ولما فتح مكة ودخلها الرسول ظافراً على رأس عشرة آلاف من أبطاله وجنوده، واستسلمت قريش، ووقفت تحت قدميه على باب الكعبة، تنتظر حكم الرسول عليها بعد أن قاومته إحدى وعشرين سنة .. ما زاد ﷺ على أن قال: يا معشر قريش: ماذا تظنون أني فاعل بكم؟
قالوا خيراً: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اليوم أقول لكم ما قال أخي يوسف من قبل: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. إذهبوا فأنتم الطلقاء .. إنه أيها الناس محمد الرسول معلم الإنسانية الخير، لا القائد السفاح الذي يسعى لمجده وسلطانه فتسكره نشوة النصر.
وسيرة أصحابه وخلفائه من بعده في حروبهم وفتوحاتهم كانت قبساً من هذا النور، وسيراً في هذا الطريق، وتنفيذاً لتلك المبادئ، لم يفقدوا أعصابهم في أشد الأوقات حرجاً، ولم ينسوا مبادئهم في أعظم الفتوحات انتصاراً.
ثار بعض سكان لبنان على عاملها علي بن عبد الله بن عباس، فحاربهم وانتصر عليهم، ورأى من الحكمة أن يفرقهم ويجلي فريقاً منهم عن ديارهم إلى أماكن
стр. 72
أخرى، وهذا أقل ما يمكن أن يفعله اليوم حاكم في أرقى الأمم، فما كان من الإمام الأوزاعي، إمام الشام ومجتهدها وعالمها، إلا أن كتب إلى والي لبنان رسالة ينكر عليه ما فعل، من إجلاء بعض اللبنانيين عن قراهم، ومعاقبة من لم يشترك في الثورة كمن اشترك فيها. فما كان من والي لبنان إلا أن ردهم إلى قراهم معززين مكرمين!
стр. 73
ولما ولي الخلافة عمر بن عبد العزيز، وفد إليه قوم من أهل سمرقند، فرفعوا إليه أن قتيبة قائد الجيش الإسلامي فيها دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين غدراً بغير حق. فكتب عمر إلى عامله هناك أن ينصب لهم قاضياً ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين من سمرقند أخرجوا. فنصب لهم الوالي (جميع بن حاضر الباجي) قاضياً ينظر في شكواهم، فحكم القاضي وهو مسلم، بإخراج المسلمين! على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، وينابذهم وفقاً لمبادئ الحرب الإسلامية، حتى يكون أهل سمرقند على استعداد لقتال المسلمين فلا يؤخذوا بغتة. فلما رأى ذلك أهل سمرقند، رأوا ما لا مثيل له في التاريخ من عدالة تنفذها الدولة على جيشها وقائدها! قالوا: هذه أمة لا تحارب، وإنما حكمها رحمة ونعمة. فرضوا ببقاء الجيش الإسلامي، وأقروا أن يقيم المسلمون بين
стр. 74
أظهرهم.
ولما فتحت جيوشنا الظافرة دمشق وحمص وبقية المدن السورية، وأخذوا من أهلها مبالغ من المال صلحاً لقاء حمايتهم والدفاع عنهم، رأى قادتنا بعد أن جمع هرقل لهم الجموع لينازلهم في معركة فاصلة، أن يخلوا المدن المفتوحة ويتجمعوا في مكان واحد ينازلون به الروم مجتمعين. وخرج جيشنا من حمص ودمشق والمدن الأخرى، وجمع خالد أهل حمص وأبو عبيدة أهل دمشق، وغيرهما من القادة أهل المدن الأخرى وقالوا لهم: إنا كنا قد أخذنا منكم أموالاً على أن نحميكم وندافع عنكم، ونحن الآن خارجون عنكم لا نملك حمايتكم، فهذه أموالكم نردها إليكم! فقال أهل المدن: ردكم الله ونصركم، والله لحكمكم وعدلكم أحب إلينا من جور الروم وظلمهم. والله لو كانوا مكانكم لما دفعوا إلينا شيئاً أخذوه، بل كانوا يأخذون
стр. 75
معهم كل شيء يستطيعون حمله!
وفي حروب التتار في بلاد الشام، وقع بأيديهم كثير من أسرى المسلمين والنصارى واليهود، ثم تدخل شيخ الإسلام ابن تيمية مع أمير التتار في أمر الأسرى وفكّ أسرهم، فأجابه الأمير إلى فك أسرى المسلمين فقط دون النصارى واليهود، فأبى شيخ الإسلام ذلك وقال له: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيراً لا من أهل الملة ولا من أهل الذمة.
стр. 76
حين وصل الصليبيون في الحملة الثانية إلى معرة النعمان حاصروها حتى اضطر أهلها للاستسلام، بعد أن أخذوا من رؤساء الحملة عهوداً مؤكدة بالمحافظة على النفوس والأموال والأعراض. فما كادوا يدخلونها حتى ارتكبوا من الفظائع ما تشيب له الولدان. وقدّر بعض المؤرخين الإفرنج الذين كانوا في هذه الحملة عدد الذين قتلوهم بين رجال ونساء وأطفال بمائة ألف! ثم تابعوا سيرهم إلى بيت المقدس، وشددوا الحصار على أهلها، ورأى أهلها أنهم مغلوبون لا محالة فطلبوا من قائد الحملة (طنكرد) الأمان على أنفسهم وأموالهم. فأعطاهم رايته يرفعونها على المسجد الأقصى ويلجأون إليه آمنين على كل شيء. ودخلوا المدينة بعد ذلك، فيا لهول المجزرة، ويا لقسوة الإجرام! .. لجأ سكان القدس إلى الأقصى الذي رفعوا فوقه راية الأمان، حتى إذا امتلأ بمن فيه من شيوخ وأطفال ونساء ذُبحوا ذبح النعاج، فسالت الدماء في المعبد حتى ارتفعت إلى ركبة الفارس. وطهرت المدينة بذبح كل من فيها تماماً، حتى كانت شوارعها تعج بالجماجم المحطمة والأذرع والأرجل المقطعة، والأجسام المشوهة. ويذكر مؤرخونا أن عدد الذين ذبحوا في داخل المسجد الأقصى فقط سبعين ألفاً! منهم جماعة كبيرة من الأئمة والعباد والزهاد فضلاً عن النساء والأطفال. ولا ينكر مؤرخو الفرنج
стр. 77
هذه الفظائع، وكثير منهم يتحدثون عنها فخورين!
وبعد ٩٠ سنة من هذه المجزرة فتح صلاح الدين بيت المقدس فماذا فعل؟ لقد كان فيها ما يزيد على مائة ألف غربي بذل لهم الأمان على أنفسهم وأموالهم، وسمح لهم بالخروج لقاء مبلغ قليل يدفعه المقتدرون منهم، وأعطاهم مهلة للخروج أربعين يوماً، فجلى منها أربعة وثمانون ألفاً لحقوا بإخوانهم في عكا وغيرها، ثم أطلق كثيراً من الفقراء من غير الفدية. وأدى أخوه الملك العادل الفدية عن ألفي رجل منهم. وعامل النساء معاملة لا تصدر عن أرقى ملك منتصر في العصر الحديث. ولما أراد البطريرك الإفرنجي أن يخرج، سمح له بالخروج ومعه من أموال البِيَع والصخرة والأقصى والقيامة ما لا يعلمه إلا الله.
واقترح بعض حاشية صلاح الدين عليه أن يأخذ ذلك المال العظيم، فأجابه السلطان: (لا أغدر به) ولم يأخذ منه إلا ما كان يأخذه من كل فرد. ومما يزيد في روعة هذا العمل الإنساني الذي عمله صلاح الدين في فتح بيت المقدس، أنه أرسل مع جماهير الغربيين الذين نزحوا من القدس لينضموا إلى إخوانهم من يحميهم ويوصلهم إلى أماكن الصليبيين في صور وصيدا بأمان، مع أنه لا يزال في حرب معهم!
стр. 78
إن قصة صلاح الدين مع الغربيين في الحروب الصليبية تشبه الأساطير. ولولا أن الغربيين أنفسهم لا يكاد ينتهي عجبهم من نبل هذا البطل الخالد وسمو أخلاقه، لكان مجال لاتهام مؤرخينا بالمبالغة. والغربيون أنفسهم هم الذين يذكرون عن صلاح الدين
стр. 79
أنه بلغه مرض ريتشارد قلب الأسد - أكبر قواد الحملات الصليبية وأشجعهم - فأرسل إليه صلاح الدين طبيبه الخاص يحمل إليه العلاج والفواكه التي لا يمكن أن يحصل عليها ذلك القائد الصليبي. هذا والحرب بينهما مستعرة، وجيشاهما في صراع! وهم الذين يذكرون أن امرأة غربية ألقت بنفسها على خيمة السلطان صلاح الدين تبكي وتولو وتشكو إليه أن اثنين من جنود جيشه خطفا لها ولدها، فبكى صلاح الدين وأرسل من يفتش عن الولد حتى وجدوه وسلّم إليها. وأرسلت بحراسة الجيش إلى معسكرها آمنة مطمئنة، فماذا يقول قائل بعد هذا؟ ..
ولما فتح السلطان محمد الثاني القسطنطينية، دخل إلى كنيسة آيا صوفيا، وكان قد لجأ إليها رجال الكنيسة، فأحسن استقبالهم وأكد حمايته لهم، وطلب من المسيحيين الفزعين الموجودين فيها أن يذهبوا إلى بيوتهم آمنين. ثم نظم شؤون المسيحيين، فترك لهم حق اتباع كنائسهم الخاصة، وقوانينهم المالية، وتقاليدهم المتعلقة بأحوالهم الشخصية. وترك للقساوسة انتخاب بطريرك لهم، فانتخبوا (جناديوس) واحتفل السلطان بانتخابه بنفس الأبهة التي كانت متبعة في عهد البيزنطيين، وقال له: لتكن بطريركاً على صداقتي في
стр. 80
كل وقت وظرف، ولتتمتع بكل الحقوق والامتيازات التي كانت لمن سبقك. ثم أهداه فرساً جميلاً، وجعل له حرساً خاصاً من الإنكشارية (وهم حرس السلطان الخاص) وصحبه (باشاوات) الدولة إلى المكان الذي أعد له، ثم أعلن السلطان الفاتح اعترافه بقوانين الكنيسة الأرثوذكسية، ووضعها تحت رعايته، وجمعت واشتريت كل آثار القديسيين ومخلفاتهم التي نهبت يوم الفتح، وسلمت إلى الكنائس والأديرة!
стр. 81
ولا أريد أن أفيض في المقارنة بين أخلاق الفاتحين المسلمين في الأندلس، وحسن معاملتهم للمغلوبين، ورحمتهم بهم ورعايتهم لشعورهم، وبين ما فعله الإسبان حين استولوا على غرناطة (آخر مملكة للإسلام في الأندلس)، بعد أن أعطوا المسلمين، بضعاً وستين عهداً باحترام ديانتهم ومساجدهم وأموالهم وأغراضهم، ولكنهم لم يرعوا عهداً، ولم يفوا بذمة، ولم يعفوا عن سفك الدماء وإزهاق الأرواح وسلب
стр. 82
الثروات، فلم يكد يمضي على سقوط غرناطة اثنان وثلاثون سنة حتى أصدر البابا أمره عام ١٥٢٤ بتحويل جميع مساجد أسباني إلى كنائس! ولم تمر بعد ذلك أربع سنوات أخرى حتى لم يبق في إسبانيا كلها مسلم واحد! هذا هو وفاؤهم بالعهود .. وذلك هو وفاؤنا.
стр. 83
وبعد .. فلماذا نذهب بعيداً وهذه أخلاق الغربيين المستعمرين في الحربين العالميتين وآثار قسوتهم فيها، وها هي أخلاقهم في الشرق العربي والإسلامي، ناطقة على مدى القسوة التي تتصف بها ضمائرهم في حروبهم وحكمهم، وعلى مدى النفاق الذي بلغوه حين يعلنون في المحافل الدولية إنسانيتهم ورحمتهم، وهم في حروبهم ومستعمراتهم والبلدان الخاضعة لحكمهم يعلنون وحشيتهم وضراوتهم. ولئن كان بعض الناس يعتذر عن فظائع الغربيين في القرون الوسطى بأنهم قوم لم تهذبهم المدنية بعد، فما هو عذرهم الآن وهم أرباب الحضارة
стр. 84
وأساتذة الدنيا في العلوم والفنون والمخترعات؟ إن المسألة في رأينا مسألة طبع أصيل يغلب كل تطبع وتصنع. لعمري ما نحن وهم إلا كما قال الشاعر:
ملكنا فكان العفو منا سجية ... فلما ملكتم سال بالدم أبطح
وما عجب هذا التفاوت بيننا ... فكل إناء بالذي فيه ينضح
стр. 85
الرفق بالحيوان
وهو موضوع طريف في صدد الحديث عن روائع حضارتنا، وإن لم يكن غريباً بالنسبة إلى العصر الذي نعيش فيه. فقد كانت الإنسانية حتى العصر الحديث لا ترى أن للحيوان نصيباً من الرفق، أو حظاً من الرحمة. ولا تزال بعض الأمم المعاصرة تتلهى بقتل الحيوان في أعيادها ومجال أفراحها ورياضتها. وهنا تبرز حضارتنا في مبادئها وواقعها بثوب من الرحمة والشعور الإنساني المرهف لم تلبسه حضارة من قبلها، ولا أمة من بعدها حتى اليوم. ذلك هو الرفق بالحيوان والرحمة به، رحمة تلفت النظر وتدعو إلى العجب والدهشة، وإليكم بعض الأحاديث عن هذا.
أول ما تعلنه مبادئ حضارتنا في مجال الرفق بالحيوان، أن تقرر أن عالم الحيوان كعالم الإنسان له
стр. 86
خصائصه وطبائعه وشعوره: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ (١). فله حق الرفق والرحمة كحق الإنسان (الراحمون يرحمهم الرحمن) (٢). (من أعطي الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة) (٣). بل إن الرحمة بالحيوان قد تُدخِل صاحبها الجنة: (بينما رجل يمشي بطريق إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئراً فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب، فشكر الله تعالى له فغفر له، قالوا يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجراً؟ فقال: في كل ذات كبدٍ رطبة) (٤).
كما أن القسوة على الحيوان تدخل النار (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) (٥).
стр. 87
وتمضي الشريعة في تشريع الرحمة بالحيوان، فتحرم المكث طويلاً على ظهره وهو واقف فقد قال ﵊: (لا تتخذوا ظهور دوابكم كراسي) (١). وتحرم إجاعته وتعريضه للضعف والهزال. فقد مرّ ﵇ ببعير قد لصق ظهره ببطنه فقال: (اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة) (٢). كما تحرم إرهاقه بالعمل فوق ما يتحمل. دخل رسول الله ﷺ بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جمل، فلما رأى النبي حنَّ وذرفت عيناه، فأتاه رسول الله ﷺ فمسح دموعه، ثم قال: من صاحب هذا الجمل؟ فقال صاحبه: أنا يا رسول الله، فقال له ﵊: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه) (٣) (أي تتعبه بكثرة استعماله).
كما تحرم التلهي به في الصيد (من قتل عصفوراً عبثاً، عج إلى الله يوم القيامة يقول: يا رب إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني منفعة) (٤). واتخاذه هدفاً لتعليم
стр. 88
الإصابة، فقد (لعن رسول الله من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً) (١) (أي هدفاً) وتنهى عن التحريش بين الحيوانات ووسمها في وجوهها بالكي والنار (أي كيها لتعلم من بين الحيوانات الأخرى) فقد مرّ الرسول على حمار قد وسم في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه (٢). أما إذا كان الحيوان مما يؤكل، فإن الرحمة به أن تُحدّ الشفرة، ويسقي الماء ويراح بعد الذبح قبل السلخ: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحّد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) (٣). بل إن إضجاع الحيوان للذبح قبل إحداد الشفرة قسوة لا تجوز، أضجع رجل شاة للذبح وهو يحد شفرته، فقال له ﵇: (أتريد أن تميتها موتتان؟ هلاّ أحددت شرفتك قبل أن تضجعها) (٤).
واسمعوا ما أروع هذه الرحمة بالحيوان وأبلغ دلالتها على روح حضارتنا. قال عبد الله بن مسعود: (كنا
стр. 89
مع رسول الله في سفر، فرأينا حمّرة (طير يشبه العصفور) معها فرخان لها، فأخذناهما فجاءت الحمّرة تعرّش (ترفرف بجناحيها)، فلما جاء رسول الله قال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها. ورأى قرية نمل قد أحرقناها فقال: من أحرق هذه؟ قلنا: نحن، قال إنه لا ينبغي أن يُعذب بالنار إلى رب النار) (١).
وعلى ضوء هذه التعاليم يقرر الفقهاء المسلمون من أحكام الرحمة بالحيوان ما لا يخطر بالبال. فهم يقررون أن النفقة على الحيوان واجبة على مالكه، فإن امتنع أجبر على بيعه أو الإنفاق عليه، أو تسييبه إلى مكان يجد فيه رزقه ومأمنه، أو ذبحه إذا كان مما يؤكل.
стр. 90
هذه هي مبادئ الرفق بالحيوان في حضارتنا وتشريعنا. فكيف كان الواقع التطبيقي لها؟
بينما رسول الله في بعض سفره، إذ سمع امرأة من الأنصار تلعن ناقة لها وهي تركبها، فأنكر ذلك عليها وقال: (خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة)، وأخذت الناقة وتركت تمشي في الناس لا يعرض لها أحد (١).
مرّ عمر برجل يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك قدها إلى الموت قوداً جميلاً".
وهكذا كان طابع حضارتنا رفقاً بالحيوان وعناية به من قبل الدولة والمؤسسات الاجتماعية.
أما عناية الدولة فليس أدلّ على ذلك من أن خلفاءها كانوا يذيعون البلاغات العامة على الشعب
стр. 91
يوصونهم فيها بالرفق بالحيوان ومنع الأذى عنه والإضرار به.
فقد أذاع عمر بن العزيز في إحدى رسائله إلى الولاة أن ينهوا الناس عن ركض الفرس في غير حق.
وكتب إلى صاحب السكك (وهي وظيفة تشبه مصلحة السير) أن لا يسمحوا لأحد بإلجام دابته بلجام ثقيل أو أن ينخسها بمقرعة في أسفلها حديدة.
وكان من وظيفة المحتسب (وهي وظيفة تشبه في بعض صلاحياتها وظيفة الشرطي في عصرنا الحاضر) أن يمنع الناس من تحميل الدواب فوق ما تطيق، أو تعذيبها وضربها أثناء السير، فمن رآه يفعل ذلك أدّبه وعاقبه.
وأما المؤسسات الاجتماعية فقد كان للحيوان
стр. 92
منها نصيب كبير. وحسبنا أن نجد في ثبت الأوقاف القديمة أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافاً لرعي الحيوانات المُسنة العاجزة.
وهذا كله يدلك على روح الشعب الذي بلغ من الرفق بالحيوان إلى هذا الحد، وهو ما لا تجد له مثيلاً. ولعل أصدق مثال عن روح الشعب في ظل حضارتنا، أن ترى صحابياً جليلاً كأبي الدرداء يكون له بعير فيقول له عند الموت: يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فإني لم أكن أحملك فوق طاقتك.
وأن صحابياً كعدي بن حاتم كان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا ولهن علينا حق.
وأن إماماً كبيراً كأبي إسحاق الشيرازي كان يمشى في طريق ومعه بعض أصحابه، فعرض له كلب فزجره
стр. 93
صاحبه فنهاه الشيخ وقال له: أما علمت أن الطريق مشترك بيننا وبينه؟
ولا نستطيع أن نقدر هذه الظاهرة البارزة في حضارتنا وموقفها الإنساني الكريم مع الحيوان، إلا إذا علمنا كيف كان يعامل الحيوان في العصور القديمة والوسطى، وكيف كان موقف الأمم منه من جناياته وتعذيبه.
وأول ما يلفت النظر في ذلك أنك لا تجد في تعاليم تلك الشعوب ما يحمل على الرفق بالحيوان ووجوب الرحمة به. ومن ثم فلا تجد له حقوقاً على صاحبه من نفقة ورعاية.
ويلفت النظر بعد ذلك أخذ الحيوان بجنايته إذا جنى أو جنى صاحبه، ومعاملته في المسؤولية كمعاملة الإنسان العاقل المفكر! وهذا أغرب ما تضمنه تاريخ العصور القديمة والوسطى حتى القرن التاسع عشر. فقد كان الحيوان يحاكم فيها كما يحاكم الإنسان. ويحكم عليه بالسجن والتشريد والموت كما يحكم على الإنسان الجاني تماماً!
стр. 94
وبعد فهذا هو موقف حضارتنا من الحيوان وموقف غيرنا من الأمم منه. ومنها يتضح
стр. 95
أن حضارتنا امتازت بأمرين لا مثيل لهما عند الأمم القديمة وبعض الأمم الحديثة اليوم.
أولهما- إقامة مؤسسات اجتماعية للعناية بالحيوان وتطبيبه وتأمين معيشته عند العجز والمرض والشيخوخة.
ثانيهما- أن حضارتنا خلت من محاكمة الحيوان لأنها نادت برفع المسؤولية الجنائية عنه قبل ثلاثة عشر قرناً من مناداة الحضارة الحديثة بذلك. كما أن حضارتنا خلت من مظاهر القسوة والتحريش بين الحيوانات، وهي التي كانت معترفاً بها رسمياً لدى اليونان والرومان، ولا تزال معترفاً بها في إسبانيا حيث تقام الحفلات الكبرى لمصارعة الثيران، وهي بلا شك وحشية من بقايا وحشية الغربيين القدماء وفي العصور الوسطى .. وقد تنزهت عنها حضارتنا.
стр. 96
المؤسسات الخيرية
ليس أدل على رقي الأمة وجدارتها بالحياة واستحقاقها لقيادة العالم، من سمو النزعة الإنسانية في أفرادها، سمواً يفيض بالخير والبر والرحمة على طبقات المجتمع كافة، بل على كل من يعيش على الأرض من إنسان وحيوان، وبهذا المقياس تخلد حضارات الأمم. وبآثارها في هذا السبيل يفاضل بين حضارتها ومدنياتها.
وأمتنا بلغت في ذلك الذروة التي لم يصل إليها شعب من قبلها على الإطلاق، ولم تلحقها من بعدها أمة حتى الآن: أما في العصور الماضية، فلم تعرف الأمم والحضارات ميالين للبر إلا في نطاق ضيق لا يتعدى المعابد والمدارس، وأما في العصور الحاضرة، فإن أمم الغرب وإن بلغت الذروة في استيفاء الحاجات الاجتماعية وعن طريق المؤسسات الاجتماعية وعن طريق
стр. 97
المؤسسات العامة، لكنها لم تبلغ ذروة السمو الإنساني الخالص لله كما بلغته أمتنا في عصور قوتها ومجدها، أو عصور ضعفها وانحطاطها. إن لطلب الجاه أو الشهرة أو انتشار الصيت أو خلود الذكر، الأثر الأكبر في اندفاع الغربيين نحو المبرات الإنسانية العامة، بينما كان الدافع الأول لأمتنا على أعمال الخير، ابتغاء وجه الله جل شأنه، سواء علم الناس بذلك أم لم يعلموا ..
وشيء آخر: أن الغربيين في مؤسساتهم الاجتماعية كثيراً ما يقتصر الانتفاع بها على أبناء بلادهم، أو مقاطعاتهم، بينما كانت مؤسساتنا الاجتماعية تفتح أبوابها لكل إنسان على الإطلاق، بقطع النظر عن جنسه أو لغته أو بلده أو مذهبه ..
وفارق ثالث: أننا أقمنا مؤسسات اجتماعية لوجوه من الخير والتكافل الاجتماعي لم يعرفها الغربيون حتى
стр. 98
اليوم، وهي وجوه تبعث على العجب والدهشة، وتدل على أن النزعة الإنسانية في أمتنا كانت أشمل وأصفى وأوسع أفقاً من كل نزعة إنسانية لدى الأمم الأخرى. وقبل أن نفيض في الحديث عن تعدد وجوه البر في المؤسسات الاجتماعية في عصور حضارتنا يجب أن نلم بمبادئ حضارتنا في هذا الميدان، وهي المبادئ التي عملت عملها في نفوس أمتنا فدفعتها إلى إنشاء هذه المؤسسات دفعاً لا نعرف له مثيلاً في أمم أخرى.
ينادي الإسلام بالدعوة إلى الخير نداء تنهزم معه النفس الإنسانية بواعث الشح ووسوسة الشيطان في التخويف من الفقر، فيقول القرآن بعد الحث على الإنفاق: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
ويعمم الدعوة إلى الخير على كل مقتدر، بل كل إنسان، فقيراً كان أو غنياً.
ولقد كان مما شكاه الفقراء إلى النبي ﷺ أن الأغنياء يسبقونهم في فعل
стр. 99
الخيرات إذ يتصدقون بأموالهم ولا يجد هؤلاء الفقراء ما يتصدقون به، فبيّن الرسول ﵇ أن فعل الخير ليست وسيلته المال فحسب، بل كل نفع للناس فهو من عمل الخير: (إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وأن تصلح بين اثنين صدقة، وأن تعين الرجل على دابته فتحمله عليها صدقة) (١). وهكذا يفتح الإسلام أبواب الخير للناس جميعاً.
ويسمو الإسلام بالنفوس إلى أعلى أفق من النزعة الإنسانية الكاملة حين يجعل البر لجميع عباد الله مهما كانت أديانهم ولغاتهم وأوطانهم وأجناسهم فيقول: (الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إليهم أنفعهم لعياله) (٢).
стр. 100
لما نزل قول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (١). قال صحابي يسمى أبا الدحداح: أو يستقرض الله من عبده يا رسول الله؟! قال: نعم، فقال: أمدد يا رسول الله يدك، فأشهده أنه تصدق ببستانه الذي لا يملك غيره، وكان فيه سبعمائة نخلة مثمرة، ثم عاد إلى زوجه، وكانت تقيم هي وأولادها في هذا البستان، فأخبرها بما صنع، وغادرت هي وأولادها البستان وهي
стр. 101
تقول له: ربح بيعك يا أبا الدحداح .. ولما نزل قول الله ﵎: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). قال أبو طلحة الأنصاري: يا رسول الله، إن أحب أموالي إليّ بيرحاء - وهي بئر طيبة الماء - وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله ﵎، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال ﵇: (بخ بخ، ذاك مال رابح، ذاك مال رابح، حبّس الأصل وسبّل الثمرة) (٢). وكانت هذه الصدقة أول وقف في الإسلام .. ومن هنا نشأ (الوقف)، وهو الذي كان يمد كل المؤسسات الاجتماعية بالموارد المالية التي تعينها على أداء رسالتها الإنسانية النبيلة.
стр. 102
كانت هذه المؤسسات نوعين: نوعاً تنشئة الدولة وتوقف عليه الأوقاف الواسعة، ونوعاً ينشئه الأفراد من أمراء وقواد وأغنياء ونساء. ولا نستطيع في مثل هذا الحديث أن نعدد أنواع المؤسسات الخيرية كلها، ولكن حسبنا أن نلمّ بأهمها:
فمن أول المؤسسات الخيرية المساجد، وكان الناس يتسابقون إلى إقامتها ابتغاء وجه الله، بل كان الملوك يتنافسون في عظمة المساجد التي يؤسسونها، وحسبنا أن نذكر هنا مبلغ ما أنفقه الوليد بن عبد الملك
стр. 103
من أموال بالغة على بناء الجامع الأموي، مما لا يكاد يصدقه الإنسان لكثرة ما أنفق من مال وما استخدم في إقامته من رجال.
ومن أهم المؤسسات الخيرية المدارس والمستشفيات، وسنفرد لها حديثاً خاصاً إن شاء الله.
ومن المؤسسات الخيرية بناء الخانات والفنادق للمسافرين المنقطعين وغيرهم من ذوي الفقر، ومنها التكايا والزوايا التي ينقطع فيها من شاء لعبادة الله ، ومنها بناء بيوت خاصة للفقراء يسكنها من لا يجد ما يشتري به أو يستأجر داراً، ومنها السقايات أي تسبيل الماء في الطرقات العامة للناس جميعاً، ومنها المطاعم الشعبية التي كان يفرق فيها الطعام من خبز ولحم وحساء (شوربة) وحلوى، ولا يزال عهدنا قريباً بهذا النوع في كل من تكية السلطان سليم، وتكية الشيخ محيي الدين بدمشق، ومنها بيوت للحجاج في مكة ينزلونها حين يفدون إلى بيت الله الحرام، وقد كثرت هذه البيوت حتى عمت أرض مكة كلها، وأفتى بعض الفقهاء ببطلان إجارة بيوت مكة في أيام الحج لأنها كلها موقوفة على الحجاج، ومنها حفر الآبار في الفلوات لسقي الماشية والزروع والمسافرين،، فقد كانت كثيرة جداً بين بغداد ومكة، وبين دمشق والمدينة، وبين
стр. 104
عواصم المدن الإسلامية ومدنها وقراها، حتى قل أن يتعرض المسافرون - في تلك الأيام - لخطر العطش. ومنها أمكنة المرابطة على الثغور لمواجهة خطر الغزو الأجنبي على البلاد، فقد كانت هنالك مؤسسات خاصة بالمرابطين في سبيل الله، يجد فيها المجاهدون كل ما يحتاجون إليه من سلاح وذخيرة وطعام وشراب، وكان لها أثر كبير في صد غزوات الروم أيام العباسيين، وصد غزوات الغربيين في الحروب الصليبية عن بلاد الشام ومصر.
ويتبع ذلك وقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد على المقاتلين في سبيل الله ، وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصناعة الحربية وقيام مصانع كبيرة لها في بلادنا، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا - أيام الهدنة - ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء، فانظر كيف انقلب الأمر الآن فأصبحنا عالةً على الغربيين في السلاح لا يسمحون لنا به إلا بشروط تقضي على كرامتنا واستقلالنا.
стр. 105
ومن المؤسسات الاجتماعية ما كانت وقفاً لإصلاح الطرقات والقناطر والجسور، ومنها ما كانت للمقابر يتبرع الرجل بالأرض الواسعة لتكون مقبرة عامة.
ومنها ما كان لشراء أكفان الموتى الفقراء وتجهيزهم ودفنهم، أما المؤسسات الخيرية لإقامة التكافل الاجتماعي، فقد كانت عجباً من العجب، فهناك مؤسسات للقطاء واليتامى ولختانهم ورعايتهم، ومؤسسات للمقعدين والعميان والعجز، يعيشون فيها موفوري الكرامة لهم كل ما يحتاجون من سكن وغذاء ولباس وتعليم أيضاً.
وهناك مؤسسات لتحسين أحوال المساجين ورفع مستوى تغذيتهم بالغذاء الواجب لصيانة صحتهم،
стр. 106
ومؤسسات لإمداد العميان والمقعدين بمن يقودهم ويخدمهم.
ومؤسسات لتزويج الشباب والفتيان العزّاب ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات الزواج وتقديم المهور .. فما أروع هذه العاطفة وما أحوجنا إليها اليوم!
ومنها مؤسسات لإمداد الأمهات بالحليب والسكر، وهي أسبق في الوجود من جمعية نقطة الحليب عندنا، مع تمحُّضها للخير الخالص لله ، وقد كان من مبرات صلاح الدين أنه جعل في أحد أبواب القلعة - الباقية حتى الآن في دمشق - ميزاباً يسيل منه الحليب، وميزاباً آخر يسيل منه الماء المذاب فيه السكر، تأتي إليه الأمهات يومين في كل أسبوع ليأخذن لأطفالهن وأولادهن ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.
وآخر ما نذكره من هذه المؤسسات، المؤسسات
стр. 107
التي أقيمت لعلاج الحيوانات المريضة، أو لإطعامها، أو لرعايتها حين عجزها، كما هو شأن المرج الأخضر في دمشق الذي يُقام عليه الملعب البلدي الآن، فقد كان وقفاً للخيول والحيوانات العاجزة المسنة ترعى منه حتى تلاقي حتفها.
أما بعد، فهذه ثلاثون نوعاً من أنواع المؤسسات الخيرية التي قامت في ظل حضارتنا، فهل تجد لها مثيلاً في أمة من الأمم السابقة؟ بل هل تجد لكثير منها مثيلاً في ظل الحضارة الراهنة؟ .. اللهم إنه سبيل الخلود تفردنا به وحدنا يوم كانت الدنيا كلها في غفلة وجهل وتأخر وتظالم .. اللهم إنه سبيل الخلود كشفنا به عن الإنسانية المعذبة أوصابها وآلامها .. فما هو سبيلنا اليوم؟ أين هي تلك الأيدي التي تمسح عبرة اليتيم، وتأسو جراح الكليم، وتجعل من مجتمعنا مجتمعاً متراصاً، ينعم فيه الناس جميعاً بالأمن والخير والكرامة والسلام.؟ ..
стр. 108
المدارس والمعاهد العلمية
أما المدارس، وهي التي قامت على الأوقاف الكثيرة التي تبرع بها الأغنياء من قادة وعلماء وتجار وملوك وأمراء، فقد بلغت من الكثرة حدا بالغا، وحسبك أن تعلم أنه لم تخل مدينة ولا قرية، في طول العالم الإسلامي وعرضه، من مدارس متعددة يُعلِّم فيها عشرات من المعلمين والمدرسين.
كان المسجد هو النواة الأولى للمدرسة في حضارتنا، فلم يكن مكان عبادة فحسب بل كان مدرسة يتعلم فيها المسلمون القراءة والكتابة والقرآن وعلوم
стр. 109
الشريعة واللغة وفروع العلوم المختلفة، ثم أقيم بجانب المسجد الكتاب، وخصص لتعليم القراءة والكتابة والقرآن وشيئ من علوم العربية والرياضة، وكان الكتّاب يشبه المدرسة الابتدائية في عصرنا الحاضر، وكان من الكثرة حيث عدّ ابن حوقل ثلاثمائة كتّاب في مدينة واحدة من مدن صقلية. وكان من الاتساع أحيانا بحيث يضم الكتّاب الواحد مئات وآلافاً من الطلاب. ومما يذكر في تاريخ أبي القاسم البلخي أنه كان له كتّاب يتعلم به ثلاثة آلاف تلميذ.
ثم قامت المدرسة بجانب الكتّاب والمسجد، وكانت الدراسة فيها تشبه الدراسة الثانوية والعالية في عصرنا الحاضر. كان التعليم فيها مجانا ولمختلف الطبقات.
وكانت الدراسة فيها قسمين: قسما داخليا للغرباء والذين لا تساعدهم
стр. 110
أحوالهم المادية علي أن يعيشوا علي نفقات آبائهم، وقسما خارجياً لمن يريد أن يرجع في المساء إلى بيت أهله وذويه. أما القسم الداخلي فكان بالمجان أيضا، يهيأ للطالب فيه الطعام والنوم والمطالعة والعبادة .. وبذلك كانت كل مدرسة تحتوي علي مسجد، وقاعات للدراسة، وغرف لنوم الطلاب، ومكتبة، ومطبخ وحمام. وكانت بعض المدارس تحتوي فوق ذلك على ملاعب للرياضة البدنية في الهواء الطلق. ولا تزال لدينا حتى الآن نماذج من هذه المدارس التي غمرت العالم الإسلامي كله، ففي دمشق لا تزال المدرسة النورية التي أنشأها البطل العظيم نور الدين الشهيد، وهي الواقعة الآن في سوق الخياطين، ولا تزال قائمة تعطينا نموذجا حيا لهندسة المدارس في عصور الحضارة الإسلامية، لقد زارها الرحالة ابن جبير في أوائل القرن السابع الهجري، فأعجب بها وكتب عنها. ونجد مثلها في حلب في مدارس الشعبانية والعثمانية والخسروية، حيث لا يزال فيها للطلاب غرف يسكنونها وقاعات للدراسة، وقد كانوا من قبل يأكلون فيها، ثم عدل عن ذلك إلى راتب معلوم في آخر كل شهر يعطى للطلاب المنتسبين إليها.