحضر زيد بن ثابت وكان قارياً للقرآن فقال إن علياً جاءنا بالقرآن وفيه فضائح المهاجرين والأنصار وقد أردنا أن تؤلف لنا القرآن وتسقط عنه ما كان فيه فضيحة وهتك المهاجرين والأنصار فأجابه زيد إلى ذلك ثم قال فإن أنا فرغت من القرآن على ما سألتم وأظهر علي القرآن الذي ألفه أليس قد بطل كل ما عملتم؟ قال عمر فما الحيلة؟ قال زيد أنتم أعلم بالحيلة فقال عمر ما الحيلة دون أن نقتله ونستريح منه فدبروا في قتله علي يد خالد بن الولد ولم يقدروا على ذلك فلما استخلف عمر سئل علياً ﵇ أن تدفع إليهم القرآن ليحرفوه فيما بينهم فقال ي أبا الحسن إن كنت جئت به إلى أبي بكر فأت به إلينا حتى نجتمع عليه فقال ﵇ هيهات ليس إنما جئت به إلى أبي بكر لتقوم الحجة عليكم ولا تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا ما جئتنا به أن القرآن الذي عندي لا يمسه إلا المطهرون والأوصياء من ولدي، فقال عمر فهل وقت لإظهار معلوم؟ قال علي ﵇ نعم إذا قام القائم
стр. 96
من ولدي يظهره ويحمل الناس عليه فيجري السنة به صلوات الله عليه.
وفي الكتاب المذكور عن كتاب مسلم عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب أنه نقل كلاماً طويلاً جرى بينه وبني معاوية في محضر جماعة، منهم الحسن بن علي ﵉ إلى أن قال فقال الحسن ﵇: أن عمر أرسل إلى أبي أني أريد أن أجمع القرآن وأكتبه في مصحف فابعث إلي بما كتبت من القرآن، فأتاه وقال: تضرب والله عنقي قبل أن يصل إليك، وال: ولم؟ قال: لأن الله تعالى قال: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾: قال: إياي عني ولم يعنك ولا أصحابك، فغضب عمر وقال: إن ابن أبي طالب يحسب أن أحداً ليس عنده علم غيره، من كان يقرأ شيئاً من القرآن فليأتني به، فإذا جاء رجل وقرأ شيئاً وقرأ معه رجل آخر فيه كتبه وإلا لم يكتبه. ثم قال الحسن: وقد قالوا: ضاع منه قرآن كثير بل كذبوا والله بل هو مجموع محفوظ عند أهله. ثم قال ﵇ ثم أن عمر أمر قضاته وولاته أن اجتهدوا بآرائكم واقضوا بما ترون أنه الحق فما يزال هو وولاته قد وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي ليحتج بما عليهم، فتجتمع القضاة عند خليفتهم وقد حكموا في شيء واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم لأن الله تعالى لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب، الخبر.
وفي الكتاب المذكور أيضاً في جملة احتجاج علي ﵇ على جماعة من المهاجرين والأنصار أن طلحة قال له في جملة مسائلة عنه: يا أبا الحسن شيء أريد أن أسألك عنه، رأيتك خرجت بثوب مختوم، فقلت أيها الناس: إني لم أزل مشتغلاً برسول الله ﷺ بغسله وتكفينه ودفنه ثم اشتغلت بكتاب الله حتى جمعته فهذا كتاب الله عندي مجموعاً لم يسقط منه حرف واحد، ولم أر ذلك الذي كتبت وألفت وقد رأيت عمراً بعث إليك أن ابعث به غلي، فأبيت أن تفعل فدعا عمر بالناس فإذا شهد رجلان على آية كتبها وإن لم يشهد عليها غير رجل واحد رجاها فلم يكتب عمر. فقال عمر: وأنا أسمع أنه قتل يوم اليمامة قوم
стр. 97
كانوا يقرؤون قرآناً لا يقرأه غيرهم فقد ذهب وقد جاءت شاة إلى صحيفة وكتاب يكتبون فأكلتها وذهب ما فيها والكاتب يومئذ عثمان.
وسمعت عمر وأصحابه الذين ألفوا ما كتبوا على عهد عمر وعلى عهد عثمان يقولون أن الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة وأن النور نيف ومائة آية والحجر تسعون ومائة آية فما هذا وما يمنعك يرحمك الله أن تخرج كتاب الله إلى الناس.
وقد عهد عثمان حين أخذ ما ألف عمر فجمع له الكتاب وحمل الناس على قراءة واحدة فمزق مصحف ابن أبي كعب وابن مسعود وأحرقهما بالنار فقال له ﵇ يا طلحة إن كل آية أنزلها الله على محمد ﷺ عندي بإملاء رسول الله ﷺ وخط يدي، وتأويل كل آية أنزلها الله على محمد، وكل حلال وحرام، أو حد أو حكم، أو شيء يحتاج إليه الأمة إلى يوم القيامة فهو عندي مكتوب بإملاء رسول الله وخط يدي حتى أرش الخدس، قال طلحة: كل شيء من صغير أو كبير أو خاص أو عام كان أو يكون إلى يوم القيامة فهو عندك مكتوب؟ قال: نعم، وسر ذلك أن رسول الله ﷺ أسر إلي في مرضه مفتاح ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب، ولو أن الأمة منذ قبض رسول الله ﷺ اتبعوني وأطاعوني لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم وساق الحديث إلى أن قال ثم قال طلحة: لا أريك يا ابن الحسن أجبتني عما سألتك عنه من أمر القرآن ألا تظهره للناس؟ فقال: يا طلحة! عمداً كففت عن جوابك، فأخبرني عما كتب عمر وعثمان القرآن كله أم فيه ما ليس بقرآن؟ قال طلحة: بل قرآن كله، قال إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا، قال طلحة: حسبي أما إذا كان قرآناً فحسبي، ثم قال طلحة فأخبرني عما في يدك من القرآن وتأويله وعلم الحلال والحرام إلى من تدفعه ومن صار فيه بعدك؟ قال إن الذي أمرني رسول الله أن أدفعه إليه وصيي وأولى الناس بعدي
стр. 98
ابني الحسن، ثم يدفعه ابني الحسن إلى ابني الحسين، ثم يصير إلى واحد بعد واحد من ولد الحسين حتى يرد آخرهم على رسول الله ﷺ حوضه، هم مع القرآن لا يفارقونه، والقرآن معهم لا يفارقهم، الخبر.
وسيأتي في الفصل الثالث خبر آخر من كتاب الاحتجاج أيضاً مشتمل على التصريح بتغيير القرآن وعلى السر في جعل الإشارة إلى ما يتعلق بالإمامة على التعريض والتأويل وقد مر في الفصل الخامس من المقالة الثانية من المقدمة الأولى من حديث كتاب المختصر للحسن بن سليمان مشتمل على قول أبي محمد العسكري: أعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب. الخبر.
أقول: قد وردت في زيارات عديدة كزيارة الغدير وغيرها وفي الدعوات الكثيرة وكدعاء صنمي قريش وغيره عبارات صريحة في تحريف القرآن وتغييره بعد النبي ﷺ وكفى في هذا الباب ما ذكرناه في المقالة السالفة من الأخبار الدالة على اقتفاء هذه الأمة سنن من كان قبلهم من الأمم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. إذ من الأمور الجليلة الواضحة التي لا نكير فيها أن الأمم السابقة غيروا صحفهم وحرفوا كتبهم لا سيما التوراة والإنجيل كما هو صريح القرآن والأخبار، منها خبر أول هذا الفصل وقد مر في المقالة السابقة قول الباقر ﵇ أن بني إسرائيل اختلفوا كما اختلفت هذه الأمة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم صلوات الله عليه، يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم ويضرب أعناقهم، فتأمل ولا تغفل عن دلالة هذه الأخبار أيضاً على وجود القرآن المحفوظ من الزيادة والنقصان في كل عصر مع إمام الزمان وأنه الذي جمعه علي ﵇، وأن ما في أيدينا اليوم هو الحجة لدينا بلا لوم إلى أن يظهر الحق وأهله والله الموفق" (١).
وكذلك ذكر في المجلد الأول من تفسيره تحت عنوان:
стр. 99
"باب في أن القرآن لم يجمعه كما أنزل إلا الأئمة ﵈"، وأورد فيه روايات كثيرة ذكرنا بعضاً منها مقدماً.
كما ذكر أيضاً عنوان "أما ما هو على خلاف ما أنزل الله، وما هو محرف منه" ثم ذكر تحته أحاديث عديدة، نتركها لأنها سوف تذكر في الباب الرابع.
والثاني الذي نريد أن نورد منه كلامه هو مفسر شيعي آخر محمد محسن الملقب بالفيض الكاشاني.
فإنه ذكر في مقدمة تفسيره تحت: المقدمة الثالثة: بعنوان "نبذ مما جاء في جمع القرآن وتحريفه، وزيادته ونقصه".
وأورد فيها روايات تتجاوز الخمسين، ثم قال الصافي:
أقول ويرد على هذا كله إشكال وهو أنه على هذا التقدير لم يبق لنا اعتماد على شيء من القرآن إذ على هذا يحتمل كل آية منه أن يكون محرفاً ومغيراً، أو يكون على خلاف ما أنزل الله، فلم يبق لنا في القرآن حجة أصلاً فتنتفي فائدته وفائدة الأمر باتباعه والوصية بالتمسك به إلى غي ذلك، وأيضاً قال الله : ﴿وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ وقال: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ فكيف يتطرق إليه التحريف والتغيير؟ وأيضاً قد استفاض عن النبي ﷺ والأئمة ﵈ حديث عرض الخبر المروي على كتاب الله ليعلم صحته بموافقته له وفساده بمخالفته فإذا كان القرآن الذي بأيدينا محرفاً فما فائدة العرض؟ مع أن خبر التحريف مخالف لكتاب الله مكذب له فيجب رده والحكم بفساده أو تأويله، ويخطر بالبال في دفع هذا الإشكال والعلم عند الله أن يقال: إن صحت هذه الأخبار فلعل التغيير إنما وقع فيما لا يخل بالمقصود كثير إخلال كحذف اسم علي وآل محمد ﷺ وحذف أسماء المنافقين عليهم لعاين الله، فإن الانتفاع بعموم اللفظ باق، وكحذف بعض الآيات وكتمانه فإن الانتفاع بالباقي باق مع أن الأوصياء كانوا يتداركون ما فاتنا منه من
стр. 100
هذا القبيل، ويدل على هذا قوله ﵇ في حديث طلحة إن أخذتم بما فيه نجوتم من النار ودخلتم الجنة فإن فيه حجتنا وبيان حقنا وفرض طاعتنا" (١).
ومحدثهم الكبير ولعانهم الذي لا يوجد له نظير، يكتب في كتابه (حياة القلوب) شاتماً، ساباً أصحاب رسول الله وخاصة الصديق والفاروق، تحت عنوان (بيان حجة الوداع) أن رسول الله ﷺ أعلن:
"إن علي بن أبي طالب وليي، ووصيي، وخليفتي من بعدي، ولكن أصحابه عملوا عمل قوم موسى، فاتبعوا عجل هذه الأمة وسامريها أعني أبا بكر وعمر - أستغفر الله من نقل هذه الخرافة والخبث الذي يتدفق من القوم ويظهر ما في باطنهم - (إلى أن قال) فغضب المنافقون خلافته، خلافة رسول الله من خليفته، وتجاوزوا إلى خليفة الله أي الكتاب الذي أنزله فحرفوه، وغيروه، وعملوا به ما أرادوه" (٢).
ومثل في كتابه هذا وفي كتبه الأخرى أيضاً أمثلة عديدة للتغيير الذي حصل، والتحريف الذي وقع، مستنداً إلى أحاديث وروايات من أئمته ومعصوميه" (٣).
ولقد نقل هذا المجلسي أيضاً في كتابه عن (تفسير كازر (٤) السورة التي أخرجها عثمان بن عفان ﵁ من القرآن، وخاصة من مصحف عبد الله بن مسعود حسب زعمه الباطل. ونصها:
"يا أيها الذين آمنوا بالنبي وبالولي الذي بعثناهما يهديانكم إلى صراط مستقيم، نبي وولي بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير، إن الذين يوفون بعهد
стр. 101
الله لهم جنات النعيم. والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين. فإن لهم في جهنم مقاماً عظيماً إذا نودي لهم يوم القيامة أين الظالمون المكذبون للمرسلين. ما خلفهم المرسلين إلا بالحق وما كان الله ليظهرهم إلى أجل قريب. سبح بحمد ربك وعلي من الشاهدين" (١).
وقال الشيخ علي أصغر البروجردي من أعيان القرن الثالث عشر، الذي كان في عصر محمد شاه القاجاري، في كتابه (عقائد الشيعة (٢)) ك
وواجب علينا أن نعتقد أن القرآن الأصلي لم يغير ولم يبدل، هو الذي ليس إلا عند إمام العصر (الغائب) عجل الله فرجه، ولكن المنافقين غيروا وحرفوا القرآن الذي عندهم" (٣).
وهكذا كتب ملا محمد تقي الكاشاني في كتابه (هداية الطالبين) المؤلف في سنة ١٢٧٥هـتحت "مطاعن عثمان".
"إن عثمان ضرب عبد الله بن مسعود مرتين، مرة لأنه صلى علي أبي ذر، وثانياً لأنه طلب منه مصحفه حتى يجعله مثل قرآنه الذي زاد فيه ونقص. . . وأيضاً روى عنه أنه أمر زيد بن ثابت الذي كان يصادقه ويعاند علياً أن يجمع القرآن، فأسقط منه مناقب أهل البيت وذم أعدائهم والقرآن الموجود بأيدي الناس الآن المعروف بقرآن عثمان هو عين القرآن الذي جمعه زيد" (٤).
وقال "قدوة العلماء الربانيين، وأسوة الحكماء الصمدانيين، وحافظ ثغور الدين المبين، زين العابدين الكرماني" في رسالته (تذييل):
стр. 102
إن كيفية جمع القرآن أثبت أن التحريف والتصحيف والنقص وقع في القرآن، ولو أن هذا سبب لتذييل المسلمين عند اليهود والنصارى بأن طائفة منا تدعي الإسلام ثم تعمل مثل هذا العمل ولكنهم كانوا منافقين، الذين فعلوا ما فعلوا، وأن القرآن المحفوظ ليس إلا عند الإمام الغائب - ثم أورد روايات أئمته - وقال:
إن الشيعة مجبورون أن يقرؤوا هذا القرآن تقية بأمر آل محمد ﵈" (١).
وقبل ذلك أخوه كتب مثل ما كتبه هو في كتابه (حسام الدين).
وقبلهما أبوهم محمد كريم خان المتوفى سنة ١٢٨٨هـصرح بمثل هذا في كتابه (نصرة الدين (٢)) و (إرشاد العوام (٣)) الذي ألفه في العقائد.
وقال علي بن النقي الرضوي علامة الشيعة بالهند في كتابه (إسعاف المأمول (٤):
وأما تواتر جميع ما نزل على محمد فمشكل توضيحه، قد اختلف في وقوع التحريف والنقصان في القرآن، فعن أكثر الأخباريين أنه وقع، وهو الظاهر من كلام الكليني قدس سره، وشيخه علي بن إبراهيم القمي، والشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي صاحب الاحتجاج.
وقال السيد والصدوق والمحقق الطبرسي وجمهور المجتهدين بعدم وقوعه، وقد ذكر السيد العلامة نعمة الله في رسالته (منبع الحيوة) أدلة الأوائل، منها الأخبار
стр. 103
المستفيضة، بل المتواترة، ما روى عن أمير المؤمنين لما سئل عن المناسبة بين قوله تعالى: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى. وبين: فانكحوا. فقال: لقد سقط بينهما أكثر من ثلث القرآن.
وما روي عن الصادق في قوله: كنتم خير أمة، قال كيف هذه الأمة خير أمة وقد قتلوا ابن رسول الله؟ ليس هكذا نزلت، وإنما نزلت وكنتم خير أئمة من أهل البيت، ومنها الأخبار المستفيضة في أن آية الغدير هكذا نزلت "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك في علي وإن لم تفعل فما بلغت رسالته" إلى غير ذلك مما لو جمع لصار كثير الحجم، ومنها أن القرآن كان ينزل منجماً على حسب المصالح والوقائع وكتاب الوحي كانوا أربعة عشر رجلاً من الصحابة وكان رئيسهم أمير المؤمنين. وقد كانوا في الأغلب ما يكتبون إلا ما يتعلق بالأحكام وإلا ما يوحى إليه في المحافل والمجامع، وأما الذي كان يكتب ما ينزل عليه في خلواته ومنازله فليس هو إلا أمير المؤمنين لأنه كان يدور معه كيف دار، فكان مصحفه أجمع من غيره من المصاحف، فلما مضى رسول الله إلى لقاء حبيبه وتفرقت الأهواء بعد جمع أمير المؤمنين القرآن كما أنزل وشده بردائه وأنى به إلى المسجد فقال لهم هذا كتاب ربكم كما أنزل، فقال عمر: ليس لنا فيه حاجة، هذا عندنا مصحف عثمان فقال لن تروه ولن يراه أحد حتى يظهر القائم - إلى أن قال: وهذا القرآن كان عند الأئمة يتلونه في خلواتهم وربما أطلعوا عليه لبعض خواصهم كما رواه ثقة الإسلام الكليني عطر الله مرقده بإسناده إلى سالم بن سلمة قال: قرأ رجل على أبي عبد الله وأنا أستمع حروفاً من القرآن ليس على ما يقرئها الناس فقال أبو عبد الله: مه كف عن هذه القراءة واقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم، فإذا قام قرأ كتاب الله على حده وأخرج المصحف الذي كتبه على، ونحون ذلك ذكر كثيراً لا نوردها روماً للاختصار.
وأما الأخبار الدالة على وجوب التمسك بالكتاب والأمر باتباعه وعرض
стр. 104
الأخبار عليه فلا ينافي ما ذكر من وقوع التغيير في الكتاب كما أنه أمرنا بالتمسك بأهل البيت، وقد صاروا ممنوعين عن التبليغ كما هو حقه وفيه ما فيه، وأما أن الأخبار الواردة عن الأئمة في التمسك واتباعه فيجوز أن يكون قد جوزوا العمل به من باب التقية وحكم الله الظاهري كما يقال في القراءات السبعة المتواترة، ونحو ذلك، لا يخفى عليك أن القول بجواز العمل من باب التقية في كل الأحوال سواء كان محل التقية أم لا بعيد غاية البعد وكذا القول بالتحريف والنقصان مطلقاً في القرآن يوجب مفاسد شتى ولا يبقى الاعتماد عليه، نعم لو قيل بأن المخالفين والمنافقين لما كانوا يبذلون جهدهم في إطفاء أنوار أهل البيت واختفاء فضائلهم ومناقبهم لئلا يظهر على الخلق مراتبهم التي عند الله لهم ولا تكون حجة على الخلائق لاستحقاقهم الرياسة والخلافة ولئلا تبطل خلافة الخلفاء المتغلبين ولا يحصل لهم الغلبة والسلطنة على الناس كي تكون خلافة المتغلبين هباء منثوراً. نقصوا وبدلوا الآيات التي كانت تثبت فضائلهم ومناقبهم ورياستهم وخلافتهم ﵈، والأخبار الواردة في النقصان أيضاً تدل على مثل هذا النقصان، وأما دون تلك الآيات فهي باقية إلى الآن كما كان من دون تغير وتبدل أصلاً فليس له غاية بعد، فتأمل في هذا المقام فإنه من مزال الأقدام، ويقتضي بسطاً في الكلام لكن الوقت لا يرخصنا بالاتمام" (١).
ومثل ذلك ذكر السيد محمد الكهنوي حيث قال رداً على المرتضى:
أما ادعاء عدم التحريف في القرآن الموجود بأيدي الناس فهو محل النظر، بل هو ظاهر الفساد. لأن الروايات التي بلغت إلى حد التواتر التي تدل على أن علي بن أبي طالب هو الذي اشتغل بالقرآن بعد وفاة رسول الله ﷺ تبقى عوضاً ولغواً محضاً. مع أنه ورد في الروايات عن المعصومين أنه مخزون
стр. 105
مودع عند صاحب العصر ﵇" (١).
ومثل ذلك قال أئمة الشيعة الآخرون في الهند مثل دلدار علي اللكهنوي في (عماد الإسلام)، والسيد حامد حسين في (استقصاء الأفهام)، والملا محمد في رسالته (بارقية ضيغمية)، والملا ناصر حسين في (رشق النبال)، وغيرهم في غيره، وإنه لكثير جداً.
ولا يخلو كتاب من كتب الشيعة في الدور الثالث الممتد إلى عصرنا هذا إلا وفيه بحث في هذا الخصوص، وهذا أيضاً مما يدل على أن في الأمر شيئاً.
نعم! قد ظهر حالياً بعض الرجال المنتسبين إلى العلم من الشيعة، الذين بدؤوا يتظاهرون إنكار التحريف والتغيير والتبديل ولكن إنكارهم هذا ليس إلا إنكار التقية كما صرح بذلك علماؤهم، المتقدمون منهم والمتأخرون كما مر بيانه.
وإلا لوجب عليهم البراءة من هذه الكتب التي امتلأت بمثل هذه الروايات، ومن الرواة الذين ملأوا كتبهم بمروياتهم، الذين هم مدار أحاديث القوم ورواياتهم عن الأئمة المعصومين من أهل البيت حسب زعمهم.
وإننا لنرحب كل من يقول بهذا القول، ويعلن بهذا الاعتقاد. لأن بذلك سيرتفع الخلاف الواقع والموجود بينهم وبين السنة، لأن هذه الكتب، وهؤلاء الرواة هم الذين سببوا الفرقة والبعد عن السنة وأهلها، وهداة الأمة وقادتها، بامتلائها واختلاقهم القصص الخرافية، والأساطير الوهمية، والروايات الباطلة، التي تصور للناس عامة وللمسلمين خاصة باختلاف موجود في أصحاب رسول الله ﷺ في تولية الخلافة والإمامة، بين الصديق والفاروق وذي النورين وعامة الأصحاب، وبين علي وبني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين.
والروايات والأحاديث الموضوعة المفتراة على رسول الله الصادق الأمين التي تنبئ أن الصادق المصدوق هادي الأمة إلى سبيل الرشاد والعمل الصالح.
стр. 106
من عبادة الله وحده ورعاية حقوق العباد لم يرسل إلا لرفع مكانة علي وتبليغ وصايته وإمامته للخلق، وإيثار أسرته بالمناصب والمراتب وأمره الناس بالعبودية لهم دون الآخرين. معاذ الله أن يكون رسول الله إلى الخلائق أرسل لهذا الغرض المحدود.
فهلموا أيها القوم وأسرعوا، واطرحوا هذه الخلافات التي لم تؤسسها ولم ترسخها إلا الأيدي الأثيمة، والأقلام المأجورة المزورة، والرجال الذين باعوا ضمائرهم بالدنيا، وآثروها على الآخرة.
وارجعوا أيها القوم إلى كتاب الله المحفوظ المصون الذي نزل به جبرائيل على سيد البشر صلوات الله وسلامه عليهما، وضمن الله حفظه إلى قيام الساعة. ليهتدي به المهتدون، ويسلك بنوره السالكون.
وإن لم نؤمن بصيانته عن التغيير والتحريف فبأي كتاب نهتدي وندعو الكون إلى رب الكون؟.
اللهم نور قلوبنا بنور الإيمان، واجعلنا من المؤمنين الحقيقيين الذين يعتقدون هذا الاعتقاد بأن:
"ذلك الكتاب لا ريب فيه" (١).
و ﴿إنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾ (٢).
وإنه ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (٣).
وصدق الله مولانا العظيم.
стр. 107
الباب الرابع
ألف حديث شيعي في إثبات التحريف في القرآن
من كتاب فصل الخطاب لمحدث شيعي النّوري الطبرسي
إننا خصصنا هذا البابلنقل جزء من كتاب (فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب) لمحدث القوم حسين بن محمد التقي النوري الطبرسي، الكتاب الذي أزاح اللثام عن وجه عقيدة القوم الأصلية في القرآن، وأثار ضجة كبرى في الأوساط الشيعية. لا من حيث أنه تفرد لبيان هذه العقيدة، أو ورد فيه شيء جديد غير مألوف مخالف لمعتقداتهم المنقولة المتواترة من أهل البيت حسب زعمهم، بل لأنه كشف النقاب عن الشيء الذي غلفوه بتقيتهم مدة طويلة عن الآخرين، وجمع فيه من الأحاديث والروايات من أمهات الكتب وأهمها نقلاً عن الأئمة الاثنى عشر، التي بلغت حد التواتر وزادت عليه.
كما أن الكتاب بين للناس أن الشيعة قاطبة من اليوم الذي وجدوا لم يعتقدوا في القرآن الموجود بأيدي الناس، بل ظنوه مبدلاً ومحرفاً، زيد فيه ونقص منه، غير فيه وحرف منه، ولم يقل أحد من القوم خلاف هذا إلا مماشاة ومداراة أو تقية وخداعاً.
ثم وإن الكتاب مع قيمته العلمية ومقامه السامي وشأنه الرفيع حيث يشتمل على ألفي رواية قريباً كلها من الأئمة المعصومين لم يؤلف من قبل شخص عادي لا يعبأ به ولا يلتفت إليه، بل ألفه أحد جهابذة القوم وماهر في العلوم وخاصة في علم الحديث والرجال حيث أنه مؤلف أحد المجاميع الشيعية الثلاثة (مستدرك
стр. 108
الوسائل) الكتاب الذي لا يقل كماً وكيفاً ووزناً عن (الوسائل) الذي طبع في عشرين مجلداً قبل مدة بالقطع المتوسط المائل إلى الصغر، حيث أن المستدرك في مجلدات ثلاثة ضخمة. ومع (المستدرك) فإنه ألف ما يقارب الثلاثين من الكتب في الحديث والرجال والعقائد، وهو من أصحاب مجدد القرن الثالث عشر الشيعي السيد الشيرازي، المعتمد لديه والموثق عنده والمرجح على غيره، كما أنه تلمذ عليه أكابر القوم وأعيانهم في الحديث والرجال مثل الشيخ عباس القمي صاحب (الكنى والألقاب) و (منتهى الآمال) وغيره من الكتب الكثيرة، والشيخ آغا بزرك الطهراني صاحب (أعلام الشيعة) و (الذريعة إلى تصانيف الشيعة) وغيرها من الكتب الكبيرة الكثيرة، كما أنه كان شيخ مشائخ نجف في زمانه، البلدة التي تعد الأولى الشيعية بالنسبة للجامعات والمدارس والحوزات العلمية الشيعية، وأكثر من ذلك كان يقصده علماء الشيعة وأقطابها من البلدان الشيعية الأخرى ويعكفون عنده ويلتمسون فضله ويرجون فيضله وينالون بالمعلومات.
وكان من عادته التنقيب والتدقيق والتفحص والتتبع وتقنص الشوارد والتقصي فلذلك جاء كتابه شاملاً كاملاً، شاملاً لأخبار الأولين، وكاملاً لجمع روايات موضوعية. وجامعاً أقوال كل مخالف ومؤالف.
ومما زاد قيمة الكتاب أنه حلل كلام المتقدمين والمتأخرين تحليلاً علمياً منطقياً منقولياً معقولياً وواقعياً، وبين وجوه الترجيح. فلولا الخوف لضخامة حجم الكتاب لكان في ودنا أن نطبعه كاملاً ولكن لما أنه كان يشتمل على بعض المواضيع التي لا علاقة لها رأساً ومباشرة بموضوعنا (١) اكتفينا بطبع الجزء الأخير منه.
والقارئ والباحث ليرى العجائب حيث يورد هذا الشيخ الشيعي روايات
стр. 109
كثيرة من الأعيان الأربعة الذين تظاهروا من القوم بعدم التحريف، روايات صريحة واضحة جلية في تحريف القرآن وتبديله.
وقبل أن نورد هذا الجزء نريد أن نذكر ترجمة هذا العالم الشيعي الجليل الذي أزعج قلوب أصحاب التقية والنفاق وزلزل أقدامهم، من الشيعة أنفسهم ومن كبراء القوم، وترجمة كتابه لتعيين منزلته وقيمة كتابه، وكما نحن نذكر خلال ذلك بعض الكتب التي كتبت تأييداً له ورداً عليه، وحقيقة الرد من بل القوم أنفسهم.
فلقد كتب الشيخ عباس القمي الرجالي الشيعي المشهور في كتابه المعروف المعتمد الموثوق (الكنى والألقاب) بعد ما يذكر ترجمة أبي علي الطبرسي صاحب (مجمع البيان) ما نصه:
وقد يطلق الطبرسي على شيخنا الأجل ثقة الإسلام الحاج ميرزا حسين بن العلامة محمد تقي النوري الطبرسي صاحب (مستدرك الوسائل)، شيخ الإسلام والمسلمين، مروج علوم الأنبياء والمرسلين (ع) الثقة الجليل والعالم الكامل النبيل المتبحر الخبير والمحدث الناقد البصير، ناشر الآثار وجامع شمل الأخبار، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة والعلوم الغزيرة الباهرة بالرواية، والرافع لخميس المكارم أعظم راية، وهو أشهر من أن يذكر وفوق ما تحم حوله العبارة، كان شيخي الذي أخذت عنه في بدء حالي وانضيت إلى موائده بعلات رحالي فوهبني من فضله ما لا يضيع وحنى علي حنو الظئر على الرضيع فعادت علي بركات أنفاسه وأضاءت من ضياء نبراسه فما يسفح قلمي إنما هو من فيض بحاره وما ينفح بها كلمي هو من نسيم أسحاره.
هر بوى كه ازمشك وقر نقل شنوى
ازدولت آن زلف جه سنبل شنوى
стр. 110
لازمت خدمته برهة من الدهر في السفر والحضر وكنت أستفيد من جنابه في البين إلى أن نعب بيننا غراب البين فطوى الدهر ما نشر، والدهر ليس بمأمون على بشر، فتوفي في أواخر ج٢ سنة ١٣٢٠ ودفن في جوار أمير المؤمنين (ع) في الصحن الشريف وكتب هو ﵀ ترجمة نفسه في آخر المستدرك" (١).
كما ترجم له في كتابه الرجالي الكبير، الممزوج بالفارسية والعربية (فوائد الرضوية في أحوال علماء المذهب الجعفرية) وبدأ كلامه بهذا:
شيخنا الأجل الأعظم، وعمادنا الأرفع الأقوم، صفوة المتقدمين والمتأخرين، خاتم الفقهاء والمحدثين، سحاب الفضل الهاطل، وبحر العلم الذي ليس له ساحل، مستخرج كنوز الأخبار، ومحيي ما اندرس من الآثار، كنز الفضائل ونهرها الجاري، شيخنا ومولانا العلامة المحدث الثقة النوري أنار الله تعالى برهانه وأسكنه بحبوحة جنانه" (٢).
وبعد أن ذكر أحواله في الفارسية التي يأتي ذكرها من آغا الطهراني قال:
ولازم السيد السند حجة الإسلام ونادرة الأيام أستاذ البشر ومجدد المذهب في القرن الثالث عشر، المنتهي إليه رياسة الشيعة في عصره والمطاع الذي انقاد الجابرة لنهيه وأمره، الذي يعجز عن بيان معاليه اللسان رئيس المسلمين الحاج ميرزا محمد حسن الشيرازي قدس الله تربته الشريفة المتوفي في شعبان ١٣١٢ بسامراء، المدفون في جوار جده أمير المؤمنين ﵇" (٣).
ثم يذكر علاقته به ويقول: