← Акыда

Акыда · id 37552

الشيعة وأهل البيت

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (303 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الهاشمي، فكتب الحلّي في شرائع الإسلام "ويجوز نكاح الحرة العبد، والعربية العجمي، والهاشمية غير الهاشمي" (١). وكتب تحت هذا شارح الشرائع زين الدين العاملي الملقب بالشهيد الثاني "وزوج النبي ابنته عثمان، وزوج ابنته زينب بأبي العاص بن الربيع، وليسا من بني هاشم، وكذلك زوّج علي ابنته أم كلثوم من عمر، وتزوج عبد الله بن عمرو بن عثمان فاطمة بنت الحسين، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وكلهم من غير بني هاشم" (٢). ونريد أن نختم الكلام في هذا الموضوع برواية ابن أبي الحديد المعتزلي الشيعي. "إن عمر بن الخطاب وجه إلى ملك الروم بريداً، فاشترت أم كلثوم امرأة عمر طيباً بدنانير، وجعلته في قارورتين وأهدتهما إلى امرأة ملك الروم، فرجع البريد إليها ومعه ملء القارورتين جواهر، فدخل عليها عمر وقد صبت الجواهر في حجرها، فقال: من أين لك هذا؟ فأخبرته فقبض عليه وقال: هذا للمسلمين، قالت: كيف وهو عوض هديتي؟ قال: بيني وبينك، أبوك، فقال علي ﵇: لك منه بقيمة دينارك والباقي للمسلمين جملة لأن بريد المسلمين حمله" (٣). ولقد ذكر هذا الزواج علماء الأنساب والراجم أيضاً مثل البلاذري في "أنساب الأشراف" (٤)، وابن حزم في "جمهرة أنساب العرب" (٥)، والبغدادي

стр. 107

في كتابه "المحبر" (١)، والدينوري في "المعارف" (٢)، وغيرهم. إكرام الفاروق أهل البيت واحترامه إياهم ولم تكن هذه العلاقات من طرف واحد بل كل الأطراف كانوا معتنين بهذه العلاقات فكان الفاروق يجل أهل بيت النبي أكثر مما كان يجل أهل بيته هو، وكان يحترمهم ويقدمهم في الحقوق والعطاء على نفسه وأهل بيته، ولقد ذكر المؤرخون قاطبة أن الفاروق لما عيّن الوظائف المالية والعطاءات من بيت المال قدّم على الجميع بني هاشم لقرابتهم من رسول الله ﷺ ، ولاحترامه أهل بيته ﵊. فها هو اليعقوبي يذكر ذلك بقوله: ودون عمر الدواوين، وفرض العطاء سنة ٢٠، وقال: قد كثرت الأموال فأشير عليه أن يجعل ديواناً، فدعا عقيل بن أبي طالب، ومخرمة بن نوفل، وجبير بن مطعم بن نوفل بن عبد مناف (٣)، وقال اكتبوا الناس على منازلهم وابدءوا ببني عبد مناف، فكتب أول الناس علي بن أبي طالب في خمسة آلاف، والحسن بن علي في ثلاثة آلاف، والحسين بن علي في ثلاثة آلاف (٤) ... ..

стр. 108

ولنفسه أربعة آلاف (١) ... .. وكان أول مال أعطاه مالاً قدم به أبو هريرة من البحرين (٢) مبلغه سبعمائة ألف درهم، قال (يعنى الفاروق): اكتبوا الناس على منازلهم، واكتبوا بني عبد مناف، ثم أتبعوهم أبا بكر وقومه، ثم أتبعوهم عمر بن الخطاب وقومه، فلما نظر عمر قال: وددت والله أني هكذا في القرابة برسول الله، ولكن ابدءوا برسول الله ثم الأقرب فالأقرب منه حتى تضعوا عمر بحيث وضعه الله" (٣). وأما ابن أبي الحديد فقال: لا بل ابدأ برسول الله ﷺ ، وبأهله، ثم الأقرب فالأقرب، فبدأ ببني هاشم، ثم ببني عبد المطلب ثم بعبد شمس ونوفل، ثم بسائر بطون قريش، فقسم عمر مروطاً بين نساء المدينة، فبقي منها مرط حسن، فقال بعض من عنده: أعط هذا يا أمير المؤمنين! ابنة رسول الله التي عندك يعنون أم كلثوم بنت علي ﵇، فقال: أم سليط أهديه فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ ، وكانت تزفر لنا يوم أحد قرباً" (٤).

стр. 109

هذا ولقد ثبت أن الفاروق كان يقدر ويكرم أهل البيت، ويكن لهم من الاحترام ما لم يكن للآخرين، وحتى وأهل بيته وخاصته. وذكر أن ابنة يزدجرد كسرى إيران أكبر ملوك العالم آنذاك لما سبيت مع أسارى إيران أرسلت مع من أرسل إلى أمير المؤمنين وخليفة رسول الله ﷺ عمر الفاروق الأعظم ﵁، وتطلع الناس إليها وظنوا أنها تعطي وتنفل إلى ابن أمير المؤمنين والمجاهد الباسل الذي قاتل تحت لواء رسول الله ﷺ في غزوات عديدة، لأنه هو الذي كان لها كفو، ولكن الفاروق لم يخصها لنفسه ولابنه ولا لأحد من أهل بيته، بل رجح أهل بيت النبوة فأعطاها لحسين بن علي ﵄، وهى التي ولدت علي بن الحسين ﵁ الذي بقي وحيداً من أبناء الحسين في كربلاء حياً وأنجب وتسلسل منه نسله" (١). ولقد ذكر ذلك نسابة شيعي مشهور ابن عنبة "إن اسمها شهربانو قيل: نهبت في فسخ المدائن فنفلها عمر بن الخطاب من الحسين ﵇" (٢). كما ذكر ذلك محدث الشيعة المعروف في صحيحه الكافي في الأصول، عن محمد الباقر أنه قال: لما قدمت بنت يزدجرد على عمر أشرف لها عذارى المدينة، وأشرق المسجد بضوئها لما دخلته، فلما نظر إليها عمر غطت وجهها وقالت: أف بيروج باداهرمز، فقال عمر: أتشتمنى هذه وهمّ بها، فقال له أمير المؤمنين ﵇:

стр. 110

ليس ذلك لك، خيرها رجلاً من المسلمين وأحسبها بفيئه، فخيرها فجاءت حتى وضعت يدها على رأس الحسين ﵇، فقال لها أمير المؤمنين: ما اسمك؟ فقالت: جهان شاه، فقال لها أمير المؤمنين: بل شهربانويه، ثم قال للحسين: يا أبا عبد الله! لتلدن لك منها خير أهل الأرض، فولدت على بن الحسين ﵇، وكان يقال لعلي بن الحسين ﵇: ابن الخيرتين، فخيرة الله من العرب هاشم ومن العجم فارس. وروي أن أبا الأسود الدائلي قال فيه: وإن غلاماً بين كسرى وهاشم لأكرم من نيطت عليه التمائم" (١). وقبل ذلك ساعد أباه علياً في زواجه من فاطمة ﵄ كما مر سابقاً. وإن الفاروق كان يبدأ الخمس والفيء بأهل بيت النبوة كما كان الرسول ﵇ يعمل به، وبعده أبو بكر، ولقد ذكرنا هذا سابقاً عند ذكر الصديق وفدك "وكان أبو بكر يأخذ غلتها ويدفع إليهم منها ما يكفيهم، ويقسم الباقي، وكان عمر كذلك، وكان عثمان كذلك، ثم كان عليّ (على شاكلتهم وطريقتهم) كذلك" (٢). ومن إكرامه وتقديره لأهل البيت ما ذكره ابن أبي الحديد عن يحيى بن سعيد أنه قال: أمر عمر الحسين بن علي عل أن يأتيه في بعض الحاجة فلقي الحسين ﵇ عبد الله بن عمر فسأله من أين جاء؟ قال: استأذنت على أبي فلم يأذن لي فرجع الحسين ولقيه عمر من الغد، فقال: ما منعك أن تأتيني؟

стр. 111

قال: قد أتيتك، ولكن أخبرني ابنك عبد الله أنه لم يؤذن له عليك فرجعت، فقال عمر: وأنت عندي مثله؟ وهل أنبت الشعر على الرأس غيركم" (١). هذا وكان يقول في عامة بني هاشم ما رواه علي بن الحسن عن أبيه حسين بن علي أنه قال: قال عمر بن الخطاب: عيادة بني هاشم سنة، وزيارتهم نافلة" (٢). ونقل الطوسي هذا والصدوق أيضاً أن عمر لم يكن يستمع إلى أحد بطعن في علي بن أبي طالب ولم يكن يتحمله، ومرة "وقع رجل في علىّ ﵇ ... بمحضر من عمر، فقال: تعرف صاحب هذا القبر؟ ... .. لا تذكر علياً إلا بخير، فإنك إن آذيته آذيت هذا في قبره" (٣). حب آل البيت ومبايعتهم إياه وكان أهل بيت النبوة يتبادلون معه هذا الحب والتقدير والاحترام، ولم يستمعوا ولم يصغوا إلى من يتكلم فيه، أو يطعنه بطعنة، أو يعرّضه بتعريض، بل تبرؤا ممن فعل به هذا، وأنكروا عليه كما سيأتي مفصلاً إن شاء الله تعالى. وأكثر من ذلك كافئوه على احترامه لهم وتقديره بهم حتى أعطوه ثمرة من ثمار النبوة، وزوّجها منه، وأطاعوه، وأخلصوا له الوفاء والطاعة، وناصحوه، وشاوروه بأحسن ما رأوه، واستوزرهم وتوزروه، وأنابهم فقبلوا نيابته، وجاهدوا تحت رايته، ولم يتأخروا في تقديم النصيحة له وما يطلب منهم وفق الكتاب والسنة، وبذلوا له كل غال وثمين.

стр. 112

فها هو علي بن أبي طالب يقر بذلك في رسالته التي أرسلها إلى أصحابه بمصر بعد مقتل محمد بن أبي بكر عامله على مصر، فيقول بعد ذكر الأحداث التي وقعت عقب وفاة الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه: "فتولى أبو بكر تلك الأمور. . . . فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاّه فسمعنا وأطعنا وناصحنا (*) - ثم يمدحه حسب عادته أنه لا يذكره ــ (*) تعليق: [وهذا رغم أنف كل من يأبى وينكر، ورغم أنف المتستر بنقاب س-خ، والملتجئ إلى الكذب، القائل في كتابه رداً علينا - وفي رده يثبت ما قلناه ويقر ما أثبتناه - وهو يظن بأنه يكذبنا ويكذب الحقائق الدامغة التي لا مفر عنها، فيقول بعد ما ينقل فضائل أبي بكر وعمر التي أوردناها يقول: لو كنت حاضراً تحت منبر علي حينما بكى، وخطب هذه الخطبة المفصلة في الثناء عليهما لقلت له: ما جرّأنا على مخالفتهما وانتقاصهما إلا أنت يا علي! لامتناعك أنت وأهل بيت رسول الله والخلّص من أصحاب رسول الله عن البيعة لهما مما اضطررتم عمر أن يحمل الحطب، ويأتي لدارك يريد حرقها بمن فيها. وفيها ابنة رسول الله ويقال له: إن فيها ابنة رسول الله. ويقول: وإن .. حتى أخرجاك قهراً. ولم تبايع أنت إلا بعد ستة أشهر وبعد موت زوجتك غاضبة عليهما على فعلتهما معك ومعها، حتى أوصتك أن تدفنها ليلاً - وقد فعلت - احتجاجاً على فعلهما معكما؟. فإذا كنت تعلم - يا علي - أن هذه منزلتهما عند رسول الله فلماذا فعلت - أنت وأصحابك وزوجك - هذا الفعل وجرأتمونا على نقدهما على ارتكابهما ذلك الفعل؟. ثم ولم تكتف - يا علي - حتى تدعي في خطابك مع معاوية بن أبي سفيان الذي عيرك هذه الحادثة وذكر أنهم أخرجاك كالجمل المخشوش، فقلت له مفتخراً: وأوجب لي رسول الله فيكم ... ولايته غداة غدير خم ثم وكيف تدعي يا علي (أن رسول الله لا يرى كرأيهما رأياً، ولا يحب كحبهما حباً) وإنا نقرأ في التاريخ عدة قضايا رغب فيها عمر وخالفه رسول الله. فقد رأى =

стр. 113

إلا ويبالغ في مدحه - وتولى عمر الأمر، وكان مرضي السيرة، ــ = عمر بعد وقعة بدر، أن يقدم رسول الله عمه العباس ويضرب عنقه، وتقدم أنت أخاك عقيلاً وتضرب عنقه، وخالفه رسول الله لأنه أخذ الدية وأطلقهما. وهكذا رأى عمر يوم فتح مكة أن يأمره رسول الله بضرب عنق أبي سفيان فامتنع رسول الله وأطلق سراحه وجعل بيته مأمناً للخائفين. وأخيراً وليس آخراً. قول رسول الله عند موته: آتوني بكتف وقرطاس لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده. فخالف عمر في ذلك وقال: عندنا كتاب الله ما فرط فيه من شيء مما أوجد رسول الله وأغضبه فطرده. وقال: قوموا فقاموا. إلى كثير من أمثال هذه المخالفات فلماذا لا تقول الصحيح يا علي؟ ثم هبك - يا علي - علمت أنه في حياته لم يتجاوزوا أمره ورأيه، ولكن كيف علمت ذلك بعد وفاة رسول الله. وهل أعلمك رسول الله بذلك. وحينما وقعت بينهما - بين أبو بكر وعمر - مشادة في قضية خالد بن الوليد، كان رأي رسول الله مع من منهما. ولا شك أن علياً سيقول: لعن الله الكاذب المفتري" (كتاب الشيعة والسنة في الميزان لصاحب قناع س - خ ص٨٨، ٨٩، ٩٠ ط بيروت). نعم وأنا أيضاً أقول: لعن الله الكاذب المفتري سواء كان صاحب برقع س-خ أو الصافي. فشركما لخيركما الفداء ولقد كذّبه علي بن أبي طالب حيث يقول: أيها السائل الكاذب المفتري الجريء على الجلوس تحت منبر لا أراك إلا من سلالة ابن ملجم حيث تسب وتشتم صهري زوج بنتي من فاطمة الزهراء بنت الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتنسب إليّ ما لم أقله وما لم أفعله، وتكذب الفاروق وتكذبني، ثم تدعي حبي وولائي، وتقول بأنني أنا جرأتك عليهما، لست إلا من سلالة ابن سبأ الذي تنكر وجوده خوفاً ووجلاً من أفعاله وأعماله وأقواله التي تطابق أقوالك وآرائك حتى لا تفضح، ولا يطلع الناس على سريرتك وفضائحك. وأنت تعلم أنني أنا الذي قتلته وحرقته لما أراد فتنة في الدين. وفساداً في الشريعة واضطراباً في المسلمين، وقد ذكره أسلافك وقومك، فتأتي أنت في القرن الرابع عشر وتنكر وتتنكر، وقبلك كلهم اعترفوا =

стр. 114

ميمون النقيبة (١). ــ = بوجوده وأعماله القبيحة الشنيعة فلعنة الله على الكاذب والمنكر والمفتري. ﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم﴾. فمن الكاذب والمفتري، أنت أو صاحبك؟ وأما سيد أهل البيت فمعاذ الله أن يناله سوء سريرتك وسلاطة لسانك، ثم وكم من خطب علي تنكرها؟، وأي عدد من العبارات تنكر عليها، وها قد ذكرنا خطبة علي وتدعي موالاته من كتابك أنت، نعم أنت وقومك، فأنتم جعتموه، وأنتم علقتم عليه وحققتموه، وأنتم طبعتموه أنتم، ثم وأنتم قدمتموه إلى العالم بقولكم: ولأجل ذلك صار كتابه (أي الغارات) هذا، وسائر كتبه مرتعاً للشيعة، ومشرعاً لهم، فقلما تجد كتاباً معروفاً للشيعة يخلو من ذكره وروايته فالأولى أن نشير إلى جماعة ممن يروي عنه أو عن كتبه بلا واسطة أو معها" (مقدمة "الغارات" للثقفي ص ع). ومعنى هذا أن هذا الكتاب من أهم مراجع الشيعة، ومنها سرقوا كثيراً، فبفضل الله ومنّه فقد أثبتنا مرغمين أنوف المنكرين بأن علياً بايع الصديق والفاروق، وأخلص لهما الوفاء، ويقر بذلك نفسه وهذا بعد وفاتهما، فماذا يقول المنصفون؟ ألا يقولون: لعن الله الكاذب والمفتري. عبد الله بن سبأ وأما إنكار عبد الله بن سبأ اليهودي فليس إلا إنكار للحقيقة الساطعة كالشمس الطالعة في منتصف نهارها، ولم يوجد في المتقدمين أحد من أنكر وجوده، وما أدري أيهم أكثر علماً وإلماماً بالحقائق؟ المتقدمون أو المتأخرون، الخائفين المذعورين من والد ولدهم، ومؤسس أوجدهم، فنحن ندعو القوم ونتحداهم أن يثبتوا واحداً من المتقدمين منهم، لا منّا، من ينكر وجوده، ويعده من الخيال والوهم =

стр. 115

أي لم نتأخر في بيعته، ولم نبخل بالسمع والطاعة والمناصحة، لأن سيرته ــ =فهؤلاء وكم هم؟ ومنهم صاحبنا الذي أعجبه أن يرد علينا فيا ليت استطاع الرد، ولكم اشتقت حينما سمعت بأن واحداً اجترأ على الرد حتى أراه وأعرفه بماذا ردّ عليّ؟ إن كان صادقاً فأعترف بخطأي، وأقر بقصوري وغلطتي، ولكم تمنيت أن شيئاً مما نقلت رد عليه بأن النقل من كتب القوم غير صحيح، أو المصدر غير موثوق، أو عبارة منسوبة غير صحيحة إلى من نسبت إليه، أو استنتجت فأخطأت الاستنتاج والاستدلال؟ وما أبرئ نفسي من الخطأ والزلل، وأين أنا وقد اعترف بإمكان صدوره علي بن أبي طالب المتهم بالعصمة كذباً وافتراء، وها هو يقول: لا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست آمن أن أخطئ" (١). فتمنيت هذا، ولكن ولله الحمد والمنة بأن كل هذه المهاترات، والسباب والشتائم والتعريضات، والتنابز بالألقاب، والكذبات المتكررة لم تجعلني إلا ثقة واعتماداً بأنه وفقني بالدفاع عن أصحاب محمد ﷺ ورفاقه الكرام البررة، واكتشاف القوم ونواياهم وخباياهم بالواقع والحقيقة، ومن كتبهم أنفسهم، وما استطاعوا، ولن يستطيعوا أن يكذبوا شيئاً مما ذكرت اللهم إلا أن ينكروا كتبهم، ويكذبوا محدثيهم، وفقهائهم، وأئمتهم. والجدير بالذكر أننا لم نذكر عبد الله بن سبأ نجل اليهودي عند ما ذكرناه في كتابنا "الشيعة والسنة" نقلاً عن ابن حجر العسقلاني، ولا الذهبي، ولا ابن حبان، ولا ابن ماكولا، ولا البخاري، ولا، ولا، بل ذكرناه من الكشي إمامهم في الرجال، والنوبختي إمامهم في الفرق، ومؤرخ شيعي في الروضة الصفا: وكل من الكتب الثلاثة من كتبهم هم، ألفها كبارهم، ثم، من تحقيقهم أنفسهم حتى لا يتوهم بأنه أدرج فيها من المحقق والمعلق، ثم وكيف يحق له أن يقول مسفهاً العقلاء، ومبلداً العلماء العارفين: ولكن من هو ابن سبأ هذا؟ ومن أي جاءته هذه القدرة العجيبة؟ التي جعلتنا نشاهده مرة في مصر ومرة في العراق. مرة في البصرة ومرة في الكوفة =

стр. 116

كانت طيبة، ونفسه كان ميموناً مباركاً، ناجحاً في أفعاله، مظفراً في مطالبه. ــ = وهو حاضر في كل وقعة، مطلع على كل حادثة، ومن أين جاءته هذه الاستطاعة التي مكنته من أن يفعل ما يشاء متى شاء، ولماذا أهمل ذكره المؤرخون الأولون، ولماذا لم يتشك منه الخليفة عثمان الذي تشكى من أبي ذر وعمار وعبد الرحمن. وفعل بهم ما فعل وهم أصحاب رسول الله والمقدرون بين المسلمين، فلماذا لم يفعل بهذا اليهودي الطارئ ما فعل بهم بل ولماذا لم يذكره في أحاديثه وشكاياته؟ إن هذا اليهودي ابن السوداء العربي السبئي الذي جمع المتناقضات، والذي لا وجود له إلا في مخيلة من أراد الاعتذار عن عثمان بن عفان لهو شيء عجيب والأعجب منه الإصرار على وجوده الخارجي مع قيام الأدلة على تكذيبه" (١). فمن تسأل يا من لا يسفه إلا رأيه ولا يحجر إلا عقله؟ ممن تسأل، منا أو من كشيك ونوبختيك؟ فيا لضياع الحق خذلانه وظهور الباطل ونصرته والغضب له! ويا للكذب والإصرار به والخداع والتمادي به! أيضن الظانون بأنهم يستطيعون بمثل هذه الكلمات النابية الرنانة أن يرعبوا الآخرين ويبهروا الكاشفين أسرارهم، المظهرين فضائحهم وقبائحهم، ثم أعد النظرة إلى كلماته كم التمادي في الباطل والإصرار في الكذب؟ فيا لمهزلة العقل! والتطاول في التزييف والتضليل، ليقرأ المخدوع والجاهل أو غير العارف بأصل القصة والقضية فينخدع، كم هؤلاء مساكين، مهتمين بأشياء لا أصل لها ولا جذر ولا بذر ولكن من للقوم أن ينجيهم من بطش الحق وقبضة العارفين؟ ثم ويقول في محل آخر: ونحن الشيعة غربلنا التاريخ في قضية ابن سبأ فعرفنا أن هذه الشخصية من خلق الرابع الهجري" (٢). =

стр. 117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = فنحن نقول: وكيف غربت التاريخ؟ مقلباً الحقائق، ومغمضاً عينيك التي قلما ترى الحقيقة والصدق، مغلفاً قلبك وخاتماً عليه. وإن لم تكن هكذا ما تلفظت بهذا القول، وما كتبت هذه الكتابة وأنت تعرف أنك لا تجد أحداً ينصرك في هذا من قومك وقبيلتك قبل القرن الرابع عشر من الهجرة، نعم! وإلا فأتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وأنت لم تقلد في هذا القول إلا رجالاً مثلك، لهم قلوب لا يفقهون بها، ولهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وهذا مع دعواك في مبحث التحريف "أما غيرنا وهنا الليلة فلم يقل بعدم التحريف إلا تقليداً لمن جمع القرآن، وهذا التقليد هو الذي يسمى بالتقليد الأعمى، والذي نرفضه في الأصول والفروع، والذي ذمه الله حينما ذم اليهود والنصارى باتباعهم الرهبان والأحبار، وأخذهم بأقوالهم من غير تمحيص. فعبر عنهم الله بالعبادة والتعبد. وهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم أحلوا لهم حلالاً، وحرموا عليهم حراماً، فأخذوا بما أمروهم من دون مجوز شرعي بل تقليداً فعبدوهم وهم لا يشعرون" (١). فانظر التناقض والتعارض والتخالف، وهذا كله من لوازم الكذاب الأفاك المفتري، تنكر شيئاً ثم تأتيه؟ عار عليك إذا فعلت عظيم تنكر على السنة بأنهم قالوا بعدم التحريف في كتاب الله تقليداً لمن جمع القرآن أي الصديق والفاروق وذي النورين، وتقلد أنت سيد حيدر، ومحمد جوار مغنية، والوردي، والشيبي، وطه حسين أو بعض المستشرقين، وكلهم أولاد هذا القرن، ولم يستندوا إلى دليل وبرهان في إنكاره، ولو استندوا ما اضطررت إلى أن تقول: إن هذه الشخصية من خلق القرن الرابع الهجري: لأن كلمة القرن الرابع نفسها تكذبك وتسفه رأيك، وتبله قولك، ولو فكرت قليلاً لما أطلقتها لأن المصدر الذي نقلنا منه حكايات ونشاطات عبد الله بن سبأ نجل اليهود هو المصدر الموثوق المعتمد الشيعي المشهور، قد ألف وأوجد في الوجود قبله بقرن أي القرن الثالث من =

стр. 118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الهجرة، ألا وهو كتاب "فرق الشيعة" للنوبختي لأبي محمد الحسن بن موسى النوبختي المكتوب تحته بخط أسود مثل سواد قلوب الجاحدين المنكرين المكابرين - من علماء القرن الثالث للهجرة -. وما أدري كيف استطاع الأستاذ أسد حيدر وقد أراد في إنكار شخصية عبد الله بن سبأ أن يستند إلى دليل غير الكلام الفارغ والأقول اللاطائلة، المبنية على الوهم والخيال مثل تفوه الوردي والشيبي ومغنية طه حسين وغيرهم، فقال: قلما يصدر كتاب يتناول البحث عن تاريخ الإسلام (١) إلا وعبد الله بن سبأ يحتل مكاناً في البحث (٢) ويشغل صحائف الكتب - إلى أن قال - لقد حان الوقت لأن نلتفت إلى الوراء فنكشف حقيقة نشأة هذه الأسطورة - فلم لم يكشف أحد من القدامى يا أستاذ! أو تركوك أنت وأهل عصرك تتعب ويتعبون؟ ونقف على عوامل تلك الأباطيل التي طالما ظلت أيد سوداء ممتدة فوقها في سكون وصمت (٣). فلنحن ننظر كيف يكشف، وبماذا يكشف؟ ولكنه يريد أن يمهد المسألة أكثر مما مهد فيقول: يخطئ من يقول: بأن بحث قضية ابن سبأ من الأمور التي لا مندوحة في بحثها الآن وإثارتها في هذا العصر، فالزمن قد تغير، وهذه من دفائن الماضي، وليس من الصحيح نبش تلك الدفائن ونشر صحائف مطوية، أكل الدهر عليها وشرب. وإننا نقول: إن هذه القضية ليست كما يتوهمه المتوهمون بأنها من الصحائف المطوية، والآثار المنسية، بل هي في كل وقت غضة جديدة لا تغيرها الأيام مهما طال زمانها، فهي تنشر في كل وقت وتجعل من الأسس التي يستند إليها أكثر كتاب عصرنا الحاضر كوسيلة للطعن على الشيعة (٤).

стр. 119

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = نعم! إن هذه القضية ليست كما يتوهم المتوهمون بأنها من الصحائف مطوية، بل هي غضة جديدة في كل وقت من الأوقات عند ما يبحث تاريخ الشيعة، وجذور معتقداتهم، والأسس التي قام عليها مذهبهم، لأنها حقيقة ثابتة لا تغيرها الأيام مهما كثرت الأكاذيب، وعلت أصوات الإنكار الغير المستندة إلى دليل، ومهما طال الزمن، لأنها وسيلة لاكتشاف أصل الشيعة وأصولها، ومؤسسيها، وبناتها، والذين نسجوا حبائلها وحبائكها لاصطياد الأمة الإسلامية المجيدة، نعم! إنها هي كما قال، ثم ماذا؟ ثم بعد تسويد صفحات ستة يقول: إن قضية ابن سبأ قد لاقت هوى في قلوب كثير من الكتّاب المستشرقين وغيرهم فأحاطوها بعناية خاصة، ومنحوها مزيداً من البيان فأسبغوا عليها ألفاظاً براقة خلابة دبجتها أقلامهم وصاروا يكررونها ويرددونها ترديد المؤمن بصحتها، الواثق بوقوعها، وكأنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك" (١). نعم إنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك، ولكنه يريد أن يبني عمارته على الرمال ومثلها لا تقوم، وبعد الكلام الطويل يقول: ربما يظن أن لهذه القضية مصدراً موثوقاً به نظراً لشهرتها وانتشارها، في عدة كتب من كتب التاريخ والأدب، ولكن كل ذلك لم يكن، وليس لها أي مصدر يمكن الركون إليه كما سنبينه إن شاء الله" (٢). ونحن لا نملك إلا أن نمشي معه قائلاً: يا أستاذ! اترك كل هذا وبيّن؟ ولكنه لا يريد أن يترك، ثم يمشي في الهواء ويطير في القضاء إلى أن يضيع صفحات أربعة أخرى حتى يعنون بعنوان "المصدر" فيكتب: "نرى أنفسنا ملزمين بأن نستعرض مصدر هذه القصة، ونقف على المنبع الذي استقى منه الكتّاب معلوماتهم عنها، لأنا قد وجدنا بعض الكتّاب ممن يميل إلى التشكيك في صحتها، ولكنهم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك بصراحة لأنهم يظنون أنها متعددة الروايات متواترة عن =

стр. 120

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = الثقات، من المؤرخين، الأمر الذي يعو إلى عدم طرحها ولكنه ينفي المبالغات التي فيها" (١). ثم وبعد تمهيد آخر أخذ فيه صفحة كاملة (٢) يقول: نعم! المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد (٣) إلى ذكرها هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ صاحب التفسير الكبير، ومؤلف تاريخ الأمم والملوك المعروف بتاريخ الطبري. وهو المصدر الوحيد لهذه القصة وجميع ما يتعلق بأخبار عبد الله بن سبأ. وأخذ عن ابن جرير كل من ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ وابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤ وابن خلدون المتوفى سنة ٨٠٨ وغيرهم (٤). وبعد هذا أراد الأستاذ أسد أن يحمل مشقة البحث والنقد في ثقاهة الطبري ومن نقل عنهم الشهادة في كتابه في ٢٤ صفحة تقريباً بعد ما ضيع في التمهيد ١٤ صفحة. فنحن نقول له: يا من نهجت منهج الاستقامة والإنصاف والتدبر في النقد والاتزان" (٥). لا نكلفك كل هذا العناء، ولا نحملك كل هذا الثقل، ونغنيك عن المشقة =

стр. 121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = والتعب من النظر في كتب الرجال والإسناد (١)، ونختصر عليك الطريق ومن سبقك في هذا القول وتبعك، فنقول له ما قلناه سابقاً للسيد صاحب نقاب س-خ ومن معه: بأننا نحن حينما ننقل لا ننقل من الطبري، وغير الطبري، ابن الأثير وابن الكثير بل ننقل عن النوبختي، وإن النوبختي قطعاً لا ينقل عن الطبري، ولا أحد من الشيعة اتهمه بذلك، وهو وإن لم يتقدم عنه فليس بمتأخر عنه وهو معاصر لثابت بن قرة المتوفى سنة ٢٨٨هـ (٢) وهو المدار والمحور لجميع من كتب من الشيعة في الفرق، وثم ننقل أيضاً عن الرجالي الشيعي المتعصب السباب اللعان على المخالفين، المشهور بالكشي المعاصر لابن فولديه المتوفى ٣٦٩، وكتابه أهم الكتب وأولها في الرجال "ومن الأصول الأربعة التي عليها المعول في هذا الباب" (٣). ولقد تبعهما في ذكر عبد الله بن سبأ بدون إنكار ولا ترديد كل من الطوسي الملقب بشيخ الطائفة في رجاله، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، والحلي في خلاصته، والقمي في تحفة الأحباب، والخوانساري في روضات الجنات، والمامقاني في تنقيح المقال، والمرزه في ناسخ التواريخ، والتستري في قاموس الرجال، والعباسي القمي في الكنى والألقاب، وغيرهم الكثيرون الكثيرون وكلهم أخذوا من غير الطبري، فلم يكلف الأستاذ نفسه؟ ولم يتكلف بأن يبحث في الطبري =

стр. 122

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = وعقيدته، وسنده؟ ولنسهل على الأستاذ ومن والاه في هذا الزمان، الزمان الذي أخبر عنه المرتضى علي بن أبي طالب ﵁ "سيأتي عليكم بعدي زمان ليس فيه شيء أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل" (١). نعم! نسهل عليهم وعلى غيرهم أن عبد الله بن سبأ ذكر وقبل أن يذكره الطبري في تاريخه. فها هو الثقفي أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي الكوفي الشيعي المتعصب الذي صنف أكثر من خمسين كتاباً لرواج مذهبه وترويج مسلكه يذكر في كتابه "الغارات" الذي يعدّ من أهم مراجع القوم، وقد أكثر الرواية منه ابن أبي الحديد، والحلي، والمجلسي، والحر العاملي، والنوري، والقمي، والشيرازي، والخوئي، والمرزه محمد تقي المامقاني وغيرهم (٢). يذكر في كتابه هذا "عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب قال: دخل عمرو بن الحمد وحجر بن عدي وحبة العوفي والحارث الأعور وعبد الله بن سبأ (٣) على أمير المؤمنين ﵇ بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم فقالوا له: بيّن ما قولك في أبي بكر وعمر؟ فقال علي ﵇: وهل فرغتم لهذا، وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي بها قد قتلت؟ أنا مخرج إليكم كتاباً أخبركم فيه عما سألتم وأسألكم أن تحفظوا من حقي ما ضيعتم، فاقرؤوه على شيعتي، وكونوا على الحق أعواناً" (٤). والمعروف أن الطبري ألف تاريخه وجمعه بعد الثلاثمائة من الهجرة، وأما =

стр. 123

ولقد أثبت هذا الطوسي شيخ الطائفة لدى القوم في أماليه حيث يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: فبايعت عمر كما بايعتموه، فوفيت له بيعته حتى لما قتل جعلني سادس ستة، ودخلت حيث أدخلني" (١). ــ = الثقفي فقد ألف كتابه هذا قريباً من الخمسينات بعد المأتين من الهجرة وكانت وفاته سنة ٢٨٣هـتقريباً، وهو شيعي متعصب مشهور، روى القوم عن تشيعه وتصلبه روايات وحكايات عديدة (٢). فالكتاب كتابكم والمحقق هو المحدث الشيعي المعاصر المشهور، والطابع مطبعة شيعية، ونشرته لجنة شيعية المكونة لنشر كتب القوم. فهل بعد هذا يحتاج ذاك إلى الرد بأن المصدر الأول لهذه القضية ولم يسبقه أحد إلى ذكرها هو أبو جعفر الطبر وهو المصدر الوحيد لهذه القصة، وههنا أحب أن أتمثل بعجز الشعر الفارسي، وأثبته أصلاً. اين كناهيست كه در شهر شما نيز كنند إن كانت هذه جريمة فمرتكبوها من بلدتكم أنتم، ولنعم ما قيل. وأخيراً نقول للأساتذة أصحاب الغيرة والنخوة من الشيعة الذين يرون أن هذا العار قد لحقهم، وهذه الوقاحة والشتيمة لزمتهم فكلما يذكر مذهبهم يذكر بأن مؤسسها عبد الله بن سبأ نقول لهم: ننشدكم بالله ألا تنكرون وجوده وشخصيته تقية (٣) خوفاً من الفضيحة وكشف الحقيقة؟ لأنكم "على دين من كتمه أعزه الله، ومن اذاعه أذله الله" (٤). ونسبتم إلى محمد الباقر - الإمام الخامس المعصوم لديكم - أنه قال: التقية =

стр. 124

فبايعه علي بن أبي طالب، وسمعه، وأطاعه، وناصحه، ورضي بما أمر به، ــ = في كل ضرورة (١) وصاحبها أعلم بها حين تنزل به" (٢) وإلا هل هنالك شك لشاك وريب لمرتاب أنه كان، وعقائده لا زالت كائنة =

стр. 125

ودخل اللجنة التي جعلها لانتخاب الخليفة منها، وكان وزيره ومشيره وقاضيه، ولقد ذكرنا مواقع عديدة استشار فيها الفاروق من مستشاريه، وكان من بينهم عل بن أبي طالب ﵁، وعمل بمشورة فيها دون غيره كما ذكر اليعقوبي المؤرخ الشيعي: "إن عمر شاور أصحاب رسول الله في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور علياً، فقال: إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجيء بعدنا شيء! ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا. فقال: وفقك الله! هذا الرأي" (١). وكذلك وردت الروايات الكثيرة في المسائل القضائية أن علياً كان في طرف والباقين في جانب آخر فرجح الفاروق قضاء عليّ ورأيه، ولقد بوب المفيد الملقب بالشيخ باباً مستقلاً بعنوان "ذكر ما جاء من قضاياه في إمرة عمر بن الخطاب" وأورد تحته قضايا مختلفة كثيرة حكم فيها عمر بقضاء علي ﵄، ومنها: "إن عمر أتى بحامل قد زنت فأمر برجمها فقال له أمير المؤمنين ﵇: هب أن لك سبيلاً عليها أي سبيل لك على ما في بطنها والله تعالى يقول: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ فقال عمر: لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن ثم قال: فما أصنع بها؟ قال: احتط عليها حتى تلد، فإذا ولدت ووجدت لولدها من ــ = موجودة عند القوم يحفظونها ويتشبثون بها ويعتقدونها ويعملون بها، فالله الهادي إلى سواء السبيل، ولقد أردنا أن نفرد لعبد الله بن سبأ مختصراً إن شاء الله ويسّر، فبيده التوفيق

стр. 126

يكفله فأقم عليها الحد، فسرى بذلك عن عمر وعول الحكم به على أمير المؤمنين ﵇" (١). وأيضا ذكر المفيد: إنه استدعى امرأة كانت تتحدث عندها الرجال، فلما جاءها رسله فزعت وارتاعت وخرجت معهم فأملصت ووقع إلى الأرض ولدها يستهل ثم مات فبلغ عمر ذلك فجمع أصحاب رسول الله ﷺ وسألهم عن الحكم في ذلك فقالوا بأجمعهم: نراك مؤدباً، ولم ترد إلا خيراً، ولا شيء عليك في ذلك وأمير المؤمنين ﵇ جالس لا يتكلم في ذلك، فقال له عمر: ما عندك في هذا يا أبا الحسن؟ فقال: قد سمعت ما قالوا: قال: فما عندك؟ قال: قد قال القوم ما سمعت، قال: أقسمت عليك لتقولن ما عندك، قال: إن كان القوم قاربوك فقد غشوك وإن كانوا ارتاؤا فقد قصروا الدية على عاقلتك لأن قتل الصبى خطأ تعلق بك فقال: أنت والله نصحتني من بينهم والله لا تبرح حتى تجري الدية على بني عدي ففعل ذلك أمير المؤمنين ﵇ (٢). وأيضاً "عن يونس عن الحسن أن عمر أتى بامرأة قد ولدت لستة أشهر فهم برجمها، فقال له أمير المؤمنين ﵇: إن خاصمتك بكتاب الله خصمتك إن الله تعالى يقول: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ ويقول جل قائلاً: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ فإذا تمت المرأة، الرضاعة سنتين، وكان حمله وفصاله ثلاثين شهراً، كان الحمل منها ستة أشهر، فخلى عمر سبيل المرأة وثبت الحكم بذلك فعمل به الصحابة والتابعون ومن أخذ عنه إلى يومنا هذا" (٣).

стр. 127

وأيضاً "إن امرأة شهد عليها الشهود أنهم وجدوها في بعض مياه العرب مع رجل يطأها ليس ببعل لها، فأمر عمر برجمها وكانت ذات بعل، فقالت: اللهم إنك تعلم أني بريئة، فغضب عمر وقال: وتجرح الشهود أيضاً، فقال أمير المؤمنين ﵇: ردوها واسألوها فلعل لها عذراً، فردت وسئلت عن حالها فقالت: كان لأهلي إبل فخرجت في إبل أهلي وحملت معي ماء ولم يكن في إبل أهلي لبن وخرج خليطنا وكان في إبله لبن، فنفذ مائي فاستسقيته فأبى أن يسقيني حتى أمكنه من نفسي فأبيت، فلما كادت نفسي تخرج أمكنته من نفسي كرها، فقال أمير المؤمنين ﵇: الله أكبر ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ فلما سمع ذلك عمر خلى سبيلها. وعمل الفاروق في جميع هذه القضايا بقضاء عليّ، ونفّذ ما قاله لأنه كان يقول حسب رواية شيعية: علي أقضانا" (١). فهذه قضاءاته، وتلك مشوراته، أفبعد هذا يمكن القول بأن علياً كان يخالف عمر رضى الله عنهما، أو كان بينهما شيء؟، حتى ويقال إنه لم يبايعه هو وذووه. فهل يتصور أن شخصاً لا يعترف ولا يقرّ بولاية أحد وخلافته ثم يشترك في الشورى في المسائل المهمة والنوائب الملمة، ويبدي رأيه الصائب، ويؤخذ بقوله ويقضى بين الناس، وينفذ قضاؤه؟. وأكثر من ذلك وأصرح ما ورد أنه لم يكن قاضياً ومشيراً ووزيراً لصهره ونائب رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين وخليفة المسلمين عمر بن الخطاب فحسب، بل كان نائباً له في الحكم والحكومة فأنابه عمر سنة ١٥ من الهجرة لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين وشاور أصحابه فمنعه علي، وقال له: لا تخرج

стр. 128

بنفسك، إنك تريد عدواً كلباً، فقال عمر: إنص أبادر بجهاز العدو موت العباس ابن عبد المطلب إنكم لو فقدتم العباس لينقض بكم الشر - فانظر حب الفاروق لأهل بيت النبي وخاصة لعمه - كما ينتقض الحبل" (١). فشخص عمر إلى الشام. "وإن علياً ﵇ هو كان المستخلف على المدينة" (٢). هذا ولقد ذكر المؤرخون أن الفاروق ﵁ أناب المرتضى ﵁ ثلاث مرات في الحكم وعلى عاصمة المؤمنين سنة ١٤ من الهجرة عندما أراد غزو العراق بنفسه. وسنة ١٥ عند شخوصه لقتال الروم" (٣). وعند خروجه إلى أيلة سنة ١٧ من الهجرة" (٤). ولأجل ذلك قال علي ﵁ لما عزموا على بيعته: أنا لكم وزيراً خير لكم مني أميراً" (٥). يشير بذلك إلى وزارته أيام الصديق وخاصة عصر الفاروق ﵃. ولأجل ذلك كان يقاتل هو وبنوه وأهله وذووه تحت رايته، ويقبلون منه الغنائم والهدايا والجواري والسبايا، ولو لم يكن خلافته حقاً لما كان القتال تحت رايته جهاداً، ولم يكن الجواري والإماء جوارياً وإماءً، ولم يجز قبولها والتمتع بها، وقد ثبت هذا كله كما ذكرناه سابقاً، وكما روى الشيعة أن حسن بن علي سبط رسول الله ﵊ قاتل تحت لواء الفاروق، وجاهد أيام خلافته وتحت توجيهاته وإرشاداته في الجيش الذي أرسل إلى غزو إيران

стр. 129

ويقولون: إن في أصفهان مسجداً يعرف بلسان الأرض! ولقد سمي بهذا الاسم لأن حضرة الإمام الحسن المجتبى ﵇ لما جاء إلى أصفهان أيام خلافة عمر بن الخطاب مجاهداً في سبيل الله غازياً وفاتحاً لهذه البلاد مع عساكر الإسلام نزل في موضع هذا المسجد فكلمت معه الأرض فسميت هذه البقعة لسان الأرض لتكملها معه" (١). وهذا وذلك دليل صدق على ما قلناه. وأخيراً نريد أن نختم هذا البحث على مظهر يدل دلالة واضحة على حب أهل البيت الفاروق الأعظم رضوان الله عليهم أجمعين، وذلك المظهر هو تسمية أهل البيت أبنائهم باسم الفاروق عمر، حباً وإعجاباً بشخصيته، وتقديراً لما أتى به من الأفعال الطيبة والمكارم العظيمة، ولما قدم إلى الإسلام من الخدمات الجليلة، وإقراراً بالصلات الودية الوطيدة والتي تربطه بأهل بيت النبوة، والرحم، والصهر القائم بينه وبينهم. فأول من سمى ابنه باسمه الإمام الأول المعصوم الذي لا يخطئ حسب معتقد القوم، ولقد سمى ابنه من أم حبيب بنت ربيعة البكرية التي منحها الصديق أبو بكر ﵁، عمر كما ذكر المفيد واليعقوبي والمجلسي والأصفهاني وصاحب الفصول، فيقول المفيد في باب "ذكر أولاد أمير المؤمنين وعددهم وأسماءهم": فأولاد أمير المؤمنين سبعة وعشرون ولداً ذكراً وأنثى (١) الحسن (٢) الحسين ... . (٦) عمر (٧) رقية كانا توأمين أمهما أم حبيب بنت ربيعة" (٢). ويقول اليعقوبي: وكان له من الولد الذكور أربعة عشر ذكراً الحسن والحسين ومحسن مات صغيراً، أمهم فاطمة بنت رسول الله ... .. وعمر، أمه

стр. 130

أم حبيب بنت ربيعة البكرية" (١). وأما المجلسي فيذكر "عمر بن علي من الذين قتلوا مع الحسين في كربلاء، وأمه أم البنين بنت الحزام الكلابية" (٢). وصاحب الفصول يقول تحت ذكر أولاد علي بن أبي طالب: وعمر من التغلبية، وهى الصهباء بنت ربيعة من السبي الذي أغار عليه خالد بن الوليد بعين التمر، وعمّر عمر هذا حتى بلغ خمسة وثمانين سنة فحاز نصف ميراث علي ﵇، وذلك أن جميع إخوته وأشقائه وهم عبد الله وجعفر وعثمان قتلوا جميعهم قبله مع الحسين (ع) - يعني أنه لم يقتل معهم - بالطف فورثهم" (٣). هذا وتبعه الحسن في ذلك الحب لعمر بن الخطاب ﵃، فسمى أحد أبنائه عمر أيضاً. يكتب المفيد في باب "ذكر ولد الحسن بن علي ﵉ وعددهم وأسماؤهم". "أولاد الحسن بن علي (ع) خمسة عشر ولداً ذكراً وأنثى (١) زيد ... . (٥) عمر (٦) قاسم (٧) عبد الله أمهم أم ولد" (٤). ويقول المجلسي:

стр. 131

كان عمر بن الحسن ممن استشهد مع الحسين بكربلاء" (١). ولكن الأصفهاني يرى أنه لم يقتل، بل كان ممن أسر فيقول: وحمل أهله (الحسين بعد قتله) أسرى وفيهم عمر، وزيد، والحسن بنو الحسن بن علي بن أبي طالب" (٢). وابنه الثاني من فاطمة بنت رسول الله ﷺ الحسين ﵁ أيضاً سمى أحد أبنائه باسم عمر، كما ذكر المجلسي تحت ذكر من قتل من البيت مع الحسين بكربلاء "قتل من أبنائه الحسين كما هو المشهور على الأكبر، وعبد الله الذي استشهد في حجره، وبعضهم قالوا: أيضاً قتل من أبنائه هو عمر وزيد" (٣). هذا ومن بعد الحسين ابنه علي الملقب بزين العابدين سمى أحد أبنائه أيضاً باسم عمه وزوجة عمته وصديق جده، عمر، كما ذكر المفيد في باب "ذكر ولد علي ﵇" قال: ولد علي بن الحسين ﵉ خمسة عشر ولداً (١) محمد المكنى بأبي جعفر الباقر (ع) أمه أم عبد الله بنت الحسن ... (٦) عمر لام ولد" (٤). وأما الأصفهاني فيذكر أن عمر هذا كان من أشقاء زيد بن على من أمه وأبيه كما يقول تحت ترجمة زيد بن على: وزيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ... . وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زيداً وعمر وعلياً وخديجة ... . اشترى المختار جارية بثلاثين

стр. 132

ألفاً، فقال لها: أدبري فأدبرت، ثم قال لها: أقبلي فأقبلت، ثم قال: ما أدري أحداً أحق بها من علي بن الحسين فبعث بها إليه وهى أم زيد بن على" (١). والجدير بالذكر أن كثيراً من أولاد عمر هذا خرجوا على العباسيين مع من خرج من أبناء عمومتهم (٢). وكذلك موسى بن جعفر الملقب بالكاظم - الإمام السابع لدى القوم - سمى أحد أبنائه باسم عمر كما ذكر الأربلي تحت عنوان أولاده (٣). فهؤلاء الأئمة الخمسة المعصومون لدى القوم يظهرون لعمر الفاروق ما يكنونه في صدورهم من حبهم وولائهم له وبعد وفاته بمدة. أوَ هناك مظهر أكبر من هذا المظهر على ودهم وإخلاصهم لشخصية إسلامية فذة، وعبقري لم يفر أحد فريه، عمر بن الخطاب ﵁. وبعد هؤلاء الوجوه جرى هذا الاسم في أولادهم كما ورد ذكر أولئك في كتب الأنساب والتاريخ والسير، وأورد بعضاً منها الأصفهاني في "المقاتل" والأربلي في "كشف الغمة" يقول الأصفهاني: فمن الذين خرجوا طلباً للحكم والحكومة من الطالبيين مثل يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج أيام المستعين. وعمر بن إسحاق بن الحسن بن علي بن الحسين "الذي خرج مع الحسين المعروف بصاحب فخ أيام موسى الهادي" (٤).

стр. 133

و"عمر بن الحسن بن علي بن الحسن بن الحسين بن الحسن" (١). إلى يومنا هذا غير هذا الشيعة منهم. ولكننا اكتفينا بالخمسة الأول لما لهم حجة على القوم لقولهم بعصمتهم وإمامتهم، فهذا هو موقف أهل البيت من صاحب رسول الله ﷺ ، عمر الفاروق الأعظم، ﵃ أجمعين، مثل الصديق ﵁ كانوا يجلونه، ويوقرونه، ويعظمونه، ويتولونه، ويخلصون له الوفاء والطاعة، ويحيون اسمه بعده بتسمية أبنائهم باسمه، ويصاهرونه، ويتقربون إليه. موقف أهل البيت من ذي النورين وأما ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين، وصاحب الجود والحياء، حب رسول الله وزوج ابنتيه رقية وأم كلثوم، وعديم النظير في هذا الشرف الذي لم ينله الأولون ولا الآخرون في أمة من الأمم، وعديل علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم أجمعين، وأول مهاجر بعد خليل الله ﵇، الذي حمل راية الإسلام وأداها إلى آفاق لم تبلغ إليها من قبل، وفتح على المسلمين مدناً جديدة وبلاداً واسعة شاسعة، وأمد المسلمين من جيبه الخاص بإمدادات كثيرة، وشرى لهم بئر رومة حينما لم يكن لهم بئر يستقون منها الماء بعد هجرتهم إلى طيبة التي طيبها الله بقدوم صاحب الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، كما اشترى لهم أرضاً يبنون عليها المسجد الذي هو آخر مساجد الأنبياء. ولم يكن إمداداته هذه ومساعداته لعامة المسلمين ومصالحهم الاجتماعية مثل تجهيز جيش العسرة وغيرها فحسب بل كان خيراً، جواداً، كريماً، منفقاً الأموال وناثرها وحتى على الخاصة كما كان على العامة. وهو الذي ساعد - الإمام المعصوم الأول الذي يعدونه أفضل من الأنبياء

стр. 134

والمرسلين، وملائكة الله المقربين - (١) علي بن أبي طالب ﵁ في زواجه، وأعطاه جميع النفقات كما يقر بذلك علي بن أبي طالب ﵁ بنفسه أني لما تقدمت إلى رسول الله ﷺ طالباً منه زواج فاطمة قال لي: بع درعك وائتني بثمنها حتى أهيئ لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما، قال علي: فأخذت درعي فانطلقت به إلى السوق فبعته بأربع مائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن! ألست أولى بالدرع

стр. 135

منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: نعم، قال: فإن هذا الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله فطرحت الدرع والدراهم بين يديه، وأخبرته بما كان من أمر عثمان فدعا له النبي بخير" (١).

стр. 136

وعلى ذلك كان ابن عم رسول الله ﷺ عبد الله بن عباس يقول: رحم الله أبا عمرو (عثمان بن عفان) كان والله أكرم الحفدة وأفضل البررة، هجاداً بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، نهاضاً عند كل مكرمة، سباقاً إلى كل منحة، حبيباً، أبياً، وفياً: صاحب جيش العسرة، ختن رسول الله ﷺ " (١). هذا وقد أشهده رسول الله ﷺ فيمن أشهده على زواج علي من فاطمة كما يروون عن أنس أنه قال ﵊: انطلق فادع لي أبا بكر وعمر وعثمان ... .. وبعددهم من الأنصار، قال: فانطلقت فدعوتهم له، فلما أن أخذوا مجالسهم قال ... .. إني أشهدكم أنى قد زوجت فاطمة من علي على أربعمائة مثقال من فضة (٢). وكفى لعلي فخراً بأن رسول الله ﷺ زوجه إحدى بناته فاطمة، وأدخله بذلك في أصهاره وأرحامه، وهذا الذي جعل الشيعة يقولون بأفضلية علي وإمامته وخلافته بعده، فكيف إذا زوج ابنتين لرسول الله ﷺ الذي زوجه بنتاً بعد بنت؟. وكفى لعثمان فخراً بأنه كان هو المنفق على هذا الزواج، والمهيئ له الأسباب، وأحد الشهود عليه، كما أنه يكفيه فخراً بأنه لم ينل في الدنيا أحد مثل ما ناله هو من الشرف والمكانة حيث تزوج من إبنتي نبي ﷺ ، ولم يوجد له شبيه ونظير في مثل ذلك، لأن عثمان تزوج بنته رقية بمكة، وأيضاً بأمر من الله سبحانه تعالى لأنه ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وبعد وفاتها زوجه رسول الله ﷺ ابنته الثانية أم كلثوم ﵂ كما يقر ويعترف بذلك علماء الشيعة أيضاً، فها هو المجلسي - وهو الشيعي المتعصب

стр. 137

المشهور اللعان السباب المعروف - يذكر ذلك في كتابه "حياة القلوب" نقلاً عن ابن بابويه القمي بسنده الصحيح المعتمد عليه بقوله: إن رسول الله ﷺ ولد له من خديجة القاسم، وعبد الله الملقب بالطاهر، وأم كلثوم، ورقية، وزينب، وفاطمة، وتزوج علي من فاطمة، وأبو العاص بن ربيعة من زينب، وكان رجلاً من بني أمية (*) كما تزوج ــ (*) [تعليق] المصاهرات بين بني أمية وبني هاشم: وهذا يدل على أنه لم يكن بين بني هاشم وبني أمية من المباغضة والمنافرة والعداوة التي اخترعها وابتكرها أعداء الإسلام والمسلمين، ونسجوا الأساطير والقصص حولها، ولقد رأينا بني أمية مع بني هاشم بالعكس أنهم أبناء أعمام وإخوان، وخلان، بل هم أقرب الناس ما بينهم يتبادلون الحب والأفكار، ويتقاسمون الهموم والآلام، ويمشون ويتماشون جنباً إلى جنب وحتى نقل علماء الشيعة ومؤرخوها أن أبا سفيان وهو رئيس بني أمية وسيد قومه أيامه كان من كبار أنصار علي، ومؤيدي بني هاشم يوم السقيفة، ولقد ذكر اليعقوبي كان ممن تخلف عن بيعة أبي بكر أبو سفيان بن حرب، وقال: أرضيتم يا بني عبد مناف أن يلي هذا الأمر عليكم غيركم؟ وقال لعلي بن أبي طالب: امدد يدك أبايعك، وعلي معه قصي، وقال: بني هاشم لا تطمعوا الناس فيكم ... ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا فيكم وإليكم ... وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن، فاشدد بها كف حازم ... فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي وإن امرأ يرمي قصي وراءه ... عزيز الحمى، والناس من غالب قصي (١). ويذكر ابن بابويه القمي أن الأنصار المخلصين لعلي كانوا اثنى عشر رجلاً من المهاجرين والأنصار، وكان واحد من هؤلاء خالد بن سعيد بن العاص الأموي، وادعى هو أمام الملأ. =

стр. 138

عثمان بن عفان أم كلثوم وماتت قبل أن يدخل بها، ثم لما أراد الرسول خروجه ــ = "والله إن قريشاً تعلم أني أعلاها حسباً وأقواها أدباً وأجملها ذكراً وأقلها غنى من الله ورسوله" (١). وكان بين أبي سفيان وبين العباس عم رسول الله وسيد بني هاشم من صداقة يضرب بها الأمثال. كما كانت بينهم المصاهرات قبل الإسلام وبعده، فلقد زوج رسول الله ﷺ بناته الثلاثة من الأربعة من بني أمية من أبي العاص بن الربيع وهو من بني أمية كما مر سابقاً، ومن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، وهو مع ذلك ابن بنت عمة رسول الله ﷺ التي ولدت مع والد رسول الله ﵊ عبد الله بن عبد المطلب توأمين "أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس وهي أم عثمان ﵁ وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة النبي ﷺ " (٢). هذا ولقد تزوج بعد عثمان بن عفان ﵁ من بني هاشم ابنه أبان بن عثمان "وكانت عنده أم كلثوم بنت عبد الله بن جعفر (الطيار) بن أبي طالب شقيق علي" (٣). وحفيدة علي وبنت الحسين سكينة كانت متزوجة من حفيد عثمان زيد بن عمرو بن عثمان ﵃ أجمعين "وزيد بن عمرو بن عثمان بن عفان هذا هو الذي كانت عنده سكينة بنت حسين، فهلك عنها فورثته" (٤). =

стр. 139

إلى بدر زوّجه من رقية" (١). ــ = وحفيدة علي الثانية وابنة الحسين فاطمة كانت متزوجة من حفيد عثمان الآخر "محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. . . . وأمه فاطمة بنت الحسين كان عبد الله بن عمرو تزوجها بعد وفاة الحسن بن الحس بن علي بن أبي طالب" (٢). ثم تزوجت حفيدة ابن علي، حسن بن علي من حفيد عثمان، مروان بن أبان "وكانت أم القاسم بنت الحسن (المثنى) بن الحسن عند مروان بن أبان بن عثان بن عفان (٣) فولدت له محمد بن مروان" (٤). هذا وكانت أم حبيبة بنت أبي سفيان سيد بني أمية متزوجة من سيد بني هاشم وسيد ولد آدم رسول الله الصادق الأمين كما هو معروف لا نحتاج إلى إثباته من كتاب. ثم "هند بنت أبي سفيان كانت متزوجة من الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم فولدت له ابنه محمداً" (٥). وأيضاً "تزوجت لبابة بنت عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، العباس بن علي بن أبي طالب، ثم خلف عليها الوليد بن عتبة (ابن أخ معاوية) بن أبي =

стр. 140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ = سفيان" (١). وبعدها "تزوجت رملة بنت محمد بن جعفر - الطيار - بن أبي طالب سليمان بن هشام بن عبد الملك (الأموي) ثم أبا القاسم بن وليد بن عتبة بن أبي سفيان" (٢). وكذلك تزوجت ابنة علي بن أبي طالب رملة من ابن مروان بن الحكم (٣) ابن أبي العاص بن أمية معاوية بن عمران "ورملة بنت علي أنها أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي" (٤). "وكانت رملة بنت علي عند أبي الهياج. . . . . ثم خلف عليها معاوية بن مروان بن الحكم بن أبي العاص" (٥). وكذلك زينب بنت الحسن المثنى أمها فاطمة بنت الحسن نجيبة الطرفين "وكانت زينب بنت حسن بن حسن بن علي عند الوليد بن عبد الملك بن مروان (الأموي) " (٦). وكذلك تزوجت حفيدة علي بن أبي طالب من حفيد مروان الحكم "ونفسيسة بنت زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب تزوجها وليد بن عبد الملك بن مروان فتوفيت عنده، وأمها لبابة بنت عبد الله بن عباس" (٧).

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا ومثل هذه المصاهرات لكثيرة جداً بين بني أمية وبني هاشم، وقد اكتفينا ببيان بعض منها، وفيها كفاية لمن أراد الحق والتبصر، ولكن من يضلل الله فلا هادي له. وعلى ذلك كتب علي المرتضى ﵁ في كتاب له إلى معاوية بن أبي سفيان ﵄ "لم يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك، أن خلطناكم بأنفسنا، فنكحنا وأنكحنا فعل الأكفاء" (١). أو بعد هذا يبقى مجال لقائل أن يقول بأن بين بني أمية وبني هاشم كانت المنافرة والمعاداة والتحاسد والتباغض؟ وهذه الأشياء هي التي تشكلت بعد ذلك بصورة قتال ومشاجرات بين علي وابنه الحسن ومعاوية وابنه يزيد والحسن إلى آخر الكلام مع أن هذا القول لا أصل له ولا أساس. والمعروف أن بني أمية وبني هاشم كلهم أبناء أب واحد، وأحفاد جد واحد، وأغصان شجرة واحدة قبل الإسلام وبعد الإسلام، كلهم استقوا من عين واحدة ومنبع صاف واحد، وأخذوا الثمار من دين الله الحنيف الذي جاء به محمد رسول الله الصادق الأمين، المعلم، القائل أن لا فرق بين عربي وعجمي، ولا بين أسود وأحمر، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، فليس الفخر بحسب دون حسب ونسب دون نسب من تعليمات رسول الله ﷺ ولا من إرشاداته وتوجيهاته، ولا من شأنه ودأبه، وهو القائل في خطبة حجة الوداع حسب رواية شيعية. "الناس في الإسلام سواء، الناس طف الصاع لآدم وحواء، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بتقوى الله، ألا هل بلغت؟ قالوا نعم! قال: اللهم اشهد، ثم قال: لا تأتوني بأنسابكم، وأتوني بأعمالكم. . . . ثم قال: إن المسلم أخو المسلم لا يغشه، ولا يخونه ولا يغتابه، ولا يحل له دمه، ولا شيء من ماله إلا بطيبة نفسه، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد" (٢)

стр. 142

وأورد الحميري رواية عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: لرسول الله ﷺ من خديجة. القاسم والطاهر وأم كلثوم ورقية وفاطمة وزينب، فتزوج علي ﵇ فاطمة ﵍، وتزوج أبو العاص بن ربيعة وهو من بني أمية زينباً، وتزوج عثمان بن عفان أم كلثوم ولم يدخل بها حتى هلكت، وزوجه رسول الله ﷺ مكانها رقية" (١). وروى بمثل هذه الرواية العباس القمي في "منتهى الآمال" عن جعفر الصادق، والمامقاني في "تنقيح الرجال" (٢). وأقر بذلك الشري حيث كتب: "وما كان عثمان دون الشيخين صحبة ولا سابقة، فهو من المسلمين الموقرين، وهو صهر الرسول مرتين، تزوج ابنة الرسول رقية، وولد له منها ولد، عبد الله توفي وعمره ست سنين وكانت أمه توفيت قبل وفاته، وزوجه النبي بنته الثانية أم كلثوم، فلم تلبث أم كلثوم معه طويلاً وتوفيت في أيام أبيها" (٣). ولقد ذكر المسعودي تحت ذكر أولاده ﷺ : "وكل أولاده من خديجة خلا إبراهيم وولد له ﷺ القاسم، وبه كان يكنى وكان أكبر بنيه سناً، ورقية وأم كلثوم، زكانتا تحت عتبة وعتيبة ابني أبى لهب (عمه) فطلقاهما لخبر يطول ذكره فتزوجهما عثمان بن عفان واحدة بعد واحد" (٤). ورداّ على من ينكرون رقية وأم كلثوم بنات النبي نذكر رواية من الكليني والعروسي الحويزي تحت باب مولد النبي:

стр. 143

"وتزوج خديجة وهو ابن بضع وعشرين سنة، فولد له منها قبل مبعثه ﵇ القاسم، ورقية، وزينب، وأم كلثوم، وولد له بعد المبعث الطيب والطاهر وفاطمة ﵍" (١). هذا ولقد شهد بذلك علي بن أبي طالب أيضاً كما شهد لعثمان الإيمان والصحبة وعلماً مثل علمه، ومعرفة مثل معرفته، وسبقاً في الإسلام مثل سبقه، وهذا كله في كلامه الذي قال لعثمان حينما سأله الناس مخاطبته إياه: "فدخل عليه فقال: إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم، ووالله ما أدري ما أقول لك! ما أعرف شيئاً تجهله: ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم. ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه. وقد رأيت كما رأينا، وسمعت كما سمعنا، وصحبت رسول الله ﷺ كما صحبنا. وما ابن أبي قحافة ولا ابن الخطاب بأولى بالعمل منك، وأنت أقرب إلى أبي رسول الله ﷺ وشيجة رحم منهما، وقد نلت من صهره ما لم ينالا. فالله الله في نفسك! فإنك - والله - ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل" (٢). فانظر ماذا يقول الخليفة الراشد الرابع عندنا والإمام المعصوم الأول عندهم؟ فهل بعد هذا شك لشاك وريب لمرتاب بأن علياً أفضل منه وأعلم وأعرف بخفايا الأمور التي جهلها ذو النورين، أو هو أقرب إلى رسول الله ﷺ وشيجة وصلة رحم، أو هو يعلم من جهل ويبصر من عمي؟، وهذا بعد إقرار واعتراف من علي بن أبي طالب وشهادة منه ﵄. هذا وقد أنزله رسول الله ﷺ بمنزلة الفؤاد كما رووا عنه أنه قال إن أبا بكر مني بمنزلة السمع، وإن عمر مني بمنزلة البصر، وإن عثمان مني بمنزلة الفؤاد" (٣).

стр. 144

وهينئاً له أن يجعله رسول الله ﷺ بمنزلة فؤاده، ويروي عنه سبطه وابن سيدة نساء أهل الجنة فاطمة، حسين بن علي ﵃ أجمعين" (١). وحسن بن علي أيضاً" (٢). ولقد مدحه من أهل البيت غير الحسن والحسين وأبيهما علي بن أبي طالب ﵃ كما أورد الكليني عن جعفر بن الباقر - الإمام السادس المعصوم عندهم - أنه قال في مدحه، ومبشراً إياه هو وأتباعه بالجنة قائلاً: ينادي مناد من السماء أول النهار ألا إن علياً صلوات الله عليه وشيعته هم الفائزون، قال: وينادي مناد آخر النهار ألا إن عثمان وشيعته هم الفائزون" (٣). ويبين جعفر أيضاً مقام عثمان بن عفان عند رسول الله ﷺ ، وثقته فيه، ونيابته عنه، وإخلاص عثمان للنبي ﵇ والوفاء والاتباع لا نظير له كما يبين إحدى الميزات التي امتاز بها عثمان دون غيره، وهو جعل رسول الله ﷺ إحدى يديه لعثمان، وبيعته بنفسه عنه، وكل ذلك في قصة صلح الحديبية حيث يقول: فأرسل إليه رسول الله ﷺ (عثمان بن عفان) فقال: انطلق إلى قومك من المؤمنين فبشرهم بما وعدني ربي من فتح مكة، فلما انطلق عثمان لقي أبان بن سعد فتأخر عن السرح فحمل عثمان بين يديه ودخل عثمان فأعلمهم وكانت المناوشة، فجلس سهيل بن عمرو عند رسول الله ﷺ وجلس عثمان في عسكر المشركين وبايع رسول الله ﷺ المسلمين، وضرب بإحدى يديه على الأخرى لعثمان، وقال المسلمون: طوبى لعثمان قد طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل، فقال رسول الله - صلى الله

стр. 145

عليه وسلم -: ما كان ليفعل، فلما جاء عثمان قال له رسول الله ﷺ : أطفت بالبيت؟ فقال: ما كنت لأطوف بالبيت ورسول الله ﷺ لم يطف به، ثم ذكر القصة وما فيها" (١). وهل هناك إطاعة فوق هذه الطاعة بأن شخصاً يدخل الحرم ولا يطوف بالبيت لأن سيده ومولاه رسول الله ﵊ لم يطف به. وذكر مثل ذلك المجلسي في كتابه "حياة القلوب" قال: لما وصل الخبر إلى رسول الله بأن عثمان قتله المشركون. قال الرسول: لا أتحرك من ههنا إلا بعد قتال من قتلوا عثمان فاتكأ بالشجرة، وأخذ البيعة (٢) لعثمان، ثم ذكر القصة بتمامها" (٣). فهذا هو الإمام الشهيد المظلوم الثالث ﵁ وأرضاه. مبايعة علي له وكان علي يرى صحة إمامته وخلافته لاجتماع المهاجرين والأنصار عليه، وكان يعد خلافته من الله رضى، ولم يكن لأحد الخيار أن يرد بيعته بعد ذلك، أو ينكر إمامته حاضراً كان أم غائباً كما قال في إحدى خطاباته رداً على معاوية بن أبي سفيان ﵄: إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان لله رضى، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى" (٤).
следующие страницы →