Полный текст (48 стр.). Показаны 36–48 · переход к 41.
стр. 36
مخالفات تقع فيها بعض النساء - حكم زواج المرأة بدون ولي
لقد حفظ الإسلام للمرأة مكانتها، وأحاطها بتعاليم تصون كرامتها، ومن ذلك: أنه اشترط في صحة زواجها وجود الولي الذي يستطيع أن يحدد مدى مناسبة المتقدم للزواج أن يكون زوجاً؛ لأن المرأة ليس لديها الخبرة الكاملة في معرفة نوعية معادن الرجال، ومن تزوجت دون إذن وليها فزواجها باطل، ولابد أن يفرق بينهما وتعتد ولها مهر المثل.
стр. 37
اهتمام نساء الرعيل الأول بتربية أبنائهن
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فقد كانت النساء في الرعيل الأول، هنّ اللاتي أخرجن الصناديد، بل وأساطين أهل العلم من المجاهدين والعلماء والمبرزين.
فهذه أم الشافعي هي التي أخرجت لنا الشافعي، وسعت عليه، وكان يتيماً.
وسفيان الثوري جبل الحفظ، وأمير المؤمنين في الحديث، كانت أمه تقول له: تعلم علم الحديث، وأنا أغزل لك حتى تطلبه فكانت تغزل وتنفق على ابنها حتى بلغ سفيان الثوري ما بلغ، واليوم ما من بيت من بيوت الدنيا يتعلم فيه علم الحديث إلا وللثوري عليه منة، ودائماً يقال: سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث.
وأيضاً الإمام مالك إمام دار الهجرة، هذا الإمام الفحل الجبل، الذي درس على يديه الشافعي إمام الدنيا، كانت أمه تعممه، وتقول له: اذهب إلى مجلس ربيعة، فتعلم منه الأدب، قبل أن تتعلم منه العلم.
стр. 38
الأسس التي تختار بها المرأة زوجها
لابد أن يختار الرجل لابنه امرأة صالحة قانتة تدعو إلى الله، وتسعى مع زوجها في رضا الله جل في علاه، ولابد أن يختار المرأة الصالحة التي تخرج لنا الإمام العالم، أو المجاهد المبرز.
وقد جعل الشرع أسساً وأصولاً للمرأة في اختيار زوجها، فجعل لها أمرين اثنين أمام عينها، لابد أن تشترطهما في زوجها، حتى توافق عليه، وهما في قول النبي ﷺ : (إذا جاءكم من ترضون دينه، وخلقه فزوجوه).
فهذا الحديث النبوي يبين لنا الأسس التي لا بد للمرأة أن تختار زوجها على أساسها، وهذا الحديث يوافق آية كريمة، أشارت لنا، إشارة عابرة إلى هذه الأصول، والأسس، وهي: قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:٣٢].
فهذه الآية فيها إشارة، لكن ليست الآية الواضحة في ذلك.
وأيضاً: قوله تعالى: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص:٢٦].
فجعل القوة، والأمانة أساسين لاختيار الزوج.
دخل سعيد بن المسيب على ابنته، فوجدها تقرأ قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١].
وقالت: يا أبتِ! أما حسنة الآخرة فقد علمناها وهي الجنة.
فما حسنة الدنيا؟ قال: المرأة الصالحة للرجل الصالح.
والصلاح يكون بالدين والخلق.
ولما سئل وكيع عن اختيار الزوج فقال: زوجها التقي النقي، -دين، وصلاح، وخلق- إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يهنها.
стр. 39
أهمية الولي بالنسبة للمرأة في زواجها
إذاً: هناك أسس، وأصول للمرأة لابد أن تختار زوجها على ضوئها ومن هذه الأسس والأصول: أن المرأة البكر العذراء التي في خدرها، ولم تجرب الرجال، لا تستطيع أن تميز بين المخادع، والمنافق، وبين الأصيل والخلوق، ومن الذي توافرت فيه هذه الأصول الخلقية التي بينها النبي ﷺ ، والمرأة ناقصة عقل ودين، فإذا كانت غير مجربة، وغير محترفة، ولم تنزل إلى الأسواق، بل كانت عفيفة مستحية في خدرها، فلا تستطيع أن تميز بين الصالح والمنافق فإن الذي يستطيع أن يميز هو الذي له خبرة في الحياة، وهو الولي، فالولي هو الذي يستطيع أن يميز لها بين الخلوق وبين غيره، وبين المدعي وبين الأصيل، وبين الرجل الذي يصلح أن يكون زوجاً لها، أو لا يصلح.
من هنا ننبه إلى مسألة مهمة جداً، ألا وهي: أنه لا يجوز لامرأة بحال من الأحوال خلقها الله جل في علاه تريد الزواج بكراً كانت أم ثيباً أن تتزوج بدون محرم، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ : (أيما امرأة مؤمنة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل، باطل)، فأناط الحكم بالإذن؛ دلالة على أن المرأة التي تتزوج بغير ولي ليست مؤمنة.
ولكن ليست كافرة حاشا لله! وإنما نزلت عن مرتبة الإيمان الكامل.
وأشد من ذلك قول أبي هريرة راوي الحديث وهو: (كنا نعد -أي: الصحابة- المرأة التي تزوج نفسها أنها زانية).
إن رأس المسألة التي نتكلم عنها في المخالفات التي تقع فيها النساء هي هذه المسألة، وهذه المخالفات واقع نعيشه، فنحن لا نتكلم عن خيال، بل عن واقع نعيشه.
فإن الزواج العرفي انتشر كثيراً في البلاد، وكذا زواج المسيار انتشر أيضاً.
وهو زواج بدون ولي.
أما الزواج العرفي فهو معروف وموجود الآن في الجامعات، بل حتى لا يتزوجون زواجاً عرفياً.
وإنما تقول المرأة للرجل: وهبت لك نفسي، ويقول لها: وهبت لك نفسي، وانتهى الموضوع! وفض غشاء البكارة على الهبة، فإن كان ينوي خيراً فلا بد أن نلزمه بالزواج منها.
وأشد من ذلك: من يأتي إلى المأذون يريد الزواج من امراة بحجة أنه يحبها وهي تحبه، وأن سنها أصبح فوق العشرين سنة، فيأذن له المأذون بحجة أنه يجوز لها أن تزوج نفسها على مذهب أبي حنيفة، وهذا خطأ فادح.
والخلاف في هذه المسألة من ثلاثة أوجه، أولاً: زواج المرأة بلا ولي، هل يصح أو لا يصح؟ ثانياً: الخلاف في هذه المسألة، هل هو خلاف مشروع معتبر، -يعني: لا إنكار فيه- أم غير معتبر؟ ثالثاً: من تزوج بغير الولي فما حكمه؟
стр. 40
حكم زواج المرأة بدون ولي
أما المسألة الأولى: وهي زواج المرأة بغير ولي فهو زواج باطل لا يصح، وأيما امرأة تزوجت بغير ولي فزواجها باطل؛ لقول النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل، باطل).
والتكرار يدل على التأكيد، وقال النبي ﷺ : (فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له).
وأيضاً: جاء عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أنه قال: كنا نعد المرأة التي تزوج نفسها أنها زانية.
وفي كتاب الله إشارات عظيمة جداً إلى لزوم وجود الولي، منها: قول الله جل وعلا: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] أي: الأولياء ﴿أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٢] يعني: إذا تراضوا بينهم، فلا بد من أن ترجعوهن.
فقوله: ((فَلا تَعْضُلُوهُنَّ))، خطاباً لولي الأمر، فهو إشعار وإشارة إلى أن ولي الأمر هو الذي يتحكم في إنكاح البنت، فهذه إشارة من الكتاب، وتصريح من السنة.
فإذاً: وجود الولي، شرط من شروط صحة العقد، فإذا انتفى الشرط، انتفى المشروط.
وأيضاً: قال النبي ﷺ : كما في السنن وهو مختلف في إسناده، والراجح الصحة: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل).
والأصل أن النفي المطلق يكون على الوجود، فإذا لم يكن الحمل على نفي الوجود، أو نفي الأصل، فيحمل على نفي الصحة، فإن لم يكن الحمل على نفي الصحة يكون الحمل على نفي الكمال.
فعندما يقول: لا نكاح إلا بولي، ليس المقصود منه نفي الوجود، وإنما نفي الصحة، وهو مثل قول النبي ﷺ : (نكاح المرأة بغير ولي، نكاح باطل).
فنفى النبي ﷺ : (لا نكاح) فنفي النكاح، ثم اشترط شروطاً، وفيها دلالة على أن الحكم مناط بهذه الشروط، إن تخلف شرط واحد منها فالنكاح باطل.
أما حديث: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، فهذه الزيادة -أي: وشاهدي عدل- اختلف في صحة إسنادها، فعند من يقول بالصحة يقول: شهود العدل شرط الصحة، فمثلاً: لو جاء الخاطب فخطب البنت من وليها فوافق ثم قال: نكتب الآن، فكتب المأذون وقال الولي: زوجتك ابنتي، فقال الخاطب: قبلت، ولم نجد الشهود، فالنكاح -أيضاً- باطل؛ لأن النبي ﷺ جعله شرطاً من شروط العقد، فكأنه قال: لا نكاح صحيح إلا بشرطين اثنين: الأول: الولي، والثاني: شاهدي عدل.
فإذا لم يوجد شهود فالنكاح غير صحيح، كما في مذهب مالك، وقاله شيخ الإسلام ابن تيمية يكفي أحد أمرين: إما الإشهار، وإما الشهود.
لكن المالكية أشد قولاً من شيخ الإسلام ابن تيمية، فهم يقولون: الإشهار مقدم على الشهود.
وهذا معناه: أنه لو جاء الخاطب فقال للولي: زوجني ابنتك، فقال: زوجتك، فقال الخاطب: قبلت، ثم قال: العرس غداً.
فعمل العرس في المسجد، ودعا الناس جميعاً، والشهود لم يشهدوا العقد، فإن العقد صحيح، للإشهار، ويستدلون لذلك بحديث عن النبي ﷺ ، وضعفه كثير من المحدثين، وصححه بعضهم، قال فيه النبي ﷺ : (أعلنوا النكاح، واضربوا عليه بالدفوف)، صححه الألباني، فالمقصود بقوله: (أعلنوا النكاح) أي: الإشهار، وهو الإعلام، قالوا: وهذا يدل على أن الإشهار يقوم مقام الشهود.
والصحيح الراجح في ذلك وهو قول الجمهور: أن العقد بلا شهود عقد باطل، وليس بصحيح فلابد من الشهود، والإشهار ليس شرطاً.
فنقول: إذاً بهذه الأدلة كلها أي: زواج بدون ولي فالنكاح باطل، والمرأة زانية.
стр. 41
الخلاف في صحة الزواج بدون ولي
المسألة الثانية: الخلاف في المسألة، وهو خلاف بين جمهور أهل العلم والأحناف، فالأحناف قالوا: يجوز لكل امرأة رشيدة بالغة عاقلة أن تزوج نفسها، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها: قول النبي ﷺ : (والأيم أحق بنفسها).
ومنها: قوله: (الثيب أحق بنفسها، والبكر تستأذن، وإذنها سكوتها، والأيم أحق بنفسها).
والأيم: هي المرأة التي لا زوج لها، فبعضهم قال: هي أحق بنفسها على الإطلاق، وبعضهم قال: ليست أحق بنفسها على الإطلاق بل في الزواج.
وقالوا في حديث: (الثيب أحق بنفسها): إنها أحق بنفسها في كل شيء، فلها أن تزوج نفسها.
واستدلوا -أيضاً- بالقياس على الذمة الخاصة للمرأة؛ لأن المرأة أباح لها الشرع أن تشتري وتبيع وتملك وتورث وتعطي وتهب، فقالوا: هذه ذمة خاصة قد أقرها الشرع، فإذا كان يحل لها ذلك فبضعها لا تبذله إلا بمقابل وهو المهر، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]، ومن السنة حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي فلم يرد عليها، فقام رجل فقال: (زوجنيها يا رسول الله! قال: أمعك شيء؟ قال: لا) وما زوجها إلا بأجرة تعليمه للقرآن.
وحديث علي عندما أراد أن يدخل على فاطمة فقال له النبي ﷺ : (صداقها -يعني: أعطها صداقها- فقال: ما معي يا رسول الله! فقال له: امهرها درعك الحطمية، فأتى بالدرع ولم يدخل عليها حتى أعطاها)، لكن هذا يدل على الاستحباب لا الوجوب.
أي: أن قول النبي ﷺ : (أمهرها) ليس بشرط للدخول عليها.
فالصحيح: أن الصداق ليس بواجب، ولكنه مستحب، وهو دين في ذمة الإنسان، فلا بد أن يعطي للمرأة صداقها.
فهنا قالوا: -أي: الحنفية- تبذل المرأة فرجها بالمهر المقابل لها، ويقولون: الذمة التي تذهب وتشتري وتبيع مثل الذمة التي يقاس عليها العقد، أي: طالما أنها تستطيع أن تعقد بغير ولي عقد بيع وشراء وهو شراء سلعة مقابل مال، فهي كذلك تبذل فرجها مقابل المال، فيكون هذا القياس قياس الشبه.
إذاً: فالأحناف هم الذين قالوا بهذا القياس، وقولهم هو الذي فتح باب القول بأن المرأة الرشيدة العاقلة التي جاوزت الواحد والعشرين سنة -كما يقولون- يصح لها أن تتزوج بغير ولي.
الراجح في هذه المسألة: عدم الجواز وهو قول جمهور أهل العلم؛ لأن النبي ﷺ قد قطع النزاع، وقال -بأبي هو وأمي-: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل).
فأصل العقد باطل.
وقال: (باطل، باطل، باطل)، والراوي الذي روى هذه الرواية هو: أبو هريرة، والقاعدة عند المحدثين: (الراوي أعلم بما روى) وأبو هريرة نفسه قد قال: كنا نعد من تزوج نفسها بغير إذن وليها زانية، والعياذ بالله، إذاً: فالراجح والصحيح قول الجمهور.
стр. 42
الرد على من قال بجواز زواج المرأة بدون ولي
والرد على الأحناف: أولاً: ليس لكم في الأثر حجة؛ لأن النبي ﷺ عندما قال: (والثيب، -أو الأيم- أحق بنفسها)، كان هذا مطلقاً في مقابل الشطر الأول من الحديث، وهو قوله: (البكر تستأذن)، فيكون معنى هذا: أن البكر لما تستأذن تسكت، وتستحي، فهذا الاستحياء يؤخذ منه إقراراً للتزوج، أما الثيب فلا، وكأن النبي ﷺ يقول في مقابل ذلك، الثيب أحق بنفسها بأن تقول لك: أريد أو لا أريد، أما لو ضحكت أو ابتسمت أو استحيت، فهذا لا يعتبر رضا منها، فلا تزوج حتى تقول: أريد هذا الزوج أو لا أريده؛ لأن الثيب مجربة فلها جرأة وتستطيع أن تقول الرضا أو المنع، فكان السياق في مقابلة البكر للثيب.
والحديث يدل على أن النبي ﷺ يريد أن يبين أن المرأة الثيب لابد أن تنطق فلا يكفي في رضاها أن تضحك، بل تقول: أريد، أو لا أريد، ولزاماً على ولي أمر الثيب أن لا يكتفي منها بالسكوت أو الصمت، أو الإشارة العابرة، بل بد أن يقول لها: لا أقبل منك، إلا أن تصرحي.
فهذا الرد على هذا الحديث، والحاصل: أن السياق يخالف ما تبنوه.
أما الرد على القياس: فنقول: أولاً: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأنه خالف نصاً، وهو قول النبي ﷺ : (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل).
ثانياً: أن هذا قياس مع الفارق.
فإن بذل المال قد يغتفر فيما لو جاء مخادع وخدعها في بيع وشراء سعلة معينة، فإنها تعوض، أما غشاء البكارة فأمره عظيم، والفروج أمرها ليس بالهين، فالقياس هنا مع الفارق، فبطل من وجهين: من أنه صادم نصاً، ومن أنه قياس مع الفارق.
стр. 43
ما يجب فعله في حالة وقوع النكاح بدون ولي
المسألة الثالثة: إذا تم الأمر، ووقع النكاح فماذا نفعل؟ إذا هربت العاشقة مع العشيق وتزوجها حتى لا يزنيا فما الحكم؟ نقول: أولاً: هذا النكاح باطل مفسوخ، فلابد أن يفرق بينهما فترجع إلى أهلها، ولا عبرة بهذا العقد.
ثانياً: لها مهر المثل بما استحل من فرجها، يعني: ينظر في عائلتها: فأختها مثلاً كم مهرها؟ أو ابنة عمتها أو عمها كم مهرها؟ فلها مهر مثيلتها في أسرتها، بما استحل من فرجها، كل ذلك على القول: بأن هذا ليس بزنا حقيقة ولكن حكماً، فلا يجلد؛ لوجود شبهة وفي الحديث: (ادرءوا الحدود بالشبهات)، والشبهة: أنها فتوى لعالم جليل معتبر في الأمة وهو الإمام أبي حنيفة، فنقول: يبقى لها مهر المثل.
ثالثاً: يكون عليها عدة، يعني: إن كان لا يستغني عنها وأبوها رضي به زوجاً فتبقى في عدتها، فهذا الراجح خلافاً لجمهور أهل العلم، فإنهم لا يرون عليها عدة في ذلك؛ لأن الماء واحد، والصحيح: أن عليها عدة تعتدها.
وعدتها على أحوال كالآتي.
الحالة الأولى: إذا جامعها فحملت، فعدتها حتى تضع حملها، فينتظرها حتى تضع الحمل، وبعدما تضع يتقدم لأبيها ويطلب يدها ويعطي مهراً جديداً ويأتي الولي والشهود ويتزوجها ويستلحق الولد.
ولا يجوز أن يتزوجها أو يعقد عليها وهي حامل؛ لأن لها عدة فلا بد أن تنهي عدتها، خلافاً للجمهور.
الحالة الثانية: إذا كانت ليست بحامل، فجامعها وفض غشاء البكارة ولم تحمل، فقد اختلف العلماء في ذلك: فقال جمهورهم: تعتد عدة كاملة بثلاث حيض، والقول الثاني: وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من القوة بمكان وهو أن تعتد بحيضة؛ لأن الأصل براءة الرحم.
فتعتد بحيضة واحدة، وهذا القول مخالف لجمهور أهل العلم؛ لأن الجمهور -كما قدمنا- يرون أنه إن أراد الزاني أن يتزوجها فلا عدة عليها، طالما الماء واحد، والصحيح: أنه لا بد من العدة.
نخلص في هذه المسائل: أولاً: أن المرأة لا يصح أن تزوج نفسها، ولو زوجت نفسها فهي زانية، والصحيح: أن عقدها باطل، ويفرق بينهما ولها مهر المثل، فإن كانت حاملاً ينتظر هذا الذي تزوجها بغير ولي حتى تلد، فتكون هذه هي العدة، ثم يتقدم لها بمهر جديد، وعقد جديد، مع ولي وشهود.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وجزاكم الله خيراً.
стр. 44
مخالفات تقع فيها بعض النساء - مكان الزوج عند زوجته
من حرص الإسلام على تقوية الرابطة الأسرية الأمر بطاعة الزوجة لزوجها والتشديد في ذلك، وقد تقع المرأة في مخالفة شرعية في هذا الأمر، مثل عدم طاعة الزوج إذا دعاها إلى فراشه، فإذا فعلت ذلك استحقت سخط الله ولعنة الملائكة، ومن المخالفات التي تقع فيها المرأة: كفرانها للعشير، وإنكارها إحسان الزوج إليها.
стр. 45
مخالفات تقع فيها المرأة في تعاملها مع زوجها
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 46
مكان الزوج من الزوجة
الزوج له مكانة عظيمة عند زوجته، وكثير من نسائنا الآن لا يحترمن هذا المقام ولا يوقرن هذه المكانة بل يتنطعن ويترفعن على الزوج كما سنبين، ففي حديث معاذ قال النبي ﷺ : (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) لعظم حق الزوج على الزوجة.
وأيضاً في السنن عن النبي ﷺ : (أن عائشة سألته فقالت: يا رسول الله! من أحق الناس بالزوج؟ قال: أمه) فالأم تقدم على الزوجة، والذي يحدث من الأزواج من الممكن أن يودي بالرجل إلى نار جهنم وهو لا يدري، فالأم تقدم على الزوجة والأولاد، بل وعلى الأب أيضاً، ثم قالت: (يا رسول الله! وأحق الناس بالزوجة؟ قال: زوجها) فما قال: أبوها، ولا أخوها، ولا عمها ولا خالها ولا ابنها، لم يقل ذلك أبداً، بل قال: (زوجها)؛ لعظم حق الزوج على المرأة؛ ولذلك ورد في الأحاديث الصريحة الصحيحة عن النبي ﷺ كما في السنن منعه ﷺ المرأة من الصيام وزوجها حاضر وشاهد إلا بإذنه، فلا يجوز لها أن تصوم، مع أن الصيام من أجل العبادات، ومع ذلك منعها النبي ﷺ من الصوم في حال حضور زوجها بغير إذنه؛ لعظم مكانته منها.
بل عائشة ﵁ وأرضاها كان يكون عليها أيام الحيض في رمضان، فتؤخر القضاء إلى شعبان؛ لمكان رسول الله ﷺ ؛ ولذلك قال علماؤنا: إذا صامت وزوجها غير راض أثمت، وبطل الصيام، على خلاف فقهي لا ندخل فيه الآن، لكن المقصود: أن نبين أن هذا من عظم حق الزوج على زوجته.
ورد في الآثار -أيضاً- بأسانيد صحيحة أن النبي ﷺ قال مبيناً عظم حق الزوج على الزوجة: (ولأن تلعق صديد جرحه ما وفى) يعني: ما وفت لزوجها حقه حتى وإن لعقت صديد جرحه.
وقد ورد أثر عن عائشة يقارب هذا القول، وهو أنها قالت: لو أخذت المرأة التراب الذي تحت قدم الزوج فجعلته على خدها، أو مسحته بخدها ما وفت لزوجها حقه، وهذا لعظم حق الزوج.
جاءت امرأة شاكية لرسول الله ﷺ زوجها فقال لها: (انظري أين هو منكِ) وهذا من أروع ما يكون حداً للمرأة حتى تعرف قدر زوجها عندها، فقال النبي ﷺ : (انظري أين هو منكِ؟ هو جنتكِ ونارك؟).
ومعنى ذلك: أن بوابة النجاة وبوابة الجنة الزوج.
والمرأة الفطنة اللبيبة هي التي تسارع فيما يرضي زوجها، فتسارع في طاعته، فلا تعانده، ولا تترفع عليه، ولا تقول: رأسي برأسك، وأنا مثقفة وأنت مثقف، فالمرأة الفطنة الفقيهة الأريبة اللبيبة التي تسارع إلى ربها جل في علاه، وتسارع إلى طاعة زوجها، وإلى توقيره وتعظيمه؛ لأنها لن تنجو إلا به، قال ﷺ : (هو جنتكِ وناركِ) يعني: أنت إن لم تطيعيه وإن لم تحسني إليه فأنت إلى النار.
وقد بيَّن النبي ﷺ في بعض الأحاديث أن المرأة إذا أدت فرض ربها وأطاعت زوجها أو أحسنت في أداء حقه كانت الجنة من نصيبها، فقد قال ﷺ : (تدخل من أبواب الجنة الثمانية، من أي الأبواب شاءت) ولا يكون ذلك إلا إذا أطاعت زوجها وأدت فرضها، المهم أن تطيع الزوج، فحق الزوج على الزوجة من أعظم ما يكون.
стр. 47
امتناع الإجابة إلى الفراش
إن الله تعالى يبين نشوز المرأة، ويبين أنه ما كان للمرأة أن تفعل ذلك وقد علمت حق الزوج العظيم عليها، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء:٣٤] إلى آخر الآيتين.
وقال النبي ﷺ -مبيناً حق الزوج على الزوجة-: (لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها).
وأول لون من النشوز: هو عدم طاعة الزوج في فراشه، فإن أرادها لفراشه تمتنع، إما لإساءة خلقه، أو لأنه لم يقدم خيراً، أو لأنها كانت حزينة، أو مرهقة، أو عندها علل، لكن المرأة إذا طلبها زوجها للفراش وامتنعت فهي ناشز، وحكم الناشز أنها لا ينفق عليها؛ لأنها عصت الله جل في علاه، وفي انتظارها عقوبة وخيمة، فالنبي ﷺ -كما في الصحيحين- قال: (إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت باتت والملائكة تلعنها) والعياذ بالله، فهي أدت بنفسها إلى لعنها، أي: طردها من رحمة الله جل في علاه، والذين يلعنونها هم الملائكة، بل هناك رواية تثبت أن اللعن من الرب وأيضاً من الملائكة.
ففي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (إذا أراد الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه باتت والذي في السماء عليها ساخط) فهذه الرواية تدل على أن الرب جل في علاه يسخط عليها وأن الملائكة تلعنها، فقوله ﷺ : (والذي في السماء عليها ساخط) يعني: الملائكة، أما قولك: إن الله في السماء، فلابد من تفصيله وتأويله، فكلمة (في) تؤول بمعنى: فوق؛ لأنه لا يصح أن تقول: الله في السماء بمعنى الظرفية؛ فإن هذا القول كفر؛ لأنه لا يصح أن تقول: الله في السماء والسماء تظله وتقله، أما الملائكة فهي حقيقة في السماء، وليست في الأرض، ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ [النجم:٢٦] ففي هذه الآية دلالة على أن الملائكة في السماوات.
ومن الحديث قول النبي ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا وفيها ملك راكع أو ساجد)، وأيضاً من الأدلة: حديث البيت المعمور.
إذاً: فالملائكة في السماء، فقوله ﷺ : (والذي في السماء عليها ساخط) يحتمل بظاهره الملائكة، أو بتأويل في بمعنى: فوق، أي: الرب، وهذان المعنيان لا منافاة بينهما، فما من رجل أراد امرأته على فراشه فأبت عليه إلا كانت -والعياذ بالله- ملعونة في السماء من الملائكة، أو ملعونة من الله جل وعلا ومطرودة من رحمته، وإن تعللت بعلل.
فعلى المرأة اللبيبة الأريبة أن تطيع زوجها وأن تتقي الله فيه، فإن أرادها وإن كانت على تنور -كما قال النبي ﷺ فلا بد أن تقول: سمعت وأطعت، وإن كان سيء الخلق، ومقصراً في حقها، فلا بد أن تسمع وتطيع؛ لأنه أمر من الله جل في علاه أن تسمع للزوج وتطيع.
والزوج عليه أن يتقي الله فيها، فإن لم يتقِ الله هو فيها، فلا بد أن تتقي الله هي فيه، فلا ترد عليه أمره.
стр. 48
كفران العشير
اللون الثاني من النشوز: هو كفران العشير، قال ﷺ : (لو أحسنت إلى إحداهن أمد الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) أو كما قال ﷺ .
ومعنى كفران العشير: أن المرأة يحسن إليها الزوج أمد الدهر، ثم ترى منه غضباً أو نقيصة أو تقصيراً في شيء ما فتقول: ما رأيت منه خيراً قط، وتقول: كنت عزيزة فأذلني، كنت غنية فأفقرني، كنت كريمة فأهانني، وتبدأ تعدد مساوئه وتنشرها بين الناس، وهذا ليس من خلال المرأة الصالحة التي تحافظ على بيتها.
فالمخالفة الثانية: هو كفران العشير، فيحسن إليها وهي لا تشكر له، ووردت بعض الآثار عن النبي ﷺ ، منها قوله: (إن الله لا ينظر إلى المرأة لا تشكر زوجها وهي لا تستغني عنه) فهي تشتكي منه، حتى إذا طلقها تقول: من لي غيرك؟ أنت أفضل من أبي وأمي وأخي وأختي، تقول ذلك لأنها لا تستغني عنه، وهذا هو معنى نص الحديث، فاللون الثاني من النشوز: عصيان الزوج في عدم شكر إحسانه، أو فضائله الحسنة، وقد قال النبي ﷺ : (إن لم ترضي منه بخلق ترضي منه بآخر) أو قال: (إن لم ترض منها بخلق فارضي منها بآخر).
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلِّ اللهم وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.