← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 37670

تيسير أحكام الحيض

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (69 стр.). Показаны 36–69 · переход к 41.

стр. 36

سبب أمر الحائض بقضاء الصوم دون الصلاة وفارق الصوم الصلاة للمشقة، فإن الأمر بقضاء الصلاة فيه مشقة شديدة، ومخالفة لسماحة هذه الشريعة، والتأصيل العام الذي أصله النبي ﷺ في هذه الشريعة هو التيسير على هذه الأمة، فقال: (يسروا ولا تعسروا). وقد قال الله جل في علاه في كتابه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، أي: أنه قد رفع الحرج عنا. والقاعدة الفقهية التي قعدها العلماء تقول: المشقة تجلب التيسير. والصلاة تتكرر، فإذا أمرت المرأة بقضاء الصلاة شق ذلك عليها، فرفعت عنها المشقة، أو رفع عنها الحرج، عملاً بهذه القاعدة العظيمة: المشقة تجلب التيسير. وأما الصوم فلأنه لا يتكرر فقد أمرت المرأة بقضاء الصوم.

стр. 37

أحوال الحائض في الصيام وإذا قلنا: بأن الحائض يلزمها قضاء الصوم، فإن للمرأة الحائض ثلاثة أحوال في أمر الصوم: الحالة الأولى: أن تصوم طاهراً ثم تحيض، ولو قبل المغرب بدقيقة واحدة، ولو قبل سقوط حاجب الشمس بدقائق معدودة، فإن هذا الصوم يبطل، وعليها أن تقضي هذا اليوم، ولها أن تأكل وأن تشرب، حتى ولو لم يسقط حاجب الشمس؛ لأنها لا تعتد بصوم هذا اليوم؛ لأنه لا يصح صوم الحائض بحال. الحالة الثانية: أنها تكون قد طهرت بعد الفجر بلحظة، أي: أصبحت حائضاً، وطلع الفجر وهي لم تطهر، ثم طهرت بعد الفجر، ولو بلحظة أو دقيقة، فإنها غير مطالبة بهذا الصوم؛ لأنها حال طلوع الفجر كانت حائضة، ولم تكن مخاطبة بصيام هذا اليوم، ويلزمها الإمساك إلى سقوط حاجب الشمس على الصحيح والراجح عند أهل التحقيق، ثم بعد ذلك تقضي هذا اليوم. الحالة الثالثة: إذا طهرت قبل الفجر بلحظة فإنها تصوم، ويصح صومها، وإن لم تغتسل إلا بعد الفجر؛ لأن الطهارة ليست شرطاً في الصوم. والدليل على ذلك: (أن النبي ﷺ كان يصح جنباً فينوي الصوم، ويصوم قبل أن يغتسل). فإذا طهرت المرأة قبل الفجر ولو بلحظة، فقد أصبحت من أهل التكليف بالصوم، فتنوي الصيام وتغتسل ولو بعد طلوع الفجر.

стр. 38

أحكام الحائض في الحج والعمرة أيضاً من الأحكام التي تتعلق بالمرأة حال حيضها: الحج والعمرة، هذه المناسك العظيمة التي فرضها الله على عباده. فالمرأة إذا منَّ الله عليها بالحج أو بالعمرة، فحاضت كما (دخل النبي ﷺ على عائشة ﵂ وأرضاها فوجدها تبكي، فقال لها: أضحكت؟ فعلم منها أنها قد نزل بها الحيض، فقال: هذا أمر قد كتبه الله على بنات آدم). فسهل عليها الأمر، وبين لها أحكامها في الحج. فالمرأة الحائض يجب عليها أن تؤدي كل المناسك التي يؤديها الحاج، ولا تنقص منها شيئاً، فتغتسل عند الميقات للإحرام؛ لأن الغسل سنة الإحرام، والنبي ﷺ لم يمنع المرأة الحائض من هذا الاغتسال، فقد أمر أسماء بنت عميس بعدما ولدت وهي في ذي الحليفة أن تغتسل وتستثفر وتهل، فتقول: لبيك اللهم بحجة، أو لبيك اللهم بعمرة متمتعة بها إلى حجة. وهذا الغسل نيته التنظف للإحرام، أو نيته التعبد؛ لأنه سنة للإحرام، ثم تلبي كما يلبي الحاج، لا فرق بينها وبين الحاج، وتؤدي المناسك جميعاً، فتقف بعرفة مع الناس، وتذكر الله جل في علاه، وتدعو وتتضرع حال حيضها، لعل الله يتقبلها في الصالحات القانتات في هذا اليوم العظيم، وتبيت بمزدلفة كما يبيت الحاج، ولا يشترط في الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة الطهارة. وأيضاً: تبيت بمنى في ليالي منى، وترمي الجمار؛ لأن كل ذلك لا يحتاج إلى طهارة، وتسعى بين الصفا والمروة، وتقدم السعي وتأخر الطواف؛ لرفع الحرج عنها، كما بين النبي ﷺ عندما قال له رجل: سهوت أو نسيت فطفت قبل أن أسعى، أو حلقت قبل أن أطوف، أو سعيت قبل أن أطوف. فقال له النبي ﷺ : افعل ولا حرج، فما أحد قدم شيئاً أو أخر إلا قال النبي ﷺ : (افعل ولا حرج)، فلها أن تقدم السعي بين الصفا والمروة إذا علمت أنها تطهر في آخر النهار؛ لأن هذا هو الأولى والأحوط، وإذا ظهرت لها علامات الطهر، مثل أن تنزل منها الصفرة والكدرة، وقد اعتادت أنه لو نزلت الصفرة والكدرة فإنها تطهر بعد ساعة أو ساعتين، فإنها تسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد أن تطهر تغتسل وتطوف بالبيت. إذاً: المرأة الحائض في الحج لا يحرم عليها شيء قط يفعله الحاج إلا الطواف بالبيت، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري). فشرط النبي ﷺ على المرأة الحائض: ألا تطوف بالبيت، وألا تدخل المسجد الحرام. كما أنه قد خفف عن الحائض في المناسك، فقد أسقط عنها الشرع طواف الوداع تخفيفاً، وإن كان واجباً على كل حال، إلا أن الشرع الحنيف راعى حال حيضها، فقد جاء في الصحيح عن ابن عباس ﵁ وأرضاه قال: (أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت طواف الوداع، إلا أنه خفف عن المرأة الحائض). وقد نازع زيد بن ثابت ابن عباس في هذه المسألة، فكان يفتي: بأن المرأة الحائض تبقى حتى تطهر، فتطوف طواف الوداع. فبين له ابن عباس: أن النبي ﷺ رخص للمرأة الحائض في ذلك، فرجع لقول ابن عباس ﵁ وأرضاه. وأيضاً: (لما أمر النبي ﷺ بالنفرة، قالوا: إن صفية حاضت. فقال النبي ﷺ أتحبسنا هي؟ قالوا: إنها قد فاضت -يعني: طافت طواف الإفاضة- فقال النبي ﷺ : فلتنفر إذاً) بمعني: أنها تسير؛ لأنه قد سقط عنها طواف الوداع حال حيضها؛ هذه ملخص أحكام المرأة في الحج حال حيضها. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 39

رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - أحكام نكاح وطلاق ووطء الحائض يحرمُ على الرجل وطء امرأته وهي حائض، ويحرم طلاقها كذلك وهي حائض، ومن استحل وطء المرأة في الحيض فقد كفر، ومن وطأ امرأته وهي حائض برضاها فالإثم عليها، ويلزمهما التوبة، وإن كانت مكرهة فالإثم عليه وحده، ويجوز العقد على المرأة الحائض والزواج منها اتفاقاً، والطلاق في الحيض يقع على قول الجمهور، ويجب مراجعة الرجل امرأته إذا طلقها وهي حائض.

стр. 40

ما يحل للرجل من امرأته الحائض إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: من الأحكام التي تتعلق بالمرأة الحائض: معاملة زوجها معها حال حيضها.

стр. 41

حرمة وطء الحائض أجمع أهل العلم على تحريم وطء المرأة الحائض، ومن فعل ذلك فقد فعل كبيرة، ولا بد أن يتوب إلى الله توبة نصوحاً، ومن استحل وطء المرأة في الحيض فقد كفر، فعل أو لم يفعل، فمن قال: الخمر حلال، وقرئ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ﴾ [المائدة:٩٠]، وبينت له الآية، فقرأها وعقل معناها، ثم قال: الخمر حلال. فهذا مستحل، شرب أم لم يشرب، وهو كافر؛ لأن الاستحلال -والعياذ بالله- معلوم بالدين بالضرورة أنه يكفر صاحبه؛ لأنه مكذب لله، فكذلك من وطئ المرأة الحائض في حيضها واستحل ذلك فقد كفر؛ لأنه مكذب لله جلا في علاه. ودليل حرمة إتيان الرجل المرأة الحائض قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرن﴾ [البقرة:٢٢٢]. وهذه الآية مجملة، وظاهرها: عدم القرب من المرأة الحائض، سواء بالمس أو بالمباشرة أو بالتقبيل أو بالضم. وقد يبن النبي ﷺ هذا الإجمال وفسره بفعله، فعن عائشة: (أنه كان يلقي عليها إزاراً تتزر، فيباشرها وهي حائض). إذاً: قول الله تعالى: ((وَلا تَقْرَبُوهُنَّ))، ليس على عمومه، ولا على إطلاقه، بل هو مقيد إما بالفرج، وإما بما بين السرة والركبة.

стр. 42

الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج وأما ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، فقد اختلف العلماء في ذلك: فجماهير أهل العلم: يرون بأن الرجل يحل له من امرأته المباشرة والتقبيل والضم والتمتع بها كيفما شاء، حتى ما بين السرة والركبة. واستدلوا على ذلك بما جاء عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: (كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد كلانا جنباً، وكان يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض). الشاهد في الحديث قولها: (فأتزر). ومعلوم أن الإزار أقل شيء أنه يغطي الركبة، فهذه دلالة واضحة جداً أن النبي ﷺ كان يباشرها في ما بين السرة والركبة، وهذا الذي تعلق به الجمهور. والصحيح الراجح الذي لا محيد عنه، وهو الذي رجحه النووي وخرج عن قول الشافعي في ذلك، أو هو قول الشافعية ولكن خرج عن قول الجمهور ومنهم الشافعي: أنه يجوز للمرء أن يصنع كل شيء، ويتمتع بكل جزئية من المرأة إلا الفرج. فإن اعترض معترض وقال: إن هذا ذريعة للإيلاج؛ لأن الإنسان كلما حام حول الحمى وقع فيه. فنقول: إن هذا الذي يملك إربه فهذا حلال له، وأما الذي لا يملك إربه فحرام عليه أن يفعل ذلك، وهذا من باب سد الذرائع؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد. إذاً: الصحيح الراجح في ما يحق للرجل من امرأته الحائض: أن يأتيها من كل مكان، ويجتنب الفرج؛ لقول النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء سوى النكاح)، أو (إلا النكاح) والمقصود بالنكاح هنا: الوطء في الفرج. فقول النبي ﷺ : (اصنعوا كل شيء)، نص في العموم، فله أن يقبل ويباشر ويضم، ويضنع كل شيء، وفي كل مكان دون الفرج؛ لأنه قال: (سوى النكاح)، أي: دون الوطء في الفرج؛ لأن النكاح هنا معناه: الوطء في الفرج. وأما الدبر فقد جاءت فيه أدلة أخرى، وإن كانت أدلة فيها ضعف، لكنها متعاضدة، بأن النبي ﷺ حرم إتيان المرأة في دبرها، ولذلك قال: (ائتها مقبلة مدبرة)، تفسيراً لقول الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. فقال: (مقبلة مدبرة، واتق الحيضة والدبر). وأما الرد على قول الجمهور: بأن النبي ﷺ كان يباشر عائشة ﵂ وأرضاه بعدما تتزر، وإذا أراد امرأة من نسائه ألقى عليها شيئاً تتزر به. فنقول: هذا حكاية فعل، والقول مقدم على الفعل. فقد قال: (اصنعوا كل شيء سوى النكاح). وهذا الفعل على الأحوط والأفضل، ونحن نقول: الأحوط والأورع أن الإنسان إذا أراد أن يتمتع بامرأته الحائض ألا يقترب مما بين السرة إلى الركبة، وإذا كان مالكاً لإربه ولنفسه فله أن يتمتع بكل جزئية من امرأته.

стр. 43

حكم وطء الحائض وإذا باشر الرجل امرأته وهي حائض، فوطئها في فرجها فقد وقع في كبيرة، فليتق الله ربه، وليستغفره، وليتب إليه توبة نصوحاً، وإن طاوعته زوجته على ذلك فهي آثمة وفاعلة لكبيرة، ولا بد أن تتوب توبة نصوحة، وأما إذا أكرهها على ذلك فهو الآثم وحده، ولابد أن يتوب إلى الله جل في علاه من هذه الفعلة. فإن تاب فعليه كفارة، فقد جاء في مسند أحمد عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من أتى امرأته وهي حائض فعليه أن يتصدق بنصف دينار، أو دينار). وقد قال بعض العلماء: إنه إذا أتاها في انقطاع الدم فيتصدق بنصف دينار، وإن أتاها في أول الدم فيتصدق بدينار. والخلاف في ذلك هين، ويمكن أن نقول: هو مخير بين أن يتصدق بنصف دينار أو يتصدق بدينار. والأولى له والأفضل هذا التقسيم، وقد رضيه بعض العلماء وصححوا الحديث، وإن كان فيه نظر.

стр. 44

أحكام النكاح والطلاق في الحيض اتفق العلماء على أن المرأة الحائض يجوز العقد عليها والزواج منها؛ لأن الحيض ليس شرطاً ولا ركناً من أركان العقد، ولا خلاف بين العلماء في ذلك.

стр. 45

حكم طلاق الحائض اتفقت كلمة العلماء على حرمة الطلاق في الحيض؛ وذلك لقول النبي ﷺ كما في مسلم: (أنه ﵊ غضب غضباً شديداً عندما اشتكى عمر من ابنه عبد الله أنه طلق امرأته وهي حائض، فغضب النبي ﷺ ثم قال له: مره فليراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أن يمسكها فليمسكها، وإلا طلقها في طهر لم يجامعها فيه)، وبين له أن هذه هي العدة التي أمر الله جل في علاه أن تطلق لها النساء؛ وفي غضب النبي ﷺ ، وأمره لـ ابن عمر بمراجعة المرأة؛ لأنه طلقها وهي حائض، دلالة على أن هذا الطلاق يعتبر طلاقاً بدعياً، والطلاق البدعي يأثم صاحبه؛ لأنه أتى به على وجه غير مسموح به شرعاً.

стр. 46

هل يقع طلاق الحائض ؟ وقد اختلف العلماء فيما إذا طلق الرجل امرأته وهي حائض، هل يقع أو لا يقع؟ على قولين: القول الأول: قول جماهير أهل العلم: إن الطلاق يقع، ويأثم بذلك، ولا بد أن يتوب. واستدلوا على ذلك بأدلة: الدليل الأول: حديث مسلم وفيه: أن ابن عمر قال: فراجعتها، وحسبت لها التطليقة التي طلقتها. أو قال: (فحسبها علي تطليقة). فوجه الشاهد من الحديث: أنه قال: وحسبت لها التطليقة. وفي رواية قال: (وحسبها علي تطليقة). والظاهر أن النبي ﷺ هو الذي حسبها تطليقة. الدليل الثاني: قول النبي ﷺ لـ عمر: (مره فليراجعها). والأصل في المراجعة أنها لا تكون إلا بعد طلاق، وهذا ظاهر جداً في أن الطلاق قد وقع، ولذلك قال: (مره فليراجعها). الدليل الثالث: القاعدة الحديثة، وهي: أن الراوي أعلم بما روى. وابن عمر نفسه لما سئل عن رجل طلق امرأته وهي حائض؟ قال: احسبها تطليقة. فبين أنه يقع الطلاق، والراوي أعلم بما روى. وأما دليلهم من النظر فقالوا: هذا عقد يملكه الرجل، وقد أحل هذا العقد، ولا علاقة بالحيض في هذا الإحلال. القول الثاني: قول بعض الحنابلة وهو ترجيح شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: إنه لا يقع الطلاق في الحيض. واستدلوا على ذلك من الأثر والنظر. أما من الأثر: الدليل الأول: جاء في سنن النسائي وغيره أن ابن عمر الراوي: فلم يرها شيئاً. أي: لم يرها شيئاً من الطلاق، وهذا فيه دلالة على أن الطلاق لا يقع. الدليل الثاني: قالوا: نحن وأنتم متفقون على أن الطلاق في الحيض طلاق بدعي يأثم صاحبه، وهذا محل اتفاق، فإذا طلق في الحيض فقد طلق طلاقاً بدعياً، وإذا طلق طلاقاً بدعياً فهو باطل مردود؛ قلنا: لماذا؟ قالوا: لحديث عائشة ﵂ وأرضاها كما في الصحيحين قالت: قال رسول الله ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، يعني: باطل. فنقول: من طلق طلاقاً ليس عليه أمرنا فهو باطل. والصحيح والراجح في ذلك هو: قول الجمهور، بأن الطلاق في الحيض يقع، ويأثم صاحبه، ولابد أن يتوب توبة نصوحاً، وذلك لما جاء عن ابن عمر صريحاً غير محتمل للتأويل أنه قال: (فحسبها علي تطليقه). وهذه لا يمكن أن تحتمل شيئاً إلا أن يقولوا: هذا من اجتهاد ابن عمر. فنقول: اجتهاد ابن عمر أقره عمر، وعمر هو الذي سأل رسول الله ﷺ ، فدل ذلك على أن عمر بن الخطاب وابن عمر فهما من النبي ﷺ على أن هذا الطلاق يقع، بل هو مرفوع للنبي ﷺ . إذاً: فالدلالة صريحة صحيحة على أن يقع الطلاق لا يقع، لا سيما وقد أفتى ابن عمر من سأله بذلك، وقال: يقع الطلاق. وأما أدلتهم من النظر فقالوا: بأنه لا علاقة للحيض بمسألة النكاح ومسألة الطلاق. وأما الرد على المخالفين: فنقول: أولاً: الحديث الذي تعلقتم به الرد عليه من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث فيه شذوذ؛ لأنه خالف ما هو أقوى منه؛ لأنه جاء في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم أنه قال: (فحسبها علي تطليقة). ودليلكم هذا في السنن أنه قال: (فلم يرها شيئاً) فهذا شذوذ؛ لأن الثقات الأثبات رووا: (حسبها علي تطليقة). الوجه الثاني: إن قلنا: ليس بشذوذ، فنقول: هذا محتمل. أي: هذه الرواية محتملة، فإن قوله: (لم يرها شيئاً)، تحتمل لم يرها من السنة شيئاً، أو لم يرها من العدة شيئاً، أو لم يرها من الطلاق شيئاً، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط الاستدلال به. الوجه الثالث: دليلنا مقطوع به: (حسبها علي تطليقة). ودليلكم مظنون: (لم يرها شيئاً). والمقطوع به يقدم على المظنون. الوجه الرابع: أن استدلالهم بحديث (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، على أن من طلق طلاقاً ليس عليه أمرنا فهو باطل مردود لا يقع. فنقول: نحن نوافقكم على القاعدة: أن (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، ولا نوافقكم على التطبيق؛ لأنه قد طلق طلاقاً عليه أمرنا، فقال لها: أنت طالق بالصريح، والله جلا وعلا يقول: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:٢٢٩]. والنبي ﷺ يقول: (لا طلاق إلا لمن أخذ بالساق)، يعني: الطلاق يقع صحيحاً لمن أخذ بالساق وجامع، وهو الزوج الحقيقي. وهذا الحديث يستدل به العلماء: على أن الرجل إذا قال: علي الطلاق مثلاً، أو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، فإن الطلاق لا يقع، خلافاً للمالكية؛ لأن الطلاق لا يقع إلا من عاقد عقداً صحيحاً، وهذا الرجل الذي طلق لم يعقد عقداً صحيحاً. إذاً: الطلاق وقع عليه أمرنا في زمن ليس عليه أمرنا، والجهة منفكة، فيكون الطلاق وقع عليه أمرنا فصح، وفي زمن ليس عليه أمرنا فأثم بذلك، ونحن نتفق معكم على الإثم، وقد بينا من النظر أنه لا علاقة للحيض بالنكاح، والزمن ليس شرطاً في صحة الطلاق، ولا ركناً من أركانه. إذاً: الطلاق يقع في الحيض، ويأثم صاحبه، ولا بد أن يتوب توبة نصوحاً.

стр. 47

وجوب مراجعة الرجل لامرأته إذا طلقها وهي حائض وهل إذا طلق امرأته في الحيض يراجع وجوباً أم استحباباً؟ الجمهور: على أنه أذا طلق امرأته في الحيض فقد أثم، ووقع الطلاق، ويراجع استحباباً. والصحيح الراجح الذي لا محيد عنه: أن الأمر في قوله: (فليراجعها)، أمر من النبي ﷺ على الوجوب، ومن قال بالاستحباب فليأت بالصارف، ولذلك امتثل ابن عمر ﵁ وأرضاه، هذا الأمر ورد امرأته.

стр. 48

رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - حكم دخول الحائض المسجد اختلف العلماء في حكم دخول الحائض المسجد إلى قولين، فالقول الأول: قول جمهور العلماء تحريمُه تحريماً باتاً، والقول الثاني: قول ابن حزم ومن وافقه جواز دخول الحائض المسجد، وقول الجمهور هو القول الصحيح الراجح، وحكم المنع خاص بالحائض دون المستحاضة.

стр. 49

حكم دخول الحائض المسجد إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فسنتحدث إن شاء الله عن حكم دخول الحائض المسجد، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

стр. 50

القول الأول القول الأول: جماهير أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة: يرون بأنه لا يجوز للمرأة الحائض أن تدخل المسجد. وذهب ابن حزم وأنصاره وأعوانه إلى جواز دخول الحائض المسجد، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة:١٤٨]، وللفريقين أدلة، وسنثبت إن شاء الله الآن أيهما أرجح. فقول الجمهور يحرم تحريماً باتاً على المرأة أن تدخل المسجد، وإن دخلت للمكث -دون المرور- فهي عاصية آثمة، وعليها الوزر؛ لأنها خالفت الله ورسوله ﷺ . والأدلة عند الجمهور من الكتاب، قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا﴾ [النساء:٤٣]، فقوله تعالى: ((لا تقربوا الصلاة))، هو الشاهد، والصلاة هنا: إما: الركوع والسجود، وإما: موضع الصلاة الذي هو المسجد وموضع الصلاة مؤول، فقوله تعالى: ((لا تقربوا الصلاة))، معناه: لا تقربوا موضع الصلاة، والقرينة التي جعلتنا نقول بذلك التأويل هو قوله تعالى: ((ولا جنباً إلا عابري سبيل)) أي: الجنب لا يجوز له أن يصلي، فقوله: ((ولا جنباً)) لا يمكن أن يقصد بالصلاة في الآية: الركوع والسجود، بل المراد مكان الصلاة، ولذلك قال: ((ولا جنباً))؛ لأنه بالإجماع لا تجوز صلاة الجنب، ثم أتم البيان بقوله: ((عابري سبيل)) أي: له أن يمر مرور الكرام من المسجد، والحائض أغلظ من الجنب فتمنع من المسجد، ووجه الدلالة عندهم: أنه إذا منع الجنب من المكث في المسجد للجنابة فمن باب أولى أن تمنع الحائض، وهذا التفسير لـ ابن مسعود، وأنس وابن المسيب، وغير هؤلاء من أساطين أهل العلم، لا سيما وقد نهى النبي ﷺ أن تدخل المرأة الحائض المسجد، وأن تطوف بالبيت، فقال ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، واختلف العلماء في العلة في ذلك: هل المنع هو المنع من الطواف، أم المنع من دخول المسجد؟ ونحن نقول: بأنها منعت من المسجد، ومنعت أيضاً من الطواف، على الراجح من أقوال أهل العلم وهو أن الطهارة شرط في صحة الطواف. وأما أدلتهم من السنة: ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ وأرضاها أنها قالت: قال لي رسول الله ﷺ : (ناوليني الخمرة، فقالت: إني حائض، فقال: إن حيضتك ليست بيدك)، فإنه لما قال لها: ناوليني الخمرة، قالت عائشة بلسان حالها: إني قد تعلمت منك أن الحائض لا تدخل المسجد، فكيف أدخل المسجد وأنا حائض؟! فقال لها النبي ﷺ مقراً على فهمها: إن المرأة الحائض لا يجوز لها دخول المسجد، وأقرها على ذلك، لكن بين لها أمراً خفي عليها ألا وهو: (إن حيضتك ليست بيدك)، أي: لا يصح لك الدخول إلى المسجد كما فهمت، لكن إذا مددت يدك وناولتيني الخمرة فإن يدك ليست ككلك، فالصحيح بوجه الدلالة: أن عائشة ﵂ وأرضاها فهمت أن الحائض لا تدخل المسجد، فأقرها النبي ﷺ على فهمها هذا، ولكن بين لها بأن دخول يدها بالمناولة لا يعتبر دخولاً لها في المسجد، وقال لها: (إن حيضتك ليست بيدك)، بمعنى: فارق الجزء حكم الكل في هذا الحكم، أي: أن اليد لم تأخذ حكم الجسد! وأيضاً من الأدلة التي استدل بها الجمهور: ما رواه البخاري ومسلم عن أم عطية ﵂ وأرضاها: (أمرنا أن نخرج الحيض، وذوات الخدور، يشهدهن الخير ودعوة المؤمنين، ثم أمر الحيض باعتزال المصلى). ووجه الدلالة: أن الحيض إذا منعت من دخول المصلى فلأن تمنع من دخول المسجد أقوى؛ لأن حرمة المسجد أشد تعظيماً وتوقيراً من حرمة المصلى، فإذا منعها النبي ﷺ خوفاً على تلويث المصلى، فلأن تمنع من المسجد من باب أولى، وهذا الحديث فيه دلالة قوية من ناحية النظر على أنه قياس الأولى. أيضاً: استدلوا بحديث ضعيف، لكن نسوقه استئناساً لا احتجاجاً به، وهو: ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا أحل المسجد لجنب ولا حائض). فهذا الحديث الذي رواه أبو داود فيه ضعف في الإسناد، وعلة الإسناد جسرة فإنها لا تعرف، والجهالة في الإسناد تضر، فيضعف الإسناد، ولذلك نقول: هذا الحديث فيه ضعف، ولا يصح الاحتجاج به، وما سقناه إلا استئناساً، والغنية في الأحاديث السابقة والأدلة التي استدل بها الجمهور.

стр. 51

القول الثاني القول الثاني: لبعض أهل العلم، ومنهم ابن حزم الظاهري ومن وافقه، فقالوا: أنه يجوز للحائض دخول المسجد والمكث فيه. ولهم أدلة كثيرة منها: أولاً: البراءة الأصلية، إذ أن الأصل عدم المنع، إلا أن يأتي دليل يدل على المنع من دخول المسجد، فالأصل براءة الذمة، فلا نلزمها بعدم الدخول إلا بدليل أوضح من شمس النهار. ثانياً: حديث المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، فعن عائشة ﵂ وأرضاها: أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، فكان لها خدامة في المسجد. ووجه الدلالة من ذلك: أنها سكنت المسجد، والمعهود من النساء الحيض، والله جل وعلا كتب ذلك على بنات آدم، فإنها لابد في لحظة من اللحظات وفي أيام معدودات من الشهر أن ينزل بها دم الحيض، ولم يمنعها النبي ﷺ من المكث في المسجد مع أنه قد ينزل عليها دم الحيض، فدل ذلك على أنه يجوز للمرأة الحائض أن تبيت في المسجد، وأن تجلس فيه، وهذه أدلة الذين قالوا بجواز دخول المرأة الحائض المسجد، ولعل أقوى الأدلة لهم هو حديث المرأة التي كانت تقم المسجد.

стр. 52

ترجيح القول بحرمة دخول الحائض المسجد والراجح من هذه الأقوال هو قول جمهور أهل العلم، وهو: حرمة المكث في المسجد للمرأة الحائض للأدلة الصريحة الصحيحة في ذلك، فهي قد منعت من دخول المصلى، فلأن تمنع من دخول المسجد من باب أولى، ولأن النبي ﷺ كان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فترجله عائشة وهي حائض، فلو كان دخولها المسجد جائزاً لكان ذلك أيسر على رسول الله ﷺ ، ولا سيما وهو معتكف، فلا تحوجه أن يخرج رأسه إليها فترجله؛ ولأنه معلوم أن المعتكف لا يجوز له أن يخرج من المسجد وإلا بطل اعتكافه، وأيضاً لا ينبغي له أن يخرج جزءاً من أجزائه خارج المسجد، فكان النبي ﷺ يذهب إلى باب المسجد ويخرج رأسه فترجل عائشة ﵂ وأرضاها رأسه دون أن تدخل خباؤه، ففيه دلالة واضحة على أن المرأة الحائض تمنع من دخول المسجد. أما الرد على ما استدل به من قال بالجواز: أولاً نقول: إنه لا يستقيم الاستدلال بالبراءة الأصلية؛ لأنه قد أتى الناقل الصحيح الصريح الذي يمنع دخول الحائض إلى المسجد، ألا وهو: قول النبي ﷺ : (ويعتزل الحيض المصلى)، أو (أمر الحيض باعتزال المصلى)، وهذا بالنسبة للمصلى فكيف بالمسجد! وأما استدلالهم بالمرأة التي كانت تقم المسجد فالرد عليهم من وجوه: الوجه الأول: أنه يحتمل أنها كانت تقيم في المسجد، ووقت حيضها تخرج من المسجد، وهذا محتمل؛ لأنها عند إقامتها في المسجد تكون قد تعلمت من النبي ﷺ أنه كان يخرج رأسه لـ عائشة فترجله وهي حائض، وكان يمنع الحائض من دخول المصلى، فهذا الاحتمال إذا تطرق إلى الدليل سقط به الاستدلال. الوجه الثاني: نقول: نتنزل معكم بأن النبي ﷺ قد علم بالمقيمة في المسجد، وعلم أنه حال نزول الدم منها وحال حيضها أنها تمكث في المسجد، فتركها ولم يخرجها من المسجد، ولم ينهها، فهذه هي السنة التقريرية، أي: أن النبي ﷺ علم بأنها حاضت، وجلست في المسجد فأقرها على ذلك، فنقول: هذه سنة تقريرية، وأما قول النبي صلى الله ﷺ : (ويعتزل الحيض المصلى)، وفعل النبي ﷺ بإخراج رأسه لترجله عائشة، فإن هذا أقوى في الدلالة، فإذا كان ظاهرهما تعارض السنة القولية والسنة الفعلية مع السنة التقريرية، فإن السنة القولية والسنة الفعلية تقدم؛ لأنهما أقوى دلالة من السنة التقريرية، وهذا مقرر عند علماء الحديث وعلماء الأصول. الوجه الثالث: أن النبي ﷺ إذا كان قد -تنزلاً مع الخصم- علم ذلك وتركها في المسجد، فنقول: هذه واقعة عين، وحال المرأة بأنها شريدة وحيدة فريدة لا مكان لها يؤويها، فالنبي ﷺ علم بحيضها فاستثناها من الحكم العام، وللشرع أن يستثني من شاء من الحكم والتأصيل العام، فيكون التأصيل العام بأن المرأة الحائض لا تدخل المسجد، وأن المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد، وكانت وحيدة فريدة شريدة لا مكان لها يؤويها قد استثناها النبي ﷺ من التأصيل العام، وأقرها على أن تبيت في المسجد ولو كانت حائضاً، ونقول أيضاً: هذه واقعة عين، ووقائع العين عند العلماء لا تعمم، ولا يقاس عليها إلا مثلها، بمعنى: أنه إذا وجد في هذا الزمان امرأة شريدة وحيدة لا مكان يؤويها، ولا مكان تأمن فيه على نفسها إلا المسجد، فيجوز لها أن تلبث في المسجد، وحتى لو كانت حائضة إلحاقاً بها على حكم المرأة السوداء. الوجه الرابع: أننا لا نقول بأنها واقعة عين، يعني: يلحق بها مثلها، بل نقول: إن هذا خاص بالمرأة السوداء، والنبي ﷺ قد سمح لها بالمكث في المسجد للضرورة؛ لأنه لا مكان يؤويها، والضرورات تبيح المحظورات. ولا بد أن ننبه على أمر مهم، وهو: أن حكم منع المرأة الحائض من المسجد، لا ينسحب على المستحاضة، وبذلك تسلم أدلة الجمهور من المعارضة. وأما من قال بجواز الدخول فأدلته ضعيفة جداً، والرد عليها من وجوه كما سبق وبينا، وعند ذلك تسلم الأدلة من المعارضة. ونقول: بتحريم دخول المرأة الحائض المسجد، وكفى للمرأة أن تتقي ربها، وتعلم بأن النبي ﷺ قد منعها من دخول المصلى، فلأن يمنعها من دخول المسجد هو من باب أولى، وإذا قلنا: بأن هذا خلاف معتبر، فالقاعدة عند العلماء: الخروج من الخلاف مستحب.

стр. 53

جواز مكث المستحاضة في المسجد وحكم المنع خاص بالحائض دون المستحاضة، فللمرأة التي تستحاض، أي: ينزل منها الدم ويستمر، أن تدخل المسجد وتمكث فيه، ولها حضور مجالس العلم، والذكر، وحلقات القرآن، فالمستحاضة لا تأخذ حكم الحائض. فقد روى البخاري عن عائشة ﵂ وأرضاها أن النبي ﷺ : (اعتكف معه بعض نسائه، وكانت مستحاضة ترى الدم، وربما وضعت الطست تحتها من الدم). وفي هذا الحديث دلالة واضحة جداً على جواز مكث المستحاضة في المسجد؛ لأنها دخلت المسجد، واعتكفت فيه مع النبي ﷺ ، وهو يعلم بأنه ينزل منها دم الاستحاضة، وأقرها على ذلك وهي في المسجد، وصلاتها واعتكافها صحيحان. قال ابن القيم ﵀: المستحاضة يجوز لها اتفاقاً دخول المسجد للطواف إذا تلجمت. وتلجمت معناه: تحفظت. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 54

رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - هل للحائض الذكر والتسبيح وقراءة القرآن ديننا الإسلامي واسع شامل، جاء لربط الناس برب العالمين، وتتجلى عظمته كلما درسه الإنسان وتأمل فيه، وغاص في حكمه وتعمق في أسراره، فمع أنه حرم على المرأة الحائض الصوم والصلاة ودخول المسجد، إلا أنه أباح لها ذكر ربها بأنواع الذكر والتسبيح، بل وقراءة الآية والآيتين في كتب التفسير والفقه، وذلك رحمة بها؛ وحتى لا تحرم الأجر، ولتظل مرتبطة بخالقها طوال عمرها، كما أنها مأجورة بامتناعها عن العبادات طيلة فترة حيضها.

стр. 55

حكم الذكر للحائض إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ثم أما بعد: فإننا الآن على مشارف مسألة هي من أهم المسائل، إذ البحث فيها شاق، وقال عنها كثير من علماء الأمة وكثير من أساطين أهل العلم: بأن هذه المسألة من مضايق الخلاف، ولا يعلمها إلا الأفراد، ونحن سنقدم بين يدي هذه المسألة فنقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه. وسننظر أقرب الأقوال إلى السنة، ونبين الراجح بالدليل، والمسألة هي: هل للحائض الذكر والتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل حال حيضها؟ هذه مسألة من أهم المسائل في هذا الباب الذي نتكلم عليه بإذن الله، ونوضح مسائله بالدليل والتعليل والتمثيل، وأيضاً نبين الخلاف بإنصاف، ثم نبين ما يوافق السنة وما يكون أبعد من السنة، فنرجح ما هو أقرب للسنة، فقد قال الله تعالى يرسي لنا قاعدة، ويشكك في إيمان من لم يأخذ بهذه القاعدة، ألا وهي: قول الله جل في علاه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥]، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال جل في علاه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، وقال جل في علاه: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣] أي: أولي العلم، ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]. وقال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى)، بل أناط الله محبته وعلامة محبته بطاعة الرسول ﷺ ، قال الحسن البصري: زعم أناس حب الله وحب رسوله، فامتحنهم الله بآية المحنة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وفي السنن والمسند عن العرباض بن سارية ﵁ وأرضاه قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، قلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ). وفي رواية أخرى قال النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر). ونحن الآن على نثرة الطريق، وسنفصل في هذه المسألة بقال الله، قال الرسول ﷺ ، وكل لبيب بالإشارة يفهم، وكل طالب علم يرى الحق أين هو، وسآتي به، وقبل أن أبدأ أقول: إن الخلاف المعتبر لا إنكار فيه، لكن لا يسعى الإنسان أن يقول: اختلاف أمتي رحمة! والخلاف المعتبر على أنه خلاف معتبر، ولكن نقول: هناك راجح وهناك مرجوح، فلابد أن نبين الراجح من المرجوح.

стр. 56

جواز الذكر للحائض وقراءة الآية والآيتين في كتب أهل العلم المسألة الأولى: هل يصح للمرأة الحائض الذكر والتسبيح وقراءة الآية والآيتين في كتب التفسير، أو كتب الفقه، وقراءة الآية عندما تركب الدابة على أنه دعاء؟ نقول: إن الذكر والتسبيح، وقراءة الآية على أنها ذكر في الفقه وغيره، يجوز بالاتفاق دون أدنى خلاف. والأدلة على ذلك كثيرة ومنها: أولاً: قول عائشة ﵂ وأرضاها: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحواله. وهذا على العموم. ثانياً: قول النبي ﷺ : افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، وهذا أيضاً على العموم. ثالثاً: الآيات والأحاديث التي تثبت فضل الذكر، دون التفريق بين حائض أو جنب أو غيرهما، لقول النبي ﷺ : (لا يزال لسانك رطباً بذكر الله)، أي: اجعل لسانك رطباً بذكر الله، وهذا على العموم في كل أحوالك، سواءً كنت جنباً أو لست بجنب، أو كنت امرأة حائضاً أو لست بحائض، فلك أن تجعلي لسانك رطباً بالذكر، فهذا العموم يبين لنا بالاتفاق: أنه يجوز للمرأة التسبيح والذكر، وقراءة الآية في كتب الفقه، وأنها لو قرأت الآية في كتب الفقه على أنها من الأدلة وليست من تلاوة القرآن لها ذلك، وقد رخص فيه بعض العلماء الذين يقولون بالمنع، فقالوا: لها أن تقرأ آية أو آيتين.

стр. 57

حكم قراءة الحائض للقرآن أما قراءة القرآن: فهذا المعترك الدامي بين العلماء، وبإنصاف أريد آذاناً صاغية، وهذه المسألة بدقة النظر في الأقوال نجد أن العلماء فيها على ثلاثة أقوال: القول الأول: المنع مطلقاً. القول الثاني: الجواز مطلقاً. القول الثالث: الجواز للحاجة فقط.

стр. 58

القول بمنع قراءة القرآن للحائض مطلقاً القول الأول: المنع مطلقاً، وهم الجمهور: الشافعية والحنابلة والأحناف، قالوا: يحرم على المرأة الحائض قراءة القرآن، وتأثم إن قرأت القرآن، فقد تتلو القرآن وتحسب أنها تحسن صنعاً، وهي في الحقيقة تسيء لنفسها؛ لأنها آثمة عند الله، وقد تكون من الكبائر إذا علمت الحق فأصرت على خلافه، وإن لم تعلم فهي من الصغائر، والله أعلى وأعلم. ولهم أدلة على ذلك، منها: الدليل الأول: حديث ابن عمر في السنن أن ابن عمر ﵁ وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن)، وجاء هذا الحديث من طريق آخر عن جابر بن عبد الله ﵁ وأرضاه بمنع الحائض من قراءة القرآن أيضاً، وجاء من طريق أنس أيضاً، والروايات كلها ضعيفة كما سأبين. الدليل الثاني: حديث علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه أنه قال: (كان النبي ﷺ يقرأ القرآن على كل أحواله سوى الجنابة). والحائض عند العلماء ملحقة بالجنب، وهي أشد منه وأولى منه. الدليل الثالث: جاء في سنن البيهقي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه أنه قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن)، وقد جاء من طريق آخر عن عمر أنه منع، وهو طريق مجود، لكن الطريق الأصح إسناداً، والطريق الذي هو أقوى الموافق فيه لـ علي أنه قال: (لا يقرأ الجنب ولا الحائض القرآن). الدليل الرابع: جاء عن علي بن أبي طالب بسند صحيح أنه قال: (لا يقرأ الجنب القرآن -والحائض طبعاً معه- قالوا: يا أمير المؤمنين! ولا حرفاً واحداً! قال: ولا حرفاً واحداً)، فهذا جزم بالتحريم، وصريح بالتحريم، فهنا قال: (ولا حرفاً واحداً). الدليل الخامس: عن عائشة بنت الصديق ﵂ وأرضاها كما في صحيح البخاري أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض)، ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن عائشة ﵂ وأرضاها قالت: يقرأ القرآن في حجري. وصفتي: أني حائض، وكنت أعلم كما فهمت من رسول الله ﷺ -هذا توضيح منها-: أن الحائض لا تقرأ القرآن، فكيف يقرأ القرآن وهو في حجري! فكأن النبي بلسان حاله يعلمها: يا ابنة الصديق! إن المرأة الحائض لا تقرأ القرآن لحيضها، أما القارئ الذي لم تصبه جنابة ولا حيض، فإن له أن يقرأ القرآن، ولا يؤثر فيه أن تكون هذه القراءة بجانب الحائض، بل لو كانت في حجر حائض يجوز؛ لأن المنع بوصف الحيض، والحيض لا يتصف به إلا النساء، وكأن عائشة فهمت ذلك من النبي ﷺ فاحتاجت للتنصيص: بأن القراءة في حجر الحائض جائزة؛ وكأنها تقول: إن النساء يقلن: بأن الحائض لا تقرأ القرآن ولا يقرأ بجانبها القرآن، فقالت: فأما الأولى: فقد فهمن ذلك، وأما الثانية: فقد احتجن أن أصرح لهن بجواز قراءة القرآن بجانب الحائض، بل وفي حجر الحائض، كما فعل النبي ﷺ . الدليل السادس لهؤلاء من جهة التصريح: أنه جاء في سنن أبي داود بسند صحيح: أن رسول الله ﷺ : (كان يبول فمر عليه رجل، فقال: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد عليه النبي ﷺ السلام، ثم ضرب بيده الحائط فتيمم، ثم رد ﵇، ثم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، وهذا الحديث وإن كان لا يساعدهم على التحريم، لكن يساعدهم على الكراهة؛ لأنهم يقولون: بجواز الذكر للحائض، وقوله: (كرهت أن أرد عليك، أو كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة)، هذه اللفظة: (كرهت) لا تدل على التحريم، وإن كان بعض العلماء يقول: إنها أصل في التحريم، والصحيح الراجح أنها ليست دلالة في التصريح على التحريم، لكن يستأنس بها. وانظروا إلى جيوش الأدلة، وهي تجعل حتى خفيف العقل يخشى على نفسه، ويقول: أخرج من الخلاف أفضل لي. الدليل السابع: يستدل لهم بالقياس على فعل النبي ﷺ ، ففي مسند أحمد بسند صحيح: (أن النبي ﷺ : كان يبول -متلبس بالنجاسة- فمر عليه رجل فقال: يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله، أو قال: السلام عليك يا رسول الله! فلم يرد عليه، فلما قضى حاجته ذهب إليه، فقال له: إذا وجدتني على هذه الحال، فلا تسلم عليّ، فإن فعلت فلن أرد عليك)، ورد السلام واجب، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا﴾ [النساء:٨٦]، ووجه الدلالة قوله: (فحيوا) وهو أمر، وظاهر الأمر الوجوب، ولا يسقط النبي ﷺ ما يجب إلا من أجل أمر محرم، وهنا محرمان: المحرم الأول: ألا يرد. المحرم الثاني: أن يرد وهو متلبس بالنجاسة، فدفع الكبرى بارتكاب الصغرى، وكأن النبي ﷺ يقول بفعله: إن رد السلام وهو متلبس بالنجاسة كبيرة، وأصغر منه أن أمتنع عن رد السلام، فأفعل الأصغر وأدفع بهذا الفعل الأكبر، فيكون وجه الدلالة هنا: أن النبي ﷺ أسقط واجباً؛ لأنه كان متلبساً بالنجاسة. فالمرأة لا تسقط مستحباً من أجل التلبس بالنجاسة، إذا قلنا: بوجوب القراءة عليها لا للاستحباب، والراجح أنه للاستحباب كما سأبين، فإننا نقول: التلبس بالنجاسة يمنعها، والمانع الأكبر يدفع الأصغر، فافعلي ما فعل رسول الله، ادفعي الكبرى بالصغرى، فلا تقرئي؛ لأن النبي ﷺ فعل ذلك وقال: (إن فعلت -أي: إن كلمت، وإن كان رد السلام من الوجوب بمكان- فلن أرد عليك)؛ لأنه كان متلبساً بالنجاسة، والمرأة متلبسة بالنجاسة في الحيض، وهذا وجه الدلالة. الدليل الثامن: اتفق المجيزون والمانعون على حرمة مس المصحف، ويستدلون بحديث مرسل، لكنه صريح، أن النبي ﷺ قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، فمنعوا من مس المصحف، وقالوا: اتفقنا نحن وأنتم على حرمة مس المصحف، فبالله عليكم! مس المصحف أغلظ أم قراءة كلام الله الذي تكلم به وسمعه جبريل ونزل به إلى النبي ﷺ ؟ أيهما أغلظ: مس الأوراق والجلادة أم قراءة كلام الله الذي تكلم به وسمعه منه جبريل؟ لا شك أن القراءة أغلظ، فنقول لكم: كثرتم القواعد الفقهية، كيف تمنعون الأدنى وتجيزون الأغلظ؟! وهذا مخالف لكل القواعد والتأصيلات العامة، ومخالف للتقعيد الفقهي، وأنتم تجيزون الأدنى وتمنعون الأعلى، ونحن معكم في ذلك، ولكم في ذلك أدلة، وحريٌ بكم أن تقولوا: مس المصحف على الجواز، لكن قراءة القرآن ليست على الجواز، نقول: هذا هو الحق، وهو قياس جلي، وقياس الأولى. فهذه أدلة الذين قالوا بالمنع، وهم جمهور أهل العلم، والكلام هذا ليس بدعاً من القول، فلِم تريدون أن تغطوا عين الشمس؟ ولن تستطيعوا؛ لأن هذا قول الشافعي، وهو رأس الفقهاء، وهو الفقيه المحدث، وقول أحمد إمام أهل السنة الذي قيل فيه: أحمد نصر الله به الدين، وقد قيل: حفظ الله الدين باثنين: بـ أبي بكر في حرب الردة، وبالإمام أحمد في الفتنة، وقول أبي حنيفة الذي قال فيه الشافعي: الفقهاء عيال على أبي حنيفة. إذاً: فالمسألة ليست بدعاً من القول، وهو قول جمهور أهل العلم، والجمهور هم الأكثرية والأغلب الذين قالوا ذلك، وعندهم جيوش من الأدلة.

стр. 59

القول بجواز القراءة للحائض مطلقاً القول الثاني: قول ابن حزم الذي قال بالجواز مطلقاً، فتقرأ إذا خافت النسيان وإن لم تخف، سواء كانت نائمة، قائمة، جالسة، قاعدة، فتقرأ القرآن، وقول ابن حزم هذا يستدل له: بأن الأصل عدم المنع، والأصل الجواز، ولا دليل يمنع من ذلك، لأن ابن حزم قصف الأقلام كلها، وقطع دابر كل من يستدل بحديث ضعيف، وبين صراحة أسانيد هذه الأحاديث التي استدل بها المانعون، بأنها أحاديث كلها باطلة؛ لأن أسانيدها ضعيفة، وسأبين القول الفصل في الأسانيد إن شاء الله.

стр. 60

القول بجواز القراءة للحاجة فقط، وأدلة ذلك القول الثالث: قول الإمام مالك، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو: جواز القراءة للحاجة، ويدخل فيه الصنعاني، الذي يقول: بالكراهة ولا يقول بالجواز، وأدلة من قال بذلك أربعة: الدليل الأول: أن الأصل عدم المنع؛ فلا يوجد دليل يمنع، والأدلة التي جاءت بالمنع أدلة ضعيفة. لكن أقول: أجازوا القراءة للحاجة لا للضرورة، لأن القاعدة عند العلماء: أن الحاجيات تبيح المكروهات، أما الضرورات فتبيح المحظورات، وإلا فإني أقول: بأن المرأة الحائض تقرأ للضرورة، أي: إن كانت ستمتحن وستختبر وسترسب، فلها أن تقرأ، والضرورة تقدر بقدرها، وبعدما تقرأ، لا تقرأ مرة ثانية. الدليل الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت). ووجه الدلالة: قوله: افعلي ما يفعل الحاج. والحاج يذكر الله، ويسبح، ويستغفر، ويقرأ القرآن، فدخل في عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج)، وقد خصص الطواف فقط. ولو كان القرآن ممنوع لخصصه كما خصص الطواف، وهذا قول وجيه جداً، إذ لو كانت القراءة ممنوعة لخصها كما خص الطواف، فلما لم يبين ذلك دل على الجواز. الدليل الثالث: ما استدل به ابن عباس -كما في البخاري - أن النبي ﷺ بعث إلى كسرى وقيصر كتباً فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى أن ذكر قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران:٦٤] إلى آخر الآيات، قال: والكافر جنب؛ لأن الكافر سيجامع امرأته ثم لا يغتسل، فهو جنب، قالوا: إذا ً يقرأ القرآن، والنبي ﷺ أقر على ذلك. الرابع: أن هناك أخباراً وأحاديث تذم من نسي القرآن، ولهم أدلة صحيحة في ذلك، وعمومات أدلة تثبت أن القرآن يتفلت، فلا بد من المحافظة عليه، وفيها إشعار على أن الذي يتفلت منه القرآن بغفلته يأثم، بل يدخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]. قالوا: ونحن نستدل كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية بهذه القاعدة العظيمة: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والواجب عدم النسيان، لحرمة النسيان، فلا يتم الواجب إلا بالقراءة، سواء كانت حائضاً أو غير حائض، فما يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 61

القول الراجح في حكم قراءة الحائض للقرآن والراجح من هذه الأقوال بإذن الله وبحوله وقوته: وقولي: الراجح، أي: أن غيري مرجوح؛ لأني أقول: الكلام في هذه المسألة على أني أرى أن الذي أتبناه هو الصواب، والذي يتبناه المخالف على خطأ، والصواب يحتمل الخطأ، والخطأ يحتمل الصواب، وهذا الذي أقوله هو ما قاله الشافعي أو قاله علماؤنا، فالراجح الصحيح هو قول الجمهور، من أن المرأة التي تقرأ القرآن وهي على حيض آثمة عاصية لله جل وعلا، وأنها تستحق العقاب بقراءتها للقرآن على هذه الحالة؛ لأن الأدلة واضحة ظاهرة جداً على التحريم، وسأناقش هذه الأدلة حتى أكون منصفاً. فالأدلة التي استدل بها الجمهور: أولاً: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه الذي في السنن، وهو: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب القرآن)، فهذا الحديث عن ابن عمر قد رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي، والدارقطني، كلهم من طريق إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر، وإسماعيل بن عياش ثقة في الشاميين، أي: هو ضابط عند علماء الجرح والتعديل، إلا أنهم يوهنون حفظه في غير الشاميين، أي: هو ضعيف في غير الشاميين، وهذه الرواية صراحة هي عن أهل الحجاز، وأهل العراق، فهو يروي عن أهل الحجاز وأهل العراق مناكير، كما قال البخاري: يضعف في روايته عن غير الشاميين، وهذا الحديث أنكره أحمد. فالحديث في إسناده ضعف، وهو ضعيف، والحجة عند العلماء: أن الحكم فرع عن التصحيح، فهذا حديث ضعيف؛ لأن في سنده إسماعيل بن عياش؛ ولأن إسماعيل بن عياش أتي من قبل حفظه في غير الشاميين، ويمكن أن نناوش في هذا الإسناد، ونبين أن هذا الإسناد يحتمل التحسين، وأن بعض العلماء صحح هذا الإسناد، فنقول: يحتمل التحسين لأدلة، منها: أولاً: أن إسماعيل بن عياش الذي يخشى منه الوهم والخطأ، وعدم الضبط، قد جاءتنا أدلة تدل على أن إسماعيل قد ضبط لنا هذه الرواية، وعند ذلك الإسناد يرتقي إلى الحسن لغيره، لا سيما وأنا سأبين لكم كلام الشيخ أحمد شاكر، وهو كلام نفيس جداً، فالشيخ محدث المصريين المعاصر، ومفخرة المصريين المعاصرين، قال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي بعدما سرد أن العلماء ضعفوا هذا الحديث من قبل إسماعيل بن عياش، قال: وأكثر ما في رواية ابن عياش الخوف من الغلط فيه؛ لأنه يهم في غير الشاميين، فمتابعة مثل عبد الملك بن مسلمة -وهذا وهم من الشيخ أحمد شاكر؛ لأن عبد الملك بن مسلمة ليس هو المتابع، وليس من نفس طبقة إسماعيل بن عياش، بل من طبقة سابقة عن طبقة إسماعيل بن عياش - قال: فمتابعة مثل عبد الملك بن مسلمة مع احتمال الخطأ ترفع خطأ إسماعيل بن عياش، لا سيما وأن عبد الملك بن مسلمة وثقه الدارقطني، وهذا يؤخذ على الشيخ أحمد شاكر من وجهين: الوجه الأول: أنه وهم على الدارقطني، فـ الدارقطني لم يوثق هذا الرجل، ولذلك نرى أن الشيخ الألباني وتلاميذه تركوا مسألة الطبقات، وتركوا المتابعة، وكأنهم ظفروا بخطأ الشيخ أحمد شاكر، ونزلوا على الشيخ، وعلى وهم الشيخ على الدارقطني، وأنا أقول: انظروا إلى صلب قول الشيخ، فالشيخ أحمد شاكر يقول كلاماً نفيساً جداً، يقول: الخوف في هذا الإسناد من وهم إسماعيل، وإسماعيل يمكن أن يرتفع وهمه بالمتابعة التي توضح لنا أنه لم يخطئ في هذا الحديث، وضبط لنا هذا الحديث، وهذا الكلام نفيس جداً، لاسيما كما قلت: بأن الذي تابع هو المغيرة، والمغيرة مصري ثقة ثبت، وثقه علماء الجرح والتعديل، وهو الذي يتابع إسماعيل بن عياش، فـ عبد الملك بن مسلمة الضعيف ليس هو المتابع، بل المغيرة هو المتابع. ولذلك صحح ابن سيد الناس متابعة عبد الملك، وقال: إنه هو المتابع، وصحح المتابعة على أن هذا هو عبد الملك بن مسلمة القعنبي تلميذ مالك، وهو الثقة الثبت، ومن أحفظ الناس الذين رووا الموطأ، وهذا وهم من ابن سيد الناس تابع فيه ابن عساكر، فـ عبد الملك بن مسلمة ليس هو القعنبي، بل هو آخر، لكن أبى علينا المضعفون بهذه المتابعة، وقالوا: حتى بالطريق التي فيها عبد الملك بن مسلمة فالإسناد ضعيف. فنقول: يقوي بعضهم بعضاً، والإسناد ضعيف، لكن له شواهد، منها: حديث جابر بن عبد الله وأنس وعائشة، ولكن هذه الشواهد -صراحة وإنصافاً- لا تصح أن تكون شواهد؛ لأن فيها أناساً اتهموا بالكذب، وأناساً متروكين، أي: فيها رواية متروكين فلا يصح أن نستشهد بهم على هذه الرواية. إذاً: الرواية الأولى ضعيفة، لكنها تحتمل التحسين، لا سيما أن المغيرة قد تابع إسماعيل بن عياش، لكن يبقى الإسناد ضعيفاً. الرواية الثانية: حديث علي بن أبي طالب، وهذه الرواية بفضل الله صحيحة، خلافاً لمن ضعفها، فقد صححها الأكابر من أهل العلم بالحديث، فهذا الحديث عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه الذي قال فيه: (لم يكن يحجب النبي ﷺ عن القرآن سوى الجنابة)، وقد رواه أحمد في مسنده، ورواه أبو داود، والترمذي، والبيهقي، والدارقطني من طريق شعبة عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وصحح هذا الحديث الترمذي، والترمذي وإن قال بعضهم: إنه متساهل في التصحيح، لكنه من المتقدمين في عصر الرواية، والترمذي صاعقة في الحفظ، كان أعمى، وكان أحفظ الناس في زمانه، بل من أنجب تلاميذ البخاري، ومن أنجب علماء العلل، وهو ليس بالهين في علم الحديث، فـ الترمذي صحح هذا الحديث، وابن السكن وعبد الحق، والبغوي، وروى ابن خزيمة في إسناده عن شعبة أنه قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي، أي: حديث علي بن أبي طالب ثلث رأس مالي، يبين صحة هذا الحديث، وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن من هذا، أي: في الباب، وهذا يدل على صحة الحديث. ولذلك لم ير الحافظ ابن حجر في الفتح -فتح الباري- إلا أن يحسن هذا الحديث، وقال: هو من قبيل الصحيح الذي يحتج به، وهذا الإسناد حسن لم يؤخذ عليه إلا عبد الله بن سلمة، وهو رجل اختلف علماء الجرح والتعديل فيه توثيقاً وتجريحاً، والعلماء الذين ينظرون في هذه المسألة ينظرون في المجرح، وينظرون في الموثق، والمجرح والموثق له قواعد في علم الحديث حتى يرجح قولاً على قول، وسأبين لكم المجرح والموثق، وكيف نرجح بين القولين، فهذا الراوي عبد الله تغير بآخره، قاله الحافظ ابن حجر، قال الشافعي: إن كان هذا الحديث ثابتاً ففيه دلالة تحريم القرآن على الجنب، وكذلك على الحائض، لكن هذا الحديث لا يثبتونه. قال البيهقي: إنما قال الشافعي ذلك؛ لأن عبد الله بن سلمة راويه كان قد تغير بآخره، وعند المحدثين فرق بين تغير واختلط، فالاختلاط أعم، وكل مختلط متغير ولا عكس، والتغير أول درجات الاختلاط، فلا يضعف الراوي بالتغير، بل في الصحيح روايات عمن قيل فيه: قد تغير بآخره. قال: وأكثر ما قيل في عبد الله بن سلمة أنه تغير بآخره، وإنما يروي الحديث بعدما كبر، قاله شعبة. وعبد الله بن سلمة المرادي الكوفي عدله أقوام، وتكلم فيه آخرون، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، لاسيما وأن الراوي عنه شعبة، الذي كان ينتقي ممن يروي عنه، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، قال ابن عدي: أرجو أن يكون لا بأس به، وهذا أيضاً توثيق. إذاً: الموثقون ابن حبان والعجلي، وأيضاً يعقوب بن شيبة، وابن عدي صاحب كتاب (الكامل) وهو من أنفع الكتب التي روت الأحاديث المختلف في رواتها. أما المجرحون: قال البخاري: لا يتابع على حديثه، أي: كأنه ينفرد، وانفراده فيه نكارة، قال أبو حاتم: تعرف وتنكر، أي: تنكر منه بعض الأحاديث، وتعرف أي: يوافق ويخالف، وقال شعبة: كان يحدثنا فنعرف وننكر، أي: يوافق الثقات ويخالف، وكان قد تغير بآخره. فهذه أقوال المجرحين والموثقين، فالموثقون قد بينوا أنه ضابط، تقي، ثقة، وأما المجرحون فقد جرحوا في ضبطه، وأنه قد تغير في آخره. إذاً: كل الجرح مداره على التغيير، والتغيير لا يكون قدحاً في الراوي، حتى نطرح حديثه بهذه الطريقة، لاسيما وأن شعبة يقول: ثلث رأس مالي، ولاسيما وأن الحافظ يقول: صدوق -بعدما يجتهد الحافظ في ترقية الصدوق-

стр. 62

الرد على من قال بالجواز فإن أثبتنا ذلك بالدليل فلابد أن نرد على المخالف، وردنا على الإمام ابن حزم سيدخل تحت الرد على الإمام مالك؛ لأن أدلة الإمام مالك أقوى من أدلة الإمام ابن حزم، وأنا اجتهدت رأيي أن أستدل لهم بما لهم من أدلة حتى نصل إلى الحق. أولاً: الدليل الأول: الأصل عدم المنع، فنقول: نحن معكم في هذه القاعدة، والأصل عدم التحريم، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦]، فالأصل عدم المنع، لكننا قد جاءنا الناقل، الذي نقلنا عن الأصل إلى التحريم، وهو حديث علي المرفوع ﵁ وأرضاه، وكلام عمر بن الخطاب ناقل؛ لأن عمر بن الخطاب وإن خالفه ابن عباس فإن عمر في كفة والصحابة في كفة، وترجح كفته، لقول النبي ﷺ : (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وهناك خلاف بين الكثير من العلماء في مسألة حجية قول الصحابي، والراجح: أن قول الصحابي حجة، فإن اختلف الصحابة فالخلفاء الراشدين المهديين أربعة في كفة، والأمة بأسرها في كفة، وإن كان الأربعة اتفقوا على أمر، وخالف كل الصحابة فترجح كفة الأربعة، لقول النبي ﷺ : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ). إذاً: الناقل قول علي، وقول عمر بن الخطاب ﵄، وهذان الناقلان للقياس الجلي. الدليل الثاني: عموم قول النبي ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج)، فهذا عام، وهو قوي صراحة، فقوله ﷺ : (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، والحاج يذكر الله، ويسبح، ويقرأ القرآن، وهذا سيكون استدلالاً قوياً إذا قلتم بأن النبي ﷺ في مقام التبيين، فقد بين المستثنى وهو الطواف، والرد على هذا الحديث من وجهين: الوجه الأول: أن هذا الحديث عام، مخصوص بحديث علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه: (أن الجنابة هي التي كانت تحجز)، وأيضاً قول عمر بن الخطاب: لا تقرأ الحائض القرآن، وقول علي بن أبي طالب لا تقرأ الحائض القرآن، والقياس الجلي من المخصصات المنفصلة، فالقياس يخصص العموم. إذاً: فهذا عام مخصوص. الوجه الثاني: القوة في الاستدلال، حيث أنهم قالوا: لو كانت قراءة القرآن محرمة لخصصها النبي ﷺ كما خصص الطواف. قلنا: إن المخصص نوعان: مخصص متصل، ومخصص منفصل. فالمخصص المنفصل جاء في قوله ﷺ : (غير ألا أن تطوفي بالبيت)، وقد بينه النبي ﷺ لهم في المدينة، أي: أن مقامنا وحالنا: أنها داخلة على البيت الحرام تريد الطواف، فكان لا بد من تمام التبيين والتأكيد بقوله: لا تطوفي، أي: أنت ستذهبين فلا تطوفي بالبيت، وكنت قد نهيتك عن قراءة القرآن في المدينة فاستحضري ذلك، فهذا بالمخصص المنفصل، وهو على القول بتصحيح حديث علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. فنقول: هذا مخصص منفصل، ويبقى الأمر على ما عهدوه، وعلموه وتعلموه من النبي ﷺ من أن المرأة الحائض لا تقرأ القرآن. الدليل الثالث: قول ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ بعث بالكتاب إلى كسرى وقيصر وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، وتلا الآية، وقال: إن ملوك الأعاجم على الكفر وهم على الجنابة؛ لأنهم يجامعون ولا يغتسلون بنية رفع الجنابة، فقلنا الرد على هذا الحديث من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن هذا في غير محل النزاع، وهذا الحديث لا يصح الاستدلال به على هذا الباب؛ لأن مسألتنا في جواز قراءة الحائض لغير الضرورة بل للحاجة، والمسألة هذه على الضرورة، وهي: أن النبي ﷺ بعث إليه بالآية، وبعث إليه بهذا الكلام ليدعوه إلى الإسلام، وهذه ضرورة، ومحل النزاع ليس في الضرورة. إذاً: هذا الحديث ليس في محل النزاع، إذ محل النزاع في باب غير الضرورة، وأنت أتيت بحديث في الضرورة؛ لأن الضرورة تبيح المحظور، وقلنا لك: ابعث بالمصحف نفسه للكافر كما قال بعض الفقهاء، وقال الثوري وغيره: ابعث به للنصراني أو الكافر أو أهل الكتاب ليقرأ القرآن لعله يدخل في الإسلام، وهذا جواز من العلماء الذين منعوا القراءة، وهو من باب: أن الضرورات تبيح المحظورات، فهذا الحديث ليس في محل النزاع. الوجه الثاني: أن هذا الحديث قد تطرق إليه الاحتمال، وإذا تطرق الاحتمال إلى الدليل سقط به الاستدلال، والاحتمال هو: أن رسول رسول الله ﷺ عندما ذهب إلى كسرى وقيصر ومعه الرسالة، فيحتمل أن يكون هذا الرسول هو القارئ، وهو ليس على جنابة، ولا يلزم أن يكون كسرى وقيصر هو الذي يقرأ، فلا وجه لكم في الاستدلال. أيضاً: قد تكون هذه الآية قد قرأها كسرى أو قيصر مع بعض الكلمات الأخرى التي كتبها النبي ﷺ ، وهي آية واحدة: بسم الله الرحمن الرحيم، كما تقرأ المرأة الآية في كتب الفقه، كاستدلال على مسألة الفقه. واحتمال آخر: أن يكون نائب كسرى أو نائب قيصر كان مسلماً يخفي إسلامه، فقرأ هذه الرسالة. إذاً: هذه احتمالات تسقط الاستدلال بهذا الحديث، وهي احتمالات قائمة. الوجه الثالث: أننا نقول: يقرؤها كما تقرأ المرأة الذكر على أنه ذكر، وتقرأ الآية على أنها ذكر عندما تركب الدابة، فتقول: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]، ولا تقرؤها على الناس للتلاوة، والعلماء أيضاً قالوا ذلك، قالوا: يقرؤها كسرى وقيصر، ولا يقرؤها على الناس على أنها تتلى، والأوجه من ذلك أننا نقول: إن المحاسب هو المكلف، ونحن نمنع الجنب المكلف، وهذا غير مكلف، والخطاب للمكلف، وإن كانت هذه المسألة أصولية، وقد اختلف فيها العلماء، وهي: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ فالراجح: أنهم مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن هنا نقول: إننا نحاسب المكلف الجنب، ولا نحاسب الذي يريد الإسلام بقراءة هذه الآيات. الدليل الرابع: وهو الدليل الذي استدل به مالك وتكلم به شيخ الإسلام في الفتاوى، ألا وهو: بأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ووجه الدلالة من ذلك: أنه قال: يحرم على المرأة نسيان القرآن الذي حفظته، فلا بد من أن تحافظ على هذا القرآن، وتحافظ عليه بتلاوته؛ لأنها لو تركت التلاوة نسيت فوقعت في الحرام، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالواجب ألا تنسى، ولا يمكن ألا تنسى إلا بواجب آخر، وهو معاهدة الحفظ، فنقول: جزاكم الله خيراً، والرد على هذا من ثلاثة وجوه: الوجه الأول: أن نقول: إن هذا أيضاً في غير محل النزاع، فحرمة نسيان القرآن هو من غفلة الإنسان ونسيانه، وهو المخاطب بذلك، والتحذير من هذا بسبب غفلة الإنسان وكسيه، لا بسبب خارج عن إرادته، والمرأة التي تركت القراءة؛ لأن النبي ﷺ حرم عليها القراءة، وعلي حرم عليها القراءة، وعمر حرم عليها القراءة، ليس هذا من كسبها، ولا من غفلتها ونسيانها بل هو طاعة لله، فإن كان طاعة لله فلا يدخل في ذلك، ولن تدخل تحت الوعيد، وكأنها تقول احتجاجاً: رب إني تركت القراءة لأمرك، وقرأت وحفظت لأمرك، فتركت لأمرك وحفظت لأمرك، فلا تذم عند الله، ولا تقع في محل هذا الحديث؛ لأن الحديث يختص بالتي تنسى وتفلت القرآن منها، بقصدها وبغفلة منها، كما قال النبي ﷺ وهو يشتكي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:٣٠]، والمقصود: أن هذا ليس في محل النزاع. الوجه الثاني: نقول: إن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي: لا يمكن تنسى إلا بالقراءة، وهي ممنوعة من القراءة، ولنا آلات ووجهات أخرى يمكن ألا تنسى بها، كما أجمع العلماء، ونقل الإجماع النووي وإن كان في الإجماع هذا نظر! وبالاتفاق قالوا: بأن المرأة الحائض لها أن تقرأ القرآن في قلبها، وفي نفسها، فتمرر الآيات في خاطرها، وتجول في عقلها بالقراءة وفي قلبها، فيثبت ذلك في قلبها، فإن كانت لا تستطيع، وهي لو تدبرت القرآن في قلبها فإنها تردد في لسانها، قلنا لها: دعيك من هذا، وخذي سورة البقرة أو النساء أو السورة التي تحفظيها فاكتبيها في ورق، وأعيدي كتابتها أكثر من مرة طول النهار والليل، وهذه الكتابة ستثبت لك الحفظ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فعليك بالكتابة؛ لأنه لم يرد النهي عن الكتابة، والأصل عدم المنع، ولا تقرئي؛ لأنه قد ورد النهي عن القراءة، فتأخذي الورق بعد ذلك وتحرقيه وتدفنيه، ويمكن أن تراجع عن طريق التسجيل، والحمد لله نعم الله علينا كثيرة، ومن النعم علينا هذا المسجل الأعجوبة في هذا الزمان، فلك أن تأخذي شريط سورة البقرة، أو سورة النساء، أو سورة الأحزاب، أو السورة التي تحفظيها وتضعيه في المسجل، وتسمعيها ليل نهار في أيام الحيض، فتثبت الحفظ عندك أكثر مما كنت تقرئينها، أو تذهبي إلى الدار أو إلى مجالس التحفيظ، أو إلى المكان الذي يحفظ فيه، كالمدرسة مثلاً، فتجلسي تستمعي إلى المحفظة التي تقرأ وهي طاهرة، وتسمعي منها، وتتقني منها الألفاظ دون أن ترددي، وترجعي إلى بيتك تكتبيها في ورقة وتختزنيها حتى تطهري ثم تقرئي. إذاً: خرجنا من مسألة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ونقول: عندنا أكثر من آلة ليتم الواجب بها، وهو تمام الحفظ، وذلك إما بالقراءة في القلب، أو بالكتابة، أو بسماع من يقرأ من المحفظات أو المعلمات. فأنا أقول

стр. 63

رسالة إلى كل امرأة تيسير أحكام الحيض - العدة هل هي بالأطهار أم الحيض من أهم المسائل التي يجب على المرأة تعلمها ومعرفتها: معرفة متى يبدأ وقت العدة ومتى ينتهي، وما هو الواجب عليها بعد الطهر من غسل وصلاة ونحو ذلك، وقد بين النبي ﷺ كيفية غسل المرأة بعد الجنابة أو الطهر من الحيض، وما الذي يستحب لها فيه.

стр. 64

خلاف العلماء في معنى القرء إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

стр. 65

القول الأول في معنى القرء وأدلتهم نختم اليوم بإذن الله رسالة: إلى كل امرأة، بثلاث مسائل: المسألة الأولى: العدة، هل عدة المرأة إذا طلقت بالأطهار أم بالحيض؟ وهل القرء هو الحيض أم الطهر؟ هذا مأخوذ من قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فالقرء اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول: قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد قالوا: القرء هو الطهر، وأدلتهم في ذلك من الأثر والنظر: أما الأثر فقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] و (اللام) هنا بمعنى: في، ويجوز في اللغة استعارة الحروف بعضها عن بعض، فـ (اللام) تأتي بمعنى (في)، و (في) تأتي بمعنى (اللام)، مع أن بعض أهل اللغة يرفضون ذلك، لكن هذا هو الراجح والصحيح، وهنا لعدتهن بمعنى: في عدتهن. قوله: ((يا أيها النَّبِيُّ)) وهذا خطاب للأمة ((إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)) أي: في عدتهن، وانظروا إلى وجه الدلالة من هذه الآية، فقد اتفق الموافق والمخالف على أن الطلاق في الحيض لا يجوز، فبالاتفاق أن الطلاق في حال الحيض لا يجوز، فإذا قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الطلاق:١] كأن الآية تقول لكم: من التقوى أن تطلقوا النساء في زمن العدة، أي: في الطهر لا في الحيض، فيكون المعنى (في العدة) أي: في الطهر، فهذه فيها دلالة واضحة جداً على أن القرء هو الطهر. أيضاً من أدلتهم من الأثر: حديث ورد في الصحيح عن النبي ﷺ أنه لما أخبره عمر بأن ابنه عبد الله طلق امرأته وهي حائض، قال النبي ﷺ : (مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن شاء أمسكها وإن شاء فارقها، وتلك العدة التي أمر الله) أي: أن الطلاق فيها. ووجه الدلالة من الحديث أن النبي ﷺ قال: تطهر ثم تحيض، ثم تطهر، فإن أراد أن يمسكها أمسكها أو فارقها، ويريد هنا: إن أراد الطلاق طلقها في الطهر، وهذه دلالة أيضاً على أن القرء معناه الطهر، لأن النبي ﷺ يقول: راجعها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، فإن أردت الطلاق فطلقها في طهرها هذا، فكأن النبي ﷺ يقول له: هذه هي العدة الصحيحة التي تبدأ تحسب منها. الدليل الثالث أيضاً: أن عائشة ﵂ وأرضاها سئلت عن عدة النساء؟ فقالت: الأقراء، أتدرون ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار. فجاء التصريح منها بأن القرء هو الطهر. وأما الدليل من النظر: فقالوا: في اللغة القرء معناه: الجمع، وإذا طبقنا الجمع تقول: قرأت شيئاً، أي: جمعت شيئاً، فتقول: القرء هو الجمع، فقالوا: إن كان القرء هو الجمع، فإن الطهر بمعنى الجمع؛ لأن الحيض: إرخاء الرحم للدم لخروجه، والطهر: جمع الدم في الرحم، فجمع الدم في الرحم يساوي الطهر، ويكون في اللغة القرء، فقالوا: اللغة تساعدنا على أن القرء هو الطهر، وهو: جمع الدم في الرحم، أما الحيض فهو: إرخاء الرحم للدم، فهذا القول الأول هو قول الشافعية والمالكية، ودللوا على قولهم من الكتاب والسنة والنظر.

стр. 66

القول الثاني في معنى القرء وأدلتهم وأما الأحناف وهي رواية عن أحمد فقالوا: القرء هو الحيض، والعدة تحسب بالحيض، وقول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيض، حيضة ثم حيضة، ثم حيضة، واستدلوا على ذلك أيضاً بالكتاب والسنة: أما الكتاب فقالوا: قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قالوا: ثلاثة قروء لا بد لزاماً أن تكون ثلاث حيض؛ لأننا لو قلنا بالأطهار فإن الطهر الذي طلقها فيه سيحسب، فلو أن امرأة في الشهر الثالث كانت على طهر فطلقها زوجها، فحتى نحسب العدة بالأطهار فسيمر عليها نصف الطهر الأول، ثم طهر ثاني، ثم طهر ثالث، فلا تكون ثلاثة أطهار كاملة. قالوا: إذاً: لا تنضبط الثلاثة القروء إلا بالحيض؛ لأنه من السنة أن يطلقها في الطهر، ثم إذا عدت هذا الطهر فتحسب حيضة، ثم حيضة، ثم حيضة ثالثة، فهي ثلاث حيض كوامل، فقالوا: ظاهر الآية معنا؛ لأن حساب العدة بالأطهار يجعلهن اثنين وبعض الطهر الثالث، وليس ثلاث كوامل، لكن الحيض ثلاث حيض كوامل. الدليل الثاني من السنة: قالوا: ورد حديث عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: (طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان)، ووجه الشاهد فيه: (وعدتها حيضتان)، وهذه دلالة واضحة جداً على أن القرء هو الحيض، لكن هذا الحديث في سنده ضعف، فقد رواه البيهقي عن ابن عمر موقوفاً، أي: أنه قد صح موقوفاً وضعف مرفوعاً، فيكون لهم حجة بأنه قول لـ ابن عمر، يقابله قول لـ عائشة ﵂ وأرضاها، فلو قلنا بالمرجحات فلا يوجد مرجح إلا قول عائشة وقول ابن عمر، فنرجع إلى قول عائشة؛ لأنها صاحبة الأمر، وهذه مسألة تخص النساء. لكن جاء الحديث الذي فصل في النزاع بسند صحيح في السنن عن النبي ﷺ أنه قال: (دعي الصلاة أيام أقرائكِ). وبالاتفاق أنها تدع الصلاة أيام حيضها، فهذه دلالة كبيرة جداً على أن القرء بمعنى: الحيض؛ لأنه بالإجماع أنه تدع الصلاة أيام الحيض. وأيضاً في رواية أخرى: قال النبي ﷺ : (إذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي) أي: تطهري من القرء الذي هو الحيض، فسمى القرء حيضاً، ونحن ندور مع الشرع حيث دار، وإن كانت أدلة الفريق الأول من النظر قوية، لكنا نقول: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه فقد جاء النص عن النبي ﷺ أنه قال: (دعي الصلاة أيام أقرائكِ) أي: أيام حيضكِ، فهذا تفسير بليغ من النبي ﷺ ، يبين لنا بأن العدة هي القرء، والقرء هو الحيض، فيصير معنى قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيض.

стр. 67

حكم من طلق امرأته في حال الحيض نختم بفائدة في هذا الباب: ما معنى قول النبي ﷺ : (مره فليراجعها)؟ هذا ليس له في باب الحيض علاقة، لكن نقول: من باب إتمام الفائدة هنا: لو أن رجلاً طلق امرأته في حال حيضها، فهل نقول له: وجوباً عليك أن تردها ويقع الطلاق وتأثم، أم نقول: أثمت ووقع الطلاق فاستغفر، ولا يجب عليك إرجاع المرأة؟ يوجد خلاف بين العلماء، والصحيح الراجح قول الجمهور، وهو مذهب المالكية أنه يقع الطلاق، لقول النبي ﷺ : (مره فليراجعها). إذاً: الذي طلق امرأته في حيض فإنه يقع الطلاق ويأثم، والعدة ثلاث حيض، وأيضاً يجب عليه إرجاع هذه المرأة، فهو يأثم إثماً مركباً إن لم يراجع المرأة، فيجب عليه أن يرد المرأة؛ لقول النبي ﷺ : (مره فليراجعها).

стр. 68

حكم غسل المرأة لزوجها بعد وفاته المسألة الثانية: رجل كان زوجاً لطيفاً عفيفاً مخلصاً لامرأته، وكتب في وصيته لامرأته ألا تتزوج بعده؛ لأنه يريدها في الجنة، والمرأة على خلاف بين العلماء، هل تكون في الجنة مخيرة بين الزوجين أو هي لآخر زوج؟ والصحيح الراجح أنها لآخر زوج، أو إذا صححنا الأثر فإنها تخير بين الزوجين في الأحسن خلقاً، لكن أنا أقول بالأثر: أنها تكون لآخر زوج، هذا الصحيح الراجح. فكتب في الوصية ألا تتزوج بعده، ثم كتب: وتغسلني امرأتي، فهل لها أن تغسله أو ليس لها أن تغسله؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: أما الأحناف فقالوا: ليس لها أن تغسله. قلنا: لم؟ قالوا: لأنه قد انقطع عقد الزوجية، وهي سوف تمس عورته، وتمس أجنبياً عنها، فلا يجوز لها أن تمسه ولا أن تغسله. القول الثاني: وهو قول جمهور أهل العلم -وهو الراجح الصحيح- من المالكية والشافعية والحنابلة: أن لها أن تغسل زوجها إذا وصى بذلك، والأدلة كثيرة من النظر والأثر. أما من الأثر فإن عائشة ﵂ وأرضاها تمنت أن تغسل رسول الله ﷺ ، والدليل على ذلك أنها قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل رسول الله إلا أزواجه. فـ عائشة ﵂ وأرضاها تمنت أن تغسل زوجها، ولا تتمنى إلا الحق والصحيح، فهذا التمني لو كان محرماً لما تمنت هذه الأمنية. أيضاً: أبو بكر الصديق ﵁ وأرضاه أوصى أن تغسله أسماء بنت عميس ﵂ وأرضاها، فلما مات غسلته أسماء بنت عميس، ووجه الدلالة من ذلك أنها فعلت هذا على مشهد ومرأى ومسمع من الصحابة، ولو كان حراماً لأنكره صحابة رسول الله ﷺ . أيضاً: علي بن أبي طالب قد غسل امرأته فاطمة بنت محمد ﷺ ورضي الله عنها، فإن علي بن أبي طالب هو وذلك بوصية منها، فهذا فيه دلالة على الجواز. وهناك قصة لطيفة ذكرها صاحب سير أعلام النبلاء: أن امرأة مات زوجها وهي في زمن الحيض، ووصى بأن تغسله، فوجدت يحيى بن معين وكان محدثاً بارعاً جهبذاً في علم الرجال، لكن ما انشغل بفقه المتن، وهذا الذي نرضى به عن إخواننا ونقول: لا بد أن ننشغل بعلم الحديث والفقه، إذا جاءك الحديث فلك فيه طريقان: إثبات سنده وفقه متنه، وفقه المتن هو رأس الأمر، فسألته فقالت: يا هذا! إن زوجي أوصى أن أغسله وأنا على حيض هل أغسله؟ فوقف وما استطاع أن يجيب، ثم رأى أبا ثور فقال: سل هذا الرجل، فسألته فقال لها: نعم غسليه، فقد كان رسول الله ﷺ يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فترجله عائشة وهي حائض، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أنه قاس قياس الأولى، قال: كانت ترجله وهي حائض، أي: تنفعه، فالميت أولى بهذا، فنقول: حاجة الرجل وهو ميت أولى من حاجته حياً، والحديث الذي يدلك على المساواة قول النبي ﷺ : (كسر عظم الميت ككسره حياً)، فهذه الرواية فيها دلالة واضحة على أن المرأة تغسل زوجها. أختم هذه الرسالة وأسأل الله جل في علاه أن تكون خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفع الله بها كل امرأة، وأن ينفعني وإخوتي بها، وأن يجعلها مداداً للحسنات بعد الممات، والله جل في علاه لا يقبل عملاً إلا إذا كان خالصاً لوجهه الكريم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] وويل كل الويل لمن يعمل للصيت أو السمعة أو الرياء، فإن الله جل في علاه بالمرصاد لكل قلب زائغ، وإن الله جل في علاه يعطي المنافق نقيض قصده، وقد قال النبي ﷺ كما في الصحيحين: (من راءى راءى الله به، ومن سمع سمع الله به) والله جل في علاه يبغض المنافق والعياذ بالله ويبعده، وإن أول من تسعر بهم النار طالب علم منافق، طلب العلم حتى يسمع أو حتى يرائي ويشار إليه بالبنان، والله لا يقبل الله علماً ولا عملاً إلا ابتغاء وجهه الكريم، وأسأل الله جل في علاه أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم.

стр. 69

ما يجب على المرأة إذا طهرت ختاماً لهذه الرسالة: يجب على المرأة الحائض إذا طهرت أن تغتسل، لكن هل هذا على الفور أم على التراخي؟ أولاً: إذا رأت المرأة القصة البيضاء فهذا معنى الطهر، وكذلك إذا كان الجفاف، بأن أدخلت المرأة كرسفاً فخرج كما هو جافاً، فتكون المرأة طاهرة بأمرين اثنين: بالجفاف أو بالقصة البيضاء، فإذا طهرت المرأة فعليها الغسل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٢٢]، وأيضاً قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:٦] إلى آخر الآيات، فهذه تدل على الغسل، ونحن نقول بأن هذا الغسل نصح به النبي ﷺ عندما قال للمرأة: (إذا انقطع دمكِ فاغتسلي، ثم خذي قطعة مسك وتطهري. فقالت: كيف أتطهر بها يا رسول الله؟ فتعجب النبي ﷺ وقال: سبحان الله تطهري بها! قالت: كيف أتطهر؟! فتعجب رسول الله! قالت عائشة: فجذبتها فقلت لها: تتبعي أثر الدم). وهذه سنة غابت عن نسائنا كثيراً، ألا وهي أنه بعدما ترى المرأة الطهر لها أن تمسك قطعة مسك فتطهر بها المحل من أثر الحيض؛ لأن أثر الحيض له رائحة كريهة، فلا بد أن يتبع هذا الأثر برائحة طيبة، ألا وهو: المسك، واستخدام المسك عند الطهر جائز، ثم تغتسل، والاغتسال أن تعمم الجسد بالماء. آخر هذه المسائل: الاغتسال على الفور أم على التراخي؟ هو على التراخي، إلا أن يؤذن المؤذن للصلاة أو يريد الزوج منها الوطء، فإذا أراد وطأها وجب عليها الغسل، وإذا دخل وقت الصلاة وخافت أن ينقضي الوقت فعليها وجوباً الغسل ثم الصلاة، فهذا على الفور في هذه الأوقات فقط. أقول: إذا كان الغسل واجباً على المرأة فكيف تغتسل المرأة صاحبة الشعر الطويل، لا سيما إذا كانت قد شدت الضفائر وصعب عليها نقضها، فهل تغتسل بالضفائر أو لا بد أن تحل هذه الضفائر؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: قول جمهور أهل العلم: أنه يستحب نقض الشعر، وقالوا: أدلتنا في ذلك عامة، لعموم أمر النبي ﷺ بالاغتسال، والدليل لعام هو: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ)) ثم بين النبي ﷺ الغسل كما أمر به الله جل في علاه، قال للرجل بعدما أعطاه الماء: (أفرغ ذلك على جلدك) فإذا عممت المرأة الماء على جسدها كلية وما تركت شيئاً حتى دخل الماء في أصول الشعر وتأكدت أنه وصل إلى أصول شعرها فهذه قد تطهرت، بل تخرج لتصلي دون أن تتوضأ، وهذا هو الصحيح، والدليل على ذلك خاصة قول النبي ﷺ لـ أم سلمة عندما قالت: (إني امرأة أشد ضفر شعري فهل أنقض شعري وأنا أغتسل من الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك ثلاث حثيات، تأخذي بيدكِ هكذا، فتحثي ثلاث حثيات على رأسكِ، ثم تفيضي الماء على جسدكِ، فتكونين قد تطهرتِ) ثلاث حثيات فقط على الرأس، تأخذ بالكوب الماء على الرأس هكذا، ثم تدلك حتى في الضفائر، وتمرر الماء على الضفائر، ثم بعد ذلك تعمم الجسد كله بالماء، فإذا عممت الجسد كله بالماء فقد اغتسلت، وكما قلت: إذا انتهت فقد استباحت الصلاة ورفع الحيض، فتخرج لتصلي دون الوضوء. كذلك عائشة ﵂ وأرضاها كما في صحيح مسلم أخبرها من أخبرها بأن عبد الله بن عمرو بن العاص يأمر النساء عند الاغتسال أن ينقضن شعورهن، فأنكرت أشد الإنكار عليه، فقالت: وا عجباً لـ ابن عمرو بن العاص أما أمرهن أن يحلقن رءوسهن! (فإني كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ ويكفيني أن أفرغ على جسدي ثلاث إفراغات). أي: لا تنقض شعرها، فالضفائر لا تحل، وإنما تفرغ ثلاث إفراغات على الجسد، وتمرر الماء على كل الجسد ليصل إلى كل جزئية في الجسد، فتكون بذلك قد تطهرت واغتسلت، وإن أرادت الصلاة صلت، وهذه أيضاً رواية عن عائشة وهي أعلم الناس بهذه المسائل، وأنكرت أشد النكير على عبد الله بن عمرو بن العاص أنه كان يأمرهن أن ينقضن شعورهن. أما الحنابلة فاعترضوا وقالوا: لا، يجب أن نفرق بين غسل الجنابة وغسل الحيض، فالأدلة التي أتيتم بها هي في غسل الجنابة، أما في غسل الحيض فإن المرأة إذا طهرت من حيضها وجب عليها أن تحل الضفائر وتنقض شعرها، واستدلوا على ذلك بحديث عن عائشة ﵂ وأرضاها كما في الصحيح أنها لما حاضت ودخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي قال: (مالك أنفستِ؟ ثم قال لها: انقضي شعرك) فهذا وجه الدلالة هنا، (انقضي شعرك واغتسلي وتطهري وافعلي ما يفعل الحاج). قالوا: فهذا يدل على الأمر بنقض الشعر، وظاهر الأمر الوجوب، فأمرها فقال: (انقضي) أي: يجب عليكِ أن تنقضي، وفي رواية ابن ماجة أنه ليس ذلك في الحج بل على الإطلاق، قال لها النبي ﷺ : (انقضي شعركِ واغتسلي) وليس في الرواية تخصيص للحج. والصحيح الراجح في ذلك هو قول الجمهور، فنقض الشعر يكون على الاستحباب؛ لأن النبي ﷺ بين ذلك لـ أم سلمة، وقال: (إنما يكفيكِ أن تحثي ثلاث حثيات) وغسل الجنابة يساوي غسل الحيض ولا فرق بينهما؛ لأن كلاً منهما رفع حدث. أيضاً: أن عائشة ﵂ وأرضاها التي هي أعلم بهذه المسائل أفتت بهذا، وهي الراوية لهذا الحديث، أفتت بأن المرأة لا تنقض شعرها على العموم، سواء في الجنابة أو في الحيض، فكيف نجيب على الحنابلة؟ أقول: الحديث الأول ليس لهم فيه دليل؛ لأن الحديث وقع في الحج، وكلامنا في الحيض وليس في الحج، لكن هذا الغسل في الحج، وقد اختلف العلماء هل هو للتعبد أم للتنظيف؟ وسيأتي مجاله في التفصيل في الفقه إن شاء الله. فالغرض المقصود أن هذا في الحج، فإن عارضونا وقالوا: رواية ابن ماجة مطلقة. نقول: نحمل رواية ابن ماجة على رواية الصحيح التي هي على الحج؛ لأن عائشة التي هي أعلم بما روت هي التي أفتت بالاغتسال دون النقض، ونقول: إن أبيتم علينا ذلك، وفرقتم بين حديث في الصحيح وحديث ابن ماجة الذي فيه: (انقضي شعرك) نقول: هناك رواية لـ أم سلمة لما سألت النبي ﷺ قالت: (أنقض شعري من حيض؟ فقال: إنما يكفيكِ ثلاث حثيات على رأسكِ) فهذه الرواية فيها دلالة على أنها سألت عن غسل الحيض، وهذا سؤال وقت الحاجة، فبين النبي ﷺ لها ذلك فقال: (إنما يكفيكِ ثلاث حثيات على رأسك). وأيضاً نقول: أمر رواية ابن ماجة محمولة على الاستحباب، والذي صرف الوجوب إلى الاستحباب هو -إن قلنا إنه ليس في الحج- أمر النبي لـ أم سلمة، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. والخلاصة: أن المرأة عندما تطهر يجب عليها الغسل على التراخي، وتأتي الفورية إذا أراد الزوج جماعها، وأيضاً إذا دخل وقت الصلاة وخشيت من انقضاء هذا الوقت، فإنه يجب عليها على الفور الاغتسال، ويكفيها أن تعمم الجسد بالماء، وإن أرادت أن تغتسل غسل السنة فغسل السنة: أن تغسل الفرج ثم اليد، ثم تتوضأ للصلاة الوضوء المعروف، ثم تفرغ الماء ثلاث مرات على الشق الأيمن ثم الشق الأيسر، ثم تأخذ ثلاث حثيات بيدها، وتدخل الماء حتى يصل إلى أصول الشعر ثلاث مرات، ثم تفرغ الماء على الجانب الأيمن ثلاث مرات، ثم تفرغ على الجانب الأيسر ثلاث مرات، فهذا غسل السنة. أما الغسل عموماً فأقول: تفرغ الماء وتعممه على الجسد، وقد انتهينا من الرسالة بفضل الله، وأسأل الله ربي أن يجعلها ابتغاء وجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.