الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١)، وهل نصدق من يقول: إن الصدق والأمانة كانتا في الجاهلية ولم يأت الإسلام بهما؟!!، وإذا دعونا أمة تدين بتحريم تعدد الزوجات فهل سنقول لهم: إن تعدد الزوجات محرم عليكم بعد إسلامكم؛ لأن الإسلام لم يأت بتعدد الزوجات وإنما أتى بالحد منه على من يكثرون منه!!.
وأما المصطلحات المعاصرة التي انتشرت في الثقافة الغربية ولها مدلولات تخالف أحكامًا إسلامية قطعية؛ مثل المساواة بين البشر وحرية العقيدة ... ، فالإسلام دين العدل ولكنه لا يساوي بين المختلفين؛ فهناك فرق بين الرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعالم والجاهل، والتقي والفاجر، فضلاً عن المسلم والكافر، قال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ (٢) وقال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٣) فهذه أحكام شرعية حتى وإن ادعى الكفار الغربيون أنها تخالف المساواة وأنها تسمح بالتفرقة العنصرية، وهكذا حرية العقيدة، فالإسلام لا يسمح للمرتدين والملحدين بالعيش في بلاد الإسلام، وأما الكفار من يهود ونصارى فلهم أحكام تحدد لهم المسموح وغير المسموح، وتفاصيل هذه الأمور معلوم في الشريعة الإسلامية، ولا يمكن أن نقبل بهذه المصطلحات التي يمرر تحتها كثير من المخالفات؛ ولكن د. علي جمعة يقول: "هناك مساواة بين البشر، فأصلهم
стр. 37
واحد، ومصيرهم واحد، وهو الموت، والخطاب الإلهي إليهم واحد" (١) ويقول: "الإسلام ساوى بين الرجل والمرأة، والنبي ﷺ يأتي ويؤكد هذه المساواة فيقول: (النساء شقائق الرجال) (٢)، يعني في التكاليف وفي الواجبات وفي كل شيء" (٣) ويقول: "حرية الرأي والاعتقاد مكفولة لكل أحد" (٤) ويقول: "قبول المعيشة مع الآخر الذي أختلف معه في توصيف فعل المكلف، فأنا أرى أن هذا الفعل منهي عنه، وهو حرام، وهو قد لا يرى أنه حرام، أو قد لا يرى أن هناك ما يسمى بالحرام أصلاً؛ لأنه يؤمن بالله ولا يؤمن بالوحي، أو لأنه لا يؤمن لا بالله ولا بالوحي، مع أنه أيضًا وهو في هذه الحالة الإلحادية يجعل هذا على نطاق نفسه، ولا يدعو إليه، ولا يضغط على المجتمع من أجل أن يسير وراءه في هذا الهراء، بل إن ذلك يمثل محض رأي شخصي يحتفظ به لنفسه" (٥) ويقول: "يطالب المسلم المجتمع الإسلامي وغيره أن يكفل للإنسان حق المعتقد وحق التعبير عنه بحرية ودون قهر أو إكراه" (٦) ويقول: "يعتقد المسلمون دائمًا أن الإنسان مهما كان معتقده له الحق في العيش في أمان وسلام داخل وطن المسلمين" (٧).
стр. 38
خامسًا: ذكر صفات الباطل بدقة ثم التلبس ببعضها
من الأمور الغريبة التي قد تشوش ذهنية بعض المتتبعين لنتاج د. علي جمعة أنه أحيانًا يتكلم عن الأدواء والأباطيل بكلام حق صريح، فيُظن به أنه نجا من هذه الفتن التي يحذر منها، ولكن الحقيقة أنه أحيانًا يقع في عين ما حذر منه، ولله في خلقه شئون، ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- قال: "وفي هذا العصر نجد أن بعض العلماء قد اضطر تحت وطأة إصرار النساء على وضع المانيكير والباديكير وترك الصلاة بأن يفتي بأن حكم المانيكير مثل حكم المسح على الجورب، يعني أنه لا يمنع المرأة من الصلاة، وهذه في الحقيقة مصيبة كبرى في البيت وعلى الأولاد وعلى الزوج وعلى البركة وعلى كل شيء، فهذا عبث لا يمكن أن يفتى به" (١).
فهذا الذي ينكره من وقوع بعض الدعاة تحت ضغط الواقع والإفتاء بأمور مستغربة بحثًا عن مخرج ولو كان باطلاً، هو ما وقع فيه د. علي جمعة كثيرًا تحت نفس الضغط، فمثلاً يسأله شخص عن حكم الاتفاق على عدم وقوع الطلاق إلا عند المأذون، فيرد بأن هذا مخالف لنصوص الشريعة، ولكن يمكن الاجتهاد الجماعي فيه؛ لعل هذا الاجتهاد الجديد يغير ما استقرت عليه الفتوى، وإليكم نص الفتوى: "هل هناك مانع شرعي من الاتفاق في بلد ما على ألا يتم الطلاق إلا كما تم الزواج، يعني لو تم عند المأذون لا ينتهي إلا عند المأذون؟
الجواب: هذا في الحقيقة سؤال وجيه، ولكن ينبغي ألا نتسرع فيه، بل
стр. 39
ينبغي أن يتم هذا الاتفاق من خلال جماهير علماء المسلمين والمجامع الفقهية.
قد نرى نوعًا من المهازل التي تحدث في الطلاق، فكل شخص يفرط في لفظ الطلاق مرة بلا وعي ومرة بلا معنى ومرة يقول: قصدت التهديد، ومرة يقول: قصدت الطلاق، ومرة يقول: والله لا أعرف ماذا قصدت، فهذه صور مختلفة، وهذا التفريط حرام، وفي الحقيقة قد شاهدنا أشياء عجيبة الشكل وألفاظ أخرى تتعلق بقضية الطلاق، ونسمع حالات أخرى، مرة يكون غضبان وهو لا يدري لماذا غضب، ومرة يكون يائسا، وهذه قضية مهمة ينبغي على علماء المسلمين أن يلتفتوا إليها وأن يجتمعوا عليها، فهي مسألة اجتماعية مهمة لا ينبغي لأحد من الناس أبدا أن ينفرد بالفتوى فيها، ولا أن يدعو إليها إلا من خلال مجامع الفقه، وهي: هل نحن نريد أن نسلب الرجل حقه في التطليق كما فعلت شرائع أخرى غير شرائع الإسلام، أم نريد أن نجعل الطلاق هو الأصل ولكننا نريد أن نوثق الطلاق وأنه لا يعتد بالطلاق إلا إذا كان موثقا وبشهود، والشهود عند أهل السنة إنما هو على سبيل الندب وليس على سبيل الركنية، وهذا الطريق لا يحتاج إلى نية، وإذا قال لها شيئا آخر يفيد الطلاق مثل: انفصلنا خلاص، انتهى الذي بيننا، فنريد أن نعرف إذا كان يريد الطلاق أن يقع أم لا كما فصلناه من قبل. إنما السؤال الآن: هل يجوز لمجمع فقهي أن يجتمع ويقرر هذا في البلد ويشيع هذا في الناس ويقول لهم: عليكم بالتزام المأذون تطليقا كما ذهبتم إلى المأذون زواجا، أي ترغبون في الزواج وأن أي شيء صدر في ثورة الغضب أو في ثورة التعليق أو في كذا إلى آخره لا ينظر إليه ولا يعتد به، فهذا في
стр. 40
الحقيقة أمر يحقق مقاصد ويحقق مصالح، إلا أنه ليست نصوص الشريعة التي بين أيدينا ولا فهم الأئمة عبر العصور يساعد على تحقيق هذه الصورة، فهذا يحتاج إلى اجتهاد جديد، ولا يتم هذا الاجتهاد الجديد من شخص بعينه بحيث لا يحدث ذلك نوعا من الفتنة في البلاد، فنحن نحتاج إلى مراجع فقهية تتفق على مثل هذا الحال، وبذلك ينتهي حال الطلاق السيئ وننتقل إلى طلاق الذي هو عقد فسخ والذي هو عقد قد جعله الله بداية حياة جديدة وتجربة جديدة: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (١) وطلب السعادة للطرفين، إذًا فهي مسألة جديرة بالبحث بين العلماء، ومسألة تحقق المصالح التي لا يمكن الإفتاء بها مستقلة، لكن ينبغي أن تكون من خلال فكر العلماء وفكر الفقهاء وفكر المجامع الفقهية" (٢).
ونراه يقع تحت ضغط هجوم الغرب على الإسلام فيتكلم بانهزامية عن بعض أمور الإسلام كالحجاب والاختلاط وتأديب الزوج زوجته؛ فيقول: "قضية الحجاب، وقضية الاختلاط بين الجنسين، وقضية جواز ضرب المرأة للتأديب، ونحو ذلك، ولقد كان الشيخ عبد الرحمن عليش في بدايات القرن العشرين يرى أن هناك فقهًا للأقليات المسلمة، وأن العقلية الغربية يمكن لها أن تفهم الإسلام فهمًا موازيًا للعقلية الشرقية، وأنه يمكن لعلماء الغرب المسلمين أن يكونوا مدرسة جديدة قد تكون غريبة على علماء المشرق، وهذا الذي تطور فيما بعد فيما أطلق عليه بفقه الأقليات، ونرى محاولات جيدة فيه
стр. 41
عند فتحي عثمان في كتابه (مفاهيم القرآن) بالإنجليزية وكتاباته في فقه الأقليات، وطه جابر في كتبه المعرفية المتعددة حول فهم القرآن الكريم، وفيه كتابه عن قضية الردة وهي إحدى القضايا التي يهتم بها أيضًا الفكر الغربي، وعبد الحميد أبو سليمان في كتابه عن تفسير ضرب المرأة الوارد في القرآن، وهم من المعاصرين ... ، وأنا أقترح عمل مؤتمر يجمع جميع الأطياف لعلماء المسلمين في الغرب؛ كنوح كلر، وعبد الحكيم وينتر، وخالد بلانكشير، وحمزة يوسف، وسيد حسين نصر، مع من ذكرنا سابقًا، على برنامج موسع لمثل هذه القضايا وغيرها؛ للبحث وإبداء الرأي الذي ليس بالضرورة يكون مجمعًا عليه، فإن الواقع يحتاج إلى الآراء المتعددة" (١).
ب- قال: "نرى الآن محاولة لتبرير أحكام الإسلام، نرى وصفًا لها بأن الإسلام يدعو إلى الديمقراطية والتعددية، ويحافظ على حقوق الإنسان، ويرعى حقوق المرأة وينصفها، من أجل أن نقول للغرب وللمهيمنين على العالم: الإسلام يقول ما تقولون مما لا تفعلون فأسلموا، نتوسل إليكم أن تسلموا، نرجوكم، نقبل أيديكم وأرجلكم!! " (٢).
فلننظر إلى هذا الإنكار الشديد على هؤلاء المهزومين، ثم لننظر إليه وهو يفعل ما ينكره، فيزعم أن الإسلام وإن اختلف مع العلمانية إلا أنه يؤيد التطبيق العملي للغرب لما يسمونه بحرية الاعتقاد فيقول: "حرية الاعتقاد التي سمحت للمسلمين أن يعيشوا في الغرب، ولم يكن هذا متاحًا في الماضي، بل كان التعصب الديني يمنع
стр. 42
وجود التعدد الديني والثقافي، وقد حدثت حروب كتهجير وإبادة من أجل وحدة الدين، ونعرف ما حدث في الأندلس كمثال لا نقف عنده كثيرا الآن، وهذه الحقيقة قد تغيب عن كثير من المسلمين، ولا بد من إيضاحها واستقرارها في أذهانهم، وهي إحدى مميزات العلمانية التي يجب تفهمها بالرغم من رفض كل المتدينين المسلمين وغير المسلمين لعقائد العلمانية، إلا أنها نجحت في إقرار التعددية التي سمحت للمسلمين بالانتشار في العالم، وقد لا يقبل كثير من المسلمين هذا بسبب أن دينه قد قبل الآخر، وقبل التعددية الملية والمذهبية عبر تاريخه وفي كل أقطاره، فلديه تجربة وصلت إلى نفس النتيجة دون حاجة إلى تنحية الدين، وحصره في نطاق الاعتقاد الشخصي، إلا أن هذا لا يزال في نطاق التجربة التاريخية أما الواقع المعيش، فهو كما ذكرنا" (١).
والحقيقة هي أن مصطلح حرية الاعتقاد الغربي يعني السماح لأهل الأديان المختلفة بنشر أديانهم ودعوة مخالفيهم للدخول في أديانهم، وهذا ما لا تسمح به الشريعة الإسلامية، وتجعل من يدعو المسلمين للردة ناقضًا لعهده إن كان معاهدا، والشريعة الإسلامية لا تعقد عقد الذمة إلا لأهل الكتاب، والشريعة الإسلامية تقف موقفا حازما من الردة والمرتدين.
ج- يقول: "أُمِرنا في الشريعة بألا نتلاعب بالأسماء في مقابل المسميات والمعاني" (٢) ويقول: "الآن يكتبون أنه لا بد من الشفافية، يتكلمون بألفاظ لا نعرفها، ويفسرونها لنا كما يحلو لهم، فتملأ قلوبنا وتحتل ما أراده الله
стр. 43
ورسوله، فاحتلال القوات الأجنبية لأرض المسلمين من قبل، فهذا فيه احتلال للحقول وهذا فيه احتلال للعقول، وكلاهما من الاحتلال الذميم" (١).
وإليك هذا المثال للتلاعب بالأسماء في مقابل المسميات والمعاني؛ يقول: "فلو تأملنا آخر سورة المطففين، والله يتكلم عن جماعة من المجرمين يسخرون ويستهزئون بالدين، لوجدنا نفس المعنى، وهو ترحيل الأمر إلى الآخرة، مع النشاط الاجتماعي، والمحاورة، والجوار، ووصف الأمور بأوصافها الصحيحة، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٢) " (٣). فهذه محاولة توهم القارئ بأن الإسلام يقف أمام الباطل موقف الضعيف، ذاكرًا ترحيل الأمر إلى الآخرة، والنشاط الاجتماعي، والمحاورة، والجوار، دون ذكر مصطلحات تراثنا الأصيلة التي لا تحمل غبشًا، ولا تحتمل غير صحيح المواقف وصريحها.
ومن الأمثلة كذلك أنه يستخدم مصطلح الشفافية الذي كان ينكره، ويستدل له من القرآن، تاركا توضيح الحق من الباطل في استخدام هذه الكلمة، فتراه يذكرها في حديثه
стр. 44
عن شروط الدعوة فيقول: "ومن شروطها أن تكون شفافة، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (١) " (٢) فهل الدعوة الشفافة تنافي مخاطبة الناس على قدر عقولهم؟ وهل الدعوة الشفافة تنافي إسرار المستضعفين بالدعوة خوفًا من بطش الطواغيت؟.
د- قال: "إن أسباب الاشتغال بالخرافة خاصة عند بعض الكاتبين، وليس في عموم الناس، هو تبسيط المركب، وكذلك الاستسهال، والاستهانة، وشيء كثير من الكبر، والوهم، وهذه الصفات صفات نقص لا تؤدي أبدًا لا إلى الخير ولا إلى النجاح" (٣).
لكنه لا يبالي بذكر الخرافات مثل قوله: "سيدنا عبد القادر الجيلاني كان يأكل بطة، فدخلت عليه امرأة، قالت له: أتحرم ابني من النوم والأكل والشرب حتى ضعف، وتأكل بطة! فأشار إلى البطة فقامت! قال لها: عندما يكون ابنك هكذا" (٤).
ونحن لا ننكر ما يجريه الله على يد أوليائه، لكن نحن لا نخترع القصص لنثبت قدرة الله، وعندنا يقين بأن الله قادر قوي جل وعلا، ونحن لا نصدق كل غاد ورائح، بل التثبت هو سبيلنا، والنظر إلى من نأخذ عنه الحديث، فمن أين أتى بهذا الكلام؟ وهل ناقلوه ثقات أم معروف عنهم الكذب وتصديق الدجل والخرافات واختراعها؟
стр. 45
عقلية الخرافة هي التي تنكر المحسوس وتدعي الإنجازات الضخمة، مع أن الواقع لا يكاد يخفى على أحد، فمثلاً يقول: "المتأمل في الأخبار المتداولة يجد أن الكيان العبري أصبح ظاهرة صوتية، وأن هناك تطورًا ملحوظًا في الخطاب العربي الذي كان يوصف بذلك في الستينيات؛ حيث تعلم من الدروس وتحول من الكلام إلى العمل، ومن التوهيم إلى الصدق والشفافية وواقعية الهدف، وإمكانية التغيير، وتحول الخطاب الإسرائيلي إلى تصريحات كاذبة تستعمل الأوهام وتقدم الرغبات على الوقائع" (١) وكأنه يتكلم عن نظام عربي غير الذي تعرفه وتمقته الجماهير العربية في مجملها.
عقلية الخرافة هي التي تفتخر بالمثالب والأخطاء، وتجعل الأمور المستغربة المستشنعة فخارًا ونبراسًا للقدوة والأسوة، فمثلاً يحكي قائلاً: "ويروى عن أحد الصالحين وكان يقال له بهلول، وبهلول في لغة العرب كريم؛ لأنه كان كريمًا محبًا رحيمًا بالناس، وكان لأنه ينكف عن الدنيا وسلطاتها وشهواتها يراه بعض الصبيان وكأنه يستحق الاستهزاء فيضربونه بالحجارة، فيقول لهم: وإن كان ولا بد فبصغارها حتى لا أغسل الدم، فعابوه في ذلك، وقالوا له: ألا تضربهم؟! قال: أحب أن آتي يوم القيامة ولم أمنعهم من فرح أرادوه! لا يريد أن يصد الأطفال حتى ولو دخل الفرح على قلوبهم بأذيته" (٢) نعم هكذا فلتكن عقلية الخرافة.
стр. 46
سادسًا: الركون للمبتدعة والأقوال الضعيفة والباطلة
والنقل من مصادر غير معتمدة
ليس كل خلاف معتبرًا، وليس كل مخالف يعتد بقوله في الخلاف، وليس كل ما ذكر في مصدر من المصادر تصح نسبته، ولا بد من التحري عن المخالف هل هو من أهل العلم الثقات أم لا؟ وهل ثبت هذا النقل عنه أم لا؟ وهل مخالفته تستساغ أم أنها من أخطاء الكبار الذين يعرف قدرهم ولا يلتفت لمخالفتهم في هذه المسألة بعينها؛ لأنها شطط لا يقبل؟
والتأمل في هذه الأمور يساعد على تمحيص القضايا، دون ممارسة التخويف الفكري، بدعوى أنك ترد على فلان وتخطئ فلانًا.
وقد ينقل البعض ما يخالف ظاهر الشريعة، وينأى عن الصحيح المشهور من أقوال العلماء، ثم ينسب هذا القول الباطل لإمام من الأئمة، وعند التحقيق تجد أن النقل مشكوك فيه أصلاً، ولم يثبت يقينًا قول هذا العالم بذلك القول، ولو زعم أحد الناس رواية حديث نبوي بمثل هذا النقل لحكمنا على الرواية بالضعف الشديد، ومع ذلك يعتد هذا الناقل بهذا القول المنسوب للإمام، ويقدمه على أدلة الشريعة.
ومن أمثلة ذلك:
أ- ينقل عن محيي الدين بن عربي، الذي اشتهر بالمقولات الفظيعة، وله كتاب فصوص الحكم الذي قال عنه الذهبي: (ومن أردأ تواليفه كتاب الفصوص، فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله) (١)، أما د. علي جمعة فيعظمه وينقل عنه الغرائب؛ فيقول: "وسيدي محيي الدين عنده حكم غريب جدًا يقول فيه:
стр. 47
التصديق بنا ولاية، يعني إذا صدقت بهذا الذي يقال وبكل هذا الذي لم تجربه أو لم تدخل فيه بعد أو كذا، إلى آخره، التصديق في ذاته ولاية" (١).
ب- وينقل عن البسطامي عبارة ظاهرها الضلالة ويحاول تفسيرها بمعنى صحيح، ولكن هيهات هيهات، قال: "قال أبو يزيد البسطامي وكان فيه جذبة: خضنا بحرًا وقف على شاطئه الأنبياء، فظنوا أنه يتعالى على الأنبياء، وهو كان رجلاً مجذوبًا يقول أشياء ظاهرها غير مقبول وحقيقتها لطيفة لا شيء فيها، خضنا بحرًا وقف الأنبياء بشاطئه، قالوا: أي بعدما ذهبوا ورجعوا، يعني هو ذهب وتاه في البحار يتمتع بها ويشاهد هنا وهناك، لكن الأنبياء لكمال حالهم مع الله ذهبوا ورجعوا، وهناك من لم يذهب ولم يعد وهم العوام" (٢).
د- امتدح ابن الفارض وامتدح من ينشد قصائده، وقد قال الذهبي عن ابن الفارض: (فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلال، اللهم ألهمنا التقوى، وأعذنا من الهوى، فيا أئمة الدين ألا تغضبون لله؟! فلا حول ولا قوة إلا بالله) (٣) يقول د. علي جمعة: "هناك ظاهرة تحتاج إلى دراسة وإلى تعامل حضاري معها، هذه الظاهرة اسمها (يس التهامي) أحد المغنين بالمدائح النبوية، والذي بدأ في تخصص الغناء بقصائد ابن الفارض، وإذ به يشيع عند عمال التراحيل وبسطاء القرى في الصعيد، وبدأ الناس يزدادون يومًا بعد يوم لسماع صوته الرخيم، وهو يؤدي قصائد الحب الإلهي
стр. 48
والرؤية الكونية العاشقة لسلطان العاشقين ابن الفارض، أليس هذا غريبًا يحتاج إلى دراسة؟ كيف انصرف المثقفون إلى الهراء السمعي والكلامي، والذي أضيف إليه الهراء المنظور في Video Clip وانصرف البسطاء إلى (يس التهامي) في قصائد ابن الفارض ... كان الناس يتلقون قصائده ويترنمون بها، وقد جرى فيها على طريقة الحب والغرام، والتصوف في حقيقته حب وحنين إلى الذات الإلهية من ذلك قوله:
ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا ... سر أرق من النسيم إذا سرى
وأباح طرفي نظرة أملتها ... فغدوت معروفًا وكنت منكرا
فدهشت بين جماله وجلاله ... وغدا لسان الحال مني مجهرا
ولقد اهتم بديوانه كثير من الأدباء العرب والمستشرقين، ومن هؤلاء المستشرقين الإيطالي جوزيبي سكاتوليني، والذي ربط بينه وبين ديوان ابن الفارض علاقة قوية تزيد عن أربعين عامًا، حيث إنه فرغ نفسه وعكف على دراسة هذا الديوان العظيم طيلة هذه الفترة، حتى أنتج ثمرة جهده من تحقيق لهذا الديوان في نهاية شهر يونيو عام ٢٠٠٤، حيث أقام المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة حفلاً بمناسبة صدور الديوان عنه" (١).
هـ- ومن أمثلة ذلك ما يورده من مواقف دون نسبتها إلى مصدر من المصادر، ويبني مسائل وقضايا على هذه المواقف التي هي في أغلب الظن من تأليف أصحاب الخيال الواسع؛ مثل قوله: "يذكر في الآثار أنهم ذكروا لعمر بن الخطاب ﵁ أحد
стр. 49
اليهود في المدينة قبل أن يجليهم عن الجزيرة، يخبر من وراء الكثيف وكأنه لطيف، يعني يعرف ما وراء الحائط، فأخذ سيدنا عمر ﵁ السيف وذهب إليه، فلما ذهب وطرق الباب، قال اليهودي: علام جئت تقتلني يا عمر؟ من وراء الباب عرف أنه عمر، وعرف أيضًا أنه جاء يقتله، قال له: افتح ولك الأمان، فلما فتح قال له: كيف وصلت إلى هذا؟ قال: ما عرض علي شيء قط إلا عرضته على نفسي، فإن اشتهته أبيته، وإن أبته فعلته، قال له: هذا الذي وصلت إليه من مقاومة نفسك، لما قاوم نفسه منحه الله خوارق العادات وليس الكرامات، هناك فرق بين الكرامات وخوارق العادات، فالكرامات لا تطلق إلا على الأولياء والمؤمنين، خوارق العادات تكون لغير المسلمين، فهي ليست دليلاً على شيء، وإنما نعمة من نعم الله مثل الغنى والبصر .. إلخ. في الأديرة أناس يطيرون في الهواء، وفي التبت ينظر إليك، يقول لك فيم تفكر أو أين كنت بالأمس، هذه نعمة لكنه كفرها أو حصلها كنعم الله كلها، لكنه لم يقم بشكرها؛ لأن أول الشكر الإيمان، فقد يطير في الهواء ويمشي على الماء، لكنه قد يكون كافرًا أو عاصيًا؛ لئلا تخدع بمثل هذه الأمور الخوارق، فليس هذا دليلاً على الولاية، ولا هو لب الدين، ولا هو أصل طريق الله، وإنما طريق الله: الذكر والتربية والخلوة، في أثناء هذا يمكن أن تطير في الهواء، لا مانع، فنحن نطير بالطيارة، ماذا حدث؟ ويمكن أن تمشي على الماء برجليك، وماذا يعني هذا؟ لا شيء، فأنت تمشي بالسفينة، فلا داعي لهذا الخبل الذي يحدث في الدماغ، سيدنا المرسي أبو العباس سمع ضجة، فقال: ما هذا؟ قالوا: ضبطنا
стр. 50
أحد العباد يفعل الفاحشة ومع امرأة متزوجة، فلما أردنا أن نمسك به جرى، فأخرج منديلاً من جيبه وفرشه على الماء ومشى عليه بعيدًا، قال: هذا رجل فاسق، قالوا: أفهمنا ما هذا؟ قال: إن الكريم إذا وهب ما سلب، ربنا عرفه كيف يمشي على الماء، فلا يسلبها منه لأنه عصى وزنا، وأصبح فاسقًا، إذًا فالفاسق يصدر منه الخارقة، والكافر يصدر منه الخارقة أشد من الفاسق، فهذه الخوارق لا تساوي عند الله شيئًا، طريق الله ليس هذا، وإنما طريق الله الذكر والتربية والخلوة، ولذلك قال أهل الله: لو رأيت الرجل يطير في الهواء أو يمشي على الماء فاعرض أمره على الشرع، فإن وافقه فهو على جادة الطريق، ولكن ليس لأنه طار أو مشى، ولكن لأنه وافق الشرع، وإن خالفه فهو شيطان، شيطان طيره معه في الهواء، فيجب عليك أن تؤمن بالغيب في الشهود.
فسيدنا عمر قال له: أسلم فأنت رجل صالح، لو أسلمت ستكون في مرتبة عالية، ولذلك فإن ربنا وهو يتكلم عن هؤلاء في القرآن يقول: (ومن أهل الكتاب) وهذا إنصاف، ولم يقل كلهم، بل قال: ومنهم، وهذا منهم، هذا يدل على أن القرآن من عند الله؛ لأنه منصف إنصافًا لا يرد على خاطر البشر، فقال له اليهودي: أعطني ثلاثة أيام أفكر، ثلاثة أيام ثم جاء وقال له: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قال له: ماذا حدث؟ قال له: عرضت الإسلام على نفسي فأبت إباء شديدًا، فأسلمت، إذًا صدقُ التربيةِ نجاه، وهذه هي الرياضة، هذا هو الصدق مع النفس، وكان سبب إسلامه أنه عرف المفتاح، فلما جاءت في هذه القضية كان منصفًا، فقد سأل
стр. 51
نفسه: لماذا أنت ضد الإسلام؟ العنجهية العرقية الحقد والحسد، كشف أمام نفسه، فقال: أنا أهرب من كل هذا، وإذ بي ملآن في قلبي منه؛ من الحقد، ومن الحسد، ومن التفاخر والتعالي إلخ، إذًا أنا رجل شرير، تبنا إلى الله، أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فأسلم فنجا" (١) أما قوله إن الكريم إذا وهب ما سلب فيراد منه التلبيس؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ (٢).
وكثيرًا ما يغتر بمخالفات بعض المتأخرين، ويتتبع الشاذ والمهجور من الأقوال؛ محتجًا مثلًا بأن هذا قول السيوطي، أو ابن عابدين، أو عليش، أو محمد عبده، أو شلتوت، ظنًا أن ذكره لهم ينفي عن بعض هذه المخالفات الشذوذ والاضطراب.
стр. 52
سابعًا: الإبهار
الإبهار وسيلة تستخدم أحيانًا في الإقناع؛ بذكر أمور عجيبة، توهم القارئ بسعة علم واطلاع المتكلم، ولكن عند التأمل نجد أن هذه الأمور لا تفيد الاستدلال شيئًا، وقد تكون محاولة لإظهار التفوق، وهذه المعلومات تفتقد أحيانًا كثيرة للمصداقية؛ لأنه لا يمكن التأكد منها، أو يمكن التأكد منها بمشقة وصعوبة.
وهذه نماذج لبعض المعلومات العجيبة التي يذكرها د. علي جمعة، وقد تأخذ بلب البعض، ويسلم له في بقية آرائه، مع ظهور خطأ بعضها بأدنى تأمل:
أ- قال: "وكنت أسمع مشايخي يتكلمون عن حالة (الانضباع)، وتلقيت منهم شفويًا أنها مشتقة من الضبع وتصرفاته، وذلك أنه إذا أراد افتراس فريسته نظر إليها، وأحدث لها ما يشبه التنويم المغناطيسي، ثم يسير فتسير وراءه حتى مكمنه، ثم يقتلها هناك، بعد أن يعلو ظهرها ويبول عليها، وفي بوله مخدر، فيوفر على نفسه مقاومتها ونقل جثتها إلى بيته، وتقال هذه الكلمة لمن يسير إلى حتفه بقدميه وظاهر إرادته من شدة جهله بما حوله، ولقد بحثت كثيرًا عن هذا المعنى في الكتب التي تحت يدي، فلم أجده؛ لا في المعاجم ولا في كتب حياة الحيوان، وآمل ممن عنده توثيق لذلك الخبر الشفوي أن يمدني به" (١).
فهذه معلومات غريبة، قد تستهوي بعض المعجبين بالغرائب، ولكنها لا تعني أبدًا أن نسلم له فتاواه الشاذة والباطلة.
стр. 53
ب- قال: "هناك نحو مليون ومائتي ألف مسألة فقهية" (١) ولا أدري ما هذا العدد؟ ومن قام بعده؟ وما ضابط العد؟ أهي مسائل وقعت أم مفترضة؟ ولكن الأعداد الكبيرة لها رونقها.
ج- قال: "وحبة الخردل حبة خفيفة الوزن، حبة الشعير أو القمح تساوي نحو ٦٠٠٠ من حب الخردل" (٢) وقال: "حب الخردل أخف البذور؛ فالستة آلاف منه تساوي جرامًا" (٣).
د- قال: "إن المسلمين قد قسموا القرآن إلى ثلاثين جزءًا، وهذه الأجزاء متساوية في عدد الحروف، ولذلك أمكن في طبعات القرآن أن يكون كل جزء في عشرين صفحة" (٤).
هـ- قال: "أبو الوفاء بن عقيل كان يسف الأرز ... وكان عندما يدخل دورة المياه يحضر اثنين من العبيد يقومان بالقراءة بصوت مرتفع، حتى لا يضيع الوقت" (٥).
وقال: "إن آخر الأبحاث ترى أن أشد الناس التزامًا بالصدق يقع في الكذب مرتين على الأقل يوميًا" (٦) وبعد سنتين كرر كذلك أن آخر الأبحاث تقول هذا الكلام في مقال بجريدة الأهرام، بعنوان الكذب حرام، بتاريخ ٢٣ - ٧ - ٢٠٠٧م.
стр. 54
ز- قال: "هذا التاريخ الذي نرى فيه أكثر من تسعين امرأة وصلت إلى الشأن العام إن صح التعبير، شجرة الدر تولت الحكم، ثمن تولت القضاء، بل تولت القضاء أكثر من تسعين امرأة في تاريخ المسلمين" (١) ولا أدري أي قضاء هذا وأية مفخرة هذه؟.
ح- قال: "الجن نوع من المجردات؛ أعني الموجودات اللطيفة غير الكثيفة، الخفية عن حاسة البصر والسمع، منتشرة في أمكنة مجهولة ليست على سطح الأرض ولا في السموات، بل هي في أجواء غير محصورة، وهي من مقولة الجوهر من الجواهر المجردات، أي ليست أجسامًا ولا جسمانيات، بل هي موجودات روحانية مخلوقة من عنصر ناري" (٢) وهذا كلام قد ينبهر به من لا يعرف حقيقته، ويغتر بهذه الأماكن التي ليست على سطح الأرض ولا في أجواء السموات!!!.
стр. 55
ثامنًا: القواعد والأصول المخترعة
القواعد والأصول تبنى على الاستقراء، وتتوخى تحقيق المقاصد، ويحتاط في إطلاقها حيطة كبيرة، ويهتم بتحرير حدودها وضوابطها، ويحذر من تعميمها على غير أفرادها.
لكن الملاحظ عند د. علي جمعة أنه يكثر من القواعد في أثناء أحاديثه، دون مبالاة بتحريرها، ثم يعممها، فيخرج بنتائج تصادم الأصول الصحيحة، وتلبس على الناس كثيرًا من الأمور.
ومن أمثلة ذلك ما يلي:
أ- تتكرر الأحاديث المشكلة التي يلقيها د. علي جمعة، وتطير أخبارها في كل مكان، وتتعدد طرق فهم أحاديثه، ثم نجده لا يصحح مفهوم كلامه، ويترك الناس على أفهامهم، وإذا لامه أحدهم أخرج من جيبه قاعدة رماها في وجه من يلومه، ألا وهي: لا ينسب لساكت قول، تاركًا التبيين والتوضيح، كما وضح هذه القاعدة في قوله: "وقال بعضهم: إن هناك أشياء لا يمكن إلا وأن تكون قد صدرت منكم، فقلت له: كيف هذا؟ فقال: لقد نشرت مرات. وهذه عقلية مرفوضة مع ما نراه ونعرفه من أن أغلب الناس لا يتوثقون التوثق الذي تعلمناه" (١) وقال كذلك: "الأصل أنه لا ينسب لساكت قول .. ؛ فالناقل قد يقع في شيء من العوارض البشرية، فإذا سكت المنقول عنه لا ينسب له قول ذلك القائل، ولا بد من التحري" (٢).
ب- عندما يظهر الطعن في فتاوى بعض الناس؛ لفقدهم العدالة المشترطة في المفتي، يأتي قوله مروجًا لفتاواهم، فيقول: "من العبارات الشائعة في كتب الفتوى قولهم: (خذ بفتواه ولا تلتفت إلى تقواه) وهي قاعدة جليلة تنبه إلى الفرق بين علم
стр. 56
الدين وبين التدين العملي" (١) ويقول: "كل المسلمين يستطيعون أن يكونوا من علماء الدين دون شرط من جنس أو نوع أو لون أو حتى تقوى" (٢).
مع أنه هو الذي يقول: "لا تصح فتيا الفاسق عند جمهور العلماء؛ لأن الإفتاء يتضمن الإخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق نفسه، فإنه يعلم صدق نفسه، وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق يصلح مفتيًا؛ لأنه يجتهد لئلا ينسب إلى الخطأ، وقال ابن القيم: تصح فتيا الفاسق، إلا أن يكون معلنا بفسقه وداعيا إلى بدعته، وذلك إذا عَمَّ الفسوق وغلب؛ لئلا تتعطل الأحكام، والواجب اعتبار الأصلح فالأصلح" (٣).
ج- وضع قاعدة، أخطأ صياغتها وتطبيقها، وجعلها مستنده في كثير من فتاواه العجيبة، وهي قوله: "من ابتلي بشيء مما اختلف فيه، فليقلد من أجاز" (٤) فما معنى الابتلاء بالشيء؟ أهو الوقوع فيه، أم الرغبة فيه، أم الاضطرار إليه؟ وما الاختلاف المراد؟ أهو أي خلاف، أم الخلاف المعتبر؟
د- يكثر الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في فتاواه، ووضع لها قاعدة أنه يؤخذ بها ما لم تخالف أصول الدين؛ فقال: "الحديث الضعيف يؤخذ به في فضائل الأعمال، الحديث الضعيف يؤخذ به ما لم يخالف أصلاً من أصول الدين" لذلك لا نستغرب عندما يعارض الأحاديث الصحيحة بالأحاديث الضعيفة والموضوعة مثل قوله عن النبي ﷺ : "كان أصحابه يعظمونه، ويهابونه، ويقومون لهذا الجمال
стр. 57
والجلال تأدبًا منهم، وعجزوا عن ترك القيام، برغم أن النبي ﷺ نهاهم عن ذلك القيام، أخرجه أبو داود في سننه؛ لشدة جماله وبهائه ﷺ ، فقال حسان:
قيامي للحبيب علي فرض ... وترك الفرض ما هو مستقيم
عجبت لمن له عقل وفهم ... ويرى ذاك الجمال ولا يقوم" (١)
فعارض الحديث الصحيح بشعر لا يكاد يوجد في كتب التراث عامة، وكتب الحديث خاصة، إلا حكاية ذكرها بعض الفقهاء المتأخرين في بعض كتبهم بلا سند أصلاً.
هـ- المبرر لكثير من فتاواه التي تسارع إلى العمل بالأمور المشتبهة دون تحر أو تحقيق قاعدته في أن العصر ليس عصر الورع؛ لأن الأخذ بالورع سيعطل الحياة على حسب تعبيره؛ فيقول: "جدد حياتك مع الله، التزم بالحلال والحرام، لا تلجأ إلى محاولة الورع وأن تتمسك به، فالعصر ليس عصر ورع" (٢)، ويقول: "عصرنا هذا هو عصر الحلال والحرام وليس عصر الورع، لو أخذنا بالورع فإن حياتنا سوف تتعطل، والله لم يأمرنا بذلك، فقد أمرنا بالورع على قدر المستطاع، لكن لو جعلنا الورع هو الأساس كما كان قديمًا لم نستطع أن نحيا بصورة نقوم فيها بواجب الوقت" (٣).
وعندما يصدر الأحكام التي تخالف المستقر والثابت، يدعي أن هذا نتاج ما يسميه فقه الأمة الذي يستوعب ما لا يستوعبه ما يسميه فقه الفرد؛ فيقول: "إن كثيرا مِن مشكلاتهم تتمثل في تعاملهم مع فقه الأمة من خلال منظور فقه الفرد، مما
стр. 58
قد يسبب في كثير من الأحيان ضياعَ المقاصد الشرعية، أو ضياع مصالح الخلق، أو عدمَ إدراك مراد الشارع مِن شرعه، أو أن يَكِرّ التصرفُ الذي يحسبه أحدهم مِن الدِّين بالضرر على الدِّين نفسه، وكل هذا من التناقض الذي يسببه فقدانُ الفهم الدقيق للفرق بين فقه الفرد وفقه الأمة" (١) وقال: "وقد شغل فقه الفرد مساحة كبيرة جدًا على مناهج تعليمنا، وعلى أسئلتنا اليومية الحياتية، وعلى خطابنا الديني، بشكل غطّى على فقه الأمة، وكاد أن يجعله في الهامش، بدرجة أن بعض المفكرين والمهتمين بالدراسات الإسلامية من غير الإسلاميين يكادون لا يعرفون عن مجهودات العلماء السابقين في فقه الأمة" (٢).
стр. 59
تاسعًا: ذكر نتائج بلا مقدمات ملائمة
يقوم البعض بذكر مقدمات طويلة، يصول فيها ويجول، ويحاول أن يدلل وأن يرد، ثم تأتي الخاتمة بأمر عجب، وهو الوصول إلى نتيجة أخرى غير التي جادل من أجلها، وغالبًا ما تستخدم هذه الطريقة لكسر حاجز المعارضة لأمر ما، وعندما يظن المؤلف أن الحاجز قد كُسر، وأن القارئ قد تهيأ وسلم للنتائج، يقوم بذكر هذه النتائج، التي لا تتعلق بالمقدمات بقدر تعلقها بحالة الانقياد التي يحاول إيصال القارئ لها، وكثيرًا ما تكون في هذه النتائج مصادمة تامة لكثير من الحقائق والثوابت المعلومة، ومن أمثلة ذلك:
أ- تكلم عن الضرائب، وحاول إيهام القارئ أن هذه الأموال التي تستولي عليها الحكومات ظلمًا وعدوانًا بحجة الضرائب مباحة، ثم كانت النتيجة أن جعل أخذ الضرائب واجبًا فقال: "ولا ريب أن تحكيم هذه القواعد الشرعية، لا يؤدي إلى إباحة الضرائب فحسب، بل يحتم فرضها وأخذها؛ تحقيقًا لمصالح الأمة والدولة، ودرءًا للمفاسد والأضرار والأخطار عنها" (١).
ب- تكلم عن السبحة لنفي البدعية عنها، ولكن المفاجأة أنه خرج بتفضيلها على التسبيح باليد، وليس جوازها فقط، فقال: "والسبحة أداة يجوز للمسلم استخدامها في العد في الأوراد، وهي أولى من اليد إذا أمن الإنسان الخطأ؛ لأنها أجمع للقلب على الذكر" (٢).
ج- تكلم عن أن بعض الأحناف يبيحون أخذ الربا من الكفار في دار الحرب، لكن النتيجة أنه أفتى بجواز دفع الربا للكفار في بلاد غير المسلمين، وأنه لا توجد ديار حرب
стр. 60
بل ولا ديار كفر!!! (١).
د- تكلم عن مسألة وقت رمي الجمار في الحج، وحاول الوصول إلى جواز الرمي في كل أيام منى دون تحديد وقت ما للرمي، ولكن في النهاية وصل إلى نتيجة أخرى، وهي أن العمل بهذا الرأي واجب وليس جائزًا فقط فقال: "فإن الأخذ بفتوى إجازة رمي الجمرات في ساعات اليوم كله وليس الرمي في وقت محدد، واجب شرعي على الحجاج" (٢).
بل إنه حاول تأثيم من يلتزم قول جمهور العلماء في تحديد أوقات للرمي، بدعوى أنه يريد قتل المسلمين!! فقال: "فإن من فضل المزاحمة التي تؤدي إلى موت نفسه أو موت غيره، على العمل بقول وإن كان مرجوحًا قديمًا إلا أنه ترجح في أيامنا هذه صيانة للنفس البشرية، فهو آثم شرعًا، ويخشى عليه من عدم قبول حجه؛ إذ لا يجوز له بحال الإصرار على قول مختلف فيه إذا تيقن موت كل هؤلاء المسلمين، فإن الخروج من الخلاف مستحب وليس بواجب، وقتل النفس من الكبائر اتفاقًا" (٣).
стр. 61
عاشرًا: الإكثار من الشبهات
عندما يظهر الحق يحاول البعض التغبيش عليه بكثرة الاعتراضات والمجادلات، ظانين أن الأمور قد تتبدل، فينقلب بالشبهات المتكاثرة الحق باطلاً والهدى ضلالاً.
والإكثار من الشبهات هو محاولة لجمع ما قرب وبعد، وما طال وقصر، وما قيل وما لم يقل، من أجل إقناع الجماهير بضعف موقف الحق، وإظهاره في صورة الغريب الشاذ.
ولكن الإكثار من الشبهات لا يزيد مروجيها إلا تناقضًا على تناقضهم، يضاف إلى ضعف منطقهم وسوء فهمهم.
والمتأمل لكلام د. علي جمعة في كثير من القضايا؛ مثل: تطبيق الشريعة، والختان، والعقود الفاسدة في ديار الكفار، والنظر للمتبرجات، يجد استماتة في جمع واختراع الشبهات، ولكن يظل الباطل باطلاً، وتظل الشبهة شبهة، وسنعرض لبعض هذه القضايا في الفصول القادمة إن شاء الله؛ لنرى كيف يتم التغبيش بالشبهات على الواضحات الجليات.
стр. 62
الفصل الثاني
رؤيته للعلاقة بين الإسلام والواقع
التحاكم إلى الشريعة
الجهاد في سبيل الله
التعامل مع الكفار والعيش في بلادهم
المعاملات المالية
الشيعة
التصوف
الأدب مع الله ومع نبيه محمد ﷺ
فتاوى المرأة
стр. 63
رؤيته للعلاقة بين الإسلام والواقع
الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١)، وهو الدين الكامل الشامل، المتضمن للسعادة والطمأنينة في الدارين.
أما واقع البشر فهو أقدار يجريها الله جل وعلا بحكمته وعلمه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى أَزِفَتِ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (٢).
والإسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، وجاء ليبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وما يصلح أحوالهم.
стр. 64
لذا كان تغيير ما بالنفس من أمراض وأوباء طريقًا للاستقامة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (١).
وتكرر النهي عن الغفلة، والتحذير من التمادي في مألوف العادات السيئة، والتقاليد المنحرفة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).
وكان سبيل الأنبياء والصالحين هو محاولة الإصلاح، وتقويم الاعوجاج المستشري في جسد المجتمعات، والتحذير والتذكير، قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٣)، وقال: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٥).
والرجوع لحقيقة الإسلام دون تحريف أو تبديل، والاستقامة على أمر الله جل وعلا، والثبات على شرعه، هو هدف كل من أراد رضا الله جل وعلا، ونشد الصراط المستقيم،
стр. 65
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)، وقال جل وعلا: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وقال : ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٣).
ولم يكن الركون للباطل ومسايرة أهواء البشر في يوم من الأيام سبيلاً من سبل الدعوة، أو وسيلة من وسائل نشر الخير، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (٤)، وقال جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ﴾ (٥)، وقال : ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٦)، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
стр. 66
يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
بل إن إعراض المعرضين عن الحق دليل على سوء طويتهم وقبح سريرتهم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
هذا هو سبيل الإصلاح؛ إظهار للحق، وتغيير للواقع الباطل، ووقوف في وجه الفساد، قال تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْم أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (٣).
أما د. علي جمعة فهو يسير بطريقة تحاول:
١ - الإبقاء على الواقع قدر المستطاع.
٢ - إيجاد المبررات التي تقر كثيرًا من أحداث الحياة.
٣ - البحث في الأمور المشتبهة، والكلمات المحتملة، والتفتيش في المعاني الغامضة؛ ليخرج بما يخفف عن الجماهير عبء تغيير النفوس وتهذيبها.
وباختصار هو يسعى لأن يجد في دائرة المشتبهات ما يقلل دائرة الالتزام بالتكاليف؛ ظنًا منه أن ذلك يخدم الإسلام وينشر الالتزام المزعوم، وتناسى قول الرسول ﷺ : (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن
стр. 67
اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) (١).
ووقوفه في دائرة البحث في المشتبهات، أوقعه في أمور كثيرة، تقع في حقيقة الأمر في باب المحرمات والمنكرات، بل وفي باب كبائر الإثم والعدوان، بل يصادم بعضها شرع الله جل وعلا مصادمة ويعارضه معارضة؛ فصار كالمنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى.
وفي هذا الباب استعراض لمقتطفات وأمثلة من محاولاته مسايرة الواقع، وإيجاد وسائل متنوعة للتعايش والتواصل مع الحكام والمحكومين، والمذاهب والفرق، والأديان والملل، ممتطيًا جواد الفهم المعوج لبعض أحكام الشريعة الإسلامية، معرضًا فيها عن الحق البين والصراط السوي.
стр. 68
أولاًً: التحاكم إلى الشريعة
أرسل الله جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بالهدى والنور؛ ليبلغ للناس هذا الدين الكامل التام، الذي فيه كل صلاح، ومنه يبدأ كل إصلاح، فانقاد المسلمون لسلطان الشريعة، ورضوا بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًا ورسولاً، مرددين قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
واستسلموا لأمر الله وشرعه معلنين قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ (٣)، ومتذكرين قوله تعالى: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ (٤).
وعلموا أن الحكم بشرع الله من صميم العبادة، التي لا تكون إلا لله :
﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٥).
يفهم معناه، من أمور تناقض الإسلام أيما مناقضة.
والدكتور علي جمعة أراد أن يخوض في مسألة الحكم بالشريعة، وأن يتحدث، وأن يكتب، وأن يجادل، فكان طرحه في قضية الحكم بما أنزل الله مذبذبًا متناقضًا، بل إن مفهوم كلامه ولازمه يعني محاولة هدم الإسلام من أساسه.
وتقوم دعوته المشوهة عن الحكم بما أنزل الله على ترديد بعض العبارات الموهمة، وإيراد الشبهات والدعاوى، التي لا يجمعها إلا كونها استسلامًا لضغط الواقع، ومحاولة للدفاع عن الأنظمة الباطلة، وإضفاء الشرعية عليها، مع سوء فهم للشريعة، وافتراء الأباطيل حول أحكامها.
وهذه أمثلة مما اقترفته يداه في حق الشريعة المطهرة:
أ- كلامه عن تطبيق الشريعة في كتاب:
(البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل)
من الكتابات التي كتبها د. علي جمعة عن تطبيق الشريعة، وحاول ترويجها ونشرها في الداخل والخارج بوسائل كثيرة، ما كتبه في كتابه (البيان لما يشغل الأذهان مائة فتوى لرد أهم شبه الخارج ولم شمل الداخل)، وقد حاول فيه أن يجمع ما يوهم القارئ بأي شيء سوى أن يبين له الحق، وهذا استعراض لما كتبه عن تطبيق الشريعة في هذا الكتاب المشحون بالأباطيل:
* بدأ كلامه بمقدمة قال فيها: "قضية تطبيق الشريعة لا بد أن تفهم بصورة أوسع من قصرها على تطبيق الحدود العقابية بإزاء الجرائم، كما هو شائع في الأدبيات المعاصرة، سواء عند المسلمين أو عند غيرهم؛ حيث إن تطبيق الشريعة
стр. 73
له جوانب مختلفة، وله درجات متباينة، وليس من العدل أن نصف واقعًا ما بأنه لا يطبق الشريعة لمجرد مخالفته لبعض أحكامها في الواقع المعيش، حيث إن هذه المخالفات قد تمت على مدى التاريخ الإسلامي وفي كل بلدان المسلمين ودولهم بدرجات مختلفة ومتنوعة، ولم يقل أحد من علماء المسلمين: إن هذه البلاد قد خرجت عن ربقة الإسلام أو إنها لا تطبق الشريعة، بل لا نبعد في القول إذا ادعينا أن كلمة تطبيق الشريعة كلمة حادثة".
لو فرضنا أن الخلل الموجود عند غالب الحكومات هو انسلاخ فقط عن إقامة الحدود الشرعية لكانت مصيبة من أعظم الموبقات، ولقلنا لهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (١) والواقع يؤكد أن الخلل الموجود عند غالب الحكومات هو انسلاخ عن كثير جدًّا جدًّا من أمور الشريعة في شتى مجالات الحياة؛ من: سياسة، واقتصاد، وقضاء، وإعلام، وتعليم، وتربية، وثقافة، وحسبة، وجهاد ... .
وزعمه أن هذه المخالفات وقعت عبر التاريخ في كثير من البلدان لا ينفي كونها ضلالات باطلة، ولا زال العلماء الصادقون ينكرون المنكرات، ويعلنون وجوب التزام الشرع، وينكرون على من لا يطبق الشريعة حكمه بالطاغوت، ولاقوا من الطغاة والطواغيت صنوف الأذى، أسأل الله أن يتقبل جهادهم، وأن يرحم موتاهم، وأن يجزيهم خير الجزاء.
стр. 74
أما زعمه أن كلمة تطبيق الشريعة حادثة، فهذا حيدة في الكلام؛ لأنه لا مشاحة في الاصطلاح كما هو معلوم، فماذا يقول عندما يقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢)، ولا نعلم عالمًا من العلماء المعاصرين الصادقين تحرج من استعمال هذه الكلمة، يضاف إلى ذلك أن د. علي جمعة من الغارقين في التوسع في المحدثات والبدع اصطلاحًا وتطبيقًا، ويضفي عليها الشرعية، ولا يرى أية غضاضة في كثير من البدع كما هو واضح في نتاجه، ثم يزعم أن كلمة تطبيق الشريعة حادثة!!!.
وحتى لا يلتفت ملتفت على القضية، ماذا يكون الحال إذا اكتفى البعض بمصطلح الحكم بما أنزل الله وترك كلمة تطبيق الشريعة؟ هل سيختلف الحال والواقع أم سيظل الحال والواقع كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (٣).
* ثم قال د. علي جمعة: "الشرع قد وضع شروطًا لتطبيق هذه الحدود، كما أنه قد وضع أوصافًا وأحوالاً لتعليقها أو إيقافها، وعند عدم توفر تلك الشروط أو هذه الأوصاف والأحوال فإن تطبيق الحدود مع ذلك الفقد يعد
стр. 75
خروجًا عن الشريعة".
وهذا من تكثير الكلام بغرض قلب الحقائق؛ فمن هذا الذي دعا إلى تطبيق الحدود على غير من وجبت إقامتها عليه؟!!! الكلام في أولئك الطغاة الذين أعرضوا عن حدود الشريعة، ووضعوا لأنفسهم طرقًا أخرى يستمدون منها أحكامهم، فهم أعرضوا عن الحدود الشرعية كلية، ولم ينظروا إلى شروط أو قواعد.
ثم هذا الكلام العام يراد منه التضليل؛ لأن شروط تطبيق الحدود معلومة في مظانها، أما د. علي جمعة فيضع كلامًا عامًا يزعم به أن الشروط لا تتوفر جملة وتفصيلاً، وبهذا يسوغ في تفكيره أن تطبق أحكام مختلف الأمم والملل من فرنسيين وألمانيين وبريطانيين ومن يهود ونصارى وبوذيين وملاحدة؛ لأن الشروط التي وضعوها توفرت!!! أما شروط الشريعة الإسلامية فلم تتوفر!!
* ثم قال د. علي جمعة: "المتأمل في النصوص الشرعية يجد أن الشرع لم يجعل الحدود لغرض الانتقام، بل لردع الجريمة قبل وقوعها، ويرى أيضًا أن الشرع لا يتشوف لإقامتها بقدر ما يتشوف للعفو والصفح والستر عليها، والنصوص في هذا كثيرة".
الله جل وعلا شرع الحدود لحكم عظيمة لا يحصيها إلا هو جل وعلا، وزعم أن الحدود ليست انتقامًا من المجرم تلاعب بالألفاظ، وقد بوب البخاري ﵀ بابًا بعنوان: (باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله)، وفي صحيح مسلم بوب النووي بابًا بعنوان: (باب مباعدته ﷺ للآثام واختياره من المباح أسهله وانتقامه لله عند انتهاك حرماته)، وذكر البخاري ومسلم في بابيهما هذا حديث عائشة ﵂ قالت: (ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه، والله ما انتقم