← Акыда

Акыда · id 37552

الشيعة وأهل البيت

إحسان إلهي ظهير

Полный текст (303 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الشيعة وأهل البيت تأليف الأستاذ / إحسان إلهي ظهير رئيس تحرير مجلة ترجمان الحديث لاهور باكستان

стр. 2

مقدمة الحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والصلاة والسلام على نبيه محمد المصطفى، الذي تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يضل سالكها، ولا يهتدي تاركها، وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى، وزين الورى، ومن أحبهم إلى يوم الفناء وزوال الأرض والسماء. وبعد فإنني ألفت قبل السنوات التسعة كتاباً حول عقائد الشيعة رداً على من أراد التمويه والتزوير لأهل السنة في بلادهم ومدنهم باسم التقريب، أي تقريب السنة إلى الشيعة والتشجيع، مستعملاً فيه التقية اللازمة لمذهبهم، والأكاذيب التي هي أكبر وسيلة للقوم. فحمداً لله أفاد الكتاب الأقارب والأباعد، الأحباء والأغيار بصورة لم أكن أتصوره آنذاك، وصار مرجعاً للمخلصين الأوفياء لأصحاب محمد ﷺ ، ومثلجاً صدور المؤمنين، المتبعين أسلاف هذه الأمة وأكابرها الذين حملوا راية الله إلى الآفاق، وكسروا شوكة أعداء الله، جبابرة الأمم وطغاتها، وفرح به الأصاغر والأكابر. وعرف الجميع حقيقة القوم التي طالما خفيت على كثير من الناس الذين خدعوا بالأباطيل والنعرات والهتافات بحب آل البيت، واتباعهم، وموالاتهم. وعرفوا أن القوم يدينون بدين هو غير دين الله الذي جاء به محمد بن عبد الله، نبي الله وصفيه صلوات الله وسلامه عليه، ويؤمنون بالقرآن غير القرآن الموجود في أيدي الناس، والمنزل من الله على قلب المصطفى، نزل به الروح الأمين

стр. 3

- ﷺ ، ولهم عقائد ومعتقدات لا تمت إلى الإسلام بصلة والإسلام منها بريء. كما علموا بغض القوم وحقدهم على أصحاب الرسول ﷺ وشتائمهم وسبابهم إياهم، ولعله أول مرة بذكر المصادر الموثوقة، والكتب المعتمدة لدى القوم، وبعباراتهم أنفسهم مع ذكر الصفحة والمجلد والطبعة. وعرفوا كذلك التقية الشيعية ومعتقدهم في الأئمة، وجعلهم فوق الأنبياء والرسل، بل وقريباً من الإله الواحد، الفرد، الصمد. وذمهم من قبل أئمتهم وأهل البيت إياهم، عرفوا كل ذلك، وأدركوا خطرهم ومكرهم وما يكتمون وراء دعوتهم أهل السنة إلى التقريب والتقارب. وأحدث الكتاب ضجة كبرى في الأوساط الشيعية لافتضاح أمرهم واكتشاف سرهم حتى صرخ أحد مؤلفيهم الذي عبثا حاول الرد على الكتاب بقوله: خذ صفحة من كتاب "الشيعة والسنة" واقرأه وانظر ما فيه، ستجد كلامي حقاً لا شبهة فيه وستجد أن هذا الرجل يحاول أن يثير الرأي العام على الشيعة - إلى أن قال - وفقت في هذا العام لأداء العمرة المفردة فوجدت أن كلمات هذا الرجل تتردد على أفواه بعض المنسبين للعلم أكثر من السنين السابقة فهم يرددون تلك الكلمات كما تردد الببغاء كلماتها المحفوظة، فعلمت أن هذا من تأثير ذلك (١). كما كتب لي أحد أئمة الشيعة من الكاظمية من العراق وهو يلومني "وفي إحدى الجمعات وجدت أحد الأصدقاء والأحباء المخلصين لي من بغداد وهو قد استمع إلى خطبتي حسب العادة ولكنه انصرف قبل إقامة الصلاة، ولما سألته بعد ذلك عن سبب انصرافه قبل الصلاة؟ قال: لأني لا أجيزها خلفك، فازداد

стр. 4

استغرابي فقلت: وما الذي حدث؟ قال: إني قرأت "الشيعة والسنة" لأحد علماء باكستان وقرأت فيه ما جعلني أعتقد فيكم ما لم أكن أعتقده قبل ذلك، ولكني لشغفي بكم وبحبي لخطابكم جئت لأستمع الخطبة وأما الصلاة فلا (١). فكتبت رداً عليه، في يومه وها أنا ذا أجيب، السيد، س-خ إن كان ما كتبه غلطاً وكذباً فبينوا وتؤجروا، وإن كان صحيحاً فارجعوا إلى الحق واتركوا ما ترون في إظهاره فضيحة وعاراً لكم في الدنيا، وسيكون في الآخرة أشد". وعند الله في ذاك الجزاء وسنة ٨٠ الميلادية لقيني في الحج بمكة المكرمة بعض العلماء الكبار من الشيعة وتكلموا حول كتابي وقالوا: لا ينبغي كتابة مثل هذا الكتاب في مثل هذه الظروف والآونة فقلت لهم: نعم، ولكم حق، ولكن هل لكم أن تخبروني أن في الكتاب غير ما هو موجود في كتبكم أنتم؟ فقالوا: نعم، كل مافيه من كتبنا نحن ولكن لا ينبغي إثارة المسائل كهذه، فقلت: ماذا تريدون؟ قالوا: وهم يطيرون فرحاً وسروراً من استماعي وإصغائيلهم: صادر هذا الكتاب وأحرقه ولا تطبعه ثانية. قلت: موافق، ولكن بشرط؟ أجابوا وهم لا يصدقون قولي من شدة الفرح: بشروط ومقبولة قبل أن تذكرها. فقلت: ولابد من الذكر، وشرط واحد؟ هات وما هو؟ قلت: أن تصادروا جميع تلك الكتب التي نقلت عنها هذه الخرافات والخزعبلات. وإحراقها حتى لا يبقى بعد ذلك خلاف قطعاً وأبداً، ولا ينقل

стр. 5

عنها أحد غيري وبعدي، نستأصل الجذر حتى لا تطلع منها شجرة. فرجعوا إلى أنفسهم وقالوا: إنك تعرف أن هذه الأشياء كانت مبعثرة، منتشرة في أوراق الكتب وصفحاتها، ولم يكن في متناول كل أحد، ولكنك ألفت وجمعتها كلها في كتاب، وأردت أن تفرق بها كلمة المسلمين؟ نعم! جمعت وألفت وجعلت هذه العقائد في متناول الجميع بعد أن كانت معروفة لدى قوم واحد، والآخرون كانوا في غفلة منها وعدم العلم، ألفت حتى يكون كلا الطرفين على بينة ومعرفة لا يخدع واحد دون أحد حتى يكون التقارب، التقارب الحقيقي، ومن جانبين، لا من جانب واحد كما قال الفضل بن عباس:- لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ... وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم إن لا تحبونا وأما أن يكون بأن نكرمكم ونكرم أكابركم وأعيانكم وأنتم تبغضوننا وتبغضون أسلاف هذه الأمة ومحسنيها، وباني مجدها، ورافعي شمخها، ومعلني كلمتها، الفاتحين الغزاة، المجاهدين الكماة. ونصدق لكم في القول ونظهر ما في قلوبنا ونفوسنا وتستعملون التقية وتبطنون خلاف ما تعلنون فلا يكون ولن يكون. نعم! إن وجد في كتابي ما لا يوجد في كتبكم، ونسبت إليكم شيئا لم يكن فيكم فأنا مدبن، وهل فيكم وفي غيركم أحد يستطيع أن يثبت شيئا من هذا؟ فالحمد لله الذي لا أحمد أحداً سواه، ولا أستطيع أن أحمده كما يليق بشأنه وعظمته، لم يستطيع أحد لا في العرب ولا في العجم بأن يجترئ ويقدم على ذلك مع كثرة ما كتب رداً على. وحتى السيد - س-خ عندما عجز عن ذلك اصطنع رسائل واخترع خطابات لم تحملها البريد أبداً ومن الفتيات في الإمارات العربية (١).

стр. 6

والفتيات التي قال فيه عنهن الشاعر قديماً:- كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول ومن الغرائب أن الرسائل أرسلت إلى حسب قوله بباكستان ولكنها وصلت إليه في لبنان. لهم قلوب لا يفقهون بها ولا يسعني إلا أن أقول له: عبثاً يا سيد، س-خ! كفلت نفسك بالرد أنت - وغيرك مثلك - (١). دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي وعلى كل فإن الكتاب ومع صغر حجمه كان كثير الفائدة والنتائج، وكان الإقبال عليه مدهشاً حتى طبع منه خلال هذه السنوات القليلة أكثر من مائة ألف نسخة طباعة شرعية أعنى ما طبع منه بإذن مني، وأما الغير الشرعية فالله يعلم (٢)، هذا باللغة العربية، أما باللغات الأخرى الفارسية وغيرها فغير محسوب. أما هذا الكتاب، فكتاب مستقل عن ذلك، وأقصد من كتابته أولاً هو تعريف الشيعة، وتبيت حقائقها، وإظهار خفاياها، وإلقاء الأضواء عليها، وعلى المسائل التي اخترعوها، والعقائد التي ابتكروها وأوجدوها - للشيعة أنفسهم -. لأننا أدركنا القوم أنفسهم وخاصة العوام منهم لا يعرفون مذهبهم الحقيقي، ومعتقداتهم الأصلية (٣). فهم في جهل كامل، وغفلة عميقة عن حقيقة مذهبهم

стр. 7

الذي اعتنقوه وراثة، أو مخدوعين باسم حب أهل البيت النبي والولاء لهم، وهم لا يعرفون حتى وأهل البيت، لأن القوم ما أرادوا من أهل البيت أهل بيت النبي، بل يقصدون من وراء هذه الكلمة أهل البيت علي لا نبي، وحتى علي لا يعدون جميع أولاده من أهل البيت مع من فيهم بناته اللاتي أنجبتهم فاطمة ﵂ بنت النبي ﷺ ، بل يقصدون من ذلك أشخاصاً معدودين يعدون على أنامل يد واحدة كما سيرى القارئ في الكتاب. فأولاً وأصلاً كتبنا هذا الكتاب لأولئك المخدوعين، المغترين، الغير العارفين حقيقة القوم وأصل معتقداتهم كي يدركوا الحق ويرجعوا إلى الصواب إن وفقهم الله لذلك، ويعرفوا أن أهل البيت - نعم - وحتى أهل بيت علي ﵃ أجمعين لا يوافقون القوم ولا يقولون بمقالتهم، بل هم على طرف والقوم على طرف آخر، وكل ذلك من كتب القوم وبعباراتهم هم أنفسهم، وهذا مع ادعائهم اتباعهم وإطاعتهم وولائهم وموالاتهم. كما يكون الكتاب حجة قاطعة وبرهاناً ساطعاً في أيدي السنة، مطيعي كتاب الله وسنة رسوله ﵊، ومحبي الصحابة، ومتبعي السلف الصالح لهذه الأمة، والسالكين مسلكهم، والمقتفين آثارهم، والمتبعين منهجهم. طبقاً لقول الله : والذين اتبعوهم بإحسان. ومصداقاً لقوله جل وعلا: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾ (١). ومن الطرائف أن القوم لشدة بغضهم أصحاب رسول الله العظيم صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله عليهم أجمعين، نبذوا وحتى تعليمات أئمتهم الذين يزعمونهم معصومين، لا يصدر عنهم الخطأ والزلل، والثابتة في كبهم أنفسهم، لا في كتب مخالفيهم ومعانديهم.

стр. 8

كما نسوا تلك الروابط والعلائق كانت تربطهم مع الآخرين من الصديق، والفاروق، وذي النورين، ومعاوية خال المؤمنين، وغيرهم من أجلة صحبة الرسول ﷺ ، ورفاقه، ووزرائه، ومستشاريه، وتلامذته، ومريديه ﵃ أجمعين والمذكورة المحفوظة في كتبهم أيضاً. والقارئ يرى العجائب الناطقة إن شاء الله في هذا الموضوع الذي لعله يكون فريداً في نوعه بهذه السعة والثبوت بتوفيق الله إياي، ومنّه. وكرمه، ويندهش بعد ما يرى دلائل الصدق تبدد غيوم الضغائن القديمة والأحقاد المتوارثة والجهل السائد الموروث من جيل إلى جيل باسم أهل البيت وعلى حسابهم، أهل البيت الذين كانوا هم أخلص المخلصين لرفاق رسول الله ﷺ ، وأصحابه، والمتوادين، المتعاطفين، المتراحمين، المتحابين ما بينهم، المتزوجين منهم والمزوجين لهم. ويرى القارئ أيضا كيف أخرجنا وأثبتنا كل هذا ووضعنا النقاط على الحروف من خلال كتبهم الكثيرة الكثيرة المعتمدة، ومن بين خفاياها وزواياها التي طالما غطوها، وغلفوها بغلافات كثيفة، كثيرة، وستروها وأخفوها عن العامة خوفاً من الفضيحة، وشكراً لله لم نحتج ولا إلى كتاب واحد لإثبات الحق وإبطال الباطل، وكشف النقاب عن وجه الحقيقة، وإماطة اللثام عن جبين الصدق، إلى كتاب واحد ولا إلى رواية واحدة ولو تاريخية غير روايات القوم وكتبهم، ولم يكن هذا إلا بمنّ الله علينا، حتى يكون أقطع للحجة وأثبت، وألزم للقوم وأفهم ولا يبقى أمامهم مجال للهرب، ولا للفرار، ولا لتأويل، ولا لتزوير. فكُتُب القوم تشهد عليه، ورواياتهم تنطق ضدهم "ويوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون" وأئمتهم يشهدون عليهم بأنهم خالفوهم في حياتهم، ويخالفونهم بعد وفاتهم، وهم أثبتوا بأنهم فعلا خالفوهم ولا زالوا يخالفونهم، يعملون ضد ما أمروا، ويتفوهون بما لم يؤمروا، ويعاندون من والوهم، ويسبون من صاهروهم ويشتمون من استشاروهم واستوزروهم،

стр. 9

ثم لم يقتصروا على ذلك فحسب، بل تجاوزوا إلى إهانة أهل البيت أنفسهم، والطعن والنقد والجرح فيهم، واستصغارهم واحتقارهم، ووصلوا إلى حد الإساءة والسباب والشتيمة في حقهم كما تجرؤا على أنبياء الله ورسله، وتطاولوا على خير الخلق وسيد البشر صلاة الله وسلامه عليهم أجمعين. كذبوا عليهم، ونسبوا إليهم مسائل يمجها العقل، ويزدريها الفكر، وتأباها الفطرة السليمة، وينكرها الذوق، وكل هذا من كتبهم الموثوقة. المعتبرة، المعتمدة لديهم، والتي طبعوها أنفسهم أيضاً بثبت المصادر والمراجع، وبذكر الصفحات، والمجلدات، والطبعات بالأرقام والحروف. ولا نظن أن يجترئ أحد منهم على أن يكذب ما ذكرناه، أو ينكر ما أثبتناه إن شاء الله. ونعتقد أن الله ينفع بهذا الكتاب أناساً كما نفع بسابقه وأن يهدي به من أراد هدايته. وبذلك نرى أننا وفينا الوعد الذي وعدنا به في كتابنا الأول بأن نتبعه بكتاب آخر، وهاهو ذا الكتاب نقدمه اليوم بين أيدي القراء راجين منهم أن يخبرونا بآرائهم حوله، وهل يحتاجون بعد هذا إلى مختصر آخر حتى نعده لهم، ونقدمه إليهم؟ لأننا أثناء تصفحنا كتب القوم وجدنا أشياء كثيرة كانت غامضة وخافية وحتى علينا نحن، ولعل الله يهيئ الأسباب لإخراجها من دفائن الكتب وطياتها، وإبرازها للناس، وما ذلك على الله بعزيز. وأخيراً لا يسعني إلا وأن أذكرههنا أم المشائخ والاخوة الكثيرين لهم يد كبير في تأليف هذا الكتاب وإبرازه للناس حيث ألحوا على بمواصلة الكتابة حول هذا الموضوع الذي ازداد احتياج الناس اليه في الآونة الأخيرة لعدم معرفتهم المعرفة الحقيقية معتقدات القوم الأصلية ومواقفهم تجاه سلف هذه الأمة ومحسنيها وكثرة اشتغال الكتاب والمؤلفين من الشيعة بالكتابة ضد السنة وأسلافهم.

стр. 10

الباب الأول الشيعة وأهل البيت يزعم الشيعة أنهم موالون لأهل بيت النبي ﷺ ، ومحبون لهم، ومذهبهم مستقاة من أقوالهم وأفعالهم، ومبني على آرائهم ومروياتهم. وقبل أن نبحث عن هذا، ونتحقق، ونعلم صدق هذا القول وكذبه أردنا في هذا الباب أن نعرف ونعرّف القارئ والباحث من هم أهل البيت؟ ومن هم الذين يقصدون بهذه اللفظة؟ وأيضاً وما معنى الشيعة، ومن يرادون بها؟ فأهل البيت مركب من الأهل والبيت، فقد قال صاحب القاموس ((أهل الأمر ولاته، وللبيت سكانه، وللمذهب من يدين به، وللرجل زوجة كأهلته، وللنبي أزواجه وبناته، وصهره علي ﵁ (١)، أو نسائه، وللرجال الذين هم آله ولكل نبي أمته)) (٢). وقال الزبيدي: والأهل للمذهب من يدين به ويعتقده، والأهل للرجل زوجته، ويدخل فيه أولاده، وبه فسر قوله تعالى: ﴿وسار بأهله﴾ أي زوجته وأهله،

стр. 11

والأهل للنبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره علي ﵁، أو نسائه، وقيل أهله الرجال الذين هم آله ويدخل الأحفاد والذريات، ومنه قوله تعالى: ﴿وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها﴾. وقوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ وقوله تعالى: ﴿ورحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد﴾ وإن أهل كل نبي أمته وأهل ملته ومنه قوله تعالى: ﴿وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة﴾. وقال الراغب وتبعه المناوي: أهل الرجل من يجمعه نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل من يجمعه وإياهم مسكن واحد، ثم تجوز به فقيل: أهل بيته من يجمعه وإياهم نسب أو ما ذكر، وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقاً - إلى أن قال -: آل الله ورسوله أولياءه وأنصاره، ومنه قول عبد المطلب في جد النبي ﷺ في قصة الفيل: وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك (١). وقال ابن المنظور الأفريقي: أهل المذهب من يدين به، وأهل الأمر ولاته، وأهل الرجل أخص الناس به، وأهل بيت النبي ﷺ أزواجه وبناته وصهره، أعني عليا ﵇، وقيل نساء النبي ﷺ . . .، وأهل كل نبي أمته، إلى أن قال: وأهل الرجل وأهلته زوجه، وأهل الرجل يأهل أهلا وأهولا وأهل تزوج، وأهل فلان امرأة يأهل إذا تزوجها فهي مأهولة، والتأهل التزوج، وفي باب الدعاء: آهلك الله في الجنة إيهالا أي زوجك فيها، وأدخلكها، وفي الحديث "أن النبي ﷺ أعطى الآهل حظين والعزب حظاً"، والآهل الذي له زوجة والعزب الذي لا زوجة له .. وآل الرجل أهله، وآل الله ورسوله أولياءه أصلها أهل، ثم أبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير أأل، فلما توالت الهمزتان أبدلت الثانية ألفاً (٢).

стр. 12

وقال الجوهري: أهل فلان أي تزوج .. قال أبو زيد: آهلك الله في الجنة أي أدخلها وزوجك فيها" (١). وقال الزمخرشي في الأساس: تأهل تزوج وآهلك الله في الجنة إيهالاً زوجك (٢). وقال الخليل: أهل الرجل زوجه، والتأهل التزوج وأهل الرجل أخص الناس به وأهل البيت سكانه وأهل الإسلام من يدين به (٣). وقد قال الإمام الراغب الأصفهاني: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين أو ما يجري مجراهما من صناعة وبيت وبلد، فأهل الرجل في الأصل من يجمعه وإياهم مسكن واحد ثم تجوز به فقيل أهل بيت الرجل لمن يجمعه وإياهم النسب، وتعورف في أسرة النبي ﷺ مطلقاً إذا قيل: أهل البيت لقوله : ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾، وعبّر أهل الرجل بامرأته وأهل الإسلام الذين يجمعهم - إلى أن قال - وتأهل إذا تزوج، ومنه قيل آهلك الله في الجنة أي زوجك فيها (٤). وقال تحت لفظة آل: الآل مقلوب من الأهل - إلى أن قال - ويستعمل في من يختص بالإنسان اختصاصاً ذاتياً، إما بقرابة قريبة أو موالاة قال : وآل إبراهيم وآل عمران، وقال: ﴿أدخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾ قيل: وآل النبي ﷺ أقاربه، وقيل: المختصون به من حيث العلم، وذلك أن أهل الدين ضربان، ضرب مختص بالعلم المتقن، والعمل المحكم، فيقال لهم: آل النبي وأمته، وضرب يختصون بالعلم على سبيل التقليد، ويقال لهم: أمة محمد، ولا يقال لهم آله فكل آل للنبي أمة له، وليست كل أمة آل له، وقيل

стр. 13

لجعفر الصادق ﵁: الناس يقولون: المسلمون كلهم آل النبي ﵊؟ قال: كذبوا وصدقوا فيقل له: ما معنى ذلك؟ فقال: كذبوا أن الأمة كافتهم آله، وصدقوا في أنهم إذا قاموا بشرائط شريعته آله (١). وقال محمد جواد مغنية الشيعي المعاصر: أهل البيت في اللغة سكانه، وآل الرجل أهله، ولا يستعمل لفظ "آل" إلا في أهل رجل له مكانة، وقد جاء ذكر أهل البيت في آيتين من القرآن، الأولى الآية ٧٣ من سورة "هود": ﴿رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾، والثانية الآية ٣٣ من سورة "الأحزاب": ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً﴾ واتفق المفسرون أن المراد بالآية الأولى أهل البيت إبراهيم الخليل، وبالآية الثانية أهل بيت محمد بن عبد الله، وتبعاً للقرآن استعمل المسلمون لفظ أهل البيت وآل البيت في أهل بيت محمد خاصة، واشتهر هذا اللفظ حتى صار علماً لهم، بحيث لا يفهم منه غيرهم إلا بالقرينة، كما اشتهر المدينة بيثرب مدينة الرسول. اختلف المسلمون في عدد أزواج النبي، فمن قائل أنهن ثماني عشر امرأة، ومنهم من قال: إنهن إحدى عشرة، وعلى أي الأحوال فقد أقام مع النساء سبعاً وثلاثين سنة، رزق خلالها بنين وبنات، ما تواكلهم في حياته ولم يبق منهم سوى ابنته فاطمة، وقد اتفقت كلمة المسلمين على أن علي بن أبي طالب: وفاطمة، والحسن والحسين من آل البيت في الصميم (٢). ويظهر من هذا كله أن أهل البيت يطلق أصلاً على الأزواج خاصة، ثم يستعمل في الأولاد والأقارب تجاوزاً، وهذا ما يثبت من القرآن الكريم كما وردت هذه اللفظة في ذكر قصة خليل الله ﵊ لما جاءت رسل الله إبراهيم بالبشرى، فقال الله في سياق الكلام: ﴿وامرأته قائمة فضحكت

стр. 14

فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب * قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً إن هذا لشيء عجيب * قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت﴾ (١). فاستعمل الله هذه اللفظة بلسان ملائكته في زوجة إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه لا غير. ولقد أقر بذلك علماء الشيعة ومفسروها كالطبرسي (٢) في مجمع البيان (٣) والكاشاني (٤) في منهج الصادقين (٥). ولو التجئوا بعد ذلك إلى تأويلات كاسدة فاسدة. وهكذا قال الله في كلامه المحكم في قصة موسى ﵊: ﴿فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً﴾ (٦). فالمراد من الأهل زوجة موسى ﵊ كما أجمع عليه مفسروا الشيعة كلهم بأن المراد من الأهل همنا الزوجة لأنه لم يكن مع موسى غيرها، ولقد يقول الطبرسى مفسراً أهل موسى، في سورة النمل أي في قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لأهله﴾ أي امرأته وهي بنت شعيب (٧).

стр. 15

وأيضاً تحت قوله تعالى: ﴿سار بأهله﴾ أي بامرأته (١). وأيضاً القمي (٢) في تفسيره (٣). والعروسي الحويزي (٤) في تفسيره نور الثقلين (٥). والكاشاني في تفسيره منهج الصادقين (٦) وغيرهم. وهكذا وردت لفظة أه البيت في القرآن المجيد في سورة الأحزاب أيضاً الآية ٣٣ ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت﴾ ولم ترد هذه اللفظة إلا في سياق قصة أزواج النبي ﷺ خاصة ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله * إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً * واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً﴾ (٧). ويظهر بداهة ولأول وهلة لمن قرأ هذه الآيات الكريمة أن هذه اللفظة لم ترد إلا في أزواج النبي ﷺ خاصة، لأن صدر الآية وقبلها من الآيات لم يخاطب بها إلا أزواجه ﵊، وكذلك الآية التي تليها ليس فيها ذكر غيرهن. وعلى ذلك قال ابن أبي حاتم وابن عساكر برواية لعكرمة وابن مردويه

стр. 16

برواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن هذه الآية لم تنزل إلا في أزواج النبي ﵊ (١). وقد قال الشوكاني في تفسيره: قال ابن عباس وعكرمة وعطاء والكلبي ومقاتل وسعيد بن جبير: إن أهل البيت المذكورين في الآية هن زوجات النبي ﷺ خاصة، قالوا: والمراد من البيت بيت النبي ﷺ ومساكن زوجاته لقوله تعالى: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن﴾، وأيضاً السياق في الزوجات ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾ إلى قوله: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً﴾ (٢). وأيضاً ورد في الحديث: أن النبي ﷺ دخل في حجرة عائشة ﵂، فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله، فقالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته (٣). وأيضاً المقصود من بيت النبي ﷺ بيته الذي يسكنه مع أزواجه ﷺ . فالحاصل أن المراد من أهل بيت النبي أصلاً وحقيقة أزواجه ﵊، ويدخل في الأهل أولاده وأعمامه وأبناءهم أيضاً تجاوزاً، كما ورد أن الرسول ﷺ أدخل في كسائه فاطمة والحسنين وعلياً وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي: ليجعلهم شاملاً في قوله : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت: كما أدخل عمه العباس وأولاده في عبائه لتشملهم أيضاً هذه الآية. ولقد وردت بعض الروايات التي تنص أن بني هاشم كلهم داخلون في أهل بيت النبي ﷺ .

стр. 17

وأما الشيعة فأرادوا عكس ذلك، فحصروا أهل بيت النبوة في هؤلاء الأربعة، علي، وفاطمة، ثم الحسن، والحسين، وأخرجوا منهم كل من سواهم، ثم اخترعوا طريفة أخرى، فأخرجوا أولاد علي غير الحسنين ﵃ من أهل البيت ولا يعدون بقية أولاده من أهل البيت من محمد بن الحنفية، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، والعباس، وجعفر، وعبد الله، وعبيد الله، ويحيى، ولا أولادهم من الذكور الاثنى عشر، ولا من البنات ثماني عشر ابنة، أو تسع عشرة ابنة على اختلاف الروايات، كما أخرجوا فاطمة ﵂ ابنة رسول الله ﷺ حيث لا يعدون بناتها زينب وأم كلثوم ولا أولادهما من أهل البيت، وهذه نكتة وطريفة، ومثل هذا الحسن بن علي، حيث لا يجعلون أولاده داخلاً في أهل البيت وكذلك أخرجوا من أهل البيت كلاً من أولاد الحسين من لا يهوى هواهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا ينهج منهجهم، وهذا أطرف من الأول. ولذلك أفتوا على كثيرين من أولاد الحسين، الأولين منهم بالكذب والفجور والفسوق، وحتى الكفر والارتداد، كما شتموا وكفروا أبناء أعمام الرسول وعماته وأولادهم، وحتى أولاد أبي طالب غير علي ﵁. والجدير بالذكر أنهم أخرجوا بنات النبي ﷺ الثلاثة غير فاطمة، وأزواجهن، وأولادهن من أهل البيت بدائياً، ولا ندري أي تقسيم هذا، وأية قسمة هذه، وعلى أي أساس ابتنوها واختاروها؟. ثم وفي التعبير الصحيح والصريح أن الشيعة لا يرون أهل البيت إلا نصف شخصية فاطمة، ونصف شخصية علي، ونصف شخصية الحسن وبقية الأئمة التسعة عندهم من الحسين إلى الحسن العسكري، والعاشر المولود الموهوم، المزعوم، الذي لم يولد قطعاً ولن يولد أبداً. فهذه هي حقيقة مفهوم أهل البيت عند القوم، ولو أردنا التوسع فيه لأطلنا الكلام ولكننا نقتصر على هذا بما فيه كفاية لفهم البحث والمسألة.

стр. 18

وأما الشيعة، فقد قال الزبيدى: كل قوم اجتمعوا على أمر فهم الشيعة، وكل من عاون إنساناً وتحزب له فهو شيعة له، وأصله من المشايعة وهي المطاوعة والمتابعة (١). وقال ابن المنظور الأفريقي: الشيعة، القوم الذين يجتمعون على أمر، وكل قوم اجتمعوا على أمر، فهم الشيعة، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علياً وأهل بيته (٢). وقال النوبختي (٣) إمام الشيعة في الفرق: الشيعة، وهم فرقة علي بن أبي طالب ﵇، المسمون بشيعة علي ﵇ في زمان النبي ﷺ وبعده معروفون بانقطاعهم إليه، والقول بإمامته، وافترقت الشيعة ثلاث فرق، فرقة منهم قالت: إن علياً إمام مفترض الطاعة بعد رسول الله ﷺ وإن الإمامة جارية في عقبه. . . . وفرقة قالت: إن عليا كان أولى الناس برسول الله ﷺ . . . . وأجازوا بعد ذلك إمامة أبي بكر وعمر، وعدّوهما أهلا لذلك المكان والمقام، وذكروا أن عليا ﵇ سلّم لهم الأمر، ورضي بذلك، وبايعهما طائعا غير مكره (٤). ويقول الشيعي المشهور السيد محسن أمين في كتابه نقلاً عن الأزهري: والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبي ﷺ ، ويوالونهم (٥). وينقل أيضاً عن تاج الدين الحسيني نقيب حلب ما نصه:- شيعة الرجل أتباعه وأنصاره، ويقال: شايعه، كما يقال والاه من الولي

стр. 19

وهو شايع، وكأن الشيعة لما اتبعوا هؤلاء القوم، واعتقدوا فيهم ما اعتقدوا سموا بهذا الاسم لأنهم صاروا أعواناً لهم وأنصاراً وأتباعاً فأما من قبل حين أفضت الخلافة من بني هاشم إلى بني أمية وتسلمها معاوية بن صخر من الحسن بن علي وتلقفها من بني أمية رجل فرجل - نفر كثير من المسلمين من المهاجرين والأنصار عن بني أمية ومالوا إلى بني هاشم وكان بنو علي وبنو العباس يومئذ في هذا شرع فلما انضموا إليهم واعتقدوا أنهم أحق بالخلافة من بني أمية وبذلوا لهم النصرة والموالاة والمشايعة سموا شيعة آل محمد ولم يكن إذ ذاك بين بني علي وبين بني العباس افتراق في رأي ولا مذهب فلما ملك بنو العباس وتسلمها سفاحهم من بني أمية نزع الشيطان بينهم وبين بني علي فبدا منهم في حق بني علي ما بدا، فنفر عنهم فرقة من الشيعة وأنكرت فعلهم ومالت إلى بني علي واعتقدت أنهم أحق بالأمر وأولى وأعدل فلزمهم هذا الاسم فصار المتشيع اليوم الذي يعتقد إمامة أئمة الإمامية من بني علي ﵇ إلى القائم المهدي محمد بن الحسن لا الموالي لبني علي والعباس كما كان من قبل أ. هـ (١). ويقول شيعي معاصر آخر: الشيعة في معناها الأصلي اللغوي أتباع الرجل وأنصاره، وقد غلب هذا الاسم على من يتولى علياً وأهل بيته (٢). وقد أثبتنا فيما قبل أن الشيعة لا يوالون أهل بيت علي كلهم اللهم إلا الرجال المعدودين، وهم يخالفونهم أيضاً، وتعاليمهم الحقيقية كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 20

وقد قال المغنية: الشيعة من أحب علياً وتابعه أو من أحبه ووالاه (١). وكتب محمد الحسين آل كاشف الغطاء "إن هذا الاسم (أي الشيعة) غلب على أتباع علي وولده (٢) ومن يواليهم حتى صار اسماً خاصاً بهم" (٣). فهؤلاء هم الشيعة وأولئك هم أهل البيت. وقد بالغ القوم في موالاة علي وأولاده، وحبهم ومدحهم مبالغة جاوزوا الحدود، وأسسوا عليها ديانتهم ومذهبهم حتى صار مذهباً مستقلاً وديناً منفصلاً عن الدين الذي جاء به محمد الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، واخترعوا روايات كاذبة، واختلقوا أحاديث موضوعة، وقالوا: أن لا دين إلا لموالى علي، وآله، ومحبيهم، إظهاراً شغوفهم بهم، ومودتهم فيهم، واحترامهم لهم ومتابعتهم إياهم، وتعلقهم بهم، ونسبتهم إليهم - كذباً وزوراً - كما رووا حديثاً في كافيهم (٤). عن بريد بن معاوية أنه قال: كنت عند أبي جعفر ﵇ في فسطاط بمنى، فنظر إلى زياد الأسود منقلع الرجل فرثى له فقال له: ما لرجليك هكذا؟ قال: جئت على بكر لي نضو، فكنت أمشى عنه عامة الطريق، فرثى له، وقال

стр. 21

له عند ذلك زياد: إني ألم بالذنوب حتى إذا ظننت أني هلكت ذكرت حبكم فرجوت النجاة، وتجلى عني، فقال أبو جعفر ﵇: وهل الدين إلا الحب ... وإن رجلاً أتى النبي ( ﷺ )، فقال: إني لأحب المصلين ولا أصلي، وأحب الصوامين ولا أصوم؟ فقال له رسول الله ﷺ : أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت، وقال: ما تبغون وما تريدون أما أنها لو كان فرعة من السماء فزع كل قوم إلى مأمنهم، وفزعنا إلى نبينا وفزعتم إلينا (١). وكما ورد أيضاً في الأصول من الكافي "قال أبو جعفر ﵇ إمامهم الخامس -: حبنا إيمان، وبغضنا كفر" (٢). وأيضاً "لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلماً لنا. فإذا كان سلماً لنا سلمه الله من شديد الحساب وآمنه من يوم الفزع الأكبر" (٣). ونقلوا عنه أيضاً في كافيهم الذي قال فيه غائبهم: كاف لشيعتنا (٤). نقلوا عن أبي حمزة أنه قال: قال لي أبو جعفر ﵇: إنما يعبد الله من يعرف الله فأما من لا يعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً قلت: جعلت فداك فما معرفة الله؟ قال: تصديق الله وتصديق رسوله ﷺ وموالاة علي ﵇ والائتمام به وبأئمة الهدى ﵈ والبراءة إلى الله من عدوهم. هكذا يعرف الله " (٥).

стр. 22

ولأن أئمتهم لهم مقام ومنصب لا يقل عن النبوة والرسالة كما قال السيد الخميني زعيم إيران اليوم في كتابه "ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلامية" ما نصه:- إن من ضروريات مذهبنا أنه لا ينال أحد المقامات المعنوية الروحية للأئمة حتى ملك مقرب ولا نبي مرسل، كما روى عندنا بأن الأئمة كانوا أنواراً تحت ظل العرش قبل تكوين هذا العالم ... وأنهم قالوا إن لنا مع الله أحوالاً لا يسعها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وهذه المعتقدات من الأسس والأصول التي قام عليها مذهبنا" (١). وما قاله السيد الخميني ليس بغريب ولا جديد، بل هو عقيدة القوم في أئمتهم، كما رواه ابن بابويه القمي الملقب بالصدوق في كتابه الذي يعد واحداً من الصحاح الأربعة للقوم، ينسبه إلى الرسول العظيم صلوات الله وسلامه عليه "إن جابر بن عبد الله الأنصاري سأله يوماً، فقال: يا رسول الله هذه حالنا فكيف حالك وحال الأوصياء بعدك في الولادة؟ فسكت رسول الله ﷺ ملياً، ثم قال: يا جابر لقد سألت عن أمر جسيم لا يحتمله إلا ذو حظ عظيم، إن الأنبياء والأوصياء مخلوقون من نور عظمه الله جل ثناؤه يودع الله أنوارهم أصلاباً طيبة، وأرحاماً طاهرة، يحفظها بملائكته، ويربيها بحكمته، ويغذوها بعلمه، فأمرهم يجل عن أن يوصف، وأحوالهم تدق أن تعلم، لأنهم نجوم الله في أرضه، وأعلامه في بريته، وخلفاءه على عباده، وأنواره في بلاده، وحججه على خلقه، يا جابر! هذا من مكنون العلم ومخزونه فاكتمه إلا من أهله" (٢).

стр. 23

ويذكر الكليني أن الإمامة فوق النبوة والرسالة والخلة كما يكذب على جعفر بن محمد الباقر - الإمام السادس عندهم - أنه قال: إن الله ﵎ اتخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً وإن الله اتخذه نبياً قبل أن يتخذه رسولاً وإن الله اتخذه رسولاً قبل أن يتخذه خليلاً وإن الله اتخذه خليلاً قبل أن يتخذه إماماً" (١). وقد بوّب الحر العاملى (٢) باباً مستقلاً بعنوان "الأئمة الاثنى عشر أفضل من سائر المخلوقات من الأنبياء والأوصياء السابقين والملائكة وغيرهم وأن الأنبياء أفضل من الملائكة" وأورد تحته روايات عديدة، ومنها ما رواه عن جعفر أنه قال: إن الله خلق أولي العزم من الرسل، وفضّلهم بالعلم وأورثنا علمهم وفضّلنا عليهم في علمهم، وعلّم رسول الله ( ﷺ ) ما لم يعلّمهم، وعلّمنا علم الرسول وعلمهم" (٣). ويذكر الكليني أيضاً عن أبي عبد الله أنه قال: ما جاء به علي ﵇ آخذ به وما نهى عنه انتهى عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد ﷺ ، ولمحمد ﷺ الفضل على جميع من خلق الله عزوجل، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين ﵇ باب الله لا يؤتى إلا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجته البالغة على من فوق الأرض

стр. 24

ومن تحت الثرى، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه كثيراً ما يقول: أنا قسيم الله بين الجنة والنار وأنا الفاروق الأكبر وأنا صاحب العصا والميسم ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد ﷺ ولقد حملت عليّ مثل حمولته وهى حمولة الرب وأن رسول الله ﷺ يدعى فيكسى، وأدعى فأكسى، ويستنطق وأستنطق على حد منطقة، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقني إليها أحد قبلي، علمت المنايا والبلايا، والأنساب وفصل الخطاب، فلم يفتني ما سبقني، ولم يعزب عنى ما غاب عنى" (١). ويقول إبراهيم القمي - إمام مفسري الشيعة الذي قيل في تفسيره إنه أصل الأصول للتفاسير الكثيرة، وإنه في الحقيقة تفسير الصادقين ﵉ (جعفر والباقر) ومؤلفه كان في زمن الإمام العسكري ﵇، وأبوه الذي روى هذه الأخبار لابنه كان صحابياً للإمام الرضا ﵇" (٢). يقول فيه تحت قول الله : ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ فإن الله أخذ ميثاق نبيه محمد على الأنبياء - إلى أن قال -: ما بعث الله نبيا من ولد آدم فهلم جراً إلا ويرجع إلى الدنيا وينصر أمير المؤمنين ﵇ وهو قوله: ﴿لتؤمنن به﴾ أي رسول الله ﷺ ﴿ولتنصرنه﴾ أي أمير المؤمنين ﵇" (٣). وزاد العياشي (٤) في تفسيره تحت هذه الآية "من آدم فهلم جراً، ولا يبعث

стр. 25

الله نبياً ولا رسولاً إلا رد إلى الدنيا حتى يقاتل بين يدي أمير المؤمنين ﵇" (١). ولقد فصلنا القول في معتقدهم في الأئمة في كتابنا "الشيعة والسنة" (٢). فهؤلاء هم الأئمة عند القوم وأولئك شيعتهم الذين يزعمون بأنهم محبون لهم، ومنتسبون إليهم، والناس يبغضونهم لولايتهم أهل البيت هؤلاء، ولأخذهم بآرائهم وأفكارهم، والتمسك بأقوالهم وأفعالهم، والاتباع بأوامرهم وفتاويهم. وهذه هي الأقاويل والروايات والادعاءات من كتب القوم وعباراتهم. وخلاصة ما ذكر أن الشيعة هم قوم يدعون موالاة أحد عشر شخصاً من أولاد علي، وعلياً ﵁، ويعدّونهم معصومين كالأنبياء ورسل الله، وأفضل منهم ومن الملائكة المقربين، ويدعون أن مذهبهم مؤسس على آرائهم وأفكارهم، كما أنه ظهر من هذا البحث أنه لا صحة لقول من يوهم بأن المراد من أهل البيت هم أهل بيت النبي ﷺ لأن القوم أنفسهم ينفون عن ذلك. وأما ادعاء إطاعة واتباع هؤلاء لأهل بيت علي، المخصوصين منهم فنرى في الأبواب الآتية صحة هذه الدعاوى وصدقها، ليحق الله الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.

стр. 26

الباب الثاني الشيعة ومخالفتهم أهل البيت إن الشيعة حاولوا خداع الناس بأنهم موالون لأهل لبيت النبي ﷺ ، وأنهم أقرب الناس إلى الصحة والصواب من بين طوائف المسلمين، وأفضلهم وأهداهم لتمسكهم بأقارب النبي ﷺ وذويه، وإن المتمسكين بأقوالهم، والعاملين بهديهم، والسالكين مسلكهم، والمتتبعين آثارهم وتعاليمهم هم وحدهم لا غيرهم. ولقد فصلنا القول فيما قبل أن القوم لا يقصدون من أهل البيت أهل بيت النبوة، وأنهم لا يوالونهم ولا يحبونهم، بل يريدون ويقصدون من وراء ذلك علياً ﵁ وأولاده المخصوصين المعدودين. ونريد أن نثبت في هذا الباب أن الشيعة لا يقصدون في قولهم إطاعة أهل البيت واتباعهم لا أهل بيت نبي ﷺ ولا أهل بيت علي ﵁ فإنهم لا يهتدون بهديهم. ولا يقتدون برأيهم، ولا ينهجون منهجهم، ولا يسلكون مسلكهم، ولا يتبعون أقوالهم وآرائهم، ولا يطيعونهم في أوامرهم وتعليماتهم بل عكس ذلك يعارضونهم ويخالفونهم مجاهرين معلنين قولاً وعملاً، ويخالفون آرائهم وصنيعهم مخالفة صريحة. وخاصة في خلفاء النبي الراشدين، وأزواجه الطاهرات المطهرات، وأصحابه البررة، حملة هذا الدين ومبلغين رسالته إلى الآفاق والنفس،

стр. 27

وناشرين دين الله، ورافعين راية الله، ومعلنين كلمته، ومجاهدين في سبيله حق جهاده، ومقدمين مضحين كل غال وثمين في رضاه، راجين رحمته، خائفين عذابه، قوامين بالليل، صوامين بالنهار الذين ذكرهم الله في كتابه المحكم: ﴿الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد﴾ (١). ذكرهم فيه جل وعلا: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون﴾ (٢). وقال ﵎: ﴿الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار﴾ (٣). وقال وهو أصدق القائلين حيث يصف أصحاب رسوله المصطفى ﷺ : ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً﴾ (٤). وقال سبحانه، ما أعظم شأنه، في شركاء غزوة تبوك: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم﴾ (٥). كما قال في الذين شاركوه في غزوة الحديبية: ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ

стр. 28

يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ (١). وقال: فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن ثواب" (٢). وشهد بإيمانهم الحقيقي الثابت بقوله: والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم" (٣). وذكر السابقين من الأصحاب المهاجرين منهم والأنصار ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾ (٤). كما ذكر المهاجرين والأنصار عامة وضمن لهم الفلاح والنجاح بقوله: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون * والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون" (٥). ويذكر جل مجده المؤمنين المنفقين قبل الفتح - أي فتح مكة - وبعده مثنياً عليهم مادحاً فيهم: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما

стр. 29

تعملون خبير﴾ (١). ثم يقرن ذكر الأصحاب مع نبيه وصفيه المصطفى صلوات الله وسلامه عليه بدون فاصل حيث يذكرهم جميعاً معاً في قوله عز من قائل: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا﴾ (٢). وأيضاً في قوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾ (٣). وأيضاً: ﴿وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والذين آمنوا﴾ (٤). وأيضاً: ﴿لكن الرسول والذين آمنوا معه﴾ (٥). وقال: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون﴾ (٦). وأيضاً: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم﴾ (٧). وقال: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ (٨). يذكر الله المؤمنين من أمة محمد وعلى رأسهم أصحاب النبي ﵇ المؤمنين الأولين الحقيقيين قارناً ذكرهم بذكر النبي ﷺ . وقال : ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم﴾ (٩). كما ذكر الله خروج نبيه من مكة وهجرته منها مع ذكر خروج أصحابه وهجرتهم حيث قال: ﴿يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم﴾ (١٠). كما ذكر صديقه ورفيقه في الغار: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا

стр. 30

فأنزل الله سكينته﴾ (١). ويقول في أزواجه المطهرات: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم﴾ (٢). ويقول: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء﴾ (٣). وغير ذلك من الآيات الكثيرة الكثيرة. فلنرى الشيعة الزاعمين اتباع أهل البيت، المدّعين موالاتهم وحبهم، ونرى أئمتهم المعصومين - حسب قولهم - آل البيت ماذا يقولون في أصحاب رسول الله ﷺ ، وماذا يعتقدون فيهم؟ وهل أهل بيت النبي يبغضون أصحاب نبيهم، ويشتمونهم، بل ويكفرونهم، ويلعنونهم كما يلعنهم هؤلاء المتزعمون؟ أم غير ذلك يوالونهم، ويتواددون إليهم، ويتعاطفونهم ويساعدونهم في مشاكلهم، ويشاورونهم في أمورهم، ويقاسمونهم همومهم وآلامهم، ويشاركونهم في دينهم ودنياهم، ويشاطرونهم الحكم والحكومة، ويبايعونهم على إمرتهم وسلطانهم، ويجاهدون تحت رايتهم، ويأخذون من الغنائم التي تحصل من طريقهم، ويتصاهرون معهم، يتزوجون منهم ويزوجونهم بهم، يسمون أبناءهم بأسماءهم، ويتبركون بذكرهم، يذاكرونهم في مجالسهم، ويرجعون إليهم في مسائلهم، ويذكرون فضائلهم ومحامدهم، ويقرّون بفضل أهل الفضل منهم، وعلم أهل العلم، وتقوى المتقين، وطهارة العامة وزهدهم. نسرد هذا كله وقد عاهدنا أن لا نرجع إلا إلى كتب القوم أنفسهم لعلي الحق يظهر، والصدق يجلو، والباطل يكبو، والكذب يخبو، اللهم إلا نادراً نذكر شيئاً تأييداً واستشهاداً، لا أصلاً، ولا استدلالاً، ولا اسقلالاً، ولا يكون

стр. 31

إلزام الخصم إلا من كتبهم هم، وبعباراتهم أنفسهم، ومن أفواه أناس يزعمونهم أئمتهم، وهم منهم براء وقد قيل قديماً إن السحر ما يقرّبه المسحور. والحق ما يشهد به المنكر، وما نريد من وراء ذلك إلا الإظهار بأن أئمة الحق وأهل البيت ليسوا مع القوم في القليل ولا في الكثير، ولعل الله يهدى به أناساً اغتروا بحب أهل البيت حيث ظنوا أن معتقدات الشيعة وضعها أئمة أهل البيت، وأسسوا قواعدها، ورسخوا أصولها، فهم يحبونهم، ويبغضون أعدائهم - حسب زعمهم - الذين غصبوا حقهم وحرموهم من ميراث النبي، وظلموهم. ويتبين من هذا البحث إن شاء الله علاقة الشيعية الحقيقية بآل البيت وعلاقتهم معهم. فها هو علي بن أبي طالب ﵁ الخليفة الراشد الرابع عندنا، والإمام المعصوم الأول عندهم، وسيد أهل البيت - يذكر أصحاب النبي عامة، ويمدحهم، ويثني عليهم ثناء عاطراً بقوله: لقد رأيت أصحاب محمد ﷺ ، فما أرى أحداً يشبههم منكم! لقد كانوا يصبحون شعثاً غبراً، وقد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم! كأن بين أعينهم ركب المعزى من طول سجودهم! إذا ذكر الله هملت أعينهم حتى تبل جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب، ورجاء للثواب" (١). وهذا هو سيد أهل البيت يمدح أصحاب النبي عامة، ويرجحهم على أصحابه وشيعته الذين خذلوه في الحروب والقتال، وجبنوا عن لقاء العدو ومواجهتهم، وقعدوا عنه وتركوه وحده، فيقول موازناً بينهم وبين صحابة رسول الله: ولقد كنا مع رسول الله ﷺ ، نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا

стр. 32

وأعمامنا: ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً، ومضياً على اللقم، وصبراً على مضض الألم، وجداً في جهاد العدو، ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما: أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا، ومرة لعدونا منا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدونا الكبت، وأنزل علينا النصر، حتى استقر الإسلام ملقياً جرانه، ومتبوئا أوطانه. ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم، ما قام للدين عمود، ولا اخضر للإيمان عود. وأيم الله لتحتلبنها دماً، ولتتبعنها ندماً" (١). ويذكرهم أيضاً مقابل شيعته المنافقين المتخاذلين، ويأسف على ذهابهم بقوله: أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرءوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً، بعض هلك وبعض نجا، لا يبشرون بالأحياء ولا يعزون عن الموتى، مرة العيون من البكاء، خمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، صفر الألوان من السهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم" (٢). ويذكرهم، ويذكر بما فازوا به من نعيم الدنيا والآخرة، ولهم حظ وافر من كرم الله وإحسانه، حيث يقول: واعلموا عباد الله أن المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبابرة المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلغ والمتجر الرابح، أصابوا لذة زهد الدنيا في دنياهم،

стр. 33

وتيقنوا أنهم جيران الله غداً في آخرتهم، لا ترد لهم دعوة ولا ينقص لهم نصيب من لذة" (١). ويمدح المهاجرين من الصحابة في جواب معاوية بن أبي سفيان ﵄ فيقول: فاز أهل السبق بسبقهم، وذهب المهاجرون الأولون بفضلهم (٢). وأيضاً: "وفي المهاجرين خير كثير تعرفه، جزاهم الله خير الجزاء" (٣). كما مدح الأنصار من أصحاب محمد ﵇ بقوله هم والله ربوا الإسلام كما يربي الفلو مع غنائهم، بأيديهم السباط، وألسنتهم السلاط" (٤). ومدحهم مدحاً بالغاً موازناً أصحابه ومعاوية مع أنصار النبي بقوله: أما بعد! أيها الناس فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله ﷺ أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين صغير مولدها، وما هما بأقدم العرب ميلاداً، ولا بأكثرهم عدداً، فلما آووا النبي ﷺ وأصحابه، ونصروا الله ودينه، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحالفت عليهم اليهود، وغزتهم اليهود والقبائل قبيلة بعد قبيلة، فتجردوا لنصرة دين الله، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل وما بينهم وبين اليهود من العهود، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة وأهل الحزن والسهل (٥) قناة الدين، وتصبروا تحت أحلاس الجلاد حتى دانت لرسول الله ﷺ العرب، ورأى فيهم قرة العين قبل أن يقبضه الله إليه، فأنتم في الناس أكثر من أولئك في أهل ذلك الزمان من العرب" (٦).

стр. 34

وسيد الرسل نفسه يمدح الأنصار حسب قول الشيعة "اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبنا أبناء الأنصار، يا معشر الأنصار! أما ترضون أن ينصرف الناس بالشاه والنعم، وفى سهمكم رسول الله ﷺ " (١). وكذلك "قال النبي ﷺ : الأنصار كرشي وعيني، ولو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار" (٢). ويروي المجلسي (٣) عن الطوسي رواية موثوقة عن علي بن أبي طالب أنه قال لأصحابه: أوصيكم في أصحاب رسول الله ﷺ ، لا تسبوهم،

стр. 35

فإنهم أصحاب نبيكم، وهم أصحابه الذين لم يبتدعوا في الدين شيئاً، ولم يوقروا صاحب بدعة، نعم! أوصاني رسول الله ( ﷺ ) في هؤلاء" (١). ويمدح المهاجرين والأنصار معاً حيث يجعل في أيديهم الخيار لتعيين الإمام وانتخابه، وهم أهل الحل والعقد في القرن الأول من بين المسلمين وليس لأحد أن يرد عليهم، ويتصرف بدونهم، ويعرض عن كلمتهم، لأنهم هم الأهل للمسلمين والأساس كما كتب لأمير الشام معاوية بن أبي سفيان ﵄ رداً عليه دعواه بإمرة المؤمنين وحكم المسلمين، فإن الإمام من جعله أصحاب محمد إماماً لا غير، فها هو علي بن أبى طالب ﵁ يذكّر معاوية بهذه الحقيقة ويستدل بها على أحقيته بالإمامة، والكلام من كتاب القوم. "إنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى" (٢). فماذا موقف الشيعة من علي بن أبى طالب ﵁ ومن كلامه هذا حيث يجعل: أولاً: الشورى بين المهاجرين والأنصار من أصحاب النبي ﷺ وبيدهم الحل والعقد رغم أنوف القوم. ثانياً: اتفاقهم على شخص سبب لمرضات الله وعلامة لموافقته إياهم. ثالثاً: لا تنعقد الإمامة في زمانهم دونهم، وبغير اختيارهم ورضاهم (٣).

стр. 36

رابعاً: لا يرد قولهم ولا يخرج من حكمهم (أي الصحابة) إلا المبتدع أو الباغي، والمتبع والسالك غير سبيل المؤمنين. خامساً: يقاتل مخالف الصحابة، ويحكم السيف فيه. سادساً: وفوق ذلك يعاقب عند الله لمخالفته رفاق رسول الله ﷺ وأحبائه، المهاجرين منهم والأنصار رضي الله عنهم ورضوا عنه وأولاد عليّ على شاكلته. فها هو علي بن الحسين الملقب بزين العابدين - الإمام المعصوم الرابع عند القوم - وسيد أهل البيت في زمانه يذكر أصحاب محمد ﵊، ويدعو لهم في صلاته بالرحمة والمغفرة لنصرتهم سيد الخلق في نشر دعوة التوحيد وتبليغ رسالة الله إلى خلقه فيقول: فاذكرهم منك بمغفرة ورضوان اللهم وأصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحابة، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته، اللهم ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الحق عليك، وكانوا من ذلك لك وإليك، واشكرهم على هجرتهم فيك ديارهم وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ومن كثرة في اعتزاز دينك إلى أقله، اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك، الذين قصدوا سمتهم، وتحروا جهتهم، لو مضوا إلى شاكلتهم لم يثنهم ريب في بصيرتهم، ولم يختلجهم شك في قفو آثارهم والائتمام بهداية منارهم مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتفقون عليهم، ولا يتهمونهم فيما أدوا إليهم" (١).

стр. 37

وواحد من أبنائه حسن بن علي المعروف بالحسن العسكري - الإمام الحادي عشر عند القوم - يقول في تفسيره: إن كليم الله موسى سأل ربه هل في أصحاب الأنبياء أكرم عندك من صحابتي؟ قال الله: يا موسى! أما عملت أن فضل صحابة محمد ﷺ على جميع صحابة المرسلين كفضل محمد ﷺ على جميع المرسلين والنبيين" (١). وكتب بعد ذلك في تفسير الحسن العسكري "إن رجلاً ممن يبغض آل محمد وأصحابه الخيرين أو واحداً منهم يعذبه الله عذاباً لو قسم على مثل عدد خلق الله لأهلكهم أجمعين" (٢). ولأجل ذلك قال جده الأكبر علي بن موسى الملقب بالرضا - الإمام الثامن عند الشيعة - حينما سئل "عن قول النبي ﷺ : أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهديتم (٣). وعن قوله ﵇: دعوا لي أصحابي:؟ فقال ﵇: هذا صحيح" (٤). هذا ونقل ما قاله ابن عم النبي ﷺ وابن عم علي ﵁ عبد الله بن عباس - فقيه أهل البيت وعامل علي ﵁ أنه قال في حق الصحابة: إن الله جل ثناؤه وتقدست أسماءه خص نبيه محمداً ﷺ بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال،

стр. 38

ووصفهم الله في كتابه فقال: ﴿رحماء بينهم﴾ الآية، قاموا بمعالم الدين، وناصحوا الاجتهاد للمسلمين، حتى تهذبت طرقه، وقويت أسبابه، وظهرت آلاء الله، واستقر دينه، ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزاكية، والأرواح الطاهرة العالية، فقد كانوا في الحياء لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها، وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها" (١). ويروي ابن علي بن زين العابدين محمد الباقر رواية تنفى النفاق من أصحاب رسول الله ﷺ ، وتثبت لهم الإيمان ومحبة الله كما أوردها العياشي والبحراني (٢) في تفسيريهما تحت قول الله : ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. عن سلام قال: كنت عند أبي جعفر، فدخل عليه حمران بن أعين، فسأله عن أشياء، فلما هم حمران بالقيام قال لأبي جعفر ﵇: أخبرك أطال الله بقاك وأمتعنا بك، إنا نأتيك فما نخرج من عندك حتى ترق قلوبنا، وتسلوا أنفسنا عن الدنيا، وتهون علينا ما في أيدي الناس من هذه الأموال، ثم نخرج من عندك، فإذا صرنا مع الناس والتجار أحببنا الدنيا؟ قال: فقال أبو جعفر ﵇: إنما هي القلوب مرة يصعب عليها الأمر ومرة يسهل، ثم

стр. 39

قال أبو جعفر: أما إن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق، قال: فقال لهم: ولم تخافون ذلك؟ قالوا: إنا إذا كنا عندك فذكرتنا روعنا، ووجلنا، نسينا الدنيا وزهدنا فيها حتى كأنا نعاين الآخرة والجنة والنار ونحن عندك، فإذا خرجنا من عندك، ودخلنا هذه البيوت، وشممنا الأولاد، ورأينا العيال والأهل والمال، يكاد أن نحول عن الحال التي كنا عليها عندك، وحتى كأنا لم نكن على شيء، أفتخاف علينا أن يكون هذا النفاق؟ فقال لهم رسول الله ﷺ : كلا، هذا من خطوات الشيطان. ليرغبنكم في الدنيا، والله لو أنكم تدومون على الحال التي تكونون عليها وأنتم عندي في الحال التي وصفتم أنفسكم بها لصافحتكم الملائكة، ومشيتم على الماء، ولولا أنكم تذنبون، فتستغفرون الله لخلق الله خلقاً لكي يذنبوا، ثم يستغفروا، فيغفر الله لهم، إن المؤمن مفتن تواب، أما تسمع لقوله: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ وقال: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه﴾ (١). وأما ابن الباقر جعفر الملقب بالصادق يقول: كان أصحاب رسول الله ﷺ اثنى عشر ألفا، ثمانية آلاف من المدينة، وألفان من مكة، وألفان من الطلقاء، ولم ير فيهم قدري ولا مرجئ ولا حروري ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون الليل والنهار ويقولون: اقبض أرواحنا من قبل أن نأكل خبز الخمير" (٢). هذا ولقد روى علي بن موسى الرضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: من زارني في حياتي أو بعد موتى فقد زار الله تعالى" (٣). ورسول الله ﷺ الصادق الأمين وسيد الخلائق نفسه يشهد

стр. 40

لأصحابه بالسعادة والجنة حيث يقول، ويرويه القمي (١) محدث القوم وإمامهم والملقب بالصدوق في كتابه الذي طبعته الشيعة أنفسهم "عن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : طوبى لمن رآنى وآمن بي" (٢). وروى الميري القمي (٣) مثل هذه الرواية عن جعفر بن باقر عن أبيه "أن النبي ﷺ قال: من زارني حياً وميتاً كنت له شفيعاً يوم القيامة" (٤).
следующие страницы →