Полный текст (69 стр.). Показаны 36–69 · переход к 41.
стр. 36
أحكام انفرد بها النساء عن الرجال - انفراد المرأة بأحكام العدة [١]
مما اختص الله به المرأة من الأحكام: مسألة العدة، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، وفي العدة حقان: حق لله ، وحق للزوج، والعدد هي: عدة الطلاق والخلع والوفاة، والغرض الأساسي من العدة: استبراء الرحم وخلوه من الحمل الذي قد يتسبب في اختلاط الأنساب، وأيضاً: إحياء واحترام ذكرى الزوج الأول.
стр. 37
من أحكام العدة
стр. 38
متى تكون للرجل عدة ؟
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: إخوتي الكرام! لقد انفردت المرأة عن الرجل بأحكام منها أحكام العدة، فهل للرجل عدة؟ الصحيح: أن نقول: إن العدة تختص بالنساء دون الرجال، والصحيح: أن العدة أيضاً للرجال ولها صورة واحدة، وهي: إذا تزوج الرجل أربعاً من النساء، ثم طلق امرأة منهن، وأراد أن يتزوج غيرها فهل يصح له أن يتزوج أم لا؟ ف
الجواب
في هذه الحالة تكون للرجل عدة، فينتظر حتى تنقضي عدة المرأة المطلقة، فإنها في زمن العدة لا تزال زوجته، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨].
وبالإجماع: أن من طلق امرأته فله أن يقول قبل أن تنقضي العدة: أرجعتك، فلو نكح امرأة أخرى في زمن عدة امرأته المطلقة، فتعتبر زوجة خامسة، والسنة: أن يكون عدد الزوجات أربعاً، خلافاً لمن قال: أن مثنى وثلاث ورباع تساوي تسعاً، وهذا قول ابن حزم، وهذا القول أوهى من بيت العنكبوت، والصحيح: أربع زوجات؛ لأن الرجل لما جاء إلى النبي ﷺ وكان عنده أكثر من امرأة قال له: (أبقِ عندك أربعاً من النسوة وطلق الباقي)، فلو تزوج الأخرى مع وجود زوجته وهي في العدة مع أن له أن يردها فقد تزوج الخامسة ووقع في المحظور، لكن هذا وطء شبهة، فيعذر فقط لجهله، لكن لا يقام عليه حد ولا يقال عنه زانٍ، لكن الصحيح: أن نقول: إن هذه هي الصورة الوحيدة التي يمكن أن نقول: إن للرجل فيها عدة، والحق: أن العدة هي عدة النساء، فمن الأحكام التي فرضت على النساء: العدة.
стр. 39
حقوق العدة
للعدة حقان: حق لله وحق للزوج، فتلزم بها المرأة، ولو كان قد مات زوجها؛ من أجل كرامة الزوج، ومن أجل إظهار عظم حق الزوج على الزوجة.
أما حق الله في العدة فهو معرفة براءة الرحم، وأما حق الزوج فإن كان قد مات عظم حقه عليها، لتبين حزنها الشديد على بعلها الذي له القوامة عليها، ولو كانت مطلقة طلاقاً رجعياً فعظم حقه أن يردها دون مهر ودون ولي ودون شهود وإن كان الطلاق ثلاثاً؛ لأن هذا تعبد لله جل في علاه، والراجح الصحيح: أن العدة ثلاثة قروء تعبداً لله جل في علاه.
стр. 40
أنواع العدة
عدة المرأة على ثلاثة أقسام: عدة الوفاة والطلاق والخلع.
والعدة لغة: مأخوذة من العد والحساب، والعد في اللغة: هو الإحصاء، وسميت بذلك؛ لاشتمالها على العدد من الأقراء أو الأشهر، فلليائسة مثلاً أو الصغيرة التي لم تحض، وعدة المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها: هي ما تعده من أيام أقرائها.
والعدة في الاصطلاح: هي اسم لما تتربص فيها المرأة لمعرفة براءة الرحم أو للتعبد أي: تعبداً لله، ولو كان بت في طلاقها فتعتد ثلاثة قروء تعبداً لله جل في علاه، أو لتفجعها على زوجها، وهي عدة الوفاة وتكون أربعة أشهر وعشراً.
стр. 41
أدلة مشروعية العدة
أما أدلة مشروعية العدة فمن الكتاب ومن السنة ومن الإجماع، وهذا الحكم كما قلت انفردت به النساء قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤].
وفي صحيح مسلم عن أم عطية ﵂ وأرضاها قالت: قال رسول الله ﷺ (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً).
وفي مسلم أيضاً أن النبي ﷺ قال (لـ فاطمة بنت قيس عندما طلقها زوجها فبت طلاقها اعتدي في بيت أم مكتوم).
فهذا أمر، وظاهر الأمر: الوجوب، فقوله: (اعتدي) دلالة على مشروعية ذلك أو الأمر به، والإجماع حاصل من علماء الأمة: على وجوب العدة على المرأة عند الطلاق أو عند الوفاة بل وعند الخلع كما سنبين.
стр. 42
أصناف النساء في العدة
أنواع العدة الثلاثة التي ذكرناها هي: عدة القروء، والأشهر، ووضع الحمل، فأصناف النساء في العدة ثلاثة: الصنف الأول: امرأة تحيض.
الصنف الثاني: امرأة يائسة لا تحيض، أو صغيرة لم يأتها الحيض.
الصنف الثالث: امرأة حامل، وفيه قسمان وقسم له فرعان: القسم الأول: امرأة حامل -وهذا ليس له فروع- فعدتها بالوضع.
والقسم الثاني: امرأة حائل ليست بحامل ولها فرعان: امرأة تحيض وامرأة لا تحيض، فالتي لا تحيض إما كبيرة في السن أي: يائسة، وإما صغيرة في السن لم يأتها الحيض، فإن كانت من التي يحضن فعدتها بالقروء، وإن كانت من اليائسات فعدتها بالأشهر كما سنبين.
والعدة بالقروء تكون للمطلقة الرجعية، أو المبتوتة يعني: بانت منه بينونة كبرى بأن طلقت ثلاثاً مثلاً.
والقرء طهر أو حيض، ويكون للمطلقة الرجعية والمطلقة المبتوتة التي بانت من زوجها بينونة كبرى بشرط وقيد، وهو الدخول بها، فلو طلقها ولم يدخل بها فليس عليها عدة، قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩].
أما المدخول بها، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
وهذه العدة لصنفين من النساء: امرأة مطلقة رجعية، وامرأة مبتوتة.
стр. 43
اختلاف العلماء في المراد بالقرء وبيان الراجح
وهذا هو الإشكال العظيم حتى نعرف ماهية العدة، وهل تعتد المرأة بالطهر أم تعتد بنزول الدم يعني بالحيض؟ فالقرء يحتمل الحيض ويحتمل الطهر، والقول الفصل في هذه المسألة أن القرء لغة: يطلق على الطهر وعلى الحيض، وهذا يسمى في اللغة لفظاً مشتركاً، كأن تقول: اشترى وتعني: باع أو اشترى، فالقرء هو الطهر والحيض، واختلف العلماء في معناه اصطلاحاً: فأما الشافعية والمالكية فيرون أن المراد بقول الله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، يعني ثلاثة أطهار، فيرون أن القرء هو الطهر، ولهم أدلة من الكتاب والسنة والنظر، أي: من الأثر والنظر.
стр. 44
أدلة القائلين بأن القرء هو الطهر
أما من الأثر فقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١].
وجه الدلالة من الآية: أن العدة هي الأطهار لا الحيض.
فقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] يعني: فطلقوهن في طهرهن، ويدل على هذا: حديث ابن عمر ﵁ وأرضاه في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: للذي طلق زوجته في الحيض (مره فليراجعها ثم يتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فإن شاء أمسك وإن شاء طلق) فالنبي ﷺ أمره أن يطلق في الطهر، فهذه دلالة على أن المقصود بالقرء: هو الطهر.
وأيضاً ورد بسند صحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها، قالت: أتعرفون ما الأقراء؟ الأقراء: الأطهار.
وهذه الصحابية لم يخالفها أحد، يعني: في أن عدة المرأة تحسب بالطهر.
أما من النظر: فإن الشافعي استدل بدلالة قوية جداً من النظر، ألا وهي: اللغة، فقال: القرء يشتق من الجمع والجمع لا يكون إلا على الطهر، لأن الطهر هو جمع الدم أو تجميع الدم داخل الرحم، أما الحيض فهو خروج الدم من الرحم.
وهذا القول من القوة بمكان، أن القرء معناه: الجمع، وإذا نظرت إلى الجمع وجدت أن الطهر: هو الذي يساوي الجمع؛ لأن الطهر معناه: تجميع الدم داخل الرحم، والحيض خروج الدم من الرحم، فصراحة لو وقفنا عند اللغة لقلنا: القرء هو الطهر، كما قال الإمام الشافعي.
стр. 45
أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض
أما الأحناف والحنابلة فرأوا أن القرء هو الحيض، واستدلوا على ذلك أيضاً بالأثر وبالنظر.
أما بالأثر فمن كتاب الله جل في علاه، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
وجه الدلالة: أن الذي طلق في الطهر سيكون على امرأته أن تعتد عدة المطلقة طهرين ونصف الطهر فلا تنطبق، ولا يمكن أن تطلق عليها ثلاثة قروء تماماً، ولا تكون إلا في الحيض، ونحن نقول: الأصل في اللفظ: أن يبقى على ظاهره وألا يؤول إلا بقرينة، ولا قرينة هنا صارفة؛ لأن حديث النبي ﷺ أثبت هذا العدد، وهو ثلاثة قروء، وهذه لا تصح بحال من الأحوال إلا أن تحيض للمرة الأولى ثم للمرة الثانية ثم للمرة الثالثة، فيكون ثلاثة قروء.
ولو طلقها في الطهر، فستبدأ تحسب من هذا الطهر، فلو طلقها في نصف الطهر، فسيكون هذا الطهر ناقصاً ثم الطهر الثاني والثالث، فتكون عدتها طهرين كاملين وشطر طهر، فلا يمكن أن ينطبق على قول الله بأنه ثلاثة قروء، وإنما ينطبق على الحيض فقط فتكون عدتها ثلاثة كاملات.
أما السنة: فحديث فاطمة بنت حبيش في السنن ﵂ وأرضاها، قال لها النبي ﷺ لما اشتكت أنها تثج الدم ثجاً، فقال: (إذا أتى قرؤك فلا تصلي) وجه الدلالة من الحديث: أن القرء هنا: الحيض، فإذا جاء الحيض فتطهري، ثم صلي بين القرء إلى القرء، يعني: في الطهر الذي بين الحيض والحيض، وهذا دليل واضح جداً على أن المرأة قرؤها هو: الحيض.
أيضاً: هناك حديث مرفوع ضعيف أعله الدارقطني لكنه صح موقوفاً عن ابن عمر ﵁ وأرضاه إذ يقول: طلاق الأمة اثنتان، يعني: يطلقها الأولى والثانية، وليس لها ثالثة، ثم قال: وعدتها حيضتان، وهذا أوضح من الأول وصريح: بأن عدتها حيضتان.
وأيضاً في سنن الترمذي وأبي داود بسند صحيح عن النبي ﷺ قال: (ولتدع الصلاة أيام أقرائها) يعني: في حيضها.
ومن النظر: يبدوا أن العدة ما أوجبها الله إلا للتعبد أو التفجع أو براءة الرحم، وبراءة الرحم لا تعرف إلا بالحيض.
стр. 46
الراجح في معنى القرء
والراجح من القولين صراحةً هو كلام الأحناف والحنابلة، لأننا قد تعهدنا وأقسمنا على أنفسنا أن نتكلم ونعلم أنفسنا والآخرين أن مدار الدين كله على قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه، وهذا جاء نهر الشرع أي: كلام النبي، فلا كلام مع كلام النبي، قال النبي ﷺ : (لتدع الصلاة أيام أقرائها) والحديث صححه المحدثون، فلذلك نقول: الصحيح أن القرء هو: الحيض، وأن عدة المرأة تحسب بالحيض ولا تحسب بالطهر، فهذا هو الراجح الصحيح.
стр. 47
الرد على أدلة القائلين بأن القرء هو الحيض
وأما الرد على ما استدل به الشافعية والمالكية، فنقول: الآية محتملة، وقد جاء الحديث وفصلنا المسألة عندما قال: (مره فليراجعها) فهو طلقها في حيض فيأثم بذلك، فليراجعها ثم يمسكها فلتطهر ثم تحيض تم تطهر.
فبين النبي ﷺ أن الطلاق السني: هو أن يطلقها بطهر، فسياق الحديث على الطلاق الذي يقبله الله لا أنه في معرض بيان العدة.
стр. 48
الفرق بين الطلاق السني والبدعي
فالعدة من الحيض لا من الطهر، والآية والحديث يبينان لنا التفريق بين الطلاق السني والطلاق البدعي، وكأن النبي ﷺ يقول لـ ابن عمر هذا طلاق بدعي عندما طلقها في الحيض، والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه.
أما في اللغة: فلا يستطيع أحد الرد على ما قاله الإمام الشافعي؛ لأنه من القوة بمكان، ولكن نقول: إن الأثر يقدم على اللغة، فإن المسألة إن لم تحد فحدها الشرع، فإن لم يحدها الشرع فالعرف وإلا فاللغة.
فاللغة لا تتقدم على لسان الشرع، وقد جاء لسان الشرع وبين أن القرء هو الحيض، فلا نقدم اللغة على الشرع، وهذا الراجح الصحيح.
أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم.
стр. 49
أحكام انفرد بها النساء عن الرجال - انفراد المرأة بأحكام العدة [٢]
اختلف العلماء من أتباع الأئمة الأربعة في معنى القرء على قولين: أحدهما: أنه الطهر، وثانيهما: أنه الحيض، وقد بين الله ورسوله مقدار العدة التي تجب على المرأة إذا مات عنها زوجها، أو كانت صغيرة أو آيسة من الحيض، وفي هذا الدرس بيان لبعض أحكام العدة التي ينبغي معرفتها، فإنها من العلم المهم.
стр. 50
بيان الخلاف في معنى القرء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فإن القرء عند العلماء يأتي على معنيين: الطهر أو الحيض، والمرأة التي تعتد بالقرء هي: المرأة المطلقة الحائض، أي: التي تحيض وليست بحامل، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]،واختار الأحناف والحنابلة أن معنى القرء في هذه الآية الحيض، واختار الشافعية والمالكية أن القرء: هو الطهر، وقد بينا الخلاف والراجح.
стр. 51
أصناف النساء اللاتي يعتددن بالأشهر
أما أصناف النساء في العدة بالأشهر فهن: المرأة المطلقة التي لا تحيض، أو التي توفي عنها زوجها، فإذاً: العدة بالأشهر في صنفين من النساء، الصنف الأول: امرأة طلقت وهي لا تحيض، إما لصغر أو يأس.
وهذه عدتها الأشهر، كما قال الله جل في علاه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:٤]، فجعلها بالأشهر ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]، يعني: لصغر، وهذه الآية فيها دلالة واضحة عند الفقهاء على أنه يجوز أن يتزوج الرجل ابنة ثلاث سنين أو أربع أو خمس أو ست، فإن قيل: وإن كانت لا تطيق الجماع، قلنا: لو كانت لا تطيق الجماع فله أن يتمتع بخدمتها، أو يتمتع بالتقبيل، أو غير ذلك.
أما اليائسة من الحيض: فهي التي انقطع عنها الدم ولم يرجع لها مرة أخرى.
فعدة القسمين ثلاثة أشهر، إذ البدل يساوي الأصل، فالأصل: القرء وهو الحيض، فقد عده الله جل في علاه بثلاثة قروء، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فلما عدم الأصل كان البدل مساوياً للأصل، فقال: ((ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ)) [الطلاق:٤].
الصنف الثاني: المرأة التي توفي عنها زوجها، وهذه على العموم، سواء كانت يائسة، أو كانت صغيرة، أو كانت حائضاً، فعدتها بالأشهر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، وهذا في أول الأحكام ثم نسخه الله جل في علاه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فعدة المرأة التي توفي عنها زوجها: أربعة أشهر وعشراً، أما على غير الزوج فثلاثة أيام، كما في الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً)، فهذه العدة الثانية وهي بالأشهر.
وهنا ملحوظة مهمة جداً لا بد من النظر إليها ألا وهي: أن الأشهر تحسب بالعربي لا بالميلادي، والعد يكون بالأشهر القمرية لا الشمسية، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:١٨٩]، فالمواقيت تحسب بالأهلة؛ أي: بالأشهر القمرية، سواء كانت تسعة وعشرين أو كانت ثلاثين فهي تحسب بذلك أربعة أشهر وعشراً أو ثلاثة أشهر على حسب المعتدة.
стр. 52
النساء اللاتي يعتددن بوضع الحمل
الصنف الأخير أو القسم الأخير من العدد: هو العدة بوضع الحمل، ولها صنفان: امرأة حامل مطلقة، أو امرأة حامل توفي عنها زوجها.
أما المرأة الحامل المطلقة: فإن عدتها: أن تضع الحمل، وأما المرأة التي توفي عنها زوجها: فعدتها: أن تضع الحمل على الراجح كما سنبين الخلاف، قال الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، ووجه الدلالة من الآية: العموم، إذ بين أن أي امرأة كانت حاملة، سواء توفي عنها زوجها أم لم يتوف عنها زوجها فإن عدتها وضع الحمل، كما قال تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، والغرض المقصود من العدة: هو براءة الرحم، وبراءة الرحم تعرف: بالولادة، وهذا على الراجح.
стр. 53
خلاف العلماء في عدة الحامل المتوفى عنها زوجها
اختلف العلماء في المرأة التي توفي عنها زوجها وهي حامل هل عدتها وضع الحمل أم غير ذلك؟ على قولين: أما جماهير أهل العلم فقالوا: بأن عدتها وضع الحمل، والذي نجم الخلاف بسببه هو قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فإن هذه الآية عامة من وجه وخاصة من وجه، فهي عامة في المطلقة وفي المتوفى عنها زوجها، وخاصة بأولات الأحمال، والآية الثانية: قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فإن هذه الآية أيضاً عامة من وجه وخاصة من وجه آخر، فهي عامة في الحامل والحائض وغير الحائض فعدتهن أربعة أشهر وعشراً، وخاصة بالمرأة التي توفي عنها زوجها، فقال الجمهور: أما عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فهو مخصوص بقول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، كأنهم يقولون: المرأة الحامل التي توفي عنها زوجها آيتها هي قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فخصصوا بها عموم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فالخاص من هنا يخصص عموم هذه الآية.
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وكثير من التابعين: بأن الأصح في هذه المسألة تطبيق القاعدة الفقهية التي نتفق عليها جميعاً وهي: إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، فلا بد من إعمال الدليلين بأن نأخذ أبعد الأجلين، فنقول: إن كانت حاملاً وتوفي عنها زوجها فننظر، فإن كانت ولادتها بعد شهر قلنا لها: عدتك ثلاثة أشهر وعشراً؛ لأن هذا هو أبعد الأجلين، وإن كانت في بداية الحمل فنقول: عدتك وضع الحمل، فهي أبعد الأجلين، وبذلك نكون عملنا بالآية الأولى، وعملنا بالآية الثانية، وإعمال الكلام أولى من إهماله، وهذا القول من القوة بمكان في النظر، وهو موافق للتأصيل والتقعيد الفقهي عند العلماء، لولا أننا قد قعدنا قاعدة هي أهم من القواعد بأسرها ألا وهي: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه فهنا الآيتان ظاهرهما التعارض لكن قد فصل النبي ﵌ في النزاع، ورجح بين الآيتين، كحديث سبيعة الأسلمية حيث كانت حاملاً وما هي إلا ساعات حتى ولدت فتهيأت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك وقال: يا لكع! -وقد كان يريدها- أتتزينين للخطاب؟! قالت: فجمعت علي ثيابي، فذهبت إلى رسول الله ﵌ فقلت له ما قال أبو السنابل، فقال النبي ﵌: (كذب أبو السنابل)، أي: أخطأ أبو السنابل، (قد حللت للخطاب)؛ وذلك لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، فرسول الله ﷺ قد فصل النزاع في المسألة، ونحن ندور مع الشارع حيث دار، وهذا الحديث فاصل في النزاع، وهو الصحيح الراجح.
стр. 54
حكم رطوبة فرج المرأة
آخر المسائل التي انفرد بها النساء: هي حكم رطوبة فرج المرأة، فالمرأة تعاني كثيراً من هذه المسألة، خاصة إذا وجدت الاحتكاكات أو كانت المرأة شديدة الشهوة، فتضطرب المرأة فيها وتحتار؛ لأن الرطوبة إن كانت نجسة فعلى المرأة أن تغسل الثياب كل مرة، وأن تغسل المحل، وأن تتوضأ لكل صلاة، وإن كانت طاهرة فلا يشق عليها هذا الأمر كما سنبين، ورطوبة فرج المرأة اختلف العلماء فيها على قولين: أما جماهير أهل العلم كالشافعية والمالكية والحنابلة وبعض الأحناف فقالوا: رطوبة فرج المرأة نجسة، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم عن زيد بن خالد ﵄ أنه سأل عثمان بن عفان ﵁ فقال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأة ولم ينزل؟ قال عثمان: (يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره، وقال عثمان: سمعت ذلك من النبي ﵌، والشاهد في هذا الحديث هو قوله: (يغسل ذكره) ووجه الدلالة منه: أن عثمان أمر بغسل الذكر من جماع المرأة وإن لم ينزل، وذلك لأن الذكر قد أصابه من رطوبة فرج المرأة شيء، وجعل هذا عاماً، أي: سواء أمذى أو لم يمذ، فكأنه قال: سواء أمذيت أم لم تمذ فعليك أن تغسل ذكرك، ففيها دلالة واضحة على أنهم كانوا يعتقدون أن رطوبة فرج المرأة نجسة.
والحديث الثاني أيضاً في الصحيحن وهو عن أبي بن كعب ﵁ وأرضاه قال: يا رسول الله! إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل، قال: (يغسل ما مس المرأة منه ثم يتوضأ) أو قال: (اغسل ما أصابك منه) وهذا أوضح في الدلالة، إذ أنه أمر بالغسل، ولا يأمر بالغسل إلا على نجاسة، فهذا فيه دلالة واضحة على أنها نجسة، أما حكم أن الرجل إذا جامع امرأته فعليه أن يتوضأ فهذا منسوخ.
القول الثاني: وهو قول للشافعية وابن حزم، وهو ترجيح ابن عبد البر من المالكية، قالوا: رطوبة فرج المرأة طاهرة، واستدلوا بما يلي: أولاً: الأصل، فإن الأصل عدم النجاسة ما لم يدل دليل على ذلك، قالوا: فإن قيل: الدليل هو قول النبي ﵌: (اغسل ما أصابك)، قلنا: لا نوافق على هذا المقدمة، فإن قوله: (اغسل ما أصابك)، أي: اغسل استحباباً لا وجوباً.
الدليل الثاني: الحديث الصحيح عن عائشة ﵂ وأرضاها (أنها كانت تفرك المني من ثوب النبي ﵌، وهو من جماع، فيدل على أنه أصاب المرأة، وإذا أصاب المرأة فلا بد أن يصيب الثوب رطوبة فرج المرأة، وهذا الحديث ظاهر جداً في أن رطوبة فرج المرأة كانت تلاقي الثوب ومع ذلك كانت لا تغسله بل تفركه، وفيه دلالة على أنه ليس نجساً؛ إذ لو كان نجساً لأمرت بالغسل، لكنها كانت تفرك ثوب النبي ﵌، وهذا فيه دلالة على عدم النجاسة.
والراجح من القولين: هو القول الثاني، وهو أن رطوبة فرج المرأة طاهرة وليست بنجسة، لا سيما وأن مقاصد الشريعة توافق القول بذلك؛ لأن المرأة إذا كانت تتابع معها هذه الرطوبة وقلنا بالنجاسة لشق عليها هذا الأمر شقة لا يعلمها إلا الله جل في علاه، حيث يجب عليها غسل الثوب، وغسل المحل، والوضوء دائماً وفي هذه مشقة، فالصحيح الراجح في ذلك: أنها طاهرة، وهذا الذي يتفق مع روح الشريعة.
стр. 55
حكم الوضوء من رطوبة فرج المرأة
المسألة الثانية التي تتفرع عن هذه المسألة هي: أنه إذا قلنا بالطهارة فهل ينقض الوضوء أم لا ينقض؟ المسألة على قولين: القول الأول: وهو قول جماهير أهل العلم أنه ينقض الوضوء؛ لأنه نجس عندهم، ومن يقول بالطهارة يقول: إنه خرج من السبيلين، وكل ما خرج من السبيلين ينقض الوضوء، وهذا تفصيل من الشافعية، ونظير ذلك في الشرع: الريح، فإن الريح طاهر باتفاق، ومع ذلك فهو ينقض الوضوء.
إذاً: القول الأول: ينقض الوضوء؛ لأنه خرج من السبيلين فيعامل معاملة الريح.
القول الثاني: وهو قول ابن حزم قال: لا ينقض الوضوء، والدلالة على ذلك: أن الأصل عدم نقض الوضوء.
ونحن نقول: قد جاء الدليل الناقل عن هذا الأصل، ألا وهو: القياس على الريح، وهذا القياس مضمون جداً، فإن الريح طاهر وخرج من السبيلين فينقض، وكذلك رطوبة الفرج فإنها تخرج من السبيلين وهي ناقض أيضاً.
стр. 56
بيان بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة
مسألة فرعية أخرى: مسألة مرور المرأة البالغة أمام المصلي تبطل الصلاة؛ لقول النبي ﵌: (يقطع الصلاة مرور المرأة والحمار والكلب الأسود)، فقالوا: يا رسول الله! على ما الكلب الأسود من الأصفر؟ قال: (الكلب الأسود شيطان).
هذه آخر المسائل في هذا البحث، فلقد انتهينا منه بفضل الله ومنه وكرمه علينا.
стр. 57
أحكام انفرد بها النساء عن الرجال - حكم إمامة المرأة والجماعة لها وأحكام العقيقة
لقد جاء الإسلام بتكريم المرأة وصيانتها، والمحافظة عليها، ومن أجل ذلك فقد رتب لها أحكاماً خاصة بها، من أجل المحافظة عليها، وعلى طهارة المجتمع، ومن الأحكام التي خصها بها: أن صلاتها في بيتها أفضل لها، وعدم جواز صلاتها بالرجال، أو متقدمة عليهم، كما أنه جعل لها ضوابط في صلاتها مع الرجال في المسجد، وكل ذلك من أجل المحافظة على نقاء المجتمع وطهارته، وخوفاً من شيوع الفساد فيه.
стр. 58
أفضل صلاة المرأة في بيتها
إن الحمد لله، نحمده وستعينه وستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فمن الأحكام التي انفردت بها النساء: أن المرأة لا ينبغي لها الخروج إلى المسجد، فقد جاء في حديث أم حميد الساعدية ﵂ وأرضاها أنها جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إني أحب الصلاة معك فقال النبي ﷺ : قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من الصلاة في مسجدي هذا)، فأمرت بمكان في بيتها فبني لها، فأصبح مسجداً تصلي فيه، حتى لقيت ربها جل في علاه، تطبيقاً لقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣].
стр. 59
حكم إمامة المرأة بالنساء
ويجوز للنساء أ، يعقدن لهن جماعة، ويجوز أن تؤم المرأة بالنساء وتكون وسطهن وهذه الحالة لها نظير عند الرجال، فقد كانت صلاة الرجلين مع الرجل أن يقف وسطهما، ثم نسخ ذلك.
فإذاً: المرأة تقف وسط النساء، وهذا هو قول الأئمة الثلاثة الشافعي وأحمد وأبي حنيفة ﵏، وأما مالك فيرى أنه لا يجوز الصلاة للنساء جماعة، فالمالكية يرون أنه لا تصح إمامة المرأة للنساء، فضلاً عن الرجال، وليس لهن جماعة.
فأما الدليل على صحة جماعة النساء وأن المرأة تقف وسطهن: ما جاء في مصنف ابن أبي شيبة بسند صحيح: أن أم سلمة ﵂ وأرضاها كانت تصلي بالنساء، فتؤمهن في رمضان، وتقوم معهن في الصف، وأيضاً حدث ذلك من عائشة ﵂ وأرضاها.
فالصحيح الراجح الذي دلت عليه الآثار والأدلة: أنها يصح إمامة المرأة بالنساء، وقد فعلت ذلك أمهات المؤمنين ﵅، ولنا بهن أسوة حسنة، وهذه فيه دلالة على أن لهذا أصلاً وهو: أن النبي ﷺ كان يعلم أنهن يفعلن ذلك، ويقر بذلك.
стр. 60
حكم إمامة المرأة بالرجال
وإذا قلنا بجواز إمامة المرأة للنساء، وأنها تقف وسطهن، كما كانت تفعل أمهات المؤمنين، فما حكم إمامة المرأة للرجال؟ إمامة المرأة بالرجال الصحيح الراجح عند الأئمة الأربعة: أنها لا تصح ولا تجوز, فإذا صلت بالرجال فالصلاة باطلة، والأدلة على ذلك كثيرة: أولاً: قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، وإذا جعلت المرأة إماماً لهؤلاء الرجال فقد جعلتها قوامة عليهم، وقلبت الآية، وخالفت نهج ربك جل في علاه.
كذلك جاء في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)، وفي رواية أخرى بإسناد جيد قال ﷺ : (لن يفلح قوم أسندوا أمرهم لامرأة)، فهذه أدلة واضحة جداً على أن المرأة لا يمكن أن تتقدم على الرجال.
كذلك النبي ﷺ كان يجعل النساء خلف الرجال في الصلاة، وكان يقول: (أخروهن كما أخرهن الله).
وهذا الحديث ضعيف، والصحيح: أنه موقوف على ابن مسعود ﵁، وكان يقول ﷺ : (خير صفوف النساء آخرها، وشر صفوف النساء أولها)، فكيف يجعل النبي ﷺ الشر في أول صفوف النساء، ثم يجعلها بعد ذلك أول الناس ويجعلها إمامة؟! فالصحيح الراجح: أن إمامتها باطلة، والصلاة باطلة، ومن رضي بذلك فقد خالف الفطرة السليمة الصحيحة، ورد على الله حكمه، حيث يقول الله جل في علاه: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤].
стр. 61
ضوابط صلاة المرأة مع الجماعة في المسجد
أما إذا أرادت المرأة أن تصلي مع الجماعة في المسجد مع الرجال، فلا بد لها من ضوابط منها: أولاً: أن تخرج تفلة غير متطيبة، كما جاء عن الإمام أحمد في مسنده بسند حسن عن أبي هريرة ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن إذا خرجن تفلات)، يعني: غير متطيبات.
كذلك جاء في مسلم مرفوعاً عنه ﷺ : (أيما امرأة أصابت بخوراً فلا تشهد معنا العشاء)، فإذا صلت خلف الصفوف، وظهرت رائحتها فقد ذهب أبو هريرة إلى أن عليها أن تذهب وتغتسل وتعيد هذه الصلاة -على خلاف فقهي بين العلماء- ورفع ذلك للنبي ﷺ .
ثانياً: أن تكون متأخرة خلف الرجال.
كما قال أنس ﵁: صلى بنا النبي ﷺ فقمت أنا والغلام خلف النبي ﷺ وقامت المرأة خلفنا.
فلو تقدمت المرأة -كما يحدث في الحرم كثيراً- فمن أهل العلم من يرى أن الصلاة باطلة.
فإذا صلى الرجل وصلت أمامه المرأة فالصلاة باطلة، والدلالة على بطلان الصلاة أن النبي ﷺ جعل لهن مكاناً وهو الصف الأخير، فإذا خالفوا النبي ﷺ فقد وقعوا في المحظور.
فالدلالة على بطلان الصلاة: هو صريح قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، يعني: فهو باطل، وقال ﷺ : (من أحدث في ديننا هذا ما ليس منه فهو رد).
وهذا فيه دلالة واضحة على بطلان الصلاة، والجمهور والمحققون من أهل العلم يرون أن الصلاة تبطل، ويأثم المرء إن كان مختاراً، ولا شيء عليه إن كان قد غلب على أمره وهو الراجح الصحيح، فإن لم يكن مختاراً فلا شيء عليه، لكن الصلاة يقل أجرها؛ لأن فيه مخالفة صريحة لفعل وقول النبي ﷺ .
ثالثاً: إذا اختلجت على الإمام القراءة فإنها تصفق؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نابه شيء في الصلاة فليسبح، فإنما التصفيق للنساء)، ففرق بين حكم النساء وبين حكم الرجال في ذلك.
стр. 62
بعض الأحكام التي انفردت بها النساء عن الرجال
ومن الأحكام التي انفردت بها النساء عن الرجال مسألة العقيقة، ومسألة تولي المرأة القضاء والخلافة.
فأما مسألة القضاء والخلافة ففيها ثلاثة أقوال، وخلاف عريض، وأدلة كثيرة جداً، وفيها أخذ ورد، وأما مسألة العقيقة، فالخلاف بين العلماء هل هي واجبة أم سنة؟ فقد اختلفوا على أقوال، والراجح عند بعض العلماء: أنها واجبة على الولي الذي ولد له المولود، والصحيح: أنها سنة عند الجمهور، ويذبح عن الطفل شاتان، وعن الجارية شاة واحدة، وهذا على الاتفاق.
ثم اختلفوا في حلق الشعر، فقالوا: يحلق شعر الطفل بالاتفاق، ويتصدق بوزنه فضة على المساكين.
واختلفوا في الطفلة هل يحلق شعرها أم لا؟ والصحيح: أنه يحلق أيضاً، وقد ورد أثر عن فاطمة ﵂ وأرضاها بذلك، وإن كان السند لا بد أن يراجع؛ لأن فيه كلاماً ولكن الصحيح: أنه لا فرق بين الاثنين في هذه المسألة، فتحلق أيضاً الجارية، ويتصدق بوزن هذا الشعر فضة، وفي الحديث بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وأرضاه أن النبي ﷺ قال: (من ولد له ولد فأحب أن يعق عنه قال: فعن الغلام شاتان مكافئتان، وعن الجارية شاة واحدة)، أو كما قال ﷺ .
وفي المسند أيضاً بسند صحيح عن أبي رافع ﵁ وأرضاه قال: قال النبي ﷺ : (احلقي رأسه، وتصدقي بوزن شعره فضة على المساكين)، وهناك أيضاً فرق آخر في مسألة الطهارة، وهو: أنه يغسل الثوب من بول الجارية، ولا يغسل من بول الطفل، بل يرش أو ينضح كما فعل النبي ﷺ ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 63
أحكام انفرد بها النساء عن الرجال - تولي المرأة القضاء أو الخلافة
الأحكام الشرعية تعم الرجال والنساء على السواء، لكن هناك أحكام انفردت بها النساء عن الرجال، وذلك بما يتوافق مع قدراتهن الحسية والمعنوية، وكذلك هناك أحكام انفرد بها الرجال دون النساء؛ وذلك بما يتوافق مع قدراتهم الحسية والمعنوية، ومن ذلك القوامة والخلافة والإمارة والقضاء وغير ذلك مما يختص به الرجال دون النساء، وكذلك مسألة الطلاق، فقد جعل الله سبحانه الطلاق بيد الرجال، وكل هذا يدل على حكمة الله .
стр. 64
حكم تولي المرأة القضاء والخلافة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فهذه أحكام انفردت بها النساء، وقد انتهينا في هذه المسألة إلى تولي المرأة القضاء والخلافة ورئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ورئاسة كذا وكذا وكذا، هل للمرأة أن تكون أميرة على الرجال؟ وهل لها أن تكون رئيسة عليهم؟ وهل للمرأة أن تكون خليفة للمسلمين؟ هذا الذي نبحثه الآن.
القول بأن المرأة كائن قوي كالجبل الشم الشامخ، قوية البنيان قوية العقل خطأ وتدليس من أجل أن ترضى عنا النساء، لكن القول الحق: أنَّ المرأة كائن ضعيف بالاتفاق والإجماع.
وقد بين النبي ﷺ ضعف المرأة بقوله: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقلن: يا رسول الله! علام نقصان العقل والدين؟ فقال النبي ﷺ مبيناً نقصان العقل والدين: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ فهذا نقصان العقل، وأليست إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فهذا نقصان الدين)، وقد قال الله تعالى مبيناً لنا ضعف الإنسان: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٨]، وهذا على العموم، فما بالكم بالمرأة الكائن الضعيف الذي قال فيه النبي ﷺ : (أحرج على حق الضعيفين: المرأة واليتيم) فسماها ضعيفة، وقال: (اتقوا الله في النساء؛ فإنما هن عوان عندكم) أي: أسيرات عندكم.
فالمرأة بأصلها ضعيفة لا تستطيع أن تفصل في الأمور العظام، والمرأة أصل كينونتها وجبلتها أن عاطفتها تغلب على الحكمة، فإذا وجدت رجلاً يقتل رجلاً فلن تفض النزاع، ولن تقول: اتق الله! ولن تأخذ الأداة القاتلة وتكسرها، لكنها ستولول وتلطم خدها، وهذا الذي يمكن أنْ تفعله، وأنها ستأتي بباقي النساء ليولولن معها.
стр. 65
أقوال العلماء في مسألة تولي المرأة القضاء أو الإمارة أو الخلافة
إن المرأة خلقها الله وجبلها على النقص في الدين والعقل، وبالتالي لا تستطيع أن تقود هذه الأمة إلى الانتصارات وإلى العلو والرقي، فهل للمرأة أن تكون خليفة، أو أن تستلم مقاليد القضاء، أو أن تكون رئيسة؟ بعض العلماء قالوا: نعم، تكون أميرة، أو وزيرة أو رئيسة لكنْ على النساء، وليس على الرجال، كأن تكون مديرة مستشفى ولادة، أو مديرة مدرسة بنات فهذا جائز، لكن لا تكون مديرة على الرجال، كأن تكون قاضية، فيدخل الرجال عليها من بينهم رجل في وجهه سبعة عشر جُرحاً والآخر أعور، فلو رأت هذه الأشكال لسقطت، فهي لا تستطيع أن تقوم مقام القاضي، فلو كانت المرأة قاضية ودخل عليها مجرم وأخذ يفصل لها كيف زنى بامرأة، فماذا ستفعل المرأة القاضية؟ وليس من اللائق أنْ يفصل لها هذا، والعقل لا يقبل مثل هذا، لكننا تعلمنا أن نتكلم بعلم، ومن رد علينا بعلم فأهلاً به وسنأخذ بكلامه، وإن كان جاهلاً أو متعاطفاً مع الموجة فإنا نرد كلامه في نحره ونقول: العلم قال الله قال رسوله.
стр. 66
القول الأول: جواز تولي المرأة القضاء والخلافة وغيرهما وأدلته
نقول: اختلف العلماء في مسألة تولي المرأة القضاء، ومن باب أولى مسألة الخلافة والإمارة على ثلاثة أقوال: القول الأول: قول ابن جرير الطبري، وقوله أضعف الأقوال.
قال ابن جرير: يجوز للمرأة أن تكون خليفة أو أميرة للمؤمنين أو قاضية، وكل شيء تتولاه المرأة يصح لها أن تفعل ذلك، وهذا القول قال فيه ابن العربي: قد شذ ابن جرير، أو قال: أربأُ به أن يشذ عن العلماء، فما من أحد وافقه في مثل هذا القول، فقد قال: يجوز لها أن تتولى القضاء في الدماء وفي الأموال وفي كل شيء.
ولقد بحثت كثيراً عن أدلة له فلم أجد دليلاً، لكن يمكن أن يستدل له بدليل الأحناف: وهو أن الله أباح للمرأة أن تكون شاهدة، فإذا أباح لها الولاية على الشهادة فقد أباح لها الولاية على القضاء وغير القضاء، ويمكن أن يستدل بعموم قوله ﷺ : (النساء شقائق الرجال)، وَفي الأحكام إن تولى رجل القضاء، فالمرأة تستطيع أن تتولى القضاء، وهذا أضعف الأقوال.
стр. 67
القول الثاني: جواز تولي المرأة القضاء في الأموال فقط وأدلته
القول الثاني: قول الأحناف وهو أقوى من الأول بيسير، قالوا: يجوز للمرأة أن تتولى القضاء في الأموال فقط، فلو أن رجلاً سرق رجلاً مالاً، أو بخس حق رجل، أو تنازع الناس في التجارة في البيع والشراء، فللمرأة أن تفصل فيه.
وأدلة الأحناف قالوا: قد أباح الله جل في علاه شهادة المرأة في الأموال، قال : ((وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ)) [البقرة:٢٨٢].
وأيضاً لها ذمة خاصة بها، تبيعها وتشتري كيفما شاءت، فلها أن تتولى القضاء في مثل هذا الباب الذي أباحه الله لها عن باقي الأبواب، وهذا القول حسن على الأقل؛ لأنه قيد المسألة ولم يطلقها.
стр. 68
القول الثالث: عدم جواز تولي المرأة للقضاء والخلافة والإمارة وغيرها وأدلته
القول الثالث: وهو أقوى الأقوال، وهو الذي عليه جماهير أهل العلم من الخلف والسلف: لا يجوز للمرأة بحال من الأحوال أن تتولى القضاء لا في الأموال، ولا في غير الأموال، ولا أن تكون أميرة على الرجال.
والأدلة على ذلك بالأثر والنظر، أما بالأثر فمن الكتاب، قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، والعلمانيون ينادون ويقولون: النساء قوامون على الرجال، فهل نصدق الله في عليائه أم نصدق هؤلاء؟ إنما نصدق الله سبحانه، فهو من قدم الرجال على النساء، قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤]، ولم يقل: النساء قوامون على الرجال.
وأيضاً من كتاب الله جل في علاه: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:٢٨٢]، ولم يجعل المرأة منفردة في مسألة أباحها لها، لكنه جعلها مقيدة؛ لضآلة عقل المرأة في هذه المسألة، ولعدم ضبطها، ولعدم تذكرها، وانظروا إلى الفقيهة الأريبة اللبيبة أم الشافعي التي أخرجت لنا الشافعي، وهذا يبين رجحان عقل المرأة، وذلك أنها دخلت على القاضي في شهادة، فقال لها: أدلي بشهادتك، فقالت: أنتظر أختي، فقال: هي على الباب، أدلي بشهادتك الآن وسأدخلها بعدك، قالت: لا، لا بد أن تكون معي، فتعجب القاضي، وقال: ولم؟ قالت: قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، إذاً فيد واحدة لا تأتي بنفع ولا تثمر.
فلما أباح الله لها الشهادة ما جعلها منفردة، بلْ جعل معها أخرى، ووجه الدلالة في هذه الآية قوي جداً.
ومن السنة: حديث النبي ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، فقالت امرأة من سطة النساء -أي: من وسط النساء-: يا رسول الله! ما نقصان الدين والعقل؟ فقال النبي ﷺ : أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ هذا نقصان الدين، أليس الله جعل شهادة الرجل بشهادة امرأتين؟ فذاك نقصان العقل)، فبين النبي ﷺ أن عقلها ليس براجح وإن كانت ذات عقل، فليس من الممكن أن تأتي بامرأة لتفصل في كل مسألة؛ لأنها لا تستطيع أن تحل المشكلات والمعضلات؛ لأن الله ركبها لتكون ملكة في بيتها، ولتخرج لنا الشموس التي تشرق على هذه الدنيا بحنانها وعاطفتها وجمال فعلها، وقول النبي ﷺ : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، عامٌ في ذلك، وإليكم الدليل القاطع في النزاع، قال النبي ﷺ كما ثبت في الصحيح: (ما أفلح الله قوماً ولوا أمرهم امرأة)، وهذا خبر على: أن الله جل وعلا جعل الخراب والدمار بقوم ولوا على أمرهم امرأة، فهو يقول: خلقتكم وأنا أعلم بكم، لو وليتم أمركم امرأة فهو خراب ودمار عليكم.
وأما إن كان إنشاءًً؛ فإن النبي ﷺ لا يرد دعاؤه بل يقبل.
إذاً: فمن ناحيتي الخبر والإنشاء فهي مغلقة، وكأن النبي ﷺ يرفع يديه ويقول: اللهم من تجرأ وولى أمره امرأة فلا تفلحه.
والخبر والإنشاء أحلاهما بالنسبة للقوم الذين يولون أمرهم امرأة مر: (ما أفلح الله قوماً ولوا أمرهم امرأة)، وفي رواية أخرى يقول: (لا يفلح -أبداً إلى يوم القيامة- قوم ولوا أمرهم امرأة)، وهذه أدلة تثبت لنا عدم صحة تولي المرأة القيادة على الرجال.
وأما الأدلة من النظر فنقول: المرأة ضعيفة وهي كائن لطيف، فقد تكسب المرأة حين تتغزل في محاسنها، أو تحسن لها بكلامك اللطيف، وتستطيع أن تجعلها تدعو لك، وأن تعينك على طاعة كَأَنْ تراجع لك القرآن، لكن تفصل لك الأمور، أو تقضي لك في المعضلات، فهذا لا تطيقه؛ لأنها ضعيفة لا تستطيع أن تحتمل، ولا تستطيع أن تفكر تفكيراً جلياً ينهي لها المسائل في المعضلات؛ لأن القاعدة عند النساء: العاطفة تتغلب على الحكمة، وهذا من أمتع ما يكون للنساء، فإذا كانت العاطفة تغلب الحكمة فلا يمكن لها أن تحل المعضلات والمشكلات، وتكون رقاب الأمة بأسرها في يدها تحكم فيها، فإذا وَجَدتَ رجلاً أنيقاً وسيماً عيناه زرقاوتان وشعره لطيف، فإنها ستقول: هذا الرجل سأجعله وزيراً، أو نائباً لي؛ لأن العاطفة عند المرأة تغلب على الحكمة، ولن تُعمِلَ عقلها فيما يرضي الله جل في علاه.
إذاً: فالصحيح الراجح من الأثر والنظر أنه لا يجوز للمرأة أن تتولى قلائد الأمور بالنسبة لرقاب العباد.
وهناك شبهات يوردها العلمانيون حول تولية المرأة للقضاء والإمارة والخلافة، ويردون بها حديث: (لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة) وغيره من الأدلة، ومنها قولهم: هذا الحديث خاص في امرأة من فارس في الواقعة التي وقعت، ونرد عليهم ونقول: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا قالوا: هي خاصة بهذه المسألة، قلنا: لابد أن تعرفوا مراد رسول الله ﷺ ، فلو كانت الأحكام تنزل بالناس خاصة، ما أخذنا بحكمٍ نعمل به، لكن الأحكام على العموم وليست على الخصوص.
فإذا قالوا: عندنا أدلة أخرى قوية تدل على أن المرأة تستطيع أن تكون لها الولاية والقلادة، وهي من أدلة الأحناف، حيث قالوا: يصح للمرأة أن تكون ناظرة وقف، ويصح لها أن تكون وصية على الأيتام، كما كانت عائشة ﵂ وأرضاها، قلنا: هذا صحيح، لكنه لا يرتقي إلى أن تكون مباشرة للقضاء مع الرجال، ولا أنْ تحتك بهم ولو احتكت بهم لقلنا: هذا حرام، ولا يصح بحال من الأحوال.
أما الوصية على الأيتام كأن يقمن لهم بالحنان والعطف فهذا لا بأس به، ومع ذلك نقول: لو كان الرجل وصياً لكان أولى من المرأة، وهذه الأمور لا تجعلها تتقلد هذه المسألة العظيمة، وهي أن تكون خليفة أو أميرة للمؤمنين.
وهناك شبهات تتعلق بهذا القول، منها: شبهة الملكة بلقيس التي كانت ملكة على رجال، بل لم ينفذوا أمراً إلا بها، قال مخبراً عنها: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٢٩ - ٣٣].
قالوا: قد بين الله جل وعلا لنا أن المرأة كانت ملكة وأقر ذلك وما أنكره، وإقرار الله يدل على الصحة، وهذه المقدمة الأولى.
قالوا: والمقدمة الثانية -وهي الشبهة الأقوى في نظرهم-: أنَّ عمر بن الخطاب، جعل امرأة والية لحسبة السوق، ويقولون: وأنتم ليلاً ونهاراً على المنابر تقولون: عمر وما أدراك ما عمر، فإذا كان عمر هو الذي ولى، فخذوا بتلابيب عمر؛ لأنه هو الذي جعل للمرأة الولاية على حسبة السوق، فماذا تقولون في هذه الشبهة؟ ف
الجواب
شبهة الملكة بلقيس نرد عليها من خمسة أوجه: الوجه الأول: أنهشرع من قبلنا؛ وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما ينسخه، هذا إذا كان سليمان أقرها على ملكها، لكن لا يصح أن سليمان أقرها على ملكها؛ لأن سليمان لم يملكها شيئاً، بل أخذ ملكها وأخذ عرشها، وقال الله حاكياً عن سليمان: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ [النمل:٤٢]، ولما دخلت الصرح الممرد من قوارير وكشفت عن ساقيها لم تصبح مع سليمان ملكة حاشا لله، وحاشا لسليمان أن يفعل ذلك.
الوجه الثاني أن الهدهد حيوان من العجماوات ومع ذلك ما أقر بملك بلقيس بل أنكره، فهو عندما تكلم مع سليمان أنكر وصفها بالملك، قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً﴾ [النمل:٢٣]، فالهدهد ينكر ذلك، فما بالك بالبشر، قال: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا﴾ [النمل:٢٣ - ٢٤]، إلى آخر الآيات.
الوجه الثالث: على فرض أنهم قد أقروها على ذلك، وأصبحت ملكة عليهم، فقد خربت عليهم الديار، وضيعت عليهم الآخرة، وجعلتهم يعبدون الشمس، وهذا هو مصير كل من يدع للمرأة زمام الأمور، فقد عبدت الشمس فعبدوا الشمس معها، فآل أمرهم إلى بوار، ولولا رحمة الله بهم لكانوا كلهم في نار جهنم خالدين فيها، وبذلك تحققت نبوءة النبي ﷺ : (ما أفلح الله قوماً ولوا أمرهم امرأة).
الوجه الرابع: أن سليمان أطاح بملكها ولم يعطها ملكاً.
الوجه الخامس: إذا وافقناكم وقلنا: إن الملكة بلقيساً كانت ملكة وحدث الإقرار لها فقد جاء النبي ﷺ ليهدم هذه القواعد، ووضح وبين أن كل هذه القواعد في ديننا لا تقبل، يقول: (ما أفلح الله قوماً ولوا أمرهم امرأة)، وكذلك في شرع سليمان أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من التماثيل، فجاء الشرع بهدم هذه الشريعة.
وأما الرد على الشبهة الثانية أو الفرية الثانية، نترك المجال لـ ابن العربي في الرج عليه، قال ابن العربي: والظن في ابن جرير أنه لا يشذ أبداً عن العلماء، بل قوله يوافق قول الأحناف أنها تتولى القضاء في مسألة الأموال فقط، يعني كما أبيحت لها مسألة الشهادة، على ضعف في هذا القول.
ثم قال: وقد
стр. 69
مسألة الطلاق من المسائل التي انفرد بها الرجال عن النساء
ومن المسائل التي انفرد بها الرجال عن النساء: الطلاق، فالطلاق لا يكون بيد النساء؛ لأن العصمة في يد الرجل، لكن هناك أمور جديدة ظهرت ونسمعها كثيراً، منها: أن المرأة تقول: العصمة في يدي، فإذا ضايقني خلعته.
نقول: لا والله، إن الله جل في علاه يعلم أن المرأة لا يصح أن تقود أو تكون قوامة على الرجل؛ لأنه تفريع عن هذا الأصل الذي تكلمنا به، وأن الله يعلم من ضعف المرأة فلم يجعل الطلاق بيدها؛ لأن الحكمة عندها ضئيلة والعاطفة عندها تغلب على الحكمة، وإذا دخل الرجل على امرأته يوماً فأغضبها لأنكرت كل معروف قدمه لها.
ولو كان الطلاق بيدها لطلقته ثلاثاً في الحال، والنبي ﷺ قد فسر حالها، فقال: (لو أحسن معها الدهر بأسره، ورأت منه شيئاً، قالت: ما رأيت منك خيراً قط)، أي: نفت كل الخير.
إذاً: فالعاطفة تغلب الحكمة عند المرأة، ولذلك لم يجعل الله الطلاق بيدها، كما قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) [النساء:٣٤]، وفصل الرسول ﷺ هذه المسألة وقال: (الطلاق بيد من أخذ بالساق)، أي: أن الطلاق بيد الرجل.