← Фикх общий

Фикх общий · id 37578

ثمار يانعة وتعليقات نافعة

عبد الكريم بن صالح الحميد

Полный текст (69 стр.). Показаны 36–69 · переход к 41.

стр. 36

الحكايات المفتعلة سُئل ابن تيمية من يتحدث بين الناس بكلام وحكايات مفتعلة كلها كذب هل يجوز ذلك؟ فأجاب: أما المتحدث بأحاديث مفتعلة ليضحك الناس أو لغرض آخر فإنه عاص لله ورسوله وقد روى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "إن الذي يحدث فيكذب ليضحك القوم ويل له ويل له ثم ويل له" (١). وقد قال ابن مسعود: إن الكذب لا يصلح في جد ولا هزل ولا يَعِد أحدكم صبيّه شيئاً ثم لا ينجزه. وأما إن كان في ذلك ما فيه عدوان على مسلم وضرر في الدين فهو أشد تحريماً من ذلك. وبكل حال ففاعل ذلك مستحق للعقوبة الشرعية التي تردعه عن ذلك والله أعلم. (٢) سوق الحكايات المفتعلة وما يسمونه النكت والمضحكات رائج في وقتنا ويعتبر فناً من الفنون. وأخطره ما يجاور ويُصاحب علوم الدين وقصصه. ولا أقصد بذلك أن تساق هذه الهزليات سخرية بالدين صرحية. فهذا حكمه معروف لكن المراد هنا ما تحوي هذه الحشود الهائلة من النسخ والصحف والمجلات التي يختلط فيها هذا وهذا. وإن الناظر في مؤلفات السلف من الأئمة والعلماء المقتدى بهم لا يجد من ذلك شيئاً وحاشاهم من هذا التخليط القبيح غير المليح.

стр. 37

حجب عن حقائق القرآن قال ابن تيمية: ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن. إما بالوسوسة في خروج حروفه وترقيقها وتفخيمها وإمالتها والنطق بالمد الطويل والقصير والمتوسط وغير ذلك. فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه. (١) إذا كان هذا مما يحجب عن حقائق القرآن مع أن بعض أهل الوقت يوجبه فكيف يطلب الدنيا بالقرآن؟ وقال ﵀: والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين. والله سبحانه أعلم (٢).

стр. 38

بدعة منكرة قال ابن تيمية: وأما المؤذنون الذين يؤذنون مع المؤذن الراتب يوم الجمعة في مثل صحْن المسجد فليس أذانهم مشروعاً باتفاق الأئمة بل ذلك بدعة منكرة. (١) يعني أن الأذان يكون بأصوات متعددة ولقد حدث في زماننا أمور وأمور. وقال ﵀: وإنما الغرض هنا أن النبي ﷺ لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم وناقوس النصارى المضروب باليد علّل هذا بأنه من أمر اليهود وعلل هذا بأنه من أمر النصارى. لأن ذكر الوصف عقيب الحكم يدل على أنه علة له. وهذا يقتضي نهيه عن كل ما هو من أمر اليهود والنصارى (٢).

стр. 39

بعض أضرار البدع قال ابن تيمية: لا يخفى ما جعل الله في القلوب من التشوق إلى العيد والسرور به والاهتمام بأمره إنفاقاً واجتماعاً وراحة ولذة وسروراً. وكل ذلك يوجب تعظيمه لتعلق الأغراض به فلهذا جاءت الشريعة في العيد بإعلان ذكر الله فيه حتى جعل فيه من التكبير في صلاته وخطبته وغير ذلك مما ليس في سائر الصلوات فأقامت فيه من تعظيم الله وتنزيل الرحمة خصوصاً العيد الأكبر ما فيه صلاح الخلق كما دل على ذلك قوله تعالى: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (١). فصار ما وسّع على النفوس فيه من العادات الطبيعية عوناً على انتفاعها بما خصّ به من العبادات الشرعية. ثم قال ﵀ في الأعياد المزاحمة: فإذا أعطيت النفوس في غير ذلك اليوم حظها أو بعض الذي يكون في عيد الله فترت عن الرغبة في عيد الله وزال ما كان له عندها من المحبة والتعظيم فنقص بسبب ذلك تأثير العمل الصالح فيه فخسرت خسراناً مبينا.

стр. 40

وقال قبل ذلك: ولهذا قال النبي ﷺ في العيدين الجاهلين "إن الله قد أبدلكم بهما يومين خيراً منهما" (١). فيبقى اغتذاء قلبه من هذه الأعمال المبتدعة مانعاً من الإغتذاء أو من كمال الاغتذاء بتلك الأعمال النافعة الشرعية فيفسد عليه حاله من حيث لا يعلم كما يفسد جسد المغتذي بالأغذية الخبيثة من حيث لا يشعر. وبهذا يتبين لك بعض ضرر البدع. وقال قبل ذلك: فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلّت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه. ولهذا تجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما يكرهه. ومن أكثر من السفر إلى زيارة المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت المحرم في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة. ومن أد من على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع. ومن أد من على قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الإهتمام ونظائر هذه كثيرة.

стр. 41

ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : "ما ابتدع قوم بدعة إلا نزع الله عنهم من السنة مثلها" رواه الإمام أحمد. وهذا أمر يجده من نفسه من نظر في حاله من العلماء والعبّاد والأمراء والعامة وغيرهم. ولهذا عظّمت الشريعة النكير على من أحدث البدع وحذّرت منها لأن البدع لو خرج الرجل منها كفافاً لا عليه ولا له لكان الأمر خفيفاً بل لا بد أن توجب له فساداً في قلبه ودينه ينشأ من نقص منفعة الشريعة في حقه إذ القلب لا يتسع للعوض والمعوض عنه (١).

стр. 42

ما ألهى وشغل عن ما أمر الله به فهو حرام قال شيخ الإسلام ﵀: لا يجوز اللعب المعروف بالطاب والمنقلة. وكل ما أفضى كثيره إلى حرمة إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة لأنه يكون سبباً للشر والفساد. وما ألهى وشغل عن ما أمر الله به فهو منهي عنه وإن لم يحرم جنسه كالبيع والتجارة وسائر ما يتلهى به البطالون من أنواع اللهو وسائر ضروب اللعب مما لا يستعان به على حق شرعي فكله حرام (١). أنظر كيف يصير الحلال حراماً إذا ألهى وشغل عن ما أمر الله به كالبيع والتجارة. وقد ذكر في موضع آخر أن العلوم الصحيحة التي تزاحم علم الدين وتضعفه أنها تحرم. وهنا يقول: والصراع والسبق بالأقدام ونحوهما طاعة إذا قصد به نصر الإسلام. فتأمل هذا الشرط. والشرط السابق وهو قوله: "مما لا يستعان به على حق شرعي فكله حرام".

стр. 43

النبي ﷺ لم ينه عن التلقيح يستغل الأعداء مسألة تأبير النخل للطعن بالنبي ﷺ من المستشرقين وغيرهم مع أنه لم ينههم عن التلقيح. وإنما ظن ظنا وقد قال ابن تيمية في ذلك (١): ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئاً فيكون الأمر بخلاف ما ظنوه فقد يظنون فيما وُعِدوه تعييناً وصفاتاً ولا يكون كما ظنوه. وذكر لذلك مثالاً وهو: أن النبي ﷺ قال: "رأيت أن أبا جهل قد أسلم فلما أسلم خالد ظنوه هو فلما أسلم عكرمه علم أنه هو" (٢). وقال ابن تيمية أيضاً: وهو ﷺ لما رآهم يلقحون النخل قال لهم: "ما أرى هذا يغني شيئاً" ثم قال لهم: "إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فلن أكذب على الله (٣). وقال: "أنتم أعلم بأمور دنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي" (٤) وهو لم ينههم عن التقليح لكن هم غلطوا في

стр. 44

ظنهم أنه نهاهم كما غلط من غلط في ظنه أن "الخيط الأبيض" و"الخيط الأسود" هو الحبل الأبيض والأسود (١). وقال: وقد يظن الشيء وثم يبين الله الأمر على جليته كما وقع مثل ذلك في أمور كقوله تعالى: (إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) (٢) نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي ﷺ وهمّ أن يغزوهم لما ظن صدقه حتى أنزل الله هذه الآية. وكذلك في قصة بني أبيرق التي أنزل الله فيها: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً) (٣) وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق وأخرجوا البريء فظن النبي ﷺ صدقهم حتى تبين الأمر بعد ذلك (٤). وقوله ﷺ : "أنتم أعلم بأمور دنياكم" هل يعني هذا حُرية التصرف في الأمور الدنيوية بلا ضابط ديني؟ أم أنه ﷺ أحكم لأمته أمور الدنيا والآخرة وربط هذه بهذه وتولى أمر هذه وهذه؟ الجواب على هذا لا غموض فيه فهو حاصل بأدنى نظر في أمره ونهيه وهديه وهدي أصحابه رضوان الله عليهم الذين أعلم الناس به وأحرص الناس على متابعته.

стр. 45

قاعدة شرعية قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فإن كل ما عُظِّم بالباطل من زمان أو مكان أو حجر أو شجر أو بنيّة يجب قصد إهانته. كما تُهان الأوثان المعبودة وإن كانت لولا عبادتها لكانت كسائر الأحجار (١). هذا يبين أن تعظيمها بالباطل أكسبها صبغة توجب إهانتها وذلك بنسبتها إلى الشيطان حيث هو الآمر بكل باطل صغر أم كبر.

стр. 46

قبر النبي ﷺ قد يُشكل على بعض الناس قوله ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" (١) الحديث إذا رأى أو علم بما يفعل أحياناً عند القبر مما هو منهي عنه. وقد قال ابن تيمية ﵀: لكن من الجهال من يصلي إلى حجرته أو يرفع صوته أو يتكلم بكلام منهي عنه وهذا إنما يُفعل خارجاً عن حجرته لا عند قبره وإلا فهو ولله الحمد استجاب الله دعوته فلم يمكن أحد قط أن يدخل إلى قبره فيصلي عنده أو يدعو أو يشرك به كما فعل بغيره اتخذ قبره وثنا. وقال: ودعا الله أن لا يتخذ قبره وثناً يعبد فاستجاب الله دعاءه ﷺ فلم يكن مثل الذين اتخذت قبورهم مساجد فإن أحداً لا يدخل عند قبره البته (٢). وقال ﵀: فإن قلت: فقد يفعل بعض الناس عند قبره مثل هذا [يعني الشرك]. قلت لك: أما عند القبر فلا يقدر أحد على ذلك فإن الله أجاب دعوته حيث قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، وأما في مسجده فإنما يفعل ذلك بعض الناس الجهال. وأما من يعلم شرع

стр. 47

الإسلام فإنما يفعل ما شُرع. وهؤلاء ينهون أولئك بحسب الإمكان فلا يجتمع الزوار على الضلال. وأما قبر غيره فالمسافرون إليه كلهم جهال ضالون مشركون ويصيرون عند نفس القبر ولا أحد هناك ينكر عليهم (١). وذكر الشيخ ﵀ أن الوليد هو الذي أدخل الحُجر توسعة للمسجد. وقال: وقد كره كثير من الصحابة والتابعين ما فعله عثمان ﵁ من بناء المسجد بالحجارة والقصة والساج وهؤلاء لِما فعله الوليد أكره (٢). وقال بعد أن ذكر السلام على النبي ﷺ : ولا يدعو هناك مستقبل الحجرة فإن هذا كله منهي عنه باتفاق الأئمة. وقال: ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده يدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده فإنه ﷺ قال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" (٣).

стр. 48

المخلوق لا يكون مصنوعاً والمصنوع لا يكون مخلوقاً قال ابن تيمية: المخلوق لا يكون مصنوعاً والمصنوع لا يكون مخلوقاً. وذكر أن الله جعل لبني آدم قدرة على أن يعملوا أنواعاً من المطاعم والملابس والمساكن وكذلك جعل لهم قدرة على ما يصنعونه من الآنية من الفخار والزجاج ونحو ذلك ولم يخلق لهم سبيلاً على أن يصنعوا مثل ما خلق الله. ثم قال: فإن أصل المخلوقات التي خلقها الله لا يمكن البشر أن يصنعوا مثلها. وقال: فإن الله لم يخلق شيئاً إلا بقدر والخلق لا يصنعون مثل ما خلق الله تعالى. قال تعالى: (أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ) (١). وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب بخلق كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا شعيرة" (٢). وقال: والفلاسفة يقولون: إن الصناعة لا تعمل عمل الطبيعة يعني المصنوع من الذهب والفضة وغيرهما لا يكون مثل المطبوع الذي خُلق بالقوة الطبيعية السارية في الأجسام. ولهذا لا يوجد من

стр. 49

المخلوقات ما صنع الخلق مثله وما يصنعه الخلق لم يخلق لهم مثله فهم يطحنون الطعام وينسجون الثياب ويبنون البيوت ولم يخلق لهم مثل ذلك. وكذلك الزجاج يصنعونه من الرمل والحصى ولم يخلق مثله. ثم قال: فإنه لو خلق زجاج وصُنع زجاج مثله لكان في هذا حجة. وليس الأمر كذلك. وقال: وإن الذهب المخلوق من المعادن ما يمكن أن يصنع مثله بل ولا يصنع. فقد تبين أن المصنوع لا يكون مثل المخلوق حتى ولا بالجمادات فضلاً عن أن يتوهم متوهم صناعة كائن حي لا من الحيوان ولا النبات فإننا لا نزال نفاجأ بالهذيانات والمؤمن مستيقن أن للبشر حدوداً لا يتجاوزونها مهما تشيطنوا. وفي القرآن ما يشفي ويكفي. وما ارتفع شيء من أمر الدنيا إلا كان حقاً على الله أن يضعه.

стр. 50

الغرف المبنية قال ابن القيم في قوله تعالى: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ) (١). فأخبر أنها غرف فوق غرف وأنها مبنية بناء حقيقة لئلا تتوهم النفوس أن ذلك تمثيل. وأنه ليس هناك بناء بل تتصور النفوس غرفاً مبينة كالعلالي بعضها فوق بعض حتى كأنه ينظر إليها عياناً. ومبنية صفة للغرف الأولى والثانية أي لهم منازل مرتفعة وفوقها منازل أرفع منها (٢). إذا كان هذا في الغرف وذكر بنائها فكم ذكر الله السماء وبنائها ومع هذا يقول الملاحدة: الفضاء لا حدود له.

стр. 51

رد الحق بدعوى الغيبة كثير من الناس يفهم من الدين فهماً يناسب هواه ومراده فبهواه الغالب يصرف الأحكام الدينية ليس يُصرفها على مراد الله ورسوله فتجده يستدل على ما يريد بما ليس بدليل، مثل الإستدلال بتحريم الغيبة إذا ذكرت له خطأ عالم يعظمه أو لا يعظمه ولكن يهون هذا الخطأ ويعمل على مقتضاه فيوهم من سمعه أنه ينكر الغيبة وهو على الصحيح ينكر الحق المخالف لهواه. فلا ينبغي أن نغتر بهذا الصنف من الناس. ثم هل معنى ما أقول تهوين أمر الغيبة؟ أعوذ بالله وإنما المراد هنا ذكر الفرقان الذي يطمئن إليه المؤمن ولا ينزعج ويقلق إذا ابتلي بمن ينكر الحق ويرده بدعوى إنكار الغيبة قال الحسن البصري ﵀: أترغبون عن ذكر الفاجر أذكروه بما فيه ليحذره الناس. وقال ابن القيم ﵀: والفرق بين النصيحة والغيبة أن النصيحة يكون القصد فيها تحذير المسلم من مبتدع أو فتان أو غاش أو مفسد فتذكر ما فيه إذا استشارك وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه. إنتهى. وكُتُب العلماء في الجرح والتعديل

стр. 52

شاهدة بذلك وقد كان بعض السلف يطوف حول الكعبة ويقول: فلان كذاب. فلان ضعيف. ولولا ذلك لضاع الدين. وقد قال قائل للإمام أحمد: أنا أكره أن أذكر أحداً (يعني من العلماء) فقال أحمد: إذا سكت أنت وسكت أنا متى يميز الجاهل بين الصحيح والسقيم. وذكر ابن القيم كلاماً معناه أن الغيبة إذا ظهرت على وجه النصيحة أنها من أقرب القربات وأعظم الحسنات. وكُتُب الجرح تقرب لك فهم هذا. وبعض العلماء إذا حذّر من الغيبة وشناعتها ذكر المواضع التي لا يكون فيها ذكر الشخص بما يكره من الغيبة المذمومة بخلاف من يذم الغيبة مطلقاً ولا يفصل. والمراد هنا أن لا نغتر بمن يرد الحق المخالف لهواه بدعوى الغيبة ولو سبرت حال هذا الصنف رأيت العجب من تمزيق الأعراض إذا خولفت الأهواء والأغراض. وقال الإمام أحمد: إذا لم يُشار بأهل البدع على المنابر متى يُحذرون.

стр. 53

تصفيد الشياطين في رمضان في الحديث: "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين" (١). ذكر ابن تيمية أن الشياطين إنما تتمكن من بني آدم بسبب الشهوات فإذا كفوا عن الشهوات صفدت الشياطين (٢). اليوم يتوفر في رمضان ويكثر إلى حد الإسراف من الشهوات ما لا يكون في غيره من الأوقات فهل تصفّد الشياطين عن كل أحد تصفيداً يضعف تمكنهم؟ وقال أيضاً عن الشياطين: كما أن كيدهم في شهر رمضان ضعيف إذ كانوا فيه يسلسلون ولكن لم يبطل فعلهم بالكلية بل ضعف. فشرهم فيه على أهل الصوم قليل بخلاف أهل الشراب وأهل الظلمات فإن الشياطين هنالك مجالهم (٣). الملاحظ في عصرنا هذا أن لرمضان عند كثير من الخلق أهمية بالغة لشغله بفنون الباطل والمنكر وقد اتخذ موسماً لذلك فيتحصل للشياطين فيه مالا يتحصل في غيره.

стр. 54

تنقص الصحابة ذكر ابن تيمية طوائف من الضلال والمنحرفين ثم قال: ثم أن هؤلاء مع هذا لم يجدوا الصحابة والتابعين تكلموا بمثل كلامهم بل ولا نُقل ذلك عن النبي ﷺ صار منهم من يقول: كانوا مشغولين بالجهاد عن هذا الباب وأنهم هم حققوا ما لم يحققه الصحابة. ويقولون أيضاً: أن الرسول لم يعلمهم هذا لئلا يشتغلوا به عن الجهاد فإنه كان محتاجاً إليهم في الجهاد. وذكر كلاماً ثم قال: ومن أهل الكلام من يقول: بل الصحابة كانوا على عقائدهم وأصوالهم لكن لم يتكلموا بذلك لعدم حاجتهم إليه. فهؤلاء جمعوا بين أمرين: بين أن ابتدعوا أقوالاً باطلة ظنوا أنها هي أصول الدين لا يكون عالماً بالدين إلا من وافقهم عليها وأنهم علموا وبينوا من الحق ما لم يبينه الرسول والصحابة وإذا تدبّر الخبير حقيقة ما هم عليه تبين له أنه ليس عند القوم فيما ابتدعوه لا علم ولا دين ولا شرع ولا عقل. وأخرون لما رأوا ابتداع هؤلاء وأن الصحابة والتابعين لم يكونوا يقولون مثل قولهم ظنوا أنهم كالعامة الذين لا يعرفون الأدلة والحجج وأنهم كانوا لا يفهمون ما في القرآن مما تشابه على من تشابه عليه. وتوهموا أنه إذا كان الوقف على قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ

стр. 55

اللهُ) (١) كان المراد أنه لا يفهم معناه إلا الله لا الرسول ولا الصحابة فصاروا ينسبون الصحابة بل والرسول إلى عدم العلم بالسمع والعقل وجعلوهم مثل أنقسهم لا يسمعون ولا يعقلون. وظنوا أن هذه طريقة السلف وهي الجهل البسيط التي لا يعقل صحابها ولا يسمع. وهذا وصف أهل النار لا وصف أفضل الخلق بعد الأنبياء (٢). تأمل هذا واعلم أن في أهل الوقت من يتنقص الصحابة ﵃ بل والرسول ﷺ لأنهم لم يتكلموا بمثل كلامهم ولا تعلموا مثل علومهم وانظر قوله: لا يكون عالماً بالدين إلا من وافقهم فقد رأيناهم وهم يحتقرون ويزدرون من لم يحمل مثل شاراتهم.

стр. 56

دعوة يوسف ﵇ بلا معاداة قال شيخ الإسلام (١) ﵀ بعد كلام: كما أخبر الله أن يوسف دعا أهل مصر لكن بغير معاداة لمن لم يؤمن ولا إظهار مناوأة بالذم والعيب والطعن لما هم عليه كما كان نبينا أول ما أنزل عليه الوحي وكانت قريش إذ ذاك تقرّه ولا تنكر عليه إلى أن أظهر عيب آلهتهم ودينهم وعيب ما كانت عليه آباؤهم وسفّه أحلامهم فهناك عادوه وآذوه وكان ذلك جهاداً باللسان قبل أن يؤمر بجهاد اليد قال تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً، فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) (٢). في هذا الرد على من يحتج بحال يوسف مع أهل مصر في مداخلة الظلمة وعدم إظهار المعاداة لهم وعيب باطلهم وذمّهم والطعن عليهم وما أكثر القياسات الفاسدة في زماننا حيث لم يؤمر يوسف ﵇ بالمعاداة.

стр. 57

إحياء الذي يقلته الدجال يدل على صدق الرسول لا على صدق الدجال قال ابن تيمية: وكذلك الذي يقلته الدجال ثم يحييه فيقول: أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيريد الدجال أن يقتله فلا يقدر على ذلك فهذا الرجل بعد أن قُتل وقام يقول للدجال: أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا به رسول الله ﷺ والله ما ازددت فيك بهذا القتل إلا بصيرة. ثم يريد الدجال أن يقتله فلا يقدر عليه. فعجزه عن قتله ثانياً مع تكذيب الرجل له بعد أن قتله وشهادته للرسول محمد بالرسالة هو من خوارق العادات التي لا توجد إلا لمن شهد للأنبياء بالرسالة وهذا الرجل هو من خيار أهل الأرض المسلمين. فهذا الخارق الذي جرى فيه هو من خصائص من شهد لمحمد بالنبوة فهو من أعلام النبوة ودلائلها. وكونه قُتل أولاً أبلغ في الدلالة فإن ذلك لم يزغه ولم يؤثر فيه وعلِمَ أنه لا يُسلط عليه مرة ثانية فكان هذا اليقين والإيمان مع عجزه عنه هو من خوارق الآيات. ومعلوم أن قتله ممكن في العادة فعجزه على قتله ثانياً هو الخارق للعادة ودل ذلك على أن إحياء الله له لم يكن معجزة للدجال ولا ليُبين به صدقه لكن أحياه ليكذّب الدجال وليُبين أن محمداً رسول

стр. 58

الله وأن الدجال كذاب وأنه هو الأعور الكذاب الذي أنذر به النبي ﷺ حيث قال: "ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الدجال وسأقوال لكم فيه قولاً لم يقله نبي لأمته: إنه أعور وإن الله ليس بأعور مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن قارئ وغير قارئ" (١). وقال أيضاً: وأما إحياؤه مع تكذيبه له أولاً وعجزه ثانياً عن قتله فليس بخارق فهذا إحياء معيّن معه دلائل معدودة تبين أنه من الآيات الدالة على صدق الرسول لا على صدق الدجال (٢).

стр. 59

هل الذي سمعه سارية صوت عمر ؟ قال ابن تيمية: وعمر بن الخطاب لما نادى: يا سارية الجبل قال: إن لله جنداً يبلغونهم صوتي فعُلم أن صوته إنما يبلغ بما ييسره الله من تبليغ بعض الملائكة أو صالحي الجن فيهتفون بمثل صوته كالذي ينادي ابنه أو غير ابنه وهو بعيد لا يسمع. يا فلان فيسمعه من يريد إبلاغه فينادي يا فلان فيسمع ذلك الصوت وهو المقصود بصوت أبيه وإلا فصوت البشر ليس في قوته أن يبلغ مسافة أيام. وقال قبل ذلك: والذين يدعون الكواكب تتنزل عليهم أشخاص يسمونها: روحانية الكواكب وهو شيطان نزل عليه لما أشرك ليغويه كما تدخل الشياطين في الأصنام وتكلم أحياناً لبعض الناس وتتراءى للسدنة أحيانا ولغيرهم أيضاً. وقد يستغيث المشرك بشيخ له غائب فيحكي الجني صوته لذلك الشيخ حتى يظن أنه سمع صوت ذلك المريد مع بُعد المسافة بينهما ثم إن الشيخ يجيبه فيحكي الجني صوت الشيخ للمريد حتى يظن أن شيخه سمع صوته وأجابه وإلا فصوت الإنسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم ويومين وأكثر. وقد يحصل للمريد من يؤذيه فيدفعه الجني ويخيّل للمريد أن الشيخ هو دَفَعه. وقد يُضرب الرجل بحجر فيدفعه عنه الجني ثم

стр. 60

يصيب الشيخ بمثل ذلك حتى يقول: إني اتقيت عنك الضرب وهذا أثره فيّ. وقد يكون يأكلون طعاماً فيصور نظيره للشيخ ويجعل يده فيه ويجعل الشيطان يده في طعام أولئك حتى يتوهم الشيخ وهُم أن يد الشيخ امتدت من الشام إلى مصر وصارت في ذلك الإناء (١). انظر قوله ﵀: وإلا فصوت البشر ليس في قوته أن يبلغ مسافة أيام. وقوله: وإلا فصوت الإنسان يمتنع أن يبلغ مسيرة يوم ويومين وأكثر. وقوله عن تبليغ صوت عمر أنه بواسطة الملائكة أو صالحي الجن. والآخر أنه بواسطة الجن والشياطين يتبين لك ما قاله العلماء من أن الخارق إذا ظهر على يد ولي فهو كرامة وإن ظهر على يد من ليس من أهل الإستقامة سواء كافراً أو مسلماً ضالاً فهي من خوارق الشياطين. والذي يسمونه: روحانية الكواكب وهو شيطان يتنزل عليهم هو من جنس الذي يسمونه "تحضير الأرواح" فهؤلاء تتنزل عليهم الشياطين ويوهمونهم أنهم أرواح الموتى ويخبرونهم بأشياء كائنة في الماضي مثل أن يكون الميت مات منذ خمسين سنة فالشيطان يعرف من أحوال هذا الميت مثل مسكنه وأولاده إن كان له أولاد وماذا عملوا بعده وماذا كان يعمل هو في حياته ونحو ذلك فيحسب هؤلاء الضلاّل أن روح الميت هي التي تخاطبهم لا سيما وهم يسمعون أخباراً

стр. 61

صادقة واقعة وأين هم وأوراح الموتى فإنها مشغولة عنهم إما بالعذاب أو النعيم وإنما هذا تضليل من الشيطان وليس هذا من الغيب الذي استأثر الرب سبحانه بعلمه. قال تعالى: (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) (١). فمثل هذا لا يحصل إلا بالتقرب للشياطين إما بالشرك أو الفواحش أو نحو ذلك مما يرضي الشياطين ثم هم يخلطون مع ما يحكون عن الموتى ما يضللون به الناس وهذا مشهور في بلاد أخرى.

стр. 62

شبهة قديمة لها اليوم مثيل لقد وُجد في الماضي من يزعم أن نكاح المرأة هضم لحقها وابتذال لشرفها وأنه خلاف القياس فتأمل هذه الشبهة يقولون كما نقل ابن تيمية عنهم: الإنسان شريف والنكاح فيه ابتذال المرأة وشرف الإنسان ينافي الإبتذال. قال ﵀: وهذا غلط فإن النكاح من مصلحة شخص المرأة ونوع الإنسان. والقدر الذي فيه من كون الذكر يقوم على الأنثى هو من الحكمة التي بها تتم مصلحة جنس الحيوان فضلاً عن نوع الإنسان ومثل هذا الإبتذال لا ينافي الإنسانية كما لا ينافيها أن يتغوط الإنسان إذا احتاج إلى ذلك وأن يأكل ويشرب وإن كان الإستغناء عن ذلك أكمل. بل ما احتاج إليه الإنسان وحصلت له به مصلحته فإنه لا يجوز أن يمنع منه. والمرأة محتاجه إلى النكاح وهو من تمام مصلحتها فكيف يقال: القياس يقتضي منعها أن تتزوج؟ (١). أنظر كيف جاءت هذه الشبهة الشيطانية وورثها اليوم دعاة السفور حيث يزخرفون باطلهم بشبهة أن الحجاب منعٌ لحرية المرأة وهضم لحقها ونحو ذلك مما يستخفون به الأغبياء. ولننظر الآن كلاماً لابن القيم ﵀ يتبين به أمر الحجاب عند السلف. قال في تعليق له على سؤال عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم أهو أولى أم التغطية مع الفداء وقد

стр. 63

قالت عائشة ﵂: لو علم رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد. قال ابن القيم: سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام فإن النبي ﷺ لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء بالنهي عن لبس القميص والسراويل. ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر البتة بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أنه مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد وكيف يزاد على موجب النص ويُفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهاراً فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصّل على قدره كالنقاب والبرقع بل وكيدها يحرم سترها بالمفصّل على قدر اليد كالقفاز. وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه البته. ومن قال: إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم ولا يصلح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق.

стр. 64

وقول من قال من السلف: إحرام المرأة في وجهها إنما أراد به هذا المعنى أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل بل يلزمها اجتناب النقاب فيكون وجهها كبدن الرجل. ولو قدّر أنه أراد وجوب كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من الأمرين وقد قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: كنا إذا مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها ولم تكن أحداهن تتخذ عوداً تجعله بين وجهها وبين الجلباب. كما قاله بعض الفقهاء ولا يُعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين البتة لا عملاً ولا فتوى ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهراً مشهوراً بينهن يعرفه الخاص والعام. ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي قال تعالى: (وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (١) (٢).

стр. 65

العلم والدنيا قال شميط بن عجلان: يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم حتى إذا علم أخذ الدنيا فضمها إلى صدره وحملها فوق رأسه فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: إمرأة ضعيفة وأعرابي جاهل وأعجمي فقال: هذا أعلم بالله منا لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا فرغبوا في الدنيا وجمعوها فكان يقول: فمثله كمثل الذي قال الله : (وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ) (١) من كتاب الزهد للإمام أحمد. هل تفكر بمثل هذا فضلاً عن أن نعمل على مقتضاه؟ وقال مالك بن دينار: قلت للحسن البصري: ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا؟ قال: موت القلب فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم ويبقى عليه رسمه. انتهى. ونعوذ بالله من رسوم منزوعة البركات.

стр. 66

الواجب والحرام هل يوجب على العباد ويحرّم عليهم غير ربهم؟ قد يفعل إنسان أشياء مباحة فيقول له صاحبه: حرام عليك .. يقول ذلك بكل سهولة. لكن هؤلاء لا يقول بعضهم لبعض وهم يرتكبون المحرمات حقيقية: حرام عليك. وقد قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ) (١) وآخرون يوجبون على العباد ما لم يوجبه ربهم ولا رسوله وقد يكون هذا الموجب محرماً أو مكروهاً وأحسن أحواله أن يكون مباحاً فيقال واجب كذا. وهذا واجب والواجب ونحو ذلك فتأمل وقد قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ) (٢). والشريعة إما محمدية أو إبليسية. وحتى المباح جعله واجبا مثل جعل الواجب مباحاً وهو شرع ما لم يأذن به الله.

стр. 67

التقدم والتأخر قال ابن جرير ﵀ في قوله تعالى: (لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) (١): نذير للبشر لمن شاء منكم أيها الناس أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر في معصية الله. وذكر قول ابن عباس ﵄: من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها. وقول قتادة: يتقدم في طاعة الله أو يتأخر في معصيته (٢). وقال ابن كثير في الآية: أي لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق أو يتأخر عنها ويولي ويردها (٣). وإذا كان الأمر كذلك فهل يصح أن يوصف بالتقدم والتأخر من ليس كذلك كما هو الواقع؟

стр. 68

مادة الروح من نفخة الملك قال ابن القيم: وهؤلاء الغالطون يظنون أن الملك يُرسَل إلى الجنين بروح قديمة أزلية ينفخها فيه كما يرسل الرسول بثوب إلى الإنسان يُلبسه إياه. وهذا ضلال وخطأ وإنما يرسل الله سبحانه إليه الملك فينفخ فيه نفخة تَحْدُث له الروح بواسطة تلك النفخة فتكون النفخة هي سبب حصول الروح وحدوثها له كما كان الوطء والإنزال سبب تكوين جسمه والغذاء سبب نموه فمادة الروح من نفخة الملك ومادة الجسم من صب الماء في الرحم. فهذه مادة سماوية وهذه مادة أرضية. فمن الناس من تغلب عليه المادة السماوية فتصير روحه علوية شريفة تناسب الملائكة. ومنهم من تغلب عليه المادة الأرضية فتصير روحه سفلية ترابية مهينة تناسب الأرواح السفلية. فالملك أب لروحه والتراب أب لبدنه وجسمه (١).

стр. 69

وروح عيسى ﵇ كذلك مادتها من نفخة الملك قال ابن تيمية: كما في خلق المسيح من غير أب فجبرئيل إنما كان مقدورة النفخ فيها وهذا لا يوجب الخلق بل هو بمنزلة الإنزال في حق غير المسيح. وصلى الله على نبينا محمد. كتبه عبد الكريم بن صالح الحميد بريدة