← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 37639

السنة ومكانتها للسباعي ط الوراق

مصطفى السباعي

Полный текст (510 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الوعي في أوساطنا المثقفة من دينية وغيرها، فبدأنا نكتشف الحقيقة، حقيقة هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ في أبحاثهم وأهدافهم الدينية والاستعمارية من ورائها. وما زلنا نسير في هذا الاتجاه الذي لم يستكمل قوته واستقلاله الذاتي بعد، لأنها سُنَّةُ اللهِ في الأشياء. ولكنا واصلون إلى هذه المرحلة بإذن الله، حتى يأتي يوم يستغرب فيه أبناؤنا وأحفادنا كيف كنا بسطاء مخدوعين بهؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ إلى هذا الحد. سيأتي يوم ننقلب فيه نحن إلى دراسة تُرَاثِ الغَرْبِيِّينَ وَنَقْدِ ما عندهم من دين وعلوم وحضارة، وسيأتي اليوم الذي يستعمل فيه أبناؤنا وأحفادنا مقاييس النقد التي وضعها هؤلاء الغَرْبِيُّونَ، في نقد ما عند هؤلاء الغَرْبِيِّينَ أنفسهم من عقيدة وعلوم، فإذا هي أشد تهافتاً. وأكثر ضعفاً مِمَّا يلصقونه اليوم بعقيدتنا وعلومنا. تُرَى لو استعمل المُسْلِمُونَ معايير النقد العلمي التي استعملها المُسْتَشْرِقُونَ في نقد القرآن وَالسُنَّةُ، في نقد كتبهم المقدسة وعلومهم الموروثة، ماذا كان يبقى لهذه الكتب المقدسة والعلوم التاريخية عندهم من قوة؟ وماذا يكون فيها من «ثبوت»؟ تُرَى لو استعمل المُسْلِمُونَ في المستقبل معايير النقد العلمي التي يزعم المُسْتَشْرِقُونَ أنهم يأخذون بها عند نقد تاريخنا وأئمتنا، في نقد تاريخ الحضارة الأوروبية ومقدساتها وفاتحيها ورؤسائها وعلمائها، أَلاَ يخرجون بنتيجة من الشك وسوء الظن أكبر بكثير مِمَّا يخرج به المُسْتَشْرِقُونَ بالنسبة إلى حضارتنا وعظمائنا؟ ألاَ تبدو هذه الحضارة مُهَلْهَلَةً رَثَّةَ الثِّيَابِ؟ وألاَ يبدو رجال هذه الحضارة من علماء وسياسيين وأدباء بصورة باهتة اللون لا أثر فيها لكرامة ولا خلق ولا ضمير؟ كثيرا ما أتمنى أن يتفرغ منا رجال للكتابة عن هذه الحضارة وتاريخ علمائها بنفس الأسلوب الذي يكتب به المُسْتَشْرِقُونَ من تتبع الأخبار الساقطة، وفهم النصوص على غير حقيقتها، وقلب المحاسن إلى سيئات، والتشكيك في كل خير يصدر عن هؤلاء الغَرْبِيِّينَ، ولو حصل هذا لخرجت

стр. 37

منه صورة لهذه الحضارة ولرجالها مضحكة مخزية ينكرها المُسْتَشْرِقُونَ قبل غيرهم!! أتُرَى أحداً ينهض منا لهذا العِبْءِ، عِبْءَ استعمال المقاييس النقدية عند الغَرْبِيِّينَ بالأسلوب الذي ذكرناه لإعطاء صورة عنهم وعن عقائدهم وعن حضارتهم ليقرأها المُسْتَشْرِقُونَ بأنفسهم، فَيَرَوْا كيف عادت هذه الطريقة التي زعموا أنهم يستخدمونها لمعرفة «الحقيقة» في تاريخنا وديننا، وَبَالاً عليهم، لعلهم يخجلون - بَعْدَئِذٍ -، استمرارهم في التحريف والتضليل والهدم!. وبعد فإني أعتقد أنه قد انقضى ذلك العهد الذي كنا فيه نعتمد في مصادر معرفتنا بعلومنا وتاريخنا على هؤلاء الغَرْبِيِّينَ، مع أنهم ليست لهم مصادر إلا كتبنا ومُدوَّناتنا، ولئن كُنَّا بها جاهلين من قبل، فلقد آن الأوان أن نرفع عن جباهنا خزي الجهالة بمصادرنا، وعار الاتكال في فهمها على فهم الغرباء عن لغتنا، ونزيل وصمة الاعتقاد بديننا وعلمائنا ما يريد منا هؤلاء المُسْتَشْرِقُونَ المتعصبون أن نعتقده في ذلك من شك وسوء ظن، ولقد آن الأوان أن نفعل ذلك بما نفضنا عنه الغبار ونثرناه عن كنوزنا العلمية الدفينة، وبما ملأ نفوسنا من وعي كريم وشعور باستقلال الشخصية. ولئن بقي بعد الآن من يحسن الظن بفهمهم أو رأيهم في علومنا، فليقرأ - إن شاء الله - هذا الكتاب وغيره من الكتب التي تكشف عن دسائس هؤلاء المُسْتَشْرِقِينَ، فينكشفون على حقيقتهم كما هم في الواقع، وكما أرادوا لأنفسهم أن يكونوا. وإذا كنا نشتد هذه الشدة في حق المُحَرِّفِينَ وَالمُضَلِّلِينَ أمثال جولدتسيهر، فإننا لا نغمط غيرهم من المُنْصِفِينَ حَقَّهُمْ في نشر نفائس كُتُبِنَا القديمة، ودأبهم في البحث عن الحقيقة، فليس العلم محتكرا لأُمَّةٍ دُونَ أُمَّةٍ. والإسلام - وهو دين الله للعالم كله - لا يمكن أن يستأثر بفهمه قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، فليفهم منه من شاء ما شاء، بشرط أن يَتَحَلَّى بصفة العلماء، وهي الإنصاف والإخلاص للحق، والبعد عن العصبية والهوى. وأرى أخيراً أن أختم هذه الكلمة عن المستشرق بكلمة للعلاَّمة

стр. 38

غوستاف لوبون، يحلل فيها سِرَّ تحامل العلماء الغَرْبِيِّينَ على تراثنا، وإنكارهم لفضل حضارتنا. قال العلامة «غوستاف لوبون» في كتابه " حضارة العرب " بعد أن أقام الأدلة على تأثير الحضارة العربية الإسلامية في الغرب، وأثرها في نشوء الحضارة الغربية الحديثة: «وَقَدْ يَسْأَلُ القَارِئُ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ: لِمَاذَا يُنْكِرُ تَأْثِيرَ العَرَبِ عُلَمَاءُ الوَقْتِ الحَاضِرِ الذِينَ يَضَعُونَ مَبْدَأَ حُرِيَّة الفِكْرِ فَوْقَ كُلِّ اعْتِبَارٍ دِينِيٍّ كَمَا يَلُوحُ؟ لاَ أَرَىَ غَيْرَ جَوَابٍ وَاحِدٍ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ الذِي أَسْأَلُ نَفْسِي بِهِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ اسْتِقْلاَلَنَا الفِكْرِيَّ لَمْ يَكُنْ فِي غَيْرِ الظَّوَاهِرِ بِالحَقِيقَةِ، وَإِنَّنَا لَسْنَا أَحْرَارَ الفِكْرِ فِي بَعْضِ المَوْضُوعَاتِ كَمَا نُرِيدُ. فَالَمَرْءُ عِنْدَنَا ذُو شَخْصِيَّتَيْنِ: (الشَّخْصِيَّةُ العَصْرِيَّةِ) التِي كَوَّنَتْهَا الدِّرَاسَاتُ الخَاصَّةُ وَالبِيئَةُ الخُلُقِيَُّةُ والثَّقَافِيَّةُ، وَ (الشَّخْصِيَّةُ القَدِيْمَةُ) غَيْرَ الشَّاعِرَةِ التِي جَمَدَتْ وَتَحَجَّرَتْ بِفِعْلِ الأَجْدَادِ فَكَانَتْ خُلاَصَةً لِمَاضٍ طَوِيلٍ. فَالشَّخْصِيَّةُ غَيْرِ الشَّاعِرَةِ وَحْدَهَا، وَوَحْدَهَا فَقَطْ، هِيَ التِي تَتَكَلَّمُ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ وَتُمْسِكُ فِيهِمْ المُعْتَقَدَاتُ نَفْسَهَا مُسَمَّاةً بِأَسْمَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَتُمْلِي عَلَيْهِمْ آرَاءَهُمْ، فَيَلُوحُ مَا تُمْلِيهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الآرَاءِ حُرًّا فِي الظَّاهِرِ فَيُحْتَرَمَ. فَالحَقُّ أَنَّ أَتْبَاعَ مُحَمَّدٍ ﷺ ظَلُّوا أَشَدَّ مَنْ عَرَفَتْهُ أُورُوبَا مِنَ الأَعْدَاءِ إِرْهَابًا، عِدَّةَ قُرُونٍ، فَهُمْ عِنْدَمَا كَانُوا لاَ يُرْعِدُونَنَا بِأَسْلِحَتِهِمْ كَمَا فِي زَمَنِ شَارْلْ مَارْتَلْ وَالحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ، أَوْ يُهَدِّدُونَ بَعْدَ فَتْحِ القُسْطَنْطِينِيَّةِ، كَانُوا يُذِلُّونَنَا بِأَفْضَلِيَّةِ حَضَارَتِهِمْ السَّاحِقَةِ، فَلَمْ نَتَحَرَّرْ مِنْ نُفُوذِهِمْ إِلاَّ بِالأَمْسِ. لَقَدْ تَرَاكَمَتْ أَوْهَامُنَا المَوْرُوثَةُ ضِدَّ الإِسْلامِ وَالمُسْلِمِينَ فِي قُرُونٍ كَثِيرَةٍ، فَصَارَتْ جُزْءًا مِنْ مِزَاجِنَا، فَأَضْحَتْ طَبِيعَةً مُتَأَصِّلَةً فِينَا تَأَصُّلَ حِقْدِ اليَهُودِ عَلَى النَّصَارَى، الخَفِيُّ أَحْيَانًا، وَالعَمِيقُ دَوْمًا. فَإِذَا أَضَفْنَا إِلَى أَوْهَامِنَا المَوْرُوثَةَ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، وَهَمَّنَا المَوْرُوثَ الذِي

стр. 39

زَادَ مَعَ القُرُونِ بِفِعْلِ ثَقَافَتِنَا المَدْرَسِيَّةِ البَغِيضَةِ القَائِلَةِ: " إِنَّ اليُونَانَ وَاللاَتِينَ وَحْدَهُمْ مَنْبَعُ العُلُومِ وَالآدَابِ فِي الزَّمَنِ المَاضِي "، أَدْرَكْنَا - بِسُهُولَةٍ - سِرَّ جُحُودِنَا العَامِّ لِتَأْثِيرِ العَرَبِ العَظِيمِ فِي تَارِيْخِ حَضَارَةِ أُورُوبَا. وَيَتَرَاءَىَ لِبَعْضِ الفُضَلاَءِ أَنَّ مِنَ العَارِ أَنْ يُفَكِّرُ فِي أُورُوبَا الْنَّصْرَانِيَّةِ مَدِيْنَةُ فِيْ خُرُوْجِهَا مِنْ دُوْرِ الْتَوَحُّشِ لِأُوْلَئِكَ الْكَافِرِيْنَ (أُيِّ المُسْلِمِينَ كَمَا كَانَ الْغَرْبِيُّونَ يُلَقِبُّونَهُمْ) فَعَارٌ ظَاهِرٌ كَهَذَا، لاَ يُقْبَلُ إِلاَّ بِصُعُوَبَةٍ». ثم ذكر في هامش هذا الكلام مثلاً لالتقاء الأوهام الموروثة مع الثقافة في العالم الفاضل فيضطرب في حكمه على الأشياء، بالخطبة التي ألقاها مسيو «رِينَانْ» في «السوربون» عن الإسلام (١). فقد اضطرب فيها بين الاعتراف بفضل العرب في تقدم العلوم ستمائة سَنَةٍ، وبين زعمه بأن الإسلام اضطهد العلم والفلسفة وقضى على الروح في البلاد التي دانت له، وأمثلة من هذه المتناقضات في خطابه الذي ختمه «رينان» بقوله: «إِنَّنِي لَمْ أَدْخُلْ مَسْجِدًا مِنْ غَيْرِ أَنْ اهْتَزَّ خَاشِعًا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنَ الحَسْرَةِ عَلَى أَنَّنِي لَسْتُ مُسْلِمًا» (٢). وأما «الحكايات» التي نقلها أَبُو رَيَّةَ من بعض كتب الأدب، فهي أغرب ما رأيناه في دعوى «التحقيق العلمي». إن «أَبَا رَيَّةَ» يرفض كل ما رواه أئمة الحديث المُتَثَبِّتُونَ وأئمة الفقه المجتهدون، من حقائق لا تعجبه، ثم يأتي إلى كتب لم تؤلف لتاريخ الرجال، ولم تصنف للتحقيق في سيرتهم وأحوالهم، وإنما ألفت لجمع النوادر والحكايات التي يتفكه بها الناس في مجالسهم، ويتزيدون بما شاءت لهم أهواؤهم وخيالاتهم. يأتي إلى هذه الكتب فيستخرج من «حكاياتها» الأدلة والشواهد لدعوى خطيرة تذهب بكيان السُنّةِ كلها إن صحت.

стр. 40

فهل هذا هو سبيل التحقيق العلمي إلا أن يكون على سُنَّةِ جولدتسيهر الذي يُكَذِّبُ ما جاء في " موطأ مالك "، ويؤيد ما جاء في " حياة الحيوان " للدميري؟!. إن من المُسَلَّمِ به عند علمائنا «غَيْرَ المُحَقِّقِينَ» تحقيق «أَبِي رَيَّةَ» أن علم الحديث لا يؤخذ من كتب الفقه، وعلم التفسير لا يؤخذ من كتب اللغة، لأن كل علم له مصادره التي يعرف منها حقائقه وقضاياه. ومن المُسَلَّمِ به في علم التاريخ الحديث أن حقائقه لا تؤخذ إلا من مصادر التاريخ الثابتة الموثوقة، فمن استمد وقائعه من مصادر غير موثوقة، لم يكن لبحثه أية قيمة علمية، ولا لمن يفعل ذلك مكان بين العلماء المحترمين. فماذا نقول عن «أَبِي رَيَّةَ» الذي أخذ يخوض في موضوع خطير جد الخطورة ويهدم رجلاً له في تاريخ السُنّةِ خلال أربعة عشر قرناً، وعند مئات ألوف الملايين منذ عصر الصحابة حتى عصرنا هذا، مكانة مرموقة هي عنوان التقدير والثقة والاحترام!! ثم يعتمد «أَبُو رَيَّةَ» في بحثه الخطير هذا وفي هجومه الكبير كُتُباً، ككتاب " ثمار القلوب " للثعالبي و" مقامات " بديع الزمان الهمذاني وأسانيد تالفة في كتاب " الحِلْيَةِ " لأبي نعيم، وهو الكتاب الذي ألفه لرجال التصوف والزهد من رجال الإسلام، وفي سنده ما هو غير صحيح، وَلَمْ يَدَّعِ ﵀ أنه ألفه ليكون مرجعاً في تاريخ الرجال، ومن قرأه وتتبع أسانيده، علم صحة ما نقول. ماذا نقول عن صنيع «أَبِي رَيَّةَ» هذا؟ إن كان يعلم أن هذا صنيع غير المُحَقِّقِينَ، فقد وضع نفسه بينهم، وإن كان لا يعلم، فقد حكم بنفسه على قيمة تحقيقه «العلمي» الذي لم يقم به أحد من المُسْلِمِينَ منذ ألف سَنَةٍ!؟ تلك هي حقيقة المصادر التي خرج منها «أَبُو رَيَّةَ» برأيه الذي يخالف آراء جمهور العلماء وَالمُحَدِّثِينَ. وما عدا ذلك من المصادر الموثوقة التي ذكرناها في «ثبت» مراجعه فقد بَيَنَّا فيما سبق طريقته في تحريف النصوص وإيرادها في غير مواردها وتحميلها ما لم يرده قائلوها، وتلك براعة لا

стр. 41

يحسد عليها، وخصلة لا يمدح فاعلها، وأقل ما يقال فيه: إنه «دَلَّسَ» عَلَى القُرَّاءِ. مَنْ دَلَّسَ ولو مرة واحدة لا يُقبل قوله كما زعم في نقله عن الشافعي ﵀. أما رأيي في نتائج البحث الذي تضمنه كتابه، فإنها تتلخص فيما يلي: (أَوَلاً) - إنه يذهب إلى أن السُنَّةَ لَمْ تُدَوَّنْ في عهد النَّبِيِّ- ﷺ وأنه يرى كما يرى جمهور العلماء، من أن سبب ذلك هو نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ ، وهذا ما يتفق مع جمهور الباحثين قَدِيمًا وَحَدِيثًا. (ثَانِياً) - أنه يرى أن عدم تدوين السُنَّةِ في عهد النَّبِيِّ ﷺ أَدَّى إلى وجود الخلاف بين فِرَقِ المُسْلِمِينَ، كما أدى إلى الوضع والكذب في الحديث مِمَّا كان له أكبر الضرر في ضياع السُنَّةِ الحقيقية. ويؤدي هذا إلى أن النَّبِيَّ ﷺ هو سبب هذه الأضرار في رأيه. ويلزم من هذا أن النَّبِيَّ ﵊ لو كانت له مثل هذه الفطنة التي وصل إليها «أَبُو رَيَّةَ» في تحقيقه «العلمي» لما نشأت هذه الأضرار!! ولا أدري إن كان «أَبُو رَيَّةَ» يرضى بهذه النتيجة الفجة! ولا أظن مسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر وبرسوله ﷺ يذهب به الغرور إلى هذا الحد. ونحن نعتذر له بأن «لازم المذهب ليس بمذهب» كما قال علماؤنا ﵏، وأنه لا يمكن أن تعتقد ما يلزم رأيه من تلك النتيجة القبيحة. (ثَالِثاً) - إِنَّ السُنَّةَ الصحيحة - ولو كانت صحيحة بحسب مقياسه فحسب - ليست ديناً عَامًّا يُلْزَمُ المُسْلِمُونَ بِاتِّبَاعِهِ، وأن الدين العام هو ما جاء في القرآن، لأنه متواتر، وفي السُنَّةِ العَمَلِيَّةِ، لأنها من حيث العمل بها أصبحت متواترة. وما عدا ذلك - وَهِيَ السُنَّةُ القَوْلِيَّةُ - فليس يلزم العمل بها، بل لكل إنسان أن يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء، ذلك لأن تركها ليس بكفر، وما كان كذلك فكل مسلم في سَعَةٍ من العمل به أو هجره!!

стр. 42

وعدا ما في هذا الرأي الخطير من مخالفة صريحة لكتاب الله، ومن قضاء على التراث التشريعي الإسلامي كله، فإنه دعوة إلى فوضى في العقيدة والتشريع لا يقول بها رجل يحترم نفسه، ويحترم شريعته، ويحترم كيان أُمَّتِهِ الاجتماعي. أما ما استند إليه في ذلك من كلام الإمام محمد عبده، وتلميذه السيد رشيد رضا - رَحِمَهُمَا اللهُ -، فلنا رأي لاَ نُلْزِمُ به أحداً، ولا ينتقص من قدرهما وجهادهما في شيء. أما الشيخ محمد عبده ﵀ فلا شك أنه كان من أكبر رُوَّادِ الإصلاح في عصرنا الحديث، وأنه كان في عصره فيلسوف الإسلام ولسانه الناطق وعقله المفكر وسلاحه الذائد عن حماه كل عدو وكل مُفتَرٍ مِنَ الغَرْبِيِّينَ وخاصة المُسْتَعْمِرِينَ منهم، ونوره المشرق تجاه الجمود الذي ران على العالم الإسلامي من مئات السنين. ولكنه - مع هذا - كان قليل البضاعة من الحديث، وكان يرى في الاعتماد على المنطق والبرهان العَقْلِيَيْنِ خير سلاح للدفاع عن الإسلام، ومن هذين العاملين، وقعت له آراء في السُنَّةِ وَرُوَّاتِهَا وفي العمل بالحديث والاعتداد به، ما صح أن يتخذه مثل «أَبِي رَيَّةَ» تكأة يتكئ عليها، ليخرج على المُسْلِمِينَ بمثل الآراء التي خرج بها. أما السيد رشيد رضا ﵀ فيظهر أنه كان أول أمره متأثراً بوجهة أستاذه الشيخ محمد عبده ﵀، وكان مثله في أول الأمر قليل البضاعة من الحديث قليل المعرفة بعلومه، ولكنه منذ استلم لواء الإصلاح بعد وفاة الإمام محمد عبده، وأخذ يخوض غمار الميادين الفقهية والحديثية وغيرهما وأصبح مرجع المُسْلِمِينَ في أنحاء العالم في كل ما يعرض لهم من مشكلات، كثرت بضاعته من الحديث وخبرته بعلومه حتى غدا آخر الآمر حَامِلَ لِوَاءِ السُنَّةِ، وأبرز أعلامها في مصر خاصة، نظراً لما كان عليه علماء الأزهر من إهمال لِكُتُبِ السُنّةِ وعلومها، وتبحرهم في المذاهب الفقهية والكلامية واللغوية وغيرها.

стр. 43

لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ ﵀ في آخر حياته، وكنت أتردد على بيته، فأستفيد من علمه وفهمه للشريعة ودفاعه عن السُنَّةِ ما أجد من حق تاريخه عَلَيَّ أن أشهد بأنه كان من أشد العلماء أَخْذًا بِالسُنَّةِ (القَوْلِيَّةِ) وإنكاراً لما يخالفها في المذاهب الفقهية. وإني على ثقة بأنه لو كان حَيًّا حين أصدر «أَبُو رَيَّةَ» كتابه، لكان أول من يَرُدُّ عليه في أكثر من موضع في ذلك الكتاب. (رَابِعاً) - إن الذين عنوا بالتشريع من أئمة الإسلام وفقهائه، لم يكونوا أهلاً لتمحيص السُنّةِ وبيان صحيحها من موضوعها، وإن الأدباء وعلماء الكلام من المعتزلة، هم أهل لذلك، وحسبنا أن نَحْكِي عنه رأيه هذا، التدليل على حقيقة غيرته عَلَى السُنَّةِ، وورعه في دين الله . (خَامِساً) - إن الصحابة والتَّابِعِينَ وفقهاء الإسلام وأئمة الحديث ثلاثة عشر قرناً كاملةً قد خدعوا بأبي هريرة ﵁، ولم يفطنوا إلى «تفاهة أمره» و «حقارة منبته» وجرأته في الكذب إرضاء للأمويِّين! إنهم لم يفطنوا لما فطن إليه «أَبُو رَيَّةَ» فيا لسوء حظ المُسْلِمِينَ الذين حرموا من رأي «أَبِي رَيَّةَ» الصائب وبصيرته النافذة خلال هذه القرون كلها! ويا لسوء حظ الإسلام، إذ رزق خلال هذه العصور أئمة وعلماء بُلْهاً مُغَفَّلِينَ يعتمدون في كتبهم وفقههم واجتهادهم على رجل «حقير، أكول، كَذَّابٍ، كل همه جمع المال وأكل الطعام! ... » كما يصفه اليوم أَبُو رَيَّةَ. (سَادِساً) - إِنَّ السُنَّةَ بما دخلها من الوضع، وبما أدرجه رُواة السُنّة الموثوقون من كلامهم في فن الحديث، وما لحق الحديث من «شذوذ» و «اضطراب» و «رواية بالمعنى» وغير ذلك جَعَلَ السُنَّةَ كلها في موضع الشك والريبة فيها وفي مُدَوَّنَاتِهَا الصحيحة، بحيث لم تعد محلاً للثقة والاعتماد. هذه من النتائج التي يخرج بها قارئ كتابه مِمَّنْ لا علم له بِالسُنَّةِ وعلومها، وهذا هو ما سعى ويسعى إليه المُسْتَشْرِقُونَ المُتَعَصِّبُونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، ثم يزعم مع ذلك «أَبُو رَيَّةَ» أنه إنما أَلَّفَ كتابه «للدفاع عَنْ السُنَّةِ القولية وحياطتها مِمَّا يشوبها» لا يبتغي إلا وجه الله وابتغاء مرضاته!! ولم أكن أدري من قبل، أن دعم الشيء يكون بالتشكيك فيه، وخدمة الشريعة بالالتقاء مع أعدائها والساعين إلى هدمها! وفوق كل ذي علم عليم، وإنا لله وإنا إليه راجعون ...

стр. 44

(سَابِعاً) - أنه شكك في كل الأحاديث والآثار الصحيحة التي تَحَدَّثَتْ عن أشياء موجودة في الكتب بين أيدينا لليهود والنصارى، وأن ذلك دليل على اليد اليهودية أو المسيحية في الدَسِّ على الحديث. أما ما جاء في الآثار والأحاديث من نقول عن التوراة، لا نجدها الآن في التوراة، فذلك دليل على كذب تلك الأحاديث! وهذا - لعمري - موقف متناقض لا يصير إليه عالم «محقق». إن الله تعالى نص على حقيقتين وَاضِحتَيْنِ بالنسبة إلى التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء السابقين: الأولى - أن الله أنزلها على الأنبياء، ومبادؤها واحدة في جميع الديانات. الثانية - أن أتباع هذه الديانات بَدَّلُوهَا وَحَرَّفُوهَا ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ (١). فسبيل المؤمن العالم إذا رُوِيَ له حديث صح سنده أن يعرضه على كتاب الله فإن توافق معه اطمأن قلبه إليه واعتقده، وإن خالفه - وهذا ما لا وجود له في الأحاديث الصحيحة قطعاً - جاز له رَدُّهُ مهما كانت الثقة برجاله. وعلى هذا الهَدْيِ سار علماؤنا ﵏ منذ الصحابة حتى من بعدهم من قول رسول الله ﷺ وقواعد الدين، وَرَدُّوا كل ما يخالف ذلك. ولكن «أَبَا رَيَّةَ» اتخذ مبدءاً آخر، وهو أن كل حديث عن التوراة والإنجيل هو مدسوس على الإسلام من قبل اليهود أو النصارى. وعلى هذا كَذَّبَ ما رواه أبو هريرة وغيره عن كعب من أن التوراة نَصَّتْ على اسم الرسول ﷺ واتهم في ذلك مسلمي اليهود من أسلم منهم في عصر الرسول، ومن أسلم بعده.

стр. 45

ولا أدري كيف ساغ له مثل هذا القول وهو العالم «المحقق»! مع أن القرآن الكريم نص على هذا في أكثر من آية. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ (١). ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢). ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ (٣). فهذه آيات من كتاب الله صريحة في الدلالة على أن اسم الرسول ﷺ قد جاء ذكره صراحة في التوراة والإنجيل، وجاء ذكره وذكر صحابته عن طريق التشبيه والتمثيل في التوراة والإنجيل أيضاً. فأية غرابة وأية مناقضة، وأي شيء فيه يستنكره عقل المسلم إذا روى أهل الكتاب مِمَّنْ أسلموا أن اسم النَّبِيِّ أو وصف صحابته أو بعضهم مكتوب في التوراة؟ وإذا كان ما روي عنهم لا نجده الآن في التوراة والإنجيل المعترف بهما لدى اليهود والنصارى في عصرنا هذا، فهل يكون ذلك دليلاً على كذب تلك الأخبار، أم يكون نَاشِئًا مِمَّا أخبر الله عنهم أنهم حَرَّفُوا هذه الكتب وَبَدَّلُوهَا؟ وَأَيًّا كان فـ «أَبُو رَيَّةَ» بين أمرين: إما أن يعترف بِصِحَّتِِهِمَا فَيُكَذِّبَ كل ما جاء من الأخبار مِمَّا لا يجده اليوم فيهما، وإما أن يعترف بتبديلهما فيعترف بما صح من تلك الأخبار ولو لم نجدها فيهما. أما أن يقول: إن ما جاء في تلك الأخبار متفقاً مع ما في التوراة

стр. 46

والإنجيل فذلك دليل على أن واضعيها يهوداً أو نصارى، وما جاء في تلك الأخبار مِمَّا لا وجود له فيهما فذلك دليل على كذب تلك الأخبار لأنا لا نجدها فيهما، فهذا هو التناقض، والتحكم بالهوى، والمجازفة لا «التحقيق». (ثَامِناً) - إنه - بعد كل ما انتقده على السلف في تقصيرهم في تمحيص الحديث، وضع لنا قاعدة لتلافي ذلك التقصير أو تلك «الغفلة» وهي عرض الحديث على «العقل الصريح» فما وافقه قَبِلَهُ، وإلا فلا. وحكاية عرض الحديث على «العقل» حكاية قديمة نادى بها المعتزلة وَطَبَّقَهَا فِعْلاً، فرفض كل حديث لا يرتضيه «عقله». ونادى المُسْتَشْرِقُونَ حَدِيثًا، وتابعهم فيها الأستاذ أحمد أمين ﵀. وضرب لذلك أمثلة من الأحاديث الصحيحة وهي في رأيه - «غير مقبولة للعقل». وناقشناه في هذه الدعوى وفي الأمثلة التي ذكرها وأفردنا لمناقشته فصلاً خَاصًّاً في هذا الكتاب. وينادي بها اليوم الأستاذ «أَبُو رَيَّةَ» ويجعلها هي الأساس فيما ينبغي أَنْ يُقْبَلَ أَوْ يُرَدَّ من الأحاديث، ويقول: «إن علماءنا الأقدمين لو علموا بها لَنَقَّوْا السُنّةَ من كثير مِمَّا علق بها». وهذه الدعوة تبدو مقبولة لدى كثير من «المُثَقَّفِينَ» الذين يهتم بهم كثيراً «أَبُو رَيَّةَ» ولكنها - عند التدقيق - لا تعني شيئاً ولا تنتج شيئاً في علوم الشريعة، بل لا تنتج إلا الفوضى في قبول الأحاديث ورفضها. ما هو العقل الصريح الذي يريده «أَبُو رَيَّةَ»؟ وما حدوده، وما مدى الاتفاق عليه؟ لئن كان يريد من العقل الصريح ما يقبله العقل من بدهيات الأمور، فهذا أمر واقع في تاريخ السُنّةِ، فقد وضع أئمة النقد من علماء الحديث علامات لمعرفة الحديث الموضوع، منها: «أن يكون متنه مخالفاً لبداهة العقول وللمقطوع به من الدين أو التاريخ أو الطب أو غير ذلك» وعلى هذا نفوا آلافاً من الأحاديث وحكموا عليها بالوضع.

стр. 47

ولئن كان يريد غير هذا مِمَّا يستغربه «العقل»، فإن «استغراب» العقل شيئاً أمر نسبي يتبع الثقافة والبيئة وغير ذلك مِمَّا لا يضبطه ضابط ولا يحدده مقياس. وكثيراً ما يكون الشيء مستغرباً عند إنسان، طبيعياً عند إنسان آخر ولا يزال الذين سمعوا بالسيارة في بلادنا، واستغربوها قبل أن يروها، لأنها تسير من غير خيول تقودها، في حين كانت عند الغَرْبِيِّينَ أمراً مألوفاً عادياً. والبدوي في الصحراء كان «يستغرب» ما يقولونه عن المذياع «الراديو» في المدن، وَيَعُدُّهُ كذبة من أكاذيب الحَضَرِيِّينَ. فلما سمع الراديو لأول مرة ظن أن «الشيطان» هو الذي يتكلم فيه، كما يظن الطفل أن الذي يتكلم إنسان ثَاوٍ فيه. ومن المقرر في الإسلام أنه ليس فيه «ما يرفضه» العقل ويحكم باستحالته، ولكن فيه - كما في كل دين سماوي - أمور قد «يستغربها» العقل ولا يستطيع أن يتصورها، كأمور النُبُوَّاتِ وَالحَشْرِ وَالنَّشْرِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ. وشأن المسلم إذا سمع خبراً ما، أن يرفض ما يرفضه العقل، ويتأنى فيما «يستغربه» حتى يتيقن من صدقه أو كذبه. وطريق التيقن (أو العلم) في الإسلام أحد أمور ثلاثة: ١ - إما الخبر الصادق الذي يتيقن السامع من صِدْقِ مُخْبِرِهِ، كأخبار الله في كتبه وأخبار الأنبياء. ٢ - وإما التجربة والمشاهدة بعد التأكد من سلامة التجربة فيما يقع تحت التجربة والاختبار. ٣ - وإما حكم العقل فيما ليس فيه خبر صحيح ولا تجربة مشاهدة. ومن إعجاز القرآن أنه وضع هذه القواعد الثلاثة لتحقق «العلم» أو اليقين، في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (١). ومن تمام الإعجاز في هذه الآية أنها جاءت مرتبة هكذا: الخبر الصادق (السمع) ثم التجربة (البصر) ثم المحاكمة العقلية (الفؤاد) على أنها

стр. 48

هي (العناصر) الثلاثة التي ينشأ عنها كل علم، ولن تجد في الحياة «علماً» لا ينشأ من عنصر هذه العناصر. والقرآن يعتبر أن ما يقوم على غير هذه العناصر، لا يسمى «علماً» بل هو إما الظن «غلبة احتمال الشيء»، وإما الوهم والخيال. ونصوص الشريعة، ما كان منها من أصول العقيدة فلا بد فيها من العلم وهو «التَيَقُّنُ الجَازِمُ المُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ عَنْ دَلِيلٍ» كالإيمان بالله وصفاته، والنبوات والأنبياء، والملائكة، والجنة والنار. وما كان منها، من فروع الشريعة (الأحكام العملية) فيكفي فيها الظن، لأن اشتراط العلم فيها غير متحقق في كثير منها، وهذا مُسَلَّمٌ به لدى الدارسين للشريعة وعلومها. والأحاديث التي صَحَّحَهَا علماؤنا ﵏ ليس فيها ما يرفضه العقل أو يحيله لأنها إما أن تتعلق بأمور العقيدة، وهذه يجب أن تتفق مع القرآن، وقد قلنا بأننا نقطع أن ليس في القرآن شيء يحكم العقل بفساده أو بطلانه أو استحالته، وإما أن تتعلق بالأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات وآداب وغيرها، وليس في حديث من هذه الأحاديث التي صَحَّحَهَا علماؤنا ما يرفضه العقل أو يحكم باستحالته، وإما أن تكون أخباراً عن الأمم الماضية أو أخباراً عن عالم الغيب مِمَّا لا يقع تحت النظر كشؤون السماوات والحشر والجنة والنار، وهذه ليس فيها ما يحكم العقل ببطلانه، وقد يكون فيها ما لا يدركه العقل فيستغربه. فإذا جاءت عن طريق ثابت يفيد القطع فيجب اعتقادها، وإن جاءت عن طريق يفيد غلبة الظن فليس من شأن المسلم أن يبادر إلى تكذيبها. وبهذا نرى أن فريقاً كبيراً من الناس لا يفرقون بين ما يرفضه العقل، وبين ما يستغربه، فَيُسَاوُونَ بينهما في سرعة الإنكار والتكذيب، مع أن حكم العقل فيما يرفضه، ناشئ من استحالته، وحكم العقل فيما يستغربه، ناشئ من «عَدَمِ القُدْرَةِ عَلَى تَصَوُّرِهِ» وفرق كبير بين ما يستحيل وبين ما لا يدرك. على أننا نرى من الاستقراء التاريخي، وتتبع التطور العلمي والفكري،

стр. 49

أن كثيراً مِمَّا كان غامضا على العقول أصبح مفهوماً واضحاً، بل إن كثيراً مِمَّا كان يعتبر حقيقة من الحقائق أصبح خرافة من الخرافات، وما كان مستحيلاً بالأمس أصبح اليوم واقعاً. ولا تحوجنا الأمثلة لذلك، فنحن نعيش في عصر استطاع فيه الإنسان أن يكتشف القمر بصواريخه. وهو الآن يستعد للنزول فيه (١) وفي غيره من الكواكب، ولو أن إنساناً فكر في مثل هذا في القرون الوسطى أو منذ مائة سَنَةٍ لَعُدَّ من المجانين. والذين ينادون بتحكيم العقل في صحة الحديث أو كذبه، لا نراهم يُفَرِّقُونَ بين المُسْتَحِيلِ، وبين «المُسْتَغْرَبِ» فيبادرون إلى تكذيب كل ما يبدو غريباً في عقولهم. وهذا تهور طائش ناتج من اغترارهم بعقولهم من جهة، ومن اغترارهم بسلطان العقل، ومدى صحة حكمه فيما لا يقع تحت سلطانه من جهة أخرى. ونحن نرى أن أكثر ما يستندون إليه في تكذيب ما صَحَّحَهُ الجمهور، إنما هي أحاديث تتعلق، إما بأخبار الأمم الماضية، وإما بالأمور الغيبية. وخذ لذلك مثلا مِمَّا ذكره «أَبُو رَيَّةَ»، نموذجاً لبعض ما رواه أبو هريرة ليؤكد دعواه كذب أبي هريرة في الحديث، ونسبته ما أخذه من الإسرائيليات إلى رسول الله ﷺ : أخرج " مسلم " عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ : «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ». هذا ما استغربه، بل مِمَّا ادَّعَى «ضمناً» كذبه، لأنه من رواية أبي هريرة عن الرسول، وقد كان أبو هريرة - في زعمه - ينسب ما سمعه من كعب إلى رسول الله ﷺ . ولك أن تسأل أَبَا رَيَّةَ: ما وجه الغرابة في هذا الحديث؟ ألأنه ذكر أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سَنَةٍ؟ أليست الجنة من أمور الغيب؟ هل استطاع أن يعرف ما فيها، إلا مِمَّا عَرَّفَنَا اللهُ وَرَسُولُه ُإِيَّاهُ؟ أليس

стр. 50

في عالم الشهادة ما استطاع العلم أن يكشف من عظمته، واتساعه ما لا يكاد يتصوره العقل؟ ألاَ يُحَدِّثُنَا علماء الفلك الآن عن كبر حجم الشمس بالنسبة إلى أرضنا أكثر من مليون مَرَّةٍ، والشمس إحدى ملايين الشموس التي تكبر شمسنا هذه بملايين المرات؟ ألاَ يُحَدِّثُنَا هؤلاء العلماء عن شموس في هذا الفضاء الرحيب، لم يصل إلى الأرض نورها حتى الآن منذ مليون أو أكثر من السنوات الضوئية؟ أَيُصَدِّقُ العقل مثل هذه الأمور العلمية التي يكشف عنها العلماء في هذا العصر، لولا أنها مِمَّا يذيعه أولئك العلماء؟ فيا عجباً كيف يُصَدِّقُ «أَبُو رَيَّةَ» أن يعرف العلماء سَعَةَ هذا الكون العجيب إلى حد لا يصل إليه خيال أكبر عقل إنساني على وجه الأرض؟ ثم هو لا يُصَدِّقُ أن الرسول ﷺ المتصل بوحي السماء، المُسْتَمِدُّ عِلْمَهُ مِنْ عِلْمِ اللهِ خالق هذا الكون العجيب - يقول: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ سَنَةٍ»؟. وما هي هذه السنون المائة بجانب هذه الملايين من السنين الضوئية؟! ليست المشكلة مع «أَبِي رَيَّةَ» وأضرابه مشكلة استعمال العقل أو تركه، ولا هي مشكلة تأليه العقل المخلوق، أو عبوديته للخالق؟ إن هؤلاء «الأحرار»، «العباقرة» في الشريعة يريدون أن «يُؤَلِّهُوا» عقولهم معها، وَيَتَخَلَّوْا عن عقولهم مع غيرها؟ وخذ لذلك مثلاً آخر مِمَّا أنكره على أبي هريرة، وقد رواه " البخاري "، و" مسلم ": «تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الجَنَّةُ: مَا لِي لاَ يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟، قَالَ اللَّهُ ﵎ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ: فَلاَ تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ» (١).

стр. 51

ونحن لا ندري ما وجه الاستنكار لهذا الحديث؟ إن كان وجه الإنكار، هو أن الله يضع «رِجْلَهُ» ففي القرآن جاء إثبات اليد، والوجه، والعين، والمجيء وغير ذلك للهِ تعالى، ومذاهب العلماء معروفة في مثل هذه الألفاظ، فالسلف يقولون بها من غير تأويل مع تنزيه اللهِ عن مشابهته للبشر في شيء ما، والخلف يذهبون إلى تأويل اليد بالقدرة مثلا، تمشياً مع مبدأ تنزيه الله عن مشابهة البشر، وهو المبدأ الذي يُسَلِّمُ به الجميع. فما يقال في القرآن يقال مثله في الحديث. وإن كان الاستنكار لِتَكَلُّمِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فقد جاء في القرآن أن الله قال للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١). وإن كان وجه الإنكار، أو «الاستغراب» أن يأتي الله إلى النار، فإن القرآن أثبت المجيء، يوم القيامة بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (٢). وفي القرآن الكريم أيضاً: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٣). وبالجملة، فإن تحكيم العقل في مسألة الألوهية، وصفاتها من سخافة العقل نفسه، ولا تُؤَدِّي عند هؤلاء المغترين بعقولهم، إلا إلى الإلحاد غالباً، فَخَيْرٌ للعقل أن يُفَكِّرَ فيما يستطيع التفكير فيه، وإذا كان العقل لا يزال عاجزاً عن معرفة سِرِّ الحياة في الإنسان نفسه، وعن الإحاطة بجزء كحبة الرمل من صحراء هذا الكون العجيب، فكيف يستطيع أن يعلم حقيقة خالق هذا الكون كله؟ أترى تستطيع النملة التي تدب في سفح جبال هملايا أن تحيط بارتفاع هذه الجبال وسعتها وقطرها؟ رضي الله عن الشاعر أحمد الصافي النجفي، حين يقول فيما سمعته منه: يَعْتَرِضُ العَقْلُ عَلَى خَاِلٍق * ... * ... * مِنْ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ العَقْلُ وللنظر إلى المسألة من ناحية أخرى:

стр. 52

لنفرض أن تحكيم العقل في الأحاديث هو الصواب، فنحن نسأل: أي عقل هذا الذي تريدون أن تُحَكِّمُوهُ؟ أعقل الفلاسفة؟ إنهم مختلفون، وما من متأخر منهم إلا وهو ينقض قول من سبقه. أعقل الأدباء؟ إنه ليس من شأنهم، فإن عنايتهم - عَفَا اللهُ عَنْهُمْ - بالنوادر والحكايات. أعقل علماء الطب، أو الهندسة، أو الرياضيات؟ ما لهم ولهذا؟ أعقل المُحَدِّثِينَ؟ إنه لم يعجبكم، بل إنكم تتهمونهم بالغباوة والبساطة. أعقل الفقهاء؟؟ إنهم مذاهب متعددة، وعقليتهم - في رأيكم - كعقلية المُحَدِّثِينَ. أعقل المُلْحِدِينَ؟ إنهم يريدون أَنَّ إيمانكم بوجود الله، جهل منكم وخرافة. أعقل المؤمنين بوجود الله؟ تعالوا نَرَ طوائفهم: إن منهم: من يرى أن الله يحل في إنسان فيصبح إلهاً! ومنهم: من يرى أن روح الله تتقمص في جسد، فيكون إلهاً! ومنهم: من يرى أن الله ومخلوقاته في وحدة كاملة! ومنهم: من يرى أن الله ذو ثلاثة أقانيم في ذات واحدة! ومنهم: من يرى البقر والفأر والقرد يجب أن يتوجه إليها بالعبادة! ستقولون: إننا نريد تحكيم عقل المؤمنين بإله واحد في دين الإسلام. فنحن نسألكم: عقل أي مذهب من مذاهبهم ترتضون؟ أعقل أهل السُنَّة والجماعة؟ هذا لا يرضي الشِّيعَة، ولا المعتزلة.

стр. 53

أم عقل الشِّيعَةِ؟ هذا لا يرضي أهل السُنَّةَ، ولا الخَوَارِج. أم عقل المعتزلة؟ إنه لا يرضى جمهور طوائف المسلمين! فأي عقل ترتضون؟ سيقول أَبُو رَيَّةَ: «إنني أرتضي عقل المعتزلة، لأنهم أصحاب العقول الصريحة» ونحن سنعرض على أَبِي رَيَّةَ مثالاً لما رفضه عقل المعتزلة من حديث: يحكي ابن قتيبة في كتابه " تأويل مختلف الحديث " أن مِمَّا رَدَّهُ المعتزلة حديث «إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِأَصْوَاعَ مِنْ شَعِيرٍ» فقد قالوا فيه بأنه حديث يُكَذِّبُهُ النظر (١) (أي النظر العقلي) ثم شرح ابن قتيبة رأيهم هذا بما تستطيع الرد عليه بأيسر الرد وأقربه إلى العقل والنظر ... فما رأي «أَبِي رَيَّةَ» وأضرابه في إنكار عقل المعتزلة لمثل هذا الحديث؟ على أن ابن قتيبة تتبع كل ما أنكرته عقولهم من الأحاديث، وأجاب عنها بأجوبة حَالَفَهُ التوفيق في أكثرها. وللأحاديث التي نرى أنه لم يوفق في الإجابة عنها أجوبة للعلماء مقبولة معقولة، وإني سأضرب للقارئ مثلاً عن هذا النقاش الذي دار بين عقل ابن قتيبة «المُحَدِّثِ» وبين عقل فلان «المُعْتَزِلِي». قال ابن قتيبة: قالوا (أي المعتزلة): حديث يفسد أوله آخره، رويتم عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال: «إَذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلاَ يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثًلاًثًا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» قالوا: وهذا الحديث جائز لولا قوله

стр. 54

«فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» وما مِنَّا مِنْ أحد إلا وقد درى أن يده باتت حيث بات بدنه وحيث باتت رجله وأذنه وأنفه وسائر أعضائه، وأشد الأمور أن يكون مَسَّ بها فرجه في نومه، ولو أن رجلا مَسَّ فرجه في يقظته، لَمَا نقض ذلك من طهارته، فكيف بأن يمسه وهو لا يعلم. والله لا يؤاخذ الناس بما لا يعلمون، فإن النائم قد يهجر (أَيْ يَهْذِي) في نومه فَيُطَلِّقُ وَيَكْفُرُ وَيَفْتَرِي، ثم لا يكون بشيء من ذلك مُؤَاخَذًا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة. فأجاب ابن قتيبة بقوله: «ونحن نقول: إن هذا النظار علم شيئاً وغابت عنه أشياء، أما علم أن كثيراً من أهل الفقه قد ذهبوا إلى أن الوضوء يجب من مس الفرج في المنام وفي اليقظة بهذا الحديث وبالحديث الآخر " مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ " وإن كنا نحن لا نذهب إلى ذلك، ونرى أن الوضوء الذي أُمِرَ به من مَسَّ فرجه، غسل اليد، لأن الفروج مخارج الحدث والنجاسات. إلى أن يقول: فإذا كان الوضوء من مَسَّ الفرج هو غسل اليدين تبين أن رسول الله ﷺ أمر المستيقظ من منامه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الإناء لأنه لا يدري أين باتت يده، يقول: لعله في منامه مَسَّ بها فرجه أو دبره .. وليس يؤمن أن يصيب يده شيء من النجاسات .. وخص النائم بهذا، لأن النائم قد تقع يده على هذه المواضع وهو لا يشعر، فأما اليقظان فإنه إذا لمس شيئاً من هذه المواضع فأصاب يده منه أذى علم به ولم يذهب عليه فيغسلها قبل أن يدخلها في الإناء أو يأكل أو يصافح». اهـ. (١). هذا مثل العقل المعتزلي «الصريح» وَعَقْلِ المُحَدِّثِ «الضعيف».

стр. 55

وأزيد على ذلك أن مبادئ الصحة العامة تجعل عقل الطبيب في هذه المسألة يُؤَيِّدُ عقل المُحَدِّثِ، لا عقل المعتزلي. وقصارى القول أن أئمة الحديث وفقهاء المُسْلِمِينَ لم يلغوا عقولهم عند تصحيح الأحاديث، وإنما أوقفوها عند الحد الذي يجب أن تقف عنده بحكم الشرع، وبحكم العقلاء غير «المغرورين» بعقولهم. وأخيراً أذكر رأيي في المؤلف نفسه (أَبِي رَيَّةَ)، والله يعلم أني لا أريد أن أغمطه حقه. أَوَلاً: إنني أحاول أن أصدق المؤلف فيما ادعاه في مقدمة كتابه وفي آخره من أنه عُنِيَ بهذه الأبحاث دفاعاً عن سُنَّةِ الرسول وعن سمعة الدين من تشويه الكَذَّابِينَ وغيرهم. إذ لا يجوز لي أن أتحكم في نيته وغرضه وأن أكذبه فيما ادَّعَى من حسن النية، ولكنه في رأيي كانت له مع هذه النية «رغبات نفسية» فأخذ في البحث على هُدَى هذه الرغبات، ولو تخلى عنها وَتَجَرَّدَ منها، لأداه بحثه المجرد إلى غير ما انتهى إليه. ثَانِياً: إنه ذكر ما عاناه في سبيل بحثه من تتبع للكتب وتنقيب عن الأخبار خلال سنين طويلة، ولا شك أن جهد العالم في البحث والتنقيب يستحق الشكر والأجر، ولكنه بجانب هذا أنكر جهود جميع علماء السُنَّةِ من صحابة الرسول ﷺ حتى عصرنا هذا، أنكره من حيث نعى عليهم تقصيرهم في تمحيص الأحاديث، وغفلتهم عن تحكيم «العقل» في النقد، ومن حيث اعتبر جهودهم في معرفة المُدْرَجِ فِي الحَدِيثِ، وَالمُضْطَرِبِ، وَالشَاذِّ، وَالمُعَلَّلِ، وغير ذلك مِمَّا هو من مفاخر اليقظة العلمية في ميادين العلم، لقد اعتبر ذلك كله مَدْعَاةً للشك في الحديث بدل أن يكون مَدْعَاةً للثقة به، وإن في إنكاره لجهود هؤلاء العلماء خلال ثلاثة عشر قرناً أو تزيد - وهي الجهود التي لا مثيل له ولا لِعُشْرِ معشارها لدى أُمَّةٍ من الأمم - مَدْعَاةً للعبرة والعظة، فإذا كان جهد أَبِي رَيَّةَ في بعض سنوات، وهو في بلده يقلب صحائف الكتب، ثم تعبه في «تبويب كتيبه الصغير» إذا كان هذا جهد مِمَّا يستحق أن يَمُنَّ به على العلم وَالمُثَقَّفِينَ وَالمُعْتَنِينَ بالدراسات

стр. 56

الدينية. أن يرجو من الله أجره وثوابه، فهل يعد هذا شيئا بجانب جهود أولئك العلماء الذين كان أحدهم يمشي آلاف الأميال على قدميه، ويطوف بأقطار العالم الإسلامي عشرات السنين، ويسهر الليالي على ضوء الشمعة والقنديل؟ هذا مع أنهم لَمْ يَمُنُّوا بجهودهم تلك على المُسْلِمِينَ وإنما كانوا يرجون رضى الله وحده، أفيكون من عرفان جميلهم أن يأتي مثل أَبِي رَيَّةَ فَيَتَّهِمَهُمْ بالتقصير لأنهم كان يجب عليهم أن يُؤَلِّفُوا مثل كتابه منذ ألف سَنَةٍ؟ .. إن كان قَارِئٌ لكتابه يستطيع أن يجيب على هذا السؤال. ثَالِثاً: إنه أطرى كتابه بقوله: «وهذه الدراسة الجامعة التي قامت على قواعد التحقيق العلمي، هي الأولى في موضوعها. لم ينسج أحد من قبل على منوالها .. » وقوله: «وبخاصة لأن هذا المُصَنَّفَ لم يكن له من قبل مثال نحتذيه، ولا طريق عَبَّدَهُ لنا أحد مِمَّنْ سبقنا فنتبعه ونسير عليه». وقد كان يجب أن يؤلف مثله منذ ألف سَنَةٍ. ونحن نعلم أن من أبرز صفات العالم تواضعه، ومن أبغض صفاته عند الله وعند الناس تفاخره بعلمه وجهوده، ومن قواعد شريعتنا أن تفاخر الإنسان بعمله يحبط أجره، ومن أخلاق علمائنا أن يعترفوا في مقدمة كتبهم باحتمال الخطأ والزلل، وأن يطلبوا مِمَّنْ يَطَّلِعُ على خطأ في كتبهم أن يصلحها ويستغفر لمؤلفها، ولا أريد أن أتحدث عن مغزى إطراء المؤلف لكتابه من الناحية النفسية. فهو - على ما يظهر - عليم بالتحليل النفسي أيضاً،! ولكني أذكر هنا كلمة لابن عطاء الله السكندري ﵀: «لأَنْ تَصْحَبَ جَاهِلاً لاَ يَرْضَىَ عَنْ نَفْسِهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ عَالِمًا يَرْضَىَ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَيُّ عِلْمٍ لِعَالِمٍ يَرْضَىَ عَنِ نَفْسِهِ؟ وَأَيُّ جَهْلٍ لِجَاهِلٍ لاَ يَرْضَىَ عَنِ نَفْسِهِ؟». رَابِعاً: إنه كان قاسياً مع من يظن أنهم سَيَتَوَلَّوْنَ الرَدَّ عليه، فقال في حقّهم: «وقد ينبعث له من يتطاول إلى معارضته مِمَّنْ تعفَّنت أفكارهم وتحجرت عقولهم» وقال في آخر كتابه بعد أن تفاخر بجهوده في هذا الكتاب: «وأن تضيق به صدور الحشوية وشيوخ الجهل من زوامل الأسفار،

стр. 57

الذين يخشون على علمهم المُزَوَّرِ من سطوة الحق، ويخافون على كساد بضاعتهم العفنة التي يستأكلون بها أموال الناس أن يكشفهم نور العلم الصحيح، ويهتك سترهم ضوء الحُجَّةِ البالغة، فهذا لا يهمنا، إذ ليس لمثل هؤلاء خطر عندنا ولا وزن في حسابنا». وسيمر بك في تَعَقُّبِنَا إياه على ما كتبه عن الصحابي الجليل أبي هريرة ﵁، أنه وصفه بألفاظ نابية بذيئة يترفع عنها السوقة، ولم يقل في حقه مثلها المُسْتَشْرِقُونَ من اليهود والنصارى!! ولا أدري إن كان من قواعد التحقيق العلمي التي لم ينسج أحد من قبل على منوالها أن يكون مُدَّعِي العلم قليل الأدب بذيء الكلام، شنيع التهجم على من يتصدى لتاريخهم أو على من قد يتصدون للرد عليه في المستقبل؟ ولكن الذي أدريه أن رسول الله ﷺ قال: «الحَيَاءُ مِنْ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الجَنَّةِ، وَالبَذَاءُ مِنْ الجَفَاءِ وَالجَفَاءُ فِي النَّارِ» ولا أدري إن كان «أَبُو رَيَّةَ» يطعن في هذا الحديث لأنه مِمَّا رواه أبو هريرة ﵁، فإليه حَدِيثًا آخر يرويه زيد بن طلحة بن ركانة عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلامِ الحَيَاءُ» وَصَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . أما بعد، فهذا تعليق إجمالي على كتاب «أَبِي رَيَّةَ»، وكنت أَوَدُّ لو أتمكن من التعليق التفصيلي على هذا الكتاب، ولكن حالتي الصحية التي اشتدت - خاصة - عند كتابة هذه المقدمة، جعلتني أعدل عن ذلك، اكتفاءًا بما ذكرته من الحقائق الثابتة عند أهل العلم، في تاريخ السُنَّةِ وتدوينها وهي رَدٌّ واضح على ما جاء في كتاب أَبِي رَيَّةَ من الأباطيل، واكتفاء بما صدر من رد بعض العلماء الأفاضل على هذا الكتاب (١).

стр. 58

والله أسأل أن يهدينا للحق ويثبتنا عليه، وأن يجنبنا الزلل والخطأ، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشداً. مصطفى حسني السباعي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بجامعة دمشق وأستاذ الأحوال الشخصية في كليتي الشريعة والحقوق دمشق: ١٥ من شعبان ١٣٧٩ هـ / ١٢ من شباط ١٩٦٠ م

стр. 59

البَابُ الأَوَّلُ: وَفِيهِ فُصُولٌ أَرْبَعَةٌ الفصل الأول: معنى السُنّة وتعريفها. الفصل الثاني: في الوضع في الحديث وفيه مباحث. الفصل الثالث: في جهود العلماء لمقاومة حركة الوضع. الفصل الرابع: في ثمار هذه الجهود.

стр. 60

الفَصْلُ الأَوَّلُ: مَعْنَى السُنّةِ وَتَعْرِيفُهَا: السُنَّةُ في اللغة: الطريقة محمودةً كانت أو مذمومةً، ومنه قوله ﷺ : «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» (١) ومن حديث: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» (٢). وهي في اصطلاح المُحَدِّثِينَ: ما أُثِرَ عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقِيَّة أو خُلُقِيَّة أو سيرة، سواء كان قبل البعثة أو بعدها (٣)، وهي بهذا ترادف الحديث عند بعضهم. وفي اصطلاح الأصوليين: ما نقل عَنْ النَّبِيِّ ﷺ من قول أو فعل أو تقرير. فمثال القول: ما تَحَدَّثَ به النَّبِيُّ ﷺ في مختلف المناسبات مِمَّا يتعلق بتشريع الأحكام كقوله ﵊: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٤). وقوله: «البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (٥). ومثال الفعل: ما نقله الصحابة من أفعال النَّبِيِّ ﷺ في شؤون العبادة وغيرها، كأداء الصلوات، ومناسك الحج، وآداب الصيام، وقضائه بالشاهد واليمين.

стр. 61

ومثال التقرير: ما أَقَرَّهُ الرسول ﷺ من أفعال صدرت عن بعض أصحابه بسكوت منه مع دلالة الرضى، أو بإظهار استحسان وتأييد. فمن الأول، إقراره ﵊ لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدَكُمْ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ» (١) فقد فهم بعضهم هذا النهي على حقيقته فَأَخَّرَهَا إلى ما بعد المغرب، وفهمه بعضهم على أن المقصود حث الصحابة على الإسراع فصلاها في وقتها، وبلغ النَّبِيَّ ما فعل الفريقان فَأَقَرَّهُمَا ولم ينكر عليهما. ومن الثاني: ما روي أن خالد بن الوليد ﵁ أَكَلَ ضَبًّا قُدِّمَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ دُونَ أَنْ يَأْكُلَهُ، فَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: أَوَ يَحْرُمُ أَكْلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «لاَ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (٢). وقد تطلق السُنَّةُ عندهم على ما دَلَّ عليه دليل شرعي، سواء كان ذلك في الكتاب العزيز، أو عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ، أو اجتهد فيه الصحابة، كجمع المصحف وحمل الناس على القراءة بحرف واحد، وتدوين الدواوين، ويقابل ذلك «البدعة» ومنه قوله ﷺ : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» (٣). وفي اصطلاح الفقهاء: ما ثبت عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ من غير افتراض ولا وجوب، وتقابل الواجب وغيره من الأحكام الخمسة، وقد تطلق عندهم على ما يقابل البدعة، ومنه قولهم: «طَلاَقُ السُنَّةِ كَذَا، وَطَلاَقُ البِدْعَةِ كَذَا» (٤).

стр. 62

وَمَرَدُّ هذا الاختلاف في الاصطلاح إلى اختلافهم في الأغراض التي يعني بها كل فئة من أهل العلم. فعلماء الحديث إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الإمام الهادي الذي أخبر اللهُ عنه أنه أُسْوَةٌ لنا وقدوة، فنقلوا كل ما يتصل به من سيرة وَخُلُقٍ وشمائل وأخبار وأقوال وأفعال، سواء أَثْبَتَ ذلك حُكْمًا شَرْعِيَّا أم لا. وعلماء الأصول إنما بحثوا عن رسول اللهِ المُشَرِّعِ الذي يضع القواعد لِلْمُجْتَهِدِينَ من بعده: وَيُبَيِّنُ للناس دستور الحياة، فعنوا بأقواله وأفعاله وتقريراته التي تثبت الأحكام وتقررها. وعلماء الفقه إنما بحثوا عن رسول الله ﷺ الذي لا تخرج أفعاله عن الدلالة على حكم شرعي، وهم يبحثون عن حكم الشرع على أفعال العباد وجوبا أو حرمة أو إباحة أو غير ذلك. ونحن هنا نريد بِالسُنَّةِ ما عناه الأصوليون، لأنها - بتعريفهم - هي التي يبحث عن حُجِيَّتِهَا ومكانتها في التشريع، وإن كنا تعرضنا لإثبات السُنَّةِ تَارِيخِيًّا بالمعنى الأعم الذي عناه المُحَدِّثُونَ. وُجُوبُ طَاعَةِ الرَّسُولِ فِي حَيَاتِهِ: كان الصحابة في عهد رسول الله ﷺ يستفيدون أحكام الشرع من القرآن الكريم الذي يتلقونه عن الرسول ﷺ ، وكثيرًا ما كانت تنزل آيات القرآن مجملة غير مُفَصَّلَةٍ، أَوْ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ، كالأمر بالصلاة، جاء مُجْمَلاً لم يُبَيِّنْ في القرآن عدد ركعاتها ولا هيئتها ولا أوقاتها، وكالأمر بالصلاة، جاء مُطْلَقًا لم يُقَيَّدْ بالحد الأدنى الذي تجب فيه الزكاة، ولم تُبَيِّنْ مقاديرها، ولا شروطها، وكذلك كثيرًا من الأحكام التي لا يمكن تنفيذها دُونَ الوقوف على شرح ما يتصل بها من شروط وأركان ومفسدات، فكان لاَ بُدَّ لهم من الرجوع إلى رسول الله ﷺ لمعرفة الأحكام معرفة تفصيلية واضحة.

стр. 63

وكذلك كانت تقع لهم كثير من الحوادث التي لم ينص عليها القرآن، فَلاَ بُدَّ من بيان حكمها عن طريقه ﵊، وهو مُبَلِّغٌ عن ربه، وأدرى الخلق بمقاصد شريعة الله وحدودها ونهجها ومراميها. وقد أخبر الله في كتابه الكريم عن مهمة الرسول بالنسبة للقرآن أنه مُبَيِّنٌ له وَمُوَضّحٌ لمراميه وآياته، حيث يقول الله تعالى في كتابه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١)، كما بيّن أن مهمته إيضاح الحق حين يختلف فيه الناس: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢). وأوجب النزول على حكمه في كل خلاف: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (٣). وأخبر أنه أوتي القرآن والحكمة ليعلم الناس أحكام دينهم فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٤). وقد ذهب جمهور العلماء وَالمُحَقِّقِينَ إلى أن الحكمة شيء آخر غير القرآن، وهي ما أطلعه الله عليه من أسرار دينه وأحكام شريعته، ويعبر العلماء عنها بِالسُنَّةِ، قال الشافعي ﵀: «فَذَكَرَ اللهُ الكِتَابَ وَهُوَ القُرْآنُ، وَذَكَرَ الحِكْمَةَ فَسَمِعْتُ مَنْ أُرْضَى مِنْ أَهْلِ العِلْمِ بِالقُرْآنِ يَقُولُ: " الحِكْمَةُ سُنََّةُ رَسُولِ اللهِ "، وَهَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ، لأَنََّ القُرْآنَ ذُكِرَ وَأُتْبِعَتْهُ الحِكْمَةَ، وَذَكَرَ اللهُ مَنَّهُ عَلَىَ خَلْقِهِ بِتَعْلِيمِهِمْ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ، فَلَمْ يَجُزْ - وَاللهُ أَعْلَمُ - أَنْ يُقَالَ الحِكْمَةُ هُنَا إِلاَّ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَقْرُونَةٌ مَعَ الكِتَابِ، وَأَنَّ اللهَ افْتَرَضَ طَاعَةَ رَسُولِهِ، وَحَتَّمَ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعَ أَمْرِهِ، فَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِقَوْلٍ، فُرِضَ إِلاَّ لِكِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ لِمَا وَصَفْنَاهُ مِنْ أَنََّ اللهَ جَعَلَ الإِيمَانَ مَقْرُونًا بِالإِيمَانِ بِهِ» (٥).

стр. 64

وواضح مِمَّا ذكره الشافعي هنا ﵀ أنه يجزم بأن الحكمة هي السُنَّةُ، لأن الله عطفها على الكتاب، وذلك يقتضي المغايرة، ولا يصح أن تكون شيئاً غير السُنَّةِ، لأنها في معرض المِنَّةِ من الله علينا بتعليمنا إياها، ولا يمن إلا بما هو حق وصواب، فتكون الحكمة واجبة الاتباع كالقرآن، ولم يوجب علينا إلا اتباع القرآن والرسول، فتعين أن تكون الحكمة هي ما صدر عن الرسول من أحكام وأقوال في معرض التشريع. وإذا كان كذلك، كان رسول الله ﷺ قد أوتي القرآن وشيئاً آخر معه يجب اتِّبَاعَهُ فيه. وقد جاء ذلك مصرحاً في قوله تعالى في وصف الرسول ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وما دام اللفظ عَامًّا فهو شامل لما يحله ويحرمه مِمَّا مصدره القرآن، أو مصدره وحي يوحيه الله إليه، وقد روى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب عن رسول الله ﷺ قوله: «أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ». ويدل على ذلك أن الله أوجب على المسلمين اتباع الرسول فيما يأمر وينهى فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٢) وقرن طاعة الرسول بطاعته في آيات كثيرة من القرآن فقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣)، وحث على الاستجابة لما يدعو، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (٤)، واعتبر طاعة لله وإتباعه حبا لله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ (٥). وقال أيضاً: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٦). وحذر من مخالفة أمره: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧). بل أشار إلى أن مخالفته كفر: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٨). ولم يبح للمؤمنين مطلقا أن يخالفوا حكمه أو أوامره ﴿وَمَا كَانَ

стр. 65

لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا﴾ (١). واعتبر من علامات النفاق الإعراض عن تحكيم الرسول في مواطن الخلاف: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢). بل جعل من لوازم الإيمان ألاَّ يذهبوا حين يكونون مع رسول الله دون أن يستأذنوا منه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣). قال ابن القيم: «فَإِذَا جُعِلَ مِنْ لَوَازِمِ الإِيمَانِ أَنَّهُمْ لاَ يَذْهَبُونَ مَذْهَبًا إذَا كَانُوا مَعَهُ إلاَّ بِاسْتِئْذَانِهِ فَأَوْلَى أَنْ يَكُونَ مِنْ لَوَازِمِهِ أَنْ لاَ يَذْهَبُوا إلَى قَوْلٍ وَلاَ مَذْهَبٍ عِلْمِيٍّ إلاَّ بَعْدَ اسْتِئْذَانِهِ، وَإِذْنُهُ يُعْرَفُ بِدَلاَلَةِ مَا جَاءَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ أُذِنَ فِيهِ» (٤). من هذا كله كان لاَ بُدَّ للصحابة من الرجوع إلى الرسول ﷺ ، يُفَسِّرُ لهم أحكام القرآن وَيُبَيِّنُ لهم مشكلاته، ويحكم بينهم في المنازعات ويحل بينهم الخصومات، وكان الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - يلتزمون حدود أمره ونهيه، وَيَتَّبِعُونَهُ في أعماله وعباداته ومعاملاته - إلا ما علموا منه أنه خاص به - فكانوا يأخذون منه أحكام الصلاة وأركانها وهيئاتها نزولاً عند أمره ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٥) ويأخذون عنه مناسك الحج وشعائره امتثالاً لأمره أيضاً «خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (٦) وقد يغضب إذا علم أن بعض صحابته لَمْ يَتَأَسَّ به فيما يفعله، كما روى مالك في " الموطأ " عَنْ

стр. 66

عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: أَنِ رَجُلا مِنَ الصََّحَابَةِ أَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ حُكْمِ تَقْبِيْلِ الصَّائِمِ لِزَوْجَتِهِ، فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُقَبِِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ»، فَرَجَعَتْ إِلَىَ زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ: " لَسْتُ مِثْلَ رَسُولِ اللهِ، يُحِلُّ اللهُ لِرَسُولِهِ مَا يَشَاءُ "، فَبَلَغَ قَولُهُ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَغَضِبَ وَقَالَ: «إِنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» (١) وكما غضب حين أمر الصحابة بالحلق والإحلال من الإحرام في صلح الحديبية فلم يفعلوا، إذ شق ذلك عليهم حتى بادر بنفسه فتحلل فابتدروا يقتدون به. وقد بلغ من اقتدائهم به أَنْ كانوا يفعلون ما يفعل ويتركون ما يترك، دُونَ أن يعلموا لذلك سبباً أو يسألوه عن عِلَّتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فقد أخرج " البخاري " عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قال: اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، ثُمَّ نَبَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا»، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. وروى القاضي عياض في كتابه " الشِّفَا " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَىَ القَوْمُ ذَلِكَ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَىَ صَلاَتَهُ قَالَ: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟» قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ، فَقَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي " الطَّبَقَاتِ "، أَنَّهُ ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ فِي مَسْجِدِهِ بِالمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ أَنْ يَتَوَجَّهَ إِلَى المَسْجِدِ الحَرَامِ فَاسْتَدَارَ إِلَيْهِ وَدَارَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ (٢). بل بلغ من امتثالهم أمر النَّبِيِّ ﷺ أن فعلوا ذلك حتى في شؤون الدنيا، فقد أخرج " أبو داود " وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله " عَنِ ابْنِ مَسْعُودِ ﵁: أَنَّهُ جَاءَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ يَخْطُبُ فَسَمِعَهُ

стр. 67

يَقُولُ: «اجْلِسُوا» فَجَلَسَ بِبَابِ المَسْجِدِ - أَيْ حَيْثُ سَمِعَ النَّبِِيَّ يَقُولُ ذَلِكَ -، فرآه النَّبِيُّ ﵊ فَقَالَ لَهُ: «تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ». وهكذا كان الصحابة مع الرسول ﵊ في حياته، يعتبرون قوله وفعله وتقريره حُكْمًا شَرْعِيًّا لا يختلف في ذلك واحد منهم، ولا يجيز أحدهم لنفسه أن يخالف أمر القرآن، وما كان الصحابة يراجعون رسول الله في أمر إلاَّ إذا كان فِعْلُهُ أَوْ قَوْلُهُ اجْتِهَادًا منه في أمر دنيوي، كما في غزوة بدر حين راجعه الحباب بن المنذر في مكان النزول، أو إذا كان اجْتِهَادًا منه في بحث ديني قبل تقرير اللهِ له أو نهيه عنه، كما راجعه عمر في أسرى بدر وصلح الحديبية، أو إذا كان غريباً عن عقولهم فيناقشونه لمعرفة الحكمة فقط، أو كانوا يظنون فعله خَاصًّاً به فلا يلزمون أنفسهم اتِّبَاعَهُُ، أو إذا أمرهم بأمر فظنوا أنه للإباحة وأن غير المأمور به أولى. أما ما عدا ذلك فكان منهم التسليم المطلق والاتباع التام والالتزام الكامل. وُجُوبُ طَاعَتِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ: وكما وجب على الصحابة بأمر الله في القرآن اتِّبَاعَ الرسول وطاعته في حياته، وجب عليهم وعلى من بعدهم من المُسْلِمِينَ اتِّبَاعَ سُنَّتِهِ بعد وفاته، لأن النصوص التي أوجبت طاعته عامة لم تقيد ذلك بزمن حياته، ولا بصحابته دُونَ غيرهم، ولأن العلة جامعة بينهم وبين من بعدهم، وهي أنهم أَتْبَاعٌ لرسول أمر اللهُ بِاتِّبَاعِهِ وَطَاعَتِهِ، ولأن العلة أيضاً جامعة بين حياته ووفاته، إذ كان قوله وَحُكْمُهُ وفعله ناشئاً عن مُشَرِّعٍ معصوم أمر الله بامتثال أمره، فلا يختلف الحال بين أن يكون حَيًّا أو بعد وفاته، وقد أرشد ﷺ إلى وجوب اتباع سُنَّتِهِ حيث يغيب المسلم عنه حين بعث معاذ بن جبل إلى اليمن. فقال له: «كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟» قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللهِ؟» قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ، قَالَ: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ؟» قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِيِ وَلاَ آلُو، فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَىَ صَدْرِهِ، وَقَالَ: «الحَمْدُ للهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ

стр. 68

رَسُولِ اللهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ» وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والدارمي، والبيهقي في " المدخل "، وابن سعد في " الطبقات "، وابن عبد البر في " جامع بيان العلم وفضله "». كما حَثَّ على وجوب العمل بِسُنَّتِهِ بعد وفاته في أحاديث كثيرة جِدًّا بلغت حد التواتر المعنوي، منها ما رواه الحاكم وابن عبد البر عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ ، قال: «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي» (١) وأخرجه أيضاً البيهقي عن أبي هريرة ﵁، وأخرج البخاري والحاكم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ أَبَى» قالوا يَا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» وأخرج أبو عبد الله الحاكم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال في خطبة الوداع: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ، وَلَكِنْ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تَحْقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَاحْذَرُوا، إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ». وأخرج ابن عبد البر عن عرباض بن سارية قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقيل: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّع فأوصنا، قال: «عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ» (٢). من أجل هذا عني الصحابة - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ - بتبليغ السُنَّةِ لأنها أمانة الرسول عندهم إلى الأجيال المتلاحقة من بعدهم، وقد رَغَّبَ

стр. 69

رسول الله ﷺ في تبليغ العلم عنه إلى من بعده بقوله: «رحم الله امرءاً سمع مقالتي فأداها كما سمعها، ورُبَّ مبلّغ أوعى من سامع» (١). كَيْفَ كَانَ الصَّحَابَةُ يَتَلَقَّوْنَ سُنَّةَ الرَّسُولِ ؟: كان رسول الله ﷺ يعيش بين أصحابه دُونَ أن يكون بينه وبينهم حجاب، فقد كان يخالطهم في المسجد والسوق والبيت والسفر والحضر، وكانت أفعاله وأقواله محل عناية منهم وتقدير، حيث كان ﷺ محور حياتهم الدينية والدنيوية، منذ أن هداهم الله به وأنقذهم من الضلالة والظلام إلى الهداية والنور، ولقد بلغ من حرصهم على تتبعهم لأقواله وأعماله أن كان بعضهم يتناوبون ملازمة مجلسه يَوْماً بعد يوم، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ يُحَدِّثُنَا عنه " البخاري " بسنده المتصل إليه، يقول: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ - وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ - وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ» وليس هذا إلا دليلاً على نظر الصحابة إلى رسول اللهِ نظرة اتِّبَاعٍ واسترشاد برأيه وعمله، لما ثبت عندهم من وجوب اتباعه والنزول عند أمره ونهيه، ولهذا كانت القبائل النائية عن المدينة ترسل إليه ﷺ بعض أفرادها ليتعلموا أحكام الإسلام من رسول الله ثم يرجعون إليهم معلمين ومرشدين. بل كان الصحابي يقطع المسافات الواسعة ليسأل رسول الله ﷺ عن حكم شرعي، ثم يرجع لا يلوي على شيء، أخرج البخاري في " صحيحه " عن عقبة بن الحارث أنه أخبرته امرأة بأنها أرضعته هو وزوجه فركب من فوره - وكان بمكة - قاصداً المدينة حتى بلغ رسول الله ﷺ ، فسأله عن حكم الله فيمن تزوج امرأة لا يعلم أنها أخته من الرضاع ثم أخبرته بذلك من أرضعتهما، فقال له النَّبِيُّ ﷺ : «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟» ففارق زوجته لوقته فَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ.

стр. 70

وكان من عادتهم أن يسألوا زوجات النَّبِيِّ ﷺ فيما يتعلق بشؤون الرجل مع زوجته لعلمهن بأحوال رسول الله العائلية الخاصة، كما قَدَّمْنَا من قصة الصحابي الذي أرسل امرأته تسأل عن تقبيل الصائم لزوجته فأخبرتها أم سلمة «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُقَبِِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ» (١). كما كانت النساء تذهب إلى زوجات النَّبِيِّ فأحياناً يسألن رسول الله ما يشأن السؤال عنه من أُمُورِهِنَّ، فإذا كان هنالك ما يمنع النَّبِيَّ من التصريح للمرأة بِالحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَمَرَ إحدى زوجاته أن تفهمها إياه، كما جاء أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ كَيْفَ تَتَطَهَّرُ مِنَ الحَيْضِ؟ فَقَالَ ﵊: «خُذِي فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَوَضَّئِي بِهَا» فَقَالَتْ: " يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ أَتَوَضَّأُ بِهَا؟ " فَأَعَادَ كَلاَمَهُ السَّابِقَ عَلَيْهَا فَلَمْ تَفْهَمْ، فَأَشَارَ إِلَى عَائِشَةَ أَنْ تُفْهِمَهَا مَا يُرِيدُ، فَأَفْهَمَتْهَا المُرَادَ، وَهُوَ أَنْ تَأْخُذَ قِطْعَةَ قُطْنٍ نَظِيفَةٍ فَتَمْسَحَ بِهَا أَثَرَ الدَّمِ» (٢). غير أن الصحابة لم يكونوا جميعاً على مبلغ واحد من العلم بأحوال رسول الله ﷺ وأقواله، فقد كان منهم الحضري والبدوي، ومنهم التاجر والصانع، والمنقطع للعبادة الذي لا يجد عملاً، ومنهم المقيم في المدينة، ومنهم المكثر من الغياب عنها، ولم يكن رسول الله ﷺ يجلس للتعليم مجلساً عَامًّا يجتمع إليه فيه الصحابة كلهم إلا أحياناً نادرة، وإلاَّ أيام الجمعة والعيدين وفي الوقت بعد الوقت. أخرج " البخاري " عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا»، ومن هنا يقول مَسْرُوقٌ: «جَالَسْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَوَجَدْتُهُمْ كَالإِخَاذِ (الغَدِيرُ)، فَالإِخَاذُ يَرْوِي الرَّجُلَ، وَالإِخَاذُ يَرْوِي الرَّجُلَيْنِ، وَالإِخَاذُ يَرْوِي الْعَشَرَةَ، وَالإِخَاذُ يَرْوِي المِائَةَ، وَالإِخَاذُ لَوْ نَزَلَ بِهِ أَهْلُ الأَرْضِ لأَصْدَرَهُمْ»، وطبيعي أن يكون أكثر الصحابة علماً

стр. 71

بِسُنَّةِ الرسول الذين كانوا أسبقهم إسلاماً كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود، أو أكثرهم ملازمة له وكتابة عنه كأبي هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم. لِمَاذَا لَمْ تُدَوَّنْ السُنّةُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ؟ وَهَلْ كُتِبَ عَنْهَا شَيْءٌ فِي حَيَاتِهِ ؟: لا يختلف اثنان من كُتَّابِ السيرة وعلماء السُنَّةِ وجماهير المُسْلِمِينَ في أن القرآن الكريم قد لقي من عناية الرسول ﷺ والصحابة ما جعله محفوظًا في الصدور ومكتوباً في الرقاع والسعف والحجارة وغيرها، حتى إذا توفي رسول الله كان القرآن محفوظاً مرتباً لا ينقصه إلا جمعه في مصحف واحد. أما السُنَّةُ فلم يكن شأنها كذلك، رغم أنها مصدر هام من مصادر التشريع في عهد الرسول، ولا يختلف أحد في أنها لم تُدَوَّنْ تَدْوِينًا رَسْمِيًّا كما دُوِّنَ القرآن، ولعل مرجع ذلك إلى أن الرسول ﷺ عاش بين الصحابة ثلاثاً وعشرين سَنَةً، فكان تدوين كلماته وأعماله ومعاملاته تدويناً محفوظاً في الصحف والرقاع من العُسْرِ بمكان، لما يحتاج إلى تفرغ أناس كثيرين من الصحابة لهذا العمل الشاق، ومن المعلوم أن الكاتبين كانوا من القلة في حياة الرسول بحيث يعدون بالأصابع، وما دام القرآن هو المصدر الأساسي الأول للتشريع، والمعجزة الخالدة لرسول الله ﷺ ، فليتوفر هؤلاء الكُتَّابِ على كتابته دُونَ غيره مِنَ السُنَّةِ، حتى يُؤَدُّوهُ لمن بعدهم مُحُرَّرًا مضبوطاً تاماً لم ينقص منه حرف واحد. وشيء آخر أن العرب لأميتهم كانوا يعتمدون على ذاكرتهم وحدها فيما يَوَدُّونَ حفظه واستظهاره، فالتوفر على حفظ القرآن مع نزوله مُنَجَّمًا على آيات وسور صغيرة، ميسور لهم وداعية إلى استذكاره والاحتفاظ به في صدورهم، فلو دُوِّنَتْ السُنَّةُ كما دُوِّنَ القرآن وهي واسعة كثيرة النواحي شاملة لأعمال الرسول التشريعية وأقواله منذ بدء رسالته إلى أن لحق بربه، للزم إنكبابهم على حفظ السُنَّةِ مع حفظ القرآن، وفيه من الحرج ما فيه، عدا

стр. 72

اختلاط بعض أقوال النَّبِيِّ الموجزة الحكيمة بالقرآن سَهْوًا من غير عمد، وذلك خطر على كتاب اللهِ يفتح باب الشك فيه لأعداء الإسلام، مِمَّا يتخذونه ثغرة ينفذون منها إلى المُسْلِمِينَ لحملهم على التَحَلُّلِ من أحكامه والتفلت من سلطانه، كل ذلك وغيره - مِمَّا توسع العلماء في بيانه - من أسرار عدم تدوين السُنَّةِ في عهد الرسول، وبهذا نفهم سِرَّ النهي عن كتابتها الوارد في " صحيح مسلم " عن أبي سعيد الخُدري عن رسول الله ﷺ : «لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ». وهذا لا يمنع أن يكون قد كتب في عصر الرسول شيء مِنَ السُنَّةِ لا على سبيل التدوين الرسمي كما كان يُدَوِّنُ القرآن، وهناك آثار صحيحة تدل على أنه وقع كتابة شيء مِنَ السُنَّةِ في العصر النبوي. فقد أخرج البخاري في " صحيحه " في كتاب العلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - شَكٌّ مِنَ البُخَارِيِّ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ» (١) فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: " اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ "، فَقَالَ ﵊: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ» (٢). كما ثبت أن رسول الله ﷺ كتب إلى ملوك عصره وأمراء جزيرة العرب كُتُباً يدعوهم فيها إلى الإسلام (٣) وكان ينفذ مع بعض أمراء سراياه كُتُباً ويأمرهم أن لا يقرؤها إلا بعد أن يجاوزوا موضِعاً مُعيَّناً.

стр. 73

كما ثَبَتَ أن بعض الصحابة كانت لهم صُحُفٌ يُدَوِّنُونَ فيها بعض ما سمعوه من رسول الله ﷺ كصحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي كان يسميها بـ " الصادقة "، فقد أخرج أحمد والبيهقي في " المدخل " عن أبي هريرة ﵁، قال: «مَا كَانَ أَحَد أَعْلَم بِحَدِيثِ رَسُول اللَّه ﷺ مِنِّي إِلاَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو، فَقَدْ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» وكتابة عبد الله بن عمرو استرعت أنظار بعض الصحابة الذين قالوا: إنك تكتب عن رسول الله كُلَّ مَا يَقُولُ، وَرَسُولُ اللهِ قَدْ يَغْضَبُ فَيَقُولُ مَا لاَ يُتَّخَذُ شَرْعًا عَامًّا، فرجع ابن عمرو إلى رسول الله ﷺ فقال له: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ [حَقٌّ]» (١). وثبت أنه كان عند علي ﵁ صحيفة فيها أحكام الدية على العاقلة وغيرها (٢)، كما ثبت أن النَّبِيَّ ﷺ كتب لبعض عُمَّالِهِ كُتُبًا حَدَّدَتْ فيها مقادير الزكاة في الإبل والغنم (٣). وقد اختلف العلماء في التوفيق بين أحاديث النهي عن الكتابة وبين هذه الآثار التي تدل على الإذن بها، فالأكثرون على أن النهي منسوخ بالإذن، ومن قائل بأن النهي خاص بمن لا يُؤمَنُ عليه الغلط والخلط بين القرآن وَالسُنَّةِ، أما الإذن فهو خاص بمن أُمِنَ عليه ذلك، وأعتقد أنه ليس هنالك تعارض حقيقي بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن، إذا فهمنا النهي على أنه نهي عن التدوين الرسمي كما كان يُدَوِّنُ القرآن، وأما الإذن فهو سماح بتدوين نصوص مِنَ السُنَّةِ لظروف وملابسات خاصة أو سماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السُنَّةَ لأنفسهم (٤) والتأمل في نص حديث النهي قد يؤيد هذا الفهم، إذ جاء عَامًّا مخاطبًا فيه الصحابة جميعا. لا يقال: إن

стр. 74

ذلك يقتضي أن يكون الحكم باقيا على الحرمة ما دام السماح لظروف خاصة ولأشخاص معينين، لأننا نقول: إن سماح الرسول لعبد الله بن عمرو بكتابة صحيفته واستمراره في الكتابة حتى وفاة الرسول، دليل على أن الكتابة مسموح بها في نظر الرسول إذا لم يكن تدويناً عَامًّا كالقرآن، ويؤكد الإذن بالكتابة، ما جاء في " البخاري " عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ» وَلَكِنَّ عُمَرَ حَالَ دُونَ ذَلِكَ بِحُجَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ قَدْ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وهذا مِمَّا يؤيد الرأي القائل بأن آخر الأمرين كان هو الإذن، لا كما ذهب إليه المرحوم رشيد رضا من أن الإذن وقع أَوَلاً ثم نُسِخ بالنهي (١). مَوْقِفُ الصَّحَابَةِ مِنَ الحَدِيثِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ: قدمنا لك (٢) ما رواه أبو داود والترمذي عن رسول الله ﷺ من رواية زَيْدٍ بْنَ ثَابِتٍ «نَضَّرَ اللَّهُ امْرُءًا سَمِعَ مَقَالَتِي فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا، فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ». وفي حديث آخر «أَلاَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الغَائِبَ» (٣)، وهكذا أوصى رسول الله ﷺ صحابته بتبليغ السُنَّةِ إلى من وراءهم مع التثبت فيما يَرْوُونَ «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّث بِكُلِّ مَا سَمِعَ» (٤) فلم يكن بُدٌّ من أن يصدع الصحابة بالأمر ويبلغوا أمانة الرسول إلى المُسْلِمِينَ، وخصوصاً وقد تفرقوا في الأمصار وأصبحوا محل عناية التَّابِعِينَ والرحلة إليهم، فكان التابعون يتتبعون أخبارهم ومواطنهم فيرحل إليهم من يرحل على بُعْد الشقة وعناء الأسفار. هذا كله كان عاملاً في انتشار الحديث وانتقاله إلى جمهور المُسْلِمِينَ. بَيْدَ أَنَّ الصحابة كانوا متفاوتين في التحديث عن رسول الله ﷺ ، قِلَّةً

стр. 75

وكثرة، فمن المُقِلِّينَ: الزبير، وزيد بن أرقم، وعمران بن حصين. رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ لأَبِيهِ: إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» (١). وَيَرْوِي ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ يُقَالُ لَهُ: حَدِّثْنَا، فَيَقُولُ: «كَبِرْنَا وَنَسِيَنَا، وَالحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ شَدِيدٌ». وَيَقُولُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدٍ: «صَحِبْتُ سَعْدَ بْنَ مَالِكٍ (٢) مِنَ المَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ فَمَا سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ- ﷺ حَدِيثًا وَاحِداً»، وكان أنس بن مالك يُتْبِعُ الحديث عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بقوله: «أَوْ كَمَا قَالَ» حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ فِي الكَذِبِ عَلَيْهِ. فما صنعه الزبير وزيد بن أرقم وأمثالهما من المُقِلِّينَ، إنما كان خَوْفًا من الوقوع في خطأ لم يقصدوه، ويظهر أن ذاكرتهم لم تكن من شأنها أن تسعفهم بإيراد الحديث على لفظه أو وجهه الذي سمعوه من النَّبِيِّ ﷺ ، فكان من الاحتياط في دين الله عندهم أن لا يكونوا من المُكْثِرِينَ. ولقد أضيف إلى هذا رغبة عمر ﵁ ألاَّ يكثروا من التحديث عن الرسول ﵊ كي لا ينشغل الناس بالحديث عن القرآن، والقرآن غَضٌّ طَرِيٌّ. فما أحوج المُسْلِمِينَ إلى حفظه وتناقله، والتثبت فيه، والوقوف على دراسته!! رَوَىَ الشَّعْبِيُّ عَنْ قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: «خَرَجْنَا نُرِيدُ العِرَاقَ فَمَشَى مَعَنَا عُمَرُ إِلَى «صِرَارٍ» فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: " أَتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟ " قَالُوْا: " نَعَمْ نَحْنُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَشَيْتَ مَعَنَا "، فَقَالَ: " إِنَّكُمْ تَأْتُونَ أَهْلَ قَرْيَةٍ لَهُمْ دَوِيٌّ بِالقُرْآنِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَلاَ تَصُدُّوهُمْ بِالحَدِيثِ فَتَشْغَلُوهُمْ، جَوِّدُوا القُرْآنَ وَأَقِلُّوا الرِّوَايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَامْضُوا وَأَنَا شَرِيكُكُمْ "، فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ قَالُوا: " حَدِّثْنَا "، قَالَ: " نَهَانَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ "» (٣).
следующие страницы →