← Общие книги

Общие книги · id 37650

فكرة الإفريقية الآسيوية

مالك بن نبي

Полный текст (261 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مالك بن نبي مشكلات الحضارة *************** فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ ترجمة عبد الصبور شاهين إعداد ندوة مالك بن نبي دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان دار الفكر-دمشق سورية

стр. 2

فكرة الافريقية الآسيوية: في ضوء مؤتمر باندونغ تأليف مالك بن نبي ترجمة عبد الصبور شاهين.

стр. 3

مشكلات الحضارة تأليف مالك بن نبي ترجمة عبد الصبور شاهين *************** فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ دار الفكر المعاصر- بيروت لبنان دار الفكر-دمشق سورية

стр. 4

الطبعة الثالثة ١٤٢٢ هـ = ٢٠٠١ م ط٢: ١٩٨١م

стр. 5

المحتوى

стр. 6

_________ الموضوع ..................................................... الصفحة _________ ٤ - أوربا وفكرة الأفرسيوية ........................................ ٢٥٥ ٥ - نتيجة البحث ................................................ ٢٦٩

стр. 7

من أجل الشعوب المكافحة في سبيل الحرية والسلام

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ .... ﴾ قرآن كريم طوبى لصانعي السَّلام ..... لأنهم أبناءَ الله يُدْعَون إنجيل متى

стр. 9

الإهداء إلى قيادة الثورة الثقافية التي بدأت فصولها تجري في العالم الإسلامي منذ تركزت فيه بعض المجهودات الموفقة لتضع الشعوب والأفكار في مكانها القيادي

стр. 10

* نظراً لكثرة ورود عبارة الافريقية الآسيوية في صفحات الكتاب آثرنا أن نرمز إلى مضمون هذه العبارة بتركيب (الأفرسيوية) تجنباً للإطالة والملل وذلك بقطع النظر عن قاعدة النحت اللغوي.

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ في عام ١٩٧١م ترك أستاذنا مالك بن نبي- ﵀ في المحكمة الشرعية في طرابلس لبنان، وصية سجلت تحت رقم ٢٧٥/ ٦٧ في ١٦ ربيع الثاني ١٣٩١هـ الموافق ١٠ حزيران ١٩٧١م، وقد حملني فيها مسؤولية كتبه المعنوية والمادية. وتحملاً مني لهذه الرسالة، ووفاءً لندوات سقتنا على ظمأ صافي الرؤية، رأيت تسمية ما يصدر تنفيذاً لوصية المؤلف بـ (ندوة مالك بن نبي). والتسمية هذه، دعوة إلى أصدقاء مالك بن نبي وقارئيه، ليواصلوا نهجاً في دراسة المشكلات، كان قد بدأه. وهي مشروع نطرحه بوصفه نواة لعلاقات فكرية، كان ﵀، يرغب في توثيقها. وإنني لأرجو من أصدقاء مالك وقارئيه، مساعدتنا على حفظ حقوق المؤلف في كل ما ينشر بالعربية أو الفرنسية مترجماً من قبل المترجمين أو غير مترجم. فقد حمّلني- ﵀ مسؤولية حفظ هذه الحقوق، والإذن بنشر كتبه. فإن وجدت طبعات لم تذكر فيه إشارة إلى إذن صادر من قبلنا، فهذه طبعات غير مشروعة، ونرجو إبلاغنا عنها. طرابلس لبنان ١٨ ربيع الأول ١٣٩٩هـ ١٥ شباط (فبراير) ١٩٧٩م عمر مسقاوي

стр. 12

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِمَة الطبعَة الثانية لو كنت أنا مقدم الطبعة العربية الأولى لهذا الكتاب في أواخر ١٩٥٧م، لكنت لا شك مهتماً بإظهار كل التوقعات المتشائمة التي كانت تعبر عنها الصحافة والتصريحات الرسمية في بعض العواصم الغربية تجاه الفكرة الأفرسيوية التي كانت تمثل كماً وكيفاً تكتلاً هائلاً من الطاقات البشرية والمادية. وكيف لا يهتم بظاهرة مثل هذه من يعيش من واشنطن إلى موسكو على محور القوة، ويخضع كل مقاييسه السياسية والثقافية أولاً إلى مبدأ ترجيح كفته، ما يمكن، بفائض من الطاقة على الآخرين. ولكنني أكتب هذه المقدمة اليوم، أي بعدما يقرب من خمس عشرة سنة من ظهور الطبعة العربية الأولى؟ فماذا سأقول؟ إنني لا أريد أن أتورط في دراسة تحليلية لكل العوامل التي تدخلت، منذ مؤتمر باندونغ سنة ١٩٥٥م، لإفشال الفكرة الأفرسيوية. بينما نرى، في نظرة شاملة، أن هذه العوامل تتوزع على الخريطة العالمية بطريقة متساوية. إذ عملت في الحقيقة كل يد، على إفشال الفكرة الخطيرة. ولو كنت، رغم تحفظي، متورطاً في مثل هذه الدراسة، لما زدت سوى أن أذكر قصة هذا الكتاب ذاته بكل تفاصيلها، ولكنها قصة نتركها لشاهد القرن إن شاء أن يتورط فيها.

стр. 13

وحسبي هنا أن أذكر فحسب، وبإيجاز وتلميح فقط، الجانب الذي قد يفيد من الناحية النظرية، كمزيد من التجربة والخبرة، بعض شبابنا الملتزم. إن مؤتمر باندونج كان قطعاً في نظر المختصين بالسياسة العالمية، أخطر ظاهرة برزت (في العالم الثالث) بعد الحرب العالمية الثانية. الظاهرة التي كانت تحمل في طياتها الصواعق والبراكين التي كان يخشى المستر جون فوستر دلاس، حتى قبره، عواقبها بالنسبة إلى كل المخططات التي رحمت من أجل تسيير العالم، كما سار خصوصاً في البلاد العربية. ولكن، ما كان للطاقات البشرية والمادية التي تجمعت في باندونج، أن تطلق تلقائياً الصواعق وتفجر البراكين، في صورة ثورة للعالم الثالث على النظم الاقتصادية والسياسية والثفافية التي وضعت في القرن التاسع عشر لتسييره، طبقاً لمصالح عليا معينة. يقول المفكر الفرنسي، دي بونالد، المعاصر للثورة الفرنسية، والمقاوم لها: ((إن ما صنع الثورات هو دوماً الكتاب من الإنجيل إلى الميثاق الاجتماعي)). إذا صحت هذه النظرة في الأشياء البشرية، وإنني أعتقدها صحيحة، نقول: إن مؤتمر باندونج سنة ١٩٥٥م، وبعده مؤتمر القاهرة سنة ١٩٥٧م، قد جمعا فعلاً كل شروط ثورة العالم الثالث، إلا شرطاً واحداً، وهو شرط إطلاق الشرارة الفكرية الضرورية لإضرامها. بل نقول، ونحن بصدد تقديم الطبعة الثانية لهذا الكتاب: إن كل الاحتياطات قد اتخذت، داخل العالم الثالث وخارجه، حتى لا تنطلق هذه الشرارة. ويكفينا دليلاً على صحة هذا التقرير أن نقول للقارئ الكريم: إن مؤتمر القاهرة، كان من بين تقاريره إنشاء ((جائزة أفرسيوية)) على غرار جائزة نوبل أو جائزة لينين.

стр. 14

ولكن الواقع يضطرنا أن نقول: إن جائزة نوبل وُزعت، منذ مؤتمر القاهرة، سبع عشرة مرة، دون أن توزع الجائزة الآفرسيوية مرة واحدة. ولعل شر ما قدم خدمة للفكرة الأفرسيوية، هو هذا الكتاب ذاته، لأنه صدر من ... عربي!! وليس بأيدينا، ولا في رغبتنا اليوم، أن نقدم خدمة لفكرة ماتت، بل قتلت في المهد، وقتلتُها جاهلون. وإنما الغرض الوحيد من هذه الطبعة هو أن نعطي للشاب المسلم العربي صورة صحيحة، بقدر الإمكان، عن الخطوط العريضة للتطور في العالم تحت تأثير العامل التكنولوجي، نحو العالمية. وأن نقدم له، على وجه الخصوص، الملاحظات التي ضمناها فصل الاقتصاد الأفرسيوي، وفصل ((العالم الإسلامي والفكرة الأفرسيوية)). بيروت ١٤ يونيو ١٩٧١ م. ب. ن.

стр. 15

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة ظللت أحمل القلم في يدي ساعات طوالاً وأنا أحاول أن أبدأ كتابة مقدمة هذا المؤلف العجيب، وكلما تقدم بي الوقت كنت أحس مزيداً من التردد، وهممت أكثر من مرة أن أعتذر لمؤلفه الفيلسوف العربي الجزائري عن كتابة المقدمة شاكراً له حسن ثقته، لولا أنني خشيت ألا يصدق الأخ الفيلسوف أن سبب اعتذاري عن الكتابة هو أنني أحسست بالعجز، مما جعلني أحس بالرهبة، وأشعر بالتردد كلما أوغلت في قراءة المؤلف سطراً بعد سطر، وصفحة بعد صفحة .. والمؤلَّف بحث علمي، ولكنك ستشعر بالدفء، وتستمتع بالطلاوة، وكأنك تقرأ قصة متسلسلة محبوكة، تنساب حوادثها في رفق ولين ثم لا تلبث أن تجري في عنف وهدير، وهي بين هذا وذاك قصة حقيقية يفوق واقعها كل ما يمكن أن يبدعه خيال الفنان .. إنها قصة كتلة الشعوب المتحضرة التي تسكن أوربا وأمريكا، وكتلة الشعوب المستعمَرة التي تسكن آسيا وإفريقية .. وفيلسوفنا صاحب هذا المؤلف من الكتلة الثانية، كتلة الشعوب المستعمَرة التي تسكن آسيا وإفريقية، وعلى التحديد من الجزائر العربية التي تدور على أرضها اليوم أعنف وأقدس معركة من أجل تقرير مصير الجنس البشري كله، ومن أجل الحفاظ على القيم الإنسانية العليا، التي داستها دول الكتلة الأولى

стр. 16

المتحضرة، ومع ذلك فإن فيلسوفنا وهو يخاطب في قصته برابرة الكتلة المتحضرة إنما يتحدث حديث العالم الذي ينفذ إلى أعماق الحقيقة بالسند والبرهان، ويثبت لهم بمنطق العلم الذي اعتقدوا أنه وقف عليهما مدى الحضيض الذي تردوا فيه، على الرغم من أنهم يملكون المصانع والآلات وقنابل الذرة والصواريخ الأيدروجينية. إن كل إنسان في إفريقية وآسيا، وكل كائن حي في إفريقية وآسيا سيسعد حينما يرى وجهه في هذه المرآة التي صنعها هذا الفيلسوف الذي ينتمي إلى محور طنجة - جاكرتا واستمع إليه معي وهو يصف دخول الكتلة الآسيوية الإفريقية على مسرح السياسة الدولية، إنه يقول: ((إن دخول الشعوب الأفرسيوية على المصرح قد أعاد الازدواج الجغرافي السياسي بطريقة معينة، ولكن في الوقت نفسه أتت هذه الشعوب معها بمبدأ تركيب للعالم، وبإمكانيات تعايش جديد يحمل بوضوح طابع عبقريتها، أعني الشروط الأخلاقية لحضارة لا تكون تعبيراً عن القوة أو الصناعة ... )). وكل إنسان في كتلة الشعوب المتحضرة في أوروبا وأمريكا لا بد أن يفيق على صرخة فيلسوفنا وهو يشخص لهم أصل الداء الذي يفتك بهم، حين يقول لهم في هدوء الواثق، وروعة الموقن: ((في هذه الحالة الخاصة بالعقل الغربي يجب أن نبحث عن مبعث هذه الجهود المنحرفة، التي لا يكفون عن أن يقفوا بها في وجه الاتجاه الطبيعي للعالم، وفي سبيل التطور السلمي الأفرسيوي. وإن إرادة الكبار بما تتمتع به من حق الاعتراض (الفيتو) في المناقشات الدولية لتعتبر في الواقع التيار المضاد لاطراد التاريخ، تياراً مضاداً بكل العناصر السلبية التي تملكها حضارة لم تستطع أن تتغلب على مصاعبها الأخلاقية، وهذا الجمود الأخلاقي كله هو الذي يضغط بثقله على المصير الإنساني، معطلاً التاريخ، تاركاً الأحداث تجري في مكانها .. )).

стр. 17

ولا يلبث فيلسوفنا أن يحذرقائلاً: ((وهكذا يبدو التاريخ في ربع قرن وكأنه يعيد نفسه، دالاً بذلك على أن شيئاً لم يتغير في الواقع في نفسية الحضارة الغربية .. ولكن على الرغم من المظاهر فإن التاريخ لا ينضغط ولا يعود إلى الوراء، وليست هناك قوة في الأرض تستطيع أن تحد مجراه أو تعيد اطراده، والواقع أن الذي تكرر في سنة ١٩١٩م وسنة ١٩٤٥م لم يكن التاريخ، وإنما هو محاولة العالم الغربي أن يعيد صنعه لتحقيق مصالحه .. )). وهكذا يسجل فيلسسوفنا في كل صفحة من صفحات هذا المؤلف تاريخ أكبر ملحمة عرفتها البشرية، سجلها حارة امتزجت فيها دماء شهداء الجزائر بدماء شهداء عمان، وبدماء شهداء حرب الاستقلال في الهند، وفي كينيا وفي إندونيسيا، وفي الكمرون، وفي الصين .. بالدماء التي تسيل اليوم في قلب قارتنا إفريقية وشرقيها وغربيها .. وبدماء سالت أيضاً على أرض فلسطين، وعلى ربى سورية، وتحت أنقاض بور سعيد .. وهي بعد قصة انتصار الحق على الباطل، وقصة انتصار قوانين الخلق تتمسك بها شعوب إفريقية وآسيا العزلاء على شريعة الغاب التي فشلت أوروبا وأمريكا في أن تفرضها بالأساطيل، والقنابل، والذرة، وكل أدوات الفتك والدمار. تهنئة لفيلسوفنا على هذا الجهد الرائع المشرف. وتهنئة لشعوبنا في آسيا وإفريقية المتضامنة من أجل الحق والسلام. أ. س ١٨/ ١٢/ ١٩٥٧م

стр. 18

تَنْبِيهٌ لجأ المؤلف أثناء اشتغاله بتأليف هذا الكتاب إلى تصريحات لبعض المسؤولين، وإلى شخصيات سياسية بدت له آراؤها صالحة، لتدعيم موضوعات فكرة الإفريقية الآسيوية. ومع ذلك فهو لم يعمد إلى ربط هذه الموضوعات بالأشخاص، وإنما بالأفكار وحدها. فإن الآشخاص قد تدفعهما بعض الأسباب - وخاصة ما يتصل بسياسة الدولة- إلى أن يتوقفوا أو يتراجعوا، وبرغم هذا فإن التاريخ لا يكف عن التقدم، ولا يعود مطلقاً إلى المواقف التي سبق أن سجلها. وفكرة الافريقية الآسيوية هي أحد هذه المواقف، التي لن يتخلى عنها التاريخ، فهي تمثل- بالنسبة إلى جزء من الإنسانية- قاعدة للانطلاق نحو تقرير مصيره. م. ب. ن. القاهرة في ٦/ ١١/ ١٩٥٦م

стр. 19

تمهيد هناك فلسفة، منذ عهد (كلوزفتز) ( Clausevitz) (١) ترى أن الحرب ((استمرار للسياسة بوسائل أخرى))، وذلك يعني في منطق الفعالمية- الذي يعدّ إحدى خصائص العقل الغربي- ضرورة حسم المشكلات الإنسانية بوسائل السياسة أو بوسائل الحرب، أي حسمها على أي حال. ولكن نار هذه الحقيقة قد خمدت، فإن جيلنا يواجه مشكلات استعصى حلها على سياسة نصف قرن، وعلى حربين عالميتين، وكان الإخفاق في كلا الطريقين مدوياً. وكان طابع هذه الفترة، هو أن سياسة غير مثمرة- لأنها مجافية للأخلاق- تقود حتماً إلى حرب مجافية للأخلاق، وبالتالي غير مثمرة، وهذه تؤول مرة أخرى إلى سياسة ترى أن (الخطأ) أقبح من (الجريمة) على ما ذهب إليه مفسرها الأعظم- تاليران ( Talleyrand) (٢) . والأزمة التي ما زال العالم يتخبط فيها، تتصل بواقع يبدو أنه لا يخرج فلكي يحاول أن نرى من أي مهرب يخرج العالم من هذه الحلقة المفرغة، يجب أن نقول أولاً: من أي الطرق دخل إليها. فمما لا نزاع فيه، أن العالم قد خضع لسيطرة أوروبا الأخلاقية والسياسية منذ قرنين من الزمان، والمشكلات التي لم تستطع السياسة والحروب خلال

стр. 20

نصف قرن أن تضع لها حلاً مؤثراً، إنما تنتج عن هذه السيطرة الأوروبية العليا على الشؤون الإنسانية. فموطن الأزمة موجود في الضمير الأوروبي نفسه، في علاقته بالمأساة الإنسانية. وهذا يعود إلى القول بأن الأزمة تتصل بتفسير المشكلات أكثر من اتصالها بطبيعة هذه المشكلات. فهي ليست أزمة في الوسائل، وإنما في الأفكار. وينبغي على أي سياسة- لكي تكون فعالة- أن تكيف وسائلها تبعاً لبعض المفاهيم الإنسانية. ولكن أوروبا التي استطاعت خلال قرنين من الزمان أن تتحكم في موارد العالم كله، قد وضعت هذه الموارد تحت تصرف النظام الأوروبي فحسب، محتكرة بذلك- من أجل فائدتها وحدها- الحرية والسلام والعمل، فلقد أحدثت في العالم المتحضر تفرقة بين الأخلاق والسياسة، ثم كانت هذه التفرقة بين الرجل الأبيض والرجل الملون. وهكذا خصص الغرب نظرته بالنسبة إلى المبادئ كما خصصها بالنسبة إلى الرجال، فإذا بنظرته إلى ما هو أوروبي تختلف عما ليس كذلك، فهو يرى بصورة طبيعية مشكلات أوروبا ورجالها، أما حين ينظر إلى مشكلات الشعوب الأخرى، أو حين ينظر إلى هذه الشعوب نفسها فإنه يضع نظارة على عينيه، وإذا بهذه النظرة غير المباشرة لا تتصل بقيم الأخلاق أو بقيم السياسة، وإنما ببعض ما يشبه من قريب جمعية جرامونت ( Société Gramont) التي أنشئت في فرنسا من أجل الرفق بالحيوان. ولقد تمثلت هذه التفرقة في بعض الأحداث المعاصرة في الحياة الدولية، حيث اعتمدت سياسة أمريكا في نهاية الحرب الأخيرة مشروع إرسال مارشال- للشعوب الغربية، كيما تعين هذه الشعوب على النهوض بعد التحرر. واعتمدت لهم أخلاقها المن والسلوى في مشروع ( U.N.R.W.A) لإسعافهم مؤقتاً، فكأنها بهذا قد اعتمدت لهم الحرية والعمل والخبز، أو الوسائل الضرورية لكسبها. وفي

стр. 21

مقابل لك نجدها قد ابتدعت للشعوب المتخلفة مشروعاً آخر أطلقت عليه اسم (النقطة الرابعة)، أي إنها لم تعتمد لهم الخبز ولا العمل ولا الحرية. هذه التفرقة المتجلية في مثال من أمثلة كثيرة، هي السبب الذي يفسر الأزمة الأساسية للقرن العشرين. إنه يفسرها ويغذيها في الوقت نفسه حيث إن نظرة الغرب لا تدرك من هذه الأزمة سوى وجهها الغربي، أي عندما تصل في أوروبا إلى درجة الانفجار، بأن تصبح على شفا حرب عالمية، وحينئذ يتهمون الأسباب الطارئة، فيسوقون إلى المقصلة أفكار النازية أو الفاشية. وعلى الرغم من هذا، فإن نظرة الغرب قد بدأت تلحظ قوى غير أوروبية تقف في ساحة التاريخ، فقد برزت المشكلات الحقيقية، أو قلْ الموضوعات الجوهرية مع العاصفة الأخيرة في الضمير الإنساني، وفي حلبة السياسة الدولية، أبرزتها الحرب العالمية الثانية حين هب ثلاثة أرباع الإنسانية يطالبون للمرة الأولى منذ قرنين بحقهم في الحرية وفي العمل، وفي الخبز. لقد جند الغرب في الحرب العالمية الأخيرة كل قواه المادية، ولكن الشعوب الأخرى كانت قد علقت على تلك الحرب آمالها، تلك التي ما كان لها أن تختلط بأهداف الحرب بين المتخاصمين. فلم يعد السلام على هذا مجرد (سلام أوروبي) ( Pax Europa) كالذي قرره مؤتمر، فرساي، إثر الحرب العالمية الأولى، فقد تغيرت النفسية العالمية، والعبقرية الغربية قد ساهمت بنفسها في هذا التغيير حين وضعت الإنسانية أمام استحالة جديدة لبلوغ أهدافها، فلم يعد من الممكن أن يحكم العالم بمنطق علم حديت يوجه الإنسانية في العصر الذري، وبعقلية العصور الوسطى- التي ترى أن تبقيه في أوضاع خاصة- هي التي خلقت الاستعمار والقابلية للاستعمار. لقد جعلت هذه الاستحالة من الضروري إحداث تغير عميق، إحداث طفرة من الحالة التي نطلق عليها (بادرة الحضارة) إلى الحضارة أو (من yin إلى yan ) حسب تعبير توينبي ( Toynbee) الذي استخدم من جديد هذين الرمزين الصينيين، ليعبر عن الانتقال من الحالة السابقة على

стр. 22

الحضارة إلى حالة الحضارة الكاملة، وربما كان هذا الانتقال المرتبط بالحقائق العلمية والأخلاقية للقرن العشرين هو مشكلة الساعة، ولكن مصاعب هذا التطور ليست واحدة في كل مكان، لأن قشور التقاليد التي تغلف الضمير، ليست دائماً بالثخانة أو الكثافة نفسها. ولعل من الغريب أن نقول: إن الرجل المتحضر تزيد لديه هذه الأغلفة أو القشور. والإنجيل لم يدع شيئاً غريباً حين وجه إلى الفرنسيين الذين طبعتهم على الحرمان ثقافتهم وخرافتهم، هذه الآية الشهورة التي قال فيها: ((طوبى لبسطاء العقول فإن لهم ملكوت السموات)) (١). إن الوسط المثقف أقل الأوساط انطباعاً بالتغيرات الكبرى، المفاجئة، ولذلك فإن الانتقال من حالة (الـ yin الى yan) من أشق الأمور عليه، لأن الخط الذي ترسمه عبقرية ما في التاريخ، قد ينقلب إلى حفرة من الرمال تغوص فيها. أما الرجل الفطري، (البسيط العقل) فهو أحياناً أقدر على اجتياز منعطفات التاريخ، وربما كان للرجل الفطري في إفريقية وآسيا رسالته الخاصة في القرن العشرين، وهي أن يعين الإنسانية على اجتياز هذا المنعطف، فيما لو نجح هو في هذا الاجتياز، وربما لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تقرر فيها الإنسانية مصيرها فيما بين النيل إلى نهر الجانج ( Le Gange) بالهند، فإن آثارها الأولى في التاريخ قد ظهرت هنالك، حيث عبرت المرحلة من العصر الفردوسي إلى العصر الاقتصادي، إبان الثورة الزراعية في العصر الحجري الجديد، تلك الثورة التي أتاحت للإنسانية أن تحل الاستحالة الأولى في طريق السعي إلى مصيرها منذ سبعة آلاف عام. ومؤتمر باندونج هو بكل تأكيد دليل على الانتقال التاريخي الذي سيتم هذه المرة من النظام الصناعي إلى النظام الأخلاقي. فلقد اتفق وقوع هذا الحدث الدولي مع لحظة حاسمة، تفصل بين أزمة رهيبة وبين حلها الضروري. والتفسير

стр. 23

المنطقي لهذا الحدث يصدر أساساً عن وقوعه بين هذين القطبين: بادرة الحضارة والحضارة في القرن العشرين. ولقد كشف مؤتمر باندونج عن أهمية تتجاوز أهدافه العاجلة، وذلك دون أن يلتزم باستخلاص مضمون مذهبي، حيث قد نحى جانباً المشكلات النظرية، لكي يصفي المشكلات الواقعية الملحة. ولقد قال لي أحد الدبلوماسيين الهنود قبيل الذهاب إلى المؤتر: ((ليس لدينا من الخشوع ما يكفينا ونحن ذاهبون إلى باندونج)). في هذا التقديس والإجلال يكمن التفسير الحق للمؤتمر، أكثر من أن يكون في تلك الواقعية التي لا ترى فيه سوى حادث عارض في الحياة الدولية، حيث أصبح من المستطاب منذ عام (١٩٤٥م) أن نتكهن بتوزيع الأصوات بين الكتلتين، ونعكف على لعبة عد الأصوات لكي نكتشف هكذا .. سر أبي الهول. إن خلاص الإنسانية والمشكلات التي أثارها المؤتمر من أجل هذا الخلاص، قد خلعا عليه طبيعة وصفة تدفع إلى التقديس أكثر مما تدفع إلى لعبة عد الأصوات .. إلى لعبة .. ويدَع أحد المراقبين الغربيين لمؤرخ سنة (٢٠٠٠م) مهمة القول، بأن: ((مؤتمر باندونج لم يحقق أي نتيجة عاجلة، ولكنه كان مجمَعاً للقوى التي خطّت الطريق لتطور التاريخ، وشكلت العالم الذي نعيش فيه اليوم)). هذه الشهادة التي تهمنا باعتبارها حكماً على المستقبل البعيد لهذا الحادث الدولي، تهمنا أيضاً باعتبارها دليلاً على تأثيره السريع في الضمير الغربي، الذي رأى تحت الغلالة الرقيقة ((الأفرسيوية)) مضمونها الإنساني ومغزاها العالمي. وفضلاً عن ذلك .. فقد كان لهذا المؤتمر تأثيره العاجل، إذ دفع -على الأقل- ذلك الضمير الغربي إلى امتحان جديد.

стр. 24

دفع في الواقع بعض المسؤولين مثل مستر- دلاس- إلى مراجعة ضميره، فلم يكن تبريره الذي صرح به عن إخفاق هيئة الأمم المتحدة، إلا لأن الرئيس جمال عبد الناصر كان بالأمس قد وجه في خطبته الأولى من منبر باندونج بعض الانتقادات إلى المنظمة الدولية. فلم يكن هذا التبرير إلا دليلاً على هذه المراجعة. وجملة القول، إن المؤتمر (الأفرسيوي) قد افتتح أعماله بالنسبة إلى العالم (الكبار) بـ (لحظة الحقيقة) وبالساعة التي وجب أن يدافع فيها عن نفسه. وكان عالم الكبار قد وجهت إليه دعوة ليبدي رأيه بصراحة في موضوعات المؤتمر الأساسية في إطارها الإنساني، وليس فقط في الإطار الغربي. وهكذا سجل أسبوع باندونج تفوق الجانب الإنساني في السياسة العالمية، إنه سجل في التاريخ حدثاً، واطراداً، فأما الحدث فقد أنطبع في الواقع الراهن في الأحداث المضطرمة لأسبوع حافل بالتاريخ. وأما الاطراد، فإنه يخص النتائج المتوقعة القريبة أو البعيدة. وأهمية المؤتمر تتجلى في هذه الأرقام: فقد جمع تسعاً وعشرين دولة تمثل قارتين بما تقلان من جموع بشرية، وما تضمان من تراث فكري متفاوت، بحيث تقف روحانية الإسلام على طرف، وماركسية الصين الشعبية على الطرف الآخر. وإن هذا الاطراد ليتجاوز في الواقع رقعة إفريقية وآسيا، إذ هو يمتد اجتماعياً من طنجة إلى جاكرتا. وأخلاقياً من واشنطن إلى موسكو. وينحو نحو تكامل مزدوج يرفع الرجل ((الأفرسيوي)) إلى المستوى الاجتماعي للحضارة، ويرفع الرجل المتحضر إلى المستوى الأخلاقي للإنسانية. وبهذا التكامل المزدوج يكون الاطراد قد أسهم في خلق نموذج عالمي يحقق وحدة النوع التي وضعت لها العبقرية الغربية شروطها المادية. لقد كدنا ونحن أمام التوقعات التي نراها خلال هذا الحادث، أن نتحدث عن معجزة المؤتمر، تلك التي ستتيح للإنسانية أن ترد على التحدي الجديد الذي تجده في طريقها، وعلى الاستحالة الجديدة التي وضعها التطور أمامها، وخاصة إذا ما

стр. 25

أخذنا في اعتبارنا أن مؤتمر باندونج قد انعقد بدعوة دول كولومبو الخمسة. التي نعرف عن اختلافاتها ما نعرف. والواقع أن المعجزة قد تحققت بمجهود الرجل الذي جمع في يديه مصائر الهند. لقد حمل ((نهرو)) مع أمانة الحكم، رسالة (عدم العنف) التي حمّله إياها غاندي عند موته. وقد استطاع بفضل إخلاصه لهذه الرسالة- التي لم يضح بأقل جزء منها أمام ضرورات الحكم- أو ما يسمونه (الواقعية السياسية)، أن يسمو بسياسة بلاده الخارجية إلى درجة دستور أخلاقي دولي، دستور لا يسمح ببيِع مبدأ بكمية من القمح، أو شحنة من المعدات الحربية. وكانت باندونج أولاً الثمرة (الأفرسيوية) لهذا الدستور الذي تبهرنا دون شك (مثاليته) السامية، بينما يلزمنا أن نعترف في خاتمة الحساب بأنه يضع السياسة (الواقعية) الخالصة، السياسة التي تدرك غاياتها ووسائلها. ونحن ندين له أولاً بمنطق جديد للسلام، فرض نفسه تماماً في مناقشات المؤتمر (الأفرسيوي) وفي ضوئه الخاص لم تعد مشكلة السلام محصورة في نطاق ما يسمى (مراكز القوة) ( Positions de force)، وإنما في نطاق مبادئ معينة مستوحاة من أحدث التجارب الإنسانية وأمضاها في الميدان السياسي. فالقوة التي حررت الهند ليست قوة السلاح، ولكنها قوة المبدأ الذي كسب مكانة قيمة إنسانية، ومقياساً عالمياً هو: عدم العنف، على حين أن (القوة) التي انطلقت خلال حربين عالميتين لم تحرر إلا الموتى. ويعرف الناس منذ ذلك الحين من خلال التجارب التي عاشوها، أن فرص السلام لا تتكاثر مع الميزانيات الحربية، بل فرص الحرب. وأن الأزمة لا تخف مع تزايد هذه الميزانيات، بل على العكس من ذلك تحتد؛ إذ إن كل اختلال ينشأ

стр. 26

على حساب الوضع الاجتماعي لصالح الوضع الحربي، يقوي عواملها الاقتصادية والسياسية. هذه الحالة التي توجه أخصب موارد البلاد نحو استثمار غير منتج لها- ولا شك- حسابها الذي يشمل ميزانيات الحرب؛ ولها تخطيطها الجغرافي: فهي تتفق على الخريطة مع تخطيط (منطقة الحرب) التي ترسمها المواثيق العسكرية. وعلى هذا يمكننا أولاً أن نقيس أهمية المؤتمر (الأفرسيوي) بالنسبة إلى هذه الحالة، فقد كان أحد أهدافه الأساسية إيجاد (منطقة سلام) على الخريطة، لتكون للإنسانية في حالة أي طوفان ذري سفينة نوح الجديدة؛ وملجأها الأخير. وكان من نتائجه أن أنشأ في مواجهة محور (القوة) الممتد من واشنطن إلى موسكو محوراً ذا أساس أخلاقي هو محور (عدم العنف) الممتد من طنجة إلى جاكرتا. وبدهي أن كسب أسبوع بملابساته المؤسفة أحياناً، لا يعد الميزانية النهائية لمؤتمر لا يمكنه أن يختم ميزانيته مع مناقشاته، فإن أهم نتائجه ما زالت في ضمير الغيب، إنها في ذلك التركيب التكويني التاريخي الذي جمع المؤتمر- بلا جدال- عناصره النفسية والزمنية. وربما تحقق الهدف من هذه الدراسة لو أن القارئ رأى فيها بعض الحقائق عن هذا التركيب الذي قد يغير وجه العالم. ***

стр. 27

الجزء الأول الرَّجل الأفرسيَوي في عَالَمِ الكِبَار - أبناء المستعمرات الأفرسيوية وعالم الكبار - (التعايش) أو الوجود المشترك والاستعمار المشترك - مشكلة الرجل الأفرسيوي

стр. 28

أبناء المستعمَرات الأفرسيَوية وَعَالم الكِبَار ((وعينه دائماً تنادي ... مجرم عالم الكبار)) ((شاعر)) لقد تأصلت فكرة (الأفرسيوية) في الأزمة التي تحكم التطور الإنساني منذ نصف قرن. فهي تنم عن أحد مظاهرها، وعن إحدى نتائجها. وهي تمثل أيضاً وسائل حلها. ولقد وُلدت هذه الأزمة من النظم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية للقرن العشرين، مقدمة بذلك إلى من تنبؤوا بها- مثل ديستويفسكي ونيتشه- موضوعات عن قيام الحضارة وانهيارها. ولكن ما إن حل عام ١٩١٤م حتى تجاوزت الأزمة هذا المظهر الفكري والميتافيزيقي لكي تمس مباشرة شعوب الأرض؛ وأفراد البشر؛ تمس دماءهم وجلودهم. وبلغت الأزمة منتهى شدتها حين وجد العالم- الذي تورط في مأساة لا حل لها- نفسه على حدود تاريخه في عام ١٩٣٩م، فلم يستطع أن يمضي في طريقه إلى أبعد من هذه الحدود، لأنه كان قد استنفد قدراً كبيراً من زاده بالحرب العالمية الأولى. فلم يستطع أن يتقوت خلال حرب عالمية ثانية في إطار تلك النظم البالية والتنظيمات الجغرافية والسياسية التي قسمته إلى كتلتين متميزتين: كتلة (الشعوب المتحضرة) التي تسكن أوروبا وأمريكا، وكتلة (الشعوب المستعمرة) التي تسكن آسيا وإفريقية. كان العالم إذن قد استنفد كل إمكانياته، فإذا به يجد نفسه عام ١٩٣٩م في نهاية مرحلة حاسمة. لقد قادته القوى التي مزقته داخلياً إلى مصير واحد على الرغم من تعارضها، قادته إلى التحلل، قاده الاستعمار والعنصرية إلى النهاية المحتومة: إلى الحرب العالمية الثانية.

стр. 29

وهكذا لعب القدر دوره، فإذا بالعالم المستعمر نصفه والمتحضر نصفه الآخر، العالم الذي خطا فيه جيلنا خطواته الأولى، وحققت فيه الطائرة محاولاتها الأولى، العالم الذي كان فيه الاستعمار والقابلية للاستعمار بمثابة الشاشة التي تتابع عليها أحداثه المهمة مثل (حادثة فاشودة) أو (حادثة أغادير)، هذا العالم الذي كان يؤمن بانقسامه الجغرافي السياسي، كأنه هو وضعه الطبيعي، كأنه فصل بين فصيلتين من فصائل الحيوان: إذا بهذا العالم لم يعد له وجود. ولكن كان على حرب عام ١٩٣٩م- حين محته- أن تلد عالماً جديداً مطابقاً لحاجات الإنسانية التي بلغت رشدها، مطابقاً لمطامحها، ومع ذلك فإنها لم تلده. ففي عام ١٩٤٥م- السنة التي كان يتوقع فيها هذا الحادث السعيد- أخرج التاريخ سقطاً مشوهاً، حين أجهض على يد (قوابل) من الأشرار، لقد ساقوا البشارة بمولود جديد اصطنعوه من لفائف منتفخة، رغبة في تغيير معالم الجريمة، وفي تضليل الشعوب التي كانت تنتظر ميلاده، كان هذا المولود الجديد هو (عالم الأربعة الكبار). ولم يكن للمزورين حيلة تنجيهم من أن يسيئوا الظن بأنفسهم، ومن أن يقلقوا على مستقبل الوليد الجديد المصنوع .. ! ونحن نجد انعكاسات لهذا القلق البالغ في دراسات حديثة، ظهرت في الغرب عن المشكلات الجغرافية السياسية، كذلك الانعكاس الذي يبدو أن صاحبه أراد أن يعبر عن قلقه ويصفيه في الوقت نفسه، حين لفت نظرنا إلى أن ((تصفية التأثير الغربي لم تتم في الأعوام العشرة الماضية كما قدر ذلك في عام ١٩٤٥م)) ها هوذا (القابل) الشرير، وقد استعاد ثقته القديمة في العالم القديم أو على الأقل في أنقاض العالم القديم. لقد دفع الضمير المضطرب أبطال الحضارة إلى بعض المحاولات خلال الحرب العالمية الثانية، وكان ميثاق الأطلنطي إحدى هذه المحاولات لوضع أسس عالم جديد، ولكن حين ذهب الخطر اكتفى هؤلاء الأبطال بأن يستقروا بين أطلال

стр. 30

العالم القديم، وكانوا قد وجدوا في بوتسدام ( Potsdam) ظروف طمأنينتهم، وهكذا بدا التاريخ وكأنه سائر في طريقه الهادئ بالنسبة إلى قوم، وراجع القهقرى بالنسبة إلى آخرين. لقد سجلت الحرب العالمية الأولى أيضاً محاولات كهذه، فوقع حظ الإنسانية تحت رحمة (الحق والحضارة) وشاعت (الشعارات) نفسها لتحرك الشعوب من أجل إنقاذ الديمقراطية، وشاعت الكلمات نفسها: (حرية- سلام- عمل). تلك الكلمات التي تعبر عن المثالية الإنسانية في منتهى تواضعها، وفي ذروة سموها جميعاً. وكانت مبادئ الرئيس (ولسن) الأربعة عشر قد أعلنت- قبل أن يعلن ميثاق الأطلنطي- حق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. فقد وجدنا أنفسنا إذن في عام ١٩٤٥م في الأوضاع نفسها التي كنا فيها عام ١٩١٩م، أي في حضارة لم تتغير مضامينها وادعاءاتها، فالأمم المتحدة لم يكن يمكنها إذن إلا أن تكون طبعة ثانية من عصبة الأمم، وروزفلت لم يكن يمكنه إلا أن يكون تعقيباً على ولسن، الوجه الجميل نفسه، فإن الأسباب النفسية الواحدة تنتج الآثار السياسية نفسها. والعالم المتحضر الذي لم يعدل أفكاره المجلوبة من (العالم المستعمر) لم يكن ليعدل حياله خطته السياسية، فظلت هذه الخطة- بالتالي- امتداداً لاستعمار القرن التاسع عشر، على تفاوت في جوهريتها وصراحتها، غير أنه في أثناء الحرب، وفي الساعة التي تقررت فيها (أخوة السلاح)، عرف الأوروبي كيف يختار السياسة التي تناسب تلك الساعة، هو الذي يتمتع بالمقدرة الانتهازية الجبلية الفطرية، فعرف (لورانس) مثلاً في الساعة التي هدد فيها (فون أرمين) قناة السويس عام ١٩١٥م كيف يثير (الثورة العربية) المشهورة حين دلل ضعف الشيخوخة لدى عجوز هو الشريف حسين، وتملق مطامع حفنة من الزعماء الشبان المخمورين بفكرة (المملكة العربية).

стр. 31

وأوحت الانتهازية نفسها في الجزائر بعض التصرفات المجردة من أي أهمية اجتماعية، ولكنها ذات مظهر ديمقراطي، وذلك مثل إلغاء القانون المشهور بـ (قانون أبناء المستعمرات) ومنح رخصة الصيد في ظل بعض الشروط، ودخول المسلمين المقيد في بعض المجالس المحلية، حيث بقي القرار النهائي من كل وجه في أيدي الأوروبيين، وكان هذا- كما قالوا- دين الاعتراف بالجميل للثمانين ألفاً من الجزائريين الذين ماتوا من أجل فرنسا. ولكن ساعة (أخوة السلاح) تمضي- بطبيعة الحال- كما تمضي سائر الساعات. ففي الشرق الأدنى لم يكن الأمر أمر مملكة عربية، وإنما كان أمر إنشاء (وطن قومي يهودي). وفي الجزائر، لم تكد أعلام الفرق المنتصرة المؤلفة من أبناء المستعمرات تطوى، حتى وجدنا أن التصرفات التي أملتها (أخوة السلاح) قد بدأت تسحب، وربما كان سحب قانون فبراير سنة ١٩١٩م الحدث الأول الذي يؤرخ به إقحام الضمير الجزائري في السياسة، وهو تاريخ مهم في تكوين الفكرة والمطالب القومية. وكان هذا الحدث أيضاً هو الذي كشف عن الطريقة الاستعمارية التي شكلت منذ ذلك الحين رصيد السياسة الفرنسية في مراكش، وهي تتمثل في جعل أعمال الاضطهاد والسلب والنهب تحت إشراف الرجعية التقليدية، و (الشخصيات الإسلامية) التي خلفت لنا خلفاء نعرفهم بأسمائهم. وإذن فقد مضت الانتهازية في الشرق كما في إفريقية الشمالية حاملة معها محاولات (أخوة السلاح). بينما نجد السياسة الدولية في مظهرها الجديد تنتقل من المثالية إلى الواقعية. فهي وفي سنة ١٩١٩م كانت قد انتقلت من مثالية (ولسن) إلى واقعية (لويد جورج)، وفي سنة ١٩٤٥م خطت الخطوة نفسها بموت (روزفلت) الذي تخلت فلسفته الإنسانية عن مكانها لمذهب استعماري جديد تجسد كثيراً أو قليلاً في (تشرشل)، وفرّط فيه أو دافع عنه (ترومان).

стр. 32

وهكذا يبدو التاريخ في ربع قرن وكأنه يعيد نفسه، دالاً بذلك على أن شيئاً لم يتغير في الواقع في نفسية الحضارة الغربية. ولكن على الرغم من المظاهر فإن التاريخ لا ينضغط ولا يعود إلى الوراء، وليست هناك قوة في الأرض تستطيع أن تحد مجراه، أو أن تعيده اطّراده. الواقع أن الذي تكرر في سنة ١٩١٩م و١٩٤٥م لم يكن التاريخ، وإنما هو محاولة العالم الغربي أن يعيد صنعه لتحقيق مصالحه. ولكن هناك كسباً خلقياً وفنياً له وزنه الثقيل في توجيه العالم، فإن تاريخه لا يمكن أن يعود إلى الوراء، ولا أن يستمر على حال، ولكنه مطرد دائماً إلى الأمام، لا تستطيع أي مقاومة إنسانية أن تحمله على أن يخطو خطوة إلى الخلف، ولا أن تعيده إلى الماضي. ونحن نفهم الآن الصراع المحزن الذي يمكن أن ينشأ عن مقاومة كهذه، عندما تصادم قوى التأخر القوى الواقعية في التاريخ، هذه التي تدفع العالم حتماً ودائماً إلى الأمام، فإن الاتجاهات الرجعية يمكنها أن تأخذ صورة الإيحاء السلبي لتضليل الضمائر، أو النشاط العنيف لتحطيم الطاقات العذراء، أو أن تقترح حلولاً خاطئة لتمويه المشكلات الحقيقية، فتحافظ بذلك على وضع بال لا يتفق مع اعتبارات الحياة القومية والدولية. ومع ذلك فإنهم لا يستطيعون أن يحتفظوا بقوى انفجارية هائلة، خلف السد الوهمي الذي يريدون إقامته في وجه التاريخ، وخاصة إذا كان في مقدور هذه القوة أن تحطم كل شيء يقف أمامها، وأن تبدده. فهذه المحاولة المجنونة التي شرعوا فيها عام ١٩٤٥م لم يكن لها إلا أن تخفق في النطاق العالمي عامة، وفي النطاف الاستعماري خاصة. لقد أرادوا أن يبقوا على حالة (شعوب المستعمرات) أي على شعوب لا تبلغ رشدها، فتظل تحت وصاية الكبار في إدارة شؤونها ومصالحها الخاصة.

стр. 33

ولكن أبناء المستعمرات كانوا قد اعتزموا وكرسوا قواهم لإحراز حريتهم، فبلغت الأزمة بذلك قمتها، إذ إن النظام الاستعماري الذي كان فيما مضى رأس مال للعالم المتحضر قد صار (تحدياً) له، وهو تحد يفسح المجال لمواجهة أليمة بين قسمين متباينين ومتعارضين، في الضمير الإنساني المنقسم على نفسه. وكأننا أمام معركة بين (القدامى والمحدثين) من نوع جديد، وذات طابع غريب شاذ، يمثل فيها (المتحضرون) القوى الرجعية البالية المتشبثة بأذيال الماضي، على حين يمثل (المتأخرون) القوى المتطلعة إلى المستقبل. وكان مسرح المعركة أحياناً .. هيئة الأمم المتحدة، فأمكننا أن نحكم بهذا على كلا المتخاصمين في الدور الذي يقوم له في هذا المسرح الجديد، كلما نوقشت مشكلة الحرية، وخاصة حرية إفريقية الشمالية. وإذن فهذا اختبار جوهري: لأنه عندما تحذف هذه المشكلة- مشكلة الحرية - وعندما ترفض الفكرة أو الجزاء في أي تحكيم دولي، فإن ذلك يوقف النمو التاريخي الذي يهدف إلى أن يحقق في العالم تنظيماً فنياً للعلاقات الإنسانية. وإن حياة مشتركة متواثقة الصلات لتفرض في الواقع جواراً وثيقاً، وبالتالي حقوقاً لهذا الجوار في النطاق العالمي. ولكن تنظيماً كهذا ليسر مستقلاً عن التقدم الخلقي باعتباره النتيجة النفسية للتقدم الصناعي. والتقدم الخلقي لا يجد صورته في هذا النطاق إلا في تحكيم دولي يرضى الناس بكل حرية عن فكرته وجزائه. ولما كانت صلاحية نظام كهذا تكمن في الحرية التي يتيحها لكل فرد، أو يدافع عنها لمصلحته. فإن هذه الصلاحية تنتهي منذ اللحظة التي يكون فيها النظام متصوراً أو معتبراً على أنه وسيلة للنشاط زائدة، موضوعة تحت تصرف الكبار لضمان امتيازاتهم أكثر من أن يكون وسيلة لضمان المصالح الحيوية للإنسانية، وعلى الأخص حرياتها الأساسية التي عرفت في الاعلان الدولي المشهور لـ (حقوق الإنسان).

стр. 34

ونحن مضطرون إلى أن نلاحظ- في ضوء عشر سنوات من النقاش داخل أروقة هيئة الأمم المتحدة- أن التقدم الأخلاقي الذي يحقق صلاحية هذه المنظمة ليس في رصيد الكبار، فإن الدرجة الكلية للحضارة الإنسانية لا يدل عليها رصيد القنابل الذرية المختزنة في قلاع الدول الكبرى، وإنما يكون هذا التقدم في نمو (ضمير دولي) في العالم، والقوى التي تزيد في هذه الدرجة ليست هي التي ثوفر القوة والرفاهية للكبار، والتي تحاول أن تكون من وسائل القهر والاضطهاد ضد الشعوب (المتأخرة) كما يقولون، وإنما هي القوة التي تقر توازناً اجتماعياً وسياسياً ينسجم مع نمو عالم يجب ألا تعالج فيه المشكلات الإنسانية بمنطق القوة (١)، وإنما بمنطق البقاء، حذراً من وقوع كارثة. ولقد سيطرت على الحياة الدولية- بكل أسف- (إرادة القوة) التي لا تفارق حضارة القرن العشرين، فهي قانون للنفسية الغربية، قانون يسجل التأخر الخلقي لإنسان الغرب، حتى كأنه يعيش في القرن التاسع عشر. وأحياناً يبدو وكأنه يجر الخطى في القرون الوسطى عندما يستمد غذاءه الروحي من تاريخ محاكم التفتيش، ومن سيرة فرسان الاستعمار، بينما أصبحت عبقريته الصناعية نفسها ترفض أطماعه وادعاءاته عن غزو العالم، كأنما خلقه الله ليغذي به ترفه فحسب. وفضلاً، عن ذلك فإن (إرادة القوة) هذه جبن تُجاوز أهدافَها تُحطم حقيقة الوضع المزدوج الجغرافي السياسي الذي ذكرناه، فإذا بها تعمل على إظهار لفظ جديد، في ثالوث مكون من (كتلتين) و (مجموعة مستعمرة)، فيجد العالم (المتحضر) نفسه منشقاً طبقاً لـ (ميكانيكا) خاضعة لأخلاق جذبية ولصناعة

стр. 35

طردية. فأوروبا المدفوعة بصناعتها في العالم، تلك الصناعة التي تقهرها على المساكنة والجوار، قد انتكست دائماً بأخلاقها إلى قاعدة الانطلاق الفكري التي انطلق منها الاستعمار، فهي تعود دائماً إلى العنصرية، وإلى احتقار الإنسانية. تلك العنصرية التي مر لها أخيراً مشهد محزن بقرية صغيرة بمقاطعة المسيسبي ( Mississipi) حيث قام سبع مئة مواطن بمظاهرة صاخبة بمناسبة مقتل الفتى الزنجي (إيميت تيل Emmet Till)، لم تكن هذه المظاهرة من أجل الثأر للضحية المسكينة، وإنما من أجل الدفاع عن قاتليها، ولقد دلل المحامون الذين توجهوا إلا القضاة في ختام مرافعتهم قائلين: ((إن أجدادكم سيتململون في قبورهم، لو أنكم أدنتم هؤلاء المتهمين لأنهم قتلوا زنجياً))، أقول: ((دللوا على معرفتهم بنفسية هذه العدالة، التي تعرف الجزائر الآن إجراءاتتها المشؤومة)). وأياً ما كان الأمر، فحين نأخذ في اعتبارنا من ناحية هذا الدفع للحضارة الغربية الناشئ عن صناعتها ومن أخرى ذلك الانطواء الذي تفرضه عليها فلسفتها الأخلاقية، فسنصل إلى هذا الوضع الشاذ بنتائجه السياسية التي يقتضيها، أعني نوعا من التحلل، يصيب إرادة القوى لدى الكبار بفعل تأثيره الخاص. فإذا بإرادة الكبار وقوتهم لا يتخذان الاتجاه نفسه، إذ تدفعهما القوة إلى المستقبل، وتردهم (الإرادة) بعنف إلى قوانين الماضي. ولهذا الوضع الشاذ صورته الحية التي تتمثل في أن الصواريخ الموجهة، والتسلح الذري لا يزيدان قوة الكبار إلا صورياً. فقد أصبحنا في عالم متحد الشكل، تجبره القوة- لا الأخلاق- على أن يلتزم حدوده، فلا يستمر في بسط إمبراطورية استعمارية، لدرجة أن هذا الوضع الشاذ ينتهي إلى حالة أكثر غرابة، هي أن (الوسائل) التي يتحكم فيها الكبار قد حددت نطاقها، ولم يكن هذا التحديد في النهاية طبقاً (لإرادة القوة) لدى حائزيها، وإنما طبقاً لمطامح الشعوب المستعمَرة الإفريقية الآسيوية وإرادتها للبقاء.

стр. 36

وكان من النتائج السياسية لهذا الوضع وجود نوع من الحياة الديمقراطية يوزع- ولو نظرياً- المسؤولية الدولية، لا على أساس (القوة)، بل على أساس (البقاء) أو (الضمير). وأوضح دلالة على هذا مثلاً، ذلك الجزء من المسؤولية الذي تتمتع به في الأمم المتحدة دويلة نصف مستعمرة، هي دولة (هايتي)، والذي خولها أن تقرر مصير الشعب الليبي. وأن تنتزعه من بين مخالب الاستعمار، على الرغم من إرادة بعض الكبار. وإن إدراج مسألة الجزائر في جدول أعمال الأمم المتحدة، لشاهد آخر على هذا التطور، الذي يعد من الناحية المادية من عمل الكبار. ولكنه يخرج من أيديهم، حتى كأنه شيء لم يقدروا حسابه، فيقلب تقديراتهم، وتكهناتهم، وامتيازاتهم. ولكن يجب أن نبين هذا الشيء- الذي لم يقدروه- بصورة عملية لكي نفهم ما يحتويه من شحنة متفجرة، ومدى تأتيره في الحالة الراهنة. ففي منطق حضارة هذا القرن، حيث يرد كل شيء إلى مقياس ((القوة)) وبالتالي إلى مقياس النصر أو الهزيمة، يجب أن نقول بأنه كأنه كان ((نصراً للشعوب المستعمَرة)) و ((هزيمة أوروبية))، لكي نفهم مبلغ أهميته في نفسية الغرب الحالية، وأنعكاساته على السياسة الاستعمارية خارج أوروبا، إنها نفسية حالة الاحتضار، أو هي تقريباً هذه الحالة، أعني الحالة التي يكون فيها الشعور غير المتعقل بالخطر القاتل، وما ينشأ عن ذلك من حسرة عارمة، سبباً في خلق رد فعل عنيف. وليست الأحداث الدامية التي عاشها العالم منذ عشر سنوات- تلك الأحداث التي تتفاوت في عنفها وتلطخها، في إندونيسيا وفي مدغشقر وفي إفريقية الشمالية- إلا النمو التاريخي لتلك النفسية الاحتضارية.

стр. 37

فمنذ عام ١٩٤٥م ونحن نرى مأساة الأخذ بالثأر، إذ يريد الاستعمار أن يثأر مقدماً لموته الوشيك في البلاد التي تخلع نيره، وتنبذ غله. وما هذه الآلاف من الرجال المقتولين والمعذبين في البلاد التي ما زالت تحت نير الاستعمار، ليست هذه- واأسفاه- إلا ضحايا هذه المعركة الدامية، معركة الأخذ بالثأر، التي لا يرى الاستعمار خلالها في شعوب المستعمرات شيئاً مقدساً؛ لا دماءها، ولا أعراضها، ولا حقوقها الابتدائية. وإن انفجار التفرقة العنصرية في جنوبي إفريقية، حيث أغلقت الكلية الجامعية الوحيدة للملونين في (فارت هار Forte Hare) لينبع من المرض العقلي نفسه الذي يسمى (الذهان). فكل هذه الجرائم تعاويذ دامية، ووسائل مقيتة لسحر أسود مشؤوم، يريد إنقاذ سيادة البيض بأي ثمن. في هذه الحالة الخاصة بالعقل الغربي يجب أن نبحث عن مبعث هذه الجهود المنحرفة التي لا يكفون عن أن يقفوا بها في وجه الاتجاه الطبيعي للعالم، في سبيل التطور السلمي الأفرسيوي. وإن إرادة الكبار بما تتمتع به من حق الاعتراض- الفيتو- في المناقشات الدولية لتعتبر في الواقع التيار المضاد لاطراد التاريخ: تياراً مضاداً محملاً بكل العناصر السلبية التي تملكها حضارة لم تستطع أن تتغلب على مصاعبها الأخلاقية. وهذا الجمود الأخلاقي كله هو الذي يضغط بثقله على المصير الإنساني، معطلاً التاريخ، تاركاً الأحداث تجري في مكانها. هذا النوع من الافتقار يتمثل طبعاً في سنوات خالية من التاريخ، ففي إحدى صور تأبين عام ١٩٥٢م، العام الذي بدا لأحد النقاد خالياً من التاريخ، ترجم هذا الناقد عن ملاحظته بمقارنة مقتبسة من هذه- الأوبرات- التي تنشد فيها الجوقات: (فلنسر .. فلنسر)، دون أن تتقدم. ولقد أرادت السياسة الغربية بما يقرب من هذه الطريقة، أن تدفع العالم إلى التقدم منذ عام ١٩٤٥م، فلم تكف الجوقة عن أن تنشد نشيد التقدم والحضارة،

стр. 38

وأن تصيح: ((إلى الأمام ... إلى الأمام ... ))، ولكن كلما كانت تظهر محاولة، للتقدم الفعلي في إفريقية وآسيا، كان الفيتو يوقفها بطريقة أو بأخرى. فقد تحدث أحد رؤساء الحكومة السورية فيما مضى، عن إمكانيات المساعدة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد العربية، مع أحد مراسلي الصحف الذي سأله في هذا الموضوع. لقد قال: ((إن هذه الإمكانيات موجودة نظرياً، ويكفي - في نظره- أن نتصور خطة لمشروع ممول من إيرادات البترول في المنطقة)) ولكنه أضاف قائلا: ((إن الشركات البترولية تثير اعتراضاتها عندما تتحرك فكرة مشروع كهذا، فلسان الحال إذن يقول: سيروا ... سيروا ... ولكن لا تستخدموا تعويضاتنا من أجل هذا ... )) هذا التعطيل يهدف طبعاً إلى عرقلة تطور الشعوب، وإلى تأخير ساعة تحررها السياسي والاقتصادي. وبهذه الطريقة، وفي سبيل هذه الغاية، فرض الاستعمار على التاريخ تأخراً ضاراً: فرب أمر كان ينبغي أن يحدث عام ١٩٤٥م، لم يحدث حتى الآن. وإن الاستعمار ليدين لهذا التأخير بنوع من تأجيل الحكم عليه، هو الذي كرر مأساته الدامية في العالم. لقد أذنت ساعة سقوطه، ساعة إلغائه من مجال السياسة، ومجال الفلسفات الفكرية التي تغذيه منذ وقت طويل. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية عشنا وكأننا في فراغ من التاريخ، لتأخر صدور هذا الحكم وما نتج عنه، وكأننا نمر بمرحلة غير تاريخية، حيث وجدنا الأحداث المرتبطة بتطور الأشياء معطلة، معلقة، مؤخرة. فهناك تخلف بين جدول هذا التطور، وجدول الأعمال والمحاولات السياسية، ويتجلى ذلك خاصة في محاولات الأمم المتحدة حل المشكلات ذات الطابع الاستعماري، فإذا بهذه المشكلات تتسكع من دورة إلى أخرى، دون أن تجلب لها سنوات التسكع حلاً، وأبلغ مثال على ذلك مشكلة شمالي إفريقية (١).

стр. 39

ولكن كلما زاد تعطل التاريخ، تراكمت الأحداث المتخلفة عن الفيتو الاستعماري خلف السد الذي يريدون به إيقاف اطراده، فهناك ضغط خطر يزداد في العالم، وربما انهار هذا السد الصناعي تحت ضغط التطور المنطلق الجبار للشعوب الأفرسيوية، وتحت اندفاع إراداتها الشعبية كما انهار في الصين الشعبية، وفي الهند الصينية، بقيادة (هوشي منه). هذا بالضبط هو الشكل الدرامي للأزمة الراهنة، فعندما يغذي الناس أحلامهم من الوهم الساذج في أن يعيدوا تاريخ الماضي، فإن الطاقات الطبيعية تنطلق لكي تصنع تاريخ الحاضر والمستقبل. وإذا كان الناس يرتابون، ويقدرون، ويترددون، فإن الطاقات المنطلقة تمضي حتماً إلى غايتها. إن إرادة الشعوب طاقة من طاقات الطبيعة التي تقلب التقديرات، طاقة لا يمكن أن يقاومها سد، مهما كان متيناً محكماً. وإن انتصار إرادة هذه الشعوب على محاولات الكبار لهو قدر حتم من أقدار التاريخ. وبقي أن نذكر مساهمة الغرب الكبيرة في هذه الحتمية. فإن عبقريته الصناعية هي التي أسرعت بالتاريخ، وعلى الرغم من هذا فهو يريد أن يعطله، فإذا كان الغرب متأثراً بعلمه، قد وضع العالم على عتبة العصر الذري، فقلب بذلك جميع عناصر المشكلة الإنسانية، فإنه يريد مدفوعاً بأخلاقه أن يعيد العالم إلى القرون الوسطى، والتناقض المحزن بين هذين الوضعين مفهوم بيِّن. وإذا كانت عبقرية الغرب قد أنشأت بنفسها أحد العناصر التي حتمت الاتجاه المنطلق للتاريخ، فلم تدعه يرجع إلى الوراء، فإن هذه العبقرية قد برهنت على أنها لا تستطيع أن تكفي نفسها بنفسها، وبرهنت الأحداث الدولية الحالية على عجزها الأخلاقي عن أن تحتل مكان القيادة في العالم. إذ لكي تتحمل أعباء هذه القيادة لا بد من سلطة أخلاقية، ودفعة روحية مما لا وجود له في هذه العبقرية الصناعية، ولا في مبادئها ولا في توجيهها.

стр. 40

وربما كان هذا الفصل أو التميز أقل وضوحاً، إذا لم نضع المناقشة في الإطار الثقافي الغربي حيث يصبح تعبير (النجاح الصناعي) مقصوداً به (النجاح) في كل شيء، وحيث ترد المشكلة الإنسانية إلى مبادئ ميكانيكية تأخذ صفة مقاييس، والواقع أنه من الصعب أن نهرب من سيطرة الوهم الميكانيكي في هذا الإطار، فلقد رأينا أثر هذه السيطرة في بعض المناقشات الحديثة في الغرب، مثلاً بمناسبة الدراسة التي نشرتها اليونسكو ضد العنصرية بعنوان (الجنس والتاريخ) للكاتب كلود ليفي ستروس ( Claud Levi Strauss)، عام ١٩٥٢م، فإن هذه الدراسة لم تعدم أن تثير بعض التعقيبات؛ وخاصة تلك التي كان كاتبها يؤكد فيها أن سيطرة الغرب الصناعية إنما تعتمد بكل تأكيد على سيطرة قيمه الخلقية. ويمكن تفسير هذا الوهم كما يفسر الخطأ النسبي الذي يقع فيه من يرى حركة، وهو راكب في جهاز يتحرك أيضاً، فهو يرى حركة نسبية يحاول أن يصدر عليها حكماً مطلقاً. والعقل الغربي وثيق الصلة بنظامه الثقافي، فمن الصعب عليه أن يتخلص من الوهم الميكانيكي، أي من صلته بهذا النظام، حتى يصدر عليه الحكم الصحيح. فهو أسير العبقرية الصناعية، ما دام يطبق نتائجها هذه، على المجال الأخلاقي، بحيث ينسب النجاح المادي إلى فضيلة خلقية. وعلى كل حال، فإن مما يزيد الوهم أن للوسط الغربي فضائل خلقية جميلة؛ شهد بها (غاندي) أكثر من مرة؛ ولكن هذه الفضائل ليست سوى فضائل داخلية أنانية لا إشعاع لها. والعقل الغربي- وخاصة في التعقيب على نظرية كلود ليفي ستروس- لا يجعل في اعتباره هذا الوضع الخاص، لأنه- هو نفسه - ذاتي، أناني من الوجهة الأخلاقية. فالفضيلة الغربية لا وجود لها بالنسبة إلى العالم، لأنها لا تشع على عالم الآخرين. والغربي لا يحمل فضائله خارج عالمه- هو- فخارج حدوده الأوروبية لا يكون إنساناً؛ بل أوروبياً، وهو لا يرى بعد
следующие страницы →