هكذا كان صحابة رسول الله ﷺ ، فمن أنكر على أبي هريرة مزاحه فقد أنكر أمراً من الدين مباحاً، وَخُلُقًا لدى الكرام محبوباً.
ثَامِنًا - التَّهَكُّمُ بِهِ:
قال أَبُو رَيَّةَ (١): «ولقد كانوا يتهكمون برواياته وَيَتَنَدَّرُونَ عليها لما تفنن فيها وأكثر منها، فعن أبي رافع: أن رجلاً من قريش أتى أبا هريرة في حلة وهو يتبختر فيها، فقال: " يا أبا هريرة! إنك تكثر الحديث عن رسول الله فهل سمعته يقول في حلتي هذه شيئا؟ " فقال: " سمعت أبا القاسم يقول: " إن رجلاً من كان قبلكم بينما هو يتبختر في حلة إذ خسف الله به الأرض فهو يجلجل فيها حتى تقوم الساعة، فوالله ما أدري لعله كان من قومك أو من رهطك "، (وأسند أَبُو رَيَّةَ هذا الخبر إلى ابن كثير) ثم قال: (ويبدو) من سؤال هذا الرجل أنه لم يكن مستفهماً، وإنما كان متهكماً إذ لم يقل له: إنك تحفظ أحاديث رسول الله، وإنما قال: تكثر الحديث عن رسول الله، (وسياق) الحكاية يدل كذلك على أنه كان يهزأ به ويسخر منه».
ها هنا أمور:
أولاً - إن السائل لم يكن من الصحابة، ولا من التَّابِعِينَ الذين أخذوا الشريعة واَدابها عن صحابة رسول الله ﷺ ، وإنما كان فتى من شباب قريش العابثين، ومثل هذا لا ينتظر منه أن يعلم قدر أبي هريرة أو يؤخذ عنه التقدير الصحيح لفضل أبي هريرة وعلمه.
ثانياً - أنه كان فتى عابثاً مترفاً يلبس حلة غالية يتبختر فيها فشاء له ترفه وعبثه أن يقول لأبي هريرة: هل تحفظ شيئاً في حلتي هذه؟ فذكر له حديث رسول الله ﷺ : «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ ... إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأَرْضَ» ... الخ، وتقول بعض الروايات (٢): إن الفتى العابث المغرور قال له: أهكذا
стр. 352
كان يمشي ذلك الفتى الذي خسف به؟ ثم ضرب بيده فعثر عثرة كاد يتكسر منها. فقال أبوهريرة: للمنخرين وللفم: «﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾» (١). فتكون هذه كرامة من الله لأبي هريرة إذ انتقم له من هذا الفتى الماجن العابث!
ثالثاً - إن تهكم فتى عابث برجل من حملة العلم، أمر يقع في كل زمان، وقد وقع للعلماء والصالحين والأنبياء - كما قص الله علينا في كتابه الكريم - فمتى كان مثل هذا التهكم من السفهاء بالأنبياء دليلاً على مهانتهم وحقارتهم؟ وحاشاهم من ذاك.
رابعاً - إن هذه الحادثة حادثة فردية لم يعثر «أَبُو رَيَّةَ» على مثيل لها، ولو عثر لما قَصَّرَ في إثباتها، فكيف جاز له أن يعمِّمَ فيقول: «ولقد كانوا يتهكمون ... الخ» إن لفظ «كَانُوا» يدل على الأمر الشائع التكرر في الجماعة ولا يطلق إلا على ذلك، فهل تدل هذه الحادثة التي وقعت من فتى ماجنٍ على أن الصحابة والتَّابِعِينَ وهم حملة العلم والدين في عصر أبي هريرة «كَانُوا» يتهكمون بروايات أبي هريرة؟؟
ها هنا يفتضح «أَبُو رَيَّةَ» مَرَّةً أخرى عن رجل صاحب هوى يفتش عن شبهة يعلق بها ليؤكد باطله، لا عن «بَاحِثٍ» علمي يسعى وراء الحقيقة بكل تجرد وإخلاص.
إن المرء حيث يضع نفسه، وقد شاء «أَبُو رَيَّةَ»، بهذا «التحقيق العلمي الذي لم ينسج أحد من قبل على منواله!» أن يضع نفسه مع الكَذَّابِينَ وَالمُفْتَرِينَ من أهل الريب والأهواء، فليكن له ما أراد ... أما أبو هريرة فقد بَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا رماه به هذا المُحَقِّقُ العلمي الذي لم يسبقه أحد إلى هذا التحقيق! ..
تَاسِعًا - كَثْرَةُ أَحَادِيثِهِ:
انتقد أَبُو رَيَّةَ على أبي هريرة كثرة أحاديثه التي بلغت على ما جاء في " مسند بقي بن مخلد " ٥٣٧٤ - مع أن طرقها إلى أبي هريرة ليس كلها محل التسليم عند علماء الحديث - واستغرب ذلك أَبُو رَيَّةَ مع أن أبا هريرة لم يصحب النَّبِيّ ﷺ إلا ثلاث سنين.
стр. 353
وقد قدمنا فيما مضى سبب ذلك ونزيد هنا ما رواه ابن كثير أن مروان بن الحكم قال لأبي هريرة مغضباً حين نازعه في دفن الحسن مع رسول الله ﷺ : «إِنَّ النَّاسَ قَدْ قَالُوا إِنَّك أَكْثَرْتَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » الحديث (*)، " وَإِنَّمَا قَدِمْتَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ "، فقال أبوهريرة: " نَعَمْ! قَدِمْتُ وَرَسُولَ اللهِ ﷺ بِخَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ زِدْتُ عَلَى الثَّلاَثِينَ سَنَةً، سَنَوَاتٍ، وَأَقَمْتُ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، أَدُورُ مَعَهُ فِي بُيُوتِ نِسَائِهِ وَأَخْدِمُهُ، وَأَنَا وَاللهِ يَوْمَئِذٍ مُقِلٌّ، وَأُصَلِّي خَلْفَهُ، وَأَحُجُّ وَأَغْزُو مَعَهُ، فَكُنْتُ وَاللَّهِ أَعْلَمَ النَّاسِ بِحَدِيثِهِ، قَدْ وَاللَّهِ سَبَقَنِي قَوْمٌ بِصُحْبَتِهِ وَالهِجْرَةِ إِلَيْهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ، وَكَانُوا يَعْرِفُونَ لَزَوَمِي لَهُ فَيَسْأَلُونِي عَنْ حَدِيثِهِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَلاَ وَاللَّهِ مَا يَخْفَىَ عَلَيَّ كُلُّ حَدِيثٍ كَانَ بِالمَدِيْنَةِ، وَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ، وَكُلُّ صَاحِبٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٌ صَاحِبَهُ فِي الغَارِ، وَغَيُّرُهُ قَدْ أَخْرَجَهُ رَسُولُ الْلَّهِ أَنْ يُسَاكِنَهُ (١) - يُعَرِّضُ بِأَبِي مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ " - ثُمَّ قَالَ أَبُوْ هُرَيْرَةَ: " لَيَسْأَلْنِيْ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ (كُنْيَةَ مَرْوَانَ) عَنْ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ فَإِنَّهُ يَجِدُ عِنْدِي مِنْهُ عِلْمًا جَمًّا وَمَقَالاً "، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَ مَرْوَانُ يُقَصِّرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَتَّقِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَيَخَافُهُ وَيَخَافُ جَوَابَهُ».
وفي رواية أن أبا هريرة قال لمروان: «إِنِّي أَسْلَمْتُ وَهَاجَرْتُ اخْتِيَارًا وَطَوْعًا، وَأَحْبَبْتُ رَسُولَ اللَّهِ حُبًّا شَدِيدًا، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الدَّارِ وَمَوْضِعَ الدَّعْوَةِ، أَخْرِجْتُمْ الدَّاعِي مِنْ أَرْضِهِ، وآذَيْتُمُوهُ وَأَصْحَابَهُ، وَتَأَخَّرَ إِسْلاَمَكُمْ عَنْ إِسْلاَمِيِ فِي الوَقْتِ المَكْرُوْهِ إِلَيْكُمْ»، فَنَدِمَ مَرْوَانُ عَلَىَ كَلاَمِهِ لَهُ وَاتَّقَاهُ -. اهـ (٢).
ولا شك في أن التفرغ للشيء، المهتم به، المتتبع له، يجتمع له من أخباره والعلم به في أمد قليل، ما لا يجتمع لمن لم يكن كذلك، ونحن نعلم من أحوال بعض التلاميذ مع أساتيذهم ما يجعل بعضهم - على تأخره في التلمذة والصحبة - مصدراً موثوقاً لكل أخبار أستاذه ما دق منها وما جل، وقد يخفى من ذلك على
стр. 354
كبار تلاميذه وقدمائهم ما لا يشكون معه في صدق ما يُحَدِّثُهُمْ به متأخرهم صحبة وتلمذة. فأي غرابة في هذا الوضوع؟ المُهِمُّ عندنا هو الصدق، وصدق أبي هريرة لم يكن محل شك عند إخوانه من الصحابة ولا عند معاصريه وتلاميذه من التَّابِعِينَ، هذا هو حكم التاريخ الصحيح الصادق، وكل ما يحكيه أَبُو رَيَّةَ من تكذيب بعض الصحابة أو شَكِّهِمْ فِي (صِدْقِهِ) فَكَذِبٌ مَفْضُوحٌ مُسْتَقًى من كتب يستحي طالب العلم أَنْ يَدَّعِي أنها «مصادر علمية» فكيف بمن يَدَّعِي أنها لا يرقى إليها الشك ولا يتطرق إليها الوهن؟
وإليك كشف الستار بإيجاز عن حقيقة ما زعمه في ذلك (١).
١ - زعم أن عمر ضربه بِالدِّرَّةِ وقال له: «أكثرت يا أبا هريرة من الرواية وَأحْرِ بِكَ أن تكون كاذباً على رسول الله ﷺ ».
ونحن نَتَحدَّاهُ أَنْ يُثْبِتَ هذا الخبر من كتاب علمي محترم إلا أن يكون من تلك الكتب الأدبية الي تروي التالف والساقط من الأخبار، أوتلك الكتب الشيعية التي عرفت ببغض أبي هريرة والافتراء عليه، وليس لهذه الكتب قيمة علمية عند من يشم رائحة العلم.
على أنه كثير الإحالة إلى الكتب التي ينقل عنها - ولو كانت نقوله مُحَرَّفَةً كما يتأكد ذلك لمن يطالع كتابه - ومع ذلك فهذا الخبر لم يسنده إلى كتاب (٢) فلماذا؟
٢ - وزعم أن عمر تَهَدَّدَهُ بالنفي إلى بلاده أو إلى أرض القردة إن استمر يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ ، وزعم أن ذلك منقول عن ابن عساكر وابن كثير.
стр. 355
أما نَهْيُ عمر عن التحديث، فلم يكن خَاصًّاً بأبي هريرة، ولم يثبت أنه هَدَّدَهُ بالنفي إلى بلاده لأن ذلك - في ذلك العصر- غير جائز، وقد حكينا صنيع عمر ورأيه في كتابة الحديث وروايته في صدر هذا الكتاب.
وأما قول عمر لأبي هريرة: «لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ». فذلك دَسٌّ من أَبِي رَيَّةَ وعبارة ابن كثير: وقال - عمر- لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» (١) فهو تهديد من عمر لكعب الأحبار ترك الحديث عن بني إسرائيل وأخبارهم لا تهديد لأبي هريرة بترك الحديث عن رسول الله ﷺ .
على أن ابن كثير بعد أن ذكر نَهْيَ عمر لأبي هريرة عن التحديث قال: «وَهَذَا مَحْمُولٌ مِنْ عُمَرَ عَلَىَ أَنَّهُ خَشِيَ مِنَ الأَحَادِيْثِ التِي قَدْ تَضَعُهَا النَّاسُ عَلَىَ غَيْرِ مَوَاضِعِهَا، وَأَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ عَلَىَ مَا فِيهَا مِنْ أَحَادِيثِ الرُّخَصِ، وَأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الحَدِيثِ رُبَّمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِهِ بَعْضُ الغَلَطِ أَوِ الخَطَإِ فَيَحْمِلُهَا النَّاسُ عَنْهُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَقَدْ جَاءَ أَنَّ عُمَرَ أَذِنَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي التَّحْدِيثِ»، وذكر ابن الأثير بعد ذلك ما يؤيد هذا (٢).
فهذا هو حقيقة موقف عمر لا كما شَوَّهَهُ «المُحَقِّقُ العِلْمِيُّ» أَبُو رَيَّةَ!.
٣ - وزعم أَبُو رَيَّةَ أن الصحابة اتهموا أبا هريرة بالكذب وأنكروا عليه وَمِمَّنْ أنكر عليه عائشة، وَمِمَّنْ كَذَّبَهُ أبو بكر وعمر وعثمان وعَلِيٌّ ... ثم زعم أَبُو رَيَّةَ أن قائل هذا القول هو ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " (٣).
وقد كَذَبَ أَبُو رَيَّةَ في نسبة هذا القول الفظيع إلى ابن قتيبة، وإنما يحكيه ابن قتيبة عن النظام وأمثاله ثم يَكُرُّ عليهم بالرد والتفنيد ويدافع عن أبي هريرة دفاعاً مجيداً. ومن حسن الحظ أن أَبَا رَيَّةَ ليس وحده الذي ينفرد بنسخة من كتاب " تأويل مختلف الحديث " حتى يستطيع أن يكذب على ابن قتيبة وينسب
стр. 356
إليه ما نسبه ابن قتيبة إلى النظام، ولكن الكتاب مطبوع متداول في أيدي العلماء، فهل تبلغ الجرأة بأحد مِمَّنْ ينتسب إلى العلم أن يكذب هذا الكتاب المفضوح ثم يزعم أنه جاء من التحقيق العلمي «ما لم ينسج أحد على منواله» وحقا إن أحداً لم يسبق أَبَا رَيَّةَ في مثل هذا الكذب وتحريف النصوص حتى المُسْتَشْرِقِينَ أنفسهم.
فلا حول ولا قوة إلا بالله.
إنا نَتَحَدَّاهُ وَنَتَحَدَّى كُلَّ مَنْ يَتَجَرَّأُ على أبي هريرة أن يثبت لنا نصاً تاريخياً موثوقاً بصحته أن أبا بكر أو عمر أو عثمان أو عَلِيّاً أو عائشة أو أحداً من الصحابة نسب إلى أبي هريرة الكذب في حديث رسول الله ﷺ ، وستنقطع أعناق هؤلاء الحاقدين دُونَ العثور على نص من هذا القبيل ويأبى الله لهم ذلك.
أما إن كانت النصوص من كتابٍ كـ "عيون الأخبار "، و"بدائع الزهور "، وَرُوَّاةٍ كابن أبي الحديد والاسكافي، ومتهمين كَالنَظَّامِ وأمثاله .. فهيهات أن يكون ميدان هذه الكتب وهؤلاء الرُوَاةِ وهؤلاء الطاعنين هو ميدان العلم والعلماء! ..
إن عائشة كانت «تَسْتَغْرِبُ» من أبي هريرة بعض الأحاديث لأنها لم تعلم بها، فكان يجيبها أحياناً بأنها كانت تلازم البيت وتشتغل بالزينة بينما كان هو يدور مع رسول الله ويلازمه ويسمع حديثه، فلم يسعها إلا أن تعترف بذلك وتقول: «لَعَلَّهُ» وهذا أدب من أم الؤمنين واعتراف بالحق لأهله وفضيلة حُرِمَ مِنْهَا أَبُو رَيَّةَ وأمثاله.
واعتراض عائشة على أبي هريرة بقضية «المهراس» حَقَّقْنَا القول في أنها ليست هي التي اعترضت، وإنما هو رجل يقال له: «قين الأشجعي» من أصحاب عبد الله بن مسعود.
واعتراضها عليه في حديث صوم الجُنُبِ واعترافه بأنها أعلم بما كان من رسول الله ﷺ وهو في البيت مع نسائه فهذا هو أيضاً فضيلة لأبي هريرة حيث اعترف بالحق لأهله - وقد حُرِمَ هذه الفضيلة أَبُو رَيَّةَ - على أَنَّ أبا هريرة كان يروي حَدِيثًا فَبَيَّنَ أنه سمعه من صحابي آخر- وقد قدمنا القول في ذلك - وبقول أبي هريرة قال عدد من فقهاء التَّابِعِينَ وَالمُجْتَهِدِينَ رغم قول عائشة وَتَعَقُّبِهَا.
стр. 357
٤ - ونقل أَبُو رَيَّةَ عن ابن كثير أن الزبير لما سمع أحاديثه قال: صدق، كذب.
وأَبُو رَيَّةَ في هذا النقل صنع ما قص الله علينا من صنيع بعض أهل الكتاب الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض ..
فابن [كثير] (*) نقل عن الزبير بعد قوله ذاك ما يلي: فَقَالَ عُرْوَةُ لأَبِيهِ الزُّبَيْرُ: «قُلْتُ: يَا أَبَهْ مَا قَوْلُكَ، صَدَقَ كَذَبَ؟ قال: (الزبير) «يَا بُنَيَّ! أَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمِعَ هَذِهِ الأَحَادِيثِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلاَ أَشُكُّ، وَلَكِنَّ مِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى مَوَاضِعِهِ، وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ» (١).
فهلْ ترى الزبير هنا يُكَذِّبُ أبا هريرة كما يزعم أَبُو رَيَّةَ أم يعترف له بالصدق؟
وأما قول الزبير: «وَمِنْهَا مَا وَضَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ»، أي يفهمه على غيرما ينبغي فهمه من وُجُوبٍ أَوْ إِبَاحَةٍ أَوْ نَدْبٍ، ولا حرج على أبي هريرة في هذا .. ولا مدخل منه للطعن في صدقه وأمانته لن يفهم الكلام العربي ...
٥ - ونقل أَبُو رَيَّةَ أن ابن مسعود أنكر عليه قوله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» وَقَالَ فِيهِ قَوْلاً شَدِيدًا ثُمَّ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تَنْجَسُوا مِنْ مَوْتَاكُمْ» .. ونقل ذلك عن ابن عبد البر في " جامع بيان العلم ".
وهذا أيضاًً مِمَّا يدل على قِلَّةِ الأمانة العلمية عند هذا الرجل، وولعه بالتضليل وتغرير القارىء وقلب الحقائق له.
إن ابن عبد البر في كتابه المذكور عقد فَصْلاً ذكر فيه ما خَطَّأَ فيه بعض العلماء بعضاً وما أنكر بعضهم على بعض من الفُتْيَا، وذكر في هذا الفصل رَدَّ أبي بكرعلى الصحابة حين خالفوه في قتال أهل الردة، وَرَدَّ عائشة على ابن عمر في قوله: «الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ [عَلَيْهِ]». وقالت: «وَهِمَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْ أَخْطَأَ أَوْ نَسِيَ»، وكذلك
стр. 358
رَدَّتْ عليه في عدد عُمْرَاتِ رسول الله ﷺ ، وَرَدَّ ابن مسعود على أبي موسى وسلمان بن ربيعة في قضية من قضايا المواريث وهكذا، وفيما ذكر من ذلك، قال: وأنكر ابن مسعود على أبى هريرة قوله: «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» الخ ...
فأنت ترى أن أبا هريرة إنما يُفْتِى في المسالة وأن ابن مسعود يَرُدُّ عليه «قوله» لا «حديثه» فأين تكذيب ابن مسعود لأبي هريرة في الحديث؟
على أن عدداً من الفقهاء قال بقول أبي هريرة، فمنهم من أوجب، ومنهم من استحب.
٦ - وقد ختم أَبُو رَيَّةَ «تحقيقه العلمي الفذّ»! .. بقوله: «ولا يستوفي ذكر انتقاد الصحابة له والشك في رواياته لأن كتابنا يضيق عن ذلك ... الخ».
هذا من الكذب والبهتان .. فقد تَقَصَّى كل ما قيل عن أبي هريرة حتى من الكتب التي ليست لها قيمة علمية، فما الذي قصر به شأوه عن تتبع أبي هريرة هنا؟
على أنا نقول كلمة مجملة في موضوع رَدِّ بعض الصحابة على أبي هريرة: إن أبا هريرة كان يفتي بظاهر ما يعلمه من حديث رسول الله ﷺ من غير تأويل وكان بعض الصحابة يخالفونه فيما يفهم من ذلك الحديث فيردون عليه «فتواه» لا «حديثه» وهذا وقع كثيراً بين الصحابة بعضهم مع بعض، وَقَعَ لِعُمَرَ وَعَلِيٍّ وابن مسعود وابن عمر وأبي موسى وعائشة ومعاذ وغيرهم. يعلم ذلك من تتبع أخبارهم، وقد أفرد ابن عبد البر لذلك فَصْلاً في كتابه "جامع بيان العلم " كما ذكرنا وما زال أهل العلم يَرُدُّ بعضهم على بعض من غير أن يكون ذلك طَعْنًا من بعضهم في صدق بعض أو دينه أو أمانته.
وقد ذكر ابن القيم في " إعلام الموقعين " وغيره كذلك أن أبا هريرة كان من المفتين من الصحابة وقد جمع بعضهم جزءاً كبيراً في فتاويه.
٧ - وبعد أن افترى أَبُو رَيَّةَ ونقل المفتريات عن الصحابة في تكذيب أبي هريرة انتقل إلى رواية غير صحيحة عن أبي حنيفّة بأنه كان لا يأخذ بأحاديث أبي هريرة.
стр. 359
ونحن نجزم قطعاً بأن هذه الرواية عن أبي حنيفة غير صحيحة، فالفقه الحنفي المأثور عن أبي حنيفة نفسه مليء بالأحكام التي لا مستند لها من الأحاديث، إلا أحاديث أبي هريرة، وأما نقله عن فقهاء الحَنَفِيَّةِ بأنهم يعتبرون أبا هريرة غير فقيه، فهذا نقل رجل لم يَشُمَّ رائحة العلم والفقه، وقد حَقَّقْنَا القول في رَدِّنَا على أحمد أمين أن فقهاء الحَنَفِيَّةِ متفقون على فقاهته إلا مثل عيسى بن أبان ومن وافقه (١).
٨ - وزعم أَبُو رَيَّةَ أن ما كان يفعله أبو هريرة - وكذلك كان يفعل غيره كأنس ومعاذ وعبد الله بن عمر - من روايتهم عن أكابر الصحابة ثم إسناد هذه الرواية إلى النَّبِيّ ﷺ أن هذا تدليس من أبي هريرة ثم ساق أقوال علماء الحديث في التدليس والمُدَلِّسِينَ.
وهذا لممري تدليس - بالمعنى اللغوي - قبيح من أَبِي رَيَّةَ!
إن رواية الصحابي عن الصحابي وإسناده إلى النَّبِيّ ﷺ لا تسمى «تدليساً» وإنما تسمى «إِرْسَالاً» وبإجماع علماء الحديث إن مُرْسَلَ الصحابي مقبول لأن الصحابي لا يروي عن صحابي، والصحابة كلهم عدول، واحتمال أن يروي الصحابي عن تابعي غير وارد ولامعقول، ولذلك قبلوا بالإجماع ما رواه الصحابي عن الرسول ﷺ ولو كان يرويه عن صحابي آخر.
فَادِّعَاءُ أَبَي رَيَّةَ أن هذا تدليس وَنَقْلِهِ ما قاله العلماء عن التدليس وَالمُدَلِّسِينَ إنما هو التدليس بمعناه الصحيح، ولئن كان التدليس في علم الحديث بمعناه المصطلح عليه عندهم لاَ يُسْقِطُ صاحبه عن رتبة العدالة ولا الثقة، وكان من المُدَلِّسِينَ كبار أئمة الحديث، فإن تدليس أَبِي رَيَّةَ يسقطه عن رتبة «العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ» وينتزع الثقة بفهمه بعد انتزاع الثقة بأمانتة .. وهكذا يتهافت المُبْطِلُ ويكثر عثاره ..
وما نقله عن شُعْبَةَ نَصٌّ مُحَرَّفٌ في الطباعة ولا يمكن أن يكون أصله صحيحاً
стр. 360
ولم يرد عن إمام من أئمة انحديث ويستبعد أن يقوله طالب علم مبتدئ فضلاً عن إِمَامٍ كَشُعْبَةَ.
٩ - وزعم أَبُو رَيَّةَ أن أبا هريرة ﵁ سَوَّغَ لنفسه أن يكذب على رسول الله ﷺ بانه ما دام لا يُحِلُّ حَرَاماً ولا يُحَرِّمُ حلالاً فإنه لا بأس بذلك، واستشهد لزعمه هذا بأحاديث رُوِيَتْ عن أبي هريرة مرفوعة إلى النَّبِيّ ﷺ مثل: «إِذَا لَمْ تُحِلُّوا حَرَامًا، وَلَمْ تُحَرِّمُوا حَلاَلاً، وَأَصَبْتُمُ الْمَعْنَى فَلاَ بَأْسَ» ومثل: «مَنْ حَدَّثَ حَدِيثًا هُوَ لِلَّهِ رِضىً، فَأَنَا قُلْتُهُ. وَإِنْ لَمْ أَكُنْ قُلْتُهُ».
ومثل هذه الأحاديث قد مَحَّصَهَا أئمة السُنّةِ وَبَيَّنُوا وَاضِعِيهَا والضعفاء من رُوَاتِهَا الذين نسبوها إلى أبي هريرة، ولم يصح نسبة حديث واحد منها إلى أبي هريرة، فما ذنب أبي هريرة إِذاً، وهل إذا كُذِبَ على إنسان بشيء ما يكون من التحقيق العلمي أن يسند هذا القول المكذوب إلى الذي كُذِبَ عليه!
ومن الغريب أنه نسب إلى ابن حزم في كتاب " الإحكام " حَدِيثًا من هذا القبيل بَيَّنَ ابن حزم نفسه أنه موضوع وَشَنَّعَ على من وضعه وقد تحدثنا عنه في فصل سابق، فماذا نسمي صنيع أَبِي رَيَّةَ إلا أن يكون تضليلاً للقارىءغير العَالِمِ بالحديث ليغتر به ولو كان من كبار الأدباء؟!
١٠ - وزعم أَبُو رَيَّةَ أن أبا هريرة كان يأخذ من كعب الأحبار الحديث ثم ينسبه إلى النَّبِيّ ﷺ . وهذه دعوى فاجرة لم يستطع أن يجد لها دليلاً سوى التخيل وتحريف نصوص العلماء على دأبه وعادته.
فقد ذكر أن علماء الحديث ذكروا من رواية الأكابر عن الأصاغر رواية أبي هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس وغيرهم عن كعب.
وعبارته تفيد أنهم رَوَوْا عن كعب حديث رسول الله ﷺ .
وهذا كذب مضحك لأن كعباً لم يدرك الرسول ﵇ فلا يعقل أَنْ يَرْوِي
стр. 361
صحابة الرسول أحاديثه عمن لم يدركه، وإنما يذكر ذلك في بيان أخذهم عن كعب - وغيره من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا - أخبار الأمم الماضية وتواريخها. وقد صَحَّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ» فتُرْوَى أَخْبَارُهُمْ على جهة العِظَةِ والاعتبار لا على أنها حاكمة على ما جاء في القرآن أو مهيمنة، بل أخبار القرآن هي الحاكمة والمهيمنة ..
وذكر أَبُو رَيَّةَ ثناء كعب على أبي هريرة بأنه يعلم ما في التوراة مع أنه لم يقرأها وهذا إن صح، فلا شيء فيه، لأن كثيراً من الناس يستمعون الأخبار من المجالس والندوات دُونَ أن يقرؤوا الكتب.
وهكذا استمر أَبُو رَيَّةَ في عرض أدلته «العلمية» التي يحاول فيها أن يوقع في ذهن القارىء أن أبا هريرة كان يسمع من كعب، ثم ينسب ما سمعه إلى رسول الله ﷺ .
وطالب العلم يعلم تفاهة ما كتب في هذا الموضوع.
ومن أطرف أدلته التي أوردها في مكان آخر ما رواه " مسلم " عن بُسْرٍ (١) «اتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ، فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نُجَالِسُ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَيُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَيُحَدِّثُنَا عَنْ كَعْبٍ (الأحبار)، ثُمَّ يَقُومُ، فَأَسْمَعُ بَعْضَ مَنْ كَانَ مَعَنَا يَجْعَلُ حَدِيثَ رَسُولِ اللهِ عَنْ كَعْبٍ، وَيَجْعَلُ حَدِيْثَ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (*)، فَاتَّقُوا اللهَ، وَتَحَفَّظُوا [مِنَ] الحَدِيثِ.
أي قارئ يفهم العبارة العربية يمكن أن يفهم من هذا النص طعناً في أبي هريرة أو اتهاماً له بأنه كان يُحَدِّثُ بما سمعه عن كعب وينسبه إلى رسول الله ﷺ ؟
стр. 362
إن بُسْر بن سعيد صاحب هذا الخبر يتحدث عن قوم كانوا يستمعون إلى أبي هريرة فيخلطون بين حديثه عن الرسول وحديثه عن كعب، فالذي كان ينسب حديث كعب إلى الرسول هُمْ بعض الذين كانوا يستمعون إلى أبي هريرة، لا أبو هريرة نفسه ـ ولكن شيخ التحقيق العلمي الذي لم ينسج أحد من قبل على منواله! .. ذكره دليلاً على كذب أبي هريرة فيما يرويه عن رسول الله وأنه كان يسمع من كعب ثم ينسب ذلك إلى الرسول، أترى هذا قلة فهم؟ أم قلة دين وقلة حياء من الله ومن التاريخ ومن قرائه الأذكياء؟
ومن مغالطات أَبِي رَيَّةَ في هذا الموضوع ما نقله من " صحيح مسلم " عن أبي هريرة حَدِيثًا مرفوعا إلى النَّبِيّ ﷺ في خلق الأرض والسماوات ويقول أبو هريرة في أوله: «أَخَذَ رَسُولُ اللهِ [ ﷺ ] بِيَدِي، ثم ينقل عن " البخاري" و" ابن كثير " أن أبا هريرة تلقى هذا الحديث عن كعب. وهنا يظن أَبُو رَيَّةَ أنه أمسك بشيء وأنه أوقع جمهور المُسْلِمِينَ، الذين يثقون بأبي هريرة في ورطة ما بعدها ورطة، ولو كان على شيء من العلم والفهم للنصوص لعلم أن البخاري وابن كثير لا يريدان الحُكْمَ على أبي هريرة بالكذب ونسبته حديث كعب إلى رسول الله ﷺ فما كانا لِيَجْرَآ على الله وحاشاهما أن تبلغ بهما قلة الدين إلى هذا المنحدر الذي وصل إليه أَبُو رَيَّةَ وقد أسمعناك فيما مضى ثناء كل منهما على أبي هريرة واعترافهما له بالصدق والورع والأمانة في العلم والدين - ولكنهما حُكْمًا على الرواية التي أوردها " مسلم " في " صحيحه " بالخطأ في نسبة رفع هذا الحديث إلى رسول الله عن أبي هريرة والخطأ ناشئ من رُوَاةِ الحديث ولا دخل لأبي هريرة فيه، وبذلك تنطق عبارة البخاري في "تاريخه " وابن كثير في " تفسيره "، وقد أفاض في هذا الموضوع العلامة المعلَّمي اليماني في كتابه " الأنوار الكاشفة " (١) بما يشرح صدور المُحَقِّقِينَ ولا يزيد الحانقين - كأَبِي رَيَّةَ - إلا غيظاً وكمداً.
عَاشِرًا: تَشَيُّعُهُ لِبَنِي أُمَيَّةَ:
جمع أَبُو رَيَّةَ في هذا الموضوع كل شتائم كتب الشيعة في أبي هريرة، وظن
стр. 363
أنه حصل على شيء، وزعم أنه أتى بما لم يات به الأوائل ولم ينسج على منواله ناسج ....
ولذلك لم يتورع في سبيل الهوى الذي تملك قلبه وهو بُغْضُ أبي هريرة أن ينقل عنهم سَبَّ كبار الصحابة واتهام كثير منهم بالكذب على رسول الله إرضاء لمعاوية إلى ما هنالك من الأكاذيب المنتنة.
ونحن في عصر لا نستسيغ فيه نبش هذه القاذورات، ونرى من يعمل على نبشها مخرباً هداماً يسعى لتفريق كلمة المُسْلِمِينَ ووحدتهم في عصر لم يبق فيه سبب للافتراق والخلاف والنزاع بين أهل السُنَّةِ وبين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية.
ولكن أَبَا رَيَّةَ ترويجاً لكتابه في أوساط الشيعة تظاهر بالتشيع واتهم كل من يتهمونهم من الصحابة والتَّابِعِينَ وأبغض كل من يبغضونهم، وهو حُرٌّ في أن يكون من شيعة عَلِيٍّ ﵁، وما كان ذلك ليخرجه عندنا عن دائرة الإسلام والعلم، لو كان عالماً حقاً، وأَبُو رَيَّةَ حُرٌّ في أن يسلك لترويج كتابه كل سبيل إلا أن يزعم «أنه جاء بدراسة جامعة قامت على قواعد التحقيق العلمي بحيث تعتبر الأولى من نوعها لم ينسج أحد من قبل على منوالها!».
لئن كان نبش الأكاذيب والافتراء على صحابة رسول الله واعتماد الكتب التي لم يعرف مؤلفوها بالصدق ولا بالتمحيص في الرواية، أو التي عُرِفَ مؤلفوها بالبغض القاتل لأبي هريرة، لئن كان هذا هو التحقيق العلمي الذي لم ينسج أحد على منواله فليهنأ أَبُو رَيَّةَ بعلمه وتحقيقه، وما نظن أن كرام إخواننا من عقلاء الشيعة يجدون في مثل هذا الرجل تثبيتاً لحق بين متنازعين، أو تَأْيِيدًا لهم ضد إخوانهم أَهْلِ السُنَّةِ، وإن الجاهل الأحمق المغرور لَيَجُرُّ من الأذى على نفسه وعلى أصدقائه ما يكون بَلاَءً يستعاذ بالله منه، وَشَرًّا يبتعد الأخيار عن اللصوق به، وقديما جاء
стр. 364
في الأثر «ذُو الوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا» (١) ولن يكون عند الذين يحترمون أنفسهم وَجِيهًا ..
والقعيدة التي ندين الله بها أن أبا هريرة كان مُحبًّا لآل بيت رسول الله ﷺ روى في فضائل الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ أكثر من حديث، واصطدم مع مروان بن الحكم في المدينة يوم أراد المُسْلِمُونَ دفن الحسن مع جده رسول الله ﷺ وبذلك كانت بينهما وحشة استمرت إلى قرب وفاة أبي هريرة كما يعلم مِمَّا ذكرناه في هذا الكتاب وكان أبو هريرة مِمَّنْ نصر عثمان يوم الدار كما نصره عَلِيٌّ وابنه الحَسَنَ وَالحُسَيْنُ، ولكنه مع هذا كان منصرفاً إلى بث السُنَّةِ وخدمة العلم، أبى أن يخوض الفتنة التي وقعت بين عَلِيٌّ ومعاوية كما أبى أن يخوضها عدد من كبار الصحابة، ضناً منهم بأن يشاركوا في سفك دماء المُسْلِمِينَ واجْتِهَادًا منهم بأن الحياد بين الفريقين أرضى لله وأبرأ للذمة. هذا هو موقف أبي هريرة وما عدا ذلك فَدَسٌّ وَافْتِرَاءٌ وَتَعَصُّبٌ كان يمليه الهوى والشعوبية فيما مضى، فأصبح يمليه النفاق والجهل وسوء العقيدة الآن.
كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ -:
يتضح لنا مِمَّا ذكرناه في هذا الفصل عن أبي هريرة ﵁ من النصوص الثابتة عند أئمة الحديث وثقات المُؤَرِّخِينَ الحقائق التالية:
أولاً - أنه كان أكثر صحابي روى الحديث عن رسول الله ﷺ ، وأنه منذ أسلم وصحب رسول الله ﷺ عَنِيَ بحفظ حديثه وتتبع أخباره التي كانت قبل هجرته إليه، وما زال يتتبع حديثه من أقرانه من الصحابة حتى أحاط بثروة من الحديت لم تجتمع لصحابي قط.
ومع ما أثارت بعض أحاديثه من «استغراب» بعض الصحابة الذين لم يطلعوا
стр. 365
على تلك الأحاديث، ومن استغراب بعض الناس! «كثرة»، أحاديثه أول الأمر، فقد اعترفوا له أخيراً أنه أحفظهم للحديث وَأَرْوَاهُمْ لَهُ، ولم يَشُكُّوا أبداً في صدقه وفي أحاديثه.
ونذكر هنا على سبيل المثال حادثتين وقعتا له مع من استغرب بعض أحاديثه من الصحابة، وقد ذكرنا من قبل جوابه لعائشة أم المؤمنين جواباً أقنعها وأرضاها.
١ - أخرج ابن سعد في " طبقاته " (١) عن الوليد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ حَدَّثَ عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ بالحديث: «مَنْ شَهِدَ جَنَازَةً ... فَلَهُ قِيرَاطٌ» فقال ابن عمر: «انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ بِهِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! فَإِنَّكَ تُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ »، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَىَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: «أَخْبِرِيهِ كَيْفَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ». فَصَدَّقَتْ أَبَا هُرَيْرَةَ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! وَالْلَّهِ مَا كَانَ يَشْغَلُنِي عَنْ النَّبِيِّ ﷺ غَرْسُ الْوَدِيِّ وَلاَ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَنْتَ أَعْلَمُنَا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَسُولِ الْلَّهِ ﷺ ، وَأَحْفَظُنَا لِحَدِيثِهِ.
٢ - وأخرج ابن كثير في " تاريخه " (٢) عَنْ أَبِي اليسر بْنِ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا نَدْرِي هَذَا الْيَمَانِيُّ (أَبَا هُرَيْرَةَ) أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكُمْ؟ أَمْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ يَسْمَعْ أَوْ مَا لَمْ يَقُلْ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: «وَاللَّهِ مَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مَا لَمْ نَسْمَعْ، وَعَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، إِنَّا كُنَّا قَوْمًا أَغْنِيَاءَ، لَنَا [بُيُوتَاتٌ] وَأَهْلُونَ، وَكُنَّا نَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ ثُمَّ نَرْجِعُ، وَكَانَ هُوَ (أَبُو هُرَيْرَةَ) مِسْكِينًا لاَ مَالَ لَهُ وَلاَ أَهْلَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ يَدُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ، فَمَا نَشُكُّ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا لَمْ نَعْلَمْ، وَسَمِعَ مَا لَمْ نَسْمَعْ»، قال ابن كثير: «وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بْنحْوِهِ». اهـ.
стр. 366
فهاتان الحادثتان المنقولتان نقلاً موثوقاً عند أهل العلم تقطع أَلْسِنَةَ الذين يلوكون ألسنتهم بِاتِّهَامِ أبي هريرة منذ عهد النَظَّامِ حتى أَبِي رَيَّةَ ...
ثانياً - أنه استمر في تحديثه حتى تُوُفِّيَ سَنَةَ ٥٨ أو ٥٩ أو ٦٠ على اختلاف الروايات والصحابة متوافرون، والمُسْلِمُونَ أيقاظ، والدولة الإسلامية في قُوَّتِهَا وعظمتها، وعلماء المُسْلِمِينَ يَلْتَفُّونَ حول هذا الصحابي الجليل، يحسب كل واحد منهم من الشرق أَنْ يَلْقَى أبا هريرة ويأخذ عنه، حتى من الشرف الذي نال سيد التَّابِعِينَ وعالمهم بلا منازع سعيد بن المسيب أن تزوج بنت أبي هريرة ولازمه حتى تُوُفِّيَ، وبذلك بلغ الآخذون عنه من الصحابة والتَّابِعِينَ ثمانمائة من أهل العلم كما قدمناه عن " البخاري "، وهو عدد لم يبلغ عُشْرَهُ الآخذون عن أي صحابي آخر، وفي هذا ما يقنع الذين يريدون الحق ويستجيبون لوحي ضمائرهم بأن أبا هريرة كان في المحيط الذي يعيش فيه، وبين من يعرفونه من الصحابة والتَّابِعِينَ في الذروة العليا من الصدق يعلو عن الشك والريبة ووساوس المُرْجِفِينَ.
والذي يعرف ما كان عليه ذلك الجيل الممتاز من صحابة رسول الله والتَّابِعِينَ من صدق اللهجة، ونصرة الحق، وخذلان الباطل، وإنكار المنكر، والوقوف في وجه المبتدعين والمحاولين لتحريف الدين، والشدة على من انحرف، عن سُنَّةِ الرسول ﷺ في قول أو عمل، يجزم بأنهم لم يكونوا ليسكتوا عن أبي هريرة لو كان عندهم أدنى شك في صدقه، كيف وهو ليس ذا سلطان، وليس ذا جاه ونفوذ، فما الذي كان يمنعهم من الإنكار عليه ومنعه من التحديث عن رسول الله ﷺ لو كانوا شَاكِّينَ في صدقه، وَهُمْ الذين كانوا يصدعون بالحق في وجوه الخلفاء والأمراء؟
ثالثاً - ورأيت كيف جابه مروان بن الحكم في قضية دفن الحسن مع جده المصطفى ﷺ ، ومروان والي المدينة، وهو أُمَوِيٌّ والدولة يومئذ للأمويين، ومع ذلك فقد غضب أبو هريرة لتدخل مروان في منع دفن الحَسَنِ عند الرسول ﵇، وقال: «تَدَخَّلُ فِيمَا لاَ يَعْنِيكَ»! .. ولما أراد أن يتخذ مروان من إكثار أبي هريرة للحديث سبيلاً إلى إسكاته، أجابه ذلك الجواب الصريح
стр. 367
العنيف، فهل ترى ذلك جواب رجل يَكْذِبُ على رسول الله، مُتَّهَمٌ في دينه وإسلامه، متشيع لبني أمية كما حاول أَبُو رَيَّةَ أن يصوره؟ أم هو الرجل الواثق من دينه وإسلامه وهجرته إلى رسول الله وحديثه عن رسول الله، حتى تمنى مروان أن لم يكن قد تحرش بأبي هريرة!
رابعاً - أَنَّهُ كَانَ مَعَ عِلْمِهِ وَبَثِّهِ لِسُنَّةِ رسول الله ﷺ عابداً زاهداً، كثير الذكر والصلاة الاستغفار، فقد أخرج ابن كثير في " تاريخه " (١) عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ «أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُومُ ثُلُثَ اللَّيْلِ، وَامْرَأَتُهُ ثُلُثَهُ، وَابْنُهُ ثُلُثَهُ يَقُومُ هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا، ثُمَّ يُوقِظُ هَذَا هَذَا». وأخرج أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَوْلَهُ: «إِنِّي أُجَزِّئُ اللَّيْلَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ: فَجُزْءٌ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَجُزْءٌ أَنَامُ فِيهِ، وَجُزْءٌ أَتَذَكَّرُ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
وَأَخْرَجَ أَيْضًا أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: «كَانَ لأَبِي هُرَيْرَةَ مَسْجِدٌ فِي مُخْدَعِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي بَيْتِهِ، وَمَسْجِدٌ فِي حُجْرَتِهِ، وَمَسْجِدٌ عَلَى بَابِ دَارِهِ، إِذَا خَرَجَ صَلَّى فِيهَا
[جَمِيعِهَا]، وَإِذَا دَخَلَ صَلَّى فِيهَا [جَمِيعِهَا]».
وَعَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، وَيَقُولُ: " أُسَبِّحُ عَلَى قَدْرِ [دِيَتِي] " وهذا لعمري منتهى العبادة والمراقبة لله .
وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ قَالَ: «كَانَتْ لأَبِي هُرَيْرَةَ صَيْحَتَانِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، أَوَّلَ النَّهَارِ يَقُولُ: " ذَهَبَ اللَّيْلُ وَجَاءَ النَّهَارُ، وَعُرِضَ آلُ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّارِ ". وَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ يَقُولُ: " ذَهَبَ النَّهَارُ وَجَاءَ اللَّيْلُ، وَعُرِضَ آلُ فِرْعَوْنَ عَلَى النَّارِ ". فَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ صَوْتَهُ إِلاَّ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ».
وكان يقول: «لاَ تَغْبِطَنَّ فَاجِرًا بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ طَالِبًا حَثِيثًا طَلَبُهُ؛ ﴿جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ (٢)».
وَرَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي سُجُودِهِ أَنْ يَزْنِيَ أَوْ يَسْرِقَ أَوْ يَكْفُرَ أَوْ يَعْمَلَ بِكَبِيرَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: أَتَخَافُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «مَا يُؤَمِّنُنِي وَإِبْلِيسُ حَيٌّ، وَمُصَرِّفُ الْقُلُوبِ يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ؟».
стр. 368
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: «قُلْتُ لأَبِي هُرَيْرَةَ: كَيْفَ تَصُومُ؟» قَالَ: «أَصُومُ أَوَّلَ الشَّهْرِ ثَلاَثًا، فَإِنْ حَدَثَ بِي حَدَثٌ كَانَ لِي أَجْرُ شَهْرِي».
وَكَانَتْ لأَبِي هُرَيْرَةَ زِنْجِيَّةٌ قَدْ غَمَّتْهُمْ بِعَمَلِهَا، فَرَفَعَ عَلَيْهَا يَوْمًا [السَّوْطَ]، ثُمَّ قَالَ
: «لَوْلاَ القِصَاصُ يَوْمَ القِيَامَةِ لأَغْشَيْتُكِ بِهِ، وَلَكِنِّي سَأَبِيعُكِ مِمَّنْ يُوَفِّينِي ثَمَنَكِ أَحْوَجَ مَا أَكُونُ إِلَيْهِ، اذْهَبِي فَأَنْتِ حُرَّةٌ للهِ ».
وحسبك دليلاً على ما كان يتمتع به من صلاح وتقوى في نظر القوم أنه كان وابن عمر هما اللذان يُكبِّرَانِ في مِنَى أيام العيد فَيُكَبِّرُ الناس بتكبيرهما، وأنه كان هو الذي صلى على عائشة أم المؤمنين ﵄، وفي رواية أنه صلى أيضاًً على أم سلمة أم المومنين ﵂.
وَلِمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بَكَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: «مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى بُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي، وَإِنِّي أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مُهْبِطٍ عَلَى جَنَّةٍ وَنَارٍ، لاَ أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا يُؤْخَذُ بِي!».
أفترى هذه العبادة والصلاة والتسبيح والوعظ والبكاء وعتق الرقاب والخوف من الله وشدة مراقبته يتأتى ذلك كله من نفس تستبيح كبرى الكبائر في الإسلام وهي الكذب على رسول الله ﷺ ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
خامساً - وكان مع هذا كله مُقِلاًّ من الدنيا يتصدق بما يصل إلى يده من مال.
قَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ: بَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ بَعَثَ إِلَيْهِ: إِنِّي غَلِطْتُ وَلَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «قَدْ أَخْرَجْتُهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي فَخُذْهَا مِنْهُ». وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ مَرْوَانُ اخْتِبَارَهُ (١).
ودَعْكَ من قول أَبِي رَيَّةَ أنه كان له «قصر» بالعقيق، وقصر بكذا. فهذا من تحريفه الذي لا يخاف الله منه، وإنما الرواية في " ابن الأثير ": «وكانت وفاته في
стр. 369
«داره» بالعقيق (١) و «الدار»، لا تدل على ثراء ولا على سعة، فلقد كان لأكثر الصحابة، بل لكل صحابي دار، وما جرؤ أحد أن يقول: أنهم كانت لهم «قصور»! .. نعوذ بالله من تحريف الكلم عن مواضعه.
سادساً - لم يكد يمضي عصر الصحابة وكبار التَّابِعِينَ حتى كانت أحاديث أبي هريرة محل عناية أئمة الحديث، ينقدونها، فَيُبَيِّنُونَ ما صَحَّ منها، وينفون ما لم يصح، ويذكرون ما فيه ضعف أو وَهَنٍ، واحتلت أحاديث أبي هريرة الصحيحة صدور مُدَوَّنَاتِ السُنَّةِ ومسانيدها، لم يشذ عن ذلك أحد قبل أن يأتي النَظَّامُ وَالإِسْكَافِي ومن معهما من شيوخ المعتزلة، وَالإِسْكَافِي ومن سبقه من شيوخ الشِيعَةِ.
سابعاً - وكانت أحاديث أبي هريرة التي صحت عنه محل عناية الفقهاء وأئمة الاجتهاد في مختلف أمصار الإسلام، إذا صح الحديث منها لم يكن لأحد كلام معه إلا ما روي عن إبراهيم النخعي وبعض علماء الكوفة من شيوخ مدرسة الرأي الذين لهم شروط معروفة في الأخذ بأحاديث الآحاد، ولم يوافقهم على ذلك جمهور فقهاء الأمصار، حتى أبو حنيفة الذي توجت به مدرسة العراق لم يصح عنه أنه وقف من أحاديث أبي هريرة موقف إبراهيم النخعي ومن سار على رأيه، بل يعمل بها متى صحت واستوفت شرائط الصحة عنده - وهي شروط مبعثها الاجتهاد والاحتياط في أمر الرُوَاةِ غير الصحابة لا في أمر واحد من الصحابة، ومن زعم غير ذلك فهو مفترٍ كَذَّابٌ، يُكَذِّبُهُ مذهب أبي حنيفة نفسه وهو مُدَوَّنٌ مشهور.
ثامناً - كان أول من أظهر الطعن بأبي هريرة بعض شيوخ المعتزلة كالنظَّام، ولهم موقف من أكثر صحابة الرسول، لا من أبي هريرة وحده، ولهم موقف مِنَ السُنَّةِ استباحوا به أن يُكَذِّبُوا بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة عند الجمهور، وإنما أتوا من سلطان الفلسفة اليونانية على عقولهم حيث قاسوا بها الدين، وكل ما ورد منه، ولولا الخوف من الجماهير لنقدوا القرآن نفسه. فإن فيه ما لا تستسيغه
стр. 370
عقولهم اليونانية مثل ما في الحديث، ومع هذا فقد تَأَوَّلُوا القرآن بما يتفق مع عقليتهم، لقد ظنوا أن فلسفة اليونان هي الحق الذي لا باطل معه، ويستطيع الآن أقل طالب في المدارس الثانوية أن يجيبهم على هذا التأليه المضحك للفلسفة اليونانية! .. وإن زعم أَبُو رَيَّةَ أنهم أصحاب العقول الراجحة! أي كعقله تماماً ..
وأما الشِيعَةُ فإنهم لم يقفوا من أبي هريرة وحده ذلك الموقف بل وقفوا من صحابة رسول الله جميعاً إلا نَفَرًا قليلاً يعد بالأصابع، موقف العداء والبغض والذم ووصل الأمر بأكثر فرقهم إلى تكفير جمهور الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر وسعد وخالد وغيرهم مِمَّنْ أسعد الله الإنسانية بنقل هداية الإسلام على أيديهم ..
وَهُمْ في هذا الموقف متفقون مع أصولهم التي التزموها، وهي بغض كل من لم يُسَلِّمْ لِعَلِيٍّ ﵁ بإمارة المؤمنين بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولذلك لما أجمع الصحابة على تولية أبي بكر ﵁ الخلافة مقتوهم جميعاً، واعتبروهم متآمرين على مخالفة وصية رسولهم ﷺ حيث أوصى - في زعمهم - لِعَلِيٍّ بالخلافة من بعده، ولا نطيل في هذا القول وليس هو من بحثنا ولكنا نريد أن نقول لأَبِي رَيَّةَ: لئن اتفقت أهواؤه مع آرائهم في أبي هريرة، فإنهم لا يفردون أبا هريرة بهذه النقمة، ولكنهم يخصون أبا بكر وعمر بقسط أكبر منها ويحكون عنهما من الأقاصيص أبشع مِمَّا يحكونه عن أبي هريرة وهي التي اعتبرها أَبُو رَيَّةَ من المستندات العلمية التي يصح الاعتماد عليها، ويلزمه من ذلك أن يلتزم بكل ما جاء في كتبهم في حق الصحابة وهو معلوم معروف، وليس من المصلحة الإسلامية إثارة هذا الموضوع في هذه الظروف التي تقتضي وحدة كلمة المُسْلِمِينَ ونسيان الماضي الذي لا يَدَ لنا فيه، ولولا موقف أَبِي رَيَّةَ لما تعرضنا لهذا البحث الذي اضطررنا إليه رَدًّا لمفترياته وأضاليله التي زعم أنها هي لـ «التحقيق العلمي الذي لم يسبق إليه»!.
هذه كلمة مجملة فيها حقائق لا تنقض عن حياة أبي هريرة ﵁ ومكانتة العلمية في نفوس الذين عاشروه من الصحابة والتَّابِعِينَ، وفي نفوس الجماهير من أئمة الحديث وعلماء الإسلام خلال أربعة عشر قرناً ..
стр. 371
ونرى أن نختم هذه الكلمة بكلمة للعلاَّمة المُحَقِّقُ المرحوم الشيخ أحمد محمد شاكر، قَالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في أوائل مسند أبي هريرة من " مسند الإمام أحمد " (١): وقد لهج أعداء السُنّةِ، أعداء الإسلام، في عصرنا، وشغفوا بالطعن في أبي هريرة، وتشكيك الناس في صدقه وفي روايته، وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا- زعموا- إلى تشكيك الناس في الإسلام تبعاً لسادتهم المُبَشِّرِينَ، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقراَن، أو الأخذ بما صح من الحديث في رأيهم وما صح من الحديث في رأيهم إلا ما وافق أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوروبة وشرائعها، ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ في اللغة التي نزل بها القراَن ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون؟!
وما كانوا بأول من حارب الإسلام في هذا الباب، ولهم في ذلك سلف من أهل الأهواء قَدِيمًا، والإسلام يسير في طريقه قدماً، وهم يصيحون ما شاؤوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لايشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً.
ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون، بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين، أكثرهم مِمَّنْ أضله الله على علم! وأما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها يقلدون في الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم.
ولقد رأيت الحاكم أبا عبد الله، المتوفي سنة ٤٠٥ هـ، حكى في كتابه " المستدرك " (٣/ ٥١٣) كلام شيخ شيوخه، إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١١ هـ) في الرد على من تكلم في أبي هريرة، فكأنما هو يرد على أهل عصرنا هؤلاء، وهذا نص كلامه:
«وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِدَفْعِ أَخْبَارِهِ، مَنْ قَدْ أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ، فَلاَ يَفْهَمُونَ مَعَانَي الأَخْبَارِ
стр. 372
- إِمَّا مُعَطِّلٌ جَهْمِيٌّ يَسْمَعُ أَخْبَارَهُ الَّتِي يَرَوْنَهَا خِلاَفَ مَذْهَبِهِمْ - الَّذِي هُوَ كَفْرٌ - فَيَشْتُمُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لاَ تَثْبُتُ بِهَا الْحُجَّةُ؟
- وَإِمَّا خَارِجِيٌّ، يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلاَ يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ، وَلاَ إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَ مَذْهَبِهِمْ الَّذِي هُوَ ضَلاَلٌ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الْوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ!.
- أَوْ قَدَرِيٌّ اعْتَزَلَ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَكَفَّرَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الأَقْدَارَ المَاضِيَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَضَاهَا قَبْلَ كَسْبِ الْعِبَادِ لَهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي قَدْ رَوَاهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ لَمْ يَجِدْ بِحُجَّةٍ تُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَقَالَتِهِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَشِرْكٌ، كَانَتْ حُجَّتُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا!.
- أَوْ جَاهِلٌ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ وَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ مَنْ قَدِ اجْتَبَى مَذْهَبَهُ، واخْتَارَهُ تَقْلِيدًا بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ تَكَلَّمَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَفَعَ أَخْبَارَهُ الَّتِي تُخَالِفُ مَذْهَبَهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الْفَرَقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا أَنَا ذَاكِرٌ بَعْضُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ... ».
ثم أخذ ابن خزيمة ﵀ يذكر بعض الأحاديث التي استشكلت من أحاديث أبي هريرة، ثم يجيب عنها.
هذه كلمة الحق في أبي هريرة وأحاديثه، وهذا مِمَّا ذهب إليه أئمة الهدى وأعلام الدين، وكبار فقهاء الإسلام ومتشرعيه. وبيدهم الحُجَّة، وبألسنتم المنطق، ومعهم التاريخ الصحيح ووسيلتهم البحث العلمي الهادي الرصين.
كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ فِي «أَبِي رَيَّةَ» وَكِتَابِهِ:
حين كتبت مقدمة الطبع لهذا الكتاب وتحدثت عن كتاب «أَبِي رَيَّةَ» كنت
стр. 373
قد ألقيت نظرة سريعة على كتابه فكتبت ما كتبت، ولكني بعد أن تدبرت ما كتبه عن أبي هريرة، وناقشت ما ساقه من نصوص و «حكايات» أستطيع أن أجزم بالحقائق التالية:
أولاً - إن الرجل غير موثوق فيما ينقل، فكثيراً ما يريد في النص الذي ينقده كلمة يفسد بها المعنى، لينسجم النص مع ما يريد، دُونَ ما يريد صاحبه، وكثيراً ما ينقص كلمة، وكثيراً ما يسند القول إلى غير صاحبه تضليلاً وتمويهاً، وقد مر بنا أمثلة من ذلك خلال مناقشته لما كتبه عن أبي هريرة، ونحن نضع الآن بعض هذه الأمثلة أمام القارىء ليتأكد من «أمانة» هذا الرجل، و «تحقيقه العلمي»!
١ - يقول (١) عن عبد الله بن عمرو ﵁:
«وكان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس " عَنْ النَّبِيِّ"» ثم نسب هذا القول إلى ابن حجر في " فتح الباري " ص ١٦٦ ج ١، وعبارته في " الفتح " ليس فيها «عَنْ النَّبِيِّ» وإنما زادها أَبُو رَيَّةَ ونسبها إلى الحافظ ابن حجر ليؤكد للقارىء الشك في أحاديث صحابة رسول الله ﷺ الذين كان بعضهم يستمع إلى مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ يتحدثون عن أخبار الأمم الماضية، فمنهم من كان ينقلها عنهم على أنها قصص متعلقة بالماضين، ولكن أَبَا رَيَّةَ يتهمهم بأنهم كانوا " ينسبونها " إلى النَّبِيّ ﷺ ! .. ولم يكتف بذلك البهتان حتى نسبه إلى الحافظ ابن حجر وهو لم يقله قط ولا يقوله مسلم يعرف ما كان عليه هذا الجيل الفذ في تاريخ الإنسانية من صدق اللهجة واستقامة الدين ووقوف عند حدود الله فيما أمر ونهى، وهم يعلمون أن الله لعن الكَاذِبِينَ ومقتهم، وليس أَقَرَّ لعيون أعداء الله والإسلام من أَنْ يُرْمُوا بما رماهم به «أَبُو رَيَّةَ».
٢ - ونقل (٢) عن ابن كثير في " البداية والنهاية " ٨/ ٢٠٦ أن عمر - رضي الله
стр. 374
عنه قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وعبارة ابن كثير: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) ... » وليس فيها «عَنْ رَسُولِ اللهِ» ولكن " أمانة " أَبِي رَيَّةَ أجازت له تحريف هذا النص ليثبت ما ادَّعَاهُ من أن كعبا كان يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ وأن الصحابة كانوا يأخذون عنه الحديث، وهذه الفرية دسها المُسْتَشْرِقُونَ اليهود أمثال «جولدتسيهر» لِيَدَّعُوا تأثير اليهودية في الدين الإسلامي! .. فتلقفها منهم «المُحَقِّقُ العِلْمِيُّ» أَبُو رَيَّةَ، وتبرع لهم بإثبات الأدلة عن طريق «التزوير»! ..
٣ - ونقل (١) عن " البداية والنهاية " لابن كثير: ٨/ ١٠٦ أَنَّ عُمَرَ ﵁ هَدَّدَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِتَرْكِ الحَدِيثِ أَوْ لَيُلْحِقَنَّهُ بِأَرْضِ دَوْسٍ «أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وهذه الزيادة «أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» من مفتريات أَبِي رَيَّةَ على عمر وابن كثير معاً .. وإنما قالها عمر لكعب كما مَرَّ يُهَدِّدُهُ فِي تَرْكِ الحَدِيثِ عَنْ «الأُوَلِ» أي الأمم الماضية - كما نقل ذلك ابن كثير.
٤ - نقل أَبُو رَيَّةَ في عدة مواضع من بحثه عن أبي هريرة نصوصاً في تكذيب عمر وعثمان وَعَلِيٍّ وعائشة وغيرهم لأبي هريرة، ثم نسبها إلى ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " وترجم أَبُو رَيَّةَ لابن قتيبة في هامش كتابه بأنه كان لأهل السُنَّةِ كالجاحظ للمعتزلة في قوة البيان وَالحُجَّةِ، وقصده من ذلك تأكيد تضليل القارىء بأن رجلا كابن قتيبة له مكانته بين أهل السُنَّةِ يطعن في أبي هريرة هذا الطعن، دليل على صحة ما يذهب إليه أَبُو رَيَّةَ من تكذيب أبي هريرة فيما يرويه عن رسول الله ﷺ .
مع أن ابن قتيبة ألَّف كتابه " تأويل مختلف الحديث " للرد على من طعن في أئمة الحديث منذ الصحابة حتى عصره، وأخبر أنهم هم رؤساء الاعتزال كالنظَّام وأمثاله وآخرين. ثم ساق ابن قتيبة شتائم النظام لأبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ
стр. 375
وابن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من كبار الصحابة، ثم كَرَّ بالرد عليه وتفنيد ما قال عن كل واحد من هؤلاء.
فأخذ «أَبُو رَيَّةَ» ما قاله النظَّام في أبي هريرة ونسبه إلى ابن قتيبة وتعامى عن رَدِّ ابن قتيبة على النظَّام، وهكذا تكون «الأمانة العلمية» عند هذا «المُحَقِّقِ العِلْمِيِّ»! ..
٥ - ونقل (١) عن المرحوم السيد رشيد رضا كلاماً عن كعب ووهب بن منبه قال فيه: «وَمَا يُدْرِينَا أَنََّ كُلِّ الرِّوَايَاتِ - أَوْ المَوْقُوْفَةِ مِنْهَا - تَرْجِعُ إِلَيْهِمَا» مع أن العبارة: «وَمَا يُدْرِينَا أَنََّ كُلِّ (تِلْكَ) الرِّوَايَاتِ ... الخ. فأسقط أَبُو رَيَّةَ كلمة «تِلْكَ»، التي أشار بها السيد رشيد ﵀ إلى مرويات كعب ووهب عن أهل الكتاب، لتجيء العبارة مُوهِمَةً بأن روايات الصحابة ترجع إليهما .. فانظر إلى هذا الدَسِّ والتلاعب في نقل النصوص لتتفق مع أهوائه وأغراضه.
هذه أمثلة لا مجال للمناقشة فبها تدل على تلاعبه في النصوص التي ينقلها ونسبتها إلى غير قائليها وأشهد أني لا أعلم أحداً من أشد المُسْتَشْرِقِينَ تَعَصُّبًا وَدَسًّا، بلغت جرأته في تحريف النصوص والتلاعب فيها كما بلغت جرأة أَبِي رَيَّةَ فماذا تقول في هذا «العلاَّمة المحقّق الأمين؟»
ثانياً - انه يستدل لفكرته التي يخالف بها جمهور العلماء بنصوص للعلماء في موضوع غير الموضوع الذي يتكلم فيه، لِيُوهِمَ القارىء أنه مؤيد فيما يقوله من العلماء الأقدمين.
ونضرب لذلك مثلاً بما زعمه من تدليس أبي هريرة، مع أن جميع العلماء متفقون على أن ما كان يصنعه أبو هريرة وغيره من الصحابة من نسبته حَدِيثًا إلى النَّبِيّ ﷺ لم يسمعه ولكنه سمعه من صحابي آخر يسمى إرسالا، وهو أمر متفق على جوازه وصحته ووقوعه من عدد من الصحابة في أبي هريرة.
ولكن أَبَا رَيَّةَ يسمي هذا العمل تدليساً ثم يذكر ما قاله العلماء مِنْ جَرْحِ
стр. 376
المدلس وسقوط اعتباره. ليصل من ذلك إلى أن ابا هريرة - بحسب القواعد التي وَضَّحَهَا هؤلاء العلماء - لايعتبر حديثه ولا يحتج به.
ومثلاً آخر: إنه يتهم أبا هريرة بالكذب، ثم ينقل نصوص العلماء في سقوط الاحتجاج بمن كذب ولو مَرَّةً واحدة على رسول الله ﷺ ، وأن بعضهم ذهب إلى تكفيره، ويريد أن يطبق ذلك على أبي هريرة .. أي أنه يأتي بمقدمة صغرى غير صحيحة، ومقدمة كبرى مُسَلَّمَةٍ، ثم يأتي بالنتيجة التي يهواها على أنه ألزم خصومه بما لا يسعهم رفضه.
لقد قال في أول بحثه: «إن أحاديث الآحاد تفيد الظن. والظن لا يغني من الحق شيئاً»، واستنتج من ذلك أن أحاديث الآحاد لا تلزمنا بشيء ..
استدل للمقدمة الصغرى بنصوص العلماء في هذا الشأن وهي صحيحة، ولكن المقدمة الكبرى غير مُسَلَّمَةٍ لأن جماهير أئمة العلم ذهبوا إلى وجوب العمل بأحاديث الآحاد، فالنتيجة التي ذكرها أَبُو رَيَّةَ غير صحيحة، ومن المعلوم أن القياس لا يكون صحيحاً مُلْزَمًا إلا إذا سلمت مقدمتاه.
هكذا شأنه في كل أبحاثه، ومن هنا أكثر من الاستشهاد بنصوص من مراجع علمية محترمة في الأوساط العلمية، لكنها لا تلتقي معه في اتجاهه، بل هي في اتجاه معاكس له تماماً، وإنما حشرها بين مراجعه لِيُمَوِّهَ بها على القُرَّاءِ البُسَطَاءِ، أو الذين لا اطَّلاَعَ لهم على هذه المباحث.
ثالثاً - أنه يسيء فهم النصوص عَمْدًا، ويتحكم في فهمها تَحُكْمًا يمليه الهوى لا البحث العلمى كما فعل في فهمه معنى قول أبي هريرة ﵁: «عَلَى مِلْءِ بَطْنِي» (١) وكما فعل في فهمه معنى قول بُسْر بن سعيد فيمن كان يحضر مجلس أبي هريرة فيجعل ما يرويه أبو هريرة عن كعب مَرْوِيًّا عن رسول الله، وما يرويه أبو هريرة عن رسول الله مَرْوِيًّا عن كعب، وقد سبق التنبيه إلى ذلك.
وهذا الأسلوب هو أسلوب المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ، وهو الذي أسقطهم من عيون المُسْتَشْرِقِينَ المُحَقِّقِينَ الذين أتوا بعدهم، وأضعف من الثقة بأبحاثهم.
стр. 377
رابعاً - إنه في سبيل تأكيد الفكرة المُسْتَوْلِيَةِ عليه يرفض نصوصاً أجمع العلماء على صحتها، من حيث يعتمد على روايات مكذوبة نص العلماء على بطلانها وعلى «حكايات» تُرْوَى في مجالس الأدب، ومن مصادر غير موثوقة في نظر العلماء وليس لها سند ولا يعرف قائلها.
وبهذا ليس عنده مانع يمنع من تكذيبه لما جاء في كل كُتُبِ السُنَّةِ الصحيحة كـ "البخاري " و"مسلم " و"السنن الأربعة " وغيرها في بسط رداء أبي هريرة ودعاء الرسول له بالحفظ، ويذهب في تكذيب هذه الرواية إلى حد السخرية والاستهزاء، في حين أنه يعتمد على ما جاء في كتاب " [حياة] الحيوان " للدميري، و" شرح ابن أبي الحديد "، و" عيون الأخبار "، و" مقامات " بديع الزمان الهمذاني!! ..
وهذا هو بعينه أسلوب أولئك المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، فافتدى بهم، حذوك النًعل بالنعل.
خامساً - اعتماده في سب أبي هريرة وتكذيبه وفي التشكيك بِالسُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا، على ما كتبه المستشرق «جولدتسيهر» و «شبرنجر» و «فون كريمر» و" دائرة المعارف الإسلامية (البريطانية) " وتفاخره بأنه يأخذ عن هؤلاء ويتلقى عنهم دروس السب والشتيمة في جلة صحابة رسول الله ﷺ !.
بل إنه كان أكثر منهم بذاءة وأطول لساناً، انظر إلى «شبرنجر» إنه يقول عن أبي هريرة: «المُتَطَرِّفُ فِي الاخْتِلاَقِ وَرَعًا».
ألا ترى أن هذا الكلام على ما فيه من نسبة الكذب إلى أبي هريرة يعتبر كالتسبيح بجانب ما أضفاه أَبُو رَيَّةَ على أبي هريرة من ألفاظ السب والشتم والهجاء المقذع حين زعم أنه كان يختلق الأحاديث لِيُرْضِي بها الأُمَوِيِّينَ.
ثم إن «شبرنجر» يعترف بأن كثيراً من الأحاديث التي تنسبها الروايات إليه إنما قد نحلت في عصر متأخر، فهو «شبرنجر» لا يُحَمِّلُ أبا هريرة وِزْرَهَا، ولكن أَبَا رَيَّةَ حَمَّلَ أبا هريرة وِزْرَ كل الروايات المكذوبة عليه واستنتج منها تلك النتائج البعيدة عن الحق.
стр. 378
وقد ذكرنا لك كيف زعم أن أبا هريرة كان يَسْتَحِلُّ الكذب على الرسول بأنه ما دام لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً فلا بأس، ثم استشهد بأحاديث رويت عنه، وقد ثبت أنها كلها موضوعة عليه كما بَيَّنَ ذلك أئمة الحديث ..
وهكذا يفوق التلميذ أستاذه .. لكن لا في الذكاء وعمق البحث والأدب، بل في شيء آخر غير هذا ..
سادساً - أنه لم يتحل بالأدب الكريم في بحثه، فكانت له الكلمات النابية التي مكانها مجالس السوقة والرعاع، لا الكتب والمؤلفات.
إنه قد ذهب في أول بحثه إلى أن الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع سواء كان عمداً أو خطأً، ثم قال: «فلعنة الله على الكَاذِبِينَ متعمِّدين أو غير متعمِّدين» هذا مع العلم بأن كبار الصحابة، وكبار المُحَدِّثِينَ، وكبار الفقهاء، وكبار العلماء، قد وقع منهم الخطأ وَالوَهْمُ إما في الرواية وإما في الفتوى وإما في رواية التاريخ، فهؤلاء جميعاً في أدب «أَبِي رَيَّةَ» قد نالتهم لعنة الله! .. ومن عدالة الله أنا أمسكنا بأَبِي رَيَّةَ مُتَلَبِّسًا بجريمة الكذب العمد كما رأيت.
ثم انظر إلى الألفاظ البذيئة التي قالها عن أبي هريرة، ثم عن معاوية، ثم عن الذين سيخالفونه في نتائج «بحثه العلمي الذي لم ينسج أحد من قبل على منواله» كيف كال لهم السباب المقذع ووصفهم بِأَحَطِّ الأوصاف والنعوت.
لقد كنت أقرأ هذا وأنا أعجب كيف يَتَفَوَّهُ إنسان يحترم نفسه بمثل هذه الكلمات، حتى حَدَّثَنِي عنه من يعرفه شخصياً ما أزال عجبي «وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالذِي فِيهِ يَنْضَحُ».
سابعاً - إنه لم يتورع خلال بحثه - ليثبت عبقريته وأنه أتى بما لم يأته الأوائل، وأنه اكتشف حقيقة أبي هريرة التي خفيت على ثمانمائة من حَمَلَةِ العِلْمِ من الصحابة والتَّابِعِينَ - من أن يَتَّهِمَ الصحابة - وفيهم عمر- بالغفلة والسذاجة، حيث سمحوا لِمُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ الذين أسلموا لِيَدُسُّوا على الإسلام، أَنْ يَكْذِبُوا على الرسول، ثم نقلوا عنهم هذا الكذب، من غير أن يُؤْتُوا ذَرَّةً من الفطنة التي أوتيها أَبُو رَيَّةَ فيعلموا أن هؤلاء مَدْسُوسُونَ دَسَّاسُونَ، بَلْ خُدِعُوا بِهِمْ وَنَقَلُوا عَنْهُمْ
стр. 379
وتركوهم يدسون على الدين ويفسدون عقائده أحراراً يسرحون ويمرحون، بل يُعَظَّمُونَ وَيُقَدَّسُونَ! ..
ثم اتهم الأجيال المتلاحقة من بعدهم - وفيهم عشرات الألوف من كبار العلماء والفقهاء وَالمُتَشَرِّعِينَ وَالمُحَدِّثِينَ بالغفلة وعدم التيقظ لما تيقظ له «مُحَقِّقُنَا العَلاَّمَةُ العَبْقَرِيُّ» وأنهم جميعاً فاتهم من معرفة الحقائق التي أودعها في كتابه مِمَّا كان ينبغي أن يُؤَلَّفَ فيها مثل كتابه منذ ألف سَنَةٍ! .. ولكنهم لم يفعلوا حتى قام هو بهذه المُهِمَّةِ التى سَتُغَيِّرُ وجه الدراسات العلمية من بعد ..
هذا ما قاله بلسانه وسطره بقلمه، وتكاد تلمسه في كل صفحة من صفحات كتابه. ولا تدل هذه الدعوى والغرور والتبجح إلا على شيء واحد .. على عقل صاحبها .. وسبحان مقسم الحظوظ في العقول، كما يقسم الحظوظ في الأرزاق.
ثامناً - زعم أَبُو رَيَّةَ أنه استكثر في كتابه من الأدلة التي لايرقى الشك إليها وتزيد من الشواهد التي لا ينال الضعف منها. وحسبنا أن نلمس مكان هذه الدعوى في المصادر التي استمد منها كل ما خالف رأي جماهير المُسْلِمِينَ جيلاً بعد جيل. وهي مثل هذه الكتب التي أشار إليها ونقل عنها:
" حياة الحيوان ": للدميرى.
" العُمْدَةُ ": لابن رشيق.
" شرح نهج البلاغة ": لابن أبي الحديد.
" المعارف ": لابن قتيبة.
" نهاية الأرب ": للنويري.
" البيان والتبيين ": للجاحظ.
" الحيوان ": للجاحظ.
" عيون الأخبار ": لابن قتيبة.
" رحلة " ابن جُبَيْرْ.
" الخُطَطْ ": للمقريزي.
" الفخري ": لابن طَبَاطَبَا.
стр. 380
" معجم الأدباء ": لياقوت.
" حلية الأولياء ": لأبي نعيم.
" تاريخ بغداد ": للخطيب.
تاريخ دمشق: لابن عساكر.
" تاريخ " أبي الفدا.
" النجوم الزاهرة ": لا بن تغري بردي.
" معجم الحيوان ": لمعلوف باشا.
" أبوهريرة ": لِعَبْدِ الحُسَيْن شَرَفُ الدِّينِ.
" خزانة الأدب ": لعبد القادر البغدادي.
" خاص الخاص ": للثعالبي.
" ثمار القلوب ": للثعالبي.
" الصداقة والصديق ": للتوحيدي.
" نكت الهميان في نكت العميان ": للصفدي.
" شرح لامية العجم ": للعلواني.
" تاريخ التمدن الإسلامي ": لجرجي زيدان.
" العرب قبل الإسلام ": لجرجي زيدان.
" دائرة المعارف الإسلامية " (البريطانية).
" الحضارة الإسلامية ": لكريمر.
" السيادة العربية ": لفلوتن.
" حضارة الإسلام ": لإبراهيم اليازجي.
" تاريخ العرب المطول ": لفيليب حتي، وإدوارد جرجس، وجبرائيل جبور.
" تاريخ الشعوب الإسلامية ": لبروكلمان.
" المسيحية في الإسلام ": للقس إبراهيم لوقا.
" العقيدة والشريعة في الإسلام ": لجولدتسيهر.
هذا نموذج من المصادر التي أثبتها في آخر كتابه، والتي زعم أنه أتى منها
стр. 381
بالأدلة التي لا يرقى الشك إليها، والشواهد التي لا ينال الضعف منها!! .. (١)
أما النصوص الواردة في " صحيحي " البخاري ومسلم و"مسند " الإمام أحمد و" المُوَطَّأ " و" النَّسَائِي " و" الترمذي " وَمُدَوَََّّنَاتِ السُنَّةِ المُعَتَبَرَةِ فقد كَذَّبَ منها ما شاء، لأنها يرقى إليها الشك وينال منها الضعف ..
" البُخَارِي " يُشَكُّ في نصوصه، أما الإسكافي فَيُوثَقُ بحكاياته.
" مسلم " ينال الضعف رواياته، وأما الثعالبي، فلا ريب في صدقه.
" أحمد " يروي الأكاذيب: ولكن ابن أبي الحديد لا ينقل إلا الصدق.
أنا لا أقول شيئاً عمن يقول هذا الكلام! ولكني أسأل الذي قَرَّظَ كتابه من كبار الأدباء (٢) فأبدى إعجابه بكثرة مصادره، أسأله وهو الذي نادى بالمنهج العلمي في هذه البلاد. هل يصح أن يكون قائل هذا الكلام من العلماء؟ أم من طلبة العلم، أم من الذين يفهمون معنى «العلم»؟!.
стр. 382
ثَامِنًا - زعم «أَبُو رَيَّةَ» أنه ألف كتابه على قواعد التحقيق العلميِّ، فما هو المنهج الذي وضعه لكتابه، ما هي القاعدة أو القواعد التي وضعها لتصحيح الأحاديث؟ ماذا نفعل بهذه الثروة من كُتُبِ السُنَّةِ الموجودة؟ أنرميها كلها؟ أنأخذ بها كلها؟ أنأخذ بعضها ونترك بعضها؟ وما القاعدة في ذلك؟ العقل الصريح؟ عقل من؟ أمثل عقله الذي كَذَّبَ الروايات الثابتة، وَصَدَّقَ «الحكايات»، المكذوبة!! وَرَدَّ رواية " البخاري "، وقبل حكاية الإسكافي؟.
ثم أبو هريرة ماذا نفعل بأحاديثه؟ أهي كذب كلها؟ أم بعضها كذب وبعضها صحيح؟ وما القاعدة في التمييز بينها؟.
إن كل ما صنعه أَبُو رَيَّةَ أنه عرض علينا عبقريته في التنبه لغفلة العلماء الذين سبقوه عن وضع القواعد العلمية الصحيحة لنقد الحديث! ولم يترك طريقة للتشكيك في السُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا من الصحابة إلى التَّابِعِينَ فمن بعدهم إلا سلكها، ثم زعم بعد ذلك أنه أراد خدمة السُنَّة!؟
أفهذا هو المنهج العلمي؟ أهذه هي الدراسة الي قامت على قواعد التحقيق العلمي، وهي الأولى من نوعها ولم ينسج أحد من قبل على منوالها؟! .. إني لأشهد أن أحداً من العقلاء الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون عقولهم وعقول قُرَّائِهِمْ لم ينسج من قبل، على هذا المنوال! وَحَسْبُ «أَبِي رَيَّةَ» هذا الشرف! .. بَلْ حَسْبُهُ من الشرف أن ينفق على كتابه جهد ثلاثين سَنَةٍ وتزيد.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١).
стр. 383
وبعد فقد اتضح لنا مِمَّا سبق أن كتاب أَبِي رَيَّةَ ليست له أية قيمة علمية، لأمرين بارزين فيه:
١ - خُلُوُّ الكتاب من المنهج العلمي.
٢ - وَخُلُوُّ مُؤَلِّفِهِ من الأمانة العلمية، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (١)﴾. (٢)
стр. 384
البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَرْتَبَةِ السُنَّةِ فِي التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ:
وَفِيهِ ثَلاَثَةُ فُصُولٍ:
الفصل الأول: في مرتبة السُنّةِ مع الكتاب.
الفصل الثاني: كيف اشتمل القرآن عَلَى السُنَّةِ.
الفصل الثالث: في نَسْخِ السُنَّةِ بالقرآن والقرآنُ بِالسُنَّةِ.
стр. 385
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَرْتَبَةِ السُنَّةِ مَعَ الكِتَابِ:
أنزل الله القرآن على رسوله ﷺ هُدًى للمتقين ودستوراً للمسلمين، وَشِفَاءً لصدور الذين أراد الله لهم الشفاء، ونبراساً لمن أراد الله لهم الفلاح والضياء، وهو مشتمل على أنواع من الأغراض التي بعث الله من أجلها الرسل، ففيه التشريع والآداب والترغيب والترهيب والقصص والتوحيد، وهو مقطوع بصحته إجمالاً وتفصيلاً، فمن شك في آية أو كلمة أو حرف من حروفه لم يكن مسلماً، وأهم ما يعنى به العالم المتفقه في دين الله أن يتعرف إلى أحكام الله في كتابه وما شَرَّعَهُ الله لعباده من نُظُمٍ وقوانين.
وقد تلقاه المُسْلِمُونَ عن رسول الله ﷺ مشافهة في عصر الصحابة نقلاً متواتراً في العصور التالية، وللرسول مُهِمَّةٌ أخرى غير تبليغ كتاب الله إلى الناس، وهي تبيين هذا الكتاب وشرح آياته، وتفصيل الجمل من أحكامه، وبيان ما أنزله الله في كتابه من قواعد عامة أو أحكام مجملة أو غير ذلك.
من هنا كان المُسْلِمُونَ في حاجة إلى معرفة بيان رسول الله، مع حاجتهم إلى معرفة كتاب الله، ولا يمكن أن يفهم القراَن على حقيقته وأن يعلم مُرَادَ الله من كثير من آيات الأحكام فيه إلا بالرجوع إلى رسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه الكتاب لِيُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم من ربهم.
ومن هنا اتفق المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إلا من شَذَّ من بعض الطوائف المنحرفة، على أن سُنَّةََ رسول الله ﷺ من قول أو عمل أو تقرير هي من مصادر التشريع الإسلامي الذي لا غنى لكل مُتَشَرِّعٍ عن الرجوع إليها في معرفة الحلال والحرام، وقد ذكرنا في الفصول السابقة ما يدل على هذا في كتاب
стр. 386
الله وقول رسوله، غير أن الذي نريد بحثه الآن، هو مكانة السُنَّةِ بالنسبة للكتاب، هل هي معه على استواء واحد أم هي متأخرة عنه في المرتبة؟.
وَمِمَّا لا ريب فيه أن متن القرآن قطعي الثبوت، ثم منه ما هو قطعي الدلالة ومنه ما هو ظنيها، أما السُنَّةُ: فالمتواترة منها قطعية الثبوت، وغير المتواترة ظني الثبوت في تفصيله وإن كان قطعياً في جملته، ومرتبة ظنيِّ الثبوت في نوعيه قطعي الدلالة وظنيها، يأتي بعد مرتبة قطعي الثبوت بنوعيه، قطعي الدلالة وظنيها، ومن هنا كانت مرتبة السُنَّةِ بعد مرتبة الكتاب.
وأيضاًً فإِنَّ السُنَّةَ إما أن تكون بياناً للكتاب أو زيادة عليه، فإن كانت بياناً فهي في الاعتبار بالمرتبة الثانية عن المُبَيَّنِ فإن النص الأصلي أساس والتفسير بناء عليه، وإن كانت زيادة، فهي غير معتبرة إلا بعد أن لا توجد في الكتاب وذلك دليل على - تقدم اعتبار الكتاب.
هذا ما يدل عليه النظر العقلي، وقد تأيد ذلك بجملة من الأخبار والآثار، من ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود والترمذي: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِيِ» (١).
وَمِمَّا كتبه عمر إلى شُرَيْحٍ القاضي: «إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ فَاقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ فَإِنْ أَتَاكِ بِمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ... إلخ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «إِذَا وَجَدَتْ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ بِهِ وَلاَ تَلْتَفِتْ إِلَىَ غَيْرِهِ» وَقَدْ بَيَّنَ المُرَادَ مِنْ هَذَا فِي رِوَايَةِ أُخْرَىَ «انْظُرْ مَا تَبَيَّنَ لَكَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ فِي كِتَابِ اللهِ فَاتَّبِعْ فِيهِ سُنَّةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ .
стр. 387
وَرُوِيَ عن ابن مسعود: «مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ [فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ ]» (*). وقدمنا لك أن سُنَّةَ الشيخين إذا عرضت لهما حادثة أن ينظرا في كتاب الله فإن لم يَجِدَا حكمها فيه، نظرا إلى سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ومثل ذلك كثير في كلام الصحابة والتا بعين والأئمة والمُجْتَهِدِينَ.
وقد يعارض ما ذكرناه بما رُوِيَ عن بعض العلماء من أن السُنَّةَ قاضية على الكتاب، إذ هي تبين مُجْمَلَهُ، وتُقيِّدُ مطلقَه وتخصص عامه، فيرجع إليها ويترك ظاهر الكتاب، وقد يحتمل نص الكتاب أمرين فأكثر، فتعين السُنَّة أحدهما، فيعمل بها ويترك مقتضى الكتاب، ألا ترى أن آية السرقة قاضية بقطع كل سارق، فَخَصَّتْهَا السُنَّةُ بمن سرق نصاباً محرزاً، وهي تفيد قطع اليد، واليد تصدق من الأصابع إلى المرفقين، فخصتها السُنَّةُ بِالكُوعَيْنِ، وكذلك اَيات الزكاة شاملة لكل مال فَخَصَّتْهَا السُنَّةُ بأموال مخصوصة، وقال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) فَخَصَّصَتْ السُنَّةُ هذا العموم بنكاح المرأة على عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا ومثل ذلك كثير.
وهذا من شأنه أن نقول بتقديم السُنَّةُ على الكتاب، وإلا فبمساواتها له. ويُجاب بأن عمل السُنَّةُ في مثل هذه الحالات تَبْيِينُ مُرَادِ الله في كتابه، فهي في آية السرقة تبين أن المراد بالقطع قطعهما إلى الكوعين لا المرفقين، وأن المراد بالسارق سارق نصاب مُحرز، فهي في هذه الحالة لم تثبت حُكْمًا جديدً وإنما أوضحت وفسرت ما كان مجملاً أو محتملاً، وهذا هو المراد بقول بعضهم أن السُنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب، أي: مبيِّنَةٌ له، لا أنها مقدمة عليه.
وقد يعترض أيضاًً بأن الأثر عن معاذ فيه مقال كثير، فقد قال الترمذي عنه: «لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ» (٢) وَعَدَّهُ الجوزجاني في " الموضوعات " وقال: «هَذَا حَدِيْثٌ بَاطِلٌ جَاءَ بِإِسْنَادٍ لاَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيِعَةِ».
стр. 388
وَيُجَابُ بأن عمل أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من أكابر الصحابة بالنقول الثابتة عنهم، وعمل من بعدهم من علماء السلف كاف عندنا للدلالة على ما نقول.
ولا شك في أنَّ أحاديث الآحاد بما حَفَّ بها من ظنون في طريق ثبوتها يجعلها في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت، وأما من حيث الاجتهاد وفهم النصوص فلا بد من الرجوع إلى السُنَّةِ قبل تنفيذ نصوص القرآن، لاحتمال تخصيص السُنَّةِ لها أو تقييدها، أو غير ذلك من وجوه الشرح والبيان التي ثبتت لِلْسُنَّةِ، فهي من هذه الناحية متساوية مع القرآن من حيث مقابلة نصوصها بنصوصه والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض، وهذا لا ينازع فيه أحد مِمَّنْ يقول بِحُجِيَّةِ السُنَّةِ.
هَلْ تَسْتَقِلُّ السُنَّةُ بِالتَشْرِيعِ ؟:
لا نزاع بين العلماء في أنَّ نصوص السُنَّةِ على ثلاثة أقسام:
أولاً: ما كان مُؤَيِّدًا لأحكام القرآن، موافقاً له من حيث الإجمال والتفصيل وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها، فإنها موافقة للآيات التي وردت في ذلك، كحديث: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً».
فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ولقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) ولقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣)
стр. 389
ومثل قوله ﷺ : «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسٍهِ»، فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)
ثانياً - ما كان مُبَيِّناً لأحكام القرآن من تقييد مُطْلَقٍ، أو تفصيل مُجْمَلٍ، أو تخصيص عام، كالأحاديث التي فَصَّلَتْ أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والبيوع والمعملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السُنَّةِ، وأكثرها وُرُودًا.
ثالثاً - ما دَلَّ على حكم سكت عنه القراَن، فلم يوجبه ولم ينفه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجَمْعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وأحكام الشفعة، ورجم الزاني البكر المحصن وتغريب الزاني البكر، وإرث الجدة وغير ذلك.
ولا نزاع بين العلماء في القسمين الأولين، أي في وُرُودِهِمَا وثبوت أحكامهما وكونهما الغالب على أحاديث السُنَّةِ، إنما اختلفوا في الثالث - أي الذي أثبت أحكاماً لم يثبتها القرآن ولم ينفها - بأي طريق كان ذلك؟ أعن طريق الاستقلال بإثبات أحكام جديدة؟ أم عن طريق دخولها تحت نصوص القرآن ولو بتاويل؟ ذهب صاحب " الموافقات " وآخرون إلى الثاني، وذهب الجمهور إلى الأول، وسننقل لك عبارة الشافعي أولاً، ثم ننتقل بك إلى شرح هذا الخلاف.
قال الشافعي ﵀ (٢): «فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ سُنَنَ النَّبِيِّ ﷺ -مِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ، فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَىَ وَجْهَيْنِ، وَالوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانَ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ رَسُولُ الْلَّهِ مَثَلُ مَا نَصَّ الكِتَابُ.
وَالآخَرُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ.
стр. 390
وهذان الوجهان، اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سَنَّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.
١ - فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يَسُنَّ فيما ليس فيه نص كتاب.
٢ - ومنهم من قال: لم يسن سُنَّةً قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سُنَّتُهُ لتبيين عدد الصلاة، وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سَنَّ من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى قال: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) فما أَحَلَّ وَحَرَّمَ فإنما بَيَّنَ فيه عن الله كما بَيَّنَ الصلاة.
٣ - ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سُنَّتَهُ بفرض الله.
٤ - ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سَنَّ، وسُنَّتَهُ الحكمة التي ألقى في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سُنَّتَهُ». اهـ.
وواضح أن مراده بالخلاف في القسم الثالث ليس الخلاف في وجوده بل في مخرجه، هل هو على الاستقلال بالتشريع كما قال أصحاب القول الأول والثالث والرابع؟ أم بدخوله ضمن نصوص القرآن كما قال أصحاب القول الثاني؟.
حُجَجِ القَائِلِينَ بِالاسْتِقْلاَلِ:
قالوا أولاً: إنه لا مانع عقلاً من وقوع استقلال السُنَّةِ بالتشريع ما دام رسول الله معصوماً عن الخطأ، ولله أن يأمر رسوله بتبليغ أحكامه على الناس من أي طريق، سواء كان بالكتاب أو بغيره، وما دام جائزاً عقلاً وقد وقع فصلاً باتفاق الجميع فلماذا لا نقول به؟.
قالوا ثانياً: إنَّ النصوص الواردة في القرآن الدالة على وجوب اتباع الرسول وطاعته فيما يأمر وينهى لا تفرق بين السُنَّةِ المُبَيِّنَةِ أو المؤكدة أو المستقلة، بل