← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 37649

جامع البيان في القراءات السبع

أبو عمرو الداني

Полный текст (1 867 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[جامع البيان في القراءات السبع]ـ المؤلف: عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤هـ) الناشر: جامعة الشارقة - الإمارات (أصل الكتاب رسائل ماجستير من جامعة أم القرى وتم التنسيق بين الرسائل وطباعتها بجامعة الشارقة) الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م عدد الأجزاء: ٤ (في ترقيم مسلسل واحد) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

الجزء الأول [مقدمات التحقيق] تقديم [من إسماعيل محمد البشري] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد، فإن مثل هذا الإنتاج المتميز ثمره من ثمار نشاط البحوث المشتركة والتكاملية والتي تمثلت في المجموعات البحثية المتخصصة أو المتعددة التخصصات فمنذ انطلاق فكرة المجموعات البحثية في جامعة الشارقة والبحث العلمي في الجامعة ينحى منحى المشاريع التكاملية لتعميق الفائدة من قدرات البحث العلمي في خدمة المجتمع، وإن مجموعة بحوث الكتاب والسنة من المجموعات البحثية المميزة التي لها نشاط بحثي ملحوظ تمثل في إصدار عدد من الكتب المؤلفة والمحققة والموسوعات التي تصدر لأول مرة، وقد أتحفتنا مجموعة بحوث الكتاب والسنة في ملتقى البحث العلمي الثاني والذي عقد في رحاب جامعة الشارقة في الفترة ٢ - ٣/ ٥/ ٢٠٠٦ م بأن دققت وأصدرت أضخم موسوعة في علوم القرآن الكريم وهو كتاب" الزيادة والإحسان في علوم القرآن" والذي طبع لأول مرة في عشرة مجلدات. وها هي تقدم إصدارا متميزا آخر وهو كتاب نفيس في علم القراءات لعالم من علماء القراءات المشهورين في القرن الخامس الهجري وهذا الإصدار هو جامع البيان في علم القراءات لأبي عمرو الداني المتوفى سنة (٤٤٤ هـ) رحمه الله تعالى. وإن مثل هذه الجهود المباركة لتبين بشكل عملي الفائدة المرجوة من فكرة إنشاء المجموعات البحثية والتي يمكنها أن تنجز بشكل تكاملي ما يعجز أن يقوم به باحث بمفرده. ومثل هذه الدرة النفيسة من كتب القراءات التي لا يزال كثير منها حبيس الأدراج، لتظهر لنا جليا كم قام علماؤنا المتقدمون بخدمة هذا الدين والتعريف به، فحري بالباحثين أن يستخرجوا هذه الكنوز وأن يعرفوا بهذه الجهود الكبيرة. وإنني إذ أشكر مجموعة بحوث الكتاب والسنة على جهودها المباركة أرجو أن يكون مثل هذا الإنتاج العلمي حلقة أخرى في سلسلة الجهود العلمية التي تخدم العلم وطلابه وتشجع البحث العلمي الرصين المبني على أسس وأهداف محددة. وختاما لا يفوتني أن أشير إلى أن هذه الإصدارات والجهود المبذولة ترجمة عملية لرؤية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة الرئيس الأعلى للجامعة في أن تكون جامعة الشارقة مرآة صادقة لحضارة الأمة تجمع بين عبق الأصالة وروح المعاصرة، والله ولي التوفيق. أ. د. إسماعيل محمد البشري مدير جامعة الشارقة

стр. 3

جامع البيان ومجموعة بحوث الكتاب والسنة [من مصطفى مسلم] الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فقد أنزل الله ﷻ القرآن بلسان عربي مبين، وجعله شفاء ورحمة للمؤمنين، ونورا وضياء وهدى للعالمين، وتكفّل بحفظه من التحريف والتبديل والزيادة والنقص على يد المضلين، ويسر حفظه وتلاوته على الصغير والكبير والمرأة والرجل والعرب والعجم وأهل الحضر والبادية فقال عزّ من قائل: ولقد يسّرنا القرآن للذّكر فهل من مدّكر [القمر: ١٧]. ولقد هيأ لخدمة كتابه من كل جيل رجالا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وتلاوة كتابه، وجعلهم أهله وخاصته، فتناقلوا قراءاته من الصدور إلى الصدور وحرصوا على تلقيه بنصه ولفظه كما تلقاه أمين الأرض عن أمين السماء وأدّوه إلى طلابهم كما أدّاه رسول الله ﷺ إلى أصحابه ﵃. واتصل سند المتأخرين بأسانيد المتقدمين وسيبقى هذا السند ممتدا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بإذن الله تعالى. ولما كان في مسيرة هذا الركب المبارك حداة وهداة وأعلام وقمم تتفجر منهم ينابيع العلم والحكمة يرد إليهم الظامئون للنهل من معينهم السلسبيل، ويصدرون إلى الآفاق لنشر القرآن وعلومه، والدعوة إلى هداياته والعيش في ظلاله لينالوا شرف شهادة رسول الله ﷺ : «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، وكان من هؤلاء الأعلام عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر أبو عمرو الداني المتوفى سنة ٤٤٤ هـ الذي شهد له القاضي والداني بتفوقه في مجال قراءات القرآن، قال عنه ابن الجزري: «الإمام العلامة الحافظ أستاذ الأساتيذ وشيخ مشايخ المقرئين .. » وقال عنه ابن بشكوال: «كان أحد الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه وجمع في ذلك تواليف حسانا يطول تعدادها ... »، وقال عنه الحافظ عبد الله بن محمد بن خليل: «لم يكن في عصره ولا بعد عصره بمدد أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه»، وكان يقول أي الداني عن نفسه: «ما رأيت شيئا إلا كتبته ولا كتبته إلا حفظته ولا حفظته فنسيته». ومن نظر في كتبه علم مقدار الرجل وما وهبه الله تعالى فيه فسبحان الفتاح العليم ولا سيما كتاب (جامع البيان) فيما رواه في القراءات السبع، وله كتاب التيسير المشهور «١» ثم سرد جملة من كتبه في القراءات وغيرها. ولقد طبع الكتاب غير مخدوم خدمة تليق بمكانة الكتاب العلمية، ثم حقق تحقيقا علميا في رسائل علمية بجامعة أم القرى- مكة المكرمة- من قبل د. عبد المهيمن عبد السلام الطحان وطلحة محمد توفيق، وسامي عمر إبراهيم، وخالد علي الغامدي. فلما وقفت مجموعة بحوث الكتاب والسنة على هذا التحقيق العلمي الدقيق اتصلت بالمحققين وأخذت منهم الموافقة على طباعته ونشره. ولما كانت الرسائل العلمية لها منهج خاص في ترجمة المؤلف وبيان منهجه في الكتاب وإجراء الموازنات بين الكتاب المحقق وكتب أخرى في مجال التخصص فقد أسندت المجموعة إلى الدكتور عمار الددو وهو مختص بالقراءات وطلبت منه التنسيق بين قسم الدراسة للدارسين الأربعة، كما أسندت إلى أساتذة التفسير وعلوم القرآن في قسم أصول الدين بكلية الشريعة جامعة الشارقة لتدقيق الرسائل ومراجعة تجارب الطباعة وهم: ١ - أ. د. أحمد عباس البدوي ٢ - د. محمد عصام القضاة ٣ - د. عبد الله الخطيب ٤ - د. عفاف عبد الغفور حميد وقد تم تحكيم الكتاب من قبل كلية الدراسات العليا والبحث العلمي ثم دفع به إلى المطبعة وها هو يخرج الآن بهذه الحلة القشيبة، وقد نال العناية والاهتمام ما يليق بجلالة قدر الإمام أبي عمرو الداني ومكانة كتابه جامع البيان في القراءات السبع، وهو الإصدار الثاني لمجموعة بحوث الكتاب والسنة ونسأل الله أن يأخذ بأيدينا بإصدارات أخرى وهي تحت المراجعة والتدقيق. والمجموعة إذ تخرج في إصدارها الثاني تقدم الشكر إلى كل من عميد كلية الشريعة الأستاذ الدكتور عبد الناصر أبو البصل الذي هيأ البيئة الصالحة لأساتذة قسم أصول الدين للبذل والعطاء، وعميد كلية الدراسات العليا والبحث العلمي الأستاذ الدكتور عدنان العتوم لتذليله العقبات الإدارية أمام المجموعة للمضي قدما في مشاريعها العلمية من خلال قسم النشر برئاسة الشاب الدكتور عواد الخلف. وترفع التقدير والامتنان لسعادة مدير جامعة الشارقة الأستاذ الدكتور إسماعيل محمد البشري الذي جعل دأبه متابعة البحوث والمشاريع التي ترفع من شأن الجامعة في ميادين البحث العلمي. وعلى رأس الجميع لتوجيهاته الرشيدة وأوامره السديدة سمو الشيخ الدكتور سلطان محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة الرئيس الأعلى للجامعة الذي وفّر الدعم المعنوي والمادي للمجموعات البحثية عامة ومجموعة بحوث الكتاب والسنة خاصة للمضي قدما في مشاريعها العلمية. وأسأل الله أن يجعل هذه الجهود الكريمة في صحائف أعمالهم وأن يثقل بها موازين حسناتهم إنه سميع مجيب. منسق مجموعة الكتاب والسنة أ. د. مصطفى مسلم

стр. 4

المقدمة [من المحقق] الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، ﷺ . أما بعد: فإن علم القراءات واحد من علوم الإسلام المتعددة، التي شغف بها سلفنا الصالح، وأفنوا أعمارهم فيها: شطرا في الطلب والتحصيل، وشطرا في التدريس والإملاء والكتابة والتصنيف، نشرا للعلم وقياما بحقه، وأداء لأمانة يرجون فيها ثواب الدار الآخرة، فأورثونا، ونعم الإرث، تراثا عظيما غنيا وأصيلا في شتى ميادين المعرفة. على حين خلف من بعدهم خلف قعدوا عن التأسي بأجدادهم، وفرطوا بتركة آبائهم، فناموا طويلا في سبات عميق، وما انتبهوا إلا بعد ما انتهبوا، فتراكضوا يجمعون ميراثهم، وينشرون كتب آبائهم، بعد أن تشتتت في مشارق الأرض ومغاربها. غير أن مخطوطات علم القراءات لم تنل حقها من عناية الباحثين المسلمين المعاصرين، حيث إن هذه النفائس، ما عدا النزر اليسير، ما زالت حبيسة الخزائن في شتى مكتبات العالم، بل إن بعض أفاضل العلماء يجادل في فائدة نشر هذه المصنفات، وفي جدوى فائدة علم القراءات في هذا الزمان، على أن المستشرقين فطنوا إلى أهمية هذا العلم فبادروا إلى نشر تراثه وكتابة البحوث في مسائله وموضوعاته، وهدف كثير منهم النيل من كتاب الإسلام، والكيد لأتباعه. فما أحرانا أن نشمّر عن سواعد الجدّ للعمل في ميدان هذا العلم الجليل، ندرأ الخطر، ونكشف الشبهات، وطوبى لمن جعله الله سببا لحفظ كتابه الكريم من التغيير والتبديل.

стр. 5

وكان حقّ علم القراءات أن نعنى به أشدّ عناية، كما عني به سلفنا الصالح، لأنه من أوثق العلوم صلة بكتاب الله تعالى. وشرف العلم من شرف موضوعه، وأنه به يعرف تاريخ هذا القرآن الكريم، وتواتر نقله جيلا بعد جيل، وبه يعرف الصحيح من الشاذ، وما تصح به الصلاة وما لا تصح من القراءة. هذا وقد وردت الأحاديث الشريفة تحث على الاشتغال بالقرآن وترغّب في قراءته وإقرائه، وتعلّمه وتعليمه، منها ما أخرجه الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم عن أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: «إن لله أهلين من الناس، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته» «١». ومنها ما أخرجه الطبراني عن ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ ، قال: «خيركم من قرأ القرآن وأقرأه» «٢». ومنها ما أخرجه البخاري، واللفظ له، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان، ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه». قال وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج، قال: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا «٣». ثم إن علم القراءات سند لكثير من استنباطات الفقهاء وحجة العديد من فروع الفقه وقضاياه، حيث إنه باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام، ولهذا بنى الفقهاء نقض وضوء الملموس وعدمه على اختلاف القراءات في لامستم ولامستم «٤» [النساء: ٤٣] وكذلك جواز وطء الحائض عند الانقطاع وعدمه إلى الغسل على اختلافهم في حتّى يطهرن «٥» [البقرة: ٢٢٢].

стр. 6

وعلم القراءات بعد ذلك من العلوم التي يحتاج المفسر إلى إتقانها والأخذ بحظ وافر منها قبل أن يقدم على تفسير كتاب الله تعالى، حيث إنه يتعرّف بالقراءات على (اختلاف الألفاظ بزيادة أو نقص، أو تغير حركة، أو إتيان لفظ بدل لفظ، وذلك بتواتر وآحاد) «١». كما أنه بالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض «٢». وأخيرا فبين علم القراءات واللغة العربية صلة وثقى، ووشيجة كبرى، حيث (تعتبر روايات القراءات القرآنية، مشهورها وشاذها هي أوثق الشواهد على ما كانت عليه ظواهرها الصوتية والصرفية، والنحوية واللغوية بعامة في مختلف الألسنة واللهجات، وإن من الممكن القول: بأن القراءات الشاذة هي أغنى مأثورات التراث، بالمادة اللغوية التي تصلح أساسا للدراسات الحديثة التي يلمح فيها المرء صورة تاريخ هذه اللغة الخالدة) «٣». وقد قدّمت القراءات للغة العربية خدمة كبرى حيث" إن البحث في مخارج الحروف والاهتمام بضبطها على وجوهها الصحيحة، كان من أبلغ العوامل في عناية الأمة بدقائق اللغة العربية الفصحى وأسرارها، وكانت ثمرة هذا الاهتمام والجهد أن القراء تشرّبوا مزايا اللغة العربية وقواعدها ودقائقها، ومما يؤيد ذلك أن الكثيرين من قدماء النحويين كالفراء كانوا مبرّزين في علم القراءات، كما كان الكثيرون من أئمة القراء كأبي عمرو والكسائي بارعين في علم النحو" «٤». وختاما فبسبب من شرف هذا العلم وفضله وأهميته وخطورته وعزوف الباحثين عنه في هذا الزمان، بادرنا إلى تحقيق هذا الكتاب النفيس، لما له من قيمة علمية كبيرة، ولما لمؤلفه من مكانة علمية بين جهابذة هذا الفن، وهو أمر سنبينه فيما بعد إن شاء الله. اللهم اجعل عملنا هذا خالصا لوجهك، واجعلنا من أهلك وخاصتك، إنّك أكرم مسئول، وأفضل مأمول، وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 7

الباب الأول دراسة المؤلف الفصل الأول: المؤلف وسيرته ٦ الفصل الثاني: ثقافته ومجال إبداعه وأقوال العلماء فيه ١٤ الفصل الثالث: شيوخه وتلاميذه ومؤلفاته ٢٧ الفصل الأول المؤلف وسيرته العلمية المبحث الأول مصادر ترجمته مرتبة ترتيبا زمنيا: ١ - جذوة المقتبس للحميدي، ت ٤٨٨ هـ، ص ٣٠٥. ٢ - فهرسة ابن خير الإشبيلي، ت ٥٧٧ هـ، ١/ ٤٣. ٣ - الصلة لابن بشكوال، ت ٥٧٨ هـ، ٢/ ٣٨٥. ٤ - بغية الملتمس لابن عمير الضبي، ت ٥٩٩ هـ، ٤١١. ٥ - معجم الأدباء لياقوت «١»، ت ٦٢٦ هـ، ١٢/ ١٢١ - ١٢٨. ٦ - إنباه الرواة للقفطي، ت ٦٥٦ هـ، ٢/ ٣٤١. ٧ - طبقات علماء الحديث، لابن عبد الهادي، ت ٧٤٤ هـ، ٣/ ٣١٤. ٨ - تذكرة الحفاظ للذهبي، ت ٧٤٨ هـ، ٣/ ١١٢٠. ٩ - معرفة القراء الكبار للذهبي ١/ ٤٠٦، تحقيق بشار عواد. ١٠ - سير أعلام النبلاء للذهبي ١٨/ ٧٧ ١١ - تاريخ الإسلام للذهبي ج ١٣ ل ٢٠٥/ ظ. ١٢ - العبر للذهبي ٣/ ٢٠٧. ١٣ - مفتاح السعادة ومصباح السيادة، لابن قيم الجوزية، ت ٧٥١ هـ، ٢/ ٤١. ١٤ - الديباج المذهب لابن فرحون، ت ٧٩٩ هـ، ٢/ ٨٤. ١٥ - كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر لابن خلدون، ت ٨٠٨ هـ، ص ٤٣٧ - ٤٣٨.

стр. 8

١٦ - غاية النهاية لابن الجزري، ت ٨٣٣ هـ، ١/ ٥٠٣. ١٧ - النجوم الزاهرة، لابن تغري بردي، ت ٨٧٤ هـ، ٥/ ٥٤. ١٨ - طبقات المفسرين للداودي، ت ٩٤٥ هـ، ١/ ٣٧٣. ١٩ - نفح الطيب للمقري، ت ١٠٤١ هـ، ٢/ ١٣٥. ٢٠ - شذرات الذهب لابن العماد، ت ١٠٨٩ هـ، ٣/ ٢٧٢. ٢١ - الرسالة المستطرفة، لمحمد بن جعفر الكتاني، ت ١٣٤٥ هـ، ص ١٣٩. ٢٢ - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، لمحمد مخلوف، ت ١٣٦٠ هـ، ص ١١. ٢٣ - معجم المؤلفين لكحالة، ت ١٩٨٧ م، ٦/ ٢٥٤. ٢٤ - الأعلام للزركلي، ت ١٩٧٦ م، ٤/ ٢٠٦. ٢٥ - تاريخ الأدب العربي لبروكلمان. الأصل ١/ ٥١٧، والذيل ١/ ٧١٩ بالألمانية.

стр. 9

المبحث الثاني اسمه وسيرته: هو أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر، الأموي، مولاهم، القرطبي ثم الداني، المعروف في زمانه بابن الصيرفي. وانفرد بروكلمان فذكر في نسبته (المنيري)، ولم نقف عليها عند غيره في مصادر ترجمته. أما سيرته فلعل أبلغ وأصدق ما تكون الترجمة، حينما تكون من صاحبها، فهو أعرف الناس بنسبه وبمراحل حياته وأدوارها، فعن أبي داود سليمان بن نجاح «١»، تلميذ الداني قال:" كتبت من خط أستاذي أبي عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان، المقرئ، بعد سؤالي عن مولده: يقول عثمان بن سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي، القرطبي، الصيرفي: أخبرني أبي أني ولدت في سنة اثنتين وسبعين وثلاث مائة، وابتدأت في طلب العلم سنة ست وثمانين، وتوفي أبي في سنة ثلاث وتسعين في جمادى الأولى. فرحلت إلى المشرق في اليوم الثاني من المحرم، يوم الأحد، في سنة سبع وتسعين، ومكثت بالقيروان أربعة أشهر، ولقيت جماعة، وكتبت عنهم. ثم توجهت إلى مصر، ودخلتها اليوم الثاني من الفطر، من العام المؤرخ، ومكثت بها باقي العام، والعام الثاني، وهو عام ثمانية، إلى حين خروج الناس إلى مكة، وقرأت بها القرآن، وكتبت الحديث، والفقه، والقراءات وغير ذلك عن جماعة من المصريين، والبغداديين، والشاميين وغيرهم. ثم توجهت إلى مكة، وحججت، وكتبت بها عن أبي العباس أحمد البخاري، وعن أبي الحسن بن فراس، ثم انصرفت إلى مصر، ومكثت بها شهرا، ثم انصرفت إلى المغرب، ومكثت بالقيروان أشهرا. ووصلت إلى الأندلس أول الفتنة، بعد قيام البرابرة على ابن عبد الجبار بستة أيام، في ذي القعدة سنة تسع «٢» وتسعين، ومكثت بقرطبة إلى سنة ثلاث وأربع مائة،

стр. 10

وخرجت منها إلى الثغر «١»، فسكنت سرقسطة «٢» سبعة أعوام، ثم خرجت منها إلى الوطة «٣»، ودخلت دانية «٤» سنة تسع وأربع مائة، ومضيت منها إلى ميورقة «٥» في تلك السنة نفسها، فسكنتها ثمانية أعوام، ثم انصرفت إلى دانية سنة سبع عشرة وأربع مائة «٦». لا ريب أن الداني لم يستوف في هذه العجالة أسماء كل المناطق والبلاد التي رحل إليها، وإنما اكتفى بذكر أهمها وأبرزها، حيث إن المصادر تحدثنا عن رحلته إلى إستجة «٧» وبجّانة «٨» وغيرهما من بلاد الثغر، حيث سمع من شيوخها كثيرا «٩». كما أنه دخل أبّدة «١٠»، وقرأ، وسمع فيها «١١»، ودخل المريّة «١٢»، وأقرأ فيها

стр. 11

مدّة «١». ورحلات الداني هذه بعضها كان قبل ارتحاله إلى المشرق، وبعضها بعد عودته إلى الأندلس، كما أن بعضها كان طلبا للسّماع من الشيوخ، وبعضها كان طلبا للأمن والاستقرار «٢»، بعد أن عاثت الفتن في أرجاء قرطبة فسادا كبيرا. واستقر به المقام في دانية، لأن ملكها يومئذ مجاهد بن يوسف بن علي، من فحول موالي العامريين، خرج من قرطبة يوم قتل المهدي سنة أربع مائة، واستولى على دانية، فحكمها من سنة (٤٠٥ - ٤٣٦) «٣» ثم ابنه علي إقبال الدولة من سنة (٤٣٦ - ٤٦٨) «٤» وكان مجاهد" معتنيا بفن القراءات من بين فنون القرآن؛ لما أخذه به مولاه المنصور بن أبي عامر، واجتهد في تعليمه وعرضه على من كان من أئمة القراء بحضرته، فكان سهمه في ذلك وافرا" «٥». " وكان أبو الحبيش مجاهد يستجلب القراء، ويفضل عليهم، وينفق عليهم الأموال، فكانوا يقصدونه، ويقيمون عنده، فكثروا في بلاده" «٦». وكان لأبي عمرو الداني صلة بالأمير مجاهد، الذي كان مشغوفا بالعلوم التي حصلها أبو عمرو «٧»، فاستمرت إقامة أبي عمرو في دانية حتى نهاية عمره، ﵀. ولم يحدثنا الداني في تلك العجالة عن أسرته، كما أن المصادر قد ضنت علينا، فلم تحدثنا عنها كذلك، وكل الذي نعرفه أن والده كان صيرفيا، وهذا يعني أنه كان ثريا، وإن كان الثراء غالبا في أهل قرطبة «٨»، وقد ترجم ابن بشكوال لوالده فقال: " سعيد بن عثمان بن سعيد بن عمر الأموي، من أهل قرطبة، يكنى أبا عثمان، وهو

стр. 12

والد الحافظ أبي عمرو المقرئ، حدّث عنه ابنه أبو عمرو بحكايات عن شيوخه" «١». هذا النص يدل على أن المؤلف كان أكبر أولاد أبيه، وأن والده كان له صلة بالعلم وأهله، وأغلب الظن أن هذه الصلة لم تكن واسعة ولا متينة، والله أعلم. أما أولاده فلا نعرف منهم غير أبي العباس أحمد «٢»، الذي قرأ على أبيه، وتصدّر للإقراء بدانية، وتوفي سنة إحدى وسبعين وأربع مائة.

стр. 13

المبحث الثالث عقيدته أبو عمرو الداني الإمام في علوم الكتاب والسنّة كان في عقيدته ملتزما لنصوص الكتاب والسنة، بعيدا عن زيغ أهل الأهواء، وضلالات المبتدعة، يثبت لله تعالى صفات الكمال، دون تشبيه ولا تعطيل، فيقول في أرجوزته في أصول السنة «١»: تدري أخي أين طريق الجنة ... طريقها القرآن ثم السنة ويقول فيها مؤكدا ضرورة قبول خبر الواحد إذا كان رواته من الأئمة: ومن عقود السنة الإيمان ... بكل ما جاء به القرآن وبالحديث المسند المروي ... عن الأئمة عن النبي ويقول في إثبات الصفات لله تعالى دون تشبيه ولا تعطيل: كلم موسى عبده تكليما ... ولم يزل مدبرا حكيما كلامه وقوله قديم ... وهو فوق عرشه العظيم ويقول أيضا: ومن صحيح ما أتى به الخبر ... وشاع في الناس قديما وانتشر نزول ربنا بلا امتراء ... في كل ليلة إلى السماء من غير ما حد ولا تكييف ... سبحانه من قادر لطيف ويقول في التحذير من أهل الأهواء: أهون بقول جهم الخسيس ... وواصل وبشر المريسي ذي السخف والجهل وذي العناد ... معمر وابن أبي داود وابن عبيد شيخ الاعتزال ... وشارع البدعة والضلال

стр. 14

والجاحظ القادح في الإسلام ... وجبت هذي الأمة النظام والفاسق المعروف بالجبّائي ... ونجله السفيه ذو الخناء واللاحقيّ وأبي هذيل ... مؤيدي الكفر بكل ويل وذي العمى ضرار المرتاب ... وشبههم من أهل الارتياب ويمضي في أرجوزته يدعو لحب أصحاب النبي ﷺ ، ومدحهم وأن أفضلهم الصديق ثم الفاروق، ويذكّر بما صح من الأخبار من رؤية الله تعالى يوم القيامة، وضغطة القبر، ومنكر ونكير «١»، إلى آخر أبحاث العقدية. ويبدو أن هذه الأرجوزة كانت مشهورة إلى أيام الذهبي، حيث يصفها بقوله: الأرجوزة السائرة «٢»، والله أعلم.

стр. 15

الفصل الثاني ثقافته ومجال إبداعه، وأقوال العلماء فيه المبحث الأول ثقافته: تأثر إبداع الداني في علومه ببيئته، فاهتم بما تهتم به من العلوم، وأبدع في بعض ما تؤثره منها، اهتم بعلوم القرآن، وعلوم الحديث، واللغة، والفقه المالكي، ووقف عليها حياته، مع إبداع كبير في القراءات وعلومها، وتبحّر في النحو ومذاهبه، وسعة رواية في الحديث مع تمام ضبط، والأخذ من الفقه بحظ وافر، وهذا تفصيل في جوانب إبداعه في كل فن. أولا: القراءات عاصر الداني من أهل قرطبة مجموعة من القراء، كان على رأسهم: أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن سعيد القرطبي، مسند أهل الأندلس في زمانه (ت ٤٤٦) «١»، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله الصناع القرطبي (ت ٤٤٨) «٢»، ومكي بن أبي طالب الإمام الكبير (ت ٤٣٧). رحل إلى قرطبة، وجلس في جامعها للإقراء «٣»، غير أن الداني كان نسيج وحده في علوم القراءات، فقد اجتهد في طلب القراءات، وجدّ في عرض الروايات على الشيوخ، ورواية الحروف عنهم في قرطبة، وإستجة، وبجّانة، وسرقسطة، وغيرها من بلاد الأندلس «٤»، ورحل إلى مصر فعرض وروى عن كبار قرائها في ذلك الزمن، الشيء الكثير، حتى غدا أعجوبة العصر في سعة الرواية وكثرتها. ويحدثنا الداني عن طريقته في الطلب والتحصيل، فيقول:" ما رأيت شيئا قط إلا

стр. 16

كتبته، ولا كتبته إلا وحفظته، ولا حفظته فنسيته" «١»، وهذا القول ليس فيه خيال، ولا تكثر بما لم يعطه، فكتب الرجل وآثاره ناطقة بواقعية ما قال وصدقه، وهذا ابن الجزري الإمام الثبت، يقول معقبا على قول الداني السابق:" ومن نظر كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتاح العليم، ولا سيما كتاب جامع البيان فيما رواه في القراءات السبع" «٢». وابن الجزري من أوثق الناس صلة بكتب الداني، ومعرفة بقيمتها. ولو أتينا إلى كتاب جامع البيان، لوجدنا الداني يروي لنا القراءات السبع من أربعين رواية، ومائة وستين طريقا، حتى إذا أخذت تحصي أسانيده بالتفصيل وجدتها تزيد على الأربع مائة طريق، كل ذلك عن الأئمة السبعة فقط. ولم يكن ذلك على كثرته ووفرته هو كل ما روى في القراءات، بل إن عنده في السبع وراء ذلك روايات وطرقا، لم يدخلها في جامع البيان. يقول الداني في جامع البيان، بعد أن فصّل أسانيده فيه:" فهذه الأسانيد التي أدت إلينا القراءة عن أئمة القراءة السبعة بالأمصار، من الروايات والطرق المذكورة في صدر الكتاب، قد ذكرناها على حسب ما انتهت إلينا رواية وتلاوة، وتركنا كثيرا منها؛ اكتفاء بما ذكرناه عما سواه، مع رغبتنا في الاختصار، وترك الإطالة والإكثار" «٣». ولو عدنا إلى كتابه (الإشارة بلطيف العبارة، في القراءات المأثورات، بالروايات المشهورات) لوجدناه يضم فيه إلى السبع قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع المدني (ت ١٣٢)، وقراءة أبي محمد يعقوب بن إسحاق البصري (ت ٢٠٥)، وأبي محمد خلف بن هشام البزار الكوفي (ت ٢٢٩) وحتى في القراءات السبع، يذكر فيه روايات لم يدخلها في جامع البيان، مثل رواية العباس بن الفضل الأنصاري قاضي الموصل (ت ١٨٦)، وأبي عبد الله محمد بن عمر بن عبد الله بن رومي البصري عن أبي عمرو بن العلاء، وغيرهما عن غير أبي عمرو من السبعة. وهكذا نرى أن أبا عمرو الداني قد جمع الكثير والكثير من الروايات في علم القراءة عن السبعة وغيرهم، بحيث يتبدى لك قول ابن الجزري عن جامع البيان

стр. 17

" قيل: إنه جمع فيه كل ما يعلمه في هذا العلم" «١» وهذا القول غير مسلّم به، وإن كان جامع البيان قد حوى ما يعجب ويدهش، فالرجل قد أوتي حظا وافرا، ونصيبا كبيرا من العلم، جعله يتبوأ في علوم القراءات مرتبة" الأستاذين، وشيخ مشايخ المقرئين" «٢» عن جدارة واستحقاق. وكان وراء إبداع الداني في القراءات عدة عوامل منها: ١ - سعة الرواية وكثرتها: بالأسانيد المتصلة في روايات القراءات ووجوهها، وفي تاريخ رواتها، وطبقاتهم، فتراه في جامع البيان، يوثّق كل معلومة بالإسناد المتصل إلى قائلها. يقول: حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا أحمد بن زهير، قال: سمعت أبي يقول: عاصم بن أبي النّجود هو عاصم بن بهدلة «٣». وتوثيقا لعاصم يقول: أخبرنا سلمون بن داود، قال: حدثنا أبو علي بن الصوّاف، قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن عاصم بن بهدلة فقال: رجل صالح خيّر ثقة «٤». ويمضي هكذا، حتى يورد لك سبعة عشر إسنادا، يوثق بها ترجمته لعاصم بن أبي النجود. هذا، وللداني معرفة واسعة بتاريخ رواة القراءات، ودرجاتهم، وطبقاتهم، حتى أن له مصنفا في طبقات القراء في ثلاثة أسفار، ذكر فيه أحوال كل من قصد للإقراء من عند رسول الله ﷺ ، إلى سنة خمس وثلاثين وأربع مائة «٥». ٢ - الضبط التام: بحيث يؤدي مسموعات ومروياته كما سمعها، وهذا الضبط هو الذي يعلي قدر العالم، ويرفع منزلته، وقد شهد النقّاد لأبي عمرو أنه قد بلغ في ذلك شأوا بعيدا.

стр. 18

يقول ابن بشكوال:" كان حسن الخط جيد الضبط، من أهل الحفظ والعلم والذكاء والفهم" «١». ويقول أبو محمد بن عبد الله الحجري في فهرسه:" والحافظ أبو عمرو الداني، ذكر بعض الشيوخ أنه لم يكن في عصره، ولا بعد عصره أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه" «٢». ويقول الحافظ الذهبي:" وما زال القراء معترفين ببراعة أبي عمرو الداني، وتحقيقه، وإتقانه، وعليه عمدتهم فيما ينقله من الرسم، والتجويد، والوجوه" «٣». ٣ - الدقة العلمية: رزق أبو عمرو الداني دقة ملاحظة، وتيقظا وانتباها بحيث لا تفوته الأخطاء، ولا تجوز عليه الأوهام قبل أن ينبه إليها، ففي الفقرة (٧٨٨) من جامع البيان، يقول بعد أن يسوق الرواية عن ابن مجاهد:" في كتابي وفي سائر النسخ من كتاب ابن مجاهد، عن أبيه وعمه، وهو خطأ، وأحسبه من قبل النساخ، والصواب عن أخيه وعمه، كما نا ابن جعفر ... " ويسوق الرواية الصحيحة بإسنادها. ويقول:" الرواة كلهم يقولون عن هارون الأخفش: حدثنا عبد الله بن ذكوان، ما خلا ابن مرشد، فإنه قال عنه: قرأت على ابن ذكوان، وقال ابن عبد الرزاق عنه: حدثنا ابن ذكوان وقرأت عليه، فدلّ ذلك على أن الأخفش نقل الحروف عنه رواية وتلاوة، فتارة يذكر الرواية، وتارة يذكر التلاوة، لذلك حكى عنه الأمرين ابن عبد الرزاق" «٤». ٤ - النقد العلمي الجريء: أبو عمرو الداني راوية ناقد، لا يقبل الروايات على علّاتها، ولكن ينقدها نقد الصيرفي- وهو ابن الصيرفي- للدرهم والدينار، ولا يمرّ الأخبار على عواهنها، بل يزيف الزائف، ويكشف الخطأ، ويحسن الحسن ويقبله، يعطي كل قول ما يستحق من الحكم.

стр. 19

فبينما يخطّئ ابن جبير فيقول:" وقد أدرج ابن جبير في هذا الضرب حرفين ليسا منه، وحكى عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه أظهرهما، وهما قوله: الموت تحبسونهما [المائدة: ١٠٦] والموت توفّته [الأنعام: ٦١] وذلك غلط منه، لأن تاء الموت أصلية، فلا علة تمنع من إدغامها في مثلها، كما منعت منه تاء الخطاب وتاء المتكلم" «١». ويغلط الحلواني في الحاقّة يا أيّها ويا أخت ويا آدم مع ما الهمزة فيه من نفس الكلمة التي قبلها، بل هي منفصلة منها ... الخ «٢». وتراه يرد رواية الخزاعي، والحلواني، وابن شنبوذ، عن القوّاس أنه كان يحذف حرف المدّ، ويسقطه من اللفظ في المنفصل، فيقول:" وهذا مكروه قبيح لا يعمل عليه، ولا يؤخذ به، إذ هو لحن لا يجوز بوجه، ولا تحلّ القراءة به" «٣» ويحكم بالوهم حتى على شيخه فارس بن أحمد «٤». تراه من ناحية أخرى يقبل قول قالون ويحسّنه فيقول:" والذي قاله في الضربين حسن، وقد بينا صحة ذلك في كتابنا المصنف في الهمزتين" «٥». ويعقب على تعليل الفراء تفخيم لام الجلالة بعد الفتح والضم، وترقيقها بعد الكسر، بقوله:" وكلام الفراء في هذا حسن، وذلك أنه شبه اللام ... الخ" «٦». وحيثما جرى الخلاف بين القراء في قضية ما، بيّن لك وجهة نظر كل فريق، ثم أوضح أي الرأيين هو الصحيح، أو الأقوى الذي يعتمده، والأمثلة كثيرة في جامع البيان. غير أن الداني يقسو أحيانا على أصحاب الرأي المقابل في التعبير. فتراه يقول: " والوجهان جميعا لا دليل فيهما على مذهبهم، ولا حجة فيهما لانتحالهم، بل يؤذنان ببطول قولهم، ورد دعواهم، ويشهدان بقبح مذاهبهم، وسوء انتحالهم" «٧».

стр. 20

٥ - حسن توفيقه بين الروايات التي ظاهرها التعارض: أوتي الداني في ذلك ملكة قوية، ورزق حنكة ودربة على التوفيق بين النصوص، بدلا من ضرب بعضها ببعض، وقبول بعض ورد بعضها الآخر، فانظر على سبيل المثال توفيقه بين الروايات التي يقول بعضها: إن إسماعيل بن جعفر قرأ على عيسى بن وردان، وأن عيسى قرأ على نافع. ويقول البعض الآخر: إن إسماعيل قرأ على نافع نفسه «١». وكذلك توفيقه بين الروايات التي يقول بعضها: إن الكسائي يقف على ما لهذا الكتاب [الكهف ٤٩] على رسم المصحف، وبعضها الآخر يقول: إنه يقف على ما «٢». هذه المزايا عند الداني رفعته إلى مقام الإمامة في علوم القراءات، حتى قال فيه الذهبي:" إلى أبي عمرو المنتهى في إتقان القراءات، والقراء خاضعون لتصانيفه، واثقون بنقله في القراءات، والرسم، والتجويد، والوقف والابتداء، وغير ذلك" «٣». وقال فيه ابن خلدون:" بلغ الغاية فيها، أي في القراءات، ووقفت عليه معرفتها، وانتهت إلى روايته أسانيدها، وتعددت تآليفه فيها، وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها" «٤». وقال الضبي عنه:" إمام وقته في الإقراء" «٥». هذا، وأبو عمرو يذهب إلى أن القراءات السبع متواترة وما وراءها شواذ، ينبيك عن ذلك أنه صنف كتابه" المحتوى في القراءات الشواذ" فأدخل فيها قراءة يعقوب وأبي جعفر «٦». ولم تقعد همة الداني به عند حدود القراءات، بل سمت إلى سائر علوم القرآن؛

стр. 21

حيث صنّف في كل فنّ منها، فأحسن وأجاد. وكان كما قال ابن بشكوال:" أحد الأئمة في علم القرآن، وروايته، وتفسيره، ومعانيه، وطرقه، وإعرابه" «١». ثانيا: الحديث لأبي عمرو الداني باع طويل في علوم السنة، رواية ودراية، فقد تلقى الحديث من مشايخ كثر، وبعض أسانيده عالية، فبينه وبين أبي عبيد القاسم بن سلام (ت ٢٢٤) ثلاثة رجال، فهو يروي عنه بوساطة شيخه خلف بن إبراهيم بن خاقان، عن أحمد بن محمد بن أبي الموت، عن علي بن عبد العزيز البغوي، عن أبي عبيد. وبينه وبين الإمام أحمد (ت ٢٤١) ثلاثة، حيث يروي عنه بوساطة شيخه سلمون بن داود، عن أبي علي بن الصواف، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن الإمام أحمد. وبينه وبين يحيى بن معين (ت ٢٢٣) ثلاثة، حيث يروي عنه بوساطة شيخه عبد الرحمن بن عثمان القشيري، عن قاسم بن أصبغ، عن أحمد بن زهير بن حرب، عن يحيى بن معين. هذا، وينبيك عن سعة رواية أبي عمرو الداني وكثرتها في السنّة، كتابه (السنن الواردة في الفتن). وهو كتاب كبير في مجلد، ذكر فيه مئات الأحاديث، والروايات في الفتن الكائنة في آخر الزمان، وبعضها قد لا تجده في غير هذا الكتاب، وهو كتاب خليق بأن يخدم ويحقق، يقول فيه الذهبي:" وكتاب الفتن الكائنة، مجلد يدل على تبحّره في الحديث" «٢»، وتراه في جامع البيان يروي الحديث الواحد بعدة أسانيد «٣»، وقد شرح كتاب منتقى ابن الجارود (ت ٣٠٧) وسماه (المرتقى في شرح المنتقى) «٤». واحتفال الداني بالأسانيد ليس مقصورا على الأحاديث المرفوعة، بل يشمل الآثار وكلام السلف أيضا،" كان يسأل عن المسألة مما يتعلق بالآثار، وكلام السلف،

стр. 22

فيوردها بجميع ما فيها، مسندة من شيوخه إلى قائلها" «١»، وربما يروي لك الأثر الواحد بعدة أسانيد، إلى قائله «٢». وللداني معرفة كبيرة بتاريخ رواة الحديث، وطبقاتهم، ودرجاتهم، وله إلمام كبير بعلم الجرح والتعديل، يروي أقاويل أئمته: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وأمثالهما في تعديل الرواة وجرحهم بالأسانيد المتصلة «٣». والنقاد يعرفون للداني قدره وبراعته في علوم السنّة، وتاريخ رجالها، فالذهبي ترجم له في تذكرة الحفاظ، فقال:" الحافظ الإمام شيخ الإسلام" «٤». وابن بشكوال قال فيه:" وله معرفة بالحديث، وطرقه، وأسماء رجاله، ونقلته" «٥». وقال فيه ابن الجزري:" سمع الحديث من جماعة، وبرز فيه وفي أسماء رجاله" «٦». وللداني شأن في علوم الاصطلاح، وله فيه آراء. ومن آرائه أن العنعنة لا تقبل إلا إذا كان الراوي المعنعن معروف بالرواية عمن عنعن عنه «٧»، وهو، أي الداني، ممن يعتبر قوله في الجرح والتعديل، ولذلك ترى الحافظ المزي ينقل عن الداني في (تهذيب الكمال) رواياته في الجرح والتعديل «٨». ثالثا: اللغة النحو عند أهل الأندلس في نهاية من علوّ الطبقة، وكل عالم في أي علم لا يكون متمكنا من علم النحو بحيث لا تخفى عليه الدقائق، فليس عندهم بمستحق للتمييز، ولا سالم من الازدراء «٩». ومن هنا نرى الداني واسع الاطلاع على النحو، محيطا بمذاهب النحويين

стр. 23

واختلافهم: بصريّهم وكوفيّهم على حدّ سواء، فتراه في مواضع من كتابه جامع البيان ينقل اختلاف النحويين نقل الخبير البصير، ويحكم برجحان الراجح من آرائهم، ويؤيد حكمه بالدلائل البيّنة والحجج الظاهرة، فيقول في الخلاف في الاسم المقصور المنون مثل (هدى): إذا وقف عليه، وأبدل من التنوين ألف، وقبلها الألف المنقلبة عن الياء، فيجتمع ألفان، فيلزم حذف إحداهما، يقول الداني:" وقد اختلف علماء العربية في أيهما المحذوفة، فقال الكوفيون منهم، وبعض البصريين: المحذوفة للساكنين منهما هي المبدلة من التنوين؛ لكون ما أبدلت منه زائدا، والثابتة هي المنقلبة عن الياء؛ لكون ما انقلبت عنه أصليا. " وقال اكثر البصريين: المحذوفة منهما هي المنقلبة عن الياء؛ لكونها أول الساكنين، والثابتة هي المبدلة من التنوين؛ لكون ما أبدلت منه دالا على معنى يذهب بذهابها ... قال أبو عمرو: أوجه القولين وأولاهما بالصحة، قول من قال: إن المحذوفة هي المبدلة من التنوين، لجهات ثلاث ... قال أبو عمرو: فمن أخذ بقول الكوفيين والخليل وسيبويه ومن وافقهما: وقف على جميع ما تقدم، من المنصوب الذي يصحبه التنوين، في مذهب حمزة والكسائي بالإمالة ... ومن أخذ بقول بعض البصريين: المازني ومحمد بن يزيد ومن تبعهما: وقف على جميع ذلك في مذهب من رأى الإمالة الخالصة والإمالة اليسيرة بإخلاص الفتح. والعمل عند القراء وأهل الأداء على الأوّل، وبه أقول لورود النص المذكور به ودلالة القياس على صحته" «١». وتراه في مواضع أخرى ينقل اتفاق النحويين أجمعين، وينفي وجود خلاف بينهم، مما يدل على إحاطته بآرائهم ومذاهبهم. فيقول:" وهذا مذهب النحويين أجمعين، ولا أعلم بينهم خلافا" «٢». ويقول:" وهو مذهب جميع النحويين" «٣». وللداني عناية خاصة بكتاب سيبويه، فقد أحسن الاستشهاد بنصوصه في مواضع كثيرة من (جامع البيان) «٤»، مما يعطي انطباعا بوجود ميول بصرية عنده وإن كنا نراه في مواضع من (جامع البيان) يساير الكوفيين، فيعرف العدد والمعدود «٥»، ويستعمل

стр. 24

(الذي) للمفرد والجمع «١». وتمكن الداني من علم النحو، وتبحره فيه جعله من النحويين المرموقين، الذين يترجم لهم في طبقات النحاة، بل إن أبا حيان الأندلسي ينقل رأيه في موضوع لغوي. فيقول:" وذهب الحافظ أبو عمرو عثمان بن سعيد الداني صاحب التصانيف في القراءات إلى أن وزنه- أي عيسى- فعلل" «٢». رابعا: الفقه نشأ الداني في قرطبة، التي يعتبر الأندلسيون عمل أهلها حجة في الفقه، فطلب الفقه في الأندلس، وفي مصر «٣»، ومما قرأه في الأندلس على شيخه الفقيه ابن أبي زمنين كتاب (المغرب في اختصار المدونة)، وكتاب (المشتمل في الوثائق)، وكتاب (منتخب الأحكام)، وهي من تصنيف شيخ الداني هذا «٤». ولا ريب أن الداني بلغ في الفقه مرتبة عالية، أدخلته في (الديباج المذهب)، و (شجرة النور الزكيّة)، وجعلت ابن الجزري يذكر الفقه مع العلوم التي برز فيها الداني «٥». غير أنه لم يذكر أحد لنا شيئا عن نشاطه الفقهي، ولا حتى حدود دراسته الفقهية ومدى عمقها، وإن كنّا نرجّح أنه لم يتعدّ حدود مذهب مالك، لأنه يدعو صراحة في أرجوزته إلى اتباع مذهب مالك فيقول «٦»: واعتمدن على الإمام مالك ... إذ قد حوى على جميع ذلك في الفقه والفتوى إليه المنتهى ... وصحّة النّقل وعلم من مضى وبعد، فللداني وراء ذلك اهتمامات علمية، ونشاطات تأليفية، في العقيدة وغيرها، وكان يقرض الشعر على قلة، ولعله يرى أن الإغراق في الشعر ينافي جلال العلم، واستقامة السيرة، مع أنه نظم عدة أراجيز، إحداها في أصول السنة والاعتقاد،

стр. 25

تبلغ ثلاثة آلاف بيت. وذكر الحميدي «١» ثلاثة أبيات من شعره، يظهر فيها سبب عزوفه عن الأدب، فيقول: قد قلت إذ ذكروا حال الزمان وما ... يجري على كل من يعزى إلى الأدب لا شيء أبلغ من ذل يجرعه ... أهل الخساسة أهل الدين والحسب القائمين بما جاء الرسول به ... والمبغضين لأهل الزيغ والريب وقد عاصر الداني في الأندلس أبا محمد علي بن أحمد بن حزم (ت ٤٥٦) وكانت بينهما وحشة ومنافرة شديدة، أفضت بهما إلى التهاجي، ولكل واحد منهما في الآخر هجاء يقذع فيه «٢»، غفر الله لهما، غير أنه كما قال الذهبي: وأبو عمرو أقوم قيلا، وأتبع للسنة «٣». وجرت كذلك مقاطعة بين أبي عمرو وتلميذه أبي محمد عبد الله بن سهل بعد عودة الأخير من رحلته إلى المشرق، مع أنه كان قد لازم الداني قبل ذلك ثمانية عشر عاما «٤». ومهما يكن من أمر فأبو عمرو كما يقول ابن بشكوال:" كان دينا، فاضلا، ورعا، قال المغامي: كان أبو عمرو مجاب الدعوة" «٥». ﵀، وغفر له ولنا وللمسلمين.

стр. 26

المبحث الثاني أقوال العلماء فيه: قال ابن بشكوال:" كان حسن الخط جيد الضبط، من أهل الحفظ والعلم والذكاء والفهم" «١». وقال أيضا:" كان دينا، فاضلا، ورعا، قال المغامي: كان أبو عمرو مجاب الدعوة، مالكي المذهب" «٢» وقال أبو محمد بن عبد الله الحجري في فهرسه:" والحافظ أبو عمرو الداني، ذكر بعض الشيوخ أنه لم يكن في عصره، ولا بعد عصره أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه" «٣». وقال الحافظ الذهبي أيضا:" وما زال القراء معترفين ببراعة أبي عمرو الداني، وتحقيقه، وإتقانه، وعليه عمدتهم فيما ينقله من الرسم، والتجويد، والوجوه" «٤». وقال أيضا:" إلى أبي عمرو المنتهى في إتقان القراءات، والقراء خاضعون لتصانيفه، واثقون بنقله في القراءات، والرسم، والتجويد، والوقف والابتداء، وغير ذلك" «٥». وقال فيه ابن خلدون:" بلغ الغاية فيها، أي في القراءات، ووقفت عليه معرفتها، وانتهت إلى روايته أسانيدها، وتعددت تآليفه فيها، وعول الناس عليها وعدلوا عن غيرها" «٦». وقال الضبي عنه:" إمام وقته في الإقراء" «٧». وقال ابن الجزري" الإمام العلامة، الحافظ، أستاذ الأستاذين، وشيخ مشايخ المقرئين ... من نظر كتبه علم مقدار الرجل، وما وهبه الله تعالى فيه، فسبحان الفتّاح العليم" «٨».

стр. 27

المبحث الثالث وفاته اجتمعت كلمة المترجمين لأبي عمرو أن وفاته كانت يوم الاثنين في النصف من شوال، سنة أربع وأربعين وأربع مائة، ودفن بالمقبرة عند باب إندارة، وقد بلغ اثنتين وسبعين سنة، ومشى صاحب دانية أمام نعشه، وشيّعه خلق عظيم «١»، ﵀.

стр. 28

الفصل الثالث شيوخه، وتلاميذه، وآثاره المبحث الأول يوخ الداني: شيوخ الداني رجال كثر، يزيد عددهم على السبعين رجلا، أحصى جملة منهم بعض محققي كتبه «١»، وسنقتصر هنا على ذكر أشهرهم طلبا للاختصار. ١ - فارس بن أحمد بن موسى، أبو الفتح، الحمصي، الأستاذ الكبير، الضابط، الثقة، وعليه عمدة الداني في عرض القراءة، فقد عرض عليه القرآن في خمسين ومائة طريق من طرق جامع البيان، إضافة إلى رواية الحروف عنه في سبعة وعشرين طريقا منها، ومجموع أسانيده في جامع البيان مائتان وثلاثة عشر إسنادا، بإسقاط المكرر، وجل رواية أبي الفتح عن عبد الله بن الحسين السامري، وعبد الباقي بن الحسن الخراساني. وأبو الفتح الحمصي هذا يقول فيه الداني:" لم ألق مثله في حفظه وضبطه، كان حافظا ضابطا، حسن التأدية، فهما بعلم صناعته واتساع روايته، مع ظهور نسكه وفضله، وصدق لهجته" «٢». ٢ - عبد العزيز بن جعفر الفارسي، قال الداني:" لقيته بأبّدة، وقرأت عليه القرآن بجميع ما عنده، وكان خيرا فاضلا ضابطا صدوقا" «٣».

стр. 29

عرض الداني عليه القراءة في تسعة طرق من طرق جامع البيان، على حين روى عنه الحروف في خمسة وتسعين طريقا منها، ومجموع أسانيده في جامع البيان مائة وثلاثة وستون إسنادا، بإسقاط المكرر، وجل رواية الفارسي عن الإمام أبي طاهر عبد الواحد بن عمر بن أبي هاشم البغدادي تلميذ ابن مجاهد. ٣ - محمد بن أحمد بن علي أبو مسلم البغدادي «١»، ولم يعرض عليه القرآن، وإنما روى عنه الحروف، وسمع منه كتاب (السبعة في القراءات) لابن مجاهد، وكتاب (الإيضاح في الوقف والابتداء) لابن الأنباري، كما يروي عنه عن ابن دريد اللغوي في (جامع البيان) أيضا. وبلغت طرق الداني عن أبي مسلم ستين طريقا من طرق (جامع البيان)، كلها رواية حروف، ومجموع أسانيده في جامع البيان مائة وستة وأربعون بإسقاط المكرر. ٤ - طاهر بن عبد المنعم بن عبيد الله بن غلبون أبو الحسن، الحلبي، نزيل مصر، أستاذ عارف، وثقة ضابط، وحجة محرر، عرض عليه الداني القراءة في ثلاثة عشر طريقا من طرق جامع البيان، وروى عنه الحروف في ثمانية طرق منها، ومجموع أسانيده في جامع البيان ثلاثة وعشرون إسنادا بإسقاط المكرر، قال الداني:" لم ير في وقته مثله، في فهمه، وعلمه، مع فضله، وصدق لهجته، كتبنا عنه كثيرا" «٢» ٥ - خلف بن إبراهيم بن خاقان أبو القاسم، قال الداني:" كان ضابطا لقراءة ورش، متقنا لها، مجودا، مشهورا بالفضل والنسك، واسع الرواية، صادق اللهجة، كتبنا عنه الكثير من القراءات والحديث والفقه" «٣». عرض الداني عليه القراءة في ستة من طرق جامع البيان، وروى عنه الحروف في عشرة منها، ومجموع أسانيده في جامع البيان ستة وثلاثون إسنادا بإسقاط المكرر، ومن طريقه يروي الداني كتاب فضائل القرآن وغيره لأبي عبيد القاسم بن سلام. هؤلاء هم أشهر شيوخ الداني في القراءات، وأما أشهر شيوخه في الحديث الشريف فهما اثنان هما:

стр. 30

١ - عبد الرحمن بن عثمان القشيري «١»، بلغت أسانيده في جامع البيان عشرين إسنادا، غير أن الداني أكثر الرواية عنه في كتابه (السنن الواردة في الفتن). ٢ - محمد بن خليفة بن عبد الجبار، والرواية عنه واسعة وكثيرة في كتاب (السنن الواردة في الفتن)، ومعظم رواية ابن عبد الجبار عن محمد بن الحسين الآجري. هذا، والداني يروي عن الفربري عن البخاري من طريقين: عن علي بن محمد عن محمد بن أحمد عن الفربري، وعن عبد الرحمن بن عبد الله الفرائضي عن محمد بن عمر عن الفربري. ويروي عن البخاري من طريق شيخه فارس بن أحمد بن عبد الله بن الحسين، عن أبي بكر بن أبي داود عن البخاري. ويروي عن الإمام مسلم من طريق شيخه عبد الملك بن الحسن الصقلي عن أبي بكر الجوزقي عن مكي بن عبدان عنه. ويروي في الجرح والتعديل عن الإمام أحمد من طريق شيخه سلمون بن داود عن أبي علي بن الصواف عن عبد الله بن الإمام أحمد عنه. ويروي عن يحيى بن معين من طريق شيخه عبد الرحمن بن عثمان القشيري عن قاسم بن أصبغ عن أحمد بن زهير بن حرب عن يحيى بن معين. ويروي عن النسائي من طريق شيخه علي بن الحسن المعدل عن الحسن بن رشيق عن النسائي.

стр. 31

المبحث الثاني تلاميذه: تصدّر أبو عمرو للإقراء مدة طويلة في عدد من مدن الأندلس، لذلك كثر تلاميذه في الأندلس، إضافة إلى ما كان يتمتع به من سمعة حسنة، وذكر طيب لدى العامة والخاصة. فترى الذهبي بعد أن يعدد جماعة من تلاميذ الداني يقول:" وخلق كثير من أهل الأندلس، لا سيما أهل دانية" «١» .. ومجموعة التلاميذ الذين وصلت أسماؤهم إلينا ليست كبيرة، فقد عدت عوادي الزمن وأحداثه على أسماء الكثرة الكاثرة منهم، كما عدت على الأندلس كلها بما فيها ومن فيها. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وأكبر تلاميذ الداني أبو عبد الله الأنصاري محمد بن أحمد بن مسعود، الذي تصدر في حياة شيخه، وعاش إلى حدود السبعين وأربع مائة «٢» .. وآخر من حدث عن الداني في الدنيا أبو القاسم المرسي أحمد بن عبد الملك بن موسى بن أبي جمرة «٣»، فإنه بقي إلى بعد الثلاثين وخمس مائة «٤». وأجلّ تلاميذه قدرا، وأشهرهم ذكرا، سليمان بن نجاح أبو داود بن أبي القاسم الأموي، مولى المؤيد بالله المستنصر، الأندلسي، شيخ القراء، وإمام الإقراء (٤١٣ - ٤٩٦) أخذ القراءات عن أبي عمرو الداني، ولازمه كثيرا، وسمع منه غالب مصنفاته، وأخذ عنه مؤلفاته في القراءات «٥»، واشتهر بحمل علوم الداني ورواية كتبه «٦»، ومن طريقه وصل إلينا كتاب جامع البيان في القراءات السبع، ولم يكن مجرد راوية، بل

стр. 32

" كان من جلة المقرئين وفضلائهم وأخيارهم، عالما بالقراءات وطرقها، حسن الضبط ثقة دينا" «١»، صنف (البيان الجامع لعلوم القرآن) في ثلاث مائة جزء، وكتاب (التبيين لهجاء التنزيل)، وكتاب (الاعتماد في أصول القراءة والديانة)، عارض به شيخه الداني، أرجوزة في ثمانية عشر ألف بيت وأربع مائة وأربعين بيتا، وغير ذلك «٢». وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ كتاب جامع البيان، وكتاب التيسير وصلا إلينا عن طريق تلميذه أبي الذّوّاد مفرج مولى إقبال الدولة. هذا، والداني الإمام المؤتسي بسنة رسول الله ﷺ ، لم يضن على النساء بالإفادة والتعليم والإقراء، حيث كانت ريحانة تقرأ عليه القرآن بالمرية، كانت تقعد خلف ستر، فتقرأ ويشير لها بقضيب بيده إلى المواقف، وطلبت منه الإجازة فامتنع، وقرأت عليه خارج السبع روايات، ولما تثبت من تأهلها للإجازة أجازها، ﵀ «٣». وبعد فهذه قائمة بأسماء تلاميذه مرتبين على حروف المعجم «٤»: ١ - إبراهيم بن علي، أبو إسحاق الفيومي نزيل الإسكندرية «٥». ٢ - أحمد بن عبد الملك بن موسى بن أبي جمرة، أبو القاسم المرسي. ٣ - أحمد بن عثمان بن سعيد الأموي، ولد أبي عمرو الداني. ٤ - أحمد بن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن، أبو عبد الله الخولاني (ت ٥٠٨) «٦». ٥ - الحسين بن علي بن مبشر أبو علي «٧». ٦ - خلف بن إبراهيم أبي القاسم الطليطلي (ت ٤٧٧) «٨».

стр. 33

٧ - خلف بن محمد بن خلف، أبو القاسم الأنصاري، المعروف بابن العريبي (ت ٥٠٨) «١». ٨ - ريحانة المرية «٢». ٩ - سليمان بن نجاح أبو داود بن أبي القاسم الأموي. ١٠ - عبد الحق بن أبي مروان، أبو محمد الأندلسي، المعروف بابن الثلجي، بقي إلى بعد الخمس مائة «٣». ١١ - عبد الله بن سهل بن يوسف، أبو محمد الأنصاري، الأندلسي (ت ٤٨٠). ١٢ - عبد الملك بن عبد القدوس، أبو مروان الداني «٤». ١٣ - علي بن عبد الرحمن بن أحمد بن الدوش، أبو الحسن الشاطبي (ت ٤٩٦) «٥». ١٤ - عمر بن أحمد بن رزق، أبو بكر بن الفصيح التجيبي الأندلسي (ت ٥٠٧) «٦». ١٥ - محمد بن إبراهيم بن إلياس، أبو عبد الله اللخمي الأندلسي، يعرف بابن شعيب «٧». ١٦ - محمد بن أحمد بن مسعود، أبو عبد الله، الأنصاري، الداني. ١٧ - محمد بن عيسى بن فرج، أبو عبد الله التجيبي المغامي، الطليطلي (ت ٤٨٥) «٨».

стр. 34

١٨ - محمد بن المفرج بن إبراهيم بن محمد، أبو بكر وأبو عبد الله يعرف بالربويله (ت ٤٩٤) «١». ١٩ - محمد بن يحيى بن مزاحم، أبو عبد الله الأنصاري الطليطلي (ت ٥٠٢) «٢». ٢٠ - مفرج فتى إقبال الدولة، أبو الذواد «٣». ٢١ - يحيى بن إبراهيم بن أبي زيد، أبو الحسن المرسي، المعروف بابن البياز (ت ٤٩٦) «٤».

стр. 35

المبحث الثالث مؤلفاته: للداني نشاط تأليفي كبير، فقد ترك لنا عددا كبيرا من المصنفات، قيل: إنها تبلغ عشرين ومائة مصنف «١»، وتوزع نشاط الداني في التأليف على ألوان من المصنفات التي تتراوح بين الكتاب الكبير في عدة أسفار، والرسالة الصغيرة في عدة أوراق. فعند ما يصنف في القراءات، تراه يتوسع في عدد القراءات، فيجمع إحدى عشرة قراءة في كتاب (الإشارة بلطيف العبارة)، ويكتفي بالقراءة الواحدة في (مفردة يعقوب)، بل برواية واحدة، فيؤلف رسالة في رواية ورش عن نافع، وأكثر من ذلك يؤلف رسالة في طريق الأزرق عن ورش. ومن ناحية أخرى يتوسع في روايات السبعة مع المناقشة والتوجيه والترجيح، فيؤلف جامع البيان في القراءات السبع ورواياتها المشهورة والغريبة، ويكتفي براويين لكل قارئ في التيسير، فيأتي كتابا صغيرا، ويفرق القراءات السبع فيأتيك بمفردات السبعة، ثم يبدو له فينظم القراءات السبع في أرجوزة تشتهر وتذيع «٢». وللداني نشاط في النظم، فقد نظم أرجوزته في أصول السنة، فجاءت في ثلاث آلاف بيت، ونظم في التجويد، وفي مخارج الحروف، بل في الظاءات الواردة في القرآن الكريم في أربعة أبيات فقط. وألف الداني في أصول القراء، وفي أصول نافع، وفيما انفرد به كل واحد من القراء السبعة، وأفرد بعض الموضوعات الأصول بالتصنيف مثل الياءات، والفتح والإمالة، ومقدار المد، ومد البدل لورش، فقدم لنا رسائل مفيدة مثل (الموضح في الفتح والإمالة) مستوعبة اختلاف الروايات في موضوعها، مع المناقشة وتمييز الصحيح

стр. 36

السائر، من السقيم الداثر. والداني مؤلف أصيل، بل مبدع في بعض تصانيفه، مثل (طبقات القراء)، الذي جاء كتابا حافلا عظيما، قال فيه ابن الجزري:" وهو عظيم في بابه، لعلي أظفر بجميعه، إن شاء الله تعالى" «١». ومع أن الداني اعتمد في بعض كتبه على كتب السالفين، مثل (المكتفى في الوقف والابتداء)، حيث اعتمد فيه على كتاب (الإيضاح في الوقف والابتداء) لابن الأنباري، ثم كتاب (القطع والائتناف) لأبي جعفر النحاس، فقد كانت له مشاركة فعلية قيمة، ولم يكن مجرد ناقل أو جامع «٢». ورائد الداني في تصانيفه الإفادة ونشر العلم، وليس التكثر وإشاعة الذكر، فربما عدل عن ابتداء التصنيف إلى شرح كتب السالفين، فيقرب تناولها واستيعابها إلى طلاب العلم، حيث شرح قصيدة أبي مزاحم الخاقاني في التجويد، وشرح منتقى ابن جارود في الحديث. وتجدر الإشارة إلى أن جل كتب الداني تدور حول القراءات: رواية، ومناقشة، وترجيحا، ورسم المصاحف ونقطها، وعدد الآي، والتجويد، وكثير من هذه التواليف رسائل صغيرة في جزء وجزءين «٣». وأخيرا، فكتب الداني ينتظمها وصفان: أحدهما: جودة التأليف وحسن التصنيف، حيث أعجبت النقاد، فأثنوا عليها وعلى مؤلفها. يقول ابن بشكوال:" وقد جمع في كل ذلك تآليف حسانا" «٤»، ويقول الذهبي:" وكتبه في غاية الحسن والإتقان" «٥»، ويثني على الداني فيقول:" صاحب المصنفات الكثيرة المتقنة" «٦». والآخر: أن كتبه لقيت إقبالا من القراء عليها، ورزقت حظوة عند أرباب

стр. 37

الصناعة، واحتفاء بها لدرجة أن يقول الذهبي:" والقراء خاضعون لتصانيفه" «١»، ومع ذلك فقد ضاع كثير من كتب الداني، ولم يرزق نور الطباعة مما بقي إلا القليل. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور غانم قدوري الحمد قد حقق كتاب (فهرست تصانيف الإمام أبي عمرو الداني الأندلسي) وفيه ذكر لمائة وتسعة عشر كتابا من مصنفات الداني، وقد أشار المحقق إلى المطبوع منها والمخطوط «٢». ثم إن محققي كتب الداني جلهم قد ذكر مصنفاته «٣»، لذا سنقتصر هنا على ذكر كتبه المطبوعة رجاء أن نتحف الباحثين في هذا الصدد بما هو جديد، وإليك ما تيسر لنا الوقوف عليه منها منسوقة على حروف المعجم: ١ - الإدغام الكبير «٤». ٢ - الأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات «٥». ٣ - البيان في عدّ آي القرآن «٦». ٤ - التحديد في الإتقان والتجويد «٧». ٥ - التعريف في قراءة نافع «٨».

стр. 38

٦ - التهذيب لما تفرد به كل واحد من القراء السبعة «١». ٧ - التيسير في القراءات السبع «٢»، وهو أشهر كتب الداني، حيث نظمه الشاطبي في حرز الأماني. ٨ - جامع البيان في القراءات السبع، وهو أنفس كتب الداني، وأجلها قدرا، وهو هذا الكتاب. جزء في علوم الحديث في بيان المتصل والمرسل والموقوف والمنقطع «*» ٩ - السنن الواردة في الفتن «٣». ١٠ - شرح القصيدة الخاقانية. وهو شرح على قصيدة أبي مزاحم الخاقاني (ت ٢٢٥) الرائية في التجويد، والتي يقال إنها أول ما نظم في علم التجويد «٤». ١١ - الفرق بين الضاد والظاء في كتاب الله «٥». ١٢ - فهرسة تآليف أبي عمرو الداني. ١٣ - فهرسة شيوخه ومروياته.

стр. 39

١٤ - المحكم في نقط المصاحف «١». ١٥ - مفردات القراء السبعة «٢»، طبع بدون تحقيق. ١٦ - المقنع في معرفة رسم مصاحف الأمصار «٣». ١٧ - المكتفى في الوقف والابتداء «٤». ١٨ - الموضح لمذاهب القراء واختلافهم في الفتح والإمالة «٥». ١٩ - الظاءات الواردة في القرآن الكريم. حققه الدكتور علي حسين البواب، وصدر عن مكتبة المعارف بالرياض، سنة ١٩٨٥ م. ٢٠ - النقط «٦».

стр. 40

الباب الثاني دراسة الكتاب الفصل الأول: توثيق العنوان ونسبة الكتاب ٤٠ الفصل الثاني: خطة الكتاب ومنهجه ومصادره ٤٦ الفصل الثالث: منهج التحقيق ووصف النسخ ٦٢
следующие страницы →