Полный текст (50 стр.). Показаны 36–50 · переход к 41.
стр. 36
الصبر على ما يصيبها من عدوها
الصفة السادسة: ومن صفات هذه الطائفة كذلك الصبر على ما يصيبها من أعدائها، والصبر أنواع، وفي ميادين شتى، فمنه الشدة والتضييق، فقد ذكر النبي ﵊ أن طائفة أهل الحق ستتعرض للتضييق والتشديد، كما جاء في حديث أبي أمامة ﵁ عن النبي ﵊ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين -منصورين مرفوعين رايتهم عالية- لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من اللأواء -أي: الشدة والعنت- حتى يأتي أمر الله وهم كذلك)، يعني: وهم صابرون، محتسبون، مجاهدون، لا يضرهم من خالفهم، ولا من اشتد عليهم، والشدة هي ما يتعرض له أهل الإيمان، وأهل العلم والتوحيد في بلادهم وفي غير بلادهم.
ومما يصيب هذه الطائفة من أعدائها الخذلان والمخالفة، فلا تجد رجلاً يدعو إلى السنة إلا وفي مقابله من أبناء الملة مئات يدعون إلى البدع، وهذه سنة، والنبي ﵊ ما دعا بدعوة ولا أمر بأمر، أو نهى نهياً إلا ووراءه صناديد الشرك يقولون: لا تصدقوه إنه كذاب، لكن العجيب أن يكون من أبناء الأمة من يخذل، ومن يكذب الحق، ومن يدعو إلى الباطل في شرق الأرض وغربها، فأصحاب البدع، وأصحاب الأهواء، والشبهات، والشهوات، هؤلاء هم المخذلون، وإن شئت فقل: هذا هو العدو الداخلي الذي هو منسوب إلى ملتي، يتكلم بلساني، ويدعو -للأسف- بدعوتي، وليس مني ولست منه في حقيقة الأمر، فلابد أن أهل الحق يصبرون على هؤلاء، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان:٥٢]، فجهاد أهل البدع بالكلمة والبيان، وجهاد الأعداء والكفار بالسيف والسنان، وهذا ما قرره أهل العلم.
والمناوأة: هي المعارضة من قبل الأعداء أو من قبل أصحاب الأهواء والشبهات والشهوات، فهناك أسلحة كثيرة جداً يستعملها هؤلاء الأعداء في الداخل والخارج، وهي سلاح المخالفة، وسلاح الخذلان، وسلاح المناوأة والعداء، وسلاح الأذى والتضييق، يستعملون جميع هذه الأسلحة بما يتناسب مع تحقيق أهدافهم البعيدة عن مرضاة الله ، وبما يوافق هواهم وشهواتهم، ولذلك فإن صلتهم بالقرآن وأحكامه وتعليماته خاطئة، وعلاقتهم به مهزوزة، كما كان يفعل اليهود في تعاملهم مع التوراة ومع أنبيائهم.
إذاً: فطائفة أهل الحق تواجه حملة من الأذى باتجاهين، إلا أن الله تعالى وعدها على لسان النبي ﷺ بأنها ستبقى ظاهرة على هؤلاء، وهذه بشارة عظيمة، فمهما طال الليل فلابد من بزوغ الفجر، وهذه سنة الله ﵎، ولابد من وجود الشر وإلا لم يشعر أهل الحق بالحق الذي هم عليه، ولابد من وجود الشر وإلا فلماذا خلق الله إبليس؟! فوجود الشر فيه حكم عظيمة جداً، منها: أن يتمسك أهل الحق بما هم عليه من حق، وأن يدافعوا عنه حتى آخر لحظة من حياتهم أو من حياة هذه الدنيا، لأنه ﷺ قال: (لا تزال طائفة) يعني: ثلة قليلة من أهل الإيمان، ثم أثبت أنها قائمة على الحق وبأمر الله لا يضرها المخالفة ولا العداء، (حتى يأتي أمر الله) أي: حتى تقوم الساعة (وهم على ذلك) ولذلك قال النبي ﵊: (وهم كالإناء بين الأكلة)، الإناء واحد والأكلة كثر، وهكذا أصحاب الحق قليل وأصاحب الباطل كثير، لكن لا خير فيهم، ولا خوف منهم.
وعن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) واحدة من هذه الإبل تصلح للحمل عليها، لا تكاد تجد راحلة من كل مائة بعير، واحد يصلح للمهمة والحمل على ظهره، وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، وهذا شيء مقرر في عقيدة المسلمين، ولذلك الله تعالى ما أمرنا أن نعد لهم بمثل ما أعدوا لنا، وإنما قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٠] أي: على قدر استطاعتكم، التماس للأسباب فقط، والنصر من عند الله ، ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ)) بالإيمان والتوحيد والعبادة والعلم والعمل، ﴿يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، هذه سنة الله ﵎.
والنصر من عند الله لا من عند الخلق، ليس بكثرة العدد وإن كان إعداد العدة هو عين الأسباب التي أمر الله بها، ولذلك العلماء يقولون: الاعتماد على السبب شرك بالله ، وترك الأسباب قدح في التوحيد، وهنا الله تعالى يقول: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩]، ليست مرة أو مرتين، بل هذا أمر قائم في الأمة منذ أن خلق الله تعالى الخلق إلى قيام الساعة، ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ)) بفضل الله تعالى ثم بفضل إيمانها ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٩] عدداً وعدة، وقال: ﴿وَلا تَه
стр. 37
لا يظهر منافقوها على مؤمنيها
وهذه الطائفة لا يعلوا منافقوهم على مؤمنيهم؛ لأنهم سوط الله ينتقم بهم ممن يشاء، قال النبي ﵊: (أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم ولا يموتون إلا هماً وغماً)، أي: المنافقون لا يموتون إلا هماً وغماً، وقد بين النبي ﵊ أن ذلك كله إنما يكون في أرض الشام، وأهل الإيمان يجتمعون عند نزول الفتن حيث الأمن والإيمان بالشام وبيت المقدس، كما قال النبي ﷺ : (ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام)، وقال: (إذا وقعت الفتن فالأمن بالشام)، وقال: (ألا إن الإيمان حين تقع الفتن بالشام)، وكذلك حديث عمود الإسلام والإيمان الذي مر، وهذا يبين أن الفتن إذا وقعت في الدين كان أهل الشام برآء منها، وإذا كانت في الدنيا عمل أهل الشام بموجب الإيمان فكانوا في حفظ الله ورعايته.
стр. 38
تأييد الدين عند الفتن والملاحم
وكذلك هذه الطائفة هم الذين يؤيدون الدين عند الفتن والملاحم، يعني: هم الذين ينصرون دين الله عند نزول الفتن والملاحم، كما قال النبي ﵊: (إذا وقعت الفتن والملاحم بعث الله من دمشق بعثاً من الموالي أكرم العرب وأجودهم سلاحاً يؤيد الله بهم الدين) وهذا البعث من دمشق، ودمشق في الشام، وهذا يدل على أن الطائفة المنصورة المؤيدة لدين الله تعالى جلها شاميون، هذا هو المحور الأول.
هذا المحور الأول لابد أن نستفيد منه فوائد، أعظمها: أن النصر لا يكون على يد أحد إلا من أهل الإيمان، وأن أصل النصر إنما يتحقق على يد الثلة المؤمنة الموحدة، والطائفة المنصورة، أما هؤلاء الرعاع الغجر الذين ليس لهم رسالة ولا هدف من حياتهم فإنهم لا خير فيهم البتة، ولا يركن إليهم، ومن ركن إليهم فقد ركن إلى جدار يكاد أن يخر عليه وفوق رأسه.
فلابد أن نعلم أن النصر لا يتحقق إلا إذا تحقق الشرط، كما قال العلماء: إذا كان الشيء مشروطاً بشرط فلا يكون إلا بتحققه، قال الله تعالى: ((إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ)) وإن شرطية، ﴿يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فإن نصرنا الله تعالى أولاً نصرنا ثانياً، وإلا فلا، والنصر والهزيمة بيده ، ولا يحصل النصر إلا بتحقق الشرط.
стр. 39
الأحداث التي تدور على أرض الشام
أما المحور الثاني الذي يدور على أرض فلسطين وأرض الشام عموماً فهو الذي أخبر عنه الله تعالى، وأخبر عنه كذلك رسوله الكريم ﵊؛ لأن هذه الأحداث غيبية، ولو أراد أحد أن يتخرص أو يتوهم ويتخيل لكان كله من باب الظن، أما إذا أخبر الله تعالى أو رسوله الكريم بشيء من الغيب فهذا أمر لا نقول عنه: ظن، أو تخمين، أو تخريص، وإنما هذا أمر يقيني:
стр. 40
استمرار الهجرة إلى أرض الشام
أولاً: تتابع الهجرات إلى أرض الشام، وهذا أخبر به النبي ﵊ فقال: (ستكون هجرة ثم هجرة ثم هجرة إلى مهجر إبراهيم ﵇، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا يحبون أن يهاجروا إلى بلاد الشام، ومن لم يكن هذا الأمر يدور في خلده فأظن أنه بعد سماع هذه المحاضرة وتعرفه على فضل الشام ستحدثه نفسه بالهجرة إلى بلاد الشام.
стр. 41
حصار أرض الشام اقتصادياً
ثانياً: أخبر النبي ﵊ بحصار اقتصادي يفرض على أرض الشام، وهو من بين المصائب والبلايا التي تنزل بالمسلمين، قال أبو نضرة: كنا عند جابر بن عبد الله فقال: يوشك أهل العراق ألا يجبى إليهم قفيز ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم قال: يوشك أهل الشام ألا يجبى إليهم دينار ولا مدى، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من قبل الروم.
ثم سكت هنية، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : (يكون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثياً، ولا يعده عدداً)، وهذا يكون في أرض الشام، قال الراوي: قلت لـ أبي نضرة وأبي العلاء: أتريان أنه -أي: الخلفية الذي يحثو المال ولا يعده- هو عمر بن عبد العزيز؟ قالا: لا.
وقال ﵊: (منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم)، شهد على ذلك لحم أبي هريرة ودمه.
كل هذه الأحاديث تدل على أنه سيضرب حصار اقتصادي على الشام، وهذا قائم الآن، حتى إن من فجور الأمريكان أنهم فرضوا فيما فرضوا على أهل ليبيا عدم الذهاب إلى بيت الله الحرام للحج والعمرة، وهذا من باب الخطة الألفية، فعلى مدار ألف سنة يتم حرمان ليبيا من الطعام والشراب، بل وحرمانها من حق الحياة، فأنت لما تمنع عني الأكل والشرب فإن المقصود من ذلك قتلي، وأنه لا حق لي في الحياة.
стр. 42
غلاء أرض الشام
ثالثاً: غلاء الأرض وارتفاع أسعارها في الأرض المقدسة بعلامة، ولا تزال الأرض الآن في القدس سعرها شيء رهيب جداً، قال النبي ﵊: (ولو أن لأحدكم مثل حبل دابته لكان خيراً له من الدنيا وما فيها)، يعني: ضع حبلاً على الأرض وقل: الأرض التي تحت الحبل ملكي، يكون هذا خيراً لك من الدنيا وما فيها، وهذا في أرض بيت المقدس، وهو قائم الآن غلاء لا يحتمله إنسان.
стр. 43
قتال اليهود على أرض فلسطين
رابعاً: قتال اليهود والقضاء عليهم يكون على أرض فلسطين.
والفساد -يا إخواني- طبيعة متأصلة في الشعب اليهودي، هاهو لما أرد الإفساد بدأ بالأنبياء، وثنى بالشعوب الموحدة إلى يومنا هذا، ولا يزال الفساد في الأرض ملازماً لليهود منذ زمن، حتى النصارى في بلاد أوروبا أذاقوا اليهود الويلات تلو الويلات لما بدر منهم الغدر، وظهر منهم الفساد في بلاد أوروبا، فوعد بلفور بإنشاء دولة لليهود في فلسطين كان هذا نجاة للشعب الأوروبي كله من فساد اليهود، قالوا: دعهم يذهبوا إلى فلسطين لينشغلوا بالعرب قليلاً ويبعدون عنا؛ واليهود على مستوى العالم عشرون مليوناً منهم خمسة ملايين أو أقل من ذلك في أمريكا التي يبلغ تعدادها مائتين وخمسين مليوناً، ومع هذا يتحكمون فيها وفي رقابتها وسياستها واجتماعها واقتصادها وطعامها ومعاشها، وهذا شيء عجيب جداً! لكنه العلو الثاني في الأرض لليهود الذي لا يعقبه علو، وستتحطم هذا الأساطير، وسيخذل هذا العلو على أيدي الموحدين في أرض فلسطين.
والحرب مع اليهود -الحرب بين الإيمان والكفر- لها مرحلتان: المرحلة الأولى: مرحلة هزيمة وإدالة، والمرحلة الثانية: مرحلة الإبادة حتى لا يبقى فيها على وجه الأرض يهودي، وبعد ذلك تقوم الساعة.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم! يا عبد الله! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.
إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود) وقد انتشرت زراعة هذا الشجر في بلاد الشام كلها، وأنا قد رأيته في الأردن، رأيته في سنة ثمانين في الأردن، هذا الشجر يزرع بغزارة في الأردن فما بالك بسوريا وفلسطين؟! ولعل أقدار الله ساقت أيدي المسلمين لزراعة هذا الشجر إنباءً وتصديقاً بنبأ النبي ﵊.
كما قال النبي ﵊: (إن المسيح الدجال إذا أراد دخول المدينة حبس عند بابها عند القصر الأبيض)، ولم يكن في زمن النبي ﷺ قصر أبيض، والعجيب أن القصر الأبيض بني الآن، ومن ذهب إلى جبل أحد ووقف عند مقابر الشهداء ونظر جهة الغرب رأى القصر الأبيض على قمة الجبل، وأول ما رأيته نبهني إليه بعض أهل العلم كان معي وقال: هذا القصر الأبيض الذي يستقر فيه المسيح الدجال.
قال: (فيخرج إليه رجل من علماء المدينة فيشقه الدجال نصفين ويمشي بين نصفيه أو بين شقيه ويقول: أما صدقتم أني ربكم أحيي وأميت، ثم يقول له: قم فيقوم، فيقول: أما صدقت أني إلهك؟ قال: والله! ما ازددت فيك إلا بصيرة، إنك الأعور الدجال)، كل ذلك عند القصر الأبيض، والعجيب أن ذلك القصر مبني الآن، فوقع وعد الرسول الصادق المصدوق، وهذا ينبئ عن القرب الشديد جداً للقيامة وأشراطها.
وقال ﵊: (تقاتلكم يهود فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم) الحجر، والشجر، والجماد، والأحجار تنطق وتقول: يا مسلم (خلفي يهودي تعال فاقتله، إلا شجرة الغرقد) وفي الحديث إشارة إلى بقاء دين الإسلام حتى ينزل عيسى ﵊، فإنه هو الذي يقاتل الدجال ويستأصل اليهود الذين هم تبع الدجال.
وأتباع الدجال هم اليهود، قال النبي ﵊: (يخرج الدجال فيتبعه سبعون ألفاً من يهود أصبهان، فيأتي بهم إلى مكة فلا يستطيع أن يدخلها)، وأصبهان هذه هي في إيران، ولا يوجد فرق بين الشيعة واليهود والله، وأنا كنت أريد أن أعمل مؤتمراً عن الشيعة، لكن وجدت موضوع القدس أكثر منه حيوية وضرورة، لكن الشيعة قادمون داخلون في هذه البلاد، وإذا وجدوا في بيتك مصحفاً قتلوك بسببه، ولعل الله تعالى ييسر لنا مؤتمراً في شهر قادم عن الشيعة، وأنا أقسم بالله تعالى أن أمر الشيعة أخطر على الإسلام من أمر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى يهود ونصارى عند الناس كلهم، أما الشيعة فلا.
لما قام الكذاب الهالك الخميني بثورته المزعومة الملعوبة صفق له وطبل المغفلون، ثورة صنعها وكذب فيها وافتراها خميني إيران الذين يتقرب إلى الله بسب ولعن الصحابة أجمعين إلا بضعة عشر منهم، والذي يقول: إن عائشة ﵂ ارتكبت فعلاً الفاحشة في حادثة الإفك، والذي يقول عن أهل السنة: إنهم الناصبة، والصابئة، والذي يقول: القرآن الذي بيد الصابئة ليس كلام الله تعالى، إنما القرآن الحقيقي هو ما أوصت به فاطمة والخلفاء والأئمة الإثنا عشرية، وهو الآن مع ابن الحسن العسكري الذي اختفى في سرداب سامراء وعمره أربع سنوات، وأبطلوا الجمعة والجماعات حتى يظهر الإمام المهدي المنتظر، وبالمناسبة مهديهم غير مهدينا، ومهدي النص
стр. 44
الخلافة الإسلامية في بيت المقدس
ثم الحدث الخامس على أرض فلسطين: نزول الخلافة الإسلامية في بيت المقدس، وهذه الخلافة الإسلامية هل هي خلافة الأمويين، أو العباسيين، أو خلافة العثمانيين؟
الجواب
لا، الخلافة التي في آخر الزمان تكون على منهاج النبوة، والنبي ﵊ قال: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة -وهذه خلافة الخلفاء الراشدين- فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً) كما كان في دولة الأمويين والعباسيين وغيرهم، قال: (ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكاً جبرياً) يعني: بالسيف والنار والحديد، ولا يزال هذا إلى يومنا هذا، فمنذ سقوط الخلافة العثمانية إلى يومنا هذا والملك ملك جبري، قال: (ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت).
إذاً: آخر الأمر خلافة على منهاج النبوة، فقد كان في أول الأمر نبوة وخلافة على منهاج النبوة، ثم بعد ذلك ملك عاض، ثم جبري، ثم خلافة على منهاج النبوة، ولم يذكر النبي ﷺ شيئاً عن الخلافة التي على منهاج النبوة، وهذا يدل على أن الناس ينتظرون الخلافة التي هي آخر الخلافة وهي على منهاج النبوة؛ لأن هذا بعد الملك الجبري الذي نحن بصدده، ولم يعد النبي الملك الجبري مرات ومرات إنما عده مرة واحدة.
والخلافة الراشدة هي التي تكون تحت راية المهدي المنتظر، لكن نحن ماذا نعمل؟ وما هو دورنا؟ هل نقف مكتوفي الأيدي والأرجل ننتظر المهدي المنتظر أم نهيئ له الزمان والمكان؟ نهيئ له المكان والزمان كل على حسب قدرته، لكل واحد سهم مضروب عليه لابد أن يؤديه، فـ المهدي المنتظر أنت لا تنتظر منه أن يصلح لك الكون وأن يرسله الله ﵎ أو يبعثه فينا ونحن في قمة الضلال والانحراف، فلابد من طائفة عظيمة من الأمة هي الطائفة المنصورة طائفة العلم والحق والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لابد أن تساعد المهدي المنتظر، وتهيئ له المناخ.
واليهود والنصارى لا قيمة لهم ولا يساوون عند الله فلساً ولا عند المؤمنين، وانظر كل سنة إلى الأكذوبة هذه التي يقولون فيها بنزول المسيح على رأس كل ألف سنة، أليسوا هم يقولون هكذا؟! فماذا يعملون؟! من قبلها بشهر أو شهرين وسنة وسنتين يعدون المنطقة ويتكتكون ويخططون من أجل المسيح حين ينزل، ويأتون يقابلونه لو نزل، وهو في آخر الزمان ينزل لنا نحن وعليهم هم، وعيسى ﵇ من أبطال الإسلام، وأتباع النبي محمد في آخر الزمان، وسيدمر أحلام اليهود والنصارى؛ لأنه سيقتل اليهود حتى آخر يهودي على وجه الأرض، يعني: سيفنى اليهود تماماً على يد عيسى ابن مريم، ثم يستدير بعد ذلك فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو بدعوة النبي محمد ﵊، ويذهب إلى المسجد الحرام فيحج ويعتمر، ثم ينطق إلى المدينة فيزور قبر النبي ﵇، يعمل هذا رغم أنف الحاقدين، والله! لستم من عيسى ولا عيسى منكم، عيسى منا نحن، عيسى من أتباع نبينا الذي نعتز به ونحبه، عيسى لم يمت، بل رفعه الله إليه، هذه عقيدة المسلمين الموحدين، والإمام الذهبي يقول في كتاب (تجريد أسماء الصحابة): عيسى بن مريم ﵇ آخر الصحابة موتاً على الإطلاق؛ لأن الصاحب هو: من رأى النبي ولو لحظة مؤمناً به ومات على ذلك، وعيسى ﵇ رأى النبي في بيت المقدس وفي السماء، ولم يمت بعد، لكنه سيموت في آخر الزمان بعد أداء مهماته، فيكون حقيقة هو آخر الصحابة بنور إلهي قذفه الله تعالى في قلب الذهبي لم يسبق إلى هذا القول.
стр. 45
سكنى المهدي في الأرض المقدسة
سادساً: مكان إقامة واستقرار المهدي المنتظر في الأرض المقدسة، سيخرج من المدينة ويذهب إلى مكة، فيدخل الناس عليه في بيته في مكة فيحملونه على الخروج إلى البيت الحرام وعند الركن والمقام يحملونه ويقهرونه على البيعة، فيبايعهم، ثم يأتيه جيش من منافقي الشام، ففي اللحظة هذه الشام تقذف بمنافقيها، فيأتي المنافقون على رأس جيش عرمرم يريدون قتل المهدي المنتظر، فينجو منهم جميعاً، ثم ينطلق إلى بلاد الشام، فيبايعه أهل الشام، ثم إذا كان صلاة الفجر في تلك الأيام ووقف المهدي يسوي الصفوف ثم دخل في تكبيرة الإحرام فقال: الله أكبر، إذا بعيسى بن مريم ينزل من السماء عند الباب الشرقي من دمشق حيث يؤم المهدي المسلمين، فيعرفه المهدي في صلاته فيتأخر ليصلي مأموماً ويكون الإمام هو عيسى بن مريم، فيقول له عيسى بن مريم: صل بهم؛ تكرمة الله تعالى لهذه الأمة، أي: تكرمة الله تعالى لهذه الأمة أن يؤمها رجل منها وأنا رجل من الأمة أصلي خلف المهدي المنتظر، فصلى خلف المهدي المنتظر مرة، وصلى عيسى ﵊ بأمة الإسلام بعد ذلك إماماً، فهذه آيات وأحداث تكون على أرض فلسطين على أرض الشام.
ثم بعد هذا يظهر المسيح الدجال، فيتبعه اليهود، فهو شيخ اليهود، فـ المهدي المنتظر لليهود هو المسيح الدجال، يأتي المسيح الدجال وقد رزقه الله تعالى قدرة خارقة يجوب الأرض في أربعين يوماً شرق الأرض وغربها يضع رجله عند منتهى بصره مثل البراق، فيمكث في الناس أربعين: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كيومكم هذا، فيمكث أربعين على هذا النحو، وفتنته عظيمة جداً، والنبي ﵊ قال: (ما بعث الله تعالى نبياً إلا حذر أمته الدجال)، إذاً: هذه الفتنة قديمة، وقال النبي ﵊: إذا ظهر الدجال وأنا فيكم فأنا حجيجه، وإذا ظهر بعد موتي فاقرءوا أوائل سورة الكهف العاصمة التي تعصم من فتنة الدجال، ولا تتعرضوا له، كما قال ﵊: (إذا ظهر الدجال فانأ عنه) أي: ابتعد عنه؛ لأنه سيأتي بعلامتين: في إحدى يديه نار وفي إحدى يديه خبز وماء بارد، أما الذي تراه ناراً فهو الخبز والماء البارد، وأما الذي تراه طعاماً وخبزاً فهو النار، يعني: أنت ممكن أن تقول: نهرب من النار هذه التي أنا أراها وأذهب آكل من الخبز فإذا به النار، وهذه فتنة عظمة تموج كموج البحر، فإذا خرج الدجال -ولابد أن يخرج- فلينأ عنه المرء، وليعتصم بالله وحبله المتين، ويذكر الله تعالى كثيراً، ويقرأ العشر الآيات الأول من صدر سورة الكهف، ينزل عيسى بن مريم فيقول أميره المهدي: تعال صل بنا، فيقول: إن بعضكم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة.
وتكلمنا عن الهدنة التي تكون قبل الملحمة في بيت المقدس وعلى الأرض الطاهرة المباركة، وفي كل عنصر من هذه العناصر كلام كثير جداً، لكن على أية حال الوقت والمكان لا يسع لذلك، وهناك كذلك فتوحات إسلامية تنطلق من أرض الشام، فتوحات ناحية فارس، وفتوحات ناحية روما، على يد عيسى بن مريم ﵇، يعني: أن عيسى بن مريم ﵇ هو الذي يتولى قيادة الأمة المسلمة لفتح روما، وحامية النصرانية في هذه الأزمنة هي روما، والذي سيفتحها في آخر الزمان هو عيسى بن مريم، وفي هذا تحطيم وتسفيه لأحلام النصارى وتنبيه لهم لعلهم يفيقون.
أما فتح الهند فيكون في زمن المهدي المنتظر، يبعث المهدي جيشاً إلى الهند.
وقد تكلمنا من قبل عن الدجال، وأن هلاكه عند باب لد بفلسطين، والذي يقتله هو عيسى بن مريم ﵇، إذاً: مسيح الهداية هو الذي يقتل مسيح الضلالة، وبعض الناس يخطئ فيقول: المسيخ بالخاء، ولم يأت هذا الضبط أو النقط في شيء من الأثر، وإنما هو المسيح الدجال، أما المسيح على الإطلاق فهو عيسى ﵇.
والدجال له قصة طويلة، وقد شرحنا أمره في أكثر من محاضرتين تقريباً، ومكان خروج الدجال أصبهان كما قلنا، ويبقى في الأرض أربعين يوماً؛ يوم كسنة إلى آخره.
أما صفاته وأتباعه؛ فصفاته كثيرة جداً، ولا داعي لذكرها، إنما يرجع إلى الكتب المتخصصة في ذلك، وأما عن أتباعه الذين يسيرون معه فهم اليهود، يعني: أن اليهود أصحاب فتن في الأولى والآخرة، فالواحد منهم سيموت في آخر الزمان ولكنه لا يؤمن، بل يقتل كافراً.
والدجال ممسوح العين اليسرى، ناتئ العين اليمنى، يعني: هو ليس أعور فقط، بل كلا عينيه معيبة، واحدة عوراء تماماً، والثانية مجحوضة ناتئة، وورد في الرواية أن العيب في العين اليسرى، وفي روايات أخرى أن العيب في العين اليمنى، ولا مانع
стр. 46
بشارات نصر أمة الإسلام
وهناك في الحقيقة بشارات، والتفاؤل بالنصر هو مقدمة النصر، والقوة المعنوية في كل أمة هي التي تدفع أبناءها إلى تحقيق مزيد من الانتصار، فتصور حين يكون معك السلاح والعدد والعدة ولكنك مهزوم داخلياً، هل تنتصر؟ أبداً، قال : ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩] يعني: بالإيمان، وهي التي تبرهن أنه لا يجوز اليأس في تحقيق السيادة للمسلمين في دين الله، وهي التي تبقي لأمة الإسلام أصالتها في المحافظة على العزة والقوة والكيان، مهما أصابها من كوارث وأحداث، والذي يغرس الأمل بالنصر هو وجود قيادة مؤمنة راسخة العقيدة قوية الإيمان بوعد الله وبنصره شديدة التمسك بتعاليم الإسلام، وآدابه وأخلاقه، مجردة من كل أنانية وعصبية جاهلية، هذه القيادة إما في السياسة والحكم، وإما في العلم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تظن أن هذا أمر موجه للحكام فقط، بل هو موجه لكل من أنيطت به القيادة والريادة، ولذلك النبي ﵊ يقول: (ما من راعٍ يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة)، ويقول النبي ﷺ : (كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته).
إذاً: كل منا لابد أن يضرب بسهم عظيم في تحقيق تحرير المسلمين، والحفاظ على أعراضهم وأموالهم ودمائهم في شرق الأرض وغربها، فلا تقف مكتوف الأيدي، فـ صلاح الدين الأيوبي ونور الدين محمود زنكي وغيرهم من أعلام الأمة في طول التاريخ وعرضه هم مثلك بالضبط، هم كانوا جالسين جلستي مرة، وجالسين جلستك مرة أخرى، هم أفراد ولكن الله ﵎ وفقهم للعمل لدين الله بجد وإخلاص، فلابد من بث هذه الروح، ولا تبق جالساً بجوار الحائط منتظراً حين يأتي صلاح الدين، فلن يأتي لك صلاح الدين؛ لأنك مطلوب أن تكون أنت صلاح الدين، مطلوب منك ذلك، وأنت تربي أولادك على ذلك، وامرأتك لابد لها من دور عظيم في تربية أبنائها على هذه الروح الجهادية ضد الكفر وأهله.
وقد اشتملت أحاديث النبي ﵊ التي ذكرناها آنفاً في فتح الشام وبيت المقدس على نقاط بارزة، ومنها بث روح الأمل في تمام أمر هذا الدين في نفوس الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وهذا ينزع من القلوب اليأس والقنوط الذي يحاول الأعداء زرعه فيها من أن هذا الدين لا يصلح لأي زمان ولا لأي مكان، فنقول لهم: أنتم كذابون، والنبي هو الصادق ﵊، وكلما ضاقت الحلقات واشتدت الأمور واحلولكت الظلمة قرب الفرج واقتربت روح الفجر المشرق وعلو كلمة هذا الدين مرة أخرى، فأشد اللحظات ظلمة في الليل هي الأقرب إلى طلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١٢]، يعني: أنهم قالوا: الله يقول لنا: سننتصر، كيف سننتصر على هذه الجيوش الجرارة؟! وهذا كذب من اليهود، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢] أي: لينصرن الله دينه وأولياءه مهما قل عددهم ما داموا قد حافظوا على إيمانهم الذي هو ميراث الحق ﵎ لأمة حبيبه ﵊.
ولذلك فما نراه اليوم من تكالب الأعداء علينا في جميع بقاع الأرض الإسلامية وما يلاقيه الدعاة إلى الله من التنكيل، والتعذيب، والتضييق على حرياتهم، وما يحدث لكثير من الشعوب الإسلامية من المذابح والمجازر التي تتم على أيدي أعدائنا في فلسطين، أو في البوسنة والهرسك، أو بورما أو كشمير أو غيرها من البلاد ما هو إلا إرهاصات ومخاض يتقدم التبشير، فلابد من التصفية وتميز الصف: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]، ولا يبقى إلا الطيب الذي يتصدى لأعداء الله وأعداء رسله من اليهود والنصارى على أرض الشام وبيت المقدس، فينتقم منهم شر انتقام، ويلقنونهم درساً لا ينسونه أبداً، فهناك بشارات عظيمة جداً ينبغي ألا يذهب بنا اليأس شرقاً وغرباً.
وكذلك لابد أن نتجاوز هذا الواقع المر الشائن التائه الذي تعيشه أمتنا في هذه الأيام وهو مليء بالمآسي، والمصائب، والنكبات، والهزائم، والذل، والتنازلات، هذا الواقع الذي أوقع الكثيرين من المسلمين في اليأس والقنوط، وأصابهم بالفشل والإحباط، وأيقنوا باستحالة نصر المسلمين الصادقين، وصار
стр. 47
الأرض المقدسة في ضوء الكتاب والسنة [٤]
الأمة الإسلامية بحاجة إلى حشد طاقات أبنائها وجمع شتاتهم ليكونوا صفاً واحداً تجاه أي عدوان عليهم، كما أنها بحاجة إلى الاستفادة من جميع الموارد المسخرة لها ليكون لها دور القيادة للعالم، ولا يتم لها ذلك إلا بالسير على هدي الكتاب والسنة كما سار السلف، وجزء من هذا العمل مسئولية ملقاة على عواتق العلماء والدعاة إلى الله تعالى.
стр. 48
توصيات مؤتمر أسبوع الأقصى المنعقد في المركز الإسلامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإلى النفوس التي ترفض الظلم وتأبى الاستكانة والخضوع، إلى القلوب الحية التي تعلقت بحب المسجد الأقصى، نهدي هذا الأسبوع أسبوع الأقصى، إنها رسالة واضحة جلية لإيصال صوت الأقصى السليب إلى المسلمين جميعاً من حيث إبراز مكانة القدس والمسجد الأقصى في الدين الإسلامي، وللتأكيد على إسلامية أرض الأقصى، وتعزيز التمسك بها، ولتوجيه جهود المسلمين لدحض وإبطال مزاعم وادعاءات اليهود، وبيان طمسهم للحقائق وتشويههم للتاريخ، سائلين الله تعالى أن يكون هذا الأسبوع حافزاً لنا للبحث والعمل في سبيل تحرير بيت المقدس وكل جزء من أكناف بيت المقدس من مخالب أحفاد القردة والخنازير.
والخير موجود في أمتنا إلى يوم القيامة، وما أصابنا من احتلال اليهود للمسجد الأقصى وأرض فلسطين ليس وضعاً دائماً، بل ستعود الديار المباركة بإذن الله تعالى للإسلام والمسلمين، لكن بأيدي رجال مسلمين أشداء، كما حررها صلاح الدين، وما ذلك على الله بعزيز، فكم سقطت من أراضٍ للمسلمين في أيدي المغتصبين ثم استطاع المسلمون بفضل الله وعونه ونصره استردادها، فعادت في دائرة المسلمين بعد أن عادوا إلى الإسلام وتعاليمه، وتطبيق أحكامه، وشرعه ورفع راية الجهاد.
والمركز الإسلامي العام يتشرف في هذا الأسبوع وكذا مسجد العزيز بالله بأن يدعو جميع المسلمين حكاماً ومحكومين للعمل من أجل نصرة المسجد الأقصى السليب؛ ليبقى حياً في قلوبنا ونفوسنا ونفوس أبنائنا وأجيالنا، فهو مسئولية كل مسلم رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً، ونسأله تعالى أن يقر أعيننا بصلاة في المسجد الأقصى وهو محرر من اليهود الحاقدين أعداء الإسلام والمسلمين، وما ذلك على الله بعزيز.
هذا وتوصيات هذا المؤتمر المبارك تتلخص في نقاط، هي: أولاً: تحصيل العلم النافع الشرعي والكوني الذي يستخدم في تعمير الأرض مع العودة إلى الله ، والاستسلام له بالكلية، امتثالاً لأمره تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨].
ثانياً: إحياء الفرائض خاصة فريضة الجهاد في سبيل الله؛ لأن الله تعالى علمنا بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١].
وقال ﷺ : (من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزى)، وقال ﷺ : (من خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا).
وقال ﵊: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من النفاق).
وقال ﷺ : (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعل رزقي تحت ظل رمحي).
ثالثاً: الإيجابية في مواجهة تحديات العصر، وأن يضع كل فرد من أفراد هذه الأمة اعتباره أن نصرة دينه ونصرة أمته وتحرير القدس فريضة في رقبته، قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٨٤]، مع العلم بأن مواجهة التحديات تستلزم جهداً جماعياً، وجهداً فردياً، ولهذا فإن وحدة الأمة فريضة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، ووحدة الأمة تستلزم جهداً جهيداً من كل أبنائها.
رابعاً: حماية الأسرة من التيارات الإعلامية التي تدمر الأخلاق وتشيع الفاحشة في أرجاء الوطن الإسلامي، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم:٦].
خامساً: إطلاق حرية المسجد، وإطلاق حرية الدعاة إلى الله ، وحشد الطاقات، وتسريح السجناء من الموحدين، واستخدام طاقات الأمة في جميع الميادين لمواجهة الغزو الصهيوني الاستعماري المعاصر لديارنا.
سادساً: تعبئة الموارد العربية الإسلامية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطعام والسلاح وغير ذلك.
سابعاً: وقف سياسة القروض الربوية من اليهود أبناء القردة والخنازير؛ فهذه القروض أوقعت الأمة في قبضة المصارف اليهودية التي أضحت تهدد استقلال الأمة، إن الله قد حبا العالم الإسلامي بثروات ليست لغيره، ولكنها مهدرة، ولا نحسن الاستفادة منها، بل إن الأعداء هم الذين يستفيدون منها، فلتحذر الأمة الاستمرار ومواصلة العبودية لغيرها.
ثامناً: تحرير الولاء لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين ولديار المسلمين ومقدساتهم، كما يجب تحرير البراء من أعداء الله ، ولا يكون ذلك إلا بالرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊، كما قال النبي ﵊: (
стр. 49
كلمة موجهة إلى أبناء الدعوة الإسلامية
بقي أن نوجه كلمة لأبناء الدعوة أن يتزودوا بالعلم، ويحرصوا على التربية الروحية، والسلوكية، والأخلاقية، والعقدية، وأن يكونوا على عقيدة السلف ﵃ أجمعين، وكذلك كلمة إلى جماعات الدعوة العاملة على الساحة الدولية أن يرتفعوا إلى مستوى الأحداث التي تحيط بهم، وأن يتقوا الله فيمن وراءهم، وإذا كان لديهم بعض البدع أن يتخلوا عنها، فما قامت بدعة إلا وأماتت سنة، وأن يرتفعوا فوق الخصومة، وإن يتجردوا لله ، ويربوا أنفسهم ومن معهم على الجندية والإخلاص، وحسب الرجل شرفاً أن يكون جندياً لله من جنود الدعوة، وعلى الحكومات كذلك أن تتقي الله وتحكم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يسيروا بمجتمعهم سيراً رفيقاً حثيثاً إلى الله ، وليعلموا أن إقامة الشرع إنما هذه هي الأمانة التي كلف الله بها أمة الإسلام حكاماً ومحكومين، ولا نجاح لهم ولا فلاح إلا بالذل والصغار بين يدي العزيز الجبار، وتحكيم الشرع في كل كبيرة وصغيرة.
стр. 50
نصيحة لعلماء الإسلام
هذه بعض النصائح.
وتبقى النصيحة العظمى لعلماء الإسلام الذين هم القادة: أن يتقوا الله ، ويعلموا أن مهمتهم عظيمة، والأمانة في أعناقكم -يا معاشر العلماء- ثقيلة، ولا يسعكم السكوت في معارك الإسلام الخطيرة، فاصدعوا بالحق، وقد أخذ الله عليكم الميثاق لتبيننه للناس ولا تكتمونه، يا علماء الإسلام! معاذ الله أن تكونوا كأحبار السوء من بني إسرائيل حين حرفوا الكلم عن مواضعه، وزيفوا دين الله على عباده، بل من غرائب المفارقات أن ينفخ أحبار السوء في أقوامهم كل معاني الاستطالة والاستعلاء بالباطل، ثم نجد من علماء الإسلام من يشيع في أمته الاستخزاء والتخاذل بسوء الإفتاء أو التأويل، ويسمعون في القرآن العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٢٧].
يا علماء الإسلام! احذروا أن تخدعكم السياسة بأهوائها الطامسة الدامسة، واحذوا الحرص على الكراسي والمناصب، بل أصلحوا أنتم الساسة وهذه الكراسي والمناصب بهدي القرآن العظيم، وطالبوها أن تسعى هي في رحابه خاضعة النفس والرأس، ولا تستنزلوا كتاب ربكم من أفقه الأسمى إلى الحضيض البغيض، واذكروا وذكروا أمتكم كذلك قول رب العالمين في ختام سورة القتال: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥]، واذكروا نذيره الصارم في ختام السورة نفسها: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨].
ثم اذكروا أيها العلماء السادة وذكروا أمتكم في شرق الأرض وغربها في ظلمات هذه الأحداث وتداعي الأعداء ببشرى ربكم ووعده للعاملين المؤمنين بكتابه وسنة نبيه بنصره الذي يؤتيه من يشاء؛ لأنه بيده مقاليد السماوات والأرض وله القوة جميعاً، وكفار الأرض كلهم لا يسبقونه بالقول ولا يعجزونه، وهو القائل سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، فالتثبيت أولى من النصر، فكم من إنسان وكم من قوم انتصروا ولما تركوا الكتاب والسنة أبدل الله ﵎ بهذا النصر هزيمة ساحقة، فلابد من الثبات على كتاب الله وسنة رسوله ﵊.
هذا ما أراد الدعاة في هذا المكان وكل الدعاة المخلصين في شرق الأرض وغربها منهم من هاتفنا، ومنهم من راسلنا.
وأقول كذلك: هذه التوصيات إنما هي توصيات القائمين على العمل في هذا المكان المبارك سائلين الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال والأقوال.