وحسبك دليلاً على ما كان يتمتع به من صلاح وتقوى في نظر القوم أنه كان وابن عمر هما اللذان يُكبِّرَانِ في مِنَى أيام العيد فَيُكَبِّرُ الناس بتكبيرهما، وأنه كان هو الذي صلى على عائشة أم المؤمنين ﵄، وفي رواية أنه صلى أيضاًً على أم سلمة أم المومنين ﵂.
وَلِمَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بَكَى فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: «مَا أَبْكِي عَلَى دُنْيَاكُمْ هَذِهِ، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَى بُعْدِ سَفَرِي وَقِلَّةِ زَادِي، وَإِنِّي أَصْبَحْتُ فِي صُعُودٍ مُهْبِطٍ عَلَى جَنَّةٍ وَنَارٍ، لاَ أَدْرِي إِلَى أَيِّهِمَا يُؤْخَذُ بِي!».
أفترى هذه العبادة والصلاة والتسبيح والوعظ والبكاء وعتق الرقاب والخوف من الله وشدة مراقبته يتأتى ذلك كله من نفس تستبيح كبرى الكبائر في الإسلام وهي الكذب على رسول الله ﷺ ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.
خامساً - وكان مع هذا كله مُقِلاًّ من الدنيا يتصدق بما يصل إلى يده من مال.
قَالَ أَبُو الزُّعَيْزِعَةِ كَاتِبُ مَرْوَانَ: بَعَثَ مَرْوَانُ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ بَعَثَ إِلَيْهِ: إِنِّي غَلِطْتُ وَلَمْ أُرِدْكَ بِهَا، وَإِنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ غَيْرَكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «قَدْ أَخْرَجْتُهَا، فَإِذَا خَرَجَ عَطَائِي فَخُذْهَا مِنْهُ». وَكَانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهَا. وَإِنَّمَا أَرَادَ مَرْوَانُ اخْتِبَارَهُ (١).
ودَعْكَ من قول أَبِي رَيَّةَ أنه كان له «قصر» بالعقيق، وقصر بكذا. فهذا من تحريفه الذي لا يخاف الله منه، وإنما الرواية في " ابن الأثير ": «وكانت وفاته في «داره» بالعقيق (٢) و «الدار»، لا تدل على ثراء ولا على سعة، فلقد كان لأكثر الصحابة، بل لكل صحابي دار، وما جرؤ أحد أن يقول: أنهم كانت لهم «قصور»! .. نعوذ بالله من تحريف الكلم عن مواضعه.
سادساً - لم يكد يمضي عصر الصحابة وكبار التَّابِعِينَ حتى كانت
стр. 388
أحاديث أبي هريرة محل عناية أئمة الحديث، ينقدونها، فَيُبَيِّنُونَ ما صَحَّ منها، وينفون ما لم يصح، ويذكرون ما فيه ضعف أو وَهَنٍ، واحتلت أحاديث أبي هريرة الصحيحة صدور مُدَوَّنَاتِ السُنَّةِ ومسانيدها، لم يشذ عن ذلك أحد قبل أن يأتي النَظَّامُ وَالإِسْكَافِي ومن معهما من شيوخ المعتزلة، وَالإِسْكَافِي ومن سبقه من شيوخ الشِيعَةِ.
سابعاً - وكانت أحاديث أبي هريرة التي صحت عنه محل عناية الفقهاء وأئمة الاجتهاد في مختلف أمصار الإسلام، إذا صح الحديث منها لم يكن لأحد كلام معه إلا ما روي عن إبراهيم النخعي وبعض علماء الكوفة من شيوخ مدرسة الرأي الذين لهم شروط معروفة في الأخذ بأحاديث الآحاد، ولم يوافقهم على ذلك جمهور فقهاء الأمصار، حتى أبو حنيفة الذي توجت به مدرسة العراق لم يصح عنه أنه وقف من أحاديث أبي هريرة موقف إبراهيم النخعي ومن سار على رأيه، بل يعمل بها متى صحت واستوفت شرائط الصحة عنده - وهي شروط مبعثها الاجتهاد والاحتياط في أمر الرُوَاةِ غير الصحابة لا في أمر واحد من الصحابة، ومن زعم غير ذلك فهو مفترٍ كَذَّابٌ، يُكَذِّبُهُ مذهب أبي حنيفة نفسه وهو مُدَوَّنٌ مشهور.
ثامناً - كان أول من أظهر الطعن بأبي هريرة بعض شيوخ المعتزلة كالنظَّام، ولهم موقف من أكثر صحابة الرسول، لا من أبي هريرة وحده، ولهم موقف مِنَ السُنَّةِ استباحوا به أن يُكَذِّبُوا بعض الأحاديث الصحيحة الثابتة عند الجمهور، وإنما أتوا من سلطان الفلسفة اليونانية على عقولهم حيث قاسوا بها الدين، وكل ما ورد منه، ولولا الخوف من الجماهير لنقدوا القرآن نفسه. فإن فيه ما لا تستسيغه عقولهم اليونانية مثل ما في الحديث، ومع هذا فقد تَأَوَّلُوا القرآن بما يتفق مع عقليتهم، لقد ظنوا أن فلسفة اليونان هي الحق الذي لا باطل معه، ويستطيع الآن أقل طالب في المدارس الثانوية أن يجيبهم على هذا التأليه المضحك للفلسفة اليونانية! .. وإن زعم أَبُو رَيَّةَ أنهم أصحاب العقول الراجحة! أي كعقله تماماً ..
وأما الشِيعَةُ فإنهم لم يقفوا من أبي هريرة وحده ذلك الموقف بل
стр. 389
وقفوا من صحابة رسول الله جميعاً إلا نَفَرًا قليلاً يعد بالأصابع، موقف العداء والبغض والذم ووصل الأمر بأكثر فرقهم إلى تكفير جمهور الصحابة بما فيهم أبو بكر وعمر وسعد وخالد وغيرهم مِمَّنْ أسعد الله الإنسانية بنقل هداية الإسلام على أيديهم ..
وَهُمْ في هذا الموقف متفقون مع أصولهم التي التزموها، وهي بغض كل من لم يُسَلِّمْ لِعَلِيٍّ ﵁ بإمارة المؤمنين بعد وفاة رسول الله ﷺ ، ولذلك لما أجمع الصحابة على تولية أبي بكر ﵁ الخلافة مقتوهم جميعاً، واعتبروهم متآمرين على مخالفة وصية رسولهم ﷺ حيث أوصى - في زعمهم - لِعَلِيٍّ بالخلافة من بعده، ولا نطيل في هذا القول وليس هو من بحثنا ولكنا نريد أن نقول لأَبِي رَيَّةَ: لئن اتفقت أهواؤه مع آرائهم في أبي هريرة، فإنهم لا يفردون أبا هريرة بهذه النقمة، ولكنهم يخصون أبا بكر وعمر بقسط أكبر منها ويحكون عنهما من الأقاصيص أبشع مِمَّا يحكونه عن أبي هريرة وهي التي اعتبرها أَبُو رَيَّةَ من المستندات العلمية التي يصح الاعتماد عليها، ويلزمه من ذلك أن يلتزم بكل ما جاء في كتبهم في حق الصحابة وهو معلوم معروف، وليس من المصلحة الإسلامية إثارة هذا الموضوع في هذه الظروف التي تقتضي وحدة كلمة المُسْلِمِينَ ونسيان الماضي الذي لا يَدَ لنا فيه، ولولا موقف أَبِي رَيَّةَ لما تعرضنا لهذا البحث الذي اضطررنا إليه رَدًّا لمفترياته وأضاليله التي زعم أنها هي لـ «التحقيق العلمي الذي لم يسبق إليه»!.
هذه كلمة مجملة فيها حقائق لا تنقض عن حياة أبي هريرة ﵁ ومكانتة العلمية في نفوس الذين عاشروه من الصحابة والتَّابِعِينَ، وفي نفوس الجماهير من أئمة الحديث وعلماء الإسلام خلال أربعة عشر قرناً ..
ونرى أن نختم هذه الكلمة بكلمة للعلاَّمة المُحَقِّقُ المرحوم الشيخ أحمد محمد شاكر، قَالَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - في أوائل مسند أبي هريرة من " مسند الإمام أحمد " (١): وقد لهج أعداء السُنّةِ، أعداء الإسلام، في عصرنا،
стр. 390
وشغفوا بالطعن في أبي هريرة، وتشكيك الناس في صدقه وفي روايته، وما إلى ذلك أرادوا، وإنما أرادوا أن يصلوا- زعموا- إلى تشكيك الناس في الإسلام تبعاً لسادتهم المُبَشِّرِينَ، وإن تظاهروا بالقصد إلى الاقتصار على الأخذ بالقراَن، أو الأخذ بما صح من الحديث في رأيهم وما صح من الحديث في رأيهم إلا ما وافق أهواءهم وما يتبعون من شعائر أوروبة وشرائعها، ولن يتورع أحدهم عن تأويل القرآن، إلى ما يخرج الكلام عن معنى اللفظ في اللغة التي نزل بها القراَن ليوافق تأويلهم هواهم وما إليه يقصدون؟!
وما كانوا بأول من حارب الإسلام في هذا الباب، ولهم في ذلك سلف من أهل الأهواء قَدِيمًا، والإسلام يسير في طريقه قدماً، وهم يصيحون ما شاؤوا، لا يكاد الإسلام يسمعهم، بل هو إما يتخطاهم لايشعر بهم، وإما يدمرهم تدميراً.
ومن عجب أن تجد ما يقول هؤلاء المعاصرون، يكاد يرجع في أصوله ومعناه إلى ما قال أولئك الأقدمون، بفرق واحد فقط: أن أولئك الأقدمين، زائغين كانوا أم ملحدين، كانوا علماء مطلعين، أكثرهم مِمَّنْ أضله الله على علم! وأما هؤلاء المعاصرون، فليس إلا الجهل والجرأة وامتضاغ ألفاظ لا يحسنونها يقلدون في الكفر، ثم يتعالون على كل من حاول وضعهم على الطريق القويم.
ولقد رأيت الحاكم أبا عبد الله، المتوفي سنة ٤٠٥ هـ، حكى في كتابه " المستدرك " (٣/ ٥١٣) كلام شيخ شيوخه، إمام الأئمة أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (المُتَوَفَّى سَنَةَ ٣١١ هـ) في الرد على من تكلم في أبي هريرة، فكأنما هو يرد على أهل عصرنا هؤلاء، وهذا نص كلامه:
«وَإِنَّمَا يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لِدَفْعِ أَخْبَارِهِ، مَنْ قَدْ أَعْمَى اللهُ قُلُوبَهُمْ، فَلاَ يَفْهَمُونَ مَعَانَي الأَخْبَارِ
- إِمَّا مُعَطِّلٌ جَهْمِيٌّ يَسْمَعُ أَخْبَارَهُ الَّتِي يَرَوْنَهَا خِلاَفَ مَذْهَبِهِمْ - الَّذِي هُوَ
стр. 391
كَفْرٌ - فَيَشْتُمُونَ أَبَا هُرَيْرَةَ، وَيَرْمُونَهُ بِمَا اللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُ عَنْهُ تَمْوِيهًا عَلَى الرِّعَاءِ وَالسَّفِلِ، أَنَّ أَخْبَارَهُ لاَ تَثْبُتُ بِهَا الْحُجَّةُ؟
- وَإِمَّا خَارِجِيٌّ، يَرَى السَّيْفَ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلاَ يَرَى طَاعَةَ خَلِيفَةٍ، وَلاَ إِمَامٍ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خِلاَفَ مَذْهَبِهِمْ الَّذِي هُوَ ضَلاَلٌ، لَمْ يَجِدْ حِيلَةً فِي دَفْعِ أَخْبَارِهِ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ كَانَ مَفْزَعُهُ الْوَقِيعَةَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ!.
- أَوْ قَدَرِيٌّ اعْتَزَلَ الإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَكَفَّرَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الأَقْدَارَ المَاضِيَةَ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَضَاهَا قَبْلَ كَسْبِ الْعِبَادِ لَهَا إِذَا نَظَرَ إِلَى أَخْبَارِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي قَدْ رَوَاهَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي إِثْبَاتِ الْقَدَرِ لَمْ يَجِدْ بِحُجَّةٍ تُؤَيِّدُ صِحَّةَ مَقَالَتِهِ التِي هِيَ كُفْرٌ وَشِرْكٌ، كَانَتْ حُجَّتُهُ عِنْدَ نَفْسِهِ أَنَّ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ لاَ يَجُوزُ الاحْتِجَاجُ بِهَا!.
- أَوْ جَاهِلٌ يَتَعَاطَى الْفِقْهَ وَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ إِذَا سَمِعَ أَخْبَارَ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُخَالِفُ مَذْهَبَ مَنْ قَدِ اجْتَبَى مَذْهَبَهُ، واخْتَارَهُ تَقْلِيدًا بِلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بُرْهَانٍ تَكَلَّمَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَفَعَ أَخْبَارَهُ الَّتِي تُخَالِفُ مَذْهَبَهُ، وَيَحْتَجُّ بِأَخْبَارِهِ عَلَى مُخَالَفَتِهِ إِذَا كَانَتْ أَخْبَارُهُ مُوَافِقَةً لِمَذْهَبِهِ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ هَذِهِ الْفَرَقِ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْبَارًا لَمْ يَفْهَمُوا مَعْنَاهَا أَنَا ذَاكِرٌ بَعْضُهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ... ».
ثم أخذ ابن خزيمة ﵀ يذكر بعض الأحاديث التي استشكلت من أحاديث أبي هريرة، ثم يجيب عنها.
هذه كلمة الحق في أبي هريرة وأحاديثه، وهذا مِمَّا ذهب إليه أئمة الهدى وأعلام الدين، وكبار فقهاء الإسلام ومتشرعيه. وبيدهم الحُجَّة، وبألسنتم المنطق، ومعهم التاريخ الصحيح ووسيلتهم البحث العلمي الهادي الرصين.
كَلِمَةٌ مُجْمَلَةٌ فِي «أَبِي رَيَّةَ» وَكِتَابِه:
حين كتبت مقدمة الطبع لهذا الكتاب وتحدثت عن كتاب «أَبِي رَيَّةَ»
стр. 392
كنت قد ألقيت نظرة سريعة على كتابه فكتبت ما كتبت، ولكني بعد أن تدبرت ما كتبه عن أبي هريرة، وناقشت ما ساقه من نصوص و «حكايات» أستطيع أن أجزم بالحقائق التالية:
أولاً - إن الرجل غير موثوق فيما ينقل، فكثيراً ما يريد في النص الذي ينقده كلمة يفسد بها المعنى، لينسجم النص مع ما يريد، دُونَ ما يريد صاحبه، وكثيراً ما ينقص كلمة، وكثيراً ما يسند القول إلى غير صاحبه تضليلاً وتمويهاً، وقد مر بنا أمثلة من ذلك خلال مناقشته لما كتبه عن أبي هريرة، ونحن نضع الآن بعض هذه الأمثلة أمام القارىء ليتأكد من «أمانة» هذا الرجل، و «تحقيقه العلمي»!
١ - يقول (١) عن عبد الله بن عمرو ﵁:
«وكان قد أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب، وكان يرويها للناس " عَنْ النَّبِيِّ"» ثم نسب هذا القول إلى ابن حجر في " فتح الباري " ص ١٦٦ ج ١، وعبارته في " الفتح " ليس فيها «عَنْ النَّبِيِّ» وإنما زادها أَبُو رَيَّةَ ونسبها إلى الحافظ ابن حجر ليؤكد للقارىء الشك في أحاديث صحابة رسول الله ﷺ الذين كان بعضهم يستمع إلى مُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ يتحدثون عن أخبار الأمم الماضية، فمنهم من كان ينقلها عنهم على أنها قصص متعلقة بالماضين، ولكن أَبَا رَيَّةَ يتهمهم بأنهم كانوا " ينسبونها " إلى النَّبِيّ ﷺ ! .. ولم يكتف بذلك البهتان حتى نسبه إلى الحافظ ابن حجر وهو لم يقله قط ولا يقوله مسلم يعرف ما كان عليه هذا الجيل الفذ في تاريخ الإنسانية من صدق اللهجة واستقامة الدين ووقوف عند حدود الله فيما أمر ونهى، وهم يعلمون أن الله لعن الكَاذِبِينَ ومقتهم، وليس أَقَرَّ لعيون أعداء الله والإسلام من أَنْ يُرْمُوا بما رماهم به «أَبُو رَيَّةَ».
٢ - ونقل (٢) عن ابن كثير في " البداية والنهاية " ٨/ ٢٠٦ أن عمر
стр. 393
- ﵁ قال لكعب الأحبار: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ رَسُولِ اللهِ) أَوْ لأُلْحِقَنَّكَ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وعبارة ابن كثير: «لَتَتْرُكَنَّ الحَدِيثَ (عَنْ الأُوَلِ) ... » وليس فيها «عَنْ رَسُولِ اللهِ» ولكن " أمانة " أَبِي رَيَّةَ أجازت له تحريف هذا النص ليثبت ما ادَّعَاهُ من أن كعبا كان يُحَدِّثُ عن رسول الله ﷺ وأن الصحابة كانوا يأخذون عنه الحديث، وهذه الفرية دسها المُسْتَشْرِقُونَ اليهود أمثال «جولدتسيهر» لِيَدَّعُوا تأثير اليهودية في الدين الإسلامي! .. فتلقفها منهم «المُحَقِّقُ العِلْمِيُّ» أَبُو رَيَّةَ، وتبرع لهم بإثبات الأدلة عن طريق «التزوير»! ..
٣ - ونقل (١) عن " البداية والنهاية " لابن كثير: ٨/ ١٠٦ أَنَّ عُمَرَ ﵁ هَدَّدَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِتَرْكِ الحَدِيثِ أَوْ لَيُلْحِقَنَّهُ بِأَرْضِ دَوْسٍ «أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ».
وهذه الزيادة «أَوْ بِأَرْضِ القِرَدَةِ» من مفتريات أَبِي رَيَّةَ على عمر وابن كثير معاً .. وإنما قالها عمر لكعب كما مَرَّ يُهَدِّدُهُ فِي تَرْكِ الحَدِيثِ عَنْ «الأُوَلِ» أي الأمم الماضية - كما نقل ذلك ابن كثير.
٤ - نقل أَبُو رَيَّةَ في عدة مواضع من بحثه عن أبي هريرة نصوصاً في تكذيب عمر وعثمان وَعَلِيٍّ وعائشة وغيرهم لأبي هريرة، ثم نسبها إلى ابن قتيبة في " تأويل مختلف الحديث " وترجم أَبُو رَيَّةَ لابن قتيبة في هامش كتابه بأنه كان لأهل السُنَّةِ كالجاحظ للمعتزلة في قوة البيان وَالحُجَّةِ، وقصده من ذلك تأكيد تضليل القارىء بأن رجلا كابن قتيبة له مكانته بين أهل السُنَّةِ يطعن في أبي هريرة هذا الطعن، دليل على صحة ما يذهب إليه أَبُو رَيَّةَ من تكذيب أبي هريرة فيما يرويه عن رسول الله ﷺ .
مع أن ابن قتيبة ألَّف كتابه " تأويل مختلف الحديث " للرد على من طعن في أئمة الحديث منذ الصحابة حتى عصره، وأخبر أنهم هم رؤساء
стр. 394
الاعتزال كالنظَّام وأمثاله وآخرين. ثم ساق ابن قتيبة شتائم النظام لأبي بكر وعمر وعثمان وَعَلِيٍّ وابن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من كبار الصحابة، ثم كَرَّ بالرد عليه وتفنيد ما قال عن كل واحد من هؤلاء.
فأخذ «أَبُو رَيَّةَ» ما قاله النظَّام في أبي هريرة ونسبه إلى ابن قتيبة وتعامى عن رَدِّ ابن قتيبة على النظَّام، وهكذا تكون «الأمانة العلمية» عند هذا «المُحَقِّقِ العِلْمِيِّ»! ..
٥ - ونقل (١) عن المرحوم السيد رشيد رضا كلاماً عن كعب ووهب بن منبه قال فيه: «وَمَا يُدْرِينَا أَنََّ كُلِّ الرِّوَايَاتِ - أَوْ المَوْقُوْفَةِ مِنْهَا - تَرْجِعُ إِلَيْهِمَا» مع أن العبارة: «وَمَا يُدْرِينَا أَنََّ كُلِّ (تِلْكَ) الرِّوَايَاتِ ... الخ. فأسقط أَبُو رَيَّةَ كلمة «تِلْكَ»، التي أشار بها السيد رشيد ﵀ إلى مرويات كعب ووهب عن أهل الكتاب، لتجيء العبارة مُوهِمَةً بأن روايات الصحابة ترجع إليهما .. فانظر إلى هذا الدَسِّ والتلاعب في نقل النصوص لتتفق مع أهوائه وأغراضه.
هذه أمثلة لا مجال للمناقشة فبها تدل على تلاعبه في النصوص التي ينقلها ونسبتها إلى غير قائليها وأشهد أني لا أعلم أحداً من أشد المُسْتَشْرِقِينَ تَعَصُّبًا وَدَسًّا، بلغت جرأته في تحريف النصوص والتلاعب فيها كما بلغت جرأة أَبِي رَيَّةَ فماذا تقول في هذا «العلاَّمة المحقّق الأمين؟»
ثانياً - انه يستدل لفكرته التي يخالف بها جمهور العلماء بنصوص للعلماء في موضوع غير الموضوع الذي يتكلم فيه، لِيُوهِمَ القارىء أنه مؤيد فيما يقوله من العلماء الأقدمين.
ونضرب لذلك مثلاً بما زعمه من تدليس أبي هريرة، مع أن جميع العلماء متفقون على أن ما كان يصنعه أبو هريرة وغيره من الصحابة من نسبته حَدِيثًا إلى النَّبِيّ ﷺ لم يسمعه ولكنه سمعه من صحابي آخر يسمى
стр. 395
إرسالا، وهو أمر متفق على جوازه وصحته ووقوعه من عدد من الصحابة في أبي هريرة.
ولكن أَبَا رَيَّةَ يسمي هذا العمل تدليساً ثم يذكر ما قاله العلماء مِنْ جَرْحِ المدلس وسقوط اعتباره. ليصل من ذلك إلى أن ابا هريرة - بحسب القواعد التي وَضَّحَهَا هؤلاء العلماء - لايعتبر حديثه ولا يحتج به.
ومثلاً آخر: إنه يتهم أبا هريرة بالكذب، ثم ينقل نصوص العلماء في سقوط الاحتجاج بمن كذب ولو مَرَّةً واحدة على رسول الله ﷺ ، وأن بعضهم ذهب إلى تكفيره، ويريد أن يطبق ذلك على أبي هريرة .. أي أنه يأتي بمقدمة صغرى غير صحيحة، ومقدمة كبرى مُسَلَّمَةٍ، ثم يأتي بالنتيجة التي يهواها على أنه ألزم خصومه بما لا يسعهم رفضه.
لقد قال في أول بحثه: «إن أحاديث الآحاد تفيد الظن. والظن لا يغني من الحق شيئاً»، واستنتج من ذلك أن أحاديث الآحاد لا تلزمنا بشيء ..
استدل للمقدمة الصغرى بنصوص العلماء في هذا الشأن وهي صحيحة، ولكن المقدمة الكبرى غير مُسَلَّمَةٍ لأن جماهير أئمة العلم ذهبوا إلى وجوب العمل بأحاديث الآحاد، فالنتيجة التي ذكرها أَبُو رَيَّةَ غير صحيحة، ومن المعلوم أن القياس لا يكون صحيحاً مُلْزَمًا إلا إذا سلمت مقدمتاه.
هكذا شأنه في كل أبحاثه، ومن هنا أكثر من الاستشهاد بنصوص من مراجع علمية محترمة في الأوساط العلمية، لكنها لا تلتقي معه في اتجاهه، بل هي في اتجاه معاكس له تماماً، وإنما حشرها بين مراجعه لِيُمَوِّهَ بها على القُرَّاءِ البُسَطَاءِ، أو الذين لا اطَّلاَعَ لهم على هذه المباحث.
ثالثاً - أنه يسيء فهم النصوص عَمْدًا، ويتحكم في فهمها تَحُكْمًا يمليه الهوى لا البحث العلمى كما فعل في فهمه معنى قول أبي هريرة - رَضِيَ اللهُ
стр. 396
عَنْهُ -: «عَلَى مِلْءِ بَطْنِي» (١) وكما فعل في فهمه معنى قول بُسْر بن سعيد فيمن كان يحضر مجلس أبي هريرة فيجعل ما يرويه أبو هريرة عن كعب مَرْوِيًّا عن رسول الله، وما يرويه أبو هريرة عن رسول الله مَرْوِيًّا عن كعب، وقد سبق التنبيه إلى ذلك.
وهذا الأسلوب هو أسلوب المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ، وهو الذي أسقطهم من عيون المُسْتَشْرِقِينَ المُحَقِّقِينَ الذين أتوا بعدهم، وأضعف من الثقة بأبحاثهم.
رابعاً - إنه في سبيل تأكيد الفكرة المُسْتَوْلِيَةِ عليه يرفض نصوصاً أجمع العلماء على صحتها، من حيث يعتمد على روايات مكذوبة نص العلماء على بطلانها وعلى «حكايات» تُرْوَى في مجالس الأدب، ومن مصادر غير موثوقة في نظر العلماء وليس لها سند ولا يعرف قائلها.
وبهذا ليس عنده مانع يمنع من تكذيبه لما جاء في كل كُتُبِ السُنَّةِ الصحيحة كـ "البخاري " و"مسلم " و"السنن الأربعة " وغيرها في بسط رداء أبي هريرة ودعاء الرسول له بالحفظ، ويذهب في تكذيب هذه الرواية إلى حد السخرية والاستهزاء، في حين أنه يعتمد على ما جاء في كتاب " [حياة] الحيوان " للدميري، و" شرح ابن أبي الحديد "، و" عيون الأخبار "، و" مقامات " بديع الزمان الهمذاني!! ..
وهذا هو بعينه أسلوب أولئك المُتَعَصِّبِينَ من المُسْتَشْرِقِينَ كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق، فافتدى بهم، حذوك النًعل بالنعل.
خامساً - اعتماده في سب أبي هريرة وتكذيبه وفي التشكيك بِالسُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا، على ما كتبه المستشرق «جولدتسيهر» و «شبرنجر» و «فون كريمر» و" دائرة المعارف الإسلامية (البريطانية) " وتفاخره بأنه يأخذ عن هؤلاء ويتلقى عنهم دروس السب والشتيمة في جلة صحابة رسول الله ﷺ !.
بل إنه كان أكثر منهم بذاءة وأطول لساناً، انظر إلى «شبرنجر» إنه يقول عن أبي هريرة: «المُتَطَرِّفُ فِي الاخْتِلاَقِ وَرَعًا».
ألا ترى أن هذا الكلام على ما فيه من نسبة الكذب إلى أبي هريرة
стр. 397
يعتبر كالتسبيح بجانب ما أضفاه أَبُو رَيَّةَ على أبي هريرة من ألفاظ السب والشتم والهجاء المقذع حين زعم أنه كان يختلق الأحاديث لِيُرْضِي بها الأُمَوِيِّينَ.
ثم إن «شبرنجر» يعترف بأن كثيراً من الأحاديث التي تنسبها الروايات إليه إنما قد نحلت في عصر متأخر، فهو «شبرنجر» لا يُحَمِّلُ أبا هريرة وِزْرَهَا، ولكن أَبَا رَيَّةَ حَمَّلَ أبا هريرة وِزْرَ كل الروايات المكذوبة عليه واستنتج منها تلك النتائج البعيدة عن الحق.
وقد ذكرنا لك كيف زعم أن أبا هريرة كان يَسْتَحِلُّ الكذب على الرسول بأنه ما دام لا يحلل حراماً ولا يحرم حلالاً فلا بأس، ثم استشهد بأحاديث رويت عنه، وقد ثبت أنها كلها موضوعة عليه كما بَيَّنَ ذلك أئمة الحديث ..
وهكذا يفوق التلميذ أستاذه .. لكن لا في الذكاء وعمق البحث والأدب، بل في شيء آخر غير هذا ..
سادساً - أنه لم يتحل بالأدب الكريم في بحثه، فكانت له الكلمات النابية التي مكانها مجالس السوقة والرعاع، لا الكتب والمؤلفات.
إنه قد ذهب في أول بحثه إلى أن الكذب هو عدم مطابقة الخبر للواقع سواء كان عمداً أو خطأً، ثم قال: «فلعنة الله على الكَاذِبِينَ متعمِّدين أو غير متعمِّدين» هذا مع العلم بأن كبار الصحابة، وكبار المُحَدِّثِينَ، وكبار الفقهاء، وكبار العلماء، قد وقع منهم الخطأ وَالوَهْمُ إما في الرواية وإما في الفتوى وإما في رواية التاريخ، فهؤلاء جميعاً في أدب «أَبِي رَيَّةَ» قد نالتهم لعنة الله! .. ومن عدالة الله أنا أمسكنا بأَبِي رَيَّةَ مُتَلَبِّسًا بجريمة الكذب العمد كما رأيت.
ثم انظر إلى الألفاظ البذيئة التي قالها عن أبي هريرة، ثم عن معاوية، ثم عن الذين سيخالفونه في نتائج «بحثه العلمي الذي لم ينسج أحد من قبل على منواله» كيف كال لهم السباب المقذع ووصفهم بِأَحَطِّ الأوصاف والنعوت.
стр. 398
لقد كنت أقرأ هذا وأنا أعجب كيف يَتَفَوَّهُ إنسان يحترم نفسه بمثل هذه الكلمات، حتى حَدَّثَنِي عنه من يعرفه شخصياً ما أزال عجبي «وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالذِي فِيهِ يَنْضَحُ».
سابعاً - إنه لم يتورع خلال بحثه - ليثبت عبقريته وأنه أتى بما لم يأته الأوائل، وأنه اكتشف حقيقة أبي هريرة التي خفيت على ثمانمائة من حَمَلَةِ العِلْمِ من الصحابة والتَّابِعِينَ - من أن يَتَّهِمَ الصحابة - وفيهم عمر- بالغفلة والسذاجة، حيث سمحوا لِمُسْلِمَةِ أَهْلِ الكِتَابِ الذين أسلموا لِيَدُسُّوا على الإسلام، أَنْ يَكْذِبُوا على الرسول، ثم نقلوا عنهم هذا الكذب، من غير أن يُؤْتُوا ذَرَّةً من الفطنة التي أوتيها أَبُو رَيَّةَ فيعلموا أن هؤلاء مَدْسُوسُونَ دَسَّاسُونَ، بَلْ خُدِعُوا بِهِمْ وَنَقَلُوا عَنْهُمْ وتركوهم يدسون على الدين ويفسدون عقائده أحراراً يسرحون ويمرحون، بل يُعَظَّمُونَ وَيُقَدَّسُونَ! ..
ثم اتهم الأجيال المتلاحقة من بعدهم - وفيهم عشرات الألوف من كبار العلماء والفقهاء وَالمُتَشَرِّعِينَ وَالمُحَدِّثِينَ بالغفلة وعدم التيقظ لما تيقظ له «مُحَقِّقُنَا العَلاَّمَةُ العَبْقَرِيُّ» وأنهم جميعاً فاتهم من معرفة الحقائق التي أودعها في كتابه مِمَّا كان ينبغي أن يُؤَلَّفَ فيها مثل كتابه منذ ألف سَنَةٍ! .. ولكنهم لم يفعلوا حتى قام هو بهذه المُهِمَّةِ التى سَتُغَيِّرُ وجه الدراسات العلمية من بعد ..
هذا ما قاله بلسانه وسطره بقلمه، وتكاد تلمسه في كل صفحة من صفحات كتابه. ولا تدل هذه الدعوى والغرور والتبجح إلا على شيء واحد .. على عقل صاحبها .. وسبحان مقسم الحظوظ في العقول، كما يقسم الحظوظ في الأرزاق.
ثامناً - زعم أَبُو رَيَّةَ أنه استكثر في كتابه من الأدلة التي لايرقى الشك إليها وتزيد من الشواهد التي لا ينال الضعف منها. وحسبنا أن نلمس مكان هذه الدعوى في المصادر التي استمد منها كل ما خالف رأي جماهير المُسْلِمِينَ جيلاً بعد جيل. وهي مثل هذه الكتب التي أشار إليها ونقل عنها:
" حياة الحيوان ": للدميرى.
стр. 399
" العُمْدَةُ ": لابن رشيق.
" شرح نهج البلاغة ": لابن أبي الحديد.
" المعارف ": لابن قتيبة.
" نهاية الأرب ": للنويري.
" البيان والتبيين ": للجاحظ.
" الحيوان ": للجاحظ.
" عيون الأخبار ": لابن قتيبة.
" رحلة " ابن جُبَيْرْ.
" الخُطَطْ ": للمقريزي.
" الفخري ": لابن طَبَاطَبَا.
" معجم الأدباء ": لياقوت.
" حلية الأولياء ": لأبي نعيم.
" تاريخ بغداد ": للخطيب.
تاريخ دمشق: لابن عساكر.
" تاريخ " أبي الفدا.
" النجوم الزاهرة ": لا بن تغري بردي.
" معجم الحيوان ": لمعلوف باشا.
" أبوهريرة ": لِعَبْدِ الحُسَيْن شَرَفُ الدِّينِ.
" خزانة الأدب ": لعبد القادر البغدادي.
" خاص الخاص ": للثعالبي.
" ثمار القلوب ": للثعالبي.
" الصداقة والصديق ": للتوحيدي.
" نكت الهميان في نكت العميان ": للصفدي.
стр. 400
" شرح لامية العجم ": للعلواني.
" تاريخ التمدن الإسلامي ": لجرجي زيدان.
" العرب قبل الإسلام ": لجرجي زيدان.
" دائرة المعارف الإسلامية " (البريطانية).
" الحضارة الإسلامية ": لكريمر.
" السيادة العربية ": لفلوتن.
" حضارة الإسلام ": لإبراهيم اليازجي.
" تاريخ العرب المطول ": لفيليب حتي، وإدوارد جرجس، وجبرائيل جبور.
" تاريخ الشعوب الإسلامية ": لبروكلمان.
" المسيحية في الإسلام ": للقس إبراهيم لوقا.
" العقيدة والشريعة في الإسلام ": لجولدتسيهر.
هذا نموذج من المصادر التي أثبتها في آخر كتابه، والتي زعم أنه أتى منها بالأدلة التي لا يرقى الشك إليها، والشواهد التي لا ينال الضعف منها!! .. (١)
стр. 401
أما النصوص الواردة في " صحيحي " البخاري ومسلم و"مسند " الإمام أحمد و" المُوَطَّأ " و" النَّسَائِي " و" الترمذي " وَمُدَوَََّّنَاتِ السُنَّةِ المُعَتَبَرَةِ فقد كَذَّبَ منها ما شاء، لأنها يرقى إليها الشك وينال منها الضعف ..
" البُخَارِي " يُشَكُّ في نصوصه، أما الإسكافي فَيُوثَقُ بحكاياته.
" مسلم " ينال الضعف رواياته، وأما الثعالبي، فلا ريب في صدقه.
" أحمد " يروي الأكاذيب: ولكن ابن أبي الحديد لا ينقل إلا الصدق.
أنا لا أقول شيئاً عمن يقول هذا الكلام! ولكني أسأل الذي قَرَّظَ كتابه من كبار الأدباء (١) فأبدى إعجابه بكثرة مصادره، أسأله وهو الذي نادى بالمنهج العلمي في هذه البلاد. هل يصح أن يكون قائل هذا الكلام من العلماء؟ أم من طلبة العلم، أم من الذين يفهمون معنى «العلم»؟!.
ثَامِنًا - زعم «أَبُو رَيَّةَ» أنه ألف كتابه على قواعد التحقيق العلميِّ، فما هو المنهج الذي وضعه لكتابه، ما هي القاعدة أو القواعد التي وضعها لتصحيح الأحاديث؟ ماذا نفعل بهذه الثروة من كُتُبِ السُنَّةِ الموجودة؟ أنرميها كلها؟ أنأخذ بها كلها؟ أنأخذ بعضها ونترك بعضها؟ وما القاعدة في ذلك؟ العقل الصريح؟ عقل من؟ أمثل عقله الذي كَذَّبَ الروايات الثابتة، وَصَدَّقَ «الحكايات»، المكذوبة!! وَرَدَّ رواية " البخاري "، وقبل حكاية الإسكافي؟.
ثم أبو هريرة ماذا نفعل بأحاديثه؟ أهي كذب كلها؟ أم بعضها كذب وبعضها صحيح؟ وما القاعدة في التمييز بينها؟.
إن كل ما صنعه أَبُو رَيَّةَ أنه عرض علينا عبقريته في التنبه لغفلة العلماء الذين سبقوه عن وضع القواعد العلمية الصحيحة لنقد الحديث! ولم
стр. 402
يترك طريقة للتشكيك في السُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا من الصحابة إلى التَّابِعِينَ فمن بعدهم إلا سلكها، ثم زعم بعد ذلك أنه أراد خدمة السُنَّة!؟
أفهذا هو المنهج العلمي؟ أهذه هي الدراسة الي قامت على قواعد التحقيق العلمي، وهي الأولى من نوعها ولم ينسج أحد من قبل على منوالها؟! .. إني لأشهد أن أحداً من العقلاء الذين يحترمون أنفسهم ويحترمون عقولهم وعقول قُرَّائِهِمْ لم ينسج من قبل، على هذا المنوال! وَحَسْبُ «أَبِي رَيَّةَ» هذا الشرف! .. بَلْ حَسْبُهُ من الشرف أن ينفق على كتابه جهد ثلاثين سَنَةٍ وتزيد.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١).
وبعد فقد اتضح لنا مِمَّا سبق أن كتاب أَبِي رَيَّةَ ليست له أية قيمة علمية، لأمرين بارزين فيه:
١ - خُلُوُّ الكتاب من المنهج العلمي.
٢ - وَخُلُوُّ مُؤَلِّفِهِ من الأمانة العلمية، ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٢)﴾. (٣)
стр. 403
البَابُ الثَّالِثُ: فِي مَرْتَبَةِ السُنَّةِ فِي التَشْرِيعِ الإِسْلاَمِيِّ:
وَفِيهِ ثَلاَثَةُ فُصُولٍ:
الفصل الأول: في مرتبة السُنّةِ مع الكتاب.
الفصل الثاني: كيف اشتمل القرآن عَلَى السُنَّةِ.
الفصل الثالث: في نَسْخِ السُنَّةِ بالقرآن والقرآنُ بِالسُنَّةِ.
стр. 404
الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مَرْتَبَةِ السُنَّةِ مَعَ الكِتَابِ:
أنزل الله القراَن على رسوله ﷺ هُدًى للمتقين ودستوراً للمسلمين، وَشِفَاءً لصدور الذين أراد الله لهم الشفاء، ونبراساً لمن أراد الله لهم الفلاح والضياء، وهو مشتمل على أنواع من الأغراض التي بعث الله من أجلها الرسل، ففيه التشريع والآداب والترغيب والترهيب والقصص والتوحيد، وهو مقطوع بصحته إجمالاً وتفصيلاً، فمن شك في آية أو كلمة أو حرف من حروفه لم يكن مسلماً، وأهم ما يعنى به العالم المتفقه في دين الله أن يتعرف إلى أحكام الله في كتابه وما شَرَّعَهُ الله لعباده من نُظُمٍ وقوانين.
وقد تلقاه المُسْلِمُونَ عن رسول الله ﷺ مشافهة في عصر الصحابة نقلاً متواتراً في العصور التالية، وللرسول مُهِمَّةٌ أخرى غير تبليغ كتاب الله إلى الناس، وهي تبيين هذا الكتاب وشرح آياته، وتفصيل الجمل من أحكامه، وبيان ما أنزله الله في كتابه من قواعد عامة أو أحكام مجملة أو غير ذلك.
من هنا كان المُسْلِمُونَ في حاجة إلى معرفة بيان رسول الله، مع حاجتهم إلى معرفة كتاب الله، ولا يمكن أن يفهم القراَن على حقيقته وأن يعلم مُرَادَ الله من كثير من آيات الأحكام فيه إلا بالرجوع إلى رسول الله ﷺ الذي أنزل الله عليه الكتاب لِيُبَيِّنَ للناس ما نُزِّلَ إليهم من ربهم.
ومن هنا اتفق المُسْلِمُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، إلا من شَذَّ من بعض الطوائف المنحرفة، على أن سُنَّةََ رسول الله ﷺ من قول أو عمل أو تقرير هي من مصادر التشريع الإسلامي الذي لا غنى لكل مُتَشَرِّعٍ عن الرجوع
стр. 405
إليها في معرفة الحلال والحرام، وقد ذكرنا في الفصول السابقة ما يدل على هذا في كتاب الله وقول رسوله، غير أن الذي نريد بحثه الآن، هو مكانة السُنَّةِ بالنسبة للكتاب، هل هي معه على استواء واحد أم هي متأخرة عنه في المرتبة؟.
وَمِمَّا لا ريب فيه أن متن القرآن قطعي الثبوت، ثم منه ما هو قطعي الدلالة ومنه ما هو ظنيها، أما السُنَّةُ: فالمتواترة منها قطعية الثبوت، وغير المتواترة ظني الثبوت في تفصيله وإن كان قطعياً في جملته، ومرتبة ظنيِّ الثبوت في نوعيه قطعي الدلالة وظنيها، يأتي بعد مرتبة قطعي الثبوت بنوعيه، قطعي الدلالة وظنيها، ومن هنا كانت مرتبة السُنَّةِ بعد مرتبة الكتاب.
وأيضاًً فإِنَّ السُنَّةَ إما أن تكون بياناً للكتاب أو زيادة عليه، فإن كانت بياناً فهي في الاعتبار بالمرتبة الثانية عن المُبَيَّنِ فإن النص الأصلي أساس والتفسير بناء عليه، وإن كانت زيادة، فهي غير معتبرة إلا بعد أن لا توجد في الكتاب وذلك دليل على - تقدم اعتبار الكتاب.
هذا ما يدل عليه النظر العقلي، وقد تأيد ذلك بجملة من الأخبار والآثار، من ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود والترمذي: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قال: بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، «فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِيِ» (١).
وَمِمَّا كتبه عمر إلى شُرَيْحٍ القاضي: «إِذَا أَتَاكَ أَمْرٌ فَاقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ فَإِنْ أَتَاكِ بِمَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَاقْضِ بِمَا سَنَّ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ... إلخ» وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ «إِذَا وَجَدَتْ شَيْئًا فِي كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ بِهِ وَلاَ تَلْتَفِتْ إِلَىَ غَيْرِهِ» وَقَدْ بَيَّنَ المُرَادَ مِنْ هَذَا فِي رِوَايَةِ أُخْرَىَ «انْظُرْ مَا تَبَيَّنَ لَكَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلاَ تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، وَمَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَكَ فِي كِتَابِ اللهِ فَاتَّبِعْ فِيهِ سُنَّةَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ .
стр. 406
وَرُوِيَ عن ابن مسعود: «مَنْ عَرَضَ لَهُ مِنْكُمْ قَضَاءٌ فَلْيَقْضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ جَاءَهُ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ [فَلْيَقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ ]» (*). وقدمنا لك أن سُنَّةَ الشيخين إذا عرضت لهما حادثة أن ينظرا في كتاب الله فإن لم يَجِدَا حكمها فيه، نظرا إلى سُنَّةِ رسول الله ﷺ ، ومثل ذلك كثير في كلام الصحابة والتا بعين والأئمة والمُجْتَهِدِينَ.
وقد يعارض ما ذكرناه بما رُوِيَ عن بعض العلماء من أن السُنَّةَ قاضية على الكتاب، إذ هي تبين مُجْمَلَهُ، وتُقيِّدُ مطلقَه وتخصص عامه، فيرجع إليها ويترك ظاهر الكتاب، وقد يحتمل نص الكتاب أمرين فأكثر، فتعين السُنَّة أحدهما، فيعمل بها ويترك مقتضى الكتاب، ألا ترى أن آية السرقة قاضية بقطع كل سارق، فَخَصَّتْهَا السُنَّةُ بمن سرق نصاباً محرزاً، وهي تفيد قطع اليد، واليد تصدق من الأصابع إلى المرفقين، فخصتها السُنَّةُ بِالكُوعَيْنِ، وكذلك اَيات الزكاة شاملة لكل مال فَخَصَّتْهَا السُنَّةُ بأموال مخصوصة، وقال الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١) فَخَصَّصَتْ السُنَّةُ هذا العموم بنكاح المرأة على عَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا ومثل ذلك كثير.
وهذا من شأنه أن نقول بتقديم السُنَّةُ على الكتاب، وإلا فبمساواتها له. ويُجاب بأن عمل السُنَّةُ في مثل هذه الحالات تَبْيِينُ مُرَادِ الله في كتابه، فهي في آية السرقة تبين أن المراد بالقطع قطعهما إلى الكوعين لا المرفقين، وأن المراد بالسارق سارق نصاب مُحرز، فهي في هذه الحالة لم تثبت حُكْمًا جديدً وإنما أوضحت وفسرت ما كان مجملاً أو محتملاً، وهذا هو المراد بقول بعضهم أن السُنَّةَ قاضيةٌ على الكتاب، أي: مبيِّنَةٌ له، لا أنها مقدمة عليه.
وقد يعترض أيضاًً بأن الأثر عن معاذ فيه مقال كثير، فقد قال الترمذي عنه: «لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ» (٢) وَعَدَّهُ
стр. 407
الجوزجاني في " الموضوعات " وقال: «هَذَا حَدِيْثٌ بَاطِلٌ جَاءَ بِإِسْنَادٍ لاَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيِعَةِ».
وَيُجَابُ بأن عمل أبي بكر وعمر وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من أكابر الصحابة بالنقول الثابتة عنهم، وعمل من بعدهم من علماء السلف كاف عندنا للدلالة على ما نقول.
ولا شك في أنَّ أحاديث الآحاد بما حَفَّ بها من ظنون في طريق ثبوتها يجعلها في المرتبة الثانية بعد القرآن من حيث الثبوت، وأما من حيث الاجتهاد وفهم النصوص فلا بد من الرجوع إلى السُنَّةِ قبل تنفيذ نصوص القرآن، لاحتمال تخصيص السُنَّةِ لها أو تقييدها، أو غير ذلك من وجوه الشرح والبيان التي ثبتت لِلْسُنَّةِ، فهي من هذه الناحية متساوية مع القرآن من حيث مقابلة نصوصها بنصوصه والتوفيق بينهما، والجمع حين يظهر شيء من التعارض، وهذا لا ينازع فيه أحد مِمَّنْ يقول بِحُجِيَّةِ السُنَّةِ.
هَلْ تَسْتَقِلُّ السُنَّةُ بِالتَشْرِيعِ ؟:
لا نزاع بين العلماء في أنَّ نصوص السُنَّةِ على ثلاثة أقسام:
أولاً: ما كان مُؤَيِّدًا لأحكام القرآن، موافقاً له من حيث الإجمال والتفصيل وذلك مثل الأحاديث التي تفيد وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم من غير تعرض لشرائطها وأركانها، فإنها موافقة للآيات التي وردت في ذلك، كحديث: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً».
فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١) ولقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٢) ولقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (٣)
стр. 408
ومثل قوله ﷺ : «لاَ يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلاَّ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسٍهِ»، فإنه موافق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)
ثانياً - ما كان مُبَيِّناً لأحكام القرآن من تقييد مُطْلَقٍ، أو تفصيل مُجْمَلٍ، أو تخصيص عام، كالأحاديث التي فَصَّلَتْ أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والبيوع والمعملات التي وردت مجملة في القرآن، وهذا القسم هو أغلب ما في السُنَّةِ، وأكثرها وُرُودًا.
ثالثاً - ما دَلَّ على حكم سكت عنه القراَن، فلم يوجبه ولم ينفه، كالأحاديث التي أثبتت حرمة الجَمْعَ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، وأحكام الشفعة، ورجم الزاني البكر المحصن وتغريب الزاني البكر، وإرث الجدة وغير ذلك.
ولا نزاع بين العلماء في القسمين الأولين، أي في وُرُودِهِمَا وثبوت أحكامهما وكونهما الغالب على أحاديث السُنَّةِ، إنما اختلفوا في الثالث - أي الذي أثبت أحكاماً لم يثبتها القرآن ولم ينفها - بأي طريق كان ذلك؟ أعن طريق الاستقلال بإثبات أحكام جديدة؟ أم عن طريق دخولها تحت نصوص القرآن ولو بتاويل؟ ذهب صاحب " الموافقات " وآخرون إلى الثاني، وذهب الجمهور إلى الأول، وسننقل لك عبارة الشافعي أولاً، ثم ننتقل بك إلى شرح هذا الخلاف.
قال الشافعي ﵀ (٢): «فَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مُخَالِفًا فِي أَنَّ سُنَنَ النَّبِيِّ ﷺ -مِنْ ثَلاَثَةِ وُجُوهٍ، فَاجْتَمَعُوا مِنْهَا عَلَىَ وَجْهَيْنِ، وَالوَجْهَانِ يَجْتَمِعَانِ وَيَتَفَرَّعَانَ:
أَحَدُهُمَا: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ نَصَّ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ رَسُولُ الْلَّهِ مَثَلُ مَا نَصَّ الكِتَابُ.
وَالآخَرُ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ جُمْلَةَ كِتَابٍ، فَبَيَّنَ عَنْ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ.
стр. 409
وهذان الوجهان، اللذان لم يختلفوا فيهما.
والوجه الثالث: ما سَنَّ رسول الله فيما ليس فيه نص كتاب.
١ - فمنهم من قال: جعل الله له بما افترض من طاعته وسبق في علمه من توفيقه لرضاه، أن يَسُنَّ فيما ليس فيه نص كتاب.
٢ - ومنهم من قال: لم يسن سُنَّةً قط إلا ولها أصل في الكتاب كما كانت سُنَّتُهُ لتبيين عدد الصلاة، وعملها على أصل جملة فرض الصلاة، وكذلك ما سَنَّ من البيوع وغيرها من الشرائع، لأن الله تعالى قال: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٢) فما أَحَلَّ وَحَرَّمَ فإنما بَيَّنَ فيه عن الله كما بَيَّنَ الصلاة.
٣ - ومنهم من قال: بل جاءته به رسالة الله فأثبتت سُنَّتَهُ بفرض الله.
٤ - ومنهم من قال: ألقي في روعه كل ما سَنَّ، وسُنَّتَهُ الحكمة التي ألقى في روعه عن الله فكان ما ألقي في روعه سُنَّتَهُ». اهـ.
وواضح أن مراده بالخلاف في القسم الثالث ليس الخلاف في وجوده بل في مخرجه، هل هو على الاستقلال بالتشريع كما قال أصحاب القول الأول والثالث والرابع؟ أم بدخوله ضمن نصوص القرآن كما قال أصحاب القول الثاني؟.
حُجَجِ القَائِلِينَ بِالاسْتِقْلاَلِ:
قالوا أولاً: إنه لا مانع عقلاً من وقوع استقلال السُنَّةِ بالتشريع ما دام رسول الله معصوماً عن الخطأ، ولله أن يأمر رسوله بتبليغ أحكامه على الناس من أي طريق، سواء كان بالكتاب أو بغيره، وما دام جائزاً عقلاً وقد وقع فصلاً باتفاق الجميع فلماذا لا نقول به؟.
стр. 410
قالوا ثانياً: إنَّ النصوص الواردة في القرآن الدالة على وجوب اتباع الرسول وطاعته فيما يأمر وينهى لا تفرق بين السُنَّةِ المُبَيِّنَةِ أو المؤكدة أو المستقلة، إِنَّ في بعضها ما يفيد هذا الاستقلال مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (١). وَالرَدُّ إلى الله هُوَ الرَدُّ إلى الكتاب، وَالرَدُّ إلى الرسول، هُوَ الرَدُّ إلىَ سُنَّتِهِ بعد وفاته.
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ (٢) وسائر ما قرن فيه طاعة الرسول بطاعة الله فهو دال على طاعة الله ما أمر به ونهى عنه في كتابه، وطاعة الرسول ما أمر به ونهى عنه مِمَّا جاء به مِمَّا ليس في القراَن، إذ لو كان في القرآن لكان من طاعة الله.
وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣) الآية. فقد اخْتَصَّ الرسول ﵊ بشيء يطاع فيه، وذلك السُنَّةُ التي لم تأت في القرآن.
وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٤)
وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٥)
وقال تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٦). والآية نزلت في قضاء رسول الله ﷺ للزبير بِالسَقْيِِ قبل الأنصاري من شراج الحرة، وليس هذا الحكم في كتاب الله تعالى.
وهكذا كل أدلة القرآن تدل على أن ما جاء به الرسول، وكل ما أمر به ونهى عنه، فهو لاحق في الحكم بما جاء في القراَن فلا بد أن يكون
стр. 411
زائداً عليه (١).
وقالوا ثالثاً: فقد جاءت أحاديث كثيرة تدل على أن الشريعه تتكون من الأصلين معاً: الكتاب وَالسُنَّةُ، وأن في السُنَّةِ ما ليس في الكتاب، وأنه يجب الأخذ بما في السُنَّةِ من الأحكام كما يؤخذ بما في الكتاب، مثل قوله ﷺ : «يُوشِكُ بِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولُ: هَذَا كِتَابُ اللَّهِ، مَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ أَحْلَلْنَاهُ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ، أَلاَ مَنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَدِيثٌ فَكَذَّبَ بِهِ، فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِي حَدَّثَهُ» (٢).
وقد ذكرنا من قبل حديث «يُوشِكُ رَجُلُ مِنْكُمْ ... إلخ» وهذا دليل على أن في السُنَّةِ ما ليس في الكتاب (٣).
وقالوا رابعاً: لقد ثبت من قول عَلِيٍّ ﵁، «مَاعِنْدَنَا إِلاَّ كِتَابَ اللَّهِ أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ... إلخ» وجاء في حديث معاذ «بِمَاذَا تَحْكُمُ؟ قال: بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ »، وهو واضح في أن السُنَّةَ ما ليس في القرآن، وهو نحو قول من قال من العلماء: «تَرَكَ الكِتَابُ مَوْضِعًا لِلْسُنَّةِ، وَتَرَكَتْ السُنَّةُ مَوْضِعًا لِلْقُرْآنِ» (٤).
حُجَجُ المُنْكِرِينَ لِلاسْتِقْلاَلِ:
أما الآخرون فقد استدلوا لرأيهم بما عَبَّرَ عنه الشاطبي فيما يلي:
السُنَّةُ راجعة في معناها إلى الكتاب فهي تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره، وذلك لأنها بيان له، وهو الذي دَلَّ عليه قوله
стр. 412
تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) فلا تجد في السُنَّةِ أمراً إلا والقرآن قد دَلَّ على معنَاه دلالة إجمالية أو تفصيلية.
وأيضاًً فكل ما دَلَّ على أن القرآن هو كلي الشريعة وينبوع لها فهو دليل على ذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٢) وفسرت عائشة ذلك بِأَنَّ خُلُقَهُ القراَن واقتصرت في خُلُقِهِ على ذلك، فَدَلَّ على أن قوله وفعله وإقراره راجع إلى القرآن، لأن الخُلُقَ محصور في هذه الأشياء، ولأن الله جعل القراَن تِبْيَاناً لكل شيء، فيلزم من ذلك أن تكون السُنَّةُ حاصلة فيه في الجملة لأن الأمر والنهي أول ما في الكتاب، ومثله قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٣) وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٤) وهوَ يريد إنزال القرآن.
فَالسُنَّةُ إذن في محصول الأمر بيان لما فيه، وذلك معنى كونها راجعة إليه، وأيضاًً فالاستقراء التام دَلَّ على ذلك (٥).
وأجابوا عن حجج الفريق الأول بما خلاصته: إننا نَدَّعِي أَنَّ السُنَّةَ مُبَيِّنَةٌ للكتاب، وما ذكرتموه من الآيات التي توجب طاعة الرسول مع طاعة الله يقصد منها طاعة الرسول في بيانه وشرحه، فمن عمل وفق بيان الرسول ﷺ ، فقد أطاع الله فيما أراد بكلامه، وأطاع رسوله في مقتضى بيانه، ولو عمل على مخالفة البيان عصى الله تعالى في عمله على مخالفة البيان، إذ عمل خلاف ما أراد بكلامه وعصى رسوله في مقتضى البيان، فلم يلزم من إفراد الطاعنين تباين المطاع فيه بإطلاق، وإذاً فليس في الآيات دليل على أن ما في السُنَّةِ ليس في الكتاب، وما ذكروه من حُكْمِ الرسول للزبير ليس كما زعموا أنه لا وجود له في القرآن، بل هو داخل تحت
стр. 413
حكامه ونصوصه، كما سيأتي في بيان اشتمال القرآن عَلَى السُنَّةِ، ونحن نُسَلِّمُ بوجود الأحكام الزائدة، ولكنها ليست زائدة زيادة شيء ليست في القراَن، بل هي زيادة الشرح على المشروح، وإلا لما كان شرحاً، وهذا ليس بزيادة في الواقع، وأجابوا عن حديث المقدام «يُوشِكُ ... إلخ». بأن في سنده زيد بن الحباب وقد قال فيه الإمام أحمد: «إِنَّهُ صَدُوقٌ كَثِيرُ الخَطَأِ»، وكذلك ابن حبان، وتكلم في أحاديث له رواها عن سفان الثوري، وقد تركه الشيخان لذلك.
الخِلاَفُ لَفْظِيٌّ:
ويتلخص الموقف بين الفريقين في أنهما متفقان على وجود أحكام جديدة في السُنَّةِ لم ترد في القراَن نصاً ولا صراحة، فالفريق الأول يقول: إن هذا هو الاستقلال في التشريع لأنه إثبات أحكام لم ترد في الكتاب. والفريق الثاني - مع تسليمه بعدم ورودها بنصها في القراَن - يرى أنها داخلة تحت نصوصه بوجه من الوجوه التي ستذكر فيما بعد، وعلى هذا فَهُمْ يقولون: إنه لا يوجد حديث صحيح يثبت حُكْمًا غير وارد في القراَن إلا وهو داخل تحت نَصٍّ أو قاعدة من قواعده، فإن وجد حديث ليس كذلك، كان دليلاً على أنه غير صحيح، ولا يصح أن يعمل به.
وأنت ترى أن الخلاف لفظي، وأن كُلاًّ منهما يعترف بوجود أحكام في السُنَّةِ لم تَثبُتْ في القراَن، ولكن أحدهما لا يُسَمِّي ذلك استقلالاً، والآخر يُسَمِّيهِ، والنتيجة واحدة.
стр. 414
الفَصْلُ الثَّانِي: كَيْفَ اشْتَمَلَ القُرْآنُ عَلَى السُنَّةِ:
إذا كانت السُنَّةُ مُبَيِّنَةً للقرآن، وإذا كان القرآن قد دَلَّ على كل ما في السُنَّةِ إجمالاً وتفصيلاً على رأي الشاطبي، ومن وافقه، أخذاً بقوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١) وبقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) فعلى أي وجه تم ذلك، مع أننا نرى أحكاماً كثيرة لم ترد في الَقرآن؟.
هنا يختلف العلماء في بيان ذلك على خمسة طرق:
الطَّرِيقَةُ الأُولَى: أن القراَن دَلَّ على وجوب العمل بِالسُنَّةِ، فكل عمل بما جاءت به السُنَّةُ عمل بالقرآن، وهذه الطريقة كما ترى طريقة عامة، ومِمَّنْ أخذ بها عبد الله بن مسعود، فقد رُوِيَ أن امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ أَتَتْهُ فَقَالَتْ: «يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»، فَقَالَ: «وَمَا لِي لاَ أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ»، فَقَالَتْ المَرْأَةُ: «لَقَدْ قَرَأْتُ بَيْنَ لَوْحَيْ المُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ»، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَوَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣) [الحشر: ٧]».
وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، رَأَى مُحْرِمًا عَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَنَهَاهُ، فَقَالَ: «ائْتِنِي بِآيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَنْزِعُ [بِهَا] ثِيَابِي، فَقَرَأَ عَلَيْهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية» (٤).
стр. 415
وَرُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «اتْرُكْهُمَا». فَقَالَ: «إِنَّمَا نَهَى عَنْهُمَا أَنْ يُتَّخَذَا سُنَّةً»، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلاَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلاَ أَدْرِي أَتُعَذَّبُ عَلَيْهِمَا أَمْ تُؤْجَرُ؟ لأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب، الآية: ٣٦] (١).
الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ: وهي الطريقة المشهورة عند العلماء أن الكتاب مُجْمَلٌ وَالسُنَّةُ مُفَصِّلَةٌ لَهُ، كالأحاديث الواردة في بيان ما أُجْمِلَ ذكره من الأحكام، إما بحسب كيفيات العمل أو أسبابه أو شروطه، أو موانعه أو لواحقه أو ما أشبه ذلك، فبيانها للصلوات على اختلافها في مواقيتها وركوعها وسجودها وسائر أحكامها، وبيان الزكاة في مقاديرها وأوقاتها ونصب الأموال المزكاة، وبيان أحكام الصوم مِمَّا لا نص عليه في القرآن، وكذلك أحكام الحج والذبائح والأنكحة وما يتعلق بها، والبيوع وأحكامها، والجنايات من القصاص وغيره، مِمَّا وقع بياناً لما أُجْمِِلَ في القراَن، وهو الذي يظهر دخوله تحت قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢).
وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ!! أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، لاَ يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ؟» ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلاَةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوِ هَذَا. ثُمَّ قَالَ: «أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللهِ مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَبْهَمَ هَذَا وَإِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ» (٣).
وَقِيلَ لِمُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ: لاَ تُحَدِّثُونَا إِلاَّ بِالْقُرْآنِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: «وَاللَّهِ مَا نُرِيدُ بِالْقُرْآنِ بَدَلاً، وَلَكِنْ نُرِيدُ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ بِالْقُرْآنِ مِنَّا» (٤).
стр. 416
وَمِنْ هُنَا قََالَ الأَوْزَاعِيُّ: «الْكِتَابُ أَحْوَجُ إِلَى السُّنَّةِ مِنَ السُنَّةِ إِلَى الْكِتَابِ».
قَالَ - ابن عبد البر - (١): «يُرِيدُ أَنَّهَا تَقْضِي عَلَيْهِ وَتُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْهُ».
وَسُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَى أَنَّ السُّنَّةَ قَاضِيَةٌ عَلَى الْكِتَابِ، فَقَالَ: «مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ» (٢).
الطَّرِيقَةُ الثَّالِثَةُ: وهي النظر إلى المعاني الكلية التي يقصدها التشريع القرآني في مختلف نصوصه، وأن ما في السُنَّةِ من أحكام لا يعدو هذه المقاصد والمعاني.
وتفصيل ذلك أن القرآن جاء بتحقيق السعادة للناس في حياتهم الدنيا والأخرى، وجماح السعادة في ثلاثة أشياء:
١ - الضروريات: وهي حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
٢ - الحاجيات: وهي كل ما يُؤَدِّي إلى التوسعة ورفع الضيق والحرج كإباحة الفطر في السفر أو المرض.
٣ - التحسينيات: وهي ما يتعلق بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات.
هذه الأمور الثلاثة ومكملاتها قد جاء بها القرآن الكريم أصولاً يندرج تحتها كل ما في القرآن من أحكام، وقد جاءت بها السُنَّةُ تفريعاً عن الكتاب وتفصيلاً لما ورد فيه منها (٣). فجميع نصوص السُنَّة ترجع بالتحليل إلى هذه الأصول الثلاثة.
الطَّرِيقَةُ الرَّابِعَةُ: أن القرآن قد ينص على حُكْمَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ ويكون هنالك ما فيه شبه بكل واحد منهما، فتأتي السُنَّةُ وتلحقه بأحدهما أو تعطيه
стр. 417
حُكْمًا خَاصًّاً يناسب الشبهين، وقد ينص القرآن على حكم بشيء لِعِلَّةٍ فيه فيلحق به الرسول ﷺ ما وجدت فيه العلة، عن طريق القياس.
أَمْثِلَةٌ لِلْحُكْمَيْنِ المُتَقَابِلَيْنِ:
١ - إن الله أحل الطيبات وحرم الخبائث، فبقيت هنالك أشياء لا يدرى. أهي من الطيبات أم من الخبائث، فَبَيَّنَ ﵊ أنها ملحقة بإحداهما، فنهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية، كَمَا أَلْحَقَ ﵇ الضَبَّ وَالحُبَارَى وَالأَرْنَبَ وَأَشْبَاهَهُمَا بِالطَيِّبَاتِ.
٢ - أحل الله صيد البحر فيما أحل من الطيبات، وَحَرَّمَ الميتة فيما حَرَّمَ من الخبائث فدارت ميتة البحر بين الطرفين أشكل حكمها، فقال ﵊: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (١) وقال: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَان، أَمَّا المَيْتَتَانِ فَالسَمَكُ والجَرَادُ، وَأَمَّا الدَمَانِ فَالكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (٢).
٣ - حَرَّمَ الله الميتة وأباح المذكاة، فدار الجنين الخارج من بطن المذكاة ميتاً بين الطرفين فاحتملهما، فقال ﵇ في الحديث: «ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ» (٣). تَرْجِيحًا لجانب الجزئية على جانب الاستقلال.
أَمْثِلَةٌ لِمَا أُعْطِيَ حُكْمًا خَاصًّا بَيْنَ شَبَهَيْنِ:
١ - أحل الله النكاح وملك اليمين، وَحَرَّمَ الزِّنَى، وسكت عن النكاح المخالف للشرع، فإنه ليس بنكاح محض ولا سفاح محض، فجاء في السُنَّةِ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْهَا» (٤).
стр. 418
٢ - جعل الله النفس بالنفس، وَأَقَصَّ من الأطراف بعضها من بعض، أما في الخطأ: ففي القتل الدية، وفي الأطراف دية بَيَّنَتْهَا السُنَّةُ، فأشكل بينهما الجنين إذا أسقطته أمُّهُ بضربة من غيرها، فإنه يشبه جزء الإنسان كسائر الأطراف، ويشبه الإنسان التام لخلقته، فَبَيَّنَتْ السُنَّةُ أن ديته الغرة (١) وأن له حكم نفسه لعدم تمحض أحد الطرفين له.
أَمْثِلَةٌ لِلإِلْحَاقِ عَنْ طَرِيقِ القِيَاسِ:
١ - حَرَّمَ اللهُ الربا، وقد كان ربا الجاهلية هو فسخ الدَيْن بِالدَيْنِ، يقول الطالب إما أن تقضي وإما أن تُرْبِي، ولما كانت العلة فيه إنما هو من أجل كونه زيادة من غير عوض، ألحقت به السُنَّةُ كل ما فيه زيادة في بذلك المعنى. ؤقال ﵊: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلاً بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أو ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (٢).
٢ - حَرَّمَ اللهُ الجمع بين الأختين في النكاح، وجاء في القرآن: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣) فَجَاءَ نَهْيُهُ ﵊ عَنْ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا من باب القياس، لأن المعنى الذي لأجله ذم الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ مَوْجُودٌ هُنَا، وهو ما عَبَّرَ عنه في الحديث: «فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، قَطَعْتُمْ أَرْحَامَكُمْ» والتعليل يشعر بوجه القياس.
٣ - حَرَّمَ الله من الرضاعة الأمهات والأخوات، فَأَلْحَقَ النَّبِيُّ ﵇ بهاتين - عن طريق القياس - سائر القرابات من الرضاعة اللاتي يَحْرُمْنَ من النسب، كَالعَمَّةِ وَالخَالَةِ وبنت الأخ وبنت الأخت وأشباه ذلك،
стр. 419
فقال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ» (١).
الطَّرِيقَةُ الخَامِسَةُ: إرجاع كل ما في السُنَّّةِ من الأحكام الفصيلية إلى الأحكام التفصيلية الموجودة في القرآن، ومن أمثلته:
١ - طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ زَوْجَهُ وَهِيَ حَاِئضٌ، فَقَالَ ﵇ لِعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (٢) يعني أمره في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (٣)
٢ - حديث فاطمة بنت قيس (٤) في " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى وَلاَ نَفَقَةً إِذْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا البَتَّةَ " - وشأن المبتوتة أن لها سكنى وإن لم يكن لها نفقة - لأنها بذَتْ (٥) على أهلها بلسانها، فكان ذلك تفسيراً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ (٦) (*).
٣ - حديث سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ إذ وَلَدَتْ بعد وفاة زوجها بنصف شهر، فأخبرها ﵊ أن قد حَلَّتْ (٧) فبيَّن الحديث أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٨) مخصوص في غير الحامل، وأن قوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (٩) عام في المطلقات وغيرهن.
وهذا النمط في السُنَّةِ كثير، لكن نصوص القرآن لا تفي بهذا المقصود
стр. 420
بحيث تتسع لكل أحكام السُنَّةِ مع التزام جانب الدقة، وإمكان تحمل النص ذلك حسب البيان العربي والإثارة العربية، قال الشاطبي: «وَأَوَّلُ شَاهِدٍ فِي هَذَا - أَيْ تَعَذُّرُ ذَلِكَ فِيْ كُلِّ النُّصُوصِ - الصَّلاَةِ وَالحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَالحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَاللُّقَطَةِ وَالْقِرَاضِ وَالْمُسَاقَاةِ وَالْقِسَامَاتِ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ لاَ تُحْصَىَ، فَالمُلْتَزِمَ لِهَذَا لاَ يَفِي بِمَا ادَّعَاهُ إِلاَّ أَنْ يَتَكَلَّفَ فِي ذَلِكَ مَآخِذَ لاَ يَقْبَلُهَا كَلاَمُ العَرَبِ، وَلاَ يُوَافِقُ عَلَى مِثْلِهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ وَلاَ العُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (١).
هذه هي أهم المسالك التي سلكها العلماء للبرهان على احتضان القرآن لِلْسُنَّةِ وانضوائها تحت رايته.
ومنها كما رأيت مسالك عامة لا تدل إلا على أن القرآن دَلَّ على وجوب العمل بها.
ومنها:- ما لا ينفرد وحده بسلك جميع أحكام السُنَّةِ في الطريق الذي اختاره.
ومنها:- ما يتسع لذلك.
والأولى أن تجعل كلها طُرُقًا يتمم بعضها بعضاً، ولا شك أن مجموعها كفيل بإرجاع جميع أحكام السُنَّةِ - حتى التي أتت بأحكام جديدة - إلى نصوص القرآن، وبذلك يتم تفسير قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) على أحسن وجه وأدق بيان.
قِصَصُ السُنَّةِ:
بقي مِنَ السُنَّةِ ما خرج مخرج القِصَصِ والأمثال والمواعظ، وهذه منها
ما يكون تفسيراً لما ورد في القرآن كالأحاديث الواردة في تفسير قوله
стр. 421
تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (١) قال: «دَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ» (٢) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (٣) قال: «قَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ» (٤) وأمثال ذلك.
ومنها ما لا يقع موقع التفسير، وليس فيه تكليف باعتقاد ولا عمل، فلا يلزم أن يكون له أصل في القرآن، ومع هذا فهو جَارٍ مجرى القصص القرآني في الاعتبار من حيث الترغيب والترهيب فيعود إلى القسم الأول، وذلك كقصة الأقرع والأبرص والأعمى، وحديث جُرَيْجٍ العابد، والثلاثة الذين التجأوا إلى الغار وغيرها.
стр. 422
الفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي نَسْخِ السُنَّةِ بِالقُرْآنِ وَالقُرْآنُ بِالسُنَّةِ:
النَّسْخُ فِي القُرْآنِ:
لا خلاف بين العلماء في جواز نسخ الكتاب بالكتاب، إلا ما روي عن أبي مسلم الأصفهاني من إنكاره وجود النسخ في القرآن، ولتحقيق ذلك موضع غير هذا الكتاب.
ولا خلاف بينهم أيضاًً في نسخ السُنَّةِ بِالسُنَّةِ، فإن كانت متواترة يشترط في نَسْخِها أن يكون الناسخ متواتراً، وإن كانت آحاداً تنسخ بآحاد أو متواتر، ويمثلون لذلك بأحاديث كثيرة، منها: «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلاَ فَزُورُوهَا» (١).
واختلفو افي موضعين اثنين:
الأول: في نسخ السُنَّة بالكتاب .
والثاني: في نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ.
ونحن نوجز القول فيهما، تاركين التفصيل لمن أراد ذلك في موضعه من كتب الأصول.
نَسْخُ السُنَّةِ بِالكِتَابِ:
أ - قال الجمهور: اٍنَّ ذلك جائز، وقد وقع فعلاً، ومثَّلوا لذلك بأمثلة
стр. 423
عدة:
منها نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال الكعبة، فمن المعلوم أن المُسْلِمِينَ والنَّبِيُّ ﷺ صَلُّوا - أول هجرتهم إلى المدينة - مدة بضعة عشر شهراً متجهين إلى بيت المقدس، وليس في ذلك نص من القرآن، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) ومن ذلك ما تم في عقد صلح الحديبية من وجوب إرجاع المُسْلِمِينَ إلى قريش من جاءهم مسلماً. ثم نسخ ذلك بالنسبة للنساء، فلم يُجِزْ إرجاع المهاجرات
المؤمنات إلى كفار قريش خشية فِتْنَتَهُنَّ عن دينهن وكرامتهن، وقد كان هذا النسخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ. اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢).
ومن أمثلة هذا شيء كثير.
ب - وقال الشافعي ﵀: «لاَ تُنْسَخُ السُنَّةُ بِالقُرْآنِ».
وَعَلَّلَ له بعضهم: بأن نسخ القرآن بِالسُنَّةِ قد يفسره أعداء الرسول بأن الله لم يرض حكم رسوله فأبدله. وهذا كلام غير وارد ولا يخطر في بال مسلم.
والصحيح ما عَلَّلَ به الشافعي نفسه ذلك حيث قال في " الرسالة ":
«وَهَكَذَا سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ لاَ يَنْسَخُهَا إِلاَّ سُنَّةٌ لِرَسُولِ اللهِ، وَلَوْ أَحْدَثَ اللهُ لِرَسُولِهِ فِيْ أَمْرٍ سَنَّ فِيهِ غَيْرَ مَا سَنَّ رَسُولُ اللهِ، لَسَنَّ فِيمَا أَحْدَثَ اللهُ إِلَيْهِ حَتَّى يُبَيِّنَ لِلْنَّاسِ أَنَّ لَهُ سُنَّةً نَاسِخَةً لِلَّتِي قَبْلَهَا مِمَّا يُخَالِفُهَا، وَهَذَا مَذْكُوْرٌ فِي سُنَّتِهِ ﷺ » ثم استدل لرأيه هذا فقال:
«وَلَوْ جَازَ أَنْ يُقَالَ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ثُمَّ نَسِخَ سُنَّتَهُ بِالْقُرْآنِ وَلاَ يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ السُنَّةُ النَّاسِخَةُ جَازَ أَنْ يُقَالَ فِيمَا حَرَّمَ رَسُولُ اللهِ مِنَ البُيُوعِ كُلِّهَا: قَدْ
يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ حَرَّمَهَا قَبْلَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ
стр. 424
الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) وَفِيمَنْ رُجِمَ مِنْ الزُّنَاةِ: قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجْمُ مَنْسُوخًا، لِقَوْلِ اللهِ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢).
وَفِيْ الْمَسْحِ عَلَىَ الخُفَّيْنِ: نَسَخَتْ ايَةٌ الْوُضُوءِ الْمَسْحَ، وَجَازَ أَنْ يُقَالَ: لاَ يَدْرَأُ عَنْ سَارِقِ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَسَرِقَتُهُ أَقَلَّ مِنْ رُبْعِ دِينَارٍ، لِقَوْلِ اللهِ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٣) (*) لأَنَّ اسْمَ السَّرِقَةِ يَلْزَمُ مَنْ سَرَقَ قَلِيْلا وَكَثِيرًا، وَمِنْ حِرْزٍ وَمِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَلَجَازَ رَدَّ كُلِّ حّدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِأَنْ يُقَالَ: لَمْ يَقُلْهُ، إِذَا لَمْ يَجِدْهُ مِثْلَ التَّنْزِيلِ، وَجَازَ رَدَّ السُّنَنِ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، فَتُرِكَتْ كُلُّ سُنَّةٍَ مَعَهَا كِتَابٌ جُمْلَةً تَحْتَمِلُ سُنَّتَهُ أَنْ تُوَافِقَهُ وَهِيَ لاَ تَكُوْنَ أَبَدًا إِلاَّ مُوَافَقَةً لَهُ، إِذَا احْتَمَلَ اللَّفْظُ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ خِلاَفُ اللَّفْظِ فِي التَّنْزِيلِ بِوَجْهٍ، أَوْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فِيْ اللَّفْظِ عَنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا فِي اللَّفْظِ فِيْ التَّنْزِيلِ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلاًُ أَنْ يُخَالِفَهُ مِنْ وَجْهِهِ وَكِتَابُ اللهِ وَسُنَّةَِ رَسُولِهِ تَدُلُّ عَلَىَ خِلاَفِ هَذَا الْقَوْلِ، وَمُوَافَقَةً مَا قُلْنَاهُ» (٤)
هذا وَمُحَقِّقُو علماء الشافعية مع الجمهور، وقد اعتذروا عن موقف الشافعي بإجابات مختلفة.
نَسْخُ الكِتَابِ بِالسُنَّةِ:
هناك رأيان بين العلماء:
(أ) قال الحَنَفِيَّةُ: يجوز نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ المتواترة والمشهورة، ولا ينسخ بحديث الآحاد:
وَحُجَّتُهُمْ في ذلك أن المتواتر قطعي الثبوت كالقرآن، والمشهور قد اكتسب من القوة نظراً لاشتهاره في أيدي العلماء، وعمل الفقهاء به ما يلحقه بالمتواتر، وكل منهما وَحْيٌ غير مَتْلُوٍّ، فجاز نسخ الكتاب بهما.
стр. 425
وَمَثَّلُوا لذلك بنسخ الكتاب بخبر المسح على الخفين (١) وهو شهور، وبنسخ وجوب الوصية الوارد في الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) بحديث «لاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ». وهو حديث مشهور معمول به لَدى جماهير العلماء حتى ادعى الشافعي في " الأُمِّ " أنه متواتر، فيما نقله عنه ابن حجر في " الفتح ".
(ب) وقال الجمهور: لا يجوز نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ: سواء كانت متواترة أو مشهورة أو آحاداً، وقد استدل الشافعي ﵀ لقول الجمهور بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٣) وَالسُنَّةُ ليست مثل القرآن ولا خيراً منه، وبقولَه: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٤) فدل ذلك على أنه متبع لكل مَا يوحى إليه، ولم يكن مُبَدِّلاً لشيء منه، والنسخ تبديل.
وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥) فاخبر أنه مُبَيِّنٌ لما هو المنزل حتى يعمل الناس بالمنزل بعد ما تبين لهم ببيانه، وفي تجويز نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ رفع هذا الحكم لأن العمل حينئذ يكون بالناسخ، فإذا كان الناسخ مِنَ السُنَّةِ لا يكون العمل به عملاً بِالمُنَزَّلِ.
وأيضاًً فمنع نسخ الكتاب بِالسُنَّةِ أقرب إلى صيانة رسول اللهِ ﷺ عن طعن الطاعنين فيه، وبالاتفاق يجب المصير في باب بيان أحكام الشرع إلى طريق يكون أبعد عن الطعن فيه، وذلك أنه إذا جاز منه أن يقول ما هو مخالف لِلْمُنَزَّلِ في الظاهر على وجه النسخ له، فالطاعن يقول: هو أول قائل وأول عامل بخلاف ما يزعم أنه أنزل إليه، فكيف يعتمد قوله فيه؟ وإذا