الدعاة ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (١).
الابتلاء من سنن الدعوات:
فسنة الله في أي دعوة صادقة خالصة أن يتعرض أصحابها للمِحَن والابتلاءات لكي تُنقى من خبثها ولا يبقى فيها إلا الطيب ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٢) .. فإن كنت تبغي الجنة حقاً .. وعزمت أن تسلك طريقها .. فعليك أن تضع في قرارة نفسك أنك معرض للابتلاء في كل وقت .. وقد سُئل الشافعي قديماً: يا أبا عبد الله: (أيما أفضل للرجل أن يُمَكن أو يُبتلى؟ فقال: الشافعي لا يُمَكن حتى يُبتلى، فإن الله ابتلى نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمداً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم) (٣)، فلابد للميلاد من مخاض، ولابد للمخاض من آلام.
الابتلاء بالخير والشر:
وليس الابتلاء كما يظن الكثيرون هو السجن والتعذيب فقط .. بل إنه يشمل أنواعاً كثيرة من بينها السجن والتعذيب ..
стр. 37
فهناك الابتلاء بالمنصب والجاه، وهناك الابتلاء بالمال، وهناك الابتلاء بالزوجة والأولاد، وهناك الابتلاء بالفقر وضيق الرزق، وهناك الابتلاء بالأهل والأقارب .. وهناك .. وهناك .. وهناك. كل ذلك يحاول أن يثبّط همتك، ويحذرك من هذا الطريق .. ولا يثبت أمام هذه الابتلاءات إلا من أيده الله بالثبات .. فكم من أناس صبروا على التعذيب وقهرتهم شهوة المال والمنصب .. وكل هذه العقبات التي توضع أمام السائر في طريق الجنة قد وضحها الرسول ﷺ .. فعن سَبْرة بن الفاكه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِن الشَّيْطَان قعد لِابْنِ آدم بطرِيق الْإِسْلَام فَقَالَ: تُسلم وَتَذَر دِينَكَ وَدِينِ آبَائِك؟ فَعَصَاهُ فَأَسْلَمَ فَغَفَرَ لَهُ .. فَقَعَدَ لَهُ بطرِيق الْهِجْرَة فَقَالَ لَهُ: تُهَاجِرُ وَتَذَر دَارَك وَأَرْضك وَسمَاءَكَ؟ فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ .. فَقَعَدَ لَهُ بطرِيق الْجِهَاد فَقَالَ: تُجَاهِدُ وَهُوَ جُهْدُ النَّفسِ وَالْمَال فَتُقَاتِلُ فَتقْتلُ فَتنْكِحُ الْمَرْأَة وَيقسّم المَالُ؟ فَعَصَاهُ فَجَاهد. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : فَمَنْ فَعَلَ ذَلِك كَانَ حَقًا عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلهَُ الْجَنَّةَ. وَإِنْ غَرقَ كَانَ حَقًا عَلَى الله أنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّة وَإِنْ وقصته دَابَّته كَانَ حَقًا عَلَى الله أَن يدْخلهُ الْجنَّة» (١).
فلنكن على حذر ... :
وأحذر نفسي وإياك من ترك السير في طريق الدعوة بدعوى أننا ضعفاء ولا نستطيع أن نتحمل الابتلاء .. فهذا من تلبيسات إبليس ليقعدنا عن الجهاد كما أخبر الرسول - ﷺ - في الحديث السابق .. فالله يعلم ضعفنا وقلة حيلتنا، ومع ذلك طالبنا
стр. 38
بالدعوة إليه والجهاد في سبيله .. وهو سبحانه عندما يبلونا فإنما يريد أن يبين لنا هل نستحق الجنة أم النار ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١) ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (٢).
ويبلونا سبحانه لكي نهرع إليه بالذلة والمسكنة والفقر والاستغاثة ألم تقرأ دعاء النبي - ﷺ - وهو عائد من الطائف بعد أن أُوذي واستُهزئ به: «اللَّهُمَّ إِلَيْك أَشْكُو ضعف قوتي وَقلة حيلتي وهواني على النَّاس .. يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمينَ .. أَنْت رب الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنت رَبِّي إِلَى من تَكِلنِي؟ إِلَى بعيد يتجهمني أَو إِلَى عَدُوٌّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي .. إِن لم يكن بك غضب عليَّ فَلَا أُبَالِي، لَكِن عافيتك هِيَ أَوْسَعُ لِي .. أَعُوذُ بِنورِ وَجهِكَ الَّذِي أشرقت لَهُ الظُّلُمَات وَصلح عَلَيْهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .. أَن يحلّ عليَّ غَضَبكَ أَوْ يَنزِلَ بِي سَخَطك .. لَك الْعُتْبِي حَتَّى ترْضى .. وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بك».
فإذا قعدت بنا أنفسنا خوفاً من الابتلاء، فسيأتي يوم نعض فيه أناملنا عندما نرى الركب قد سبقنا ونحن نراوح في أماكننا.
стр. 39
فإذا سألنا الله عن سبب تخلفنا فهل نستطيع الجواب؟! أيهما أشد علينا: الصبر على محن الدنيا أم الصبر على النار؟! فهلمَّ يا أخي إلى العمل .. ولنسارع بعقد البيعة مع الله حتى نفوز بالجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (١) وليكن اعتصامنا بالله هو زادنا على الطريق ولا نستوحش من قلة السائرين .. فحسبنا أن الله معنا.
...
стр. 40
٤ - المعادلة الصعبة
بعد أن بينا بحول الله وقوته، وفضله ومنته بعض معالم الطريق .. تظهر لنا مشكلة هامة .. ألا وهي: كيف نسير في الاتجاهين معاً -إصلاح النفس ودعوة الغير- عملياً دون إفراط أو تفريط.
أو بعبارة أخرى: كيف يتسنى لنا أن نواصل السير في كلا الأمرين دون كلل أو ملل؟
الشيطان مع الواحد:
لقد اتضح بالتجربة أن المسلم لا يستطيع أن يستمر في كلا الأمرين بنفس القوة إلا في حالة واحدة وهي: وجود بيئة صالحة ووسط طيب فيه يعتنق هذه الأفكار ويسعى سعياً جاداً إلى إصلاح نفسه ودعوة غيره ..
في هذا الوسط يعيش المسلم ويتأثر من خلاله، فيعطي ويأخذ من محاسن الأخلاق والصفات، ووجود هذا الوسط ضروري ولو كان من اثنين فقط لأن «الشَّيْطَان مَعَ الْوَاحِد وَهُوَ من الِاثْنَيْنِ أَبْعَد» (١) ... «وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية» (٢) كما قال
стр. 41
- ﷺ .. فكم من شباب فقد نفسه لأنه كان يسير بمفرده ... وتأمل ما قاله الله لرسول - ﷺ - ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ (١).
ضرورة التآخي في الله:
ولابدّ أن يكون الرباط الذي يربط بين هذه الأفراد ولو كانوا اثنين بعد رباط العقيدة هو رباط الأخوة في الله .. تتجسّد معاني المحبة في الله فيما بينهم، ويصعدون في مدارجها حتى يصلوا إلى ما وصل إليه سلفنا الصالح .. كانوا إذا وضع أحدهم اللقمة في فم أخيه يجد طعمها في ريقه، وإذا احتاج مالاً وضع يده في جيب أخيه دون استئذان .. وإذا ابتعد عنه أخوه شعر كأن جزءاً عزيزاً قد فقد منه ... هذه الرابطة إذا وعيت بذرتها حتى نبتت، ثم اشتد عودها حتى أثمرت .. كانت نوراً ووقاء يوم القيامة «إن من عباد الله لأناساً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى. قالوا: يا رسول الله تخبرنا من هم؟ قال:
стр. 42
هم قوم تحابُّوا بروح الله بينهم على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها .. والله إن وجوههم لنور وإنهم على نور .. ولا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس» (١). ويناديهم ربهم بهذا النداء الحبيب يوم القيامة: «أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي» (٢).
ومهمة هذه البيئة مهما صغرت أن يتعهد أفرادها بعضهم بعضاً فييسرون على أنفسهم تطبيق ما ذكرناه من قبل ...
ففي مجال إصلاح النفس تابع الأفراد بعضُهم بعضاً في الطاعات: في حفظ القرآن الكريم وتلاوته، في صيام التطوع، في قيام الليل، في المحافظة على صلاة الجماعة .. في محاسبة النفس .. في القراءة والاطلاع .. في زيارة القبور .. في حضور دروس العلم وهكذا.
فإن المرء يسهل عليه أن يخلف الوعد مع نفسه ولكن يصعب عليه أن يخلقه مع غيره .. وأضرب لذلك مثل: قد ينوي المرء منا زيارة القبور للعظة والاعتبار وترقيق القلوب وتذكر أحوال الآخرة .. وعندما يحين وقت الذهاب تجد الواحد منا يؤجل يوماً بعد يوم، وكل تأجيل بعذر تختلقه النفس، فإذا ما ألزمت نفسي مع بعض إخواني على الذهاب في يوم محدد صعُبَ عليَّ ألا أفي بموعدي، ولا ريب في أنها بركة الاجتماع على طاعة الله والتي لا تخلو من نفع وفائدة، فإن نسيت أمراً ذكّرني أخي، وإن ذكرته أعانني عليه، فالنفس حقاً تحتاج إلى المتابعة، ولنا في صحابة رسول الله ﷺ أسوة وقدوة، إذ كان عبد الله بن رواحة ومعاذ بن جبل
стр. 43
وغيرهما إذا رأى أخاه وقد فتر العزم قال له في مودة وحب: اجلس بنا نؤمن ساعة (١) .. فيتذكرون أحوالهم ويتناصحون ويفترقون على أفضل العزائم ويتحقق فيهم قول المصطفى ﷺ :
«وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللهِ فَاجْتَمَعَا عَلَى ذَلِك وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ» (٢).
وفي مجال دعوة الغير، فإنهم يتواصون بدعوة من يحيط بهم ويعين بعضهم بعضاً على ذلك بتوفير المناخ الصالح للمدعو، ويسعون في ذلك بالحكمة بعد دراسة الوسط المحيط بهم والتفكير في الأسلوب الأقوم للتأثير فيه .. فمن يصلح لوسط معين قد لا يصلح لغيره ومن يفيد هنا قد لا يفيد هناك .. فلان قد لا يصلح لدعوته إلا زيد والآخر لا يصلح له إلا عمرو وهكذا.
فمثلاً قد لا أستطيع دعوة شقيقي، فأستعين بأحد إخواني على دعوته وهكذا ...
وثمة أمر آخر لا يقل في أهميته عما سبقه، ألا وهو إحساسي بأني لا أسير وحدي في هذا الطريق بل أجد عليه أعواناً، يخففون ما أجد من عناء ونصب، ويفرحون معي إذا منّ الله علينا وجعلنا سبباً في هداية خلقه إليه ودليلاً يدل الحيارى إلى الطريق الصحيح ...
وصايا على الطريق:
ولا ينس السائر في هذا الطريق أنه طريق طويل، فعليه أن يسير
стр. 44
بخطى ثابتة متأنية وأن يتبين موضع قدمه قبل أن يخطو كل خطوة .. عليه أن لا يستعجل الزهرة قبل أوانها أو الثمرة قبل نضجها، بل عليه هو ومن معه أن يعلموا أن الطريق طويل والمفاوز شاقة. فيلتزموا بسياسة النفس الطويل والصبر الجميل، فإن الزمن جزء من العلاج، والعمل لله ليس تجارة قصيرة الأجل، إما أن تربح ربحاً سريعاً أو يتركها أصحابها إلى تجارة أكثر رواجاً وأسرع ربحاً.
علينا أن نتعسّف الطريق، فرؤية نصر الله وتمكنه لدينه في الأرض وإن كانت اعز أمنية لنا إلا أن ذلك لا ينبغي أن يجزنا إلى التسرع الذي إن لم يُعدْ بالركب القهقهري فإنه قد يوقفه سنوات أو يبطئ من سيره ..
حسبنا أن نكون جسراً يعبر عليه من بعدنا، وحسبنا كذلك أننا نكون قد فزنا بموعود الله بمشيئته وفضله وإن تأخرت الأخرى .. تأمل معي قول الله وهو يصف التجارة الرابحة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصف: ١٠ - ١٢] نعم .. هذا هو الربح وتلكم هي الغاية، ثم تأمل وتدبر وصف الله للنصر الذي نحبه .. ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ (١) إلا أنه بشرى الله ووعده الذي
стр. 45
لا يتخلف ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١).
فهلمّ يا أخي إلى العمل .. ضع يدك في يدي ولنشد عليهما سويًّا ولا تنس أن العمر يا أخي قصير، والأيام معدودة، والموت قريب فحاول اللحاق بالركب فإن من جدّ وجد، وليس من سهر كمن رقد، وهذا الموت منك قيد شبر الشابر وإن سلع المعالي غاليات الثمن (٢).
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» (٣).
...
стр. 46
خاتمة ودعاء
وبعد ....
فيا أخي في الله .. ها هي بعض معالم الطريق إلى الله قد اتضحت أمامنا، ولم يبق إلا استنهاض الهمة، وتقوية الإرادة، واستنفاذ الجهد، لتصبح البداية قوية بمشية الله، فكما قالوا من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة.
ولنعمل يا أخي على أن نُري الله منا صدق التوجه إليه، وحب العمل من أجله، ولنُقبل عليه متذلّلين خاشعين، علّه يتصدق علينا برحمته وفضله، فقد قال الله وقوله الحق ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ .. ﴾ (١).
ولنجتهد على أن يرى منا ذلاًّ وانكساراً وفقراً وحاجة له، فكلما تحققنا بمعاني العبودية لله، أمدنا سبحانه بأوصاف ربوبيته، فلقد نصر الله عباده في بدر وهم أذلة ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٢).
ولنكثر من الدعاء فكما قال ﷺ «الدعاء هو العباد» (٣).
стр. 47
وليكن دعاؤنا المضطر المكروب الذي لا خلاص له بعون مولاه.
وهذه بعض الأدعية وفقني الله في جمعها، عساها تحرك -بعون الله- قلوبنا، وتطلق ألسنتنا بالدعاء إلى الله بما هو أهله.
ولا تنساني يا أخي في صالح دعائك، فالذنب كبير، والداء مستحكم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت .. الحنان المنان، بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًّا أحد.
اللهم صلّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك عدد ما أحاط به علمك وخط به قلمك، وأحصاه كتابك.
- عزَّ جارك، وجل ثناؤك وتقدست أسماؤك وعظمت نعماؤك ..
- يا نور السماوات والأرض .. يا بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإكرام.
- يا صريخ المستصرخين ويا غوث المستغيثين، ويا منتهى رغبة الراغبين، والمفرج عن المكروبين، والمروّح عن المغمومين ويا مجيب دعوة المضطرين ويا من تكشف السوء ..
ويا أرحم الراحمين ويا إله العالمين ..
- يا رجائي عند مصيبتي، ويا عدتي عند شدتي، ويا مؤنسي
стр. 48
عند وحشتي، ويا صاحبي عند وحدتي ...
- يا حبيب كل غريب، ويا أنيس كل كئيب ..
انقطع الرجاء إلا منك، وأغلقت الأبواب إلا بابك فلا تكلني إلى أحد سواك، وانقلني من ذلّ المعصية إلى عز الطاعة ..
- إلهي .. خيرك إليّ نازل، وشرّي إليك صاعد ..
أنت مع غنائك تتحبب إليّ بالنعم، وأنا مع فقري وفاقتي أتمقّت إليك بالمعاصي، وأنت في ذلك تسترني وتجبرني وترزقني ..
- إلهي .. لا تكلني إلى نفسي طرفة عين فأهلك، ولا إلى أحد من خلقك فأضيع ..
أنا عبدك، وابن عبدك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيّ حكمك، عدْلٌ فيَّ قضاؤك.
إن تعذب فأهل ذلك أنا، وإن تغفر وترحم فأنت لذلك أهل.
- أنا الذي أمرتني فقصرت، ونهيتني فعصيت ..
إليك أشكو بدناً غُذيّ بنعمك، ثم توثب على معاصيك.
- اللهم إنا نسألك بعزك وذلّنا، ثم وقوتك وضعفنا، وغناك عنا وافتقارنا إليك إلا رحمتنا يا أرحم الراحمين ...
هذه نواصينا الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، عبيدك سوانا كثير وليس لنا سيّد سواك ..
نسألك مسألة المسكين .. ونبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل وندعوك دعاء الخائف الضرير ..
стр. 49
دعاء من رغم لك أنفه، وخضعت لك رقبته، وذل لك قلبه وفاضت لك عيناه .. فاغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنّا، وما أسررنا وما أنت أعلم به منا ..
- إلهي .. ببابك أنخنا، ولمعروفك تعرضنا، وبكرمك تعلقنا، وبتقصيرنا اعترفنا، وأنت أكرم مسئول وأعظم مأمول فارحمنا اللهم رحمة تغنينا بها عن رحمة من سواك ..
- اللهم لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين ..
- اللهم اجعلنا من عبادك الذين يحبونك وتحبهم، واجعلنا ممن أكرمت فأجزلت ثوابهم، واجعلنا يا رب ممن زحزحت عن النار أجسادهم ..
- اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد ونسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك ..
- اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك، ولا تصرف قلوبنا إلى شيء صرفته عنا، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة ..
- اللهم إنا نسألك الشهادة في سبيلك بعد طول عمر وحسن عمل، مقبلين غير مدبرين في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة ..
- اللهم أرنا عز الإسلام بأعيننا، ومتعنا بالنصر وارزقنا الشهادة
стр. 50
يا رب العالمين ..
- اللهم اكشف ما بأمتنا من سوء .. وأزح عنا وعن المسلمين في كل بقاع الأرض وطأة الطواغيت ..
- اللهم إنا نجعلك في نحورهم .. فأنت ملاذنا ونصيرنا وظهيرنا وأنت حسبنا ومولانا ...
- اللهم أرنا فيهم وفي أعداء الدين من اليهود والصليبيين والشيوعيين والعلمانيين ومن والاهم يوماً أسوداً .. يوم كيوم عاد .. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك ..
- اللهم إنهم لا يعجزونك اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر واجعلهم في الأرض أحاديث ومزقهم كل ممزق ...
- اللهم انصر الإسلام والمسلمين نصراً مؤزراً .. نصراً كيوم بدر بجندك وأوليائك يا رب العالمين ...
- اللهم حرر المسجد الأقصى على رايات الإيمان وصيحة التكبير .. وارزقنا فيه صلاة طيبة مباركة ..
- اللهم انصر المجاهدين في كل أرض يذكر فيها اسم الله .. اللهم اكشف همّهم وادفع غمهم واجمع شملهم واجبر كسرهم وفك أسرهم وحقق بالصالحات آمالهم، واختم بالطاعات أعمالهم ...
- اللهم وأسألك لي ولإخواني ولمن كتب هذا ولمن قرأه فوعاه وعمل به أن تجمعنا تحت ظل عرشك وأن تجعله خالصاً لوجهك .. تثقل به الميزان وتحقق به الإيمان، وتفك به
стр. 51
الرهان، وتخسأ به الشيطان.
- اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان .. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم .. آمين آمين وصل الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
- والحمد لله رب العالمين
***