مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوْ الفِيلَ» - شَكٌّ مِنَ البُخَارِيِّ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ» (١) فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: " اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ "، فَقَالَ ﵊: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» (٢).
كما ثبت أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ عَصْرِهِ وَأُمَرَاءِ جَزِيرَةِ العَرَبِ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الإِسْلاَمِ (٣) وكان ينفذ مع بعض أمراء سراياه كُتُباً ويأمرهم أن لا يقرؤها إلا بعد أن يجاوزوا موضعاً معيناً.
كما ثَبَتَ أن بعض الصحابة كانت لهم صُحُفٌ يُدَوِّنُونَ فيها بعض ما سمعوه من رسول الله ﷺ كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي كان يسميها بـ " الصادقة "، فقد أخرج أحمد والبيهقي في " المدخل " عن أبي هريرة ﵁، قال: «مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه ﷺ مِنِّي إِلاَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، فَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» وكتابة عبد الله بن عمرو استرعت أنظار بعض الصحابة الذين قالوا: إنك تكتب عن رسول الله كُلَّ مَا يَقُولُ، وَرَسُولُ اللهِ قَدْ يَغْضَبُ فَيَقُولُ مَا لاَ يُتَّخَذُ شَرْعًا عَامًّا، فرجع ابن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقال له: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ [حَقٌّ]» (٤).
وثبت أنه كان عند علي ﵁ صحيفة فيها أحكام الدية على العاقلة
стр. 72
وغيرها (١)، كما ثبت " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِبَعْضِ عُمَّالِهِ كُتُبًا حُدِّدَتْ فِيهَا مَقَادِيرُ الزَّكَاةِ فِي الإِبِلِ وَالغَنَمِ " (٢).
وقد اختلف العلماء في التوفيق بين أحاديث النهي عن الكتابة وبين هذه الآثار التي تدل على الإذن بها، فالأكثرون على أن النهي منسوخ بالإذن، ومن قائل بأن النهي خاص بمن لا يُؤمَنُ عليه الغلط والخلط بين القرآن وَالسُنَّةِ، أما الإذن فهو خاص بمن أُمِنَ عليه ذلك، وأعتقد أنه ليس هنالك تعارض حقيقي بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، إذا فهمنا النهي على أنه نهي عن التدوين الرسمي كما كان يُدَوِّنُ القرآن، وأما الإذن فهو سماح بتدوين نصوص مِنَ السُنَّةِ لظروف وملابسات خاصة أو سماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السُنَّةَ لأنفسهم (٣) والتأمل في نص حديث النهي قد يؤيد هذا الفهم، إذ جاء عَامًّا مخاطبًا فيه الصحابة جميعا. لا يقال: إن ذلك يقتضي أن يكون الحكم باقيا على الحرمة ما دام السماح لظروف خاصة ولأشخاص معينين، لأننا نقول: إن سماح الرسول لعبد الله بن عمرو بكتابة صحيفته واستمراره في الكتابة حتى وفاة الرسول، دليل على أن الكتابة مسموح بها في نظر الرسول إذا لم يكن تدويناً عَامًّا كالقرآن، ويؤكد الإذن بالكتابة، ما جاء في " البخاري " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ» وَلَكِنَّ عُمَرَ حَالَ دُونَ ذَلِكَ بِحُجَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وهذا مِمَّا يؤيد الرأي القائل بأن آخر الأمرين كان هو الإذن، لا كما ذهب إليه المرحوم رشيد رضا من أن الإذن وقع أَوَلاً ثم نُسِخ بالنهي (٤).
стр. 73
مَوْقِفُ الصَّحَابَةِ مِنَ الحَدِيثِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ:
قدمنا لك (١) ما رواه أبو داود والترمذي عن رسول الله ﷺ من رواية زَيْدٍ بْنَ ثَابِتٍ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». وفي حديث آخر «أَلاَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الغَائِبَ» (٢)، وهكذا أوصى رسول الله ﷺ صحابته بتبليغ السُنَّةِ إلى من وراءهم مع التثبت فيما يَرْوُونَ «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٣) فلم يكن بُدٌّ من أن يصدع الصحابة بالأمر ويبلغوا أمانة الرسول إلى المُسْلِمِينَ، وخصوصاً وقد تفرقوا في الأمصار وأصبحوا محل عناية التَّابِعِينَ والرحلة إليهم، فكان التابعون يتتبعون أخبارهم ومواطنهم فيرحل إليهم من يرحل على بُعْد الشقة وعناء الأسفار.
هذا كله كان عاملاً في انتشار الحديث وانتقاله إلى جمهور المُسْلِمِينَ.
بَيْدَ أَنَّ الصحابة كانوا متفاوتين في التحديث عن رسول الله ﷺ ، قِلَّةً وكثرة، فمن المُقِلِّين: الزبير، وزيد بن أرقم، وعمران بن حصين.
رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ لأَبِيهِ: إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٤).
وَيَرْوِي ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ يُقَالُ لَهُ: حَدِّثْنَا، فَيَقُولُ: «كَبِرْنَا وَنَسِيَنَا، وَالحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ شَدِيدٌ». وَيَقُولُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدٍ: «صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ (٥) مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ- صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ
стр. 74
وَسَلَّمَ - حَدِيثًا وَاحِداً»، وكان أنس بن مالك يُتْبِعُ الحديث عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بقوله: «أَوْ كَمَا قَالَ» حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ فِي الكَذِبِ عَلَيْهِ. فما صنعه الزبير وزيد بن أرقم وأمثالهما من المُقِلِّينَ، إنما كان خَوْفًا من الوقوع في خطأ لم يقصدوه، ويظهر أن ذاكرتهم لم تكن من شأنها أن تسعفهم بإيراد الحديث على لفظه أو وجهه الذي سمعوه من النَّبِيِّ ﷺ ، فكان من الاحتياط في دين الله عندهم أن لا يكونوا من المُكْثِرِينَ.
ولقد أضيف إلى هذا رغبة عمر ﵁ ألاَّ يكثروا من التحديث عن الرسول ﵊ كي لا ينشغل الناس بالحديث عن القرآن، والقرآن غَضٌّ طَرِيٌّ. فما أحوج المُسْلِمِينَ إلى حفظه وتناقله، والتثبت فيه، والوقوف على دراسته!!
رَوَىَ الشَّعْبِيُّ عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «خَرَجْنَا نُرِيدُ العِرَاقَ فَمَشَى مَعَنَا عُمَرُ إِلَى «صِرَارٍ» فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: " أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ " قَالُوْا: " نَعَمْ نَحْنُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَشَيْتَ مَعَنَا "، فَقَالَ: " إِنَّكُمْ تَأْتُونَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَلاَ تَصُدُّوهُمْ بِالحَدِيثِ فَتَشْغَلُوهُمْ، جَوِّدُوا القُرْآنَ وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَامْضُوا وَأَنَا شَرِيكُكُمْ "، فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ قَالُوا: " حَدِّثْنَا "، قَالَ: " نَهَانَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ "» (١).
ومن الصحابة من كان يكثر الحديث عن الرسول ويستكثر منه أيضاً، فأبو هريرة ﵁ كان من أوعية الحديث التي فاضت على المُسْلِمِينَ فملأت بأخبار رسول اللهِ ﷺ وأحاديثه صدورهم ومجالسهم، وعبد الله بن عباس كان يطلب الحديث عند كبار الصحابة ويتحمل في سبيل ذلك عناء مشقة، أخرج ابن عبد البر عن ابن شهاب أن ابن عباس قال: «كَانَ [يَبْلُغُنِي] الْحَدِيثُ عَنِ الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَوْ أَشَاءُ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ حَتَّى [يَجِيئَ] فَيُحَدِّثَنِي فَعَلْتُ وَلَكِنِّي كُنْتُ أَذْهَبُ إِلَيْهِ فَأَقِيلُ عَلَى بَابِهِ حَتَّى
стр. 75
يَخْرُجَ إِلَيَّ فَيُحَدِّثَنِي» (١).
وهكذا لقي في سبيل الحديث من العناء ما لقي إلى أن استوعب ما عند من لقيهم من الصحابة من حديث، فأخذ يبثه غير متزمت ولا مُقلٍ، ويظهر أنه أَقَلَّ من التحديث بعد ذلك حين بدأ الوضع في الحديث، فقد أخرج مسلم في " مقدمة صحيحه " أن بُشَيْرَ بْنَ كَعْبٍ جَاءَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «عُدْ لِحَدِيثِ كَذَا وَكَذَا»، فَعَادَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: «مَا أَدْرِي أَعَرَفْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَأَنْكَرْتَ هَذَا؟ أَمْ أَنْكَرْتَ حَدِيثِي كُلَّهُ، وَعَرَفْتَ هَذَا؟» فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّا كُنَّا نُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، تَرَكْنَا الحَدِيثَ عَنْهُ».
ومهما يكن من إكثار بعض الصحابة التحديث عن رسول الله، فقد كان ذلك قليلا في عصر الشيخين أبي بكر وعمر، إذ كانت خِطَّتُهُمَا حَمْلَ المُسْلِمِينَ على التثبت في الحديث من جهة، وَحَمْلَ المُسْلِمِينَ على العناية بالقرآن أَوَّلاًً من جهة أخرى. قِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: أَكُنْتَ تُحَدِّثُ فِي زَمَنِ عُمَرَ هَكَذَا؟ قَالَ: «لَوْ كُنْتُ أُحَدِّثُ فِي زَمَنِ عُمَرَ مِثْلَ مَا أُحَدِّثُكُمْ لَضَرَبَنِي بِالدِّرَّةِ» (٢).
وهنا لا بد من التعرض لبحثين يتعلقان بموقف عمر من الحديث وموقف غيره كذلك.
الأول: هل حبس عمر أحداً من الصحابة لإكثاره من الحديث؟
الثاني: هل كان الصحابة يشترطون شروطاً لقبول خبر الصحابي؟
هَلْ حَبَسَ عُمَرُ أَحَداً مِنَ الصَّحَابَةِ لإِكْثَارِهِ الحَدِيثَ ؟:
المشهور المتردد على بعض الأَلْسِنَةِ أن عمر ﵁ حبس ثلاثة من كبار الصحابة لإكثارهم الحديث، وَهُمْ ابن مسعود، وأبو الدرداء، وأبو ذر، وقد حَاوَلْتُ أن أعثر على هذه الرواية في كتاب معتبر فلم أجدها، ودلائل الوضع عليها ظاهرة، فابن مسعود كان من كبار الصحابة وأقدمهم إسلاماً، وله مقام كبير في
стр. 76
نفس عمر ﵁، حتى إنه حين أرسله إلى العراق امْتَنَّ عليهم بإرساله إذ قال لهم: «وَلَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِعَبْدِ اللهِ عَلَى نَفْسِي» وكان مقامه خلال خلافة عمر في العراق، وإنما أرسله إليها أهلها الدين والأحكام، ومن الأحكام ما يؤخذ من القرآن، وأكثرها أخذ مِنَ السُنَّةِ، فكيف يحبسه عمر لتحديثه وهو إنما أرسله لهذا الغرض؟ أما أبو ذر وأبو الدرداء فلا يعلم عنهما كثير حديث. نعم كان أبو الدرداء معلم المُسْلِمِينَ بالشام، كما كان ابن مسعود في العراق، والغرابة في حبس عمر لابن مسعود تأتي أيضاً في أبي الدرداء، فكيف يحبسه وهو معلمهم ومُفَقِّهُهُم في دينهم؟ وهل كان عمر يريد منه ومن ابن مسعود أن يكتُما بعض الحديث فيكتُما بعض أحكام الدين عن المُسْلِمِينَ؟.
وأما أبو ذر فمهما نقل عنه من حديث فهو لم يبلغ جزءاً مِمَّا بلَّغه أبو هريرة، فلماذا يحبسه ولا يحبس أبا هريرة؟
ولئن قيل: إن أبا هريرة لم يكن يكثر الحديث في عهد عمر خوفاً منه، قلنا: لماذا لم يَخَفْهُ أبو ذر كما خَافَهُ أبو هريرة؟
والحاصل أن الذين عرفوا بكثرة الحديث من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وعائشة وجابر بن عبد الله. وابن مسعود معهم، لم يرْو عن أنه تعرض لهم بشيء بل روي أنه قال لأبي هريرة حين بدأ يكثر من الحديث: «أَكُنْتَ مَعَنَا حِينَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَكَانِ كَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَّا إِذَا ذَكَرْتَ ذَلِكَ فَاذْهَبْ فَحَدِّثْ». فكيف يعقل أن يترك أبا هريرة وهو أكثر الصحابة حَدِيثًا على الإطلاق، ثم يحبس مثل ابن مسعود وهو أقل من أبي هريرة حَدِيثًا، أو مثل أبي الدرداء وأبي ذر، وهما لم يُعْرَفَا بين الصحابة بكثرة الحديث مطلقاً.
لقد لبثت كثيراً أشك في هذه الرواية وأقلِّبُها على جميع وجوه النظر، حتى قرأت في كتاب " الإحكام " لابن حزم ما يلي: «وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ حَبَسَ ابْنَ مَسْعُودٍ مِنْ أَجْلِ الحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبَا الدَّرْدَاءَ وَأَبَا ذَرٍّ».
فَجَاءَنَا أَبُو مُوسَى مَمْتَقِعًا لَوْنُهُ وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقُلْنَا: " مَا شَأْنُكَ؟ " فَأخْبرََنَا وَقَالَ: " فَهَلْ سَمِع أَحَدٌ مِنْكُمْ؟ " فَقُلْنَا: " نَعَمْ كُلَّنَا سَمِعَهُ " فَأَرْسَلُوا مَعَهُ رَجُلاً مِنْهُم حَتَّى أَتَى عُمَرَ فَأخْبرهُ» (١).
٣ - وَرَوَى أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الْزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَهُمْ فِي إِمْلاَصِ المَرْأَةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ: قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِغُرَّةٍ (٢) فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «إِنْ كُنْتَ صَادِقًَا فَائْتِ وَاحِدًا يَعْلَمُ ذَلِكَ». قَالَ: «فَشَهِدَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَىَ بِهِ».
٤ - وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ إِلَى أَسْمَاءَ بْنِ الحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حَدِيثًا، نفعني الله بما شاء أن ينفعني [مِنْهُ]. وَكَانَ إِذَا حَدَّثَنِي غَيْرُهُ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ صَدَّقْتُهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٌ، - وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٌ - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ» (٣).
فهم بعض الباحثين من هذه الآثار أن خِطَّةَ أبي بكر وعمر في الحديث ألاَّ يقبلا حَدِيثًا إلا ما رواه اثنان فأكثر، وأن خِطَّةَ عَلِيٍّ على تحليف الراوي، وانتقل هذا الفهم إلى كثير مِمَّنْ كتب في تاريخ التشريع الإسلامي وتاريخ السُنَّةِ في العصر الحديث، فأصبح عندهم قَضِيَّةً مُسَلَّمَةً لا يذكرون غيرها، وَمِمَّنْ ذهب إلى هذا أَسَاتِذَتُنَا الأَجِلاَّءُ مُؤَلِّفُو " مذكرة تاريخ التشريع الإسلامي " في كلية الشريعة بالأزهر، فقد ذكروا في " باب شروط الأئمة للعمل بالحديث " أن هذا كان شرط أبي بكر، وعمر، وَعَلِيٍّ، للعمل بالحديث.
والواقع أن بناء هذه القاعدة أو النظرية على تلك الآثار خطأ علمي تَرُدُّهُ الآثار الأخرى التي تشهد بأن عمر أخذ بأحاديث لم يروها له إلا رَاوٍ واحد، وأن عَلِيًّا
٥ - وَأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ يَحْيَى الْمَخْزُومِيِّ أَنَّ رَجُلاً مِنْ ثَقِيفٍ أَتَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ فَسَأَلَهُ عَنِ امْرَأَةٍ حَاضَتْ، وَقَدْ كَانَتْ زَارَتِ الْبَيْتَ [يَوْمَ النَّحْرِ]، أَلَهَا أَنْ تَنْفِرَ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ؟ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «لاَ»، فَقَالَ لَهُ الثَّقَفِيُّ: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَفْتَانِي فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ مَا أَفْتَيْتَ»، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ ﵁ يضْرِبُهُ بِالدِّرَّةِ وَيَقُولُ: «لِمَ تَسْتَفْتُونِي فِي شَيْءٍ قَدْ أَفْتَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟» (١).
٦ - وَرُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَضَى فِي الإِبْهَامِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَفِي الَّتِي تَلِيهَا بِعَشْرٍ، وَفِي الْوُسْطَى بِعَشْرٍ، وَفِي الَّتِي تَلِي الْخِنْصَرَ بِتِسْعٍ، وَفِي الْخِنْصَرِ بِسِتٍّ»، فلما روي له كتاب عمرو بن حزم الذي ذكر فيه أن النَّبِيَّ ﷺ قال: «وَفِي كُلِّ إِصْبَعٍ مِمَّا هُنَالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ» رجع عن قوله وصار إليه. هكذا جاء في بعض كتب الأصول ومثله في " فتح الملهم شرح صحيح مسلم " لشيخ الإسلام شَبير أحمد العثماني الهندي (٢)، ولكن الذي يفهم من " الرسالة " للشافعي أن الصحابة اطَّلَعُوا على هذا الكتاب عند آل عمرو بن حزم بعد وفاة عمر فعملوا به وتركوا قول عمر.
٧ - وعمل عمر أيضاً بخبر سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين (٣).
٨ - وأراد عمر رجم مجنونة حتى أُعْلِمَ بقول رسول الله ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ» فأمر ألاَّ تُرْجَمَ (٤).
هذه الآثار مستفيضة صحيحة رواها الأئمة الأثبات. وفيها ما يدل دلالةً لا تقبل الجدال أن عمر ﵁ أخذ بحديث رواه صحابي واحد دُونَ توقف أو تشكك، وهي في العدد أكثر من تلك التي روت أنه طلب راوياً آخر ولا تقل في الصحة والثبوت عنها، ولما كان عمل الصحابة جميعاً على الاكتفاء بخبر صحابي واحد، كان لا بد من تأويل ما روي عن عمر مُخَالِفاً لعمله في الروايات الأخرى،
стр. 81
ولعمل الصحابة الآخرين، وبالرجوع إلى تلك الروايات نجد أن رواية المغيرة بن شعبة في الإملاص قد رويت من طريق حمل بن مالك أيضاً، وأن عمر قبل خبره من غير تَرَدُّدٍ، ولم يبق إلا رواية استئذان أبي موسى، والاستئذان أمر يَتَكَرَّرُ فالمعهود أن تعرف أحكامه وتشيع، فلما أخبره أبو موسى بما لا يعرفه أراد أن يتثبت، فلا بد من حملها على ما عرف عن عمر من التثبت في رواية الأخبار وحمل الصحابة على ذلك، فيكون عمر في قضية أبي موسى وفي قضية المغيرة لو سلمنا أنه لا معارض لروايته، أراد أن يُعْطِي الصحابة وبخاصة صغارهم درساً في التثبت في قبول الأخبار وروايتها، فإذا كان مثل أبي موسى والمغيرة - وهما من هما في جلالة قدرهما بين الصحابة - يطلب منهما عمر أن يأتياه براوٍ آخر، كان مَنْ دُونَ أبي موسى والمغيرة من الصحابة وغيرهم من التَّابِعِينَ أحق بالتثبت وأجدر بِالتَرَوِّي في نقل الأخبار وروايتها. هذا هو المحمل الصحيح لما صنع عمر، ويدل عليه قوله لأبي موسى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ وَلَكِنَّهُ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ».
وفي رواية أخرى أن أُبَيّاً عاتبه فقال له: «إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَتَثَبَّتَ» وهذا هو ما رآه الشافعي ﵀ في " الرسالة " في صنيع عمر حين طلب راوياً آخر بعد أن ذكر الروايات الثابتة عنه أنه كان يَقْبَل حديث صحابي واحدٍ. قال ﵀: " أَمَّا خَبَرُ أَبِي مُوسَى فَإِلَى الاحْتِيَاطِ، لأَنَّ أَبَا مُوسَى ثِقَةٌ أَمِينٌ عِنْدَهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا دَلَّ عَلَىَ ذَلِكَ؟ قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ بْنِ أَنَسٍ عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، وَأَنَّ عُمَرَ قَالَ لأَبِي مُوسَى: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَتَّهِمك، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَتَقَوَّلَ النَّاسُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ » " (١).
هذا ما يتعلق بعمر ﵁.
أما موقف أبي بكر فلم يرو عنه أنه طلب راوياً آخر إلا في تلك الحادثة (٢) وهذا لا يُبَرِّرُ القول بأن مذهبه أن لا يقبل خبراً إلا إذا رواه اثنان. ولقد عُرِضَتْ
стр. 82
على أبي بكر حوادث كثيرة رجع فيها إلى سُنّةِ رسول الله ﷺ وليس فيها أنه طلب مِمَّنْ أخبره عن رسول الله راوياً آخر يشهد له إلا هذه الحادثة، بل ذكر الرازي في " المحصول " أن أبا بكر قضى بقضية بين اثنين فأخبره بلال أنه ﵇ قضى فيها بخلاف قضائه فرجع (١) فإن صحت هذه الرواية كان ذلك مؤكداً لما ذهبنا إليه، وقد ذكر ابن القيم عن أبي بكر خطته في القضاء فقال: «كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ حُكْمٌ نَظَرَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بِهِ. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ نَظَرَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا مَا يَقْضِي بِهِ قَضَى بِهِ، فَإِنْ أَعْيَاهُ ذَلِكَ سَأَلَ النَّاسَ: هَلْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَضَى فِيهِ بِقَضَاءٍ؟ فَرُبَّمَا قَامَ إلَيْهِ الْقَوْمُ فَيَقُولُونَ: قَضَى فِيهِ بِكَذَا وَكَذَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ سُنَّةً سَنّهَا النَّبِيُّ ﷺ جَمَعَ رُؤَسَاءَ النَّاسِ فَاسْتَشَارَهُمْ، فَإِذَا اجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى شَيْءٍ قَضَى بِهِ» (٢).
والحاصل أنا لا نجد في نص من النصوص أن أبا بكر طلب مِمَّنْ حدَّثه بحديث عَنْ النَّبِيِّ ﷺ راوياً آخر إلا نص الجدة، وهذا يحتمل أن يكون من أبي بكر زيادة في الاحتياط والتثبت فقط، خصوصاً وأن توريث الجدة إثبات حكم لم يرد في القرآن فكان تشريعاً لا بد فيه من الاحتياط والتوقي، لا سيما أن أكثر أحكام المواريث شرعت بنصوص من القرآن لا أن ذلك خطة دائبة له وطريقة درج عليها أن لا يقبل حَدِيثًا إلا إذا رواه اثنان. قال الغزالي في " المستصفى ": «أَمَّا تَوَقُّفُ أَبِي بَكْرٍ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فِي تَوْرِيثِ الْجَدَّةِ فَلَعَلَّهُ كَانَ هُنَاكَ وَجْهٌ اقْتَضَى التَّوَقُّفَ، وَرُبَّمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، أَوْ لِيَنْظُرَ أَنَّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرٌّ أَوْ مَنْسُوخٌ أَوْ لِيَعْلَمَ هَلْ عِنْدَ غَيْرِهِ مِثْلُ مَا عِنْدَهُ. لِيَكُونَ الْحُكْمُ أَوْكَدَ أَوْ خِلاَفَهُ فَيَنْدَفِعَ، أَوْ تَوَقَّفَ فِي انْتِظَارِ اسْتِظْهَارٍ بِزِيَادَةٍ، كَمَا يَسْتَظْهِرُ الْحَاكِمُ بَعْدَ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ عَلَى جَزْمِ الْحُكْمِ إنْ لَمْ يُصَادِفْ الزِّيَادَةَ، لاَ عَلَى عَزْمِ الرَّدِّ أَوْ أَظْهَرَ التَّوَقُّفَ لِئَلاَّ يَكْثُرَ الإِقْدَامُ عَلَى الرِّوَايَةِ
стр. 83
عَنْ تَسَاهُلٍ، وَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ إذْ ثَبَتَ مِنْهُ قَطْعًا قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْقَائِلِينَ بِهِ» (١).
أما خِطَّةُ عَلِيٍّ، فإن صح ما روي عنه من أنه كان يستحلف الراوي (٢) فلا كلام لنا فيه. وإلا فهو في ذلك كبقية الصحابة، بل لقد نقل عنه صاحب " المحصول " أنه قَبِلَ رواية المقداد بن الأسود في حكم المَذْيِ (٣) أي من غير تحليف، على أنه في النص الذي روي عنه لم يستحلف أبا بكر بل قال ... «وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٌ»، فلا تكون قاعدته عامة.
والخلاصة أن الثابت الصحيح من عمل أبي بكر وعمر وَعَلِيٍّ عملهم بخبر الراوي الواحد فقط وأنه في الحالات التي اقتضت طلب رَاوٍ آخر أو استحلافه لا يستلزم ذلك أن يكون مذهباً عَامًّا وخطة مقررة، وبهذا التوجيه والتحقيق يلتقي عمل هؤلاء الصحابة الثلاثة الكبار مع عمل الصحابة الآخرين من حيث اكتفاؤهم بِرَاوٍ وَاحِدٍ. وسيأتي نقل الشافعي لذلك في موضعه عند الكلام على حُجِيَّةِ خبر الآحاد.
رِحْلَةُ الصَّحَابَةِ طَلَبًا لِلْحَدِيثِ إِلَى الأَمْصَارِ:
انقضى عصر الشيخين وَالسُنَّةُ محفوظة في صدور الصحابة غير شائعة الانتشار كثيراً، لا في الأقطار، لأن عمر ﵁ منع أكثر الصحابة من مغادرة المدينة إلا لأفراد اقتضت المصلحة خروجهم، ولا في المدينة نفسها لأن سياسته كما رَأَيْتَ كانت تقوم على توفر العناية بالقرآن وتقليل الحديث عن رسول الله ﷺ ، منعاً لِلْتَزَيُّدِ فيه واحتراساً من الخطأ والوهم في روايته، فلما كان عهد عثمان سمح للصحابة أن يتفرقوا في الأمصار، واحتاج الناس إلى الصحابة وخاصة
وبذلك ابتدأت رواية الحديث تأخذ في السعة والانتشار، وبدأت الأنظار تتجه بعناية شديدة أكثر من قبل إلى صحابة رسول الله ﷺ ، يحرص التابعون على لقياهم ونقل ما في صدورهم من علم، قبل أن ينتقلوا إلى الرفيق الأعلى، ولقد كانت زيارة الصحابي لمدينة من المدن الإسلامية كافية لأن تجمع أهل المدينة كلها حوله ويشتد الزحام ساعة وصوله وتشير الأصابع أن هذا صاحب رسول الله ﷺ .
وقد اشتهر عدد من الصحابة بأنهم أكثر الصحابة رواية عن الرسول ﵊ إما لقدم صحبتهم له كعبد الله بن مسعود، أو لملازمتهم خدمته كأنس بن مالك، أو لإحاطتهم بأحواله الداخلية كعائشة، أو لعنايتهم بحديثه كعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبي هريرة رغم صغر الأوَلَيْنِ وتأخر إسلام الثالث. والناس في كل هذا يأخذون عن الصحابة لا يشكون ولا يترددون، والصحابة يأخذ بعضهم عن بعض لاَ يُكَذِّبُ بعضهم بعضاً وَلاَ يَتَحَرَّجُونَ، ولم يكن قد دُسَّ على حديث الرسول أو وُجِدَ الكَذَّابُونَ حتى وقعت الفتنة، فكانت مبدأ تحول في حياة المُسْلِمِينَ الدينية كما كانت بَدْءَ تَحَوُّلٍ في حياتهم السياسية.
стр. 86
الفَصْلُ الثَّانِي:
فِي الوَضْعِ فِي الحَدِيثِ وَفِيهِ مَبَاحِثُ:
مَتَى بَدَأَ الوَضْعُ ؟:
كانت سَنَة أربعين من الهجرة هي الحد الفاصل بين صفاء السُنّةِ وخلوصها من الكذب والوضع، وبين التزيد فيها واتخاذها وسيلة لخدمة الأغراض السياسية والانقسامات الداخلية، بعد أن اتخذ الخلاف بين عَلِيٍّ ومعاوية شكلاً حربياً سالت به دماء وأزهقت منه أرواح، بعد أن انقسم المُسْلِمُونَ إلى طوائف متعددة: فالجمهور مع عَلِيًّ في خلافه مع معاوية، والخوارج ينقمون على عَلِيًّ ومعاوية معاً بعد أن كانوا من شِيعَةِ عليٍّ المتحمسين له، وآل البيت وفريق منهم أخذوا بعد قتل عَلِيًّ ﵁ وخلافة معاوية يطالبون بحقهم في الخلافة، ويشقون عصا الطاعة على الدولة الأموية، وهكذا كانت الأحداث السياسية سبباً في انقسام المُسْلِمِينَ إلى شيع وأحزاب، ومع الأسف أن هذا الانقسام اتخذ شكلاً دينياً كان له أبلغ الأثر في قيام المذاهب الدينية في الإسلام، فلقد حاول كل حزب أن يؤيد موقفه بالقرآن وَبِالسُنَّةِ، وطبيعي ألاََّّ يكونا مع كل حزب يؤيدانه في كل ما يدعى، فعمل بعض الأحزاب على أن يتأولوا القرآن على غير حقيقته، وأن يُحًمِّلُوا نصوص السُنَّةِ ما لا تَتَحَمَّلُهُ، وأن يضع بعضهم على لسان الرسول أحاديث تؤيد دعواهم، بعد أن عَزَّ عليهم مثل ذلك في القرآن لحفظه وتوفر المُسْلِمِينَ على روايته وتلاوته، ومن هنا كان وضع الحديث واختلاط الصحيح منه بالموضوع.
وأول معنى طرقه الوُضَّاعُ في الحديث هو فضائل الأشخاص، فقد وضعوا الأحاديث الكثيرة في فضل أئمتهم ورؤساء أحزابهم، ويقال: إن أول من فعل ذلك الشِيعَةُ على اختلاف طوائفهم، كما قال ابن أبي الحديد في " شرح نهج البلاغة ":
стр. 87
«اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الكَذِبَ فِي أَحَادِيثِ الفَضَائِلِ جَاءَ مِنْ جِهَةِ الشِّيعَةِ ... الخ (١) وَقَدْ قَابَلَهُمْ جَهَلَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالوَضْعِ أَيْضًا».
فِي أَيِّ جِيلٍ نَشَأَ الوَضْعُ ؟:
ليس من السهل علينا أن نتصور صحابة رسول الله ﷺ الذين فَدَوْا الرسول بأرواحهم وأموالهم وهجروا في سبيل الإسلام أوطانهم وأقرباءهم، وامتزج حب الله وخوفه بدمائهم ولحومهم: أن نتصور هؤلاء الأصحاب يقدمون على الكذب على رسول الله ﷺ كانت الدواعي إلى ذلك بعد أن استفاض عندهم قول حبيبهم ومنقذهم ﷺ : «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (٢) ولقد دلَّنَا تاريخ الصحابة في حياة الرسول وبعده أنهم كانوا على خشية من الله وَتُقًى يمنعهم من الافتراء على الله ورسوله أنهم كانوا على حرص شديد على الشريعة وأحكامها وَالذَبِّ عنها وإبلاغها إلى الناس، كما تَلَقَّوْهَا عن رسوله، يتحملون في سبيل ذلك كل تضحية، ويخاصمون كل أمير أو خليفة أو أَيَّ رجل يرون فيه انحرافاً عن دين الله، لا يخشون لوماً، ولا موتاً، ولا أذى، ولا اضطهاداً.
هَذّا عُمَرُ يَخْطُبُ النَّاسَ فَيَقُولُ: «أَيُّهَا النَّاسُ لاَ تُغَالُوا فِي مُهُورِ النِّسَاءِ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُمَةً عِنْدَ اللهِ لَكَانَ أَوْلاَكُمْ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ » ... الخ، فَتَقُومُ إِِلَيْهِ امْرَأَةٌ فَتَقُولُ لَهُ عَلَى مَسْمَعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمِيعًا: مَهْلاً يَا عُمَرُ! يُعْطِينَا اللهُ وَتَحْرِمُنَا أَنْتَ؟ أَلَيْسَ يَقُولُ اللهُ ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ... ﴾ (٣) فَيَقُولُ عُمَرُ: (امْرَأَةٌ أَصَابَتْ وَرَجُلٌ أَخْطَأَ) (٤). وها هو يجادل أبا بكر
стр. 88
حين صمم على قتال أهل الردة ومانعي الزكاة، فلا يرى عمر قتالهم أخذاً بقوله ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» (١)، فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٌ: " أَلَيْسَ يَقُولُ الرَّسُولُ: «إِلاَّ بِحَقِّهَا»؟ وَمِنْ حَقِّهَا الزَّكَاةُ "، هذا مع أن عمر كان أول من بادر إلى مبايعة أبي بكر يوم السقيفة معترفاً له بالفضل والأولوية، ومع ذلك فلم يمنعه حبه وتقديره له من أن يجادله في أمر يرى أنه الحق ويرى أبو بكر خلافة.
وهذا عَلِيٌّ يخالف عمر في أمره برجم الزانية الحُبْلَى وينكر عليه بقوله: «لَئِنْ جَعَلَ اللهُ لَكَ عَلَيْهَا سَبِيلاً فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلاً» فيرجع عمر ويقول: «لَوْلاَ عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ».
وهذا أبو سعيد ينكر على مروان والي المدينة تقديم الخطبة على صلاة العيد، مُبَيِّنًا أنه خالف السُنَّةَ، وعمل غير ما كان يعمله رسول الله ﷺ .
وها هو ابن عمر - كما يروي لنا الذهبي في " تذكرة الحفاظ ": يَقُومُ - وَالحَجَّاجُ يَخْطُبُ - فَيَقُولُ (أَيْ ابْنُ عُمَرَ مُتَكَلِّمًا عَنْ الحَجَّاجِ): «عَدُوُّ اللهِ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللهُ وَخَرَّبَ بَيْتَ اللهَ وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَ اللهِ»، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّ الحَجَّاجَ خَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ بَدَّلَ كَلاَمَ اللهِ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «كَذَبْتَ لَمْ يَكُنِ ابْنُ الزُّبَيْر يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَدِّلَ كَلاَمَ اللهِ وَلاَ أَنْتَ». قَالَ الحَجَّاجُ: «أَنْتَ شَيْخٌ خَرِفٌ»، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ عُدْتَ لَعُدْتُ».
مثل هذه الأخبار ومئات أمثالها قد استفاضت بها كتب التاريخ، وهي تدل دلالة قاطعة على أن هؤلاء الصحابة كانوا من الجُرْأَةِ في الحق والتفاني في الدفاع عما يعتقدون أنه حق، ومن تغليبهم الحق على كل صديق وصاحب وقريب، بحيث يستحيل عليهم أن يكذبوا على رسول الله ﷺ ، اتباعاً لهوى أو رغبة في دنيا، إذ لا يكذب إلا الجبان، كما يستحيل عليهم أن يسكتوا عمن يكذب
стр. 89
على رسول الله ﷺ ، وهم الذين لا يسكتون عن اجتهاد خاطئ يذهب إليه بعضهم بعد فكر وإمعان نظر.
واسمع ما يقوله الصحابة أنفسهم في هذا الموضوع:
أخرج البيهقي عن البراء: «لَيْسَ كُلُّنَا كَانَ يَسْمَعُ حَدِيثَ النَّبِيِِّ ﷺ ، كَانَتْ لَنَا ضَيْعَةٌ وَأَشْغَالٌ، وَلَكِنَْ كَانَ النَّاسُ لَمْ يَكُونُوْا يَكْذِبُونَ فَيُحَدِّثُ الشَّاهِدُ الغَائِبَ».
وأخرج عن قتادة: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَ بِحَدِيثٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: «أَسَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟»، قَالَ: «نَعَمْ، أَوْ حَدَّثَنِي مَنْ لَمْ يَكْذِبْ، وَاللهِ مَا كُنَّا نَكْذِبُ وَلاَ كُنَّا نَدْرِي مَا الكَذِبُ» (١).
لا يبقى بعد هذا شك في أن الكذب لم يكن على عهد رسول الله من الصحابة ولا وقع منهم بعده، وأنهم كانوا محل الثقة فيما بينهم لا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وكل ما كان بينهم من خلاف فقهي لا يتعدى اختلاف وجهات النظر في أمر ديني وكل منهم يطلب الحق وينشده.
أما عصر التَّابِعِينَ فلا شك أن الكذب كان في عهد كبارهم أقل منه في عهد صغارهم، إذ كان احترام مقام رسول الله ﷺ ، وعامل التقوى والتدين أقوى في ذلك العصر منه في العصر الثاني، وأيضاً فقد كان الخلاف السياسي الأول في عهده، فكانت البواعث على الوضع في الحديث ضَيِّقَةً بالنسبة للعصور التالية، ويضاف إلى ذلك أن وجود الصحابة وكبار التَّابِعِينَ المشهورين بالعلم والدين والعدالة واليقظة، من شأنه أن يقضي على الكَذَّابِينَ ويفضح نواياهم ومؤامراتهم، أو أن يَحُدَّ نشاطهم في الكذب.
البَوَاعِثُ التِي أَدَّتْ إِلَى الوَضْعِ وَالبِيئَاتِ التِي نَشَأَ فِيهَا:
قدمنا أن الخلافات السياسية التي ذَرَّ قرنها بين المُسْلِمِينَ في أواخر خلافة
стр. 90
عثمان، وفي خلافة عَلِيٍّ، كانت سبباً مباشراً في وضع الحديث، وقدمنا قول من قال: إن أول من تَجَرَّأَ على ذلك، هم الشِيعَةُ، فيكون العراق أول بيئة نشأ فيها الوضع، وقد أشار إلى هذا أئمة الحديث حيث كان الزُّهْرِيُّ يقول: «يَخْرُجُ الحَدِيْثُ مِنْ عِنْدِنَا شِبْرًا فَيَرْجِعُ إِلَيْنَا مِنَ العِرَاقِ ذِرَاعًا» (١) وكان «مالك» يُسَمِّي العراق (دَارَ الضَّرْبِ) أي تضرب فيها الأحاديث وتخرج إلى الناس، كما تضرب الدراهم وتخرج للتعامل، وإذا كان السبب المباشر في وضع الحديث الخلافات السياسية، فلا شك أنه حدث بعد ذلك أسباب أخرى كان لها أثر في اتساع دائرة الأحاديث الموضوعة، ونستطيع أن نُجْمِلَ فيما يلي جميع الأسباب التي أدت إلى الوضع في الحديث موجزين بذلك ما استطعنا:
أَوَّلاً: الخِلاَفَاتُ السِّيَاسِيَّةُ:
فقد انغمست الفِرَقُ السياسية في حمأة الكذب على رسول الله ﷺ كثرة وقلة، فالرَّافِضَة أكثر هذه الفرق كذباً، سئل مالك عن الرَّافِضَة فقال: «لاَ تُكَلِّمْهُمْ وَلاَ تَرْوِ عَنْهُمْ فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ» (٢) ويقول شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، وقد كان معروفاً بالتشيع مع الاعتدال فيه: «أَحْمِلُ [العِلْمَ] عَنْ كُلِّ مَنْ لَقِيتُ إِلاَّ الرَّافِضَةَ، فَإِنَّهُمْ يَضَعُونَ الحَدِيثَ، وَيَتَّخِذُونَهُ دِينًا» (٣) وَقَالَ حَمَّادٌ بْنِ سَلَمَةَ: «حَدَّثَنِي شَيْخٌ لَهُمْ - يَعْنِي الرَّافِضَةَ - قَالَ: كُنَّا إِذَا اجْتَمَعْنَا فَاسْتَحَسَنَّا شَيْئًا جَعَلْنَاهُ حَدِيثًا» (٤) وقال الشافعي: «مَا رَأَيْتُ فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ قَوْمًا أَشْهَدُ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةَ» (٥).
ويستشهد أَهْلُ السُنَّةِ لما وضعته الرَّافِضَةُ من الأحاديث بِحَدِيثِ «الوَصِيَّةِ فِي غَدِيرِ خُمْ» وخلاصته أن النَّبِيَّ ﷺ ، في رجوعه من حَجَّةِ الوداع جمع الصحابة في مكان يقال له «غَدِيرُ خُمْ» وأخذ بيد عَلِيٍّ ﵁ ووقف
стр. 91
به على الصحابة جميعاً وهم يشهدون وقال: «هَذَا وَصِيِّي وَأَخِي وَالخَلِيفَةُ مِنْ بَعْدِي فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوْا». قال أَهْلُ السُنَّةِ: إنه حديث مكذوب بلا شك، وضعته الرَّافِضَةُ وسيأتي بيان كذبه، ومن ذلك: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ وَإِلَىَ نُوحٍ فِي تَقْوَاهُ، وَإِلَى إِبْرَاهِيمَ فِي حِلْمِهِ وَإِلَى مُوسَى فِي هَيْبَتِهِ وَإِلَى عِيسَى فِي عِبَادَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَىَ عَلِيٍّ» وَ «أَنَا مِيزَانُ العِلْمِ، وَعَلِيٌّ كَفَّتَاهُ، وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ خُيُوطُهُ، وَفَاطِمَةُ عَلاَقَتَهُ، وَالأَئِمَّةُ مِنَّا عَمُودٌ تُوزَنُ فِيهِ أَعْمَالُ المُحِبِّينَ لَنَا وَالمُبْغِضِينَ لَنَا». وَ «حُبُّ عَلَيٍّ حَسَنَةً لاَ يَضُرُّ مَعَهَا سَيِّئَةٌ، وَبُغْضُهُ سَيِّئَةٌ لاَ يَنْفَعُ مَعَهَا حَسَنَةٌ» وَمِثْلِ مَا وَضَعُوا فِي حَقِّ فَاطِمَةَ ﵂ «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبيِّ أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِسَفَرْجَلَةٍ مِنَ الجَنَّةِ فَأَكَلَهَا، فَعَلِقَتْ السَيِّدَةُ خَدِيجَةَ بِفَاطِمَةَ، فَكَانَ إِذَا اشْتَاقَ إِلَى رَائِحَةِ الجَنَّةِ شَمَّ فَاطِمَةَ». وأمارات الوضع ظاهرة على هذا الخبر، فإن فاطمة ولدت قبل الإسراء، كما أن خديجة ماتت قبل أن تُفْرَضَ الصلاة، وقد كان فَرْضُهَا ليلة الإسراء بالإجماع.
وكما وضعوا الأحاديث في فضل عَلِيٍّ وآل البيت، وضعوا الأحاديث في ذم الصحابة وخاصة الشيخين وكبار الصحابة، حتى قال ابن أبي الحديد: «فَأَمَّا الأُمُوْرُ المُسْتَبْشَعَةُ التِي تَذْكُرُهَا الشِّيعَةُ مِنْ إِرْسَالِ قُنْفُذٍ إِلَى بَيْتِ فَاطِمَةَ وَأَنَّهُ ضَرَبَهَا بِالسَّوْطِ فَصَارَ فِي عَضُدِهَا كَالَدُّمْلَجِ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَغَطَهَا بَيْنَ البَابِ وَالجِدَارِ، فَصَاحَتْ: " يَا أَبَتَاهُ " وَجَعَلَ فِي عُنُقِ عَلِيٍّ حَبْلاً يُقَادُ بِهِ، وَفَاطِمَةَ خَلْفَهُ تَصْرُخُ، وَابْنَاهُ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ يَبْكِيَانِ»، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ أَبِي الحَدِيدِ فِي ذِكْرِ كَثِيرٍ مِنَ المَثَالِبِ، ثُمَّ قَالَ: «فَكُلُّ ذَلِكَ لاَ أَصْلَ لَهُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَلاَ يُثْبِتُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلاَ رَوَاهُ أَهْلُ الحَدِيثِ وَلاَ يَعْرِفُونَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ تَنْفَرِدُ الشِّيعَةُ بِنَقْلِهِ (١) وَكَذَلِكَ وَضَعُوا الأَحَادِيثَ فِي ذَمِّ مُعَاوِيَةَ " إِذَا رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِي فَاقْتُلُوهُ " وَفِي ذَمِّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ العَاصِ " اللَّهُمَّ أَرْكِسْهُمَا فِي الْفَتْنَةِ وَدُعَّهُمَا فِي النَّارِ دَعًّا "».
وهكذا أسرفت الرَّافِضَةُ في وضع الأحاديث بما يتفق مع أهوائها، وبلغت من
стр. 92
الكثرة حداً مزعجاً. حتى قال الخليلي في " الإرشاد ": «وَضَعَتْ الرَّافِضَةُ فِي فَضَائِلِ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ نَحْوِ ثَلاَثِمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ» ومع ما في قوله من المبالغة فإنه دليل على كثرة ما وضعوا من الأحاديث. ويكاد المسلم يقف مَذْهُولاً من هذه الجرأة البالغة على رسول الله ﷺ ، لولا أن يعلم هؤلاء الرَّافِضَةِ أكثرهم من الفرس الذين تَسَتَّرُوا بالتشيع لينقضوا عُرَى الإسلام، أو مِمَّنْ أسلموا ولم يستطيعوا أن يَتَخَلَّوْا عن كل آثار ديانتهم القديمة، فانتقلوا إلى الإسلام بعقلية وثنية لا يَهُمُّهَا أن تكذب على صاحب الرسالة، لِتُؤَيِّدَ حُباً ثَاوِيًا في أعماق أفئدتها، وهكذا يصنع الجُهًّالُ والأطفال حين يحبون وحين يكرهون.
وقد ضارعهم الجهلة من أَهْلِ السُنَّةِ، فقابلوا - مع الأسف - الكذب بكذب مثله وإن كان أقل منه دائرة وأضيق نطاقاً، ومن ذلك «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ مَكْتُوبٌ عَلَى وَرَقَةٍ مِنْهَا لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ أَبُو بَكْرٌ عُمَرُ الفَارُوقِ عُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ».
وكذلك قابلهم المُتَعَصِّبُونَ لمعاوية وَالأُمَوِيِّينَ فوضعوا أحاديث مثل قولهم: «الأُمَنَاءُ ثَلاَثَةٌ، أَنَا وَجِبْرِيلُ، وَمُعَاوِيَةَ» «أَنْتَ مِنِّي يَا مُعَاوِيَةُ وَأَنَا مِنْكَ» «لاَ أَفْتَقِدُ فَيِ الجَنَّةِ إِلاَّ مُعَاوِيَةُ فَيَأْتِي آَنِفًا بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ، فَأَقُولُ: مِنْ أَيْنَ يَا مُعَاوِيَةُ؟ فَيَقُولُ: مِنْ عِنْدِ رَبِّي يُنَاجِيِنِيٍ وَأُنَاجِيَهِ، فَيَقُولُ: هَذَا بِمَا نِيلَ مِنْ عِرْضِكَ فِي الدُّنْيَا».
وكذلك فعل المؤيدون للعباسيين فوضعوا إزاء حديث وصاية عَلِيٍّ المكذوب وصاية العباس ونسبوا إلى النَّبِيِّ قوله: «العَبَّاسُ وَصِيِّي وَوَارِثِي» ولعل ما يبين مدى الكذب لدى هذه الفئة الحديث المكذوب التالي أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: «إِذَا كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاَثِيَنَ وَمِائَةٍ فَهِيَ لَكَ وَلِوَلَدِكَ، السَفَّاحُ وَالمَنْصُورُ وَالمَهْدِيُّ».
هَلْ كَانَ الخَوَارِجُ يَكْذِبُونَ فِي الحَدِيثِ ؟:
وقد ذكر العلماء هنا بأن أقل الفرق الإسلامية كذباً هي فرقة الخوارج الذين خرجوا على عَلِيٍّ بعد قبوله التحكيم، ويرجع قلة كذبهم إلى أنهم يرون كُفْرَ مرتكب
стр. 93
الكبيرة على ما هو المشهور عنهم، أو مرتكبي الذنوب مطلقاً كما حكاه الكعبي (١) فما كانوا يستحلون الكذب ولا الفسق، وقد كانوا من التقوى على جانب عظيم، ومع ذلك فلم يسلم بعض رؤسائهم من الكذب على الرسول، فقد روي عن شيخ لهم أنه قال: «إِنَّ هَذِهِ الأَحَادِيثَ دِينٌ فَانظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوَيْنَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا» (٢) ويقول عبد الرحمن بن مهدي: «إِنَّ الخَوَارِجَ وَالزَّنَادِقَةَ قَدْ وَضَعُوا هَذَا الحَدِيثَ " إِذَا أَتَاكُمْ عَنِّي حَدِيثٌ فَأَعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ كِتَابَ اللهِ فَأَنَا قُلْتُهُ "» الخ ...
هكذا قال الكاتبون في هذا الموضوع من القُدَامَى وَالمُحْدَثِينَ، ولكني لم أعثر على حديث وضعه خارجي. وبحثت كثيراً في كتب الموضوعات، فلم أعثر على خارجي عُدَّ من الكَذَّابِينَ والوَضَّاعِينَ. أما النص السابق الذي يذكرونه عن شيخ للخوارج. فلا أدري من هو هذا الشيخ؟ وقد سبق مثل هذا التصريح يرويه حماد بن سلمة عن شيخ رافضي، فلماذا لا تكون نسبته إلى شيخ خارجي خطأ؟ خصوصاً ولم نعثر على حديث واحد موضوع.
أما قول عبد الرحمن بن مهدي عن حديث «إِذَا أَتَاكُمْ ... الخ». أنه وضعته الزنادقة والخوارج، فلا أدري مدى صحته بالنسبة لابن مهدي؟ بل هو قول لا دليل عليه. إذ لم يذكر لنا من هو واضعه. ومتى تم هذا الوضع؟ ومما يُؤَكِّدُ شَكَّنَا في هذه النسبة أنه أضاف هذا الحديث أيضاًً للزنادقة، فكيف اتفق الخوارج والزنادقة على وضعه؟ هل وضعوه في وقت واحد؟ أم سبق الخوارج إلى ذلك أم الزنادقة؟ على أن المنقول عن غير ابن مهدي لفظ «الزَّنَادِقَةِ» فقط، قال شمس الحق العظيم آبادي: «فَأَمَّا مَا رَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا جَاءَكُمْ الحَدِيثُ فَاعْرِضُوهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ فَإِنْ وَافَقَ فَخُذُوهُ " فَإِنَّهُ حَدِيثٌ لاَ أَصْلَ لَهُ» (٣). وَقَدْ حَكَىَ زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ عَنْ يَحْيَىَ بْنِ مَعِينٍ أَنَّهُ قَالَ: «هَذَا حَدِيثٌ وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ» ونقل الفُتَّنِي (٤) عن الخَطَّابِي أنه قال أيضاًً: «وَضَعَتْهُ الزَّنَادِقَةُ» وليس في هذين
стр. 94
النصين ذكر الخوارج بحال. على أنه سيأتي معك أن بعضهم حكم على هذا الحديث بالضعف فقط. وسنرى هناك تمام البحث فيه.
لقد حاولت أن أعثر على دليل علمي يؤيد نسبة الوضع إلى الخوارج، ولكني رأيت الأدلة العلمية على العكس، تنفي عنهم هذه التهمة، فقد كان الخوارج كما ذكرنا يُكَفِّرُونَ مرتكب الكبيرة أو مرتكب الذنوب مطلقاً، والكذب كبيرة فكيف إذا كان على رسول الله ﷺ ؟ يقول المبرد: (١) «وَالخَوَارِجُ فِي جَمِيعِ أَصْنَافِهَا تَبَرَّأُ مِنَ الكَاذِبِ وَمِنْ ذَوِي المَعْصِيَةِ الظَّاهِرَةِ» وكانوا في جمهرتهم عُرَبًا أَقْحَاحًا فلم يكن وسطهم بالوسط الذي يقبل الدسائس من الزنادقة وَالشُعُوبِيِّينَ كما وقع ذلك للرافضة، وكانوا في العبادة على حظ عظيم شجعاناً صرحاءَ لا يجاملون ولا يلجؤون إلى التقية كما يفعل الشِّيعَةُ. وقوم هذه صفاتهم يبعد جِدًّا أن يقع منهم الكذب، ولو كانوا يَسْتَحِلَُونَ الكذب على رسول الله ﷺ لاستحلوا الكذب على من دونه من الخلفاء والأمراء والطغاة كَزِيَادٍ وَالحَجَّاجَ، وكل ما بين أيدينا من النصوص التاريخية يدل دلالة قاطعة على أنهم واجهوا الحكام والخلفاء والأمراء بمنتهى الصراحة والصدق فلماذا يكذبون بعد ذلك؟
على أني أعود فأقول: إن المهم عندنا أن نلمس دليلاً محسوساً يدل على أنهم مِمَّنْ وضعوا الحديث، وهذا ما لم أعثر عليه حتى الآن، كيف وقد قال أبو داود: «لَيْسَ فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَصَحَّ حَدِيثًا مِنَ الخَوَارِجِ» ويقول ابن تيمية: «لَيْسَ فِي أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَصْدَقَ وَلاَ أَعْدَلَ مِنَ الخَوَارِجِ» ويقول عنهم أيضاًً: «لَيْسُوا مِمَّنْ يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ بَلْ هُمْ مَعْرُوفُونَ بِالصِّدْقِ حَتَّىَ يُقَالَ: إِنَّ حَدِيثَهُمْ مِنْ أَصَحِّ الحَدِيثِ» (٢).
ثَانِياً - الزَّنْدَقَةُ:
ونعني بها هنا كراهية الإسلام ديناً ودولة، فقد اكتسحت دولة الإسلام
стр. 95
عروشاً وإمارات وزعامات كانت قائمة على تضليل الشعوب في عقائدها، وإذلالها في كرامتها، وتسخيرها للأهواء والمغانم الخسيسة، وقذفها في أتون الحرب التي كانت تثيرها رغبات الفتح والتوسع في نفوس الملوك والقواد، ورأى الناس في ظلال الإسلام كرامة للفرد، واحتراماً للعقيدة، وتحريراً للعقل، وقضاء على الأوهام والأضاليل والشعوذة والتدجيل، فأقبلوا عليه يدخلون فيه أفواجاً أفواجاً. لقد كانت قوة الإسلام السياسية والعسكرية غالبة قاضية لم تُبق لدى أولئك الزعماء والأمراء والقواد أملاً ما في استعادة سلطانهم الزائل ومجدهم المنهار، فلم يجدوا أمامهم مجالاً للانتقام من الإسلام إلا إفساد عقائده، وتشويه محاسنه، وتفريق صفوف أتباعه وجنوده. وكان التزيد في السُنَّةِ أوسع ميادين الدَسِّ والإفساد لديهم، فجالوا فيه وصالوا، متسترين بالتشيع أحياناً، وبالزهد والتصوف أحياناً، وبالفلسفة والحكمة أحياناً، وفي كل ذلك إنما يتوخون إدخال الخلل في بناء ذلك الصرح الشامخ الذي أقامه محمد ﷺ ، وقضى الله أن يظل أبد الدهر قائماً سليماً، يعارك الحوادث وترتد معاول الهدامين في أساسه إلى نحورهم خزايا نادمين.
ومن أمثلة ما وضعوه ليفسدوا به الدين، ويشوهوا كرامته لدى العقلاء وَالمُثَقَّفِينَ، ولينحدروا بعقيدة العامة إلى درجة من السخف تثير سخرية الملحدين، مثل هذه الأحاديث المكذوبة الآتية: «يَنْزِلُ رَبُّنَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقٍ يُصَافِحُ الرُّكْبَانَ وَيُعَانِقُ المُشَاةَ»، «خَلَقَ اللهُ المَلاَئِكَةَ مِنْ شَعْرِ ذِرَاعَيْهِ وَصَدْرِهِ»، «رَأَيْتُ رَبِّي لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حِجَابٌ فَرَأَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ حَتَّىَ رَأَيْتُ تَاجًا مُخَوَّصًا مِنَ اللُّؤْلُؤِ»، «إِنَّ اللهَ اشْتَكَتْ عَيْنَاهُ فَعَادَتْهُ المَلاَئِكَةُ»، «إِنَّ اللهَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ نَفْسَهُ خَلَقَ الخَيْلَ وَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ فَخَلَقَ نَفْسَهُ مِنْهَا»، «إِنَّ اللهَ لَمَّا خَلَقَ الحُرُوفَ سَجَدَُْ البَاءُ وَوَقَفَتْ الأَلِفُ»، «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الجَمِيلِ عِبَادَةٌ»، «الْبَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ».
وهكذا دَسَّ هؤلاء الزنادقة آلاَفاً من الأحاديث في العقائد والأخلاق والطب والحلال والحرام، وقد أقر زنديق أمام «المهدي» بأنه وضع مائة حديث تجول
стр. 96
في أيدي الناس، ولما قُدِّمَ عبد الكريم بن أبي العوجاء للقتل اعترف بأنه وضع أربعة آلاف حديث يُحَرِّمُ فيها الحلال وَيُحَلِّلُ فيها الحرام، وقد لمس بعض خلفاء بني العباس ما وراء حركة الزنادقة من خطر على كيان الإسلام السياسي. فتعقبوهم قتلاً وتشتيتاً. وأشهر من أعمل في رقابهم سيف التأديب الخليفة المهدي الذي أنشأ ديواناً خَاصًّاً للزندقة، تتبع فيه أوكارهم ورؤساءهم من شعراء وأدباء وعلماء ومن أشهر هؤلاء الزنادقة الوَضَّاعِينَ: عبد الكريم بن أبي العوجاء، قتله محمد بن سليمان بن علي أمير البصرة، وبيان بن سمعان المهدي قتله خالد بن عبد الله القسري، ومحمد بن سعيد المصلوب قتله أبو جعفر المنصور.
ثَالِثاً - العَصَبِيَّةُ لِلْجِنْسِ وَالقَبِيلَةِ وَاللُّغَةِ وَالبَلَدِ وَالإِمَامِ:
كما وضع الشُعُوبِيُّونَ حديث «إِنَّ اللهَ إِذَا غَضِبَ أَنْزَلَ الوَحْيَ بِالعَرَبِيَّةِ وَإِذَا رَضِيَ أَنْزَلَ الوَحْيَ بِالفَارِسِيَّةِ» فقابلهم جَهَلَةُ العرب بالمثل فقالوا: «إِنَّ اللهَ إِذَا غَضِبَ أَنْزَلَ الوَحْيَ بِالفَارِسِيَّةِ وَإِذَا رَضِيَ أَنْزَلَ الوَحْيَ بِالعَرَبِيَّةِ» وكما وضع المُتَعَصِّبُونَ لأبي حَنِيفَةَ حديثَ «سَيَكُونُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَالُ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ هُوَ سِرَاجُ أُمَّتِي» وَضَعَ المُتَعَصِّبُونَ عَلَى الشَّافِعِيِّ: «سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدٌ بْنُ إِدْرِيسَ هُوَ أَضَرُّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ إِبْلِيسَ» ومِثلُ هذا يقال في الأحاديث الموضوعة في فضائل بعض البلدان والقبائل والأزمنة، وقد بيَّنَهَا العُلَمَاءُ وَمَيَّزُوهَا من الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع.
رَابِعاً - القِصَصُ وَالوَعْظُ:
فقد تولى مهمة الوعظ قُصَّاصٌ أكثرهم لا يخافون الله. ولا يَهُمُّهُمْ سوى أن يبكي النَّاسُ في مجالسهم، وأن يتواجدوا وأن يعجبوا بما يقولون. فكانوا يضعون القصص المكذوبة وينسبونها إلى النَّبِيِّ ﷺ ، قال ابن قتيبة وهو يتكلم على الوجوه التي دخل منها الفساد على الحديث: «وَالْوَجْهُ الثَّانِي: القُصَّاصُ [عَلَى قَدِيمِ الأَيَّامِ]، فَإِنَّهُمْ يُمِيلُونَ وُجُوهَ الْعَوَامِّ إِلَيْهِمْ [وَيَسْتَدِرُّونَ] مَا عِنْدَهُمْ بِالمَنَاكِيرِ، [وَالْغَرِيبِ]، وَالأَكَاذِيبِ مِنَ الأَحَادِيثِ، وَمِنْ شَأْنِ العَوَامِّ، القُعُودُ عِنْدَ القَاصِّ، مَا كَانَ حَدِيثُهُ عَجِيبًا، خَارِجًا عَنْ [فِطَرِ] العُقُولِ، أَوْ كَانَ رَقِيقًا يُحْزِنُ [الْقُلُوبَ]، [وَيَسْتَغْزِرُ الْعُيُونَ]، فَإِذَا ذَكَرَ الْجَنَّةَ، قَالَ فِيهَا الْحَوْرَاءُ مِنْ
стр. 97
مِسْكٍ، أَوْ زَعْفَرَانٍ، وَعَجِيزَتُهَا مِيلٌ فِي مِيلٍ. وَيُبَوِّئُ اللَّهُ تَعَالَى وَلِيَّهُ قَصْرًا مِنْ لُؤْلُؤَةٍ بَيْضَاءَ، [فِيهِ] سَبْعُونَ أَلِفَ مَقْصُورَةٍ، فِي كُلِّ مَقْصُورَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ قُبَّةٍ ... فَلاَ يَزَالُ فِي [سَبْعِينَ] أَلْفَ كَذَا ... » (١).
ومن أمثلة هذا القسم «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهَ خَلَقَ اللهُ مِنْ كُلِّ كَلِمَةٍ طَيْرًا مِنْقَارُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَرِيشُهُ مِنْ مَرْجَانَ» ومن عجيب أمر هؤلاء القُصَّاصِ جرأتهم على الكذب ووقاحتهم فيه، فَقَدْ صَلَّى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي مَسْجِدِ الرُّصَافَةِ. فَقَامَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ قَاصٌّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، قَالاَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ [عَنْ مَعْمَرٍ] عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله ... وَسَاقَ الحَديثَ السَّابِقَ. وَاسْتَمَرَّ يَذْكُرُ فِيهِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ وَرَقَةً. فَجَعَلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَنْظُرُ إِلَى يَحْيَى، وَيحيى ينظر إِلَى أَحْمد. فَقَالَ: «أَنْتَ حَدَّثْتَهُ بِهَذَا؟» فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ بِهَذَا إِلاَّ السَّاعَةَ». فَلَمَّا انْتَهَى أَشَارَ لَهُ يَحْيَى فَجَاءَ مُتَوَهِّمًا [لِنَوَالٍ يُجِيزُهُ]، فَقَالَ لَهُ يَحْيَى: «مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا [الحَدِيثِ]؟» فَقَالَ: «أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ». فَقَالَ: «أَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَهَذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. مَا [سَمِعْنَا] بِهَذَا قَطُّ فِي حَدِيث رَسُول الله. فَإِن كَانَ لَا بُد وَالْكَذِبُ فَعَلى غَيْرِنَا». [فَقَالَ لَهُ]: «أَنْتَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ؟» قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ أَحْمَقٌ مَا تَحَقَّقْتُهُ إِلاَّ السَّاعَةَ». فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «كَيْفَ [عَلِمْتَ أَنِّي أَحْمَقٌ؟]» قَالَ: «كَأَنْ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ ابْن حَنْبَلٍ غَيْرُكُمَا. قَدْ كَتَبْتُ عَنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنَ مَعِينٍ!» (٢).
ومن المؤسف أن هؤلاء القُصَّاصِ - على جهلهم وجرأتهم في الكذب على الله ورسوله - قد لقوا من العامة آذاناً صاغية ولقي العلماء منهم عَنَتًا كَبِيرًا حتى ليروي السيوطي في " تحذير الخواص من أكاذيب القُُصَّاصِ ": أن أحد هؤلاء القصاص جلس ببغداد، فروى تفسير قوله تعالى ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٣) وزعم أن النَّبِيَّ ﷺ يجلس مع الله على عرشه فبلغ ذلك محمد بن جرير الطبري فغضب من ذلك، وبالغ في إنكاره، وكتب
стр. 98
على باب داره «سُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ لَهُ أَنِيسٌ. وَلاَ لَهُ عَلَى عَرْشِهِ جَلِيسٌ» فثارت عليه عَوَامُّ بغداد ورجموا بيته بالحجارة حتى استد بابه بالحجارة وعلت عليه (١)
خَامِسًا - الخِلاَفَاتُ الفِقْهِيَّةُ وَالكَلاَمِيَّةُ:
فقد نزع الجهال والفسقة من أتباع المذاهب الفقهية والكلامية إلى تأييد مذهبهم بأحاديث مكذوبة. من ذلك «مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الصَّلاَةِ فَلاَ صَلاَةَ لَهُ»، «المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ لِلْجُنُبِ ثَلاَثًا فَرِيضَةً»، «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَجَهَرَ بِـ «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ»، «مَنْ قَالَ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَقَدْ كَفَرَ»، «كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَهُوَ مَخْلُوقٌ غَيْرُ اللهِ وَالقُرْآنِ. وَسيَجِيءُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يَقُولُونَ: القُرْآنُ مَخْلُوقٌ، فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ كَفَرَ بِاللهِ العَظِيمِ وَطُلِّقَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ مِنْ سَاعَتِهَا».
سَادِسًا - الجَهْلُ بِالدِّينِ مَعَ الرَّغْبَةِ فِي الخَيْرِ:
وهو صنيع كثير من الزهاد وَالعُبَّادِ والصالحين، فقد كانوا يحتسبون وضعهم للأحاديث في الترغيب والترهيب، ظناً منهم أنهم يتقربون إلى الله ويخدمون دين الإسلام، ويحببون الناس في العبادات والطاعات، ولما أنكر العلماء عليهم ذلك وَذَكَّرُوهُمْ بقوله ﷺ : «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» قالوا: نحن نكذب له ﷺ لا عليه، وهذا كله من الجهل بالدين وغلبة الهوى والغفلة، ومن أمثلة ما وضعوه في هذا السبيل. حديث فضائل القرآن سورة سورة، فقد اعترف بوضعه نوح بن أبي مريم، واعتذر لذلك بأنه رأى الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق، ومن هؤلاء الوَضَّاعِينَ غُلاَم خَلِيلْ، وقد كان زاهداً متخلياً عن الدنيا وشهواتها، منقطعاً إلى العبادة والتقوى، محبوباً من العامة، حتى إن بغداد أغلقت أسواقها يوم وفاته حزناً عليه، ومع ذلك فقد زَيَّنَ له الشيطان وضع أحاديث في فضائل الأذكار والأوراد حتى قيل له: هذه الأحاديث التي تَحَدَّثَ بها من الرقائق؟ فقال: «وَضَعْنَاهَا لِنُرَقِّقَ بِهَا قُلُوبَ العَامَّةِ».
стр. 99
سَابِعًا - التَقَرُّبُ لِلْمُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ بِمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ:
ومن أمثلة ذلك ما فعله غياث بن إبراهيم، إذ دخل على المهدي وهو يلعب بالحَمَامِ فروى له الحديث المشهور «لاَ سَبَقَ إِلاَّ فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ» (١) وزاد فيه «أَوْ جَنَاحٍ» إرضاءً للمهدي، فمنحه المهدي عشرة آلاف درهم، ثم قال بعد أن وَلَّى: «أَشْهَدُ أَنَّ قَفَاكَ قَفَا كَذَّابٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ »، وَأَمَرَ بِذَبْحِ الحَمَامِ.
وهنالك أسباب أخرى للوضع كالرغبة في الإتيان بغريب الحديث من متن وإسناد، والانتصار للفتيا، والانتقام من فئة معينة، والترويج لنوع من المآكل أو الطيب أو الثياب، وقد توسع العلماء في ذكرها وضربوا لها الأمثال.
ونتيجة لما ذكرناه من بواعث الوضع، نذكر فيما يلي أشهر أصناف الوَضَّاعِينَ وَهُمْ:
١ - الزنادقة.
٢ - أرباب الأهواء والبدع.
٣ - الشُعُوبِيُّونَ.
٤ - المُتَعَصِّبُونَ لجنس أو بلد أو إمام.
٥ - المُتَعَصِّبُونَ للمذاهب الفقهية مع جهل وقلة دين.
٦ - القُصَّاص.
٧ - الزهاد والمغفلون من الصالحين.
٨ - المتملقون للملوك، والطالبون الزلفى إليهم.
٩ - المُتَطَفِّلُونَ على الحديث مِمَّنْ يُفَاخِرُونُ بِعُلوِّ الإسناد وغريب الحديث.
ولا بد لي في ختام هذا البحث من إبداء ملاحظة، كثيراً ما تَرَدَّدَتْ على الخاطر، ثم قويت أثناء كتابة هذا الفصل، وهي ما كان لتساهل الخلفاء والأمراء مع الوَضَّاعِينَ من أثر سَيِّءٍ جَرَّ على الدين كثيراً من البلاء، ولو وقفوا منهم موقف الجد وقضوا على رؤسائهم، كما هو حكم الله في مثل هذه الحالة، لما انتشرت هذا الانتشار، بل رأينا مع الأسف أن خليفة كالمهدي رغماً عن اعترافه بكذب غياث بن إبراهيم وزيادته في الحديث تقرباً إلى هواه، كافأه بعشرة آلاف درهم ... وما تقوله الرواية من أنه أمر بذبح الحَمَامِ لأنه كان سبباً في هذه الكذبة، فهو مدعاة
стр. 100
للعجب ... إذ كان خيراً للمهدي أَنْ يُؤَدِّبَ هذا الكاذب الفاجر، ويترك الحمام من غير ذبح، بدلاً من أن يذبح الحمام ويترك من يستحق الموت حراً طليقاً ينعم بمال المُسْلِمِينَ، بل نحن نرى للمهدي تساهلاً آخر مع كذاب آخر، وهو «مقاتل بن سليمان البلخي» فقد قال له مقاتل: «إِنْ شِئْتََ وَضَعْتُ لَكَ أَحَادِيثَ فِي العَبَّاسِ وَبَنِيهِ» فقال له المهدي: «لاَ حَاجَةَ لِي فِيهَا ... » ثم لم يفعل معه شيئاً. بل نجد أنهم ذكروا عن الرشيد وقد روى له أبو البختري الكَذَّابُ حَدِيثًا مكذوباً،
«أن النَّبِيَّ كَانَ يُطَيِّرُ الحَمَامَ!» لا يزيد في تأنيب أبي البختري - وقد أدرك كذبه - على أن يقول له: «أُخْرُجْ عَنِّي، لَوْلاَ أَنَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ لَعَزَلْتُكَ» وقد كان هذا الكذاب قاضياً للرشيد ... إن هذه المواقف مِمَّا يحاسب الله عليها هؤلاء الخلفاء إِنْ صَحَّتْ عنهم تلك الروايات، وإذا كنا نذكر لهم فضل تَعَقُّبِهِمْ للزنادقة الذين أفسدوا دين الإسلام، فإننا لا ننكر أن من الدوافع التي حملتهم على تَعَقُّبِهِمْ بالقتل هو أنهم كانوا خارجين على حكمهم بدليل أننا لم نرهم فعلوا بِالكَذَّابِينَ وَالوَضَّاعِينَ الذين تقربوا إليهم بالكذب على رسول الله إِرْضَاءً لأهوائهم، عُشْرَ ما فعلوه مع الخارجين على حكمهم، ولقد كان القُصَّاصُ يملأون المساجد بأكاذيبهم على مسمع من الأمراء والملوك، وكان الكَذَّابُونَ مِنَ الزُهَّادِ وغيرهم يسرحون ويمرحون دُونَ أن يجدوا من يضرب على أيديهم ويوقفهم عند حَدِّهِمْ، ولولا أن هَيَّأَ الله لدينه من العلماء الأثبات والأئمة الحفاظ في كل مصر وعصر، يَذُبُّونَ عن شريعة الله تحريف المُحَرِّفِينَ، وَيُجَرِّدُونَ سُنَّةَ رسول الله من كل ما خالطها من دَسٍّ وتحريف، لكانت المصيبة شاملة، ولكانت معالم الحق في دين الله مدروسة مطموسة، لا نستطيع أن نهتدي إليها إلا بشق الأنفس، وهيهات أن نصل إلى لُبَابِ الحق لولا نهضة السلف الجبارة التي قَاوَمُوا بها الوضع وَالوَضَّاعِينَ، وحفظوا بها حديث رسول الله من الكذب وَالكَذَّابِينَ إلى يوم الدين.
стр. 101
الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي جُهُودِ العُلَمَاءِ لِمُقَاوَمَةِ حَرَكَةِ الوَضْعِ:
لا يستطيع من يدرس موقف العلماء - منذ عصر الصحابة إلى أن تم تدوين السُنَّةِ - من الوضع وَالوَضَّاعِينَ وجهودهم في سبيل السُنّةِ وتمييز صحيحها من فاسدها، إلا أن يحكم بأن الجهد الذي بذلوه في ذلك لا مزيد عليه، وأن الطرق التي سلكوها هي أقوم الطرق العلمية للنقد والتمحيص، حتى لنستطيع أن نجزم بأن علماءنا ﵏، هم أول من وضعوا قواعد النقد العلمي الدقيق للأخبار والمرويات بين أمم الأرض كلها، وأن جهدهم في ذلك جهد تفاخر به الأجيال وتتيه به على الأمم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم.
وإليك بيان الخطوات التي ساروها في سبيل النقد حتى أنقذوا السُنَّةَ مِمَّا دُبِّرَ لها من كيد، ونظفوها مِمَّا علق بها من أوحال.
أَوَلاً - إسناد الحديث: لم يكن صحابة رسول الله ﷺ بعد وفاته يشك بعضهم في بعض كما رأيت، ولم يكن التابعون يتوقفون عن قبول أي حديث يرويه صحابي عن رسول الله، حتى وقعت الفتنة وقام اليهودي الخاسر عبد الله بن سبأ بدعوته الآثمة التي بناها على فكرة التشيع الغالي القائل بألوهية عَلِيٍّ ﵁، وأخذ الدَسُّ عَلَى السُنَّةِ يربو عصراً بعد عصر، عندئذ بدأ العلماء من الصحابة والتَّابِعِينَ يتحرون في نقل الأحاديث ولا يقبلون منها إلا ما عرفوا طريقها وَرُوَّاتِهَا، واطمأنوا إلى ثقتهم وعدالتهم. يقول ابن سيرين فيما يرويه عنه الإمام مسلم في " مقدمة صحيحه ": «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ. فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنظَرُ إِلَى أَهْلِ البِدَعِ فَلاَ يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» وقد ابتدأ هذا التثبت منذ عهد صغار الصحابة
стр. 102
الذين تأخرت وفاتهم عن زمن الفتنة، فقد روى مسلم في " مقدمة صحيحه " عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ بُشَيْرًا العَدَوِيَّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَذَا، فَجَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ لا يَأْذَنُ لِحَدِيثِهِ، ولا يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَالِي لا أَرَاكَ تَسْمَعُ لِحَدِيثِي؟ أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا تَسْمَعُ»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: «إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعْنَا رَجُلاً يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ابْتَدَرَتْهُ أَبْصَارُنَا، وَأَصْغَيْنَا إِلَيْهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعْبَ وَالذَّلُولَ، لَمْ نَأْخُذْ مِنْ النَّاسِ إلاَّ مَا نَعْرِفُ». ثم أخذ التابعون في المطالبة بالإسناد حين فشا الكذب يقول أبو العالية: «كُنَّا نَسْمَعُ الحَدِيثَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلاَ نَرْضَى حَتَّى نَرْكَبَ إِلَيْهِمْ فَنَسْمَعَهُ مِنْهُمْ» ويقول ابن المبارك: «الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلاَ الإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ». ويقول ابن المبارك أيضاًً: «بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ» يعني الإسناد (١).
ثَانِياً - التوثق من الأحاديث وذلك بالرجوع إلى الصحابة والتَّابِعِينَ وأئمة هذا الفن، فلقد كان من عناية الله بِسُنَّةِ نبيه أن مَدَّ في أعمار عدد من أقطاب الصحابة وفقهائهم ليكونوا مَرْجِعًا يهتدي الناس بهديهم، فلما وقع الكذب لجأ الناس إلى هؤلاء الصحابة يسألونهم ما عندهم أَوَلاً، ويستفتونهم فيما يسمعونه من أحاديث وآثار. روى مسلم في " مقدمة صحيحه " عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابًا، وَيُخْفِي عَنِّي، فَقَالَ: «وَلَدٌ نَاصِحٌ أَنَا أَخْتَارُ لَهُ الأُمُورَ اخْتِيَارًا، وَأُخْفِي عَنْهُ»، [قَالَ]: فَدَعَا بِقَضَاءِ عَلِيٍّ، فَجَعَلَ يَكْتُبُ مِنْهُ أَشْيَاءَ، وَيَمُرُّ [بِهِ] الشَّيْءُ، فَيَقُولُ: «وَاللهِ مَا قَضَى بِهَذَا عَلِيٌّ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ضَلَّ» ولهذا الغرض أنه كثرت رحلات التَّابِعِينَ بل بعض الصحابة أيضاًً من مصر إلى مصر ليسمعوا الأحاديث الثابتة من الرُوَّاةِ الثقات، وقد تقدم لك سفر جابر بن عبد الله إلى الشام، وأبي أيوب إلى مصر لسماع الحديث. ويقول سعيد بن المسيب: «إِنِّي كُنْتُ لأَسِيرُ
стр. 103
اللَّيَالِي وَالأَيَّامَ فِي طَلَبِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ» (١) وَحَدَّثَ الشَّعْبِيُّ مَرَّةً بِحَدِيثٍ عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ ثُمَّ قَالَ لِمَنْ حَدَّثَهُ بِهِ: «خُذْهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ قَدْ كَانَ الرَّجُلُ يَرْحَلُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ» (٢) وَيَقُولُ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الحَضْرَمِيِّ (*) قَالَ: «إِنْ كُنْتُ لأَرْكَبُ إِلَى المِصْرِ مِنَ الأَمْصَارِ فِي الحَدِيثِ الْوَاحِدِ لأَسْمَعَهُ» (٣).
ثَالِثاً - نقد الرُوَاة. وبيان حالهم من صدق أو كذب. وهذا باب عظيم وصل منه العلماء إلى تمييز الصحيح من المكذوب والقوي من الضعيف. وقد أبلوا فيه بلاء حسناً. واتبعوا الرُوَّاةَ ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم وما خفي من أمرهم وما ظهر. ولم تأخذهم في الله لومة لائم، ولا منعهم عن تجريح الرُوَّاةَ والتشهير بهم ورع ولا حرج، قيل ليحيى بن سعيد القطان: «أَمَا تَخْشَى أَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ الذِينَ تَرَكْتَ حَدِيثَهُمْ خُصَمَاءَكَ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ؟» فَقَالَ: «لأَنْ يَكُونَ هَؤُلاَءِ خَصْمِي أَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ خَصْمِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: لِمَ لَمْ تَذُبَّ الكَذِبَ عَنْ حَدِيثِي؟».
وقد وضعوا لذلك قواعد ساروا عليها فيمن يؤخذ منه ومن لا يؤخذ، ومن يُكتَبُ عنه ومن لا يُكتَبُ عنه.
ومن أهم أصناف المتروكين الذين لا يؤخذ حديثهم.
١ - الكَاذِبُونَ على رسول الله ﷺ ، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يؤخذ حديث من كذب على النَّبِيِّ، كما أجمعوا على أنه من أكبر الكبائر، واختلفوا في كفره: فقال به جماعة، وقال آخرون بوجوب قتله واختلفوا في توبته هل تقبل أم لا؟ فرأى أحمد بن حنبل وأبو بكر الحُمَيْدِي شيخ البخاري أنه لا تقبل توبته أَبَداً، واختار النووي القطع بصحة توبته وقبول كشهادته، وحاله كحال الكافر إذا أسلم. وذهب أبو المظفر السمعاني إلى أن من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من أحاديثه.
стр. 104
٢ - الكَاذِبُونَ في أحاديثهم العامة: ولو لم يكذبوا على الرسول ﷺ ، وقد اتفقوا على أن من عُرِفَ عنه الكذب ولو مرة واحدة ترك حديثه، قال مالك ﵀: «لاَ يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ مُعْلِنٌ بِالسَّفَهِ وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ، وَرَجُلٌ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتُ لَا أَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَصَاحِبُ هَوَىً يَدْعُو النَّاسَ إِلَىَ هَوَاهُ، وَشَيْخٌ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ» (*).
وأما من تاب من كذبه وعرفت عدالته بعد ذلك، فالجمهور على قبول توبته وخبره، وخالف أبو بكر الصيرفي فقال: «كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهْلَ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ».
٣ - أصحاب البدع والأهواء: وكذلك اتفقوا على أنه لا يقبل حديث صاحب البدعة إذا كفر ببدعته، وكذا إذا استحل الكذب وإن لم يكفر ببدعته، أما إذا لم يستحل الكذب فهل يقبل أم لا؟ أو يُفرِّق بين كونه داعية أو غير داعية؟ قال الحافظ ابن كثير: «فِيْ ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْنَ قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، وَالذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ (١). وَقَدْ حُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى ابْنُ حِبَّانَ عَلَيْهِ الاتِّفَاقَ فَقَالَ: " لاَ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً، لاَ أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلاَفًا ". وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعِ اتِّفَاقٍ كَمَا ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ، فَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ لِعِمْرَانَ بْنِ حَطَّانَ الخَارِجِيَِّ مَادِحَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجِمٍ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الدُّعَاةِ إِلَى رَأْيِ الْخَوَارِجِ، وَأَيِضَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ إِلاَّ الخَطَّابِيَّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ، لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ "» (٢).
وقد نقل الإمام عبد القادر البغدادي في كتابه " الفرق بين الفرق " أن الشافعي عدل أخيراً عن رأيه في قبول شهادة أهل الأهواء وزاد في الاستثناء المعتزلة (٣) والذي يظهر لي أنهم يرفضون رواية المبتدع إذا روى ما يوافق بدعته، أو كان من طائفة عرفت بإباحة
стр. 105
الكذب ووضع الحديث في سبيل أهوائها، ولهذا رفضوا رواية الرَّافِضَة (١) وقبلوا رواية بعض الشِيعَة الذين عرفوا بالصدق والأمانة، كما قبلوا رواية المبتدع إذا كان هو أو جماعته لا يستحلُون الكذب كـ «عِمْرَانِ بْنِ حِطَّانْ».
٤ - الزَّنَادِقَةُ، وَالفُسَّاقُ، وَالمُغَفَّلُونَ الذين لا يفهمون ما يُحَدِّثُونَ، وكل من لا تتوفر فيهم صفات الضبط والعدالة والفهم، قال الحافظ ابن كثير: «المَقْبُولُ الثِّقَةُ الضَّابِطُ لِمَا يَرْوِيهِ، وَهُوَ المُسْلِمُ العَاقِلُ البَالِغُ سَالِمًا مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المُرُوءَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظًا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، فَاهِمًا إِنْ حَدَّثَ عَنْ المَعْنَى، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا رُدَّتْ رِوَايَتُهُ» (٢).
والرُّوَاةُ الذين يتوقف في قبول روايتهم أصناف، من أهمهم:
١ - مَنْ اخْتُلِفَ في تجريحه وتعديله.
٢ - مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ وخالف الأئمة الثقات في مروياتهم.
٣ - مَنْ كَثُرَ نسيانه.
٤ - من اختلط آخر عمره.
٥ - من ساء حفظه.
٦ - من كان يأخذ عن الثقات والضعفاء ولا يتحرى.
رَابِعاً - وضع قواعد عامة لتقسيم الحديث وتمييزه:
وذلك أنهم قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن وضعيف.
حَدُّ الصَّحِيحِ: أما الصحيح فهو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى منتهاه من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذاً ولا مردوداً ولا مُعَلَّلاً بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ (٣) واحترزوا باتصال السند عن انقطاع سلسلته فإن سقط منه الصحابي كان مُرْسَلاً، وهو عند جمهور المُحَدِّثِينَ غير محتج به، وَنَازِلٌ عن مرتبة الصحيح وفيه خلاف بين الفقهاء.
стр. 106
الحَسَنُ: واختلفوا في حد الحسن لأنه كما قال الشيخ ابن الصلاح: لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر، عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نِسْبِيٌّ، شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عنه عبارته، ثم اختار التعبير عنه بقوله: «الحَدِيثُ الحَسَنُ قِسْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) الحَدِيثُ الذِي لاَ يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلاً كَثِيرَ الخَطَأِ، وَلاَ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ، وَيَكُونُ مَتْنُ الحَدِيثِ قَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ المَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ وَلاَ يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مُنْكَرًا وَلاَ يَكُونُ المَتْنُ شَاذًّا ولا مُعَلَّلاً» (١).
هذا ولم يكن قدماء المُحَدِّثِينَ في القرن الأول والثاني قد اصطلحوا على تسمية قسم من الأحاديث بهذا الاسم (الحسن) وإنما حدث بعد ذلك في عصر أحمد والبخاري، ثم اشتهر بعد ذلك.
الضَّعِيفُ: وهو القسم الثالث من أنواع الحديث عندهم، وهو ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن، وقد سموه باعتبار منشأ الضعيف فيه إما في سنده، أو في متنه.
فمن أنواعه (المُرْسَلُ) وهو ما رفعه التابعي إلى النَّبِيِّ ﷺ من غير ذكر الصحابي. وفي حُجِيَّتِهِ خلاف بين الفقهاء، أما المُحَدِّثُونَ فقد اتفقت آراؤهم على ألاَّ يعمل به، قال الإمام مسلم في " مقدمة صحيحه ": «وَالْمُرْسَلُ [مِنَ الرِّوَايَاتِ] فِي أَصْلِ قَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ» وقال الشيخ الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: «وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ وَالحُكْمِ بِضَعْفِهِ، هُوَ الذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ آرَاءُ جَمَاعَةِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِ الأَثَرِ وَتَدَاوَلُوُهُ فِي تَصَانِيفِهِمْ» وَلاَ شَكَّ أَنَّ هذا مبلغ الاحتياط في دين اللهِ وحفظ سُنَّةِ رَسُولِهِ، فإنهم مع اتِّفَاقِهِمْ
стр. 107
على عدالة الصحابة اتفقوا على ضعف المرسل، مع أنه لم يسقط منه إلا الصحابي، واحتمال أن يكون الصحابي قد رواه عن تابعي احتمال ضعيف جِدًّا لم يقع، ولو وقع لَبَيَّنَهُ الصحابي (١) فإذا كان التابعي الثقة أسقط الصحابي وهم كلهم عدول، فما الذي يضير الحديث؟ ولكنه الضبط والاحتياط اللذان عرف بها علماء هذه الأُمَّةِ.
ومن أنواع الضعيف (المُنْقَطِعُ) وهو أن يسقط من الإسناد رجل (غير الصحابي) أو يذكر فيه رجل مُبْهَمٌ.
ومنه (المُعْضَلُ) وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعداً، ومنه ما يرسله تابع التابعي عن الرسول ﷺ .
ومنه (الشَاذُّ) وقد عَرَّفَهُ الشافعي بأن يروي الثِّقَةُ حَدِيثًا يخالف ما روى الناس فهذا يتوقف فيه، وَعَرَّفَهُ حُفَّاظُ الحَدِيثِ: بأنه ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة. ولكن تعريف الشافعي أولى لأنه يلزم على التعريف الثاني التوقف في أحاديث كثيرة لا يرويها إلا رَاوٍ واحد من الثقات، كيف وقد قال مسلم: «لِلْزُّهْرِيِّ تِسْعُونَ حَرْفًا لاَ يَرْوِيهَا غَيْرُهُ»؟
ومنه (المُنْكَرُ) وهو ما شَذَّ به الراوي الذي ليس بعدل ولا ضابط فإنه يُرَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ.
ومنه (المُضَطَرِبُ) وهو أن تختلف روايات الحديث في متنه أو سنده، ولا يمكن ترجيح إحداهما على الباقية لاستوائها جَمِيعًا في الصحة ورواية الثقات، وهو ضعيف إلا أنه كان الاختلاف في اسم أبيه أو نسبته مثلاً ويكون الراوي ثقة، فعندئذ يحكم للحديث بالصحة.
стр. 108
المَوْضُوعُ وَعَلاَمَاتُهُ:
وكما وضع العلماء القواعد لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف من أقسام الحديث، وضعوا قواعد لمعرفة الموضوع وذكروا له علامات يعرف بها، وقد ذكرنا من قبل أصناف الوَضَّاعِينَ والأسباب الحاملة على ذلك، ونذكر الآن العلامات التي تدل على الوضع وَنُقَسِّمُهَا إلى قسمين: علامات في السند وعلامات في المتن.
عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي السَّنَدِ:
وهي كثيرة أهمها:
١ - أن يكون راويه كَذَّابًا معروفًا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره، وقد عنوا بمعرفة الكَذَّابِينَ وتواريخهم وتتبعوا ما كذبوا فيه بحيث لم يفلت منهم أحد.
٢ - أن يعترف وَاضِعُهُ بالوضع، كما اعترف أبو عصمة نوح بن أبي مريم بوضعه أحاديث فضائل السور، وَكَمَا اعْتَرَفَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ بِوَضْعِ أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيثٍ، يُحَرِّمُ فِيهَا الحَلاَلَ، وَيُحَلِّلُ فِيهَا الحَرَامَ (١).
٣ - أن يروي الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له أو ولد بعد وفاته، أو لم يدخل المكان الذي ادَّعَى سماعه فيه، كَمَا ادَّعَى مَأْمُونُ بْنُ أَحْمَدَ الهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ هِشَامٍ بْنِ عَمَّارٍ، فَسَأَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ: «مَتَى دَخَلْتَ الشَّامَ؟» قَالَ: «سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ»، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «فَإِنَّ هِشَامًا الذِي تَرْوِي عَنْهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ» (٢)، وكما حَدَّثَ عبد الله بن إسحاق الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب، فقيل له: «مَاتَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ بِتِسْعِ سِنِينَ» (٣)، وكما حَدَّثَ محمد بن حاتم الكشي عن عبد بن حميد فقال الحاكم أبو عبد الله: «هَذَا الشَّيْخُ سَمِعَ مِنْ عَبْدٍ بْنُ حُمَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً»، وفي " مقدمة مسلم ": «أَنَّ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ»، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ - يَعْنِي الفَضْلَ بْنَ دُكَيْنِ حَاكِيهِ عَنْ المُعَلَّى -: «أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» وذلك لأن ابن مسعود تُوُفِّيَ سَنَةَ اثنتين أو ثلاثة وثلاثين قبل انقضاء خلافة عثمان بثلاثة سنين، ولا شك أن العمدة في
стр. 109
مثل هذه الحالة على التاريخ، تاريخ مواليد الرُّوَاة وإقامتهم ورحلاتهم وشيوخهم ووفاتهم. ولذلك كان علم الطبقات علماً قائماً بذاته لا يستغني عنه نُقَّادُ الحديث، قال حفص بن غياث القاضي: «إِذَا اتَّهَمْتُمْ الشَّيْخَ فَحَاسِبُوهُ بِالسِّنِينَ»، يعني سِنُّهُ وسِنُّ من كتب عنه، وقال سفيان الثوري: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمْ التَّوَارِيخَ».
٤ - وقد يستفاد الوضع من حال الراوي وبواعثه النفسية، مثل ما أخرجه الحاكم عن سَيْفِ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ قَالَ [كُنْتُ] عِنْدَ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ فَجَاءَ ابْنُهُ مِنَ الكُتَّابِ فَقَالَ: " مَالَكَ؟ " قَالَ: " ضَرَبَنِي الْمُعَلِّمُ " فَقَالَ: " لأُخْزِيَنَّهُمُ اليَوْمَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُمْ عَلَى المِسْكِينِ» ومثل حديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» فإن واضعه محمد بن الحجاج النخعي، كان يبيع الهريسة.
عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي المَتْنِ:
أما علامات الوضع في المتن فهي كثيرة أهمها:
١ - ركاكة اللفظ: بحيث يدرك العليم بأسرار البيان العربي أن مثل هذا اللفظ ركيك لا يصدر عن فصيح ولا بليغ فكيف بسيد الفصحاء ﷺ ؟ قال الحافظ ابن حجر: «وَمَحَلُّ هَذَا إِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ ». قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ - أَيْ بِالْوَضْعِ - بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْوِيِّ [وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ]، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُمْ - لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ» (١).
قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: «وَشَاهِدُ هَذَا أَنَّ إِنْسَانًا لَوْ خَدَمَ إِنْسَانًا سِنِينَ، وَعَرَفَ مَا يُحِبُّ، وَمَا يَكْرَهُ، فَادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ شَيْئًا، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ، فَبِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ يُبَادِرُ إِلَى تَكْذِيبِهِ» (٢).
٢ - فساد المعنى: بأن يكون الحديث مخالفاً لبدهيات العقول من غير أن يمكن تأويله مثل: «إِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ طَافَتْ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّتْ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ» أو أن يكون مخالفاً للقواعد العامة في الحكم والأخلاق مثل «جَوْرُ التُّرْكِ وَلاَ عَدْلَ العَرَبِ» أو داعياً إلى الشهوة والمفسدة مثل «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الحَسَنِ يُجْلِي البَصَرَ»
стр. 110
أو مخالفاً لِلْحِسِّ والمشاهدة مثل «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» أو مخالفاً لقواعد الطب المتفق عليها مثل «البَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» أو مخالفاً لما يوجبه العقل لله من تنزيه وكمال، نحو «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الفَرَسَ فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ، فَخَلَقَ نَفَسَهُ مِنْهَا» أو يكون مخالفاً لقطعيات التاريخ أو سُنَّةِ الله في الكون والإنسان، مثل حديث: عوج بن عنق وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع. وأن نوحاً لما خوفه الغرق، قال: احملني في قصعتك هذه، يعني (السفينة) وَأَنَّ الطُوفَانَ لَمْ يَصِلْ إِلَى كَعْبِهِ وأنه كان يدخل يده في البحر فيلتقط السمكة من قاعه ويشويها قرب الشمس. ومن ذلك حديث رتن الهندي وأنه عاش ستمائة سَنَةً وأدرك النَّبِيّ ﷺ .
أو يكون مشتملاً على سخافات وسماجات يصان عنها العقلاء مثل «الدِّيكُ الأَبْيَضُ حَبِيبِي وَحَبِيبُ حَبِيبِي جِبْرِيلُ» ومثل «اتَّخِذُوا الحَمَامَ المَقَاصِيصَ فَإِنَّهَا تُلْهِي الجِنَّةَ عَنْ صِبْيَانِكُمْ» وهكذا كل ما يَرُدُّهُ العقل بداهة فهو باطل مردود.
قال ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: كُلُّ حَدِيثٍ رَأَيْتَهُ تُخَالِفُهُ العُقُولُ وَتُنَاقِضُهُ الأُُصُولُ وَتُبَايِنُهُ النُقُولُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ».
وقال الرازي في " المحصول ": «كُلُّ خَبَرٍ أَوْهَمَ بَاطِلاً، وَلَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ، فَمَكْذُوبٌ، أَوْ نَقَصَ مِنْهُ مَا يُزِيلُ الوَهْمَ».
٣ - مخالفته لصريح القرآن: بحيث لا يقبل التأويل، مثل «وَلَدُ الزِّنَا لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَى سَبْعَةِ أَبْنَاءَ» فإنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) بل هذا الحديث الموضوع مأخوذ من التوراة، فإنه من أحكامها. ومثل ذلك أن يكون مخالفاً لصريح السُنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ: مِثْلَ «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أَحَدِّثْ» فإنه مخالف للحديث المتواتر «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أو يكون مخالفاً للقواعد العامة المأخوذة من القرآن وَالسُنَّةِ، مثل في «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ فِي الجَنَّةِ» ومثل في «آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَلاَّ أُدْخِلَ النَّارَ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدٌ» فإن هذا مخالف للمعلوم المقطوع به من أحكام القرآن وَالسُنَّةُِ من أن النجاة بالأعمال الصالحة لا بالأسماء والألقاب. أو أن يكون مخالفاً للإجماع، مثل في «مَنْ قَضَى صَلَوَاتٍ مِنِ الفَرَائِضِ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ ذَلِكَ جَابِرًا لِكُلِّ صَلاَةٍ فَاتَتْهُ مِنْ عُمْرِهِ إِلَى