← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37593

دفاع عن السنة ورد شبه المستشرقين ط مجمع البحوث

محمد أبو شهبة

Полный текст (287 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ولو أن بعض الأطباء المسلمين العباقرة اتجه إلى الطب النبوي كما ثبت في الصحاح، وبحث فيه بإيمان وصبر وَجَلَدٍ فأنا كفيل أنه سيخلص للبشرِيَّةَ من ذلك بخير كثير، وسيظهر لنا الكثير من أسرار الإعجاز في هذه الأحاديث، فهل من مستجيب؟ نعم إن بعض الأطباء المؤمنين اتجه إلى هذا ونشروا فيه مقالات، ولكني أريد بَحْثًا مُسْتَفِيضًا في سفر كبير يكون مرجعًا في هذا الموضوع الجليل. حَدِيثُ إِدْبَارِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الأَذَانِ: قال: وأخرج الشيخان عن أبي هريرة: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ - أقيم للصلاة - بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ» وقال العلماء المُحَقِّقُونَ في شرح هذا الحديث: لِئَلاَّ يسمع فيضطر أنْ يشهد له بذلك يوم القيامة، يقصد بذلك التهكم بهم. ولا أدري وجه استشكاله لهذا الحديث؟ وهو مرفوع إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو من الغيبيات، وإنما ينكر هذا الحديث وأمثاله من لا يؤمن بعالم الجن، وحكم من لا يؤمن بهم معروف وهو الكفر، لإنكاره ما ثبت بالقرآن، والحديث سيق مساق التمثيل والمجاز فهو تصوير لشدة نفوره وإجفاله كراهة سماع الآذان، ومثل هذا التمثيل معهود في كلام العرب، ولو حمل الحديث على حقيقته فلا استحالة أيضًا، فطبائع الجن وأنهم يأكلون ويشربون لا تأبى ذلك، وإبليس وأعوانه يروننا ولا نراهم كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ﴾ (١). وقد يطلع الله بعض أنبيائه على بعض أحوالهم وتصرفاتهم لحكم بالغة، وهذا من الأمور الغيبية التي إذا ثبتت عن معصوم وجب التصديق بها، ولا أدري كيف غاب عن أَبِي رَيَّةَ حكم من يتهكم بأحاديث رسول الله؟!.

стр. 212

حَدِيثُ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ -: قال: وروى " مسلم " عن أبي سفيان أنه قال لِلْنَّبِيِّ ﷺ : «يا رسول الله، أعطني ثلاثا: تزوج ابنتي أم حبيبة، وابني معاوية اجعله كاتبا، وأمرني أن أقاتل الكفار كما قاتلت المسلمين .... » وقد تصرف المؤلف في الحديث ولم يورده بلفظه كما في الصحيح. وهذا الحديث قد استشكله الأئمة المُحَدِّثُونَ من قديم وَعَدُّوهُ من أوهام عكرمة بن عمار لأنه كَانَ يَغْلِطُ وَيَهِمُ، لأن الثابت القطعي أن النَّبِي تزوجها سَنَةَ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وذلك قطعًا قبل إسلام أبي سفيان سَنَةَ ثَمَانٍ، ومن العلماء من تكلف الإجابة عن هذا الحديث فقال: إن المقصود أقرك على زواج ابنتي، أو المراد تجديد عقد النكاح، والحق أن هذا تكلف وأن الحديث من قبيل الوهم والغلط، لا من قبيل الوضع لأنا لم نر أحدا من أئمة الجرح والتعديل نسب عكرمة بن عمار إلى الوضع، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وكفى بهما إمامين (١) ومِمَّنْ قال بأن الحديث وقع فيه الوهم الإمام ابن تيمية في " منهاج السُنَّة "، فأبو رِيَّةَ لم يأت بجديد وكل ما هنالك أنه حاول تجسيم هذا الغلط اليسير ليغض من شأن " صحيح الإمام مسلم ". تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ لأُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ فِي بَعْضِ مَا قَالَ: قال: وفي " مسند أحمد " عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَدَّقَ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ الشَّاعِرِ المَشْهُورِ فِي قَوْلِهِ: وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ * ... * ... * حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا * ... * ... * إِلاَّ مُعَذِّبَةً وَإِلاَّ تُجْلَدُ

стр. 213

والجواب: أنه لا مانع عقلاً ولا شرعًا في تصديق النَّبِيِّ لأُمَيَّةَ أو غيره في بعض ما يقول ما دام حَقًّا، وقد ثبت في الصحيح أن النَّبِيَّ قال: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ، [كَلِمَةُ لَبِيدٍ]: أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ» فإن كان كَذِبًا أو باطلاً نَبَّهَ إليه، ولذلك قال في قول هذا الشاعر وهو لبيد: وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ «كَذَبَ إِنَّ نَعِيمَ الْجَنَّةِ غَيْرُ زَائِلٍ» كما قال لما سمع شعر أمية هذا «آمَنَ لِسَانُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ». اسْتِشْكَالُهُ حَدِيثَ: «مَتَى تَقُومَ السَّاعَةُ»: قَالَ: وَرَوَى " مسلم " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ؟ قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُنَيْهَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى غُلاَمٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، فَقَالَ: «إِنْ عُمِّرَ هَذَا، لَمْ يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: ذَاكَ الْغُلاَمُ مِنْ أَتْرَابِي يَوْمَئِذٍ ... ثم قال متهكما: فما قول عُبَّادِ الأسانيد؟ لعل بعضهم يقول: لعل هذا الغلام لم يدركه الهرم إلى الآن. والجواب: أن استشكال هذا الحديث إنما يكون مِمَّنْ قصر نظره، وضاق عقله عن إدراك المراد منه، وهذا الحديث - وأمثاله - ليس المراد به يوم القيامة، وإنما المراد الساعة الخاصة، وهي انتهاء الجيل وأهل القرن الواحد. والساعة كما تطلق على الساعة العامة للدنيا كلها وهي القيامة تطلق على الساعة الخاصة، وهذا الثاني هو المراد هنا، ويؤيد ذلك ما في " صحيح مسلم " أن النَّبِيَّ ﷺ قال في حديث آخر: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» قَالَ [ابْنُ عُمَرَ]: فَوَهَلَ النَّاسُ - أي غلط - فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وإنما أراد انخرام الجيل أي انتهاءه، وفي الحديث الصحيح أيضا أن رجلا سأل النَّبِي: متى تقوم الساعة؟ وكان النَّبِي مشتغلا بحديثه، فلما

стр. 214

فرغ منه قال: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟» قَالَ الرَّجُلُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» فَقَالَ الرَّجُلُ: وَكَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ فَقَالَ: «إِذَا وُسَّدَ الأَمْرَ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ، فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ». فالمراد بالساعة هنا ساعة الأمم وهي ساعة هلاكها حينما لا تأخذ بأسباب القوة والعزة والبقاء، وقد عرض هذا الحديث لِنَظَرِيَّةٍَ من أهم نظريات علم الاجتماع وهكذا يَتَبَيَّن لنا أن من رماهم بأنهم عُبَّادُ الأَسَانِيدِ - يريد أئمة الحديث - هم أرحب عقلاً، وأوسع أُفُقًا منه ومن أمثاله عُبَّادُ الشَّيَاطِينِ، وأسراء الأهواء، والدرهم والدينار، وصنائع أعداء الله ورسوله. ثم قال: نكتفي بما أوردناه، وهناك أحاديث أكثر شناعة، تركناها خشية الإطالة، وللإمام الطحاوي كتاب كبير في أربعة مجلدات في مشكل الحديث فليرجع إليه من أراده. أقول: نعم ليرجع من يشاء إلى كتاب الطحاوي ليرى كيف يكون مسلك العلماء الراسخين في فهم الأحاديث التي ظاهرها مشكل، وكيفية فهمهم لها، وتوقيرهم للحديث وأهله، وتأدبهم مع السلف الصالح وليرى أيضًا فرق ما بين العلماء وأدعياء العلم، وطلاب الحقيقة، وطلاب الجاه الكاذب، والسراب الخادع. أَحَادِيثُ المَهْدِيِّ المُنْتَظَرِ: قال في [ص ٢٠٩]: ومن المشكلات تلك الأحاديث التي جاءت في المهدي وهو عند أَهْلِ السُنَّةِ محمد بن عبد الله، وفي رواية: أحمد بن عبد الله، والشيعة الإمامية متفقون على أنه محمد بن الحسن العسكري من الأئمة المعصومين ويلقبونه بِالحُجَّةِ، والقائم المنتظر. والجواب: إن أحاديث المهدي المنتظر اختلفت فيها أنظار العلماء من قديم الزمان، فمنهم مَنْ ضَعَّفَهَا وَرَدَّهَا كابن خلدون في " مقدمته "، ومنهم

стр. 215

من صَحَّحَهَا كالحافظ السيوطي، وابن حجر الهيثمي، بل ذهب بعض أئمة الحديث إلى تواترها ومن هؤلاء القاضي المجتهد المُحَدِّثُ الشوكاني، فَإِنَّ له في ذلك رسالة، ونحن نعلم أن الشوكاني كان حُرَّ الرَّأْيِ والتفكير ويقول ما يقتنع به عن دليل ولو جر ذلك عليه صنوف البلاء، وما دامت المسألة محل اختلاف وتتجاذبها الأدلة، فما كان ينبغي للمؤلف أن يهول من شأنها، وأن يتخذ منها وسيلة للطعن في السُنَّةِ، والإزراء برجالها، ولو أنه كان من أهل الاجتهاد والعلم بالرجال والنقد لقلنا: رأي له رآه، أما وهو متابع لغيره، وإمعة في رأيه، فما كان الأمر يستحق كل هذه الطنطنة وكل هذا التهويل. وَمِمَّا ينبغي أن يعلم أن الأحاديث التي تعرضت للمهدي منها الثابت ومنها غير الثابت، ومنها الضعيف ومنها الموضوع. أَحَادِيثُ الخُلَفَاءِ الاثْنَيْ عَشَرَ: في [ص ٢١٠] عرض لأحاديث الخلفاء الاثني عشر وذكر في ذلك ما رواه الشيخان وغيرهما من أهل الحديث وقد اعتمد في سرد الأحاديث التي ذكرها على " فتح الباري " للحافظ ابن حجر، وذكر فيما ذكر حديث " الطبراني " عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وحديثًا موقوفًا على كعب، ثم قال: وعلى أن هذه الأحاديث قد جعلت الخلفاء اثني عشر فقد رَوَوْا حَدِيثًا يعارض هذه الأحاديث جميعًا، وهو حديث سَفِينَةَ الذي خرجه أصحاب السنن، وَصَحَّحَهُ ابن حبان وغيره «الخِلاَفَةُ بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا» ثم أراد أن يوهم القارئ أن العلماء الكبار على أن الحديثين متعارضان تعارضًا يذهب الثقة بهما وبرواتهما فذكر كلاما للإمام القاضي عياض، وللإمام أبي الفرج بن الجوزي. وللجواب عن ذلك نقول: ١ - إن المؤلف اعتمد فيما نقله على " فتح الباري " إِلاَّ أنه - كما هو

стр. 216

شأنه ينقل من غير تحقيق وَتَرَوٍّ فقد نقل رواية كعب مع أن الحافظ قال فيها: إنها واهية، والواهي لا يحتج به قطعًا. ٢ - إن المؤلف لما نقل استشكال القاضي عياض للحديثين ذكر السؤال ولم يذكر الجواب، وهي خيانة علمية تقذف بصاحبها في عداد المدلسين، وإليك ما قاله القاضي بتمامه، قال الحافظ في " الفتح " (١): «وَقَدْ لَخَصَّ القَاضِي عِيَاضٌ ذَلِكَ فَقَالَ: تَوَجَّهَ عَلَى هَذَا العَدَد سُؤَالاَنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يُعَارِض ظَاهِرِ قَوْله فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ يَعْنِي الذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ اِبْنِ حِبَّان وَغَيْره " الخِلاَفَة بَعْدِي ثَلاَثُونَ سَنَةً، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا " لأَنَّ الثَّلاَثِينَ سَنَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا إِلاَّ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ وَأَيَّامَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَالثَّانِي أَنَّهُ وَلِيَ الخِلاَفَة أَكْثَرُ مِنْ هَذَا الْعَدَد» وإلى هنا وقف المؤلف، وإليك التتمة «قَالَ: - أي القاضي عياض -: وَالجَوَابُ عَنْ الأَوَّلِ أَنَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيث سَفِينَة " خِلاَفَة النُّبُوَّة " وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي حَدِيث جَابِرَ بْن سَمُرَةَ بِذَلِكَ - يعني الذي رُوِيَ في " الصحيحين " - بذلك، وَعَنْ الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ " لاَ يَلِي إِلاَّ اِثْنَا عَشَرَ " وَإِنَّمَا قَالَ: [يَكُونُ] " اِثْنَا عَشَرَ " وَقَدْ وَلِيَ هَذَا العَدَد وَلاَ يَمْنَع ذَلِكَ الزِّيَادَة عَلَيْهِمْ ... وَقَدْ مَضَى مِنْهُمْ الخُلَفَاءُ الأَرْبَعَةُ وَلاَ بُدَّ مِنْ تَمَامِ العِدَّةِ قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ ... » إلى آخر ما نقل الحافظ عن القاضي عياض. وكذلك صنع أَبُو رَيَّةَ مع ابن الجوزي فقد نقل بعضه، وترك جُلَّهُ، وقد استغرق نقل كلام الجوزي صحيفة بطولها من " فتح الباري " (٢)، وقد أطال الحافظ ابن حجر في تحقيق الروايات في هذا الموضوع واستغرق ذلك بضع صفحات من " الفتح " بحيث يخرج منه القارئ المُتَثَبِّتُ الطالب للحقيقة بزيادة اليقين بصحة ما روى في " الصحيحين " في هذا الباب والحافظ الكبير ابن حجر باتفاقنا جميعًا من أكابر أئمة هذا العلم، بل هو كما قال المؤلف: أمير المؤمنين في الحديث، فإذا كان كذلك فلم لم ينهج نهجه في فهم الأحاديث والتوفيق بينها؟!

стр. 217

ولا أدري إذا كان المؤلف خطف ما ذكره خَطْفًا من " الفتح " من غير تحقيق وتثبت، أم أنه تعمد ذلك لحاجة في نفسه قد أصبحت معلومة لكل من اطلع على رَدِّنَا على صاحب هذا الكتاب الظالم، فإن كانت الأولى فهي جهالة، وإن كانت الثانية فهي خيانة وتغرير وتدليس. أَحَادِيثُ الدَجَّالِ عِنْدَ أَبِي رَيَّةَ خُرَافَةٌ: في [ص ٢١٣] عرض لأحاديث الدَجَّالِ، وطعن فيها، واعتبر ظهور الدجال في آخر الزمان خرافة. والعجب أنه ذكر في هذه الصحيفة بعض الأحاديث الغير ثابتة كحديث كعب الأحبار، بينما أعرض عن الأحاديث الصحيحة الثابتة المروية من طرق عدة عن كثير من الصحابة في " الصحيحين " وغيرهما. ونحن لا ننكر أنه وضعت أحاديث في الدَجَّالِ، وَصِفَتِهِ، ومتى يخرج، ومن أي مكان يخرج، ولكنه مع هذا قد صحت فيه أحاديث كثيرة في " الصحيحين " وغيرهما. وقد روى أحاديث الدَجَّالِ " البخاري " و" مسلم " (١) وأفاضا في ذلك، كما روى أحاديثه غيرهما من أصحاب الأحاديث المعتمدة الموثوق بها، حتى حَدَا هذا ببعض العلماء إلى القول بتواتر أحاديث الدجال، ونزول عيسى ﵇، فإن كانت أحاديث خروج الدجال متواترة فهي قطعية الثبوت، ولا مجال لإنكارها، وإن كانت صحيحة مشهورة ولم تصل إلى حد التواتر فالأحاديث الصحيحة التي تلقتها الأُمَّةُ بالقبول كأحاديث " الصحيحين " تفيد القطع في ثبوتها عند كثير من أئمة علم الحديث كابن الصلاح وابن حجر، وابن تيمية وغيرهم من جماهير العلماء سَلَفًا وَخَلَفًا (٢). بل ذهب بعض أجلة العلماء إلى أن الحديث الصحيح يفيد العلم

стр. 218

اليقيني، وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي، والحارث ابن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويز منداد عن مالك وهو الذي اختاره الإمام ابن حزم قال في " الإحكام ": «إِنَّ خَبَرَ الوَاحِدِ العَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوجِبُ العِلْمَ وَالعَمَلَ [مَعًا]» وقد انتصر إلى هذا من المُتَأَخِّرِينَ العلامة المُحَدِّثُ الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀ فقال: «وَالحَقَّ الذِي تُرَجِّحُهُ الأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ أَنَّ الحَدِيثَ الصَّحِيحَ يُفِيدُ العِلْمَ القَطْعِيََّ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَحَدِ " الصَّحِيحَيْنِ "، أَمْ فِي غَيْرِهِمَا، وَهَذَا العِلْمُ اليَقِينِيُّ عِلْمٌ نَظَرِيٌّ بُرْهَانِيٌّ، لاَ يَحْصُلُ إِلاَّ لِلْعَالِمِ المُتَبَحِّرِ فِي الحَدِيثِ العَارِفِ بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ وَالعِلَلِ ... وَهَذَا العِلْمُ اليَقِينِيُّ النَّظَرِيُّ يَبْدُو ظَاهِرًا لِكُلِّ مَنْ تَبَحَّرَ فِي عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ، وَتَيَقَّنَتْ نَفْسُهُ بنَظَرِيَّاتِهِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ إِلَيْهَا .... » (١). فأيا ما كانت أحاديث الدجال، فلا يجوز لمسلم أن ينكرها ولا مجال للتشكيك فيها، وكون النَّبِيِّ ﷺ كان يخبر أنه من المحتمل ظهوره في عصره، ثم إخباره بأن ظهوره في آخر الزمان لا يكفي في الطعن في الروايات وتكذيبها لجواز أن يكون أوحى إليه بخبره وشأنه من غير تعيين لزمانه ففهم النَّبِيُّ جواز أن يكون في عصره، ثم بعد ذلك أعلمه الله - سُبْحَانَهُ - أن ذلك سيكون في آخر الزمان قبيل الساعة. وإذا كانت أحاديث الدجال لا مطعن فيها من جهة الرواية، وأنها وردت من طرق عدة تبعد عنها الشك والريبة، فإنها كذلك لا مطعن فيها من جهة المعنى والدراية، فقد بين النَّبِيُّ في حديث آخر أنه سيكون هناك دجالون قريب من ثلاثين، وأن آخرهم الدجال الأكبر ففي " صحيح البخاري " «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ ... ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ [كَذَّابُونَ]، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ... » ولأحمد والطبراني «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ ثَلاَثُونَ كَذَّابًا آخِرُهُمُ الأَعْوَرُ الدَّجَّالُ». وقد جاء الواقع مُؤَيِّدًا لهذا الحديث كل التأييد فمن هؤلاء

стр. 219

الدجالين من ظهر كَمُسَيْلِمَةَ وَالأَسْودَ العَنْسِيَّ في القديم، وغلام أحمد القادياني الذي ظهر ببلاد الهند في العصر الأخير، ومنهم من سيظهر حتى يكون آخرهم الدجال الأكبر وهو الذي سيقتله عيسى ﵇. وما دامت هذه الأمور الغيبية ممكنة وأخبر بها الصادق المصدوق ﷺ وجب الإيمان بها والتصديق، وليس لنا تحكيم العقل فيها لأنها من الغيوب التي هي فوق إدراك العقول. أَحَادِيثُ تَحْدِيدِ عُمُرِ الدُّنْيَا إِسْرَائِيلِيَّاتٌ بَاطِلَةٌ: في [ص ٢١٤] ذكر عُمْرَ الدنيا وقال: إن في " تفسير الآلوسي " أن السيوطي أخرج عدة أحاديث في أن عمر الدنيا سبعة آلاف سَنَةٍ وذكر أن مدة هذه الأُمَّة تزيد على الألف ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سَنَةٍ. وتقريرًا للحقيقة أقول: إن الإخبار عن عمر الدنيا وتحديد ذلك بسبعة آلاف سَنَةٍ وأن النَّبِيَّ بعث في آخر السادسة وَرَدَ فيها حديث مرفوع، وقد حكم عليه جهابذة الحديث وصيارفته كابن الجوزي وغيره بالوضع، وما دامت كذلك فلا يقام لها وزن ولا نتخذ منه سبيلاً للطعن في الأحاديث وقد جاءت بعض الأخبار موقوفة على الصحابة والتابعين، وهي على تسليم ثبوتها عمن رويت عنهم فهي من الإسرائيليات الباطلة التي حملها هؤلاء عن مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ بحسن نِيَّةٍ ومعاذ الله أن يكون لها حكم الرفع، وتحديد عمر الدنيا بسبعة آلاف سنة من جهالات اليهود الذين افتروا على الله وعلى الخلق وعلى العلم. وأحب أن أقول للمؤلف إن الإمام السيوطي، وإن كان أداه اجتهاده إلى اعتماد بعض تلك الأخبار الإسرائيلية فقد أخطأه الصواب لا محالة وأي إنسان غير معصوم من الخطأ؟ والعصمة إنما هي للهِ ولرسله، وإذا كان السيوطي اعتمدها فهناك غيره من أئمة المُحَدِّثِينَ نقدوها وزيفوها وبينوا بطلانها، وقد ثبت بالأدلة القاطعة التي لا يرقى إليها الشك أن عمر الدنيا أضعاف أضعاف ذلك مِمَّا يؤكد زيف هذه الروايات وبطلانها.

стр. 220

تَحْرِيفٌ فِي مَعْنَى حَدِيثٍ: قال في [ص ٢١٤]: وفي حديث لـ " مسلم " أن الساعة تقوم قبل انتهاء القرن الأول الهجري أقول: ولعل مراده بحديث " مسلم " هو أن النَّبِي قال قبل أن يموت بشهر «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ، لاَ يَبْقَى، مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ، أَحَدٌ» فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله ﷺ إلى ما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سَنَةٍ، وإنما قال النَّبِي لا يبقى مِمَّنْ هو اليوم على ظهر الأرض يريد بذلك أنها تخرم القرن. والحديث ظاهر في أن المراد انقراض أهل ذلك القرن، وأنه ليس المراد قيام الساعة الكبرى، وقد غلط المؤلف في فهمه كما غلط أناس من قبل ولو تأمل المؤلف في هذه الرواية لما وقع في هذا الزعم الكاذب. أَحَادِيثُ الفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ: ثم قال: «وقد أعرضنا كذلك عن إيراد أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى التي ذخرت بها كتب السُنَّةِ المعتمدة بين المسلمين والمقدسة من الشيوخ الحشويين، وكذلك أهملنا ذكر الأحاديث الواردة في خروج النيل والفرات وسيحون وجيحون من أصل سدرة المنتهى فوق السماء السابعة وهي في " البخاري " وغيره». أقول: أما أخبار الفتن وأشراط الساعة ونزول عيسى فقد روي في ذلك أحاديث صحاح وحسان بل منها ما وصل إلى حد التواتر كأحاديث نزول عيسى في آخر الزمان كما قال الإمام الشوكاني، ومن الأحاديث المروية في هذا ما هو ضعيف أو موضوع، وقد نَقَدَ المُحَدِّثُونَ كل ذلك وَمَيَّزُوا بين الصحيح والمعلول والمقبول والمردود. وأما الأحاديث الواردة في النيل والفرات ... فقد بينت فيما سبق

стр. 221

المراد منها وأن لها مَحْمَلاً صَحِيحًا مَقْبُولاً، وأن المراد منها المجاز لا الحقيقة، وهو مجاز مستساغ لغة وشرعًا. اِسْتِشْهَادُ أَبِي رَيَّةَ بِكَلاَمِ السَيِّدْ مُحَمَّد رَشِيدْ رِضَا فِي " تَفْسِيرِهِ ": قال في [ص ٢١٦] انتهى العلامة السيد رشيد رضا في " تفسيره " بعد أن طعن في أحاديث أشراط الساعة وأمارتها مثل الفتن والدجال والجساسة وظهور المهدي وغير ذلك إلى هذه النتائج القيمة. ١ - أن النَّبِيَّ لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب بما أنزل عليه في كتابه وهو قسمان صريح ومستنبط. ٢ - لا شك أن أكثر الأحاديث قَدْ رُوِيَ بالمعنى ... فعلى هذا كان يروي كل أحد ما فهمه وربما وقع في فهمه الخطأ، لأن هذه أمور غيبية، وربما فسر بعض ما فهمه بألفاظ يزيدها ... إلخ ما قال. الرَدُّ عَلَى مَا وَرَدَ فِي كَلاَمِ السَيِّدِ مُحَمَّد رَشِيدْ وَأُسْتَاذِهِ الإِمَامِ: ١ - أما أن النَّبِيَّ ﷺ لم يكن يعلم الغيب وإنما أعلمه الله ببعض الغيوب .. فهذا ما لا نخالف فيه ولا ننكره ولكنا نقول: إن ما أخبر به من أشراط الساعة وأخبار الفتن هو مِمَّا أعلمه الله إياه وصدق الله حيث يقول: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ (١). ٢ - ما يتعلق بالرواية بالمعنى فقد حَقَّقْتُ القول فيها فيما سبق وبينت أن احتمال الخطأ أو التغيير في الأحكام والدلالات هو احتمال عقلي وأن من اطلع على شروط الأئمة في تجويز الرواية بالمعنى وشدة تحري الرواة للحق والصواب وتحزرهم من الخطأ يقطع بأن احتمال الغلط أو التغيير يعيد غاية البعد. ٣ - وأما ما وضعه أصحاب العصبيات المذهبية والسياسية والمتظاهرين بالصلاح والتقوى فقد نقده العلماء نَقْدًا عِلْمِيًّا نزيها وبينوا زيفه، وما خفي عليهم شيء منه.

стр. 222

٤ - وأما أن بعض الأحاديث الموضوعة لم تعرف إِلاَّ باعتراف واضعها، فزعم غير صحيح من كل وجه فالاعتراف إنما هو أمارة وقرينه، وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ عند الأئمة فقد السند والمتن، ولو لم يعترف هؤلاء لوصل العلماء بملكاتهم التي اكتسبوها من مزاولة النقد وبقواعدهم الدقيقة التي وضعوها إلى تمييز الحق من الباطل والخطأ من الصواب، وليس أدل على ذلك من أنهم لم يعتبروا الإقرار قَطْعِيًّا في الدلالة على الوضع لجواز أن يكذب في هذا الإقرار نفسه كما قرروا ذلك في كتبهم. ٥ - وأما ما نقله عن الأستاذ الإمام محمد عبده من أن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم وما كل مسلم مؤمن صادق وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه عن النَّبِي ﷺ أو من غيره، فعلى تسليم ثبوته عنه فهو - على إطلاقه - غير صحيح، والمؤلف حريص على أَنْ يُحَمِّلَ الكلام ما لا يتحمل. ومِمَّا نحب أن نسجله بهذه المناسبة أن الأستاذ الإمام لم يتضلع من السُنَّةِ وعلومها تضلعًا يجعله في عداد أئمتها فمن ثم وقع في بعض الأخطاء حينما يعرض لبعض الأحاديث، كما أحب أن أذكر المؤلف ومن على شاكلته بأن الحق لا يعرف بالرجال وإنما يعرف الرجال بالحق، وبكلمة إمام دار الهجرة مالك بن أنس: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ وَيُرَدُّ عَلَيْهِ إِلاَّ صَاحِبُ هَذَا المَقَامِ» . يريد النَّبِيَّ ﷺ . وأنا مع إكباري للأستاذ الإمام وتلميذه السيد محمد رشيد رضا إِلاَّ أني أرى ويرى كل باحث منصف - أنه ليس كل ما يقولانه حق وَحُجَّةٌ فَهُمَا بَشَرٌ، وكل بشر عرضة للصواب والخطأ والسيد رشيد مع كونه عالمًا بِالسُنَّةِ وبالأحاديث إِلاَّ أن له مواضع زلت قدمه فيها والعصمة لله ولرسله. ٦ - وأما ما عرض له من أن الصحابة كلهم عدول قاعدة أغلبية فقد قدمت ما فيه الكفاية في هذا فيما سبق وأما أن بعض المنافقين كان يتظاهر بالإسلام وأحكموا النفاق ومرنوا عليه حتى خفي أمرهم على النَّبِيِّ وأصحابه

стр. 223

استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (١) فليس في الآية استمرار عدم العلم بحالهم بل فيها ما يشعر بأن الله سيفضحهم ويكشف أمرهم لنبيه والمؤمنين المرة بعد المرة فالمراد بالمرتين التكثير كقوله سبحانه: ﴿ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (٢). والآية تشعر باطلاع الله - سبحانه نَبِيَّهُ على أحوالهم ولا سيما وقد ورد في الرواية ما يؤيد ذلك أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في " الأوسط " وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: «قام فينا رسول الله ﷺ يوم الجمعة خطيبا، فقال: «قُمْ يَا فُلاَنُ فَاخْرُجْ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ، اخْرُجْ يَا فُلاَنُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ»، فَأَخْرَجَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَضَحَهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ شَهِدَ تِلْكَ الجُمُعَةَ لِحَاجَةٍ كَانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ فاخْتَبَأَ مِنْهُمُ اسْتِحْيَاءً أَنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ، وَظَنَّ أَنَّ النَّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هُمْ مِنْ عُمَرَ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ عِلْمَ بِأَمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ اليَوْمَ، فَهَذَا العَذَابُ الأَوَّلُ، وَالعَذَابُ الثَّانِي عَذَابُ القَبْرِ» وفي رواية ابن مردويه عن أبي مسعود الأنصاري: «أَنَّهُ ﷺ أَقَامَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ سِتَّةً وَثَلاَثِينَ رَجُلاً». ٧ - وأما قوله فيما نقل عنه: «فكل حديث مشكل المتن أو مضطرب الرواية أو مخالف لسنن الله تعالى في الخلق أو لأصول الدين أو نصوصه القطعية أو للحسيات وأمثالها من القضايا اليقينية فهو مظنة لما ذكرنا فمن صدق رواية مِمَّا ذكر ولم يجد فيها إشكالاً فالأصل فيها الصدق ومن ارتاب في شيء منها أو ورد عليه بعض المرتابين أو المُشَكِّكِينَ إشكالاً في متونها فليحمله على ما ذكرنا من عدم الثقة بالرواية لاحتمال كونها من دسائس الإسرائيليات أو خطأ الرواية بالمعنى أو غير ذلك مِمَّا أشرنا إليه. فهو كلام حق في ذاته وقد قاله المُحَقِّقُونَ في الأمارات التي تعرف بها الأحاديث الموضوعة ولكن الخطأ إنما يعرض في التطبيق فما يكون مشكلاً عنده لا يكون مشكلاً عند آخر، وما يتراءى لبعض الناس أنه مخالف للسنن

стр. 224

الكونية قد لا يكون مخالفًا عند التحقيق والتدقيق، وما يعتبره البعض مخالفًا للقطعي أو للحس قد لا يعتبره الآخر كذلك، فَمِنْ ثَمَّ دخلت المغالط الكثيرة على المؤلف وغيره مِمَّنْ عرضوا لنقد الحديث، وذلك لأنهم جعلوا جل غايتهم التزييف والهدم، فمن ثم تلمسوا أَوْهَى الأسباب، وركبوا كل صعب في سبيل إظهار بعض الأحاديث بمظهر المخالف لما ذكر، أما العلماء المُحَقِّقُونَ المُتَثَبِّتُونَ فقد احتاطوا غاية الاحتياط في التطبيق وَتَأَنَّوْا في الحُكْمِ بالمخالفة فمن ثم جاءت أحكامهم على الأحاديث ورواتها صائبة. وفيما قدمته في بيان عناية أئمة الحديث بنقد السند والمتن وتحكيمهم القواعد الصحيحة وعدم مسارعتهم لرد ما ظاهره مخالفة العقل أو الحس أو السنن الكونية وغيرهما ما فيه الكفاية فكن على ذكر منه. اِفْتِرَاؤُهُ عَلَى الصَّحَابَةِ بِعَدَمِ عِنَايَتِهِمْ بِجَمْعِ الأَحَادِيثِ: في [هامش ص ٢١٩] قال تحت عنوان «تدوين القرآن»: «مِمَّا يستلفت النظر البعيد ويسترعي العقل الرشيد أن عمر لما راعه تهاوي الصحابة في حرب اليمامة، وفزع إلى أبي بكر لكي يسارع إلى جمع القرآن وكتابته، لم يقل عنهم إنهم حَمَلَةُ الحديث بل قال: إنهم حَمَلَةُ القرآن ولم يطلب جمع الحديث وكتابته عندما فزع إلى أبي بكر بل جعل هَمَّهُ في جمع القرآن وحده وكتابته، بل إننا لم نجدهم وهم يجمعون القرآن ويدونونه - وكان ذلك على مشهد الصحابة جميعًا - قد اقترح واحد منهم أن يجمعوا الحديث ويكتبونه بل انحصرت عنايتهم في جمع القرآن فحسب، وفي ذلك أقوى الأدلة وأصدق البراهين على أنهم لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث، ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ يبقى على وجه الدهر كالقرآن». أليس ذلك من أقوى الأدلة على سوء نِيَّةٍ المؤلف وأن قصده التهوين من شأن السُنَّةِ حتى في نفوس الرعيل الأول من المسلمين وأنه في سبيل ذلك يحمل الكلام والحوادث ما لا تتحمل؟!!

стр. 225

إن الحكمة كانت تقتضي في ذلك الوقت المسارعة إلى جمع القرآن في مصحف واحد خشية أن يضيع شيء منه، أو من أصله المكتوب بموت جمهور القُرَّاءِ، أما الأحاديث فلم تكن الحاجة ماسة إلى جمعها حينئذ ولا سيما أَنَّ الأُمَّةَ لم تكلف بحفظ ألفاظها والتعبد بها كما كلفت بالقرآن، وأن المعول عليه فيها المعنى، لا اللفظ، وأنهم نُهُوا عن كتابتها حتى لا تختلط بالقرآن، فالصحابة لم يفعلوا إِلاَّ أنهم قدموا الأهم على المهم والأصل على الفرع فلما دعت الحاجة إلى جمع الأحاديث والمحافظة عليها من الضياع والتباس الحق بالباطل أمر الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بجمعها بصفة رسمية عامة فكان ذلك بدأ التدوين العام، أما التدوين الخاص فقد تحقق فعلاً من قبل فقد كان يكتب السُنَّةَ بعض الصحابة والتابعين، ولعل مِمَّا يلقم المؤلف حَجَرًا، ويجعله يفض بريقه، ويرد عليه فِرْيَتَهُ من أن الصحابة لم يهتموا بالأحاديث اهتمامهم بالقرآن، ولم يدونوها كما دونوا القرآن ما رواه البيهقي في " المدخل " عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهَا فَطَفِقَ عُمَرُ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهَا شَهْرًا ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ اللَّهُ لَهُ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أَكْتُبَ السُّنَنَ، وَإِنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُمْ كَتَبُوا كُتُبًا فَأَكَبُّوا عَلَيْهَا وَتَرَكُوا كِتَابَ اللَّهِ وَإِنِّي وَاللَّهِ لاَ أَلْبَسُ كِتَابَ اللَّهِ بِشَيْءٍ أَبَدًا» (١). فهل بعد هذا النص الصريح يزعم زاعم أن الصحابة لم يكونوا يعنون بأمر جمع الحديث ولا أن يكون لهم فيه كتاب محفوظ؟!!! زَعْمُهُ أَنَّ التَدْوِينَ يَلْزَمُ مِنْهُ التَوَاتُرُ: مِمَّا لا يقضي منه العجب قوله في [ص ٢١٧]: «ولو أن النَّبِيَّ ﷺ وصحابته كانوا قد عنوا بتدوين الحديث كما عنوا بتدوين القرآن لجاءت أحاديث الرسول كلها متواترة في لفظها ومعناها ليس شيء

стр. 226

فيها اسمه صحيح، ولا شيء اسمه حسن، ولا شيء اسمه ضعيف، مِمَّا لم يكن معروفًا زمن النَّبِيِّ ﷺ وصحابته، وبذلك كان يذهب الخلاف في حقيقته، وينحط عن كاهل العلماء عِبْءُ البحث عن صحته ووضع المؤلفات الكثيرة التي وضعت في علوم الحديث وبيان أحوال الرواة من حيث العدالة والضبط والجرح والتعديل وغير ذلك، وكان فقهاء الدين يسيرون على نهج واحد لا اختلاف بينهم فيه ولا تباين، إذ تكون كلها متواترة فلا يأخذون بما سموه الظن الغالب الذي فتح أبواب الخلاف ومزق الصفوف وجعلها مذاهب وفرقًا بَلْهَ ما نجم من التفرق بين أهل الحديث وأهل الرأي مِمَّا لا يزال أمره بينهم إلى اليوم وما بعد اليوم قائمًا، ثم كانت الأحاديث تصبح من أهم المصادر لعلماء النحو ورجال اللغة والبلاغة الرَدِّ عليه في هذه المزاعم: --------------------------- وهو كلام خطابي لا يلبث أن ينماع أمام البحث العلمي الصحيح ولا ينم عن علم، وإليك الحق في هذا: ١ - إن هذا الكلام ينبئ عن جهل فاحش بالقرآن والتواتر فهو يفهم أن تواتر القرآن جاء من كتابته، لاَ يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ!! إن تواتر القرآن جاء من كونه كان - ولا يزال - يحفظه الألوف المُؤَلَّفَةِ من المسلمين في كل عصر ولم يزل ينقله الألوف عن الألوف حتى وصل إلينا متواترًا، لا تزيد فيه ولا نقص، ولا تغيير ولا تبديل، ولو أن المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في التواتر التدوين والكتابة لتواترت آلاف الكتب التي دونت في القديم والحديث في أنواع العلوم والمعارف مع أن أي كتاب منها لم يحظ بالتواتر بمعناه العلمي الصحيح، إن المُعَوَّلَ عَلَيْهِ في التواتر الأخذ والتلقي شفاهًا عن جمع كثير يستحيل تواطأهم على الكذب وهؤلاء عن جمع كثير غيرهم وهكذا حتى نصل إلى المصدر الأصلي الذي نقل عنه الكتاب، ولو فرضنا أن

стр. 227

السُنَّةَ دُوِّنَتْ في عهد النَّبِيِّ ومن جاء بعده من الصحابة من غير أن يحفظها بلفظها هذا الجمع الكثير عن مثله لما ثبت لها التواتر، وهذا من البدهيات التي نربأ بطالب مبتدئ أن يجهلها، ومع تأخر تدوين السُنَّةِ تَدْوِينًا عَامًّا عن جمع القرآن في مصحف واحد فقد وردت فيها أحاديث متواترة ولكنها قليلة. والخلاصة أن التدوين والتواتر غير متلازمين. ٢ - وكذا قوله: وكان فقهاء الدين ... جهل آخر بمسالك الاختلاف بين الأئمة، وليس أدل على بطلان زعمه من أن القرآن - وهو المتواتر قَطْعًا - لم يمنع تواتره الفُقَهَاءَ العلماء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا من الاختلاف في فهمه واستنباط الأحكام منه، فالتواتر لا يمنع من الاختلاف في المدلول، لأن كثيرًا من دلالات القرآن ظنية مع كونه قطعي الثبوت. وأما أن اتباع الظن الغالب هو الذي فتح أبواب الخلاف وفرق صفوف الأُمَّةِ وجعلها فِرَقًا فكلام خطابي، واتباع الظن في الأحكام الفرعية لم يفرق الأُمَّةِ كما زعم، وإنما الذي فرق الأُمَّةَ حَقًّا هم أمثال المؤلف الذين استرقتهم الأهواء والنزوات، وباعوا دينهم بدنياهم، واتخذ منهم أعداء الإسلام وسائل لتقويض دعائم الإسلام وإذهاب ريح الأُمَّة الإسلامية ولكن هيهات هيهات فالحق لا بد أن يظهر وينتصر والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وستستمر الأحاديث النبوية مصدر تشريع وهداية ومبعث إشعاع ونور وستبقى مَرْجِعًا مُهِمًّا لعلماء الفقه والتشريع والآداب والأخلاق وعلماء النحو واللغة والبلاغة. زَعْمُهُ أَنَّ ابْنَ أَبِي سَرَحٍ أَوَّلَ كُتَّاَبِ الوَحْيِ: في [ص ٢١٨] قال: وكان أول من كتب لِلْنَّبِيِّ بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح. ولا أدري على أي مصدر اعتمد عليه في هذا اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ كُتُبَ

стр. 228

سادته المُسْتَشْرِقِينَ، وقد رجعت إلى " الاستيعاب " و " الإصابة " فما زادا عن أنه كان مِمَّنْ يكتب الوحي لرسول الله ثم ارتد ثم عاد مسلمًا يوم الفتح وحسن إسلامه، ولا أدري ما السر في أنه جعله أول من كتب مع وجود أبي بكر وعلي وهم أول من أسلم من الرجال والصبيان ومكانهما من النَّبِيِّ معروف، ومع وجود عثمان وهو من السابقين الأولين وذو النورين، ولكنه الخلط الذي مرن عليه المؤلف وصار له دَيْدَنًا. تَخَرُّصَاتٌ لأَبِي رَيَّةَ فِي مَسْأَلَةِ تَدْوِينِ الحَدِيثِ: في [ص ٢٢٣] تحت عنوان «تَدْوِينُ السُنَّةِ» ذكر أن تدوين الحديث - على ما قالوا - كان في آخر عهد التابعين، ثم يأتي في الهامش فيقول: آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة ثم ساق في صلب الكتاب كلام الهروي نقلا عن القسطلاني من أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر بن محمد بن حزم بتدوين الحديث على رأس المائة الأولى قال: ويبدو أنه لما عاجلت المنية عمر بن عبد العزيز انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وبخاصة لما عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولى بعد عمر بن عبد العزيز سَنَةَ ١٠١ هـ، وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبي بكر وفترت حركة التدوين إلى أن تولى هشام بن عبد الملك سَنَةَ ١٠٥ هـ، فجد في هذا الأمر وحث ابن شهاب الزُّهْرِي بل قالوا: إنه أكرهه على تدوين الحديث لأنهم كانوا يكرهون كتابته ... إلخ. رَدُّ هَذِهِ التَّخَرُّصَاتِ وَبَيَانِ مَنْشَئِهَا: --------------------------------- أقول إن الذي يبدو لي ولكل منصف أنه يحاول ما وسعه الجهد أن يبين أن التدوين العام تأخر عن رأس المائة كي يصل إلى غرضه من الطعن في الأحاديث بسبب تأخر التدوين، ولا أدري كيف يتفق ما ذكره في الهامش وما نقله عن العلماء من أن التدوين كان في عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى فقد تولى سَنَةَ ٩٩ هـ ومات سَنَةَ ١٠١ هـ

стр. 229

ثم من أين بَدَا لأبي رَيَّةَ (١) أنَّ عمر بن عبد العزيز لما عاجلته المَنِيَّةُ انصرف ابن حزم عن كتابة الحديث وكذا انصرف كل من كانوا يكتبون معه؟ ولم لا يكون الأمر على خلاف هذا وأنهم سارعوا إلى جمع الأحاديث وتدوينها - وهذا هو الواقع - ولا سيما وهو يعلمون أَنَّ السُنَّةَ هي الأصل الثاني من أصول التشريع وأنهم حينما يقومون بجمعها وتدوينها وتنقيتها مِمَّا علق بها إنما يقومون بواجب ديني كريم فهذا هو الظن الذي يليق بهؤلاء السادة الذين هم من خير القرون بشهادة الرسول ﵊. ومِمَّا ينبغي أن يعلم أن التدوين، وإن كان بدأ بصفة عامة على رأس المائة الأولى، إِلاَّ أنه بدأ بصفة خاصة من عهد الرسول وفي حياته فقد كان بعض الصحابة والتابعين يقيدون الأحاديث والسنن وفي الروايات الصحيحة الموثوق بها ما يدل على ما أقول. كِتَابَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لِلأَحَادِيثِ: ففي " صحيح البخاري " عن أبي هريرة ﵁ «لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِنِّي حَدِيثًا إِلاَّ مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ العَاصِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ، وَ [كُنْتُ] لاَ أَكْتُبُ». وروى " البخاري " و" مسلم " أن أبا شاه اليمني التمس من النَّبِي صَلَّى اللَّهُ

стр. 230

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يكتب له شيئًا سمعه من خطبته عام الفتح فقال: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» (٣). وروى أبو داود والحاكم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ الشَّيْءَ فَأَكْتُبُهُ؟ قَالَ: " نَعَمْ "، قُلْتُ: فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، فَإِنِّي لاَ أَقُولُ فِيهِمَا إِلاَّ حَقًّا "». وروى الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَجْلِسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ فَيُعْجِبُهُ وَلاَ يَحْفَظُهُ فَشَكَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ» وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ [لِلْخَطِّ]. وَفِي " صَحِيحِ البُخَارِيِّ " أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ - كَانَتْ عِنْدَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا بَعْضَ السُّنَنِ (العَقْلُ - أَيْ الدِّيَاتِ - وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لاَ يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) كَمَا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ كِتَابَ الصَّدَقَاتِ وَالدِّيَاتِ وَالفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ لِعَمْرُو بْنَ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ إلى غير ذلك من النصوص الدالة على وجود التدوين للأحاديث في العهد النبوي. وأما حديث النهي عن الكتابة فقد كان ذلك في مبدأ الأمر حين خيف اشتغالهم بغير القرآن، أو اختلاط القرآن بغيره، ثم لما أمن ذلك نسخ النهي بالإذن في الكتابة. فلما جاور الرسول الرفيق الأعلى كثر من يكتب من الصحابة ومن التابعين، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَيَسْمَعُ مِنْهُ الحَدِيثَ، فَيَكْتُبُهُ فِي وَاسِطَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا نَزَلَ نَسَخَهُ»، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نَكْتُبُ الحَلاَلَ وَالحَرَامَ، وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ»، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، [عَنْ أَبِيهِ] أَنَّهُ أُحْرِقَتْ كُتُبُهُ يَوْمَ الْحَرَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: «وَدِدْتُ لَوْ أَنَّ عِنْدِي كُتُبِي بِأَهْلِي وَمَالِي». ومِمَّا ينبغي أن يعلم أيضًا أن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كتب إلى جميع أهل الآفاق بكتابة الأحاديث، فقد أخرج أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أهل الآفاق: «انْظُرُوا إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعُوهُ». ومِمَّنْ كَتَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 231

مُسْلِمٍ بْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ المُتَوَفَّى سَنَةَ ١٢٤ هـ. بل قال السيوطي: «إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الحَدِيثَ بِأَمْرِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ، وَقَدْ قام هؤلاء جميعا بما أمرهم به الخليفة العادل خير قيام». اِسْتِنْتَاجَاتٌ لأَبِي رَيَّةَ بِغَيْرِ مُقَدِّمَاٍت: في [ص ٢٢٧] والذي يخلص من ذلك أن أول تدوين الحديث قد نشأ في أواخر عهد بني أمية، وكان على طريقة غير مرتبة من صحف متفرقة تلف وتدرج بغير أن تقسم على أبواب وفصول، ولعل هذا التدوين كان يجري على نمط ما كان يدرس في مجالس العلم في زمنهم، إذ كانت غير مخصصة لعلم من العلوم، وإنما كان المجلس الواحد يشتمل على علوم متعددة قال عطاء: ما رأيت مجلسا أكرم من مجلس ابن عباس أكثر فقها ولا أعظم هيبة، أصحاب القرآن يسألونه وأصحاب العربية يسألونه وأصحاب الشعر يسألونه فكلهم يصدر من واد فسيح ... إلخ. الرَدِّ على ذلك: أما ما ذكره عطاء عن مجلس ابن عباس فإنما هو مجالس العلم لا في مجالس التحديث، إذ لها منهج آخر وهو ذكر الأحاديث بأسانيدها وشرح ما يحتاج إلى شرح منها فما استظهره المؤلف في غير محله، وإليك ما قاله الحافظ الكبير ابن حجر في مقدمة " الفتح " (١). اعلم - علمني الله وإياك - أن آثار النَّبِي ﷺ لم تكن في عصر أصحابه وكبار تابعيهم مدونه في الجوامع ولا مرتبة، لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نهوا عن ذلك كما ثبت في " صحيح مسلم " خشية أن يختلط بعض ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لسعة حفظهم وسيلان أذهانهم، ولأن أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة، ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب

стр. 232

الأخبار لما انتشر العلماء في الأمصار وكثر الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار، فأول من جمع ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما وكانوا يصنفون كل باب على حدة إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنُوا الأحكام ... ». اِفْتِرَاضُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ أَثَارَةٌ مِنْ دَلِيلٍ: في [ص ٢٣١] تحت عنوان «الأطوار التي تقلب فيها التدوين» قال: فكان في أول أمره جمعًا من رواية العلماء بما وعت الذاكرة من أحاديث رسول الله، وكان ذلك في صحف لا يضمها مصنف جامع مُبَوَّبٌ، وكانت هذه الصفحة تضم مع الحديث فِقْهًا وَنَحْوًا وَلُغَةً وَشِعْرًا وما إلى ذلك مِمَّا تقضي به طفولة التدوين. أقول: ولا أدري علام اعتمد المؤلف فيما قال، وإذا جاز أن تشمل فِقْهًا وَلُغَةً وَنَحْوًا فكيف جاز أن تشمل شِعْرًا، وأن ما نقله عن الأستاذ أحمد أمين لا يدل على ذلك وإليك ما نقله: «إن العلم في العهد الأموي كان رواية العلماء من حفظهم، أو من صحف جمعت حيثما اتفق، فالصحيفة قد يكون فيها حديث ومسألة فقهية ومسألة نحوية ومسألة لغوية ومجالس العلماء كذلك» وظاهر أن الأستاذ أحمد أمين يتكلم عن تدوين العلم بصفة عامة لا عن تدوين الحديث بخاصة، فقد ساق هذا في معرض المقارنة بين العلم في العصر الأموي والعباسي ولذلك لما عرض لتدوين الحديث في " فجر الإسلام " (١) و " ضُحَاهُ " لم يذكر شيئًا من هذا وإنما ذكر ما ذكره العلماء الأثبات من قبل وقد نقلنا لك عن كتب كلام الحافظ في " الفتح " في صفة التدوين في أول الأمر، وليس فيه شيء مِمَّا زعم المؤلف. اِسْتِنْتَاجٌ آخَرَ وَبَيَانُ خَطَئِهِ: في [ص ٢٣٣] قال بعد أن ذكر الأطوار التي مَرَّ بها تدوين الحديث:

стр. 233

«وبهذا يخلص لك أن التدوين الصحيح لم يكن إِلاَّ بعد منتصف القرن الثالث إلى القرن الرابع». وفي الحق أني وقفت طويلاً عند هذه العبارة كي أفهم المراد منها فإن أراد التدوين في الأحاديث الصحاح فكلامه غير صحيح فقد حمل لواء التأليف في الصحيح الإمامان الجليلان البخاري ومسلم وكلاهما عاش في النصف الأول من القرن الثالث، وإن أراد أن التدوين العام لم يبدأ إِلاَّ بعد منتصف القرن الثالث فهو أشد خطأ، إذ التأليف بدأ في أوائل القرن الثاني وَنَمَا وزاد في آخر هذا القرن ثم بلغ الازدهار في القرن الثالث من أوله لا من منتصفه، ثم ماذا يقول أَبُو رَيَّةَ في " موطأ الإمام مالك " وقد ألف في القرن الثاني قَطْعًا فقد توفي الإمام عام ١٧٩هـ. ماذا يقول في " مسند الإمام الجليل أحمد بن حنبل " وهو قَطْعًا أُلِّفَ قبل منتصف القرن الثالث إذ كانت وفاة الإمام عام ٢٤١ هـ. الصَّحَابَةُ بَشَرٌ وَلَكِنَّهُمْ فِي القِمَّةِ دِينًا وَخُلُقًا: في [ص ٢٣٣] قال تحت عنوان «أثر تأخير التدوين»: «وما كان الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - بِدَعًا من الناس ولا هم بالمعصومين». ونحن وإن كنا نعتبر الصحابة بَشَرًا كالبشر ولكنا نرى - بفضل تربية الرسول لهم - أنهم طراز خاص سَامٍ من البشر في دينهم وفي خلقهم وفي اكتمال شخصيتهم وأنهم بهذا الإعداد النبوي استأهلوا حمل الرسالة المحمدية وتبليغها إلى الناس كافة. ونحن حينما نَصِفُ صحابة رسول الله ﷺ بما هم أهل له وأجدر به فإنما نريد صحابته المخلصين الذين أخلصوا لدينهم، وقبضوا على إيمانهم ولم يغمطوا في دين ولا خُلُقٍ، أما المنافقون والمرتدون فلا يدخلون في حسابنا، ولا ننحلهم هذه الصفات، وأيضًا فإننا حينما نسمو بصحابة رسول الله عن الكذب والاختلاق على الرسول فإننا

стр. 234

لا ندعي لهم العصمة، وفيما ذكرته في الفصل الذي عقدته لعدالة الصحابة ما يغني عن الإعادة فكن على ذكر منه. مَا حَدَثَ مِنَ الخُلَفَاءِ فِي قَبُولِ المَرْوِيَّاتِ تَحَوُّطٌ وَتَثَبُّتٌ لاَ تَكْذِيبٌ: وأما ما ذكره في [ص ٢٣٤] من أن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وَعَلِيٍّ كانوا لا يُصَدِّقُونَ من يؤدي لهم من الصحابة - حتى من كبارهم - حديثا إِلاَّ إذا جاء بشهيد يشهد معه أنه قد سمعه من النَّبِيِّ أو يحلف أنه تلقاه عنه فقد قَدَّمْتُ الحَقَّ فِيهِ. وما حدث من هؤلاء السادة الخلفاء الراشدين إنما كان من قبيل الورع والمبالغة في التَّحَرِّي والتثبت ليضعوا الأساس لكل من جاء بعدهم في التثبت في الرواية كما أكدنا ذلك آنِفًا. زَعْمُ أَبِي رَيَّةَ أَنَّ تَأَخُّرَ التَّدْوِينِ كَانَ لَهُ ضَرَرٌ بَالِغٌ فِي الدِّينِ: في [ص ٢٣٦] قال بعد ما عرض للخلافات السياسية والمذهبية: «من أجل ذلك كان الوصول إلى معرفة الأحاديث الصحيحة شَاقًّا، والبحث عن معرفة حقيقة الرُواة أشق، وإذا علم ذلك بَدَا - ولا ريب - أن تأخر التدوين كان له ضرر بالغ إذ كان سببًا في اتساع آفاق الرواية واتصال الصحيح بالموضوع وتعذر التمييز على مَرِّ الدهور». وهو تهويل وَشَنْشَنَةٌ نَعْرِفُهَا مِنْ أَخْزَمَ، فقد علمنا أن العلماء قد شمروا عن ساعد الجد، وأوفوا على الغاية في البحث عن حال الرواة ونقد المرويات، وتحملوا في سبيل ذلك ما تحملوا من الارتحال وقطع الفيافي والقفار حتى تم لهم ما أرادوا من التمييز بين الصحيح والمعلول، وكذا ما زعمه من أن تأخير التدوين كان له ضرر بالغ تهويل بلا مُبَرِّرٍ. إِيجَازُهُ المُخِلُّ بِمَبْحَثِ العَدَالَةِ وَالضَّبْطِ لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ: في [ص ٢٣٩] عرض لِمَبْحَثَيْ العدالة والضبط وأوجز في الكلام عليهما إِيجَازًا مُخِلاًّ، بل حاول أن يبين أن من الصعب الوقوف على رسم

стр. 235

للعدالة فضلاً عن حد وذلك لحاجة في نفسه، لا تخفى عليك، ولو أنه نقل ما قاله العلماء في مبحث العدالة والضبط وشروطهما لعاد عليه بالنقص والإبطال لِجُلِّ ما ذكره. وإليك ما ذكره العلماء في هذا، كي تزداد علما بأصالة منهج المُحَدِّثِينَ في النقد، وأن قواعدهم فيه أدق القواعد وأرقاها. أما العدالة فقد عَرَّفُوهَا بِأَنَّهَا مَلَكَةٌ - أي حالة راسخة في النفس - تحمل صاحبها على ملازمة التقوى والمروءة. والتقوى هي امتثال المأمورات واجتناب المَنْهِيَّاتِ من كفر أو فسق أو بدعة. والمروءة آداب نفسانية تحمل المتحلي بها على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات وقالوا: إن ما يخل بالمروءة قسمان: ١ - الصغائر الدالة على الخِسَّةِ كسرقة رغيف أو شيء حقير مثلاً ٢ - المباحات التي تورث الاحتقار وتذهب الكرامة كالبول في الطريق وفرط المزاح الخارج عن حد الاعتدال. والمراد بالعدالة: العدالة التامة لا القاصرة فإنها لا يعتد بها عند المُحَدِّثِينَ. والعدالة بهذا الحد الذي ذكرته لا تتحقق إِلاَّ بالإسلام، والبلوغ، والعقل والسلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة، ومن ثم قال علماء الحديث إن عدل الرواية هو: المسلم البالغ العاقل السالم من أسباب الفسق وخوارم المروءة، وإن كان عبدًا أو امرأة أو أعمى أو محدودًا في قذف ثم تاب أو انفرد برواية الحديث، وذلك بخلاف عدل الشهادة فلا يقبل فيها من حد في قذف، أو كان أعمى أو امرأة أو رقيقًا، وذلك لأن الشهادة من قبيل الولاية ولا كذلك الرواية، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أن الكافر والصبي والمجنون والفاسق (فاعل الكبيرة أو المصر على الصغيرة) وفاقد المروءة بمعزل عن عدل الرواية، وإنه لتظهر لنا دقة علمائنا الفائقة - جزاهم

стр. 236

الله عنا خَيْرًا - حينما لم يكتفوا بالإسلام والعقل عن البلوغ والسلامة من الفسق وما يخل بالمروءة، وذلك لأن الإسلام والعقل يمنعان من الكذب بحسب الظاهر لوجود ما يعارضهما وهو الهوى والشهوة فَلاَ بُدَّ إِذًا من رجحان جانب العقل والإسلام على دواعي الهوى والشهوة، وذلك لا يكون إِلاَّ بالسلامة من أسباب الفسق وما يخل بالمروءة (١). وأما الضبط فقد عَرَّفُوهُ بأنه التيقظ وعدم الغفلة، وذلك بأن يكثر صواب الراوي على خطئه مع قلة الخطأ في نفسه، وينقسم الضبط إلى قسمين: ١ - ضبط صدر وهو أن يحفظ ما يسمعه في صدره من وقت تحمله إلى حين أدائه مع المحافظة على اللفظ إن كان حافظًا له ومع علمه بما يحيل المعنى أو يخل به إن روي بالمعنى. ٢ - ضبط كتاب وهو أَنْ يَصُونَ الكِتَابَ الذِي تَحَمَّلَهُ من وقت التحمل إلى وقت الأداء بحيث يكون آمِنًا عليه من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان. ومن ثم يظهر لنا أن المُحَدِّثِينَ لا يعتبرون الراوي ضابطًا إذا تساوى خطؤه وصوابه، أو غلب خطؤه على صوابه، وهو المسمى عندهم بالمغفل، أو فاحش الغلط، أو كثير الخطأ وكذا لا يعتبرون من كثر صوابه على خطئه ولكن كثر الخطأ في نفسه وهو المسمى (سَيِّئَ الحِفْظِ) (٢). وإذا ثبتت عدالة الرواي، وضبطه ثبت أنه ثقة تجب الطمأنينة إليه ويترجح تَرَجُّحًا قَوِيًّا جانب الصواب على جانب الخطأ في مروياته وليس بعد ترجح جانب الإصابة وتحقق الطمأنينة إليه إِلاَّ قبول مروياته والثقة بها، وهكذا يَتَبَيَّنُ لنا أنه بعد تحقق هذه الشروط يصير احتمال الكذب أو الغلط احتمالاً بعيدًا جِدًّا إن لم يكن غير ممكن ولا يخالجنا شك أنه من أهل الصدق والأمانة.

стр. 237

وبالعدالة والضبط يحوز الراوي درجة القبول ويتهيأ مرويه للنظر فيه هل توفرت فيه شروط القبول؟ ويتأهل إسناده للبحث عنه من جهة الاتصال والانقطاع. فإذا سلم المتن من الشذوذ والعلة بحيث لا يخالف الثقة من هو أوثق منه، وبحيث يسلم المَرْوِيُّ من قادح خفي تظهر السلامة منه فإنه ينظر في الإسناد فإن تحقق اتصال الإسناد، وسلامته من الخلل وانتفى عنه التعليق والإرسال والانقطاع والإعضال والتدليس والاضطراب ومخالفة الأرجح عَدَدًا أو صفة كان المتن أهلا للقبول وترجحت نسبته إلى من عزى إليه. ومن ثم يظهر لنا جَلِيًّا أن الشروط التي وضعها المُحَدِّثُونَ للراوي والمروي والرواية توجب الطمأنينة وترجح جانب الصدق على جانب الكذب، وجانب الصواب على جانب الغلط أو الخطأ، وتؤكد ثبوت المروي عمن روى عنه وهو أمر لا تكاد تجده في أمة من الأمم ولا في فن من الفنون. (١) مُحَاوَلَةُ أَبِي رَيَّةَ التَّشْكِيكَ فِي الرِّوَايَاتِ الآحَاِدَّيِة بَلْ وَالمُتَوَاتِرَةِ: في [ص ٢٤٠ - ٢٤٣] عرض لتقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد وأكثر من النقل في هذا وصار يبدئ ويعيد في تعريفهما وما الذي يفيدانه؟ وهل يجب العمل بهما؟ وغرضه من ذلك التشكيك في رواية الآحاد وأنها لا تفيد إِلاَّ الظن، والظن لا يغني عن الحق شيئًا، بل حاول التشكيك في الخبر المتواتر وإفادته للعلم واليقين حيث قال في [ص ٢٤٠ هامش]: «ولم يسلم المتواتر من شبه على إفادته علم اليقين، فمن هذه الشبه أنه يجوز أن تخبر جماعة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بأمر حياة فلان وتخبر جماعة أخرى مثلهم بنقيض خبرهم» وإلى هنا والكلام

стр. 238

محتمل ولكن انظر كيف انتهى التهور بالمؤلف إلى حد الكفر قال: «وقد أنكر المسلمون أعظم الأمور المتواترة فالنصارى واليهود هما أمتان عظيمتان يخبرون بصلب المسيح والإنجيل يصرح بذلك فإذا أنكروا هذا الخبر وقد وصل إلى أعلى درجات التواتر فأي خبر بعده يمكن الاعتماد عليه والركون إليه ... ». رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَى أَبِي رَيَّةَ فِي زَعْمِهِ تَوَاتُرَ صَلْبِ المَسِيحِ ﵇ -: لقد سقط أَبُو رَيَّةَ سقطات لا هروب له منها، ومن قال يَا عَلاَّمَةَ آخِرَ الزَّمَانِ إن صلب المسيح ﵇ من الأمور المتواترة، إن أسانيد المخبرين لحدوث الصلب منقطعة غير متصلة كما أن شرط التواتر وهو إخبار العدد الكثير في جميع الطبقات غير محقق فدعوى التواتر غير مُسَلَّمَةٍ. ثم ما رأى المؤلف في كتب اليهود - كما ذكر المُحَقِّقُونَ من المؤرخين - لم تشر إلى صلب المسيح بكلمة ولا له ذكر في تاريخهم الديني والذين قالوا منهم بالصلب إنما قالوه متابعة للنصارى. قال الأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار ﵀ في كتابه " قصص الأنبياء ": «لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ اليَهُودِ أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ رَجُلاً جَاءَ بِاسْمِ المَسِيحِ فِي زَمَنِ كَذَا وَصُلِبَ وَقُتِلَ وَلاَ يُوجَدُ فِي تَارِيخِهِمْ الدِّينِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ أَصْلاً ... » إِلى أنْ قال: «فَإِذَا تَكَلَّمَ اليَهُودُ عَنْ المَسِيحِ وَقَتْلِهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لأَنَّهُ مُثْبَتٌ فِي تَوَارِيخِهِمْ المَأْثُورَةِ عَنْ الآبَاءِ وَالمَشَايِخِ وَلَكِنْ لأَنَّهُمْ يَسْمَعُونَ مَا يَقُولُهُ المَسِيحِيُّونَ مِنْ أَنَّ المَسِيحَ جَاءَ وَقَتَلَهُ اليَهُودُ وَإِلاَّ فَكُتُبُهُمْ خَالِيَةٌ مِنْ ذَلِكَ فَهَلْ بِمِثْلِ هَذَا يَثْبُتُ التَّوَاتُرُ حَتَّى زَعَمَتْ أَنَّ اليَهُودَ - وَهُمْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ فِي زَعْمِكَ - يَقُولُونَ ذَلِكَ!!». وأما الأناجيل فلم تختلف في مسألة من المسائل كاختلافها في تفصيل

стр. 239

مسألة صلب المسيح وقتله مِمَّا يدل على اختلاقها وعدم ثبوتها، ثم إنَّ مسألة صلب المسيح ليست بإجماعية عند المسيحيين، فمن طوائفهم من ينفي الصلب والقتل، ومنهم «الساطرينوسيون» و «البارسكاليونيون» و «البولسيون». وهناك شهادات من علماء النصرانية تفيد المُطَّلِعَ بصيرة في هذا، قال الهر أرنست دي يونس الألماني في كتابه " الإسلام أي النصرانية الحقة " في ص ١٤٢ ما معناه: «إن جميع ما يختص بمسائل الصلب والفداء هو من مبتكرات ومخترعات بولس ومن شابهه من الذين لم يروا المسيح لا من أصول النصرانية» وقال «ملمهر» في الجزء الأول من كتابه المسمى " تاريخ الديانة النصرانية ": «إن تنفيذ الحُكْمِ كان في وقت الغلس وإسدال ثوب الظلام فيستنتج من ذلك إمكان استبدال المسيح بأحد المجرمين الذين كانوا في سجون القدس منتظرين تنفيذ حكم القتل عليهم كما اعتقد بعض الطوائف وصدقهم القرآن» (١). فما رأيك في هذا أيها المتملق المسيحيين بهذا الكفر الصراح؟!! ثم ما الذي يريده المؤلف بالتشكيك في بعض المقررات العلمية بإلقاء الشُّبَهِ وعدم ذكر الجواب أو الإشارة إليه كما فعل في مبحث إفادة المتواتر العلم؟!!. إن المؤلف لم يزد عن كونه مُرَدِّدًا لكلام المُبَشِّرِينَ والقساوسة، والمسلمون - يَا أَبَا رَيَّةَ - لم ينكروا أعظم الأمور المتواترة - بزعمك الكاذب - وهو الصلب، وإنما الله هو الذي أنكره ونفاه نفيًا قاطعًا لا يحتمل الشك، قال - عَزَّ شَأْنُهُ -: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ - أي اليهود - ﴿مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً، وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (٢). ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ

стр. 240

وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (١) وبعد ثبوت إعجاز القرآن وأنه من عند الله، فلا سبيل لمنكر ولا لمشكك أن ينكر أو يشكك فيما ورد فيه عن طريق النص المحكم الذي لا يحتمل التأويل. وأما من لا يؤمن بالقرآن فإنا نقول له: إنه من غير المعقول أن يكون محمد ﷺ هو الذي ابتدع مسألة نفي صلب المسيح وقتله من عند نفسه، ذلك أن نبينا مُحَمَّدًا لم تكن له غاية ولا مصلحة يريدها من نفي صلب المسيح وقتله، بل إثباته لذلك أدخل في الباب الذي ذكره كثيرًا في القرآن من أن اليهود كانوا يقتلون الأنبياء بغير حق، فحادثة صلب المسيح أدل على ما يريد إثباته في غير ما آية من عصيانهم ومخالفتهم وإفسادهم في الأرض وتقتيلهم الأنبياء، فلو كان قتل المسيح حقيقة لكانت جديرة بأن يستغلها النَّبِي في التنديد باليهود وبيان سوء طباعهم وشكاسة أخلاقهم، ولكن سيدنا مُحَمَّدًا ما كان لينفي شيئًا أو يثبته من عند نفسه وكما يشتهي ولكنه الوحي ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) تَشْكِيكُهُ فِي القَوَاعِدِ المُقَرَّرَةِ وَتَحْرِيفُهُ لِلآيَاتِ: في [ص ٢٤٣] علق ما نقله عن الجمهور من أن الأُمَّة مأمورة بالأخذ بكل خبر يغلب على الظن صدقه بقوله في الهامش: ترى هل هذه القاعدة التي قرروها قد أمر بها الله ورسوله؟ وترى هل هي تخرجنا من حكم اتباع الظن الذي جاء في آيات كثيرة من القرآن مثل ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ (٣) ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ

стр. 241

الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (١) ومثل قوله تعالى في قول النصارى بصلب المسيح ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ (٢). وهذا من عدم فهمه لكلام العلماء والمراد من الآيات، إما أن الأُمَّةَ مأمورة بالأخذ بالخبر الذي يغلب على الظن صدقه فهذا أمر مأخوذ من القرآن وَالسُنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ وأجمع عليه العلماء ودل عليه العقل والنقل، والأخذ بالظن الغالب إنما هي في الأحكام الفرعية، أما العقائد فلا تؤخذ إِلاَّ مِمَّا يفيد العلم واليقين ولا يكفي فيها الظن وعلى هذا تتنزل الآيات التي ذكرها فالظن لا يغني من الحق شيئًا في باب العقائد كالتوحيد وأصول الدين ثم كيف يتفق استشهاده بآية نفي صلب المسيح وأنه من الظنون وما ذكره آنفًا من أن مسألة صلب المسيح متواترة؟!!. الحق أني في حيرة من أمر هذا المؤلف المضطرب المتناقض مع نفسه!!!. في [ص ٢٤٦] قال: «أما المتكلمون فقد عرف من حالهم أنهم يَرُدُّونَ كل حديث يخالف ما ذهبوا إليه ولو كان من الأمور الظنية، فإذا ورد عليهم حديث صحيح عند المُحَدِّثِينَ أَوَّلُوهُ إن وجدوا تأويله قريب المأخذ أو ردوه مكتفين بقولهم هذا من أخبار الآحاد وهي لا تفيد إِلاَّ الظن» وهو كلام متهافت يبطل آخره أوله، ولا أدري كيف يتفق قوله إنهم يَرُدُّونَ كل حديث ... وقوله: فإذا أورد عليهم .... وكثير من المتكلمين يأخذون بالأحاديث الصحيحة الآحادية، ومن أراد أن يتأكد من هذا فليرجع إلى باب السمعيات وأحوال الآخرة في كتب التوحيد وسيرى أنهم أخذوا بكثير من الأحاديث الصحيحة في هذا، ثم إن المتكلمين ليسوا سواء، فمنهم المتثبت المتأني في بحثه، ومنهم المتسارع في رد الأحاديث المتهجم عليها. وأما حديث «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ» فقد عرضنا له فيما سبق وأما ما عرض له في الحاشية من أن المتكلمين يسمون المُحَدِّثِينَ بِالحَشْوِيَّةِ

стр. 242

ويصفونهم بأنهم أجهل الناس فهو سفاه لا يستحق الرَدِّ، ولعله يشفي به نفسه من دائها العضال، ولن يعدم الباحث أن يجد بين المتكلمين من هو سفيه متحامل على المُحَدِّثِينَ كما لا يعدم أن يجد بين الطوائف المنتسبة العلم - زُورًا - سفهاء ذَوِي أَلْسنِةٍَ حداد لا يرعوون، ولا يراعون العلماء إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً. رَمْيُهُ لِلْفُقَهَاءِ بِالتَعَصُّبِ لِمَذَاهِبِهِمْ وَبَيَانُ الحَقِّ فِي هَذَا: في [ص ٢٤٧] وما بعدها عرض للفقهاء وأنهم يؤولون كل حديث يخالف ما ذهب إليه علماء مذهبهم - ولو كان من المُتَأَخِّرِينَ - أو يعارضون الحديث بحديث آخر ولو كان غير معروف عند أئمة الحديث .... إلخ ما نقله على كتاب " توجيه النظر ". ومن الحق أَنْ نقول: إن هذا الكلام فيه جانب حق وجانب باطل، أما جانب الحق فهو أن بعض متأخري الفُقَهَاءِ قد يحملهم لمذاهبهم على هذا أو شيء منه ونحن لا ننكر أن في أي طائفة - مهما كانت - الحَسَنُ والرَدِيءُ والجامد والمرن. أما جانب الباطل فهو التعميم وإيهام القارئ أن الفُقَهَاءَ كلهم على هذا والحق أن فِي الفُقَهَاءِ كثيرين لم يخضعوا إِلاَّ للدليل وإني لأجد في بعض كتب المذاهب ترجيحًا لغير مذهبهم إذا كان دليله قَوِيًّا ثم إنه مِمَّا ينبغي أن يعلم أن الفُقَهَاءَ المُتَقَدِّمِينَ كأصحاب المذاهب وتلامذتهم لم يكونوا متعصبين ولا متعنتين وإنما يتبعون الدليل، وليس أدل على هذا من أنهم كانوا يأخذ بعضهم عن بعض، وأنه صح عن كل واحد من الأئمة الأربعة - كما ذكره الشاطبي في " موافقاته " - أنه كان يقول: «إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عَرْضَ الحَائِطِ» وكثيرًا ما نجد في مذهبي الصاحبين - أبي يوسف ومحمد - ما يخالف قول أستاذهما

стр. 243

وإمامهما أبي حنيفة ﵀، وقد رجع أبو يوسف في مسائل عن مذهب إمامه لما ناظره الإمام وظهر له أن الحق معه، وكذلك فعل الإمام محمد لما تتلمذ على الإمام مالك في الحجاز واطلع على أحاديث وروايات لم يطلع عليها في العراق وهذا غاية التسامح ورحابة الصدر في الاجتهاد والبحث. والشأن في المؤلف الذي ينشد الحق أن يلتزم جادة الإنصاف لا أن يجعل من نفسه منتصرًا لطائفة ومعاديا للأخرى وأن يصدر أحكامه من غير مجازفة وإسراف وإلا فليدع التأليف لأهله. طَعْنُهُ فِي حَدِيثِ: «أَلاَ إِنَّنِي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»: في [ص ٢٥١] ذكر طعن رجال الأثر في حديث عرض السُنَّة على القرآن - وهو موضوع كما نبهنا إليه - ثم قال ورووا حديثا هذا نصه: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه ... » وهذا من أعجب العجب لأنه إذا كان النَّبِيِّ أوتي مثل الكتاب أي مثل القرآن ليكون تمامًا على القرآن لبيان دينه وشريعته فلم لم يعن - صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ - بتدوينه وكتابته قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى كما عني بتدوين القرآن؟ ولم ينه عن كتابته بقوله: «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ القُرْآنِ» وهل يصح أن يدع الرسول نصف ما أوحي إليه يعدو بين الأذهان بغير قيد: يمسكه هذا وينساه ذاك وهل يكون الرسول - بعمله هذا - قد بَلَّغَ الرسالة على وجهها وأدى الأمانة إلى أهلها؟ الرَدُّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الطَّعْنِ: أقول: إن محاولته إثبات أن حديث «أَلاَ وَإِنِّي ... » موضوع لهي من أعجب العجب، والحديث ثابت رواه أبو داود في " سننه " عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أَلاَ وَإِنِّي قد أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِالْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا

стр. 244

وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلاَ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ الحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلاَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلاَ لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا» (١). فالحديث ثابت من جهة النقل والرواية، ومعناه ثابت من جهة العقل والدراية، والكتاب الكريم يُؤَيِّدُهُ، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢) وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). أما قوله: «فلم يعن ... إلخ» فمنطق عجيب حَقًّا، فقد بينت آنفا السر في نهي النَّبِيِّ عن كتابة الأحاديث في عهده وهو خشية التباس بعضه بالقرآن، ولما كانوا عليه من الأمية وَعَدَمِ تَيَسُّرِ الكتابة والقرآن معجز، فالمحافظة على لفظه واجب ولا كذلك السُنَّة فالمعول عليه فيها المعنى لا اللفظ، وهل يلزم من عدم الأمر بتدوين الأحاديث أن لا تكون معتنى بها، وأن لا تكون هي الأصل الثاني للتشريع؟ والرسول حينما نهاهم عن كتابة السُنَّةِ لم يضع نصف ما أوحاه الله إليه - كما زعم المؤلف - لأنه يعلم أن أصحابه الحاملين لِسُنَّتِهِ ذَوُو حوافظ قوية وأذهان سيالة وقلوب واعية فاهمة وهذه - لعمر الحق - بعض خصائص العرب ولا يماري في هذا إِلاَّ جاهل، أو متحامل وليس من شك في أنه بعمله هذا قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة وكيف لا؟ ومعظم ما جاءت به السُنَّةُ إما شرح لما في القرآن أو توضيح لمشكله أو تقييد لمطلقه أو تخصيص لعامه ونحو ذلك، وما دام الأصل الأصيل وهو القرآن الكريم - قد اجتمع له الوجدان - التقييد في الأذهان والصدور، والتقييد في الكتابة والسطور- فلا خوف بعد ذلك على السُنَّة لأنها قام على حفظها والحفاظ عليها أفهام واعية وأذهان حافظة وكثيرًا ما كان يحث الرسول - صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ - على حفظها والمحافظة عليها من حين سماعها إلى حين أدائها بمثل قوله ﷺ : «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مِنِّي مَقَالَةً فَحَفِظَهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، وفي رواية «فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ»

стр. 245

وقد شاء الله رحمة بعباده وتخفيفًا عليهم أن يكون الوحي بعضه مَتْلُوًّا محفوظًا يتعبد بتلاوته وهو القرآن، وبعضه غير مَتْلَوٍّ ولا يتعبد بلفظه وهي السُنَّةُ، وقد بَلَّغَ النَّبِيُّ هذا وذاك وأمر المسلمين بحفظ الأول البتة ورغبهم في حفظ الثاني وتأديته كما سمع فإن تعذر اللفظ فبالمعنى، وقد وَفَتْ الأُمَّةُ بما عهد إليها واستحفظت عليه وأدته وبلغته غاية البلاغ. تَحْرِيفُهُ لِكَلاَمِ الأَئِمَّةِ بِقَصْدِ التَّقْلِيلِ مِنْ شَأْنِ الأَحَادِيثِ: من ديدن أَبِي رَيَّةَ تحميل الكلام ما لم يحتمل، وتحريفه لمعاني الكلام كي يخلص إلى ما يوافق هواه فمن ذلك ما ذكره في [ص ٢٥٢] حديث نقل كلام الإمام مالك في عدم أخذه ببعض الأحاديث واستشكاله لها لمخالفتها للقرآن أو لقواعد الشريعة ولا حامل له على هذا التشكيك في الأحاديث وإيهام من لا يعلم أن الأئمة الكبار يردونها، ولا يأخذون بها، وحاشا الإمام مالك أن يرد حديثًا صح عنده إِلاَّ بوجهة صحيحة أَوْ يُهَوِّنَ من شأن الأحاديث كما قصد المؤلف، وبعض الأئمة قد لا يعمل بالحديث لأنه لم يبلغه أو بلغه ولكن لم يصح عنده أو صح عنده ولكنه يرى فيه أنه منسوخ أو مقيد أو مخصص بدليل آخر أو لمعارضته لغيره من الأدلة مع رجحانها في نظره فيترك العمل به أو مع عدم الرجحان فيتوقف فيه، وأيا كان الأمر فلا يصلح ما ذكره أن يتخذ منه سَبَبًا للتشكيك في الأحاديث والتقليل من شأنها. وفي [ص ٢٥٣] ذكر مناظرة كانت بين الأوزاعي وأبي حنيفة في رفع الأيدي عند الركوع والرفع منه، وأن الأوزاعي استدل بحديث على الرفع وأبا حنيفة استدل بحديث آخر على عدمه وقد فتشت كثيرًا عن مناسبة هذه القصة للموضوع الذي كان يتكلم فيه فلم تظهر لي المناسبة، ولو أن أبا حنيفة رَدَّ حديث الأوزاعي المرفوع بكلام صحابي أو تابعي أو بالرأي لتم له ما يريد أن يثبته من رد الأحاديث المرفوعة بالنقل عن غير النَّبِيِّ أو بالعقل، أما والإمام أبو حنيفة قد عارض حديث الأوزاعي بحديث

стр. 246

مرفوع آخر فقد ثبت أنه ليس في القصة ما يشهد له قَطْعًا، وغاية ما تدل عليه هذه القصة أن كُلاًّ منهما استدل بحديث يرى أنه الصالح للاحتجاج لرجحانه في نظره من ناحية سنده أو متنه غير ذلك من وجوه الترجيح وهو ما ذكرته آنِفًا، واختلاف الأنظار المستند إلى الاجتهاد من طبيعة التفكير الحر النزيه وما أكثر هذا الاختلاف في تاريخ التفكير الإسلامي وهو حسنة من محاسن حرِيَّةَ الرأي في الإسلام. وفي [ص ٢٥٤] ذكر نُقُولاً يريد من ذكرها إيهام القارئ أن الإمام أبا حنيفة كان يرد بعض الأحاديث، وأنه كان مَنْقُومًا عليه بسبب ذلك، ولم تضره هذه النقمة فما زال هو الإمام الأعظم عند المسلمين. وأحب أن أقول للمؤلف ومن على شاكلته: [١] إنه ينبغي للباحث أن لا يكون كحاطب ليل ينقل كل ما تقع يده عليه، ولو كان فيه مصرعه، وينبغي أن يكون كالصيرفي الناقد البصير، والإمام أبو حنيفة كثر شانئوه وحاسدوه لفضله وفقهه ومنزلته، وهؤلاء افتروا عليه ما شاء لهم هواهم أن يفتروا، ونسبوا إلى كبار الأئمة في الطعن فيه ما هم براء منه وما هو بريء منه، وقد أشار الإمام ابن عبد البر في " الانتقاء " إلى شيء من هذا فقال [ص ١٤٩]: «وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الكِتَابِ مِنْ ذَمِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَا يَقِفُ بِهِ النَّاظِرُ فِيهِ عَلَى حَالِهِ، عَصَمَنَا اللَّهُ وَكَفَانَا شَرَّ الحَاسِدِينَ، آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ» وكان هذا من ابن عبد البر بمثابة الاعتذار عما أورده عن بعضهم في ذمه وتنبيه القارئ أن لا يغتر بهذه الأقوال لأن الظاهر أنها مختلقة مكذوبة. [٢] ما ذكره عن الإمام أبي حنيفة من رَدِّهِ لبعض الأحاديث الآحادية وعدم اهتمامه بها قد قدمت تحقيق القول فيه، وأن الإمام كغيره من الأئمة يأخذ بما ثبت وصح عنده وللأئمة في هذا معايير وموازين دقيقة قد لا تصل إليها بعض الأفهام القاصرة. ثم إن ما ذكروه معارض بما رُوِيَ عن الإمام أبي حنيفة من وقوفه

стр. 247

عندما دلت عليه الأحاديث إذا صحت عنده، ذكر ابن عبد البر في " الانتقاء " (١) «أنه قيل لأبي حنيفة: المحرم لا يجد الإزراء يلبس السراويل؟ قال: لا ولكن يلبس الإزراء قيل له: ليس له إزار قال يبيع السراويل ويشتري بها إزار، قيل له: فَإِنَّ النَّبِي ﷺ خَطَبَ وَقَالَ: " المُحْرِمُ يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَ إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ " فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا عِنْدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْءٌ فَأُفْتِي بِهِ، وَيَنْتَهِي كُلُّ اِمْرِئٍ إِلَى مَا سَمِعَ، وَقَدْ صَحَّ عِنْدَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " لاَ يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ السَّرَاوِيلَ ". فَنَنْتَهِي إِلَى مَا سَمِعْنَا، قِيلَ لَهُ أَتُخَالِفُ [النَّبِيَّ] ﷺ فَقَالَ: لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يُخَالِفُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، بِهِ أَكْرَمَنَا اللهُ، وَبِهِ اِسْتَنْقَذَنَا». فهذا هو الذي يليق بحال هذا الإمام الكبير لا ما ذكروه من ترهات وأباطيل. وكثيرًا ما كان الإمام يرى رَأْيًا ثم يثبت عنده حديث ويقتنع به فيرجع عن رأيه الأول، ذكر ابن عبد البر في " الانتقاء " بسنده «عَنْ زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ عَنْ أَمَانِ الْعَبْدِ فَقَالَ: " إِنْ كَانَ لاَ يُقَاتِلُ فَأَمَانُهُ بَاطِلٌ ".فَقُلْتُ لَهُ: " إِنَّهُ حَدَّثَنِي عَاصِمٌ الأَحْوَلُ عَنْ الفُضَيْلِ بْنِ يَزِِيدٍ الرَّقَاشِيِّ قَالَ: كُنَّا نُحَاصِرُ الْعَدُوَّ فَرُمِيَ إِلَيْهِمْ بِسَهْمٍ فِيهِ أَمَانٌ فَقَالُوا قَدْ أَمَّنْتُمُونَا، فَقُلْنَا: إِنَّمَا هُوَ عَبْدٌ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْرِفُ مِنْكُمُ العَبْدَ مِنَ الحُرِّ فَكَتَبْنَا بِذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ أَنْ أَجِيزُوا أَمَانَ الْعَبْدِ. فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ ثُمَّ غِبْتُ عَنِ الْكُوفَةِ عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ قَدِمْتُهَا فَأَتَيْتُ أَبَا حَنِيفَةَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمَانِ الْعَبْدِ، فَأَجَابَنِي بِحَدِيثِ عَاصِمٍ وَرَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ مُتَّبِعٌ لِمَا سَمِعَ». وما من شيء يرمى به الإمام إِلاَّ وتجد في الصحيح من الرواية ما يرده ويدفعه. ولنأخذ في ذكر ما سرده المؤلف ومناقشته: قال: قال حافظ المغرب في " الانتقاء ": «كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ اسْتَجَازُوا الطَّعْنَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّهِ كَثِيرًا مِنْ أَخْبَارِ الآحَادِ الْعُدُولِ لأَنَّهُ

стр. 248

كَانَ يَذْهَبُ فِي ذَلِكَ إِلَى عَرْضِهَا عَلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَمَعَانِي الْقُرْآنِ فَمَا شَذَّ عَنْ ذَلِكَ رَدَّهُ وَسَمَّاهُ شَاذًّا». ولا أدري كيف يؤاخذ على هذا؟ وعلماء أصول الرواية جعلوا من أصولهم أن الحديث قد يكون صحيح السند، ولكنه غير صحيح في ذاته لمخالفته رواته مَنْ هُمْ أوثق منهم وهو ما يعرف بالشاذ، ولعل ذلك إن صح يكون من بعض المُحَدِّثِينَ المُتَزَمِّتِينَ الذِينَ يُحَجِّرُونَ وَاسِعًا. قَالَ: وَقَالَ الثَّوْرِيَّ: «كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ شَدِيدَ الأَخْذِ لِلْعِلْمِ ذَابًّا عَنْ حَرَمِ اللَّهِ أَنْ تُسْتَحَلَّ يَأْخُذُ بِمَا صَحَّ عِنْدَهُ مِنَ الأَحَادِيثِ الَّتِي [كَانَ] يَحْمِلُهَا الثِّقَاتُ [وَبِالآخَرِ] مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِمَا أَدْرَكَ عَلَيْهِ عُلَمَاءَ الْكُوفَةِ» وتتمة كلام الثوري - وقد أغفلها المؤلف -: «ثُمَّ شَنَّعَ عَلَيْهِ قَوْمٌ يَغْفِرُ اللهُ لَنَا وَلَهُمْ». وليس في هذا ما يعود على الإمام بالنقص ولا ما يعود على الأحاديث بالتنقيص، وقد بَيَّنَ الثوري أن ما روي في ذمه لا يعدو أن يكون تشنيعًا وتجنيًا عليه. قال: وقال وكيع بن الجراح: «وَجَدْتُ أَبَا حَنِيفَةَ خَالَفَ مِائَتَيْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ »، وكان الأوزاعي يقول: وَكَانَ الأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ: «إِنَّا لاَ نَنْقِمُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى؛ كُلُّنَا [يَرَى]؛ وَلَكِنَّنَا نَنْقِمُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَجِيئُهُ الحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيُخَالِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ» (*). أقول: أما كلمة الأوزاعي فمعارضته بما قدمته من لعن الإمام من خالف حديث رسول الله ﷺ ، وبما ثبت من رجوعه عن رأيه إذ ثبت حديث يخالف ما رأى، أما المخالفة فمعناها اختلاف الأنظار في صلاحية الحديث للاحتجاج أو لاعتبارات أخرى كما قدمت آنِفًا، ومهما يكن من شيء فليس فيما حشده من نقول بتراء محرفة ما يشهد لما قصده من الطعن في الأحاديث الآحادية وأنها لا تفيد إِلاَّ الظن، ولا لما أراد أن يصل

стр. 249

إليه من أنه لا على أحد أن يأخذ منها ما يشاء ويدع ما يشاء - بالهوى والتشهي طبعًا -!!!. إِفَاضَتُهُ فِي بَيَانِ مَوْقِفِ عُلَمَاءِ النَّحْوِ وَاللُّغَةِ مِنَ الأَحَادِيثِ وَعَدَمِ اِحْتِجَاجِهِمْ بِهَا: في [ص ٢٥٤] قال: «مر بك أن علماء الأُمَّة قد انقسموا في تلقي الحديث إلى ثلاثة أقسام المتكلمون والأصوليون - والفقهاء - والمُحَدِّثُونَ ولكي نستوفي هذا البحث نذكر كذلك موقف علماء النحو واللغة فإنهم لم يجعلوا الحديث من شواهدهم في إثبات اللغة وقواعد النحو إلخ ... ». رَدُّ المُؤَلِّفِ عَلَيْهِ وَبَيَانِ آرَاءِ المُحْتَجِّينَ بِالأَحَادِيثِ مِنَ النُحَّاةِ وَاللُّغَوِيِّينَ: وَالرَدُّ يَتَطَلَّبُ الكَلاَمَ فِي مَقَامَيْنِ: [١] لقد عرض أَبُو رَيَّةَ لكلام المتكلمين والفقهاء ولكنه لم يتعرض لكلام المُحَدِّثِينَ ولا أدري إذا كان نسي ذلك أم تناساه لحاجة في نفسه؟ ولو أنه ذكر موقف المُحَدِّثِينَ من الحديث بأمانة وإنصاف لانتقض عليه معظم ما قاله، ولعل فيما ذكرته في ثنايا ردودي ما يكشف عن موقف المُحَدِّثِينَ من الحديث، ومجهودهم المشكور الذي بذلوه في جمع الأحاديث والعناية بها، والتمييز بين صحيحها وضعيفها، حتى كانت هذه الثروة الطائلة المشرفة من كتب الحديث، وأصوله، ونقد الرجال، وكتب الشروح التِي لَمْ تَدَعْ حَدِيثًا إِلاَّ عرضت له بالشرح والتحليل فجزاهم الله عن الإسلام وأهله خَيْرًا. [٢] أنه أفاض في بيان وجهة نظر الذين لا يَحْتَجُّونَ بالأحاديث على إثبات القواعد النحوية واللغوية، وغرضه من هذا بيان ضرر الرواية بالمعنى وأنها التي حَدَتْ بعلماء اللغة والنحو إلى عدم الاستشهاد بالأحاديث وكانت الأمانة العلمية تُحَتِّمُ عليه أن يعرض لبيان وجهة نظر القائلين بالاحتجاج بالأحاديث على القواعد النحوية والصرفية ولا سيما ومنهم

стр. 250

إمام جليل هو ابن مالك صاحب " الألفية " المشهورة ثم ذلك بعد ما يرجح ما يراه ولكنه التزم رَأْيًا وتعصب وأكثر من النقول عن أصحابه، وليس هذا من شيمة الباحث المُنْصِفِ النَّزِيهِ. القَائِلُونَ بِالاِحْتِجَاجِ بِالأَحَادِيثِ عَلَى القَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ: وأحب أن يعلم القارئ أن المسألة لم يقطع فيها برأي واحد، ولئن كان هناك من منع الاحتجاج بألفاظ الأحاديث في تحقيق الألفاظ وتقرير القواعد فهناك غيرهم أئمة كبار يرون الاحتجاج بالأحاديث النحوية واللغوية وَمِمَّنْ عرف بهذا المذهب العَلاَّمَةُ ابن مالك المُتَوَفَّى سَنَةَ ٦٧٢ هـ، وَالعَلاَّمَةُ ابن هشام المُتَوَفَّى سَنَةَ ٧٦١ هـ والذي قال فيه حكيم العرب ابن خلدون قولته المشهورة «مَازِلْنَا وَنَحْنُ بِالمَغْرِبِ نَسْمَعُ أَنَّهُ ظَهَرَ بِمِصْرَ عَالِمٌ بِالعَرَبِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ هِشَامٍ أَنْحَى مِنْ سِيبَوَيْهْ» وَمِمَّنْ انتصر لهذا المذهب البدر الدماميني في " شرحه للتسهيل "، والعلامة ابن الطيب في شرحه لكتاب " الاقتراح " ولشرحه لـ " كفاية المتحفظ " وعد من أصحاب هذا المذهب الجوهري، وابن سيده، وابن فارس، وابن خروف، وابن جِنِّى والسهيلي حتى قال: «لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّةِ خَالَفَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ إِلاَّ مَا أَبْدَاهُ الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ فِي شَرْحِهِ لِ " التَّسْهِيلِ " وَأَبُو الحَسَنِ الصَّانِعِ فِي شَرْحِهِ " الجُمَلَ». وإليك ما قاله البدر الدماميني وما حكاه عن شيخه ابن خلدون في الرَدِّ على من يمنعون الاستشهاد بالحديث، قال في " حواشيه على المغني ": «أسقط أبو حيان الاستدلال على الأحكام النحوية بالأحاديث النبوية باحتمال رواية من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيرًا ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها ورده شيخنا ابن خلدون بأنها على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية تفيد غلبة الظن بها، لأن الأصل عدم التبديل لا سيما والتشديد في ضبط الألفاظ والتحري في نقلها بأعيانها مِمَّا شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية
следующие страницы →