← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37639

السنة ومكانتها للسباعي ط الوراق

مصطفى السباعي

Полный текст (510 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢ - الكَاذِبُونَ في أحاديثهم العامة: ولو لم يكذبوا على الرسول ﷺ ، وقد اتفقوا على أن من عُرِفَ عنه الكذب ولو مرة واحدة ترك حديثه، قال مالك ﵀: «لاَ يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ: رَجُلٌ مُعْلِنٌ بِالسَّفَهِ وَإِنْ كَانَ أَرْوَى النَّاسِ، وَرَجُلٌ يَكْذِبُ فِي أَحَادِيثِ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتُ لَا أَتَّهِمُهُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَىَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَصَاحِبُ هَوَىً يَدْعُو النَّاسَ إِلَىَ هَوَاهُ، وَشَيْخٌ لَهُ فَضْلٌ وَعِبَادَةٌ إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ مَا يُحَدِّثُ بِهِ» (*). وأما من تاب من كذبه وعرفت عدالته بعد ذلك، فالجمهور على قبول توبته وخبره، وخالف أبو بكر الصيرفي فقال: «كُلُّ مَنْ أَسْقَطْنَا خَبَرَهُ مِنْ أَهْلَ النَّقْلِ بِكَذِبٍ وَجَدْنَاهُ عَلَيْهِ لَمْ نَعُدْ لِقَبُولِهِ بِتَوْبَةٍ تَظْهَرُ». ٣ - أصحاب البدع والأهواء: وكذلك اتفقوا على أنه لا يقبل حديث صاحب البدعة إذا كفر ببدعته، وكذا إذا استحل الكذب وإن لم يكفر ببدعته، أما إذا لم يستحل الكذب فهل يقبل أم لا؟ أو يُفرِّق بين كونه داعية أو غير داعية؟ قال الحافظ ابن كثير: «فِيْ ذَلِكَ نِزَاعٌ بَيْنَ قَدِيمٍ وَحَدِيثٍ، وَالذِي عَلَيْهِ الأَكْثَرُونَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ (١). وَقَدْ حُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ، وَحَكَى ابْنُ حِبَّانَ عَلَيْهِ الاتِّفَاقَ فَقَالَ: " لاَ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهِ عِنْدَ أَئِمَّتِنَا قَاطِبَةً، لاَ أَعْلَمُ بَيْنَهُمْ خِلاَفًا ". وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَوْضِعِ اتِّفَاقٍ كَمَا ادَّعَى ابْنُ حِبَّانَ، فَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ لِعِمْرَانَ بْنِ حَطَّانَ الخَارِجِيَِّ مَادِحَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجِمٍ وَقَدْ كَانَ مِنْ أَكْبَرِ الدُّعَاةِ إِلَى رَأْيِ الْخَوَارِجِ، وَأَيِضَا فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " أَقْبَلُ شَهَادَةَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ إِلاَّ الخَطَّابِيَّةَ مِنَ الرَّافِضَةِ، لأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الشَّهَادَةَ بِالزُّورِ لِمُوَافِقِيهِمْ "» (٢). وقد نقل الإمام عبد القادر البغدادي في كتابه " الفرق بين الفرق " أن الشافعي عدل أخيراً عن رأيه في قبول شهادة أهل الأهواء وزاد في الاستثناء المعتزلة (٣) والذي يظهر لي أنهم يرفضون رواية المبتدع إذا روى ما يوافق بدعته، أو كان من طائفة عرفت بإباحة

стр. 107

الكذب ووضع الحديث في سبيل أهوائها، ولهذا رفضوا رواية الرَّافِضَة (١) وقبلوا رواية بعض الشِيعَة الذين عرفوا بالصدق والأمانة، كما قبلوا رواية المبتدع إذا كان هو أو جماعته لا يستحلُون الكذب كـ «عِمْرَانِ بْنِ حِطَّانْ». ٤ - الزَّنَادِقَةُ، وَالفُسَّاقُ، وَالمُغَفَّلُونَ الذين لا يفهمون ما يُحَدِّثُونَ، وكل من لا تتوفر فيهم صفات الضبط والعدالة والفهم، قال الحافظ ابن كثير: «المَقْبُولُ الثِّقَةُ الضَّابِطُ لِمَا يَرْوِيهِ، وَهُوَ المُسْلِمُ العَاقِلُ البَالِغُ سَالِمًا مِنْ أَسْبَابِ الفِسْقِ وَخَوَارِمِ المُرُوءَةِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ مُتَيَقِّظًا غَيْرَ مُغَفَّلٍ، حَافِظًا إِنْ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ، فَاهِمًا إِنْ حَدَّثَ عَنْ المَعْنَى، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِمَّا ذَكَرْنَا رُدَّتْ رِوَايَتُهُ» (٢). والرُّوَاةُ الذين يتوقف في قبول روايتهم أصناف، من أهمهم: ١ - مَنْ اخْتُلِفَ في تجريحه وتعديله. ٢ - مَنْ كَثُرَ خَطَؤُهُ وخالف الأئمة الثقات في مروياتهم. ٣ - مَنْ كَثُرَ نسيانه. ٤ - من اختلط آخر عمره. ٥ - من ساء حفظه. ٦ - من كان يأخذ عن الثقات والضعفاء ولا يتحرى. رَابِعاً - وضع قواعد عامة لتقسيم الحديث وتمييزه: وذلك أنهم قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام: صحيح، وحسن وضعيف. حَدُّ الصَّحِيحِ: أما الصحيح فهو ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، أو إلى منتهاه من صحابي أو من دونه، ولا يكون شاذاً ولا مردوداً ولا مُعَلَّلاً بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ (٣) واحترزوا باتصال

стр. 108

السند عن انقطاع سلسلته فإن سقط منه الصحابي كان مرسلا، وهو عند جمهور المُحَدِّثِين غير محتج به، ونازل عن مرتبة الصحيح وفيه خلاف بين الفقهاء. الحَسَنُ: واختلفوا في حد الحسن لأنه كما قال الشيخ ابن الصلاح: لما كان وسطاً بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر لا في نفس الأمر، عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة، وذلك لأنه أمر نِسْبِيٌّ، شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عنه عبارته، ثم اختار التعبير عنه بقوله: «الحَدِيثُ الحَسَنُ قِسْمَانِ: (أَحَدُهُمَا) الحَدِيثُ الذِي لاَ يَخْلُو رِجَالُ إِسْنَادِهِ مِنْ مَسْتُورٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَيْسَ مُغَفَّلاً كَثِيرَ الخَطَأِ، وَلاَ هُوَ مُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ، وَيَكُونُ مَتْنُ الحَدِيثِ قَدْ رُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آَخَرَ، (الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ رَاوِيهِ مِنَ المَشْهُورِينَ بِالصِّدْقِ وَالأَمَانَةِ وَلَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ رِجَالِ الصَّحِيحِ فِي الحِفْظِ وَالإِتْقَانِ وَلاَ يُعَدُّ مَا يَنْفَرِدُ بِهِ مُنْكَرًا وَلاَ يَكُونُ المَتْنُ شَاذًّا ولا مُعَلَّلاً» (١). هذا ولم يكن قدماء المُحَدِّثِينَ في القرن الأول والثاني قد اصطلحوا على تسمية قسم من الأحاديث بهذا الاسم (الحسن) وإنما حدث بعد ذلك في عصر أحمد والبخاري، ثم اشتهر بعد ذلك. الضَّعِيفُ: وهو القسم الثالث من أنواع الحديث عندهم، وهو ما لم تجتمع فيه صفات الصحيح ولا صفات الحسن، وقد سموه باعتبار منشأ الضعيف فيه إما في سنده، أو في متنه. فمن أنواعه (المُرْسَلُ) وهو ما رفعه التابعي إلى النَّبِيِّ ﷺ من غير ذكر الصحابي. وفي حُجِيَّتِهِ خلاف بين الفقهاء، أما المُحَدِّثُونَ فقد اتفقت آراؤهم على ألاَّ يعمل به، قال الإمام مسلم في " مقدمة صحيحه ": «وَالْمُرْسَلُ [مِنَ الرِّوَايَاتِ] فِي أَصْلِ قَوْلِنَا، وَقَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالأَخْبَارِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ» وقال الشيخ الحافظ أبو عمرو بن الصلاح: «وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ سُقُوطِ الاحْتِجَاجِ بِالمُرْسَلِ وَالحُكْمِ بِضَعْفِهِ، هُوَ الذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ آرَاءُ جَمَاعَةِ حُفَّاظِ الحَدِيثِ وَنُقَّادِ الأَثَرِ

стр. 109

وَتَدَاوَلُوُهُ فِي تَصَانِيفِهِمْ» وَلاَ شَكَّ أَنَّ هذا مبلغ الاحتياط في دين اللهِ وحفظ سُنَّةِ رَسُولِهِ، فإنهم مع اتِّفَاقِهِمْ على عدالة الصحابة اتفقوا على ضعف المرسل، مع أنه لم يسقط منه إلا الصحابي، واحتمال أن يكون الصحابي قد رواه عن تابعي احتمال ضعيف جِدًّا لم يقع، ولو وقع لَبَيَّنَهُ الصحابي (١) فإذا كان التابعي الثقة أسقط الصحابي وهم كلهم عدول، فما الذي يضير الحديث؟ ولكنه الضبط والاحتياط اللذان عرف بها علماء هذه الأُمَّةِ. ومن أنواع الضعيف (المُنْقَطِعُ) وهو أن يسقط من الإسناد رجل (غير الصحابي) أو يذكر فيه رجل مُبْهَمٌ. ومنه (المُعْضَلُ) وهو ما سقط من سنده اثنان فصاعداً، ومنه ما يرسله تابع التابعي عن الرسول ﷺ . ومنه (الشَاذُّ) وقد عَرَّفَهُ الشافعي بأن يروي الثِّقَةُ حَدِيثًا يخالف ما روى الناس فهذا يتوقف فيه، وَعَرَّفَهُ حُفَّاظُ الحَدِيثِ: بأنه ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة أو غير ثقة، فيتوقف فيما شذ به الثقة ولا يحتج به، ويرد ما شذ به غير الثقة. ولكن تعريف الشافعي أولى لأنه يلزم على التعريف الثاني التوقف في أحاديث كثيرة لا يرويها إلا رَاوٍ واحد من الثقات، كيف وقد قال مسلم: «لِلْزُّهْرِيِّ تِسْعُونَ حَرْفًا لاَ يَرْوِيهَا غَيْرُهُ»؟ ومنه (المُنْكَرُ) وهو ما شَذَّ به الراوي الذي ليس بعدل ولا ضابط فإنه يُرَدُّ وَلاَ يُقْبَلُ. ومنه (المُضَطَرِبُ) وهو أن تختلف روايات الحديث في متنه أو سنده، ولا يمكن ترجيح إحداهما على الباقية لاستوائها جَمِيعًا في الصحة ورواية الثقات، وهو ضعيف إلا أنه كان الاختلاف في اسم أبيه أو نسبته مثلاً ويكون الراوي ثقة، فعندئذ يحكم للحديث بِالصِحَّةِ.

стр. 110

المَوْضُوعُ وَعَلاَمَاتُهُ: وكما وضع العلماء القواعد لمعرفة الصحيح والحسن والضعيف من أقسام الحديث، وضعوا قواعد لمعرفة الموضوع وذكروا له علامات يعرف بها، وقد ذكرنا من قبل أصناف الوَضَّاعِينَ والأسباب الحاملة على ذلك، ونذكر الآن العلامات التي تدل على الوضع وَنُقَسِّمُهَا إلى قسمين: علامات في السند وعلامات في المتن. عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي السَّنَدِ: وهي كثيرة أهمها: ١ - أن يكون راويه كَذَّابًا معروفًا بالكذب، ولا يرويه ثقة غيره، وقد عنوا بمعرفة الكَذَّابِينَ وتواريخهم وتتبعوا ما كذبوا فيه بحيث لم يفلت منهم أحد. ٢ - أن يعترف وَاضِعُهُ بالوضع، كما اعترف أبو عصمة نوح بن أبي مريم بوضعه أحاديث فضائل السور، وَكَمَا اعْتَرَفَ عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ بِوَضْعِ أَرْبَعَةَ آلاَفِ حَدِيثٍ، يُحَرِّمُ فِيهَا الحَلاَلَ، وَيُحَلِّلُ فِيهَا الحَرَامَ (١). ٣ - أن يروي الراوي عن شيخ لم يثبت لقياه له أو ولد بعد وفاته، أو لم يدخل المكان الذي ادَّعَى سماعه فيه، كَمَا ادَّعَى مَأْمُونُ بْنُ أَحْمَدَ الهَرَوِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ هِشَامٍ بْنِ عَمَّارٍ، فَسَأَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حِبَّانَ: «مَتَى دَخَلْتَ الشَّامَ؟» قَالَ: «سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ»، قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «فَإِنَّ هِشَامًا الذِي تَرْوِي عَنْهُ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ» (٢)، وكما حَدَّثَ عبد الله بن إسحاق

стр. 111

الكرماني عن محمد بن أبي يعقوب، فقيل له: «مَاتَ مُحَمَّدٌ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ بِتِسْعِ سِنِينَ» (١)، وكما حَدَّثَ محمد بن حاتم الكشي عن عبد بن حميد فقال الحاكم أبو عبد الله: «هَذَا الشَّيْخُ سَمِعَ مِنْ عَبْدٍ بْنُ حُمَيْدٍ بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً»، وفي " مقدمة مسلم ": «أَنَّ الْمُعَلَّى بْنَ عُرْفَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ بِصِفِّينَ»، فَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ - يَعْنِي الفَضْلَ بْنَ دُكَيْنِ حَاكِيهِ عَنْ المُعَلَّى -: «أَتُرَاهُ بُعِثَ بَعْدَ الْمَوْتِ؟» وذلك لأن ابن مسعود تُوُفِّيَ سَنَةَ اثنتين أو ثلاثة وثلاثين قبل انقضاء خلافة عثمان بثلاثة سنين، ولا شك أن العمدة في مثل هذه الحالة على التاريخ، تاريخ مواليد الرُّوَاة وإقامتهم ورحلاتهم وشيوخهم ووفاتهم. ولذلك كان علم الطبقات علماً قائماً بذاته لا يستغني عنه نُقَّادُ الحديث، قال حفص بن غياث القاضي: «إِذَا اتَّهَمْتُمْ الشَّيْخَ فَحَاسِبُوهُ بِالسِّنِينَ»، يعني سِنُّهُ وسِنُّ من كتب عنه، وقال سفيان الثوري: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمْ التَّوَارِيخَ». ٤ - وقد يستفاد الوضع من حال الراوي وبواعثه النفسية، مثل ما أخرجه الحاكم عن سَيْفِ بْنُ عُمَرَ التَّمِيمِيُّ قَالَ [كُنْتُ] عِنْدَ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ فَجَاءَ ابْنُهُ مِنَ الكُتَّابِ فَقَالَ: " مَالَكَ؟ " قَالَ: " ضَرَبَنِي الْمُعَلِّمُ " فَقَالَ: " لأُخْزِيَنَّهُمُ اليَوْمَ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ، أَقَلُّهُمْ رَحْمَةً لِلْيَتِيمِ وَأَغْلَظُهُمْ عَلَى المِسْكِينِ» ومثل حديث «الهَرِيسَةُ تَشُدُّ الظَهْرَ» فإن واضعه محمد بن الحجاج النخعي، كان يبيع الهريسة. عَلاَمَاتُ الوَضْعِ فِي المَتْنِ: أما علامات الوضع في المتن فهي كثيرة أهمها: ١ - ركاكة اللفظ: بحيث يدرك العليم بأسرار البيان العربي أن مثل هذا اللفظ ركيك لا يصدر عن فصيح ولا بليغ فكيف بسيد الفصحاء ﷺ ؟ قال الحافظ ابن حجر: «وَمَحَلُّ هَذَا إِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَفْظُ النَّبِيِّ ﷺ ». قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: «وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ - أَيْ بِالْوَضْعِ - بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْوِيِّ [وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ]، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُمْ - لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ

стр. 112

النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْرِفُونَ بِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ» (١). قَالَ الْبُلْقِينِيُّ: «وَشَاهِدُ هَذَا أَنَّ إِنْسَانًا لَوْ خَدَمَ إِنْسَانًا سِنِينَ، وَعَرَفَ مَا يُحِبُّ، وَمَا يَكْرَهُ، فَادَّعَى إِنْسَانٌ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ شَيْئًا، يَعْلَمُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ، فَبِمُجَرَّدِ سَمَاعِهِ يُبَادِرُ إِلَى تَكْذِيبِهِ» (٢). ٢ - فساد المعنى: بأن يكون الحديث مخالفاً لبدهيات العقول من غير أن يمكن تأويله مثل: «إِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ طَافَتْ بِالبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّتْ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ» أو أن يكون مخالفاً للقواعد العامة في الحكم والأخلاق مثل «جَوْرُ التُّرْكِ وَلاَ عَدْلَ العَرَبِ» أو داعياً إلى الشهوة والمفسدة مثل «النَّظَرُ إِلَى الوَجْهِ الحَسَنِ يُجْلِي البَصَرَ»، أو مخالفاً لِلْحِسِّ والمشاهدة مثل «لا يُولَدُ بَعْدَ الْمِائَةِ مَوْلُودٌ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ» أو مخالفاً لقواعد الطب المتفق عليها مثل «البَاذِنْجَانُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ» أو مخالفاً لما يوجبه العقل لله من تنزيه وكمال، نحو «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الفَرَسَ فَأَجْرَاهَا فَعَرِقَتْ، فَخَلَقَ نَفَسَهُ مِنْهَا» أو يكون مخالفاً لقطعيات التاريخ أو سُنَّةِ الله في الكون والإنسان، مثل حديث: عوج بن عنق وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع. وأن نوحاً لما خوفه الغرق، قال: احملني في قصعتك هذه، يعني (السفينة) وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه وأنه كان يدخل يده في البحر فيلتقط السمكة من قاعه ويشويها قرب الشمس. ومن ذلك حديث رتن الهندي وأنه عاش ستمائة سَنَةً وأدرك النَّبِيّ- ﷺ . أو يكون مشتملاً على سخافات وسماجات يصان عنها العقلاء مثل «الدِّيكُ الأَبْيَضُ حَبِيبِي وَحَبِيبُ حَبِيبِي جِبْرِيلُ» ومثل «اتَّخِذُوا الحَمَامَ المَقَاصِيصَ فَإِنَّهَا تُلْهِي الجِنَّةَ عَنْ صِبْيَانِكُمْ» وهكذا كل ما يَرُدُّهُ العقل بداهة فهو باطل مردود. قال ابن الجوزي: «مَا أَحْسَنَ قَوْلَ القَائِلِ: كُلُّ حَدِيثٍ رَأَيْتَهُ تُخَالِفُهُ العُقُولُ وَتُنَاقِضُهُ الأُُصُولُ وَتُبَايِنُهُ النُقُولُ فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ». وقال الرازي في " المحصول ": «كُلُّ خَبَرٍ أَوْهَمَ بَاطِلاً، وَلَمْ يَقْبَلِ التَّأْوِيلَ، فَمَكْذُوبٌ، أَوْ نَقَصَ مِنْهُ مَا يُزِيلُ الوَهْمَ». ٣ - مخالفته لصريح القرآن: بحيث لا يقبل التأويل، مثل «وَلَدُ الزِّنَا

стр. 113

لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَى سَبْعَةِ أَبْنَاءَ» فإنه مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١) بل هذا الحديث الموضوع مأخوذ من التوراة، فإنه من أحكامها. ومثل ذلك أن يكون مخالفاً لصريح السُنَّةِ المُتَوَاتِرَةِ: مِثْلَ «إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُوَافِقُ الحَقَّ فَخُذُوا بِهِ حَدَّثْتُ بِهِ أَوْ لَمْ أَحَدِّثْ» فإنه مخالف للحديث المتواتر «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» أو يكون مخالفاً للقواعد العامة المأخوذة من القرآن وَالسُنَّةِ، مثل في «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا كَانَ هُوَ وَمَوْلُودُهُ فِي الجَنَّةِ» ومثل في «آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَلاَّ أُدْخِلَ النَّارَ مَنْ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ أَوْ أَحْمَدٌ» فإن هذا مخالف للمعلوم المقطوع به من أحكام القرآن وَالسُنَّةُِ من أن النجاة بالأعمال الصالحة لا بالأسماء والألقاب. أو أن يكون مخالفاً للإجماع، مثل في «مَنْ قَضَى صَلَوَاتٍ مِنِ الفَرَائِضِ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ كَانَ ذَلِكَ جَابِرًا لِكُلِّ صَلاَةٍ فَاتَتْهُ مِنْ عُمْرِهِ إِلَى سَبْعِينَ سَنَةً». فإن هذا مخالف لما أجمع عليه من أن الفائتة لا يقوم مقامها شيء من العبادات. ٤ - مخالفته لحقائق التاريخ المعروفة في عصر النَّبِيّ- ﷺ : مثل حديث «أن النَّبِيَّ وَضَعَ الجِزْيَةِ عَلَىَ أَهْلِ خَيْبَرَ وَرَفَعَ عَنْهُمْ الْكُلْفَةَ (٢) وَالْسُّخْرَةَ بِشَهَادَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَكِتَابَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ»، مع أن الثابت في التاريخ أن الجزية لم تكن معروفة ولا مشروعة في عام خيبر، وإنما نزلت آية الجزية بعد عام تبوك، وأن سعد بن معاذ تُوُفِّيَ قبل ذلك في غزوة الخندق، وأن معاوية إنما أسلم زَمَنَ الفتح. فحقائق التاريخ ترد هذا الحديث وتحكم عليه بالوضع. ومن أمثلة ذلك حديث أنس في «دَخَلْتُ الحَمَّامَ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ جَالِسًا وَعَلَيْهِ مِئْزَرٌ، فَهَمَمْتُ أَنْ أُكَلِّمَهُ فَقَالَ: " يَا أَنَسُ إِنَّمَا حَرَّمْتُ دُخُولَ الحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ مِنْ أَجْلِ هَذَا "» مع أن الثابت تاريخياً أن الرسول لم يدخل حمَّاماً قَطُّ، إذ لم تكن الحَمَّامَاتُ موجودة في الحجاز في عصره.

стр. 114

٥ - موافقة الحديث لمذهب الراوي: وهو متعصب مُغَالٍ في تعصبه، كأن يروي رافضي حَدِيثًا في فضائل أهل البيت، أو مرجئٌ حَدِيثًا في الإرجاء، مثل ما رواه حَبَّةُ بْنُ جُوَيْنٍ قال: سمعت علياً ﵁ قال: «عَبَدْتُ اللهَ مَعَ رَسُولِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْبُدَهُ أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ سَبْعَ سِنِينَ»، قال ابن حبان: «كَانَ حَبَّةُ غَالِيًا فِي التَشَيُّعِ، وَاهِيًا فِي الحَدِيثِ». ٦ - أن يتضمن الحديث أمراً من شأنه أن تتوفر الدواعي على نقله: لأنه وقع بمشهد عظيم ثم لا يشتهر ولا يرويه إلا واحد، وبهذا حَكَمَ أَهْلُ السُنَّةِ على حديث «غَدِيرِ خُمْ» بالوضع والكذب، قال العلماء: إن من أمارات الوضع في هذا الحديث أن يُصَرِّحَ بوقوعه على مشهد من الصحابة جميعاً ثم يقع بعد ذلك أن يَتَّفِقُوا جميعاً على كتمانه حين استخلاف أبي بكر ﵁، ومثل هذا بعيد ومستحيل في العادة والواقع، فانفراد الرَّافِضَة بنقل هذا الحديث دُونَ جماهير المُسْلِمِينَ دليل على كذبهم فيه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَمِنْ هَذَا الْبَابِ نَقْلُ النَّصِّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ، فَإِنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَذِبٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، فَإِنَّ هَذَا النَّصَّ لَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ (مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَضْلاً عَنْ أَنْ يَكُونَ مُتَوَاتِرًا، وَلاَ نُقِلَ أَنَّ أَحَدًا ذَكَرَهُ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ مَعَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي الخِلاَفَةِ، وَتَشَاوُرِهِمْ فِيهَا يَوْمَ السَّقِيفَةِ، وَحِينَ مَوْتِ عُمَرَ، وَحِينَ جُعِلَ الأَمْرُ شُورَى بَيْنَهُمْ فِي سِتَّةٍ، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ، فَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا النَّصِّ لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُهُ الرَّافِضَةُ مِنْ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى عَلِيٍّ نَصًّا جَلِيًّا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ عَلِمَهُ المُسْلِمُونَ، لَكَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَنْقُلَهُ النَّاسُ نَقْلَ مِثْلِهِ، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ لِكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، بَلْ أَكْثَرِهِمْ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ الهِمَمُ عَلَى ذِكْرِهِ فِيهَا غَايَةَ التَّوَفُّرِ، فَانْتِفَاءُ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لاَزِمٌ يَقْتَضِي انْتِفَاءَ مَا يُعْلَمُ أَنَّهُ مَلْزُومٌ» (١). وقال ابن حزم: «وَمَا وَجَدْنَا قَطُّ رِوَايَةً عَنْ أَحَدٍ فِي هَذَا النَّصِّ المُدَّعَى

стр. 115

إِلاَّ رِوَايَةً وَاهِيَةً عَنْ مَجْهُولٍ إِلَى مَجْهُولٍ يُكَنَّى أَبَا الْحَمْرَاءِ لاَ نَعْرِفُ مَنْ هُوَ فِي الْخَلْقِ». قال ابن أبي الحديد (١): «وَاعْلَمْ أَنَّ الآثَارَ وَالأَخْبَارَ فِي هَذَا البَابِ كَثِيْرَةٌ جِدًّا، وَمَنْ تَأَمَّلَهَا وَأَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ نَصٌّ صَرِيحٌ وُمَقْطُوعٌ بِهِ لاَ تَخْتَلِجُهُ الشُّكُوكُ وَلاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الاحْتِمَالاَتُ كَمَا تَزْعُمُ الإِمَامِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ نَصَّ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵇ نَصًّا صَرِيحًا جَلَيًّا لَيْسَ بِنَصِّ يَوْمِ الغَدِيرِ وَلاَ خَبَرَ المَنْزِلَةِ وَلاَ مَا شَابَهَهُمَا مِنَ الأَخْبَارِ الوَارِدَةِ مِنْ طُرُقِهِ العَامَّةِ وَغَيْرِهَا، بَلْ نَصَّ عَلَيْهِ بِالخِلاَفَةِ وَبِإِمْرَةِ المُؤْمِنِينَ، وَأَمَرَ المُسْلِمِينَ أَنْ يُسَلِّمُوْا عَلَيْهِ بِذَلِكَ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِهَا، وَصَرَّحَ لَهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَقَامَاتِ بِأَنَّهُ خَلِيفَةً عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدِهِ وَأَمَرَهُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُ، وَلاَ رَيْبَ بِأَنَّ المُنْصِفُ إِذَا سَمِعَ مَا جَرَى لَهُمْ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا النَصَّ» اهـ. ٧ - اشتمال الحديث على إفراط في الثواب العظيم: على الفعل الصغير، والمبالغة بالوعيد الشديد على الأمر الحقير، وقد أكثر القصاص من مثل هذا النوع ترقيقاً لقلوب الناس وإثارة لتعجبهم، مثل «مَنْ صَلَّىَ الضُّحَى كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً أُعْطِيَ ثَوَابَ سَبْعِينَ نَبِيًّا» ومثل «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى لَهُ طَائِرًا لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لُغَةٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ». هذه أهم القواعد التي وضعها العلماء لنقد الحديث ومعرفة صحيحه من موضوعه، ومنه ترى أنهم لم يقتصروا في جهدهم على نقد السند فقط أو يوجهوا جل عنايتهم إليه دُونَ المتن، كما سيأتي في زعم بعض المُسْتَشْرِقِينَ ومشايعيهم، بل كان نقدهم مُنْصَبًّا على السند والمتن على السواء، ولقد رأيت كيف جعلوا لأمارات الوضع أربعاً منها في السند، وسبعاً

стр. 116

منها في المتن، ولم يكتفوا بهذا، بل جعلوا للذوق الفني مجالاً في نقد الأحاديث وردها أو قبولها، فكثيراً مَا رَدُّوا أحاديث لمجرد سماعهم لها، لأن مَلَكَتَهُمْ الفنية لم تستسغها ولم تقبلها، ومن هذا كثيراً ما يقولون: «هَذَا الحَدِيثُ عَلَيْهِ ظُلْمَةٌ، أَوْ مَتْنُهُ مُظْلِمٌ، أَوْ يُنْكِرُهُ القَلْبُ، أَوْ لاَ تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ» وليس ذلك بعجيب فقد قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: «إِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ضَوْءٌ [كَضَوْءِ النَّهَارِ] نَعْرِفُهُ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْحَدِيثِ حَدِيثًا لَهُ ظُلْمَةٌ كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ نَعْرِفُهُ بِهَا» (١) ويقول ابن الجوزي: «الحَدِيثُ المُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ لَهُ جَلْدُ الطَّالِبِ لِلْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الْغَالِبِ». وسيأتي معنا مزيد بيان لهذا البحث عند التعرض لِشُبَهِ المُسْتَشْرِقِينَ وأشياعهم. ...

стр. 117

الفَصْلُ الرَّابِعُ: فِي ثِمَارِ هَذِهِ الجُهُودِ: بتلك الجهود المُوَفَّقَةِ التي سردناها عليك بإيجاز استقام أمر الشريعة بتوطيد دعائم السُنَّةِ التي هي ثاني مصادرها التشريعية، واطمأن المُسْلِمُونَ إلى حديث نبيهم فأقصي عنه كل دخيل، وَمُيِّزَ بين الصحيح والحسن والضعيف، وصان الله شرعه من عبث المفسدين وَدَسِّ الدَسَّاسِينَ وتآمر الزنادقة وَالشُعُوبِيِّينَ، وقطف المُسْلِمُونَ ثمار هذه النهضة الجبارة المباركة التي كان من أبرزها ما يلي: أَوَّلاً - تَدْوِينُ السُنَّةِ: قدّمنا أن السُنّة لم تدوَّن رسمياً في عهد رسول الله ﷺ ، كما دُوِّن القرآن، إنما كانت محفوظة في الصدور نقلها صحابة الرسول إلى من بعدهم من التابعين مشافهة وتلقيناً، وإن كان عصر النبي لم يخل من كتابة بعض الحديث، كما قدّمناه لك في بحث كتابة السُنّة، ولقد انقضى عصر الصحابة ولم تدوّن فيه السُنّة إلا قليلاً، إنما كانت تتناقلها الألسن. نعم لقد فكر عمر ﵁ بتدوين السُنّة ولكنه عدل عن ذلك، فقد أخرج البيهقي في «المدخل» عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السُنن فاستشار في ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً ثم أصبح يَوْماًً وقد عزم الله له فقال: «إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله وإني - والله - لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً» (١).

стр. 118

وعذره الذي أوضحه يتفق مع الظرف الذي كان فيه المُسْلِمُونَ، إذ كان القرآن غضاً طرياً، والأمم تدخل في دين الله أفواجاً، فلا بد من توفرهم على كتاب الله حفظاً ودراسةً وتلاوةً حتى يكون الأساس لعقيدتهم والحامي لها من كل لُبْسٍ وَتَغْيِيرٍ، واستمر الأمر كذلك إلى أن وقعت الفتنة، وانتشر الكذب في الحديث ونهض أجلاء التَّابِعِينَ فمن بعدهم لمقاومة حركة الوضع، وقاموا بتلك الجهود الجليلة التي تحدثنا عنها، وقد كان من أول ثمار هذه الجهود أن دَوَّنُوا السُنَّةَ خوفاً عليها من الضياع، وصيانة لها من التَّزَيُّدِ والنقصان. وتكاد تجمع الروايات أن أول من فكر بالجمع والتدوين من التَّابِعِينَ عمر بن عبد العزيز، إذ أرسل إلى أبي بكر بن حزم عامله وقاضيه على المدينة «انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَاكْتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ العِلْمِ، وَذَهَابَ العُلَمَاءِ» وطلب منه أن يكتب له ما عند عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَحْمَنِ الأَنْصَارِيَّةَ (٩٨ هـ) والقاسم بن محمد بن أبي بكر (١٠٦ هـ) والذي يظهر أنه لم يخص ابن حزم بهذا العمل الجليل، بل أرسل إلى ولاة الأمصار كلها وكبار علمائها يطلب منهم مثل هذا، فقد أخرج أبو نعيم في " تاريخ أصبهان " أَنَّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الآفَاقِ: «انْظُرُوا إِلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ فَاجْمَعُوهُ» (١) وبذلك نَفَّذَ عمر رغبة جَدِّهِ عمر بن الخطاب التي جاشت في نفسه مُدَّةً ثم عدل عنها خوفاً من أن تلتبس بالقرآن أو يصرف الناس إليها، والذي يظهر أن أبا بكر بن حزم كتب لعمر شيئاً مِنَ السُنَّةِ فقد أنفذ إليه ما عند عَمْرَةَ والقاسم، ولكنه لم يُدَوِّنُ كل ما في المدينة من سُنَّةٍ وَأَثَرٍ، وإنما فعل هذا الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِيِّ (١٢٤ هـ) الذي كان عَلَماً خفَّاقاً من أعلام السُنَّةِ في عصره والذي كان عمر بن عبد العزيز يأمر جلساءه أن يذهبوا إليه لأنه لم يبق على وجه الأرض أحد أعلم بِالسُنَّةِ منه، والذي ذكر " مسلم " أن له تسعين حَدِيثًا لا

стр. 119

يرويها غيره، وذكر كثيراً من أئمة العلم في عصره أنه لولا الزُّهْرِيِّ لضاعت كثير من السُنَنِ هذا مع وجود الحسن البصري في عصر الزُّهْرِيِّ والذي يظهر أيضاًً أن تدوين الزُّهْرِي للسُنَّةِ لم يكن كالتدوين الذي تم على يد البخاري ومسلم أو أحمد وغيره من رجال المسانيد، وإنما كان عبارة عن تدوين كل ما سمعه من أحاديث الصحابة غير مُبَوَّبٍ على أبواب العلم، وربما كان مختلطاً بأقوال الصحابة وفتاوى التَّابِعِينَ، وهذا ما تقتضيه طبيعة البداءة في كل أمر جديد، وقد نستأنس لهذا بما روي عنه من أنه كان يخرج لطلابه أجزاء مكتوبة يدفعها إليهم لِيَرْوُوهَا عَنْهُ، وبذلك كان الزُّهْرِيُّ ﵁ أول من وضع حجر الأساس في تدوين السُنَّةِ في كتب خاصة، بعد أن كان عدد من علماء التَّابِعِينَ يكرهون كتابة العلم خشية من ضعف الذاكرة، بل كان الزُّهْرِيُّ نفسه في بدء شهرته العلمية يكره كتابة العلم ويمتنع عنه، حتى رغب إليه بذلك عمر بن عبد العزيز، وسيأتي معنا مزيد بيان لهذا البحث عند الكلام عن الزُّهْرِيِّ. ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزُّهْرِيَّ. وكان أول من جمعه بمكة ابن جُرَيْجٍ (- ١٥٠ هـ) وابن إسحاق (- ١٥١ هـ) وبالمدينة سعيد بن أبي عروبة (- ١٥٦ هـ) والربيع بن صُبيح (- ١٦٠ هـ) والإمام مالك (- ١٧٩ هـ) وبالبصرة حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ (- ١٦٧ هـ) وبالكوفة سفيان الثوري (- ١٦١ هـ) وبالشام أبو عمرو الأوزاعي (- ١٥٧ هـ) وبواسط هُشَيْمٌ (- ١٧٣ هـ) وبخراسان عبد الله بن المبارك (- ١٨١ هـ) وباليمن مَعْمَرٌ (- ١٥٤ هـ) وبالريِّ جرير بن عبد الحميد (- ١٨٨ هـ) وكذلك فعل سفيان بن عيينة (-١٩٨ هـ) والليث بن سعد (- ١٧٥ هـ) وَشُعْبَةُ بْنِ الحَجَّاجِ (- ١٦٠ هـ). وهؤلاء جميعاً كانوا في عصر واحد وَلاَ يُدْرَى أيهم سبق إلى ذلك، وكان صنيعهم في التدوين أن يجمعوا حديث رسول الله مختلطاً بأقوال الصحابة وفتاوى التَّابِعِينَ مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد، قال الحافظ ابن حجر: «[وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى] الجَمْعِ بِالأَبْوَابِ، أَمَّا جَمْعُ حَدِيثٍ إِلَى مِثْلِهِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ فَقَدْ سَبَقَ إِلَيْهِ الشَّعْبِيُّ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " هَذَاااا

стр. 120

بَابٌ مِنَ الطَّلاَقِ جَسِيمٌ» (١). ثم جاء القرن الثالث فكان أزهى عصور السُنّة وأسعدها بأئمة الحديث وتآليفهم العظيمة الخالدة. فقد ابتدأ التأليف في هذا القرن على طريقة المسانيد: وهي جمع ما يروى عن الصحابي في باب واحد رغم تَعَدُّدِ الموضوع، وأول من فعل ذلك عبد الله بن موسى العبسي الكوفي، وَمُسَدِّدْ البَصْرِيِّ، وأسد بن موسى، ونُعيم بن حماد الخزاعي، ثم اقتفى أثرهم الحُفَّاظُ فصنف الإمام أحمد " مسنده " المشهور وكذلك فعل إسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة وغيره، وكانت طريقة هؤلاء في التأليف أن يفردوا حديث النَّبِيِّ ﷺ بالتأليف دُونَ أقوال الصحابة وفتاوى التَّابِعِينَ، ولكنهم كانوا يمزجون فيها الصحيح بغيره، وفي ذلك من العناء ما فيه على طالب التحديث، فإنه لا يستطيع أن يتعرف على الصحيح منها إلا أن يكون من أئمة الشأن، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث فإن لم يتيسر له بقي الحديث مجهول الحال عنده. وهذا هو ما حدا بإمام المُحَدِّثِينَ وَدُرَّةَ السُنَّةِ في عصره محمد بن إسماعيل البخاري (- ٢٥٦ هـ) أن ينحو في التأليف مَنْحًى جديداً بأن يقتصر على الحديث الصحيح فقط دُونَ ما عداه، فألَّفَ كتابه " الجامع الصحيح " المشهور، وتبعه في طريقته معاصره وتلميذه الإمام مُسْلِمٌ بْنُ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ (- ٢٦١ هـ) فألَّفَ " صحيحه " المشهور، وكان لهما فضل تمهيد الطريق أمام طالب الحديث ليصل إلى الصحيح من غير بحث وسؤال، وتبعهما بعد ذلك كثيرون، فأُلِّفَتْ بعدهما كتب كثيرة من أهمها: " سُنن أبي داود " (- ٢٧٥ هـ) و" النسائي " (- ٣٠٣ هـ) و" جامع الترمذي " (- ٢٧٩ هـ) و" سُنن ابن ماجه " (- ٢٧٣ هـ) وقد جمع هؤلاء الأئمة في مُصَنَّفَاتِهِمْ كُلَّ مُصَنَّفَاتِ الأئمة السابقين، إذ كانوا يروونها كما هي عادة المُحَدِّثِينَ، ثم جاء القرن الرابع فلم يزد رجاله على رجال القرن الثالث شيئاً جديداً إلا قليلاً

стр. 121

مِمَّا استدركوه عليهم، وكل صنيعهم جمع ما جمعه من سبقهم. والاعتماد على نقدهم، والإكثار من طرق الحديث، ومن أشهر الأئمة في هذا العصر الإمام سليمان بن أحمد الطبراني (- ٣٦٠ هـ) ألَّفَ معاجمه الثلاثة: ١ - " الكبير " وذكر فيه الأحاديث بجمع ما رواه كل صحابي على حدة، وَرَتَّبَ فيه الصحابة على الحروف وهو مشتمل على خمسمائة وخمسة وعشرين ألف حديث. ٢ - و" الأوسط ". ٣ - و" الأصغر "، ذكر فيهما الأحاديث بجمع ما رواه كل شيخ من شيوخه على حدة، وَرَتَّبَ فيهما شيوخه على الحروف أيضاً. ومنهم الدَّارَقُطْنِيُّ (- ٣٨٥ هـ) ألّف " سُنَنَهُ " المشهورة، وَابْنُ حِبَّانَ البُسْتِيِّ (- ٣٥٤ هـ) وَابْنُ خُزَيْمَةَ (٣١١ - هـ) وَالطَّحَاوِي (- ٣٢١ هـ). بهذا تم تدوين السُنَّةِ وجمعها وتمييز صحيحها من غيرها، ولم يكن لعلماء القرون التالية إلا بعض استدراكات على كتب الصحاح، كـ " مستدرك " أبي عبد الله الحاكم النيسابوري (- ٤٠٥ هـ) الذي استدرك فيه على البخاري ومسلم أحاديث يرى أنها من الصحاح متفقة مع شرطيهما مع أنهما لم يخرجاها في " صحيحيهما "، وقد سَلَّمَ له العلماء - ومن أشهرهم الذهبي - قسماً منها وخالفوه في قسم آخر. ثَانِياً - عِلْمُ مُصْطَلَحِ الحَدِيثِ: ومن ثمار هذه الحركة المباركة أن دُوِّنَتْ القواعد التي وضعها العلماء أثناء حركتهم لمقاومة الوضع، والتي قسموا فيها الحديث إلى ما ذكرناه من أقسام ثلاثة وما يتعلق بها، وبذلك كان عندنا علم مصطلح الحديث الذي يضع القواعد العلمية لتصحيح الأخبار، وهي أصح ما عرف في التاريخ من قواعد علمية للرواية والأخبار بل كان علماؤنا ﵏ هم أول من وضعوا هذه القواعد على أساس علمي لا مجال بعده للحيطة والتثبت. وقد نهج على نهج علماء الحديث، علماء السلف في الميادين العلمية الأخرى، كالتاريخ والفقه والتفسير واللغة والأدب وغيرها، فكانت المؤلفات العلمية في العصور الأولى مسندة بالسند المتصل إلى قائلها في كل مسألة وفي كل بحث، حتى إن كتب العلماء ذاتها تناقلها تلامذتهم منهم بالسند المتصلل

стр. 122

جيلاً بعد جيلٍ، فنحن لا نشك في أنَّ " صحيح البخاري " مثلا المتداول الآن بين المُسْلِمِينَ، ألَّفَهُ الإمام البخاري لأنه رُوِيَ عنه بالسند المتصل جيلاً بعد جيل، وهذه ميزة لا توجد في مؤلفات العلماء من الأمم الأخرى، حتى ولا في كتبهم المُقَدَّسَةِ. وقد ألَّف أحد علماء التاريخ في العصر الحاضر كتاباً في أصول الرواية التاريخية (١) اعتمد فيه على قواعد مصطلح الحديث، واعترف بأنها أصح طريقة علمية حديثة لتصحيح الأخبار والروايات. وقد قال في الباب السادس (العدالة والضبط) بعد أن ذكر وجوب التحقّق من عدالة الراوي، والأمانة في خبره: «ومما يذكر مع فريد الإعجاب والتقدير ما توصل إليه علماء الحديث منذ مئات السنين في هذا الباب. وإليك بعض ما جاء في مصنّفاتهم نورده بحروفه وحذافيره تنويهاً بتدقيقهم العلمي، واعترافاً بفضلهم على التاريخ .. » ثم أخذ في نقل نصوص عن الإمام مالك، والإمام مسلم صاحب " الصحيح " والغزالي، والقاضي عياض وأبي عمرو بن الصلاح. وعلم مصطلح الحديث يبحث عن تقسيم الخبر إلى صحيح وحسن وضعيف، وتقسيم كل من هذه الثلاثة إلى أنواع، وبيان الشروط المطلوبة في الراوي والمروي وما يدخل الأخبار من علل واضطراب وشذوذ، وما ترد به الأخبار وما يتوقف فيها إلى أن تعضد بمقويات أخرى، وبيان كيفية سماع الحديث وتحمّله وضبطه، وآداب المحدّث وطالب الحديث، وغير ذلك مِمَّا كان في الأصل بحوثاً متفرقة وقواعد قائمة في نفوس العلماء في القرون الثلاثة الأولى إلى أن أفرد بالتأليف والجمع والترتيب، شأن العلوم الإسلامية الأخرى في تطورها وتدرجها.

стр. 123

وقد كان أول من ألَّف في بعض بحوثه علي بن المديني شيخ البخاري، كما تكلم البخاري ومسلم والترمذي في بعض أبحاثه في رسائل مجردة لم يضم بعضها إلى بعض، ولكن أول من صنف في هذا الفن تصنيفا علمياً بحيث جمع كل أبوابه وبحوثه في مصنّف واحد هو القاضي أبو محمد الرامهرمزي (- ٣٦٠ هـ) في كتابه " المُحَدِّثُ الفَاصِلُ بَيْنَ الرَّاوِي وَالسَّامِعِ " ولكنه لم يستوعب فيه كل بحوث هذا العلم، ثم جاء الحاكم أبو عبد الله النيسابوري المُتَوَفَّى (- ٤٠٥ هـ) فَأَلَّفَ فيه كتابه " معرفة علوم الحديث " لكنه لَمْ يُهَذِّبْ وَلَمْ يُرَتِّبْ، ثم تلاه أبو نعيم الأصفهاني (- ٤٣٠ هـ) فعمل على كتاب الحاكم مستخرجاً، وأبقى أشياء لمن تتبع هذا البحث ثم جاء بعدهم الخطيب أبو بكر البغدادي (- ٤٦٣ هـ) فصنّف في قوانين الرواية كتاباً سَمَّاهُ " الكفاية " وفي آدابها كتاباً سَمَّاهُ " الجامع لآداب الشيخ والسامع " وقد أفرد لكل من فنون الحديث مصنّفاً خَاصًّاً، ثم جاء من بعده القاضي عياض (- ٥٤٤ هـ) فألّف كتابه " الإلماع " مستمداً بحوثه من كتب الخطيب .. ثم جاء الشيخ الحافظ تقي الدين أبو عمرو بن الصلاح الشَهْرَزُورِيِّ الدِّمِشْقِيُّ (- ٦٤٣ هـ) فألَّفَ كتابه المشهور بـ " مقدمة ابن الصلاح " أملاه على تلاميذه بالمدرسة الأشرفية في دمشق من غير ترتيب محكم، إلا أنه كتاب شامل لكل ما تفرق في غيره من كتب المُتَقَدِّمِينَ، ولهذا عكف الناس عليه، وَأَكَبُّوا على شرحه بين ناظم وناثر كـ " ألفية " العراقي و" شرحها " للسخاوي، و" التقريب " للنووي، وشرحه " التدريب " للسيوطي، وغير ذلك من الكتب المعروفة، كما اختصر أيضاًً الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي (- ٧٧٤ هـ) في كتابه " اختصار علوم الحديث " (١) ثم تتابعت التآليف في هذا الشأن. ومن أشهرها " ألفية " الحافظ العراقي (- ٨٠٦ هـ) و" نُخْبَةُ الفكر في مصطلح الأثر " للحافظ ابن حجر ومن آخرها " توجيه النظر " للعلامة الشيخ طاهر الجزائري و" قواعد التحديث " للقاسمي الدمشقي.

стр. 124

ثَالِثًا - عِلْمُ الجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ: ومن ثمار هذه الجهود المباركة علم الجرح والتعديل أو علم ميزان الرجال، وهو علم يبحث فيه عن أحوال الرُّوَاةِ وأمانتهم وثقتهم وعدالتهم وضبطهم أو عكس ذلك من كذب أو غفلة أو نسيان، وهو علم جليل من أَجَلِّ العلوم التي نشأت عن تلك الحركة المباركة لا نعرف له مثيلاً أيضاًً في تاريخ الأمم الأخرى، وقد أَدَّى إلى نشأة هذا العلم حِرْصُ العلماء على الوقوف على أحوال الرُّوَاةِ، حتى يميزوا بين الصحيح من غيره، فكانوا يختبرون بأنفسهم من يعاصرونهم من الرُّوَاةِ إذ كان ذلك ذَبًّا عن دين الله وَسُنَّةِ رسوله ﷺ ، وَقَدْ قِيلَ لِلْبُخَارِيِّ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَنْقِمُونَ عَلَيْكَ التَّارِيخَ يَقُولُونَ: فِيهِ اغْتِيَابُ النَّاسِ، فَقَالَ: «إِنَّمَا رُوِّينَا ذَلِكَ رِوَايَةً وَلَمْ نَقُلْهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِنَا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ». وقد ابتدأ الكلام عن الرُّوَاة توثيقاً وتوهيناً منذ عصر صغار الصحابة كابن عباس (- ٦٨ هـ) وعُبادة بن الصامت (- ٣٤ هـ) وأنس بن مالك (- ٩٣ هـ) ثم من التَّابِعِينَ: سعيد بن المسيّب (- ٩٣ هـ) والشعبي (- ١٠٤ هـ) وابن سيرين (- ١١٠ هـ) والأعمش (- ١٤٨ هـ) ثم تتالى الأمر، فنظر في الرجال شُعْبَةُ (- ١٦٠ هـ) وكان مُتَثَبِّتًا لا يروي إلا عن ثقة، والإمام مالك (-١٧٩ هـ). ومن أشهر علماء الجرح والتعديل في هذا القرن الثاني مَعْمَرُ (- ١٥٤ هـ) وهشام الدستوائي (- ١٥٤ هـ) والأوزاعي (- ١٥٧ هـ) والثوري (- ١٦١ هـ) وحماد بن سلمة (- ١٦٧ هـ) والليث بن سعد (- ١٧٥ هـ) ونشأ بعد هؤلاء طبقة أخرى كعبد الله بن المبارك (- ١٨١ هـ) والفَزَاري (- ١٨٥ هـ) وابن عُيينة (- ١٩٨ هـ) وَوَكِيعٌ بْنُ الجَرَّاحِ (- ١٩٧ هـ) ومن أشهر علماء هذه الطبقة يحيى بن سعيد القطان (- ١٩٨ هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (- ١٩٨ هـ) وكانا حُجَّتَيْنِ مَوْثُوقَيْنِ لدى الجمهور فمن وَثَّقَاهُ قُبِلَتْ رِوَايَتُهُ، ومن جَرَّحَاهُ رُدَّتْ، وإن اختلف فيه رجع الناس إلى ما تَرَجَّحَ عندهم (١).

стр. 125

ثم تلاهم طبقة أخرى من أئمة هذا الشأن منهم يزيد بن هارون (- ٢٠٦ هـ) وأبو داود الطيالسي (- ٢٠٤ هـ) وعبد الرزاق بن هَمَّاٍم (٢١١ هـ) وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ الضَحَّاكُ بْنُ مَخْلَدْ (- ٢١٢ هـ). ثم ابتدأ تصنيف الكُتُبِ في الجرح والتعديل، ومن أوائل الذين ألَّفُوا وتكلموا في هذه الطبقة يحيى بن معين (- ٢٣٣ هـ) وأحمد بن حنبل (- ٢٤١ هـ) ومحمد بن سعد كاتب الواقدي وصاحب " الطبقات " (- ٢٣٠ هـ) وعلي بن المديني (- ٢٣٤ هـ) ثم تلاهم بعد ذلك البخاري، ومسلم، وأبو زرعة، وأبو حاتم الرَّازِيَانِ، وأبو داود السجستاني. وتتابع العلماء بعد ذلك حتى أواخر القرن التاسع الهجري، طبقة بعد طبقة، تؤلف وتبحث في الرجال، وتتحرى أمر الرُّوَاة حتى لا يعسر عليك أن تجد في مؤلفاتهم تاريخ أي رجل يمر بك اسمه في كتب الحديث. وكتب الجرح والتعديل، منها ما أفرد لذكر الثقات فقط، ككتاب " الثقات " لابن حبان البُستي، و" الثقات " لابن قطلوبغا (- ٨٨١ هـ) في أربع مجلدات، و" الثقات " لخليل بن شاهين (- ٨٧٣ هـ). ومنها ما أفرد للضعفاء فقط، وَمِمَّنْ ألّف فيهم البخاري وَالنَسَائي وابن حبان والدراقطني والعقيلي وابن الجوزي وَابْنُ عَدِيٍّ، وكتابه " الكامل في الضعفاء " أوفى الكتب في ذلك وقد ذكر فيه كل من تكلم فيه وإن كان من رجال " الصَحِيحَيْنِ "، كما ذكر فيه بعض الأئمة المتبوعين، لأن بعض خصومهم في حياتهم تكلموا عنهم. وقد أََلَّفَ الذهبي كتابه " ميزان الاعتدال " من كتاب ابن عدي هذا. ومنها ما جمع فيها بين الثقات والضعفاء وهي كثيرة جِدًّا من أشهرها تواريخ البخاري: "الكبير "، وهو مرتب على حروف المعجم، و"الأوسط "، و"الصغير " وهما مرتبان على السنين، وكتاب "الجرح والتعديل " لابن حبان، و" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم الرازي، و"الطبقات الكبرى " لابن سعد، ومن أجود الكتب في ذلك، " التكميل في معرفة الثقات والضعفاء والمجاهيل " للحافظ ابن كثير، جمع فيه بين

стр. 126

"تهذيب " المِزِّي، و" ميزان " الذهبي مع زيادات وتحرير في العبارات وهو أنفع شيء لِلْمُحَدِّثِ وَالفَقِيهِ التالي لأثره (١). ولم يكن الأئمة الذين عنوا بهذا الفن على استواء واحد في مقاييس النقد الذي يوجهونه لِلْرُّوَاةِ، بل كان منهم المُتَشَدِّدُ ومنهم المتساهل ومنهم المتوسط المعتدل، فمن المُتَشَدِّدِينَ، ابن معين ويحيى بن سعيد القطان وابن حبان (٢) وأبو حاتم الرازي، ومن المتساهلين، الترمذي والحاكم وابن مهدي، ومن المعتدلين أحمد، والبخاري ومُسلم وبذلك تباينت الآراء في بعض الرُّوَاةِ، فمنهم من يوثقه ومنهم من يضعفه، وما ذلك إلا لاختلاف الأنظار والمقاييس التي وضعها كل إمام في نقده، بل قد يُنْقَلُ عن العالم الواحد رأيان مختلفان في رَاوٍ واحد، فقد يراه اليوم ثقة، ثم يرى منه بعد ذلك ما يضطره للعدول عن حكمه، وقد يكون الأمر عكس ذلك. ومن الأسباب الاختلاف في التجريح والتعديل اختلاف منازع الفقهاء في الاجتهاد، فالنزاع بين أهل الحديث وأهل الرأي مشهور معروف أَدَّى إلى أن يطعن بعض أهل الحديث في بعض أئمة أهل الرأي وأن يَعُدَّهُمْ من الضعفاء لا لشيء إلا لنزعتهم الاجتهادية التي لا تتفق مع نزعة أهل الحديث، وحسبك دَلِيلاً على هذا أن إماماً جليلاً من كبار أئمة التشريع في تاريخ الإسلام وهو أبو حنيفة ﵀ تحامل عليه كثير من المُحَدِّثِينَ وَجَرَّحَهُ بعض علماء الجرح والتعديل مع زهده وورعه وتقواه وجلالة قدره، ونجد ذلك واضحاً مِمَّا نقله أبو بكر الخطيب في " تاريخ بغداد " في ترجمة أبي حنيفة (١٣/ ٣٢٣ - ٤٢٣) وما ذلك إلا لِدِقَّةِ مسلكه الفقهي الذي خفي على كثير من المُحَدِّثِينَ بل على كثير من أئمتهم. وقد أدى تعصب العامة من أهل الحديث إلى أن يَتَّهِمُوا أبا حنيفة بما يقطع التاريخ بكذبه. ولعل هذا الاختلاف في ميول الناقدين وأنظارهم وتفاوتهم بين الشدة

стр. 127

والتساهل في النقد، هو الذي أكثر العلماء أخيراً إلى أن لا يقبلوا جرحاً إلا مفسراً خشية أن يكون منشأ الجرح خطأ في تقدير الناقد أو عصبية لا حقيقة لها وواقعاً، قال الحافظ ابن كثير: «بِخِلاَفِ الجَرْحِ فَإِنَّهُ لاَ يُقْبَلُ إِلاَّ مُفَسَّرًا لاخْتِلاَفِ النَّاسِ فِي الأَسْبَابِ المُفَسِّقَةِ فَقَدْ يَعْتَمِدُ الجَارِحُ شَيْئًا مَفَسِّقًا فَيُضَعِّفَهُ، وَلاَ يِكُوُنَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ، فَلِهَذَا اشْتُرِطَ بَيَانُ السَّبَبِ فِي الجَرْحِ» (١). ومن طريف ما يذكر في هذا الموضوع ما نقل عن بعضهم أنه قيل له: «لِمَ تَرَكْتَ حَدِيثَ فُلاَنٍ؟ فَقَالَ: رَأَيْتُهُ يَرْكُضُ عَلَىَ بِرْذَوْنٍ فَتَرَكْتُ حَدِيثَهُ! .. وسئل بعضهم عن حديث لصالح المُرِّي فقال: «مَا يُصْنَعُ بِصَالِحِ؟ ذَكَرُوهُ يَوْمًا عِنْدَ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَامْتَخَطَ حَمََّادُ» (٢) فانظر كيف كان بعض الناس يُجَرِّحُونَ الرجال لأسباب واهية لا علاقة لها بالعدالة والثقة والضبط، ولكن الحق أن هذا صنيع الجاهلين أو المتطفلين على هذا العلم، أما الأئمة المنتصبون لهذا الشأن العريقون في مداخله ومخارجه، فلا يقعون في مثل ذلك الحكم الجائز والنقد المضحك. رَابِعًا - عُلُومُ الحَدِيثِ: وثمة علوم أخرى استلزمتها دراسة السُنَّةِ وروايتها والدفاع عنها وتحقيق أصولها ومصادرها، وقد أوصلها أبو عبد الله الحاكم في كتابه " معرفة علوم الحديث " إلى اثنين وخمسين علماً، وأوصلها النووي في " التقريب " إلى خمس وستين علماً، نذكر أهمها فيما يلي، ليتبين مقدار دقة علماء السُنَّةِ في نقدها وتحقيقهم في ضبطها ودأبهم على صيانتها. (الأول) - معرفة صدق المُحَدِّثِ وإتقانه وَتَثَبُّتِهِ وصحة أصوله وما يحتمله سِنُّهُ ورحلته من الأسانيد، وغير ذلك من غفلته وتهاونه بنفسه وعلمه وأصوله.

стр. 128

ومن ذلك ما قاله الحاكم: «وَمِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ طَالِبُ الحَدِيثِ فِي زَمَانِنَا أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَحْوَالِ المُحَدِّثِ أَوَّلاً هَلْ يَعْتَقِدُ الشَّرِيعَةَ فِي التَّوْحِيدِ وَهَلْ يُلْزِمُ نَفْسَهُ طَاعَة الأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِمْ وَوَضَعُوا مِنَ الشَّرْع ثمَّ يَتَأَمَّل هَلْ هُوَ صَاحِبُ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ فََإِنَّ الدَّاعِي إِلَى البِدْعَةِ لاَ يُكْتَبُ عَنهُ وَلاَ كَرَامَة لإِجْمَاعِ جَمَاعَةٍ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ عَلَى تَرْكِهِ ثُمَّ يَتَعَرَّفُ سِنَّهُ هَلْ يَحْتَمِلُ سَمَاعَهُ عَنْ شُيُوخِهِ الذِينَ يُحَدِّثُ عَنْهُمْ فَقَدْ رَأَيْنَا مِنَ المَشَايِِخِ جَمَاعَةً أَخْبَرُونَا بِسِنٍّ يَقْصُرُ عَنْ لُقْيِ شُيُوخٍ حَدَّثُوا عَنْهُمْ ثُمَّ يتَأَمَّلُ أُصُولَهُ أعَتِيقَةٌ هِيَ أَمْ جَدِيدَةٌ فَقَدْ نَبَغَ فِي عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَةٌ يَشْتَرُونَ الكُتُبَ فَيُحَدِّثُونَ بِهَا وَجَمَاعَةٌ يَكْتُبُونَ سَمَاعَاتِهِمْ بِخُطُوطِهِمْ فِي كُتُبٍ عَتِيقَةٍ فِي الوَقْتِ فَيُحَدِّثُونَ بِهَا فَمَنْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الصَّنْعَةِ فَمَعْذُورٌ بِجَهْلِهِ فَأَمَّا أَهْلُ الصَّنْعَةِ إِذَا سَمِعُوا مِنْ أَمْثَالِ هَؤُلاَءِ بَعْدَ الخِبْرَةِ فَفِيهِ جَرْحُهُمْ وَإِسْقَاطُهُمْ إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ عَلَى أَنَّ الجَاهِلَ بِالصَّنْعَةِ لاَ يُعْذَرُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ عَمَّا لاَ يَعْرِفُهُ وَعَلَى ذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ ﵃ أَجْمَعِينَ -». (الثاني) - معرفة المسانيد من الأحاديث: قال الحاكم: «وَهَذَا عِلْمٌ كَبِيرٌ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ، لاخْتِلَافِ أَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ فِيْ الِاحْتِجَاجِ بِغَيْرِ الْمُسْنَدُ، وَالْمُسْنَدُ مِّنَ الْحَدِيْثِ أَنَّ يَرْوِيْهِ الْمُحَدِّثُ عَنْ شَيْخٍ يُظْهِرُ سَمَاعَهُ مِنْهُ لِمَنْ يَحْتَمِلُهُ وَكَذَلِكَ سَمَاعُ شَيْخِهِ إِلَىَ أَنْ يَصِلَ الإِسْنَادِ إِلَىَ صَحَابِيٍّ مَشْهُوْرٌ إِلَىَ رَسُوْلِ الْلَّهِ ﷺ ». (الثالث) - معرفة الموقوفات من الآثار: وذلك مثل ما أخرجه الحاكم عن المغيرة بن شعبة قال: «كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالأَظَافِيرِ». قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًا، لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ، فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكَى عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلاً، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ».

стр. 129

(الرابع) - معرفة الصحابة على مراتبهم: فإنهم - على ما ذكر الحاكم - اثنتا عشرة طبقة، أولها من أسلم بمكة، وآخرها صبيان وأطفال رأوا رسول الله ﷺ يوم الفتح وفي حَجَّةِ الوداع وعدادهم في الصحابة. (الخامس) - معرفة المراسيل المختلف في الاحتجاج بها: وهذا نوع من علم الحديث صعب، قلَّمَا يهتدي إليه إلا المُتَبَحِّرُ في هذا العلم. (السادس) - معرفة المنقطع من الحديث: وهو غير المرسل، وقلما يوجد في الحُفَّاظِ من يُمَيِّزُ بينهما، ثم ذكر أنه ثلاثة أنواع وضرب لكل نوع مثلا. الأول: أن يكون في السند رجلان مجهولان لم يُسَمَّيَا ولم يعرفا. الثاني: أن يكون في إسناده رجل غير مسمى ولكنه عرف من طريق آخر. الثالث: أن يكون في الإسناد راوية لم يسمع من الذي يروي عنه الحديث قبل الوصول إلى التابعي الذي هو موضع الإرسال. ولا يقال لهذا النوع: مرسل إنما يقال له: منقطع. (السابع) - معرفة المسلسل من الأسانيد: فإنه نوع من السماع الظاهر الذي لا غبار عليه، وهو أنواع: فقد يكون التسلسل بلفظ مُعَيَّنٍ عند التحديث في جميع رجال السند، كأن يقولوا جميعاً «حَدَّثَنَا» أو «سمعته يقول» أو «شهدت على فلان أنه قال» وقد يكون التسلسل بفعل معين يفعله كل شيخ مع تلميذه، كالحديث المسلسل بالمصافحة وهكذا. (الثامن) - معرفة الأحاديث المعنعنة: وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة النقل على تورع رواتها

стр. 130

عن أنواع التدليس، ثم ذكر الحاكم - مثلا له - حَدِيثًا عن جابر بن عبد الله، ثم قال: «هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ مِصْرِيُّوْنَ ثُمَّ مَدَنِيُّونَ وَمَكِيُّونَ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ التَّدْلِيسُ، فَسَوَاءٌ - عِنْدَنَا - ذَكَرُوا سَمَاعَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْكُرُوهُ». (التاسع) - معرفة المعضل من الروايات: وهو أن يكون بين المرسل إلى رسول الله ﷺ أكثر من رجل وأنه غير المرسل، فإن المراسيل للتابعين دُونَ غيرهم. (العاشر) - معرفة المُدْرَجِ في حديث رسول الله ﷺ من كلام الصحابة وتخليص كلام غيره من كلامه ﷺ . وَمَثَّلَ لذلك بما أخرجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخذ بيده فَعَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلاَةِ وَقَالَ: «قُلْ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ» فَذَكَرَ التَشَهُّدَ، قَالَ: فَإِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ». قال الحاكم: وقوله: «إِذَا قُلْتَ هَذَا، إلخ ... » مدرج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود واستشهد لذلك بما أخرجه من طريق آخر قال فيه راويه عن عبد الله بن مسعود بعد أن ذكر تعليم النَّبِيِّ ﷺ لابن مسعود «التَشَهُّدَ» قال عبد الله بن مسعود: «إِذَا فَرَغْتَ مِنْ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ. إلخ ... » (١). (الحادي عشر) - معرفة التَّابِعِينَ: وهذا نوع يشتمل على علوم كثيرة فإنهم على طبقات في الترتيب، ومهما غفل الإنسان عن هذا العلم لم يُفَرِّقْ بين الصحابة والتَّابِعِينَ، ثم لم يُفَرِّقْ أيضاًً بين التَّابِعِينَ وأتباع التَّابِعِينَ، ثم ذكر الحاكم طبقاتهم (وهم خمس عشرة طبقة) أولهم، من لحق العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، كسعيد بن المسيب وقيس بن أبي حازم، وآخرهم من لَقِيَ أنس بن مالك من أهل البصرة، وعبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، والسائب بن يزيد من أهل المدينة، وعبد الله بن الحارث بن جُزْءٍ من أهل مصر، وأبا أمامة الباهلي من أهل الشام.

стр. 131

(الثاني عشر) - معرفة أَولاد الصحابة: فإن من جهل هذا النوع اشتبه عليه كثير من الروايات، وأول ما يلزم الحَدِيثِيَّ معرفته من ذلك أَوْلاَدَ سيد البشر ﷺ ، وإن صَحَّتْ الرواية عنه منهم، ثم بعد هذا معرفة أولاد كبار الصحابة وغيرهم، ثم معرفة أولاد التَّابِعِينَ وأتباع التَّابِعِينَ وغيرهم من أئمة المُسْلِمِينَ، فإن هذا علم كبير ونوع بذاته من أنواع علم الحديث. (الثالث عشر) - معرفة علم الجرح والتعديل: وهما في الأصل نوعان، كل نوع منهما علم برأسه، وهو ثمرة هذا العلم، والمرقاة الكبيرة منه، وقد تكلم عنه الحاكم كما تكلم عن أصح الأسانيد وأوهاها. (الرابع عشر) - معرفة الصحيح والسقيم: وهو غير الجرح والتعديل، فَرُبَّ إسناد يسلم من المجروحين غير مخرج في الصحيح، وضرب لذلك مثلا بما أخرجه بسنده المتصل إلى ابن عمر عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى وَالوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ» قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ فِي إِسْنَادِهِ إِلاَّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ، وَذِكْرُ النَّهَارِ فِيهِ وَهْمٌ»، وضرب لذلك مثلاً آخر حَدِيثًا أخرجه بسنده إلى مالك بن أنس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: «مَا عَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ إِنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلاَّ تَرَكَهُ» قال الحاكم: «هَذَا إِسْنَادٌ تَدَاوَلَهُ الأَئِمَّةُ وَالثِّقَاتُ وَهُوَ بَاطِلٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا بِهَذَا الإِسْنَادِ «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةً قَطُّ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفْسِهِ إِلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا». وَلَقَدْ جَهِدْتُ جَهْدِي أَنْ أَقِفَ عَلَى الْوَاهِمِ فِيهِ مَنْ هُوَ فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ أَكْبَرَ الظَّنِّ عَلَى ابْنِ حَيَّانَ الْبَصْرِيِّ عَلَى أَنَّهُ صَدُوقٌ مَقْبُولٌ» ثم قال الحاكم: «إِنَّ الصَّحِيحَ لاَ يُعْرَفُ بِرِوَايَتِهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالفَهْمِ وَالحِفْظِ وَكَثْرَةِ السَّمَاعِ، وَلَيْسَ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ العِلْمِ عَوْنٌ أَكْثَرَ مِنْ مُذَاكَرَةِ أَهْلِ الْفَهْمِ وَالمَعْرِفَةِ لِيَظْهَرَ مَا يَخْفَى مِنْ عِلَّةِ الْحَدِيثِ، فَإِذَا

стр. 132

وُجِدَ مِثْلُ هَذِهِ الأَحَادِيثِ بِالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ غَيْرِ مُخَرَّجَةٍ فِي كِتَابَيْ الإِمَامَيْنِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَزِمَ صَاحِبَ الحَدِيثِ التَّنْقِيرُ، عَنْ عِلَّتِهِ، وَمُذَاكَرَةِ أَهْلِ المَعْرِفَةِ بِهِ لِتَظْهَرَ عِلَّتُهُ». (الخامس عشر) - معرفة فقه الحديث: إذ هو ثمرة هذه العلوم وبه قوام الشريعة، ثم ذكر أسماء عدة من أئمة الحديث أضافوا إلى رواية الحديث الفقه بها، كابن شهاب الزُّهْرِي، وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، وعبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل وكثيرين. (السادس عشر) - معرفة ناسخ الحديث من منسوخه: وقد ذكر أمثلة كثيرة لأحاديث منسوخة وأخرى ناسخة. (السابع عشر) - معرفة المشهور من الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ : قال الحاكم: «وَ (المَشْهُورُ) مِنَ الحَدِيثِ غَيْرِ (الصَّحِيحِ)، فَرُبَّ حَدِيثٍ مَشْهُورٍ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحِ»، وضرب لذلك أمثلة. (الثامن عشر) - معرفة الغريب من الحديث: وهو أنواع: فنوع منه غرائب الصحيح وهو ما يتفرد به راو ثقة، ومنه غرائب الشيوخ وذكر الشيوخ وذكر لذلك مثلا حديث «لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ» فقال: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَهُوَ إِمَامٌ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ تَفَرَّدَ بِهِ عَنْهُ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ إِمَامٌ مُقَدَّمٌ، لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ بِهِ عَنْهُ غَيْرُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ، وَهُوَ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ». (التاسع عشر) - معرفة الأفراد من الأحاديث: وهو على ثلاثة أنواع: النوع الأول: معرفة سنن رسول الله التي يتفرد بها أهل مدينة واحدة عن الصحابي كأن يرويه كوفيون من أول السند إلى آخره، أو مدنيون وهكذا.

стр. 133

النوع الثاني: أحاديث يتفرد بروايتها رجل واحد عن إمام من الأئمة. النوع الثالث: أحاديث لأهل المدينة تفرد بها عنهم رَاوٍ من أهل مكة مثلاً. (العشرون) - معرفة المُدَلِّسِينَ الذين لا يميز من كتب عنهم بين ما سمعوه وما لم يسمعوه. قال الحاكم: «وَفِي التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِ التَّابِعِينَ إِلَى عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَةٌ» (*)، ثم ذكر أنواع التدليس وهي ستة، وذكر لكل نوع أمثلة. (الحادي والعشرون) - معرفة علل الحديث: وهو علم برأسه غير الصحيح والسقيم وغير الجرح والتعديل. قال الحاكم: «وَإِنَّمَا يُعَلَّلُ الحَدِيثُ مِنْ أَوْجُهٍ لَيْسَ لِلْجَرْحِ فِيهَا مَدْخَلٌ، فَإِنَّ حَدِيثَ المَجْرُوحِ سَاقِطٌ وَاهٍ، وَعِلَّةٌ الحَدِيثِ، يَكْثُرُ فِي أَحَادِيثِ الثِّقَاتِ أَنْ يُحَدِّثُوا بِحَدِيثٍ لَهُ عِلَّةٌ، فَيَخْفَى عَلَيْهِمْ عِلْمُهُ، فَيَصِيرُ الحَدِيثُ مَعْلُولاً، وَالحُجَّةُ فِيهِ عِنْدَنَا الحِفْظُ، وَالفَهْمُ، وَالمَعْرِفَةُ لاَ غَيْرَ»، ثم ذكر له عشرة أنواع وَمَثَّلَ لكل نوع، ولم يذكر لها قواعد وإنما كان يذكر لكل نوع مثالاً، ثم يذكر علته، وجميع العلل تدور حول دخول حديث في حديث، أو وهم لحق الراوي، أو وصل حديث وهو في الواقع مرسل وهكذا. (٢) (الثاني والعشرون) - معرفة السنن المتعارضة: فيحتج بعض المذاهب بإحداها ويحتج غيرهم بالأخرى، وقد ذكر لذلك أمثلة من أحاديث صَحَّتْ عن رسول الله ﷺ أنه كان في حَجَّةٍ مُفْرداً وأحاديث أخرى صحيحة أنه كَانَ مُتَمَتِّعًا، وأحاديث أخرى أنه كان قَارِنًا، فاختار أحمد وابن خزيمة التمتع، واختار الشافعي الإفراد، واختار أبو حنيفة القِرَانَ.

стр. 134

(الثالث والعشرون) - معرفة الأخبار التي لا معارض لها بوجه من الوجوه: وذكر لذلك أمثلة كثيرة. (الرابع والعشرون) - معرفة زيادات ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة فيها رَاوٍ واحد: وهذا مِمَّا يعز وجوده ويقل في أهل الصنعة من يحفظه، وذكر لذلك أمثلة، منها حديث ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، وَكَذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، فَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ الوَقْتِ فِيهِ غَيْرُ بُنْدَارِ بْنِ بَشَّارٍ، وَالحَسَنِ بْنِ مُكْرَمٍ، وَهُمَا ثِقَتَانِ فَقِيهَانِ». (الخامس والعشرون) - معرفة مذاهب المُحَدِّثِين: وقد ذكر الحاكم نصوصاً كثيرة عن أئمة الحديث يذكرون فيها الطرق التي ينتمي إليها بعض الرُّوَاة لتحذير الناس منهم. (السادس والعشرون) - معرفة التصحيفات في المتون: فقد زلق فيه جماعة من أئمة الحديث وذكر لذلك أمثلة. (السابع والعشرون) - معرفة التصحيفات في الأسانيد: وقد ذكر لذلك أمثلة كثيرة. ثم ذكر أنواعاً كثيرة أخرى من علوم الحديث، يرجع أكثرها إلى ضبط أسماء الرُّوَاةِ وأنسابهم وأعمارهم وقبائلهم وأقرانهم وَكُنَاُهْم وصناعاتهم وغير ذلك مِمَّا يدل على بالغ العناية ووافر الضبط والإتقان. خَامِسًا - كُتُبُ المَوْضُوعَاتِ وَالوَضَّاعِينَ: كان من عادة السلف حين وقع الكذب في الحديث وتتبعوا الكَذَّابِينَ

стр. 135

وعرفوهم، أن يجهروا بأسمائهم في المجالس فيقولوا: فلان كذَّاب لا تأخذوا عنه، فلان زنديق، فلان قَدَرِيٌّ. وهكذا. وقد عرف بالكذب واشتهر بين المُحَدِّثِين أناس منهم: أبان بن جعفر النميري: وضع على أبي حنيفة ثلاثمائة حديث لم يُحَدِّث أبو حنيفة بواحد منها. إبراهيم بن زيد الأسلمي: روى عن مالك أحاديث لا أصل لها. أحمد بن عبد الله الجويباري: وضع ألوفاً من الأحاديث لِلْكَرَّامِيَّةِ. جابر بن يزيد الجُعَفِي: قال فيه سفيان: «سُمِعَتْ جَابِرًا يُحَدِّثُ بِنَحْوِ ثَلاَثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ مَا أَسْتَحِلُّ أَنْ أَذْكُرَ مِنْهَا شَيْئًا وَأَنَّ لِيَ كَذَا وَكَذَا». محمد بن شجاع الثلجي: وضع أحاديث التشبيه ونسبها إلى أهل الحديث. نوح بن أبي مريم: وضع أحاديث فضائل القرآن، سورة فسورة (١). الحارث بن عبد الله الأعور، مقاتل بن سليمان، محمد بن سعيد المصلوب، محمد بن عمر الواقدي، إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهب بن وهب القاضي، محمد بن السائب الكلبي، أبو داود النخعي، إسحاق بن نجيح الملطي، عباس بن إبراهيم النخعي، مأمون بن أبي أحمد الهروي، محمد بن عكاشة الكرماني، محمد بن القاسم الطايكاني، محمد بن زياد اليشكري، محمد بن تميم الفريابي. ثم تتبع العلماء الأحاديث الموضوعة فأفردوها بالجمع والتأليف تنبيهاً

стр. 136

للعامة حَتَّى لاَ يَغْتَرُّوا بِهَا. ومن أشهر هذه الكتب: ١ - "الموضوعات " للحافظ أبي الفرج ابن الجوزي المُتَوَفَّى (٥٩٧) وقد ذكر فيه كل ما اعتقد بوضعه من الأحاديث ولو في كتب الصحاح، فذكر حديثين في " صحيح مسلم "، وحَدِيثًا في "البخاري "، وثمانية وثلاثين في " مُسْنَدُ أَحْمَدَ "، وتسعة في " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ "، وثلاثين في " جامع الترمذي "، وعشرة في " سُنَنِ النَسَائِي "، وثلاثين في " سُنَنِ ابن ماجه "، وستين في " مُسْتَدْرَك الحَاكِمْ "، وأحاديث أخرى في كتب السُنَّةِ الأخرى. وقد تعقَّبَهُ العلماء - كالعراقي وابن حجر بخصوص أحاديث " مُسْنَدُ أَحْمَدَ "، والسيوطي بصورة عامة في كتابه " التعقبات على الموضوعات " وفي اختصاره لكتاب ابن الجوزي في " اللآلئ المصنوعة " -، فأقروا أكثر ما ذكر في كتابه، وخالفوه في قليل منها، وخاصة ما يتعلق بأحاديث " البخاري " و" مسلم "، وأحاديث الإمام أحمد. ٢ - " المغني عن الحفظ والكتاب "، لأبي حفص عمر بن بدر الموصلي المُتَوَفَّى (- ٦٢٢ هـ) اكتفى فيه بذكر الأبواب التي لم يصح فيها شيء من الحديث، مثل قوله: «باب في زيادة الإيمان ونقصانه وأنه قول وعمل». ثم يقول: «لاَ يَصِحُّ فِي البَابِ شَيْءٌ»، وقد تَعَقَّبَهُ العلماء أيضاًً. ٣ - " الدر الملتقط في تبيين الغلط "، للعلامة الصنعاني رضي الدين أبي الفضل حسن بن محمد بن حسين المُتَوَفَّى (- ٦٥٠ هـ) وقد تَعَقَّبَهُ العلماء أيضاًً. ٤ - " تذكرة الموضوعات "، لابن طاهر المقدسي (- ٥٠٧ هـ) وقد ذكر فيه الأحاديث التي رواها الكذبة والمجروحون والضعفاء والمتروكون. ٥، ٦ - " اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة " و" الذيل ايضاً "، تأليف الحافظ السيوطي، اختصر في الأول كتاب " الموضوعات " لابن الجوزي، وَتَعَقَّبَهُ فيه على بعض الأحاديث التي حكم ابن الجوزي بوضعها، وزاد في الكتاب الثاني ما فات ابن الجوزي في "الموضوعات "، ثم ألف " التعقبات على الموضوعات ".

стр. 137

٧ - " تذكرة الموضوعات "، لمحمد بن طاهر بن علي الفُتَّنِي (٩٨٦) وقد ألحق به رسالة في الوَضَّاعِينَ والضعفاء مرتبة على حروف المعجم. ٨ - " الموضوعات " للشيخ علي القاري الحنفي (١٠١٤). ٩ - " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني المُتَوَفَّى (- ١٢٥٠ هـ). ١٠ - " رسالة " للإمام الصنعاني. ذكر فيها أكثر الأحاديث التي تدور على أَلْسِنَةِ القُصَّاصِ وَالوُعَّاظِ في عصره، وذكر في آخرها أشهر أسماء الضعفاء والمتروكين. ١١ - " اللؤلؤ المرصوع فيما لا أصل له أو بأصله موضوع " للشيخ محمد بن أبي المحاسن القاوقجي الحسني المشيشي الأزهري. ولد بطرابلس، وتوفي في مصر أواخر عام ١٣٠٥، وقد طبعت والرسالة السابقة في كتاب واحد. سَادِسًا - كُتُبٌ فِي الأَحَادِيثِ المُشْتَهَرَةِ عَلَى الأَلْسِنَةِ: وبيان ما فيها من صحيح أو ضعيف أو موضوع، ومن هذه الكتب: ١ - " اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة "، للزركشي (- ٧٩٤ هـ) وقد اختصره السيوطي في " الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة ". ٢ - " المقاصد الحسنة في الأحاديث المشتهرة على الأَلْسِنَةِ "، للسخاوي (- ٩٠٢ هـ). ٣ - " كشف الخفاء والإلباس فيما يدور من الأحاديث على أَلْسِنَةِ الناس "، للعجلوني (- ١١٦٢ هـ) وقد أخذ كتاب السخاوي، وزاد عليه. ٤ - " تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على أَلْسِنَةِ الناس من الحديث "، لابن الديبع الشيباني الأثري المُتَوَفَّى (- ٩٤٤ هـ). ٥ - " أسنى المطالب في أحاديث مختلفة المراتب "، للشيخ محمد الحوت

стр. 138

البيروتي، أخذ كتاب " تمييز الطيب " وزاد عليه (١). وبهذا ينتهي ما أردته من عرض موجز للأدوار التي مرت بها السُنَّةُ، وما تعرضت له من دَسٍّ وَتَحْرِيفٍ، وما قام به العلماء من جهود جبارة لتنقية السُنَّةِ مِمَّا أصابها من فساد، وإنها لجهود لا يسع المنصف إلا أن ينحني إجلالاً ويعترف بأنها تكاد تكون فوق مستوى البشر، فجزاهم اللهُ خيراً.

стр. 139

البَابُ الثَّانِي: فِي الشُّبَهِ الوَارِدَةِ عَلَى السُنَّةِ فِي مُخْتَلَفِ العُصُورِ: الفصل الأول: السُنّة مع الشِيعَة والخَوَارِج. الفصل الثاني: السُنّة مع المعتزلة والمتكلّمين. الفصل الثالث: السُنّة مع منكري حُجّيتها قديماً. الفصل الرابع: السُنّة مع منكري حُجّيتها حديثاً. الفصل الخامس: السُنّة مع من ينكر حُجِيَّة خبر الآحاد. الفصل السادس: السُنّة مع المستشرقين. الفصل السابع: السُنّة مع بعض الكاتبين حديثاً.

стр. 140

تَمْهِيدٌ: كان طبيعياً وقد خاضت السُنَّةُ غمار تلك المعركة العنيفة التي خرجت منها ظافرة منصورة أن يعلق بها آثار جراح خفيفة لا بد منها، لكنها لم تؤثر على كيانها وحيويتها وقوتها، فلقد تعرضت السُنَّةُ في مختلف العصور لخصومات من بعض الطوائف المسلمة، وَشُبُهَاتٍ أثارها أصحابها في وجه الاعتداد بها كمصدر من مصادر التشريع، وسنبسط ذلك واضحاً في الفصول التالية إن شاء الله.

стр. 141

الفَصْلُ الأَوَّلُ: السُنَّةُ مَعَ الشِّيعَةِ وَالخَوَارِجِ: لم يكن الصحابة في عهد رسول الله ﷺ يخالجهم أدنى شك في أن أمر الرسول واجب الاتباع وأنه مرسل إلى الناس كافة، وأن عليهم أن يُبَلِّغُوا رسالته إلى الناس جميعاً وإلى الأجيال المتلاحقة من بعدهم، ولقد أنبأنا التاريخ الثابت أنهم في حياة الرسول لم يكن بعضهم ينظر إلى بعض نظر الريبة أو العداء، بل كانوا إخوة متحابين، تجمعهم عقيدة واحدة وأهداف واحدة، ويربط بين قلوبهم جميعاً حُبُّ نَبِيٍّ وَاحِدٍ وكتاب واحد وشرع واحد، ولقد أخبر اللهُ عنهم بما يدل على تمكن الأُخُوَّةِ فيما بينهم بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ (١) وقال تعالى في الأنصار خاصة: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (٢). وقد كانوا فيما بينهم مضرب الأمثال في الحب والتعاون والإيثار، لا يختلفون إلا في حق، وإذا اختلفوا فسرعان ما يفيئون إلى الحق حين يَتَبَيَّنُ لهم، ثم هم في خلافهم أكمل الناس أخلاقاً، وأوفرهم آداباً، وأكثرهم صيانة لِلْحُرُمَاتِ، هكذا كانوا: لاَ يُكَذِّبُ بعضُهُم بَعْضًا، ولا يتهم بعضهم بعضاً، يعرفون لِلْمُتَقَدِّمِ منهم في إسلامه فضله، ويشكرون للمكثر منهم إتفاقه على الدعوة وبذله، ولا يحسد بعضهم بعضاً على ما آتاهم الله من خير وبركة، فحسبهم من الخير المشترك بينهم جميعاً، أنهم أصحاب رسول

стр. 142

كريم، ودعاة شرع قويم، أنقذهم الله من الضلالة إلى الهدى فكانوا أسعد الناس وأحسنهم حالاً. ولما توفي رسول الله ﷺ كان أول خلاف وقع بين الصحابة اختلافهم فيمن يتولى الخلافة عنه، ومع أنه كان خلافاً في أمر من أشد شؤون الجماعات والأمم خطراً، وهو الرئاسة العليا للدولة، فقد كان حديثهم وتبادلهم للآراء ودفاع كل منهم عن رأيه، وانتهاؤهم إلى الرأي الذي وافقوا عليه جميعا، لقد كان كل ذلك عجباً من العجب، في ضبط النفس، وحُسن الأداء، وحرمة الصحبة، ونشدان الحق، لا تعرف له مثيلا في تاريخ المجالس النيابية في العصر الحاضر، فكيف بتلك العصور التي لم تعرف فيها الأمم مبدأ الشورى، ولا كان للشعوب حق في اختيار وُلاَّتِهَا وأمرائها، إنك لتقرأ في مصادر التاريخ الصحيحة أخبار سقيفة بني ساعدة، كيف اجتمع فيها الأنصار عقب وفاة الرسول ليختاروا من بينهم أمير المُسْلِمِينَ وخليفته من بعده، وكيف سارع شيوخ المهاجرين وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وأبو عُبيدة، إلى إخوانهم الأنصار، وكيف استمعوا إلى حُجَجِهِمْ بأدب واحترام، وكيف أدلى أبو بكر برأيه ورأي المهاجرين، فوفَّى الأنصار حقهم من فضل النصرة للإسلام والذود عن رسول الله وإيواء المهاجرين والترحيب بهم، ثم ذكر فضل المهاجرين بلا تَبَجُّحٍ ولا غرور، وذكر أن العرب لا يدينون إلا لهذا الحي من قريش، وأنه إن كان الأمير من الأوس نفست عليهم الخزرج، وإن كان من الخزرج نفّست عليهم الأوس، ثم كيف عدل الأنصار عن رأيهم في الانفراد بالخلافة إلى أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وكيف أجابهم المهاجرون بأن هذا أول الوهن والضعف، وكيف اقترح أبو بكر على الحاضرين أن يبايعوا عمر أو أبا عُبيدة، فإذا عمر يقول لأبي بكر: «أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي»، فيقول أبو بكر لعمر: «وَلَكِنَّكَ أَقْوَى مِنِّي»، فيقول عمر: «إِنَّ قُوَّتِي مَعَ فَضْلِكَ»، ثم يسرع فيبايع أبا بكر فيبايعه المهاجرون، فيتسابق الأنصار إلى مبايعته حتى إنهم

стр. 143

ليكادون يطؤون زعيمهم «سعد بن عُبادة»، وهو الذي كان مُرَشَّحًا منهم للخلافة، فينتهي الأمر بإجماع من في السقيفة على مبايعة أبي بكر فَيُبَايِعُهُ الجمهور بعد ذلك، إلا عَلِيًّا وَنَفَرًا معه تَرَيَّثُوا قليلاً ثم بايعوا. وبذلك تمت الخلافة له وانتهى هذا المشكل الخطير دُونَ أن تراق قطرة دم أو تشتبك الأحزاب فيما بينها، أو توغر الصدور بالتهم الباطلة والتحامل المثير، إنك لتقرأ هذا وأمثاله، فإذا هو يعطيك صورة واضحة لأدب القوم وَسُمَوِّ نفوسهم وتماسك مجتمعهم، وقوة صِلاَتِ التعاون والإخاء فيما بينهم، واستمر الأمر على ذلك طيلة خلافة أبي بكر وعمر وصدراً من خلافة عثمان، يتعاونون على الخير في أوسع معنى التعاون، ويتناصحون بالمعروف في أروع صور التناصح، ويختلفون في التشريع في أدق معاني الاختلاف، ثم لا يصرفهم عن الجهر بالحق صداقة ولا مجاملة ولا رئاسة ولا فضل، صرحاء صراحة العربي الذي لا يعرف نفاقاً ولا خداعاً، أدباء أدب الحضري الذي لا يعرف قسوة ولا فظاظة، متعاونون تعاون الإخوة لا يعرفون عُلُوًّا ولا استكباراً، مطيعون طاعة الجندي لا يعرفون تمرداً ولا اختلافاً، بَنَّاؤُونَ في كيان الدولة الجديدة والشرع الجديد وَالأُمَّةِ الجديدة، كَأَتَمِّ ما يكون البَنَّاؤُونَ دقة نظر، وسعة علم، وبذل جُهْدٍ، واستقصاء وسيلة، حتى إذا كانت الفتنة أواخر خلافة عثمان، واندس بينهم أعداء الله من يهود وأعاجم تظاهروا بالإسلام، وكان ما قضى اللهُ به من مقتل الخليفة الثالث ثم الخليفة الرابع، ثم استتب الأمر لمعاوية، هناك رأينا ألْسِنَةَ السُّوءِ تتطاول على هؤلاء الأصحاب، وَتَتَسَتَّرُ بِحُبِّ عَلِيٍّ ﵁، لتروي غيظها مِمَّنْ أقاموا قواعد الدين الجديد بسواعدهم ودمائهم وأرواحهم، وكما تطاول المتظاهرون بِالتَشَيُّعِ لِعَلِيٍّ تطاول الخوارج أيضاًً بعد التحكيم، وكَفَّرُوا جمهور الصحابة الموجودين يومئذ، لأنهم خالفوا أمر الله في زعمهم ومن خالف أمر الله كفر، بينما وقف الجمهور من اختلافات الصحابة موقف المعتدل، فهم يرون أن الخلفاء الثلاثة أحق من عَلِيٍّ بالخلافة، ويرونه أحق من معاوية بها، ولكنهم مع تأييدهم للخلفاء قبل

стр. 144

عَلِيٍّ ثم لِعَلِيٍّ مع معاوية، يلتزمون جانب الأدب مع جميع هؤلاء الصحاب، فيعتذرون لِلْمُخْطِئِ منهم بأنهم مجتهدون فيما قاموا به، ولا إثم على المجتهد فيما يخطئ ما دام الحق رائده، وهؤلاء الأصحاب لهم من بلائهم في الإسلام، وخدمتهم في نشر لوائه، وتفانيهم دُونَ رسول الله وشريعته، وصحبتهم له وتأدبهم بأدبه، ولهم من تاريخهم الأول قبل الفتنة وأدبهم وأخلاقهم وَسُمُوِّ نفوسهم، ما يجعلنا نعتقد فيهم الخير جميعاً، ونذهب إلى أنهم كانوا جميعاً مُجْتَهِدِينَ يريدون الحق، فَلِلْمُصِيبِ منهم أجران وللمخطئ أجر، كما أخبر بذلك رسول الله ﷺ في حديث مشهور حول اجتهاد الحاكم (١). ولو كان الخلاف محصوراً ضمن دائرة هؤلاء الصحابة الكبار ومن شايعهم من جمهور الصحابة والتَّابِعِينَ، لبقي مطبوعاً بطابعهم الذي عرفوا به، من حسن الأدب واحترام الصحبة، مع الجهر بالحق والصراحة به، ولكن دسائس خصوم الإسلام ودخول غمار الشعوب المسلمة في هذه المعارك الخلافية، أضاف إلى تاريخ هؤلاء الصحابة كلاماً لم يقله بَعْضُهُمْ في حق بعض، ولم يعرف عنهم قط أنهم ينزلقون إلى منحدره، ومع الأسف فقد وجدت هذه النقول المكذوبة آذانًا صَاغِيَةً عند جمهور الشِّيعَةِ بل إن أول من تطاول على الصحابة وملأ المجالس بالأحاديث المكذوبة عليهم وفي حق عَلِيٍّ وفضله، هم الشِّيعَةُ باعتراف المُحَقِّقِينَ كما سبق لنا نقله عن ابن أبي الحديد (٢). رَأْيُ الخَوَارِجِ: -------------- وَأَيًّا ما كان، فقد أدى هذا الخلاف بين الصحابة إلى أن يكون لكل من الخوارج وَالشِّيعَةِ رأي في الصحابة غير رأي الجمهور من المُسْلِمِينَ، فالخوارج على اختلاف فرقهم يُعَدِّلُونَ الصحابة جميعاً قبل الفتنة ثم يُكفِّرُون عَلِيًّا وعثمان وأصحاب الجمل وَالحَكَمَيْنِ ومن رضي بالتحكيم

стр. 145

وَصَوَّبَ الحَكَمَيْنِ أو أحدهما (١) وبذلك رَدُّوا أحاديث جمهور الصحابة بعد الفتنة، لرضاهم بالتحكيم واتباعهم أئمة الجور على زعمهم فلم يكونوا أهلاً لثقتهم. رَأْيُ الشِّيعَةِ: ------------- وجمهور طوائف الشِّيعَةِ - ونعني بهم من ظلوا في دائرة الإسلام - يُجَرِّحُونَ أبا بكر وعمر وعثمان ومن شايعهم من جمهور الصحابة، وَيُجَرِّحُونَ عائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص ومن انغمس معهم في اغتصاب الخلافة من عَلِيٍّ، وبالأحرى أنهم يُجَرِّحُونَ جمهور الصحابة إلا نفراً مِمَّنْ عرفوا بولائهم لِعَلِيٍّ ﵁، وقد ذكر بعضهم أنهم خمسة عشر صحابياً فقط وأقاموا على ذلك مذهبهم من رَدِّ أحاديث جمهور الصحابة، إلا ما رواه أشياع عَلِيٍّ منهم، على أن تكون رواية أحاديثهم من طرق أئمتهم لاعتقادهم بعصمتهم، أو مِمَّنْ هو على نحلتهم، والقاعدة العامة عندهم أن من لم يوال عَلِيًّا فقد خان وَصِيَّةَ الرسول، ونازع أئمة الحق، فليس أهلاً للثقة والاعتماد، وقد خالف جمهور الشِّيعَةِ في هذا الرأي فريق منهم، وهم الزيدية القائلون بتفضيل عَلِيٍّ على أبي بكر وعمر، مع الاعتقاد بصحة خلافتهما والإشادة بفضلهما، وهؤلاء يعدون أكثر طوائف الشِّيعَةِ اعتدالاً، وفقههم قريب من فقه أَهْلِ السُنَّةِ. رَأْيُ الجُمْهُورِ: -------------- أما جمهور المُسْلِمِينَ فقد حكموا بعدالة الصحابة جميعاً، سواء منهم من كان قبل الفتنة أو بعدها، وسواء منهم من انغمس فيها أو جَانَبَهَا، ويقبلون رواية العدول الثقات عنهم، إلا ما جاء عن طريق أصحاب عَلِيٍّ فإنهم لا يقبلون منها إلا ما كان من رواية أصحاب عبد الله بن مسعود، لأنهم ثقات مأمونون لم يستجيزوا الكذب على عَلِيٍّ كما فعل أشياعه من الرَّافِضَةِ. كان من آثار هذا الاختلاف في النظر إلى الصحابة أن هُوجِمَتْ السُنَّةُ التي جمعها الجمهور وَحَقَّقَهَا أئمتهم وَنُقَّادُهُمْ، منذ عصر الصحابة حتى
следующие страницы →