← Тараджим

Тараджим · id 37678

فضائل الصحابة - محمد حسن عبد الغفار

محمد حسن عبد الغفار

Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.

стр. 36

الأحاديث الصحاح في فضائل علي بن أبي طالب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. ما زلنا مع الشموع المضيئة ومع الأقمار المستنيرة مع أصحاب رسول الله ﷺ الذي ملكهم الله رقاب الدنيا بأسرها في مدة وجيزة من عمر الزمن، الذين اختارهم الله على علم عنده، الذين نظر في قلوبهم فوجدهم أبر الناس قلوباً، وأعمق الناس علماً، وأفضل الناس خلقاً، نحن اليوم مع فضائل علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. قال سهل بن سعد: إن رسول الله ﷺ قال: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يشتكي عينيه يا رسول الله، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به فلما جاء بصق في عينه فدعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع)، وهذه معجزة من معجزات النبي ﷺ ، وهذه لفتة بأن الله جل وعلا ما فضل نبياً بشيء إلا وأعطى نصيباً من هذا الفضل للنبي ﷺ ، فإن الذي كان يبرئ بالمسح هو عيسى ﵇، فالله فضل محمد بنفس صفة من صفات عيسى ﵇، أيضاً يوسف أعطي شطر الجمال، وكان النبي ﷺ كما قال القائل: (كنت أنظر إلى وجه رسول الله وأنظر إلى القمر، فلوجه رسول الله ﷺ أجمل من القمر)، وأيضاً موسى ﵇ كانت أكبر المعجزات التي حباه الله إياها هي أن يلقي العصا فتتحول حية، ورسول الله ﷺ أخذ خشبة ثم هزها فتحولت سيفاً حديداً غليظاً جداً، وأيضاً والله جل وعلا كلم موسى وكلم النبي ﷺ ، وكما رفع الله عيسى إلى السماء الدنيا فإن الله عرج بمحمد ﷺ إلى السماء السابعة. فقال علي: (يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام)، وهذا واجب على كل مجاهد ألا يقاتل الكافر حتى يدعوه إلى الإسلام، فإن أبى الإسلام يدعوه إلى الجزية وإلا فالقتال، قال: (ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وهذه فيها دلالة على فضل الدعاة وفضل العلماء الذين يهتدي بهم الأمم. والطريف في هذه القصة أن عمر بن الخطاب اشربت عنقه للولاية؛ لأن النبي ﷺ قال: (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، والنبي ﷺ صح عنه حديث عجيب جداً، وهو قوله: (الخائن عندنا من طلب العمل) يعني: من طلب إمارة أو إمامة أو طلب مسئولية أو طلب ولاية فهذا من أخون الناس، كما قاله النبي ﷺ ، وهذا له تفسير، إما أنه سيكون من أخون الناس؛ لأنه سيوكل إلى نفسه، وإما أن يكون هناك وحي من الله أن الذي يطلب الإمارة لا يعان عليها فيصبح من أخون الناس؛ لأنه سيضيع هذه الإمارة؛ والأحاديث الأخرى تفسر هذا، فالنبي ﷺ قال لـ أبي ذر: (لا تطلبن الإمارة)، وفي الحديث الآخر قال: (من لم يطلبها أو جاءته من غير طلب أعين عليها، ومن طلبها وكل إلى نفسه) فهنا عمر بن الخطاب يقول: أنا ما طلبتها من أجل أنها إمارة، بل طلبتها لأنها شهادة من النبي ﷺ بما وقر في القلب وهو حب الله وحب رسوله ﷺ . وفي الحديث المتفق عليه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ وأرضاه عن النبي ﷺ قال لـ علي: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى)، وهذا فضل كبير لـ علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه إذ إن النبي ﷺ أنزله بمنزلة هارون من موسى، وهارون كان نبياً، وفي بعض الروايات: (ولكنه لا نبي بعدي)، ولا غرو فإن علي بن أبي طالب هو أول الذين أسلموا لله رب العالمين، لم يشرب خمراً، ولم يعبد صنماً، ولم يفعل فاحشة قط، فهو مسلم منذ الصغر، وقد اختلف العلماء هل أسلم علي قبل الصديق أم الصديق هو الذي أسلم أولاً؟ فجمع بعض العلماء بين القولين وقال: أول الرجال إسلاماً هو أبو بكر، وأول النساء إسلاماً خديجة، وأول الأطفال إسلاماً علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه. وقال رجل لـ سهل بن سعد: هذا أمير المدينة يذكر علياً عند المنبر، يعني: يسب علياً في هذه المعضلة التي حدثت بينه وبين معاوية، وخاب وخسر من فعل ذلك، وقد قدح في دينه من يتجرأ على علي بن أبي طالب أو يتجرأ على معاوية أو يتجرأ على أحد من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فكان يقول على المنبر: أبو تراب فضحك سهل فقال: والله ما سماه بذلك إلا النبي ﷺ ، يعني: كأنه كان يسخر من هذه الكنية، والنبي ﷺ هو الذي كناه بـ أبي تراب، فضحك سهل وقال: والله ما سماه إلا النبي، وما كان له اسم أحب إليه منه، دخل علي على فاطمة ﵂ ثم خرج مغضباً، فدخل النبي ﷺ على فاطمة وقال: (أين ابن عمك؟) انظروا إلى فقه التعامل! النبي ﷺ يدخل على ابنته وهو يعلم أن هناك مغاضبة حصلت بين علي وفاطمة، فيقول لها: (أين ابن عمك؟) يعني: هذا دمك هذا لحمك هذا قريب منك، حتى ولو حدث بينك وبينه شيء فلا يكونن في قلبك منه شيء، فقال: (أين ابن عمك؟ فقالت: في المسجد، فخرج إليه فوجد رداءه قد سقط عن ظهره والتراب في ظهره، فجعل يمسح التراب عن ظهره ويقول: اجلس أبا تراب! اجلس أبا تراب)! وفي البخاري عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب أنه قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة فأموت كما مات أصحابي، فكان يرى أن عامة ما يروى عن علي كذب. فالرافضة أشاعوا الكذب، قال الشافعي: أكذب أهل الأرض هم الرافضة، وقال: ما رأيت أحداً أكذب من الرافضة، وأشهر الأحاديث التي وضعوها على علي هي: (خلقت أنا وعلي من نور على يمين عرش الرحمن)، وأيضاً: (أنا مدينة العلم وعلي بابها) وغيرها من الأحاديث المكذوبة على النبي ﷺ في فضائل علي، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أكثر من جاءت فيه أحاديث في الفضائل من الصحابة هو علي بن أبي طالب، فهو مستغن عن أن يضعوا له الأحاديث.

стр. 37

صفة علي ﵁ دخل ضرار بن ضمرة صاحب لواء علي بن أبي طالب على معاوية بن أبي سفيان فقال: يا ضرار! صف لي علي بن أبي طالب، وهذه منها دلالة على أن معاوية ﵁ وأرضاه كان يعرف قدر علي، ويعظم قدر علي، ويوقر ويحب علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، لا كما يظن الجاهلون، فقال ضرار: تعفيني يا أمير المؤمنين، فقال: لابد من وصفه، فقال: إن كان لابد فقد كان بعيد الندى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، يتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من لسانه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل ووحشته. كان والله غزير العبرة، طويل الفكرة، يقلب كفيه ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قصر، ومن الطعام ما خشن، كان فينا كأحدنا، يجيبنا إذا دعوناه، ويعطينا إذا سألناه، ويأتينا إذا أتيناه، ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه لهيبته، يعني لما خاف من ربه خوف الله منه البشر، ولما عظم الله في قلبه عظمه البشر جزاء وفاقاً، ولما وقر ربه جل في علاه أصبح أصحابه يوقرونه جزاء وفاقاً. قال: ولا نبتدؤه لعظمته، يعظم أهل الدين، ويحب المساكين، لا يطيع القوي في باطله، ولا ييئس الضعيف من عدله، وبالله أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى عليه الليل سدوله، وغارت نجومه، وقد مثل بمحرابه قابضاً على لحيته، يتململ تململ الكليل، ويبكي بكاء الحزين، يقول: يا دنيا إليك عني، غري غيري، لا حاجة لي بك، أبي تعرضت أم إلى تشوفت؟ أإلي أئلي تعرضتي أم إلي تشاورتي؟! هيهات هيهات! قد بتتك ثلاثاً لا رجعة لي فيك، فعمرك قصير، وخطرك حقير، وزادك يسير، آه آه من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق. فنسأل الله أن يرحم علياً، ويجعله مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى. فهملت عينا معاوية بالدموع وقال: رحم الله أبا الحسن! فلقد كان كذلك. والله إنه قد كان كذلك وفوق ذلك، فإن النبي ﷺ مدحه مدحة ليس بعدها مدحة، حيث قال: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى)، ولقد أعمل سيفه في سبيل الله، ورفع راية الله، وباع نفسه صدقاً لربه جل في علاه، ففي غزوة بدر هو الذي افتتح القتل والقتال عندما طلب أكفاء المبارزة، فقام علي بن أبي طالب وحمزة أسد الله ورسوله، ثم ابتدأ القتال بعدما قتل علي من قاتله وقتل حمزة من قاتله، وأتيا على الثالث فقتلاه جميعاً.

стр. 38

حسن خاتمة علي ﵁ علي بن أبي طالب مات شهيداً، وقد ورد في السنن: (أن النبي ﷺ لما وقف على أحد فاهتز أحد فضربه برجله وقال: اثبت أحد! ما عليك إلا نبي وصديق وشهيد)، وكان على أحد نبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فكانوا كلهم شهداء. علي بن أبي طالب أبى الله إلا أن يقبضه شهيداً، قتله الفاسق الخارجي الذي خرج على علي وكفره وكفر المسلمين، وكان علي بن أبي طالب قد ساره النبي ﷺ وقال له: (يا علي! أتعلم من أشقاها؟ قال علي بن أبي طالب: هو قاتل الناقة، فقال النبي ﷺ : أشقاها من يجعل الدماء تسيل من هاهنا على هذه اللحية) يعني: أشقاها صاحب ثمود وأيضاً الذي يضرب علياً، والحق كان مع علي حتى إن عائشة ﵂ عندما أخبروها بأن علي بن أبي طالب قتل الرجل الخارجي الذي فيه العلامة التي سماها النبي ﷺ بكت وقالت: والله إن الحق كان مع علي، وما بيني وبينه إلا ما بين الأحماء بعضهم وبعض، وابن عمر بن الخطاب كان منهجه اعتزال الفتنة هو وأبو موسى الأشعري وغيرهما، ورجح شيخ الإسلام أن هذا كان هو الأسلم والأحق والأصح، وهذا خطأ بين، بل الأصح والأحق هو القتال مع علي بن أبي طالب؛ لأن الحق كان مع علي، والأدلة على ذلك متوافرة متضافرة، فقد قال النبي ﷺ : (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، والأوضح من ذلك أن النبي ﷺ قال: (الحق مع عمار)، وفي المسند بسند صحيح قال: (ما خير عمار بين أمرين إلا اختار أرشدهما) وهذا فاصل في النزاع؛ لأن عماراً ما اختار إلا علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه، وأيضاً عندما ذكر النبي الخوارج قال: (تقتلهم أولى الفئتين بالحق)، وهذه فيها إشارة من النبي ﷺ بأن الحق مع علي ولذلك ورد أن ابن عمر بكى عند موته وقال: ليتني قاتلت مع علي، إن الحق كان مع علي. والمقصود أن الحق كان مع علي، وعندما تفرق عنه الناس، وخرج عليه الخوارج، قام يوقظ الناس لصلاة الفجر، انظروا إلى أمير المؤمنين ماذا يفعل! كان يمشي في الليل يتعسس ويذهب إلى بيت كل مسلم يوقظه للصلاة، ثم قبض على لحيته وقال: اللهم ابعث أشقاها، اللهم ابعث أشقاها! يعني: صاحب الضربة، فقام الفاسق فضرب علياً ﵁ وأرضاه بالسيف المسموم وقتله ﵁ وأرضاه، وقد كان علي بن أبي طالب نبراساً لكل شجاع، وكان أسداً من أسد الله في ساحة الوغى، فرفع الله به الراية.

стр. 39

الحق مع علي في الفتنة التي وقعت بين الصحابة الكرام حدث القتال بين علي وبين طلحة والزبير وعائشة في معركة الجمل، سميت بذلك لأن عائشة ﵂ وأرضاها كانت فيها على جمل. هؤلاء الثلاثة خرجوا متأولين يطلبون دم عثمان، وجاء في حديث أن النبي قال لأزواجه: (من منكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟)، فلما نبحت عليها الكلاب قالت: أرجعوني فإن النبي ﷺ قال كذا وكذا، وبعض العلماء تكلم في إسناد هذا الحديث، لكن مضى قدر الله، ووقف الصفان، فلما وقف الصفان وقف علي بن أبي طالب ينظر إلى عائشة وإلى طلحة وإلى الزبير وهو لا يريد إراقة دم مسلم واحد في هذه المعركة، وهو الحريص على هذه الأمة، فذهب إلى الزبير بن العوام فقال للزبير: أما تذكر أنني جلست معك في جلسة فمر علينا رسول الله ﷺ فقال: (يا زبير! أتحب علياً؟ فقال: وما لي لا أحبه فقال: لتقاتلنه وأنت ظالم له) أو كما قال، فقال الزبير: كأني لم أسمع به إلا الآن، يعني: ما تذكر قول النبي ﷺ ، فانصرف عن القتال، فجاء فاسق من الفساق فقتل الزبير، وكذلك قتل طلحة، ولما اشتد الكرب وحدث القتال الشنيع عند جمل عائشة ﵂ وأرضاها خاف علي على أم المؤمنين، حتى إن بعض الذين يشعلون نار الحرب قام عند الهودج ونزع الستر فقال: ما هي إلا حميراء يعني: ما هي إلا بيضاء، هل هذه عائشة؟! فقالت: هتك الله سترك كما هتكت هذا الستر، فرؤي هذا الرجل مقتولاً عارياً والعياذ بالله. وعندما قتل الجمل وأنزلت عائشة قال لها علي: يا أمي؛ لأنها أم المؤمنين، هل تريدين شيئاً؟ فقالت: لا، فأعطاها ما يكفيها، ثم أمر جنداً ليرجعوها سالمة إلى المدينة، وانفضت هذه الفتنة، وعلم الناس أن الحق مع علي. وفي وقعة الجمل سمع عمار بن ياسر رجلاً من جيش علي من الذين أشعلوا نار الفتنة يسب عائشة ﵂ وأرضاها، فلطمه عمار أو نهره وقال: اسكت والله إنها لزوجة نبينا في الجنة، ولكن الله اختبركم وابتلاكم بها، أتسمعون له أو تسمعون لها، فهي اختبار وفتنة من الله جل في علاه. ولما قتل رجل من جيش معاوية عمار بن ياسر دخل متهللاً فرحاً مسروراً على معاوية فقال: قد قتلت ابن سمية، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أبشرك بما يسوءك، إن النبي ﷺ قال: (قاتل عمار في النار)، وذكر حديث: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية)، فقال معاوية لـ عمرو بن العاص: اذهب عنا بمجنونك هذا، والمقصود أن علي بن أبي طالب كان الحق معه، وما وقع بين علي وبين معاوية وبين علي وبين طلحة، وبين علي وبين عائشة؛ هو مما يكون بين البشر، فنكف ألسنتنا عن هذا الذي حدث بينهم، وكما أن الله برأنا من الدماء التي سالت في تلك المعارك فلنصن ألسنتنا، ونحن نشهد أن الله أنزل عدالة معاوية وعلي وعائشة وطلحة والزبير من فوق سبع سماوات، وما من أحد منهم يذكر إلا وقلنا: ﵁ وأرضاه، ونتمنى أن يمتع الله أعيننا بالنظر إلى وجوههم، ويجعلنا معهم مع النبي ﷺ في الفردوس الأعلى.

стр. 40

فضائل الصحابة - فضائل أبي عبيدة بن الجراح على المسلم أن يقرأ سير السلف الصالح وخصوصاً سير الصحابة ﵃، حتى يعرف ما كانوا عليه من العبادة والصلاح والشهامة والتضحية في سبيل هذا الدين، فيحاول أن يقتدي بهم وأن يسلك منهجهم، فإنه لن يصلح أمر آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ومن هؤلاء الرجال الأماجد الأبرار الذين يقتدى بهم: أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح ﵁.

стр. 41

أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح

стр. 42

نسب أبي عبيدة بن الجراح الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. ما زلنا مع أصحاب رسول الله ﷺ الذين اصطفاهم الله جل في علاه على البشرية أجمعين وخص نبيه ﷺ بهؤلاء الأكارم الأماجد الأفاضل، وقد ذكرنا أن أفضل هذه البشرية بعد الأنبياء هم الصحابة، وأفضل هؤلاء الصحابة هم الخلفاء الراشدون الأربعة ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وأولهم هو أبو عبيدة بن الجراح، أمين هذه الأمة، واسمه: عامر بن عبد الله بن الجراح القرشي الفهري المكي، أحد السابقين الأولين، شهد له الصديق قبل توليه الخلافة، وأشار به في كمال أهليته، فإن أبا بكر قال في السقيفة: وأرضى لكم أحد الرجلين، يقصد بذلك عمر وأبا عبيدة بن الجراح. يجتمع أبو عبيدة في النسب مع النبي ﷺ في فهر.

стр. 43

ثناء الرسول ﷺ وأبي بكر وعمر على أبي عبيدة شهد له النبي ﷺ بالجنة، وسماه أمين هذه الأمة، ومناقبه شهيرة كثيرة، روى أحاديث معدودة، وغزا غزوات مشهودة. عن يزيد بن رومان قال: انطلق ابن مظعون وعبيدة بن الحارث وعبد الرحمن بن عوف وأبو سلمة بن عبد الأسد وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله ﷺ فعرض عليهم الإسلام وأنبأهم بشرائعه فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله ﷺ دار الأرقم وقبل أن يدعو فيها إلى الإسلام. شهد أبو عبيدة بدراً فقتل يومئذ أباه، حتى يثبت لله جل وعلا -والله أعلم بذلك- أنه لا هوادة في قلبه للمشركين، بل لا يوجد فيه إلا ولاء لله وبراءة من كل مشرك، وأبلى يوم أحد بلاء حسناً، ونزع يومئذ حلقتين من حلق المغفر دخلتا في وجنة رسول الله ﷺ من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رئي هتم أحسن من هتم أبي عبيدة بن الجراح، مكافأة لما فعل مع رسول الله ﷺ . قال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة وولد إخوته جميعاً، وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة. وكان أبو عبيدة بن الجراح -أمين هذه الأمة- معدوداً فيمن جمع القرآن العظيم، قال موسى بن عقبة في مغازيه: في غزوة ذات السلاسل التي حدثت بعد إسلام عمرو بن العاص بأشهر قليلة، فقد أمره الرسول ﷺ على جيش أو على سرية ثم إن عمرو بن العاص طلب من رسول الله ﷺ المدد؛ لكثرة الأعداء وقلة المسلمين، وهذه الغزوة كانت في مشارف الشام، فانتدب رسول الله ﷺ أبا بكر وعمر وكثيراً من المهاجرين، فأمّر رسول الله ﷺ عليهم أبا عبيدة بن الجراح، فـ أبو عبيدة كان أميراً على أبي بكر وعمر، فلما قدموا على عمرو بن العاص قال: أنا أميركم. فقال المهاجرون: بل أنت أمير أصحابك وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح. فقال عمرو بن العاص: إنما أنتم مدد أمددت بكم، فلما رأى ذلك أبو عبيدة تذكر قول النبي ﷺ له: (تطاوعا ولا تختلفا)، وهو الذي يسمع لرسول الله ويطيع، وكان رجلاً حسن الخلق، لين الشكيمة، متبعاً لأمر رسول الله ﷺ وعهده، فسلم الإمارة لـ عمرو بن العاص ﵃ أجمعين، وهذا الذي جعل عمرو بن العاص يظن أن له مكانة عند رسول الله ﷺ أفضل من غيره من الصحابة، ولذلك لما رجع إلى رسول الله ﷺ قال له: (يا رسول الله! إني سائلك، قال: سل، قال: من أحب الناس إليك؟) وكان يتوقع أن يقول: أنت؛ لأنه أمّره على أبي بكر وعلى عمر وعلى أبي عبيدة بن الجراح، أكارم وأماجد وأفاضل الصحابة، فقال ﷺ : (عائشة، فقال: لست عن النساء أسأل، بل عن الرجال أسأل، فقال: أبوها، فقال: ثم من؟ قال: عمر، قال: ثم من؟ قال: عثمان، وفي رواية قال: أبو عبيدة بن الجراح، فسكت عمرو بن العاص). وعن أنس بن مالك ﵁ وأرضاه أن رسول الله ﷺ قال: (إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)، لذلك قال عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه في مرض موته: (لو كان أبو عبيدة حياً لوليته عليكم، أو لاستخلفته عليكم؛ فإن النبي ﷺ قال: إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح). وعن عمرو بن العاص قال: (قيل: يا رسول الله، أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. قيل: من الرجال؟ قال: أبو بكر. قيل: ثم من؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح). وكان أبو عبيدة ﵁ موصوفاً بحسن الخلق وبالحلم والتواضع، قال عمر لبعض جلسائه: تمنوا، فتمنى كل واحد أمنية - انظر كيف تمنى عمر بن الخطاب ما لم يتمن لنفسه ولا لشخصه، إنما تمنى لله ولنفع هذه الأمة- فقال عمر: لكني أتمنى بيتاً ممتلئاً رجالاً أمثال أبي عبيدة بن الجراح، فالأمة تفوز وتنتصر بوجود مثل أبي عبيدة بن الجراح. وكان أبو بكر ﵁ وأرضاه قد أمر أبا عبيدة على بيت المال؛ لأمانته، ولقول النبي ﷺ فيه: (أمين هذه الأمة هو أبو عبيدة بن الجراح). قال ابن المبارك: عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: بلغ عمر ﵁ أن أبا عبيدة حوصر بالشام ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد: فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة إلا جعل الله بعدها فرجاً، وإنه لا يغلب عسر يسرين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠]، قال: فكتب إليه أبو عبيدة ﵁: أما بعد: فإن الله يقول: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [الحديد:٢٠] إلى أن قال: ﴿مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]، قال: فخرج عمر بكتابه فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة، إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي، أي: أنه يرغب في الجهاد، وكأنه يبين أن هذه الدنيا -التي تمسكتم بها- زائلة، فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً، انفروا أو استحقوا العذاب، فـ عمر بن الخطاب فهم هذا، من هذه الآية: ((إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ)) فقال: إما يعرض بي أو يعرض بكم، اخرجوا إلى الجهاد.

стр. 44

تواضع أبي عبيدة وزهده وورعه قال ثابت البناني: عن أنس: قال أبو عبيدة: (يا أيها الناس! إني امرؤ من قريش، وما منكم من أحمر ولا أسود يفضلني بتقوى إلا وددت أني في مسلاخه). وهذا من تواضعه ﵁ وأرضاه. وعن قتادة قال: قال أبو عبيدة بن الجراح: وددت أني كنت كبشاً فيذبحني أهلي فيأكلون لحمي ويحسون مرقي. هذا ورع قد مات مع الذين ماتوا، حتى إننا الآن لا نسمع به ولا نشم رائحته. وعن طارق: أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت بي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، سبحان الله! وذلك لأن عمر كان يحب أبا عبيدة بن الجراح كثيراً جداً، فقد كانت أمانة الأمة كلها مجتمعة في هذا الرجل، فلما علم عمر أن الطاعون بأرض الشام وكان أبو عبيدة هناك، علم أنه قد يهلك، والأمة تحتاج لمثله، فانظروا إلى فقه عمر ثم انظروا إلى ما هو أروع من ذلك وهو فقه أبي عبيدة بن الجراح، فإن عمر بن الخطاب لما خاف على أبي عبيدة قال: إني قد عرضت لي حاجة ولا غنى بي عنك فيها، يعني: أريدك أن تأتي؛ وذلك حتى ينقذه الله من الطاعون، وهذا كان خلاف السنة؛ لأن النبي ﷺ قال: (إذا نزل الطاعون بأرض فلا تخرجوا منها ولا تدخلوا إليها). فلما قرأ أبو عبيدة هذا الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين، إنه يريد أن يستبقي من ليس بباق، فكتب إلى عمر: إني قد عرفت حاجتك فحللني من عزيمتك، يعني: اجعلني في حل من أمرك، فإني في جند من جنود المسلمين، ولم أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة، قال: لا، وكأن قد. قال: فتوفي أبو عبيدة وانكشف الطاعون.

стр. 45

تأمير الرسول ﷺ والخلفاء لأبي عبيدة وأمّر النبي ﷺ أبا عبيدة غير مرة، منها المرة التي جاع فيها عسكره وكانوا ثلاثمائة، وألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له: العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، يعني: كيف نأكل الميتة؟ ينكر على من يأكل هذا الحوت. لكن يحل لهم أكل هذه الميتة من وجهين: الوجه الأول: أن هذه ميتة بحر، والنبي ﷺ قال: (أحلت لنا ميتتان: ومنها: السممك)، وقال النبي ﷺ : (هو الطهور ماؤه الحل ميتته). الوجه الثاني: أنهم كانوا في حالة ضرورة. وهذه القصة كانت من الكرامات التي منحها الله لـ أبي عبيدة بن الجراح. (فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له: العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله؛ فكلوا) وذكر الحديث وأصله في الصحيحين. ولما فرغ الصديق من حرب أهل الردة وحرب مسيلمة الكذاب جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة السماوة، ووقعة مرج الصفر، وكان أبو بكر قد بعث خالداً لغزو العراق، ثم بعث إليه أن يمد جند الشام، فقطع المفاوز حتى وصل السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، وهذا الذي أخذ على عمر، فإنه دائماً كان يطلب من أبي بكر أن يعزل خالد بن الوليد، ولكنه عاتب نفسه بعد ذلك، حتى إنه بكى وقال: رحم الله أبا بكر فقد كان أعرف بالرجال مني، فأمر عمر بعزل خالد واستعمل على الكل أبا عبيدة، فوصل الكتاب إلى أبي عبيدة فكتمه مدة، وهذا من دينه وحلمه؛ وذلك حتى لا تنهار معنوية الجند، وحتى لا تكون المسألة خلافاً بينهم على الإمارة، فقد نحى الكتاب جانباً، وجعل الإمارة كما هي حتى انتهت المعركة، فأبلغ خالداً بما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتم أبو عبيدة هذا الكتاب، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك عقد صلحاً مع الروم، ففتحوا له باب الجابية صلحاً، وإذا بـ خالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح، فعن المغيرة أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم. ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقتل منهم خلق عظيم، وتوفي أبو عبيدة ﵁ وأرضاه في الطاعون. نسأل الله جل في علاه أن يجمعنا به في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله.

стр. 46

فضائل الصحابة - فضائل طلحة بن عبيد الله لقد شهد النبي ﷺ لطلحة بن عبيد الله بالجنة، وقد ضحى بنفسه دون رسول الله في مواطن كثيرة، ومن أشهرها حين دافع عن النبي ﷺ في أحد، فقد جعل نفسه درعاً لرسول الله ﷺ ، فقاتل الكفار وصدهم عنه حتى قطعت أصابعه من جراء ذلك، وله فضائل كثيرة، فرضي الله عن طلحة بن عبيد الله وأرضاه.

стр. 47

سيرة طلحة بن عبيد الله وفضائله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. ما زلنا مع هذه الشموس المشرقة، مع صحابة رسول الله ﷺ ، نحن اليوم مع موعد مع طلحة الخير، طلحة بن عبيد الله ﵁ وأرضاه، فهو قرشي مكي، وكنيته أبو محمد، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان من السابقين إلى الإسلام، أوذي في الله، ثم هاجر، وغاب عن وقعة بدر في تجارة له بالشام، وتألم لغيبته، فضرب له رسول الله ﷺ بسهمه وأجره، وهذا مصداق لقول النبي ﷺ : (إن أقواماً بالمدينة ما سلكتم وادياً إلا كانوا معكم، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: وهم في المدينة، حبسهم العذر)، إذ إن كل إنسان يعامل بنيته، فمن كانت نيته حسنة عامله الله بهذه النية، مصداقاً لقوله ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

стр. 48

دفاعه ﵁ عن النبي ﷺ يوم أحد روى الترمذي بإسناد حسن: (أن النبي ﷺ قال يوم أحد: أوجب طلحة)، وهذا الحديث عندما كان معه عشرة من الأنصار ويقول لكل واحد منهم: (من يدفع عني القوم وهو رفيقي في الجنة؟ فيقوم طلحة ويقول له: امكث، حتى قتل العشرة عن بكرة أبيهم، فقام طلحة ينافح عن رسول الله ﷺ ، ويقاتل فداء لرسول الله ﷺ بنفسه، ويقول: نحري دون نحرك يا رسول الله، لا ترفع رأسك حتى لا يأتيك سهم من سهام القوم، ثم دافع عن رسول الله حتى شلت يده، فقال النبي ﷺ : دونكم صاحبكم فقد أوجب، قال بعضهم: قد رأيت أصابع طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد شلاء). وعن جابر قال: (لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله ﷺ في ناحية في اثني عشر رجلاً، منهم طلحة، فأدركهم المشركون، فقال النبي ﷺ : من للقوم؟ قال طلحة: أنا، فقال: كما أنت، فقال: رجل أنا، فقال: أنت، فقاتل حتى قتل، ثم التفت فإذا المشركون، فقال: من لهم؟ قال: طلحة: أنا، فقال: كما أنت، قال رجل من الأنصار: أنا، قال: أنت، فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى بقي مع نبي الله ﷺ طلحة الخير، فقال: من للقوم؟ قال: طلحة: أنا، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر، حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حس، فقال رسول الله ﷺ : لو قلت: باسم الله، لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، ثم رد الله المشركين بغيظهم). وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ وأرضاه: (أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد)، وهذا يصدق على كل من وقف في هذا الموقف؛ لأنه قال: (أو شهيد) و (شهيد) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.

стр. 49

ورعه وجوده وزهده ﵁ عن طلحة بن يحيى قال: حدثتني جدتي قالت: دخلت على طلحة يوماً وهو خافت، يعني: كان كسلاً غير نشيط- فقلت: ما لك، لعلك راعك من أهلك شيء؟ قال: لا والله، ونعم حليلة المسلم أنت، ولكن عندي مال قد غمني، فقلت: ما يغمك؟ عليك بقومك، قال: يا فلان! ادع لي قومي فقسمه فيهم، فسألت الخادم: كم أعطى؟ قال: أربعمائة ألف. وهذه كلها أنفقها في سبيل الله، كانوا زاهدين في الدنيا بعدما فتحها الله عليهم، فباعوها صدقاً لله جل وعلا، وهذا الذي رفعهم أمام الأمم.

стр. 50

موقفه من قتلة عثمان واستشهاده ﵁ عن علقمة بن وقاص الليثي قال: لما خرج طلحة والزبير وعائشة للطلب بدم عثمان عرضوا من معهم بذات عرق، فاستصغروا عروة بن الزبير وأبا بكر بن عبد الرحمن فردوهما، قال: ورأيت طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها، وهو قابض بلحيته، فقلت: يا أبا محمد إني أراك وأحب المجالس إليك أخلاها، إن كنت تكره هذا الأمر فدعه فلا تخرج، فقال: يا علقمة لا تلمني، كنا بالأمس يداً واحدة على من سوانا -يقصد بذلك أيام رسول الله، وأيام أبي بكر وعمر بن الخطاب ﵃ أجمعين- فأصبحنا اليوم جبلين من حديد يزحف أحدنا إلى الآخر، ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان يعني: كان مجتهداً متأولاً، فلابد من دم عثمان قبل البيعة لـ علي، وهذا خطأ، فالصحيح أن يلتف الناس حول أميرهم أولاً ثم يطالب الأمير بالدم، لكنهم اجتهدوا فأخطئوا فلهم أجر واحد، أما علي بن أبي طالب فاجتهد فأصاب فله أجران، قال: ولكنه كان مني شيء في أمر عثمان مما لا أرى كفارته إلا سفك دمي في طلب دمه. والذي كان منه في حق عثمان أنه شاهد مصرع عثمان فندم على ترك نصرته ﵄، وقد كان طلحة أول من بايع علياً، أرغمه على ذلك قتلة عثمان وأحضروه حتى بايع، وأيضاً الزبير، ولكن طلحة والزبير بعدما أجابا أمير المؤمنين وبايعاه علما أن الخروج عن الأمير يحرم؛ لأن النبي ﷺ بين أن من بويع له فقام أحد عليه فهو باغ لابد أن يقاتل، قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]، لكن كان عذر طلحة والزبير أنهما بايعا مكرهين ولم يبايعا على الرضا. عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت مروان بن الحكم حينما رمى طلحة يومئذ بسهم فوقع في عين ركبته، فما زال الدم يسيح حتى مات. قلت: قاتل طلحة في الوزر بمنزلة قاتل علي، ولذلك علي بن أبي طالب ذهب إلى طلحة وأزال عن وجهه التراب وبكى ويقول: لقد أعز علي أبا محمد أن أراك في هذا الموقف.

стр. 51

مكانته ﵁ عند الصحابة وخوفه من ربه عن جابر أنه سمع عمر يقول لـ طلحة: ما لي أراك شعثاً مغبراً مذ توفي رسول الله ﷺ ، لعله في صدرك من إمارة ابن عمك؟! فقال: معاذ الله. فقد اتفق المسلمون من المهاجرين والأنصار على إمارة أبي بكر، ولذلك علي بن أبي طالب ﵁ وأرضاه بايع متأخراً، فأخذ القوم عليه ذلك، فبرر هذه البيعة المتأخرة على أنه أراد أن يرضي فاطمة؛ لأن فاطمة أخذت في صدرها على أبي بكر ﵁ وأضاه، وهي مخطئة أيضاً؛ لأنها أرادت الإرث بعد والدها ﷺ ، فـ أبو بكر بين لها أن كل نبي إذا مات لا إرث له، وكل ما تركه صدقة، وكان الحق مع أبي بكر، لكن علي بن أبي طالب أراد أن يمالئها حتى لا يغضبها عليه، وهي سيدة نساء العالمين، فلما ماتت ذهب فبايع أبا بكر ﵁ وأرضاه، حتى إنه قال: قد رضي رسول الله ﷺ أبا بكر لديننا فما لنا لا نرضاه لدنيانا، فهذه دلالة عظيمة على أن علي بن أبي طالب يعرف مكانة أبي بكر وطلحة وغيره من المسلمين، فإن علي بن أبي طالب كان على منبر الكوفة وهو يخطب، فقام رجل؟ فقال: من خير الناس يا علي؟ كأنه يلمح بأن علياً سيقول: أنا خير الناس، فقال علي بن أبي طالب خير الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ومن فضلني عليهما جلدته حد المفتري الكذاب، يعني: ثمانين جلدة. وابن مسعود يقول: ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله كذلك، وما رآه المسلمون سيئاً فهو كذلك -يقصد بالمسلمين صحابة رسول الله- قال: وقد أجمع المسلمون من المهاجرين والأنصار على خلافة أبي بكر، ولذلك قال طلحة: (معاذ الله إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها رجل يحضره الموت إلا وجد روحه لها روحاً حين تخرج من جسده، وكانت له نوراً يوم القيامة، فلم أسأل رسول الله ﷺ عنها، ولم يخبرني بها، فقال عمر بن الخطاب: فأنا أعلمها، قال: فلله الحمد، فما هي؟ فقال: الكلمة التي قالها لعمه: قال: صدقت) ما هي الكلمة التي قالها لعمه أبي طالب فلم يقبلها فلم يدخل الجنة؟ هذه الكلمة هي: لا إله إلا الله، قال ﷺ : (يا عم، قل كلمة أحاج لك بها عند الله) فرفضها عمه وقبلها طلحة، ففاز طلحة وخاب وخسر عمه. قتل ﵀ ورضي الله عنه في سنة ست وثلاثين وهو ابن ثنتين وستين سنة أو نحوها، وقبره بظاهر البصرة، ولـ طلحة أولاد نجباء أكبرهم محمد وكان شاباً خيراً عابداً قانتاً لله حنفياً، ولد في حياة النبي ﷺ ، وقتل يوم الجمل أيضاً، فحزن عليه علي وقال: قتله بره بأبيه، يعني: هو ما خرج للقتال إلا براً بأبيه، وهذا أيضاً كان اجتهاداً خاطئاً، فرضي الله عن الصحابة أجمعين، ونسأل الله جل في علاه أن يجعل ألسنتنا مكفوفة عن هؤلاء، وأن نترضى عنهم جميعاً في المجالس. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 52

فضائل الصحابة - فضائل الزبير بن العوام لقد كان الزبير بن العوام ﵁ من المقربين إلى رسول الله ﷺ ، فهو ابن عمته، وحواريه، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة، وكان شجاعاً مقداماً، فهو أول من سل سيفه في الإسلام دفاعاً عن النبي ﷺ ، فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 53

سيرة الزبير بن العوام ﵁ وفضائله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. ما زلنا مع صحابة رسول الله ﷺ الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، والذين أنزل الله عدالتهم من فوق سبع سماوات، ما زلنا مع العشرة المبشرين بالجنة، حيث يقول النبي ﷺ : (اثبت أحد، فإنه ليس عليك إلا نبي وصديق وشهيد)، وهم العشرة المبشرون بالجنة، ومنهم الزبير بن العوام ﵁ وأرضاه، وهو حواري ﷺ وابن عمته صفية بنت عبد المطلب، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة من أهل الشورى، وهو أول من سل سيفه في سبيل الله، وكنيته أبو عبد الله ﵁ وأرضاه، أسلم وهو حدث له تسع عشرة سنة. عن موسى بن طلحة قال: كان علي والزبير وطلحة وسعد عذار عام واحد يعني: ولدوا في سنة واحدة. قال عروة: (جاء الزبير بسيفه فقال النبي ﷺ : ما لك؟ قال: أخبرت أنك أخذت؟ قال: أكنت صانعاً هذا؟ قال: كنت أضرب به من أخذك، فدعا له ولسيفه)، فهو أول من أشهر سيفاً في سبيل الله جل في علاه.

стр. 54

صفته الخلقية وتربية أمه له ﵁ روى هشام عن أبيه عروة أن الزبير كان طويلاً تخط رجلاه الأرض إذا ركب الدابة، أشعر، وكانت أمه صفية تضربه ضرباً شديداً، وهو يتيم، فلما قيل لها في ذلك بينت أنها ما فعلته إلا لرفعة الزبير. فالمرأة الصالحة هي التي تربي لنا رجالاً يقودون الأمم، كما فعلت أم الثوري وأم الشافعي، كل النساء الصالحات يتمنين أن يكون أولادهن في الصدارة.

стр. 55

هجرته وشجاعته وجهاده ومكانته ﵁ كان الزبير ممن هاجر إلى الحبشة ولم يطل الإقامة بها، وقال جابر: فاز بهجرتين: هجرة الحبشة، وهجرة المدينة. قال جابر: قال رسول الله ﷺ يوم الخندق: (من يأتنا بخبر بني قريظة؟ فقال الزبير: أنا، فذهب على فرس له، فجاء بخبرهم، ثم قال الثانية، فقال الزبير: أنا، فذهب، ثم الثالثة: فقال النبي ﷺ : لكل نبي حواري، وحواري الزبير). قال الثوري: هؤلاء الثلاثة نجدة الصحابة: حمزة وعلي والزبير. وعن عروة قال: كان في الزبير ثلاث ضربات: إحداهن في عاتقه، إن كنت لأدخل أصابعي فيها، ضرب ثنتين يوم بدر، وواحدة يوم اليرموك. هذا فيه دلالة على أن الزبير ﵁ وأرضاه ما ترك غزوة غزاها رسول الله ﷺ ، ويكفي الزبير أن الله بشره على لسان نبيه ﷺ بالجنة وهو يمشي على رجليه بين الناس! عن مروان بن الحكم قال: أصاب عثمان رعاف شديد عام الرعاف حتى تخلف عن الحج، وأوصى، فدخل عليه رجل من قريش فقال: استخلف، قال: وقالوها؟ قال: نعم، قال: من هو؟ فسكت، قال: ثم دخل عليه رجل آخر فقال له مثل ذلك ورد عليه نحو ذلك، فقال عثمان: قالوا: الزبير؟ قالوا: نعم، قال: أما والذي نفسي بيده إن كان لأخيرهم وأحبهم إلى رسول الله. يعني: كأن عثمان ﵁ وأرضاه يفضل الزبير على علي، والصحيح الراجح أن التفضيل هو على نفس ترتيب الخلافة: الأول أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ثم باقي الستة المشهورين: سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وسعيد بن زيد والزبير وطلحة بن عبيد الله.

стр. 56

موقفه من قتلة عثمان واستشهاده ﵁ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: انصرف الزبير يوم الجمل عن علي فلقيه ابنه عبد الله بن الزبير، فقال: جبناً؟!! فـ الزبير تراجع لما التقى بـ علي فقال له علي: تذكر يوم كذا حينما قال رسول الله ﷺ (تحبه؟ فقلت: نعم أحبه، فقال: ستقاتله وأنت له ظالم)، فكأن الزبير لم يسمع ذلك إلا يوم الجمل، وذكره بذلك علي بن أبي طالب، فقال الزبير عندما قال له ولده عبد الله: تتراجع جبناً؟ قال: قد علم الناس أني لست بجبان، ولكن ذكرني علي شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ ، فحلفت ألا أقاتله، ثم قال: ترك الأمور التي أخشى عواقبها في الله أحسن في الدنيا وفي الدين فلما رجع الزبير متوجهاً إلى المدينة لحقه ابن جرموز بوادي السباع فقتله وهو يصلي، فلما جيء به مقتولاً بكى علي بن أبي طالب وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن قاتل الزبير في النار). وعن هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير قال: لقيت يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص وهو مدجج لا يرى إلا عيناه، فكان يكنى أبا ذات الكرش، فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات، فأخبرت أن الزبير قال: لقد وضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد أن نزعتها -يعني: الحربة- فلقد انثنى طرفاها. قتل ﵁ وأرضاه سنة ست وثلاثين وله بضع وخمسون سنة. قال علي بن المديني: سمعت سفيان يقول: جاء ابن جرموز إلى مصعب بن الزبير لما ولي إمارة العراق لأخيه الخليفة عبد الله بن الزبير فقال: أقدني بـ الزبير -يعني: كأنه يريد التوبة من قتل الزبير بن العوام ﵁ قال: أقدني بـ الزبير، فكتب في ذلك يشاور عبد الله ﵁ وأرضاه، فجاءه الخبر: أنا أقتل ابن جرموز بـ الزبير؟ لا، ولا بشرك نعله. قلت: هذا فيه فضل الزبير ﵁ وأضاه، وزيادة في أجره، وكفى بـ الزبير فخراً أنه حواري رسول الله ﷺ ، وكفاه فخراً أنه أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وكفاه فخراً بأن عمر بن الخطاب لما استخلف الستة كان فيهم الزبير ﵁ وأرضاه. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 57

فضائل الصحابة - فضائل عبد الرحمن بن عوف لقد كان عبد الرحمن بن عوف من السابقين إلى الإسلام، وشهد المشاهد كلها، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وقد صار بعد الهجرة من أغنى الصحابة، وكان جواداً كريماً زاهداً متواضعاً، وله فضائل كثيرة جداً فرضي الله عنه وأرضاه.

стр. 58

سيرة عبد الرحمن بن عوف وفضائله الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. ما زلنا مع صحابة رسول الله ﷺ الذين اصطفاهم الله على البشر أجمعين، فجعلهم صحبة لنبيه نصرة لدينه، ونشرة لدعوته. لقد نظر الله في قلوب العباد فوجد أصفى هذه القلوب وأنقى هذه القلوب هي قلوب الصحابة ﵃، فاختارهم لصحبة نبيه، فهم أعمق الناس علماً، وأحسن الناس خلقاً، وأبرهم قلوباً. نحن اليوم على موعد مع عبد الرحمن بن عوف الذي بشره النبي ﷺ بالجنة وهو يمشي على رجليه بين الناس. هو أبو محمد عبد الرحمن بن عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي، كان اسمه في الجاهلية عبد عمرو وقيل: عبد الحارث وقيل: عبد الكعبة وسماه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، ففي هذا دلالة على أن الاسم الذي لا يجوز شرعاً لابد أن يغير، يعني: أي اسم معبد لغير الله أو يتضمن تزكية؛ لفعل النبي ﷺ حيث غير اسم برة إلى زينب؛ لأن برة من البر. إذاً: فمن السنة إن كان الاسم فيه تزكية للنفس أن يغير، وإن كان مطابقاً له، والأمر الثاني إذا عبد لغير الله كعبد علي وعبد الحسين وعبد الرسول، كل ذلك وجوباً لابد أن يغير، أما بالنسبة للتسمي باسم الإسلام والإيمان فلا يجوز التسمية بالإسلام والإيمان. إذاً: لا يجوز التسمي بالأسماء التي نهى عنها النبي ﷺ ، لكن هناك أسماء تتضمن تزكية، ولم يغيرها النبي ﷺ كمحمد، والتزكية في محمد أنه كثير المحامد، وأيضاً صالح؛ لأن هناك نبياً من أنبياء الله اسمه صالح، وصالح فيه تزكية، فنقول: القاعدة الأصلية: أن كل اسم فيه تزكية للنفس يغير إلا ما جاء الدليل به فنمكث عليه.

стр. 59

إسلامه ﵁ وهجرته ومشاهده أسلم عبد الرحمن بن عوف ﵁ قديماً قبل أن يدخل رسول الله ﷺ دار الأرقم بن أبي الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، وهذه من فضائله الجميلة، وثبت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، وكل المؤرخين دائماً يبينون من ثبت في غزوة أحد؛ لأن كثيراً من الصحابة فروا يوم أحد، ومنهم عثمان بن عفان، لكن الله عفا عنهم وقال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٥]، وصلى رسول الله ﷺ خلفه في غزوة تبوك، وهذه تكرمة الله لهذه الأمة، ما من أمة صلى خلف آحادها نبيها إلا هذه الأمة، وليست مرة واحدة بل مرتين، وقبل أن تقوم الساعة سيصلي نبي خلف آحاد هذه الأمة، سيصلي عيسى خلف المهدي فصلى النبي ﷺ خلف أبي بكر عندما ذهب ليصلح بين فريقين: (فقام بلال فاستأذن أبا بكر في الصلاة فصلى بهم أبو بكر، ثم جاء النبي ﷺ فدخل في الصف، فأخذ الناس يضربون بالأكف حتى تراجع أبو بكر ﵁ وأرضاه، ودخل رسول ﷺ وصلى بالناس، بعدما أشار عليه أن مكانك، فرفع يديه في الصلاة يحمد الله على هذه الفضيلة، ثم صلى النبي ﷺ بهم، فقال لـ أبي بكر: ما منعك أن تمكث إذ أمرتك؟ قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي مرة أخرى: (في صلاة الفجر تأخر رسول ﷺ فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف فصلى رسول الله ﷺ وقد سبقه عبد الرحمن بن عوف، وقام رسول ﷺ يكمل ما فاته من الصلاة)، وهذه فضيلة لهذه الأمة، وقبل يوم القيامة تكون هذه الفضيلة أيضاً لهذه الأمة (عندما ينزل عيسى ﵇ على جناح الملك، وتكون الصلاة قد أقيمت والمهدي قام ليصلي، فينظر إلى عيسى فيعرفه، فيقدم عيسى بن مريم ﵇، فيقول عيسى: لا، إمامكم منكم تكرمة الله لهذه الأمة). وعن أبي سلمة عن أبيه: (أنه كان مع النبي ﷺ في سفر فذهب النبي ﷺ في حاجته، فأدركهم وقت الصلاة فأقاموا الصلاة، فتقدمهم عبد الرحمن فجاء النبي ﷺ فصلى مع الناس خلفه ركعة، فلما سلم قال: أصبتم أو قال: أحسنتم)، وقد اختاروا أفضلهم فأم بهم، فـ عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأرضاه يكفيه أن النبي ﷺ بشره بالجنة، وكذلك جعله عمر من الستة الذين يختار منهم الخليفة بعد عمر ﵁ وأرضاه.

стр. 60

جوده ﵁ عن ثابت البناني عن أنس ﵁ وأرضاه قال: (بينما عائشة ﵂ في بيتها إذ سمعت صوتاً رجت منه المدينة، فقالت: ما هذا؟ قالوا: هذه العير قدمت لـ عبد الرحمن بن عوف من الشام، وكانت سبعمائة راحلة، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول ﷺ يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً، فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فأتاها فسألها عما بلغها فحدثته، فقال: إني أشهدك بأنها بأحمالها وأقتابها وأحلاسها في سبيل الله . وجاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام)، وعبد الرحمن بن عوف فتح الله عليه من الأموال شيئاً ما فتحه على صحابي مثله، فكان من أغنى صحابة رسول الله ﷺ ، فلما سمع ذلك من عائشة خشي على نفسه أن يتأخر في دخول الجنة؛ فأنفق كل هذا المال في سبيل الله جل في علاه. وعن أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن أبيها قال: (باع عبد الرحمن بن عوف أرضاً له من عثمان بأربعين ألف دينار، فقسم ذلك المال في بني زهرة وفقراء المسلمين وأمهات المؤمنين، وبعث إلى عائشة معي بمال من ذلك المال، فقالت عائشة: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لن يحنو عليكن بعدي إلا الصالحون)، وهذه شهادة من رسول الله بصلاح عبد الرحمن بن عوف حيث بعث بمال لأمهات المؤمنين. وعن الزهري قال: (تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد رسول الله ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة). وعن جعفر بن برقان قال: بلغني أن عبد الرحمن بن عوف أعتق ثلاثين ألف نسمة يعني: من الرقيق.

стр. 61

خوفه وزهده وتواضعه ووفاته ﵁ عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عبد الرحمن بن عوف أتي بطعام وكان صائماً، فقال: قتل مصعب ﵁ وأرضاه وهو خير مني، فكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، ثم قال: وقتل حمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ وهو خير مني، فلم يوجد له ما يكفن به إلا بردة، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام. وعن نوفل بن ياسر البري قال: (كان عبد الرحمن لنا جليساً، وكان نعم الجليس -لأنه كان دائماً يذكرهم بالله جل في علاه ويذكرهم بحديث النبي ﷺ وإنه انقلب بنا يوماً حتى دخلنا بيته، ودخل فاغتسل ثم خرج فجلس معنا، وأتانا بصحفة فيها خبز ولحم، فلما وضعت بكى عبد الرحمن بن عوف، فقلنا له: يا أبا محمد ما يبكيك؟ فقال: هلك رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ولا ترانا إلا عجلت لنا طيباتنا في هذه الحياة الدنيا)، فليخش كل من فتحت عليه الدنيا إن لم ير في هذا المال حقه أن الله سبحانه قد استدرجه بهذا المال. وعن سعيد بن جبير قال: كان عبد الرحمن بن عوف لا يعرف من بين عبيده؛ لأنه كان متواضعاً، كأنه مثل الرقيق يحمل كما يحملون ويأكل كما يأكلون، ويسير كما يسيرون، والتواضع سمة الصالحين المتقين المؤمنين. وعن أيوب السختياني عن محمد أن عبد الرحمن بن عوف توفي، وكان فيما ترك ذهب ومال، فأخرج ذلك في سبيل الله جل في علاه. توفي عبد الرحمن بن عوف سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ويقال: وهو ابن خمس وسبعين سنة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.